الآية (٢٤)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤].
* * *
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللَّه هذه للتَّعليل، يَعنِي: أن الأمرَ وقَع كذلك على الوَفاء وعلى النَّقْض، فعلى الوَفاء من المُؤمِنين وعلى النَّقْض من المُنافِقين، وقد وقَعَ هذا؛ ليَجزِيَ اللَّهُ تعالى الصادِقين بِصِدْقهم ويُعَذِّب المُنافِقين، ولولا اختِلاف الناس في الأعمال ما اختَلَفوا في الجَزاء، ولو لم يَختَلَفوا في الجزاء ما كان لخَلْق الجنَّة والنار فائِدة؛ ولهذا قال اللَّه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] فاللَّه حكيم خلَقَ الجنَّة وخلَق بها سُكَّانًا، وخلَق النار وخلَق لها سُكَّانًا، وسُكَّانُ هذه وهذه لا بُدَّ أن يَكون لهم أعمال يَقومون بها حتَّى يَستَحِقُّوا أن يَكونوا من أهلها.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ الباء هنا للسَّبَبية وليست للعِوَض؛ لأن الجَزاء على الأعمال ليس من باب المُعاوَضة، ولكنه من باب قَرْن المُسبَّب بسبَبه؛ لقول النبيِّ ﵊: "لَنْ يدخلُ أَحَدٌ الجَنّةَ بِعَمَلِهِ" (١)،
стр. 177
فالأعمال الصالحِة أسباب، وإلَّا فلو أن اللَّه أَراد أن يُعاوِضنا على أعمالنا مُعاوَضةً بمَعنَى المُعاوَضة لكان لو قابَلنا بنِعْمة واحِدة من نِعَمه علينا ما قابَلَت كلَّ أعمالنا، أو ما قابَلَتْها كلُّ أعمالنا, ولكن الأعمال سبَبٌ.
وقوله : ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ وإذا كان الجَزاء بالصِّدْق فسيَكون الجزاء على حَسب ذلك الصِّدقِ، فالذين صدَقوا ما عاهَدوا اللَّه تعالى عليه يَكون جَزاؤُهم على صِدْقهم بحَسب ما قاموا به، فإذا كانوا أَطوَعَ للَّه وأشدَّ تَنفيذًا لأوامِره وأكثَرَ فِعْلًا لطاعته صار جَزاؤُهم أكثَرَ، والعَكْس بالعَكْس.
وقوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ المُنافِق هو الذي أَظهَر الإيمان وأَبطَن الكُفْر، مَأخوذ من النافِقاء وهي نافِقاء اليَرْبوع الذي يَجعَلها في جُحْره حتى إذا أتاه أحَدٌ من بابه خرَج من هذه النافِقاءِ.
وقوله تعالى: [﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ بأن يُميتَهم على نِفاقهم].
أَشار المُفَسِّر ﵀ في قوله: [بأن يُميتَهم على نِفاقهم] إلى أن تَعذيب المُنَافِقين المُعلَّق بالمَشيئة هنا ليس المَعنى أنه إن شاء عذَّبَهم وإن شاء لم يُعذِّبْهم، وقد ماتوا على النِّفاق؛ لأنهم إذا ماتوا على النِّفاق فقد أَخبَرَنا اللَّه تعالى أنهم في الدَّرْك الأسفَل من النار، وليسوا تَحتَ المَشيئة ويَكون قوله : ﴿إِنْ شَاءَ﴾ بأَنْ يَبْقَوْا على نِفاقهم حتى يَموتوا فإذا بَقُوا على نِفاقهم إلى الموت عَلِمنا أن اللَّه قد شاء تَعذيبهم، أمَّا إن هَداهم اللَّه فإن المُنافِقين قد اهْتَدْوا؛ ولهذا قال : ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بأن يُوَفِّقهم للتَّوْبة، والصواب كما تَقدَّم كثيرًا أنَّ المُنافِق تَصِحُّ تَوْبته وهي نَصٌّ في قوله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ
стр. 178
فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦].
وقوله: ﴿أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بأن يَمُنَّ عليهم بالتَّوْبة فيَتوبوا وحينئذٍ لا يُعَذَّبون.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾ غَفور: هذه اسمُ فاعِل على صيغة المُبالَغة، يَعنِي: كثير المَغفِرة، ويَجوز أن تَكون صِفةً مُشبَّهة، أي: ذو مَغفِرة، والصِّفة المُشبَّهة أبلَغُ من اسمِ الفاعِل؛ لأن اسمَ الفاعِل يَدُلُّ على الفِعْل، والصِّفة المُشبَّهة تَدُلُّ على الوَصْف، أي: على اتِّصاف مَن هي وَصْفه بها دائِمًا.
وقوله ﵀: [﴿غَفُورًا﴾ لمَن تاب] فيه شَيء من النَّظَر؛ لأن اللَّه تعالى يَغفِر حتى لمَن لَمْ يَتُب ممَّن هو تحت المَشيئة، كفاعِل المَعاصي، ولو أن المُفَسِّر ﵀ أَبقاها على إطلاقها لكان أَسلَمَ له، فقوله تعالى: ﴿غَفُورًا﴾ أي: كثير المَغفِرة أو ذو مَغفِرة مُتَّصِفٌ بها دائِما، وهذا أَقرَبُ كما قُلْت؛ لأنه يَدُلُّ على الوَصْف الدائِم، ويَدُلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦].
وقوله ﵀: [﴿رَحِيمًا﴾ به] يَقول: [به] أي: بمَن تاب، والصوابُ: أنه رحيم بمَن تاب وبغَيْره، وأن رحمةَ اللَّه بالمَعنى العامِّ تَشْمَل المُؤمِن والكافِر، والبَرَّ والفاجِرَ، وكلَّ أحَد، كلُّ أحَدٍ، فإنه داخِل في رحمة اللَّه تعالى هذا بالمَعنَى العامِّ، أمَّا بالمَعنَى الخاصِّ فإن الرحمة تَختَصُّ بالمُؤمِنين.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ حِكْمة اللَّه في المُجازاة عن العمَل، كقَوْله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الجزاء من جِنْس العمَل؛ لقوله : ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾،
стр. 179
فإن الباء للسَّببية والمُسبَّب مَرْبوط بالسَّبَب يَقوَى بقُوَّته ويَضعُف بضَعْفه، ويَزداد بزِيادته ويَنقُص بنُقْصانه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الثَّناء على الصادِقين وأنهم أهلٌ للجَزاء الحسَن؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ الصادِقين في العَقيدة وفي القول وفي الفِعْل وفي العمَل.
وقد أَمَر اللَّه تعالى بالصِّدْق، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقال النبيُّ ﵊ حاثًّا على الصِّدق: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا" (١).
والصِّدْق كما أنه مَحَلُّ ثَناء من اللَّه ومَحَلُّ ثواب جَزيل، فإنه مَحَلُّ ثَناءٍ من الخَلْق، ولهذا تَجِد الصادِقين تُنشَر آثارهم، وتُؤثَر أقوالهم، ويُثنَى عليهم في المَجالِس حتى بعد مَوْتهم، بخِلاف أهل الكَذِب -والعِياذ باللَّهِ- والنِّفاق، فإنهم على العكس من ذلك، فعليك بالصِّدْق! ولا تَظُنَّ أن الصادِق يَخيب أبَدًا، كما يصوِّر الشيطان أحيانًا للإنسان: أنه لو صدَق لكان في ذلك ضرَرٌ عليه، فلْيَكُن كاذِبًا أو فلْيَكذِب، فإن هذا من وَسْواس الشيطان، والصِّدق مَنجاة؛ ولهذا قال أحَدُهم: رأيتُ في
стр. 180
الكذِب نَجاةً. فقال الثاني له: الصِّدْق أَنجَى. وصدَقَ.
واعلَمْ أن الصادِق وإن كان الأمر مُرًّا عليه في أوَّل أَمْره لكنه تَكون العاقِبة له في النهاية، وإذا أَرَدت مثَلًا على ذلك فانظُرْ إلى حال الثلاثة الذين خُلّفوا في غزوة تَبوكَ (١) كيف كان أوَّل أمْرهم؟ كانوا في تِلك المرارةِ العَظيمةِ حتى ضاقت عليهمُ الأرض بما رحُبَت، وضاقت عليهم أنفُسُهم، وتَنكَّرتِ الأرض لهم، حتى إن كعبَ بنَ مالِك ﵁ يَقول: حتى كأَنَّ الناس الذين على الأرض كأنهم ليسوا همُ الناس الذين أَعرِف؛ قال تعالى: ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ [التوبة: ١١٨]، والنَّتيجة أنه نزَلت فيهم آياتٌ تُتلى إلى يوم القِيامة، لولا هذا الصِّدْقِ ما بقِيَت هذه الآياتُ، حتى قِيل للناس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]، فعِندما ذُكِرَت قِصَّتهم فهذا نهاية عظيمة جِدًّا للصادِقين، فأنت اصدُقْ وإن حصَل عليك ضرَر في أوَّل أَمْركَ، لكن العاقبة لكَ، ولا تُعوِّد نَفْسك الكذِب.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ذَمُّ النِّفاق وأنه سبَب للعَذاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن المُنافِق له تَوْبة في قوله : ﴿إِنْ شَاءَ﴾، فإنه يَشاء أن يُعذِّبهم إذا ماتوا على النِّفاق، أمَّا إذا تابوا فقد شاء ألَّا يُعذِّبهم، ولكن -كما تَقدَّم في تفسير هذه الآيةِ- تَوْبة المُنافِق ذُكِر فيها شُروط لا بُدَّ من مُراعاتها، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]،
стр. 181
لا بُدَّ أن تَظْهَر هذه الأُمورُ على المُنافِق وإلَّا فإن تَوْبته لا تُقبَل في الدنيا، أمَّا في الآخِرة فأَمْره إلى اللَّه تعالى، لكن في الدُّنيا لا نَقبَلها إلَّا إذا ظهَرت عليه هذه الأَوْصافُ التي اشتَرَط اللَّه .
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ترغيب المُنافِقين في التَّوْبة؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فهو مُنافِقٌ خادِعٌ خادِرٌ ماكِرٌ، ومع ذلك يُقال له: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، وهذا دَليل على أن رحمة اللَّه تعالى سبَقَت غضَبُه؛ ولهذا أُولئك الذين يُعذِّبون أَوْلياءَه ويُحرِقونهم بالنار يَقول اللَّه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] وكذلك الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] عرَضَ اللَّه تعالى عليهم التَّوْبة! وكلُّ هذا دليل على أن اللَّه يُحبُّ العَفْو أكثَرَ من العِقاب.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات اسمَيْن من أسماء اللَّه وهما: الغَفور والرَّحيم وما تَضمَّناه أيضًا من الصِّفتَيْن وهما المَغفِرة والرحمة، وما يَتعلَّق بهما من حُكْم وأَثَر، وهو أنه يَغفِر وَيَرحَم.
وأَسماء اللَّه تعالى نَوْعان: مُتعَدٍّ ولازِم؛ فالمُتعدِّي لا يَتِمُّ إيمانك به إلَّا بأُمورٍ ثلاثة:
أ - أن تُؤمِن به اسمًا للَّه تعالى.
ب - أن تُؤمِن بما تَضمَّنه من صِفة.
ج - أن تُؤمِن بما تَضمَّنه من الحُكْم والأثَر.
فالاسمان الكَريمان الغَفور الرَّحيم من الأسماء المُتعدِّية التي لا يَتِمُّ الإيمان بها
стр. 182
إلَّا بأُمور ثلاثة؛ ففي (الغَفور) تُؤمِن بأن الغَفور من أسماء اللَّه تعالى وأنه تعالى ذو مَغفِرة، والثالِث وأنه يَغفِر، ومثله الرَّحيم.
وإذا كان غير النَّوْع الثاني: إذا كان غير مُتعَدٍّ فلا يَتِمُّ الإيمان به إلَّا بأمرين:
أ - الإيمان به اسمًا من أسماءِ اللَّه تعالى.
ب - الإيمان بما تَضمَّنه من الصِّفة.
مِثل: العِلي العَظيم الكَريم وما أَشبَهها، وربما نَقول: إن الكريم من النوع الأَوَّل.
وفي الآية إشكال وهو قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، كان اللَّه يَعنِي: والآنَ؟
فنَقول: إنَّ (كانَ) يُراد بها اتّصاف اسمِها بخبَرها بقَطْع النظَر عن الزمَن، وهو ما يُعرَف بـ (مَسلوبة الزمَن)، يَعنِي: لا يُراد بها الزمَن إطلاقًا، بل يُراد بها تَحقُّق هذا الوصفِ، فـ (كان) يَعنِي: ثبَت، وقوله : ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَعنِي: أنه لم يَزَل ولا يَزال كذلك غَفورًا رحيمًا.
* * *
стр. 183
الآية (٢٥)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
* * *
ردَّهُم أي: أَرجَعهم على أَدْبارهم خائِبين، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعنِي: الأحزابَ من قُرَيْش وغيرِهم.
وقوله تعالى: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ الباء هنا للمُلابَسة، أي: مُتلَبِّسين بالغَيْظ، الجارُّ والمَجرور في مَوْضِع نصب على الحال، يَعنِي: أنهم رجَعوا مُغتاظِين غايةَ الغَيْظ، ووجهُ اغتِياظهم أنهم جاؤُوا بهذا الجَمعِ الكثيرِ الذي لم يُشْهَد له نَظِير في ذلك الوقتِ، يُريدون القَضاء على النبيِّ ﷺ ، ومع ذلك حصَل لهم التَّعَب والعَناء والجُوع والبَلاء، واَخِر الأَمْر أَنْ رجَعوا هارِبين، ولا شَكَّ أن مِثْل هذا سَوف يُؤَثِّر على الإنسان، فسوف يَملَأ قلبه غَيْظًا وحَسْرةً وندَمًا، كيف يَأتِي بهذا الجَيْشِ الذي جَمَع له وأَبدَى فيه وأَعاد وآخِر الأَمْر أن يَنقلِب ولا يَكون معركة؟ ! ولهذا قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾.
وقوله: ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ لا مِن أَمْر الدُّنيا ولا مِن أَمْر الآخِرة، أمَّا أَمْر الآخِرة فإنهم لن يَنالوا خيرًا بقِتالهم للنبيِّ ﵊ على كلِّ حال. وأمَّا أَمْر الدُّنيا الذي يَرَوْنه هم خيرًا لأنفسهم فما نالوه؛ فما نالوا خيرًا لا في الدِّين ولا في الدُّنيا
стр. 184
-وللَّه الحمدُ- حتى ما يَظُنُّونه خيرًا من هَزيمة رسول اللَّه ﷺ والقضاء عليه وعلى أصحابه ما حصَل لهم ذلك، لم يَنالوا خيرًا.
وقوله تعالى: ﴿خَيْرًا﴾ نكِرة في سِياق النفي (لم) فتُفيد العُمُوم يَعنِي: ما نالوا أيَّ خيرٍ لا قليلًا ولا كثيرًا، وهذه من نِعْمة اللَّه وأَضاف اللَّه تعالى الرَّدَّ إلى نَفْسه ﴿رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لأن رُجُوعهم ليسَ بِحَوْل النبيِّ ﵊ ولا بقُوَّته ولا بحَوْل أصحابه ﵃ ولا قُوَّتهم، ولكنه بحَوْل اللَّه تعالى وقُوَّته؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ مُرادهم من الظَّفر بالمُؤمِنين ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾] والحمد للَّه! كفَى اللَّهُ تعالى المُؤمِنين القِتال، يَعنِي: أن اللَّه تعالى أَراح المُؤمِنين من القِتال فلم يُقاتِلوا، وأمَّا ما حصَل من المُناوَشات التي حصَلَت لبعض الصحابة مع بعض المُشرِكين، فإذا لا يُعَدُّ قِتالًا؛ لأن الكلام على الجَيْش كله جَمعاءَ فإنه لم يَحصُل فيه قِتالٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ ونِعْمَ الحسْبُ هو الكَفيُّ .
وقوله ﵀: [بالرِّيح والمَلائِكة] الرِّيح سبَق أن اللَّه تعالى أَرسَل عليهم الرِّيحَ الشرقيةَ البارِدة الشديدة، وأنها كفَأَت قُدُورهم وزَلزَلْت خِيامهم، ورَمَتْهم بالحِجارة تَحمِلها الرِّياح مع البَرْد الشَّديد، حتى كانوا يَصطَلون بالنار، ويَقولون: النَّجا النَّجا، وأمَّا المَلائِكة فإن اللَّه سلَّط المَلائِكة عليهم بأن تُلقِيَ في قُلوبهم الرُّعْب والفزَع والخَوْف، وتوحِّشهم حتى يَنصَرِفوا من المكان، وهذا من نَصْر اللَّه للرسول ﷺ .
وقوله: [﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ على إِيجاد ما يُريده ﴿عَزِيزًا﴾ غالِبًا على أَمْره]
стр. 185
﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ القُوَّة صِفةٌ يَتمَكَّن بها القويُّ من فِعْل ما يُريد بدون ضَعْف، وهي أعلى من القُدْرة؛ لأن القُدْرة صِفةٌ يَتمكَّن بها القادِر من فِعْل ما يُريد بدون عَجْز، فالقُوَّة أعلى، وانظُرْ إلى رَجُلَيْن حمَلا صَخْرةً، أحدُهُما حمَلها لكن مع نوعٍ من المَشقَّة، فنَقول: هذا قادِر، ولكن ليس بقَوِيٍّ، والآخَر حمَلها وكأنها شيءٌ بَسيطٌ نَقول: هذا قوِيٌّ.
وقوَّةُ اللَّه لا مُنْتهَى لها, ولَا مِقْياسَ لها، بَل هي فَوْق ما يَتصوَّره الإنسان، لمَّا قالت عادٌ: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال اللَّه : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٥ - ١٦].
وأمَّا قوله تعالى: ﴿عَزِيزًا﴾ فتقول ﵀: [غالِبًا على أَمْره]، فالعزيز من أسماء اللَّه تعالى له ثَلاثة مَعانٍ:
١ - عَزيز القَدْر.
٢ - وعَزيز القَهْر.
٣ - وعَزيز الامتِناع.
أمَّا عزيز الامتِناع: فمَعناه: أنه يَمتَنِع أن يَناله سوءٌ أو نَقْصٌ في جميع صِفاته وجميع أَفْعاله.
وأمَّا عِزَّة القَدْر: فمَعناه: أنه ذو قَدْر عظيم رفيع مثلَما تَقول: فُلَان عَزيزُ النَّفْس. يَعني: له عِزَّة وترَفُّعٌ عن الدَّنايا.
стр. 186
وأمَّا عِزَّة القَهْر التي من الغَلَبة: فمَعناها أنه غالِب على كل شيء حتى بالجاهِلية، يَقول الشاعِر:
أَيْنَ المَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ... وَالْأَشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ (١)
واللَّهُ هو الغالِب على أَمْره وهو غالِب على كل شيء، لا شيءَ يَكون أمام غلَبَته.
فصار العزيزُ له ثلاثة مَعانٍ: عِزَّة القَدْر وعِزَّة القَهْر، وعِزَّة الامتِناع، وكلها ثابِتةٌ للَّه .
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيان قُدْرة اللَّه حيث رَدَّ هذه الأحزابَ الكثيرة العَظيمة مع ما في قُلوبهم من الغَيْظ والحنَق الشديد على رسول اللَّه ﷺ وأصحابه ردَّهم اللَّه بغَيْظهم ما اشتَفَوْا, ولا نالوا مُرَادهم قال اللَّه تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾؛ ولهذا أَثْنى النبيُّ ﷺ على ربِّه بهَزيمة الأحزاب، فقال: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ" (٢).
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هؤلاءِ الأحزابَ قدِ امتَلَأت قلوبُهم غَيْظًا على رسول اللَّه ﷺ في قوله تعالى: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾، فإن الباء للمُصاحَبة وللمُلابَسة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الأحزاب لم يَنالوا مع هذا التَّعَبِ الشديد خيرًا لا في الدُّنيا
стр. 187
ولا في الآخِرة، فما نالوا خيرًا في الدنيا من غنائِم وغيرها ولا نالوا خيرًا في الآخِرة من الأُجور والثَّواب.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن اللَّه كفَى المُؤمِنين القِتالَ بعد هذه الغَزوةِ؛ ولهذا لم يُقاتِل النبيُّ ﵊ أحَدًا من المُشرِكين بعد تِلك الغَزوةِ حتى قال النبيُّ ﵊: "الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا" (١)؛ لأن اللَّه قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ في هذه الغَزو وما بعدَها، فإن العرَب لم يَقوموا بغزوٍ لرسول اللَّه ﷺ بعد هذه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن اللَّه يُدافِع عن المُؤمِنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ يُؤْخَذ من الآية: أنه خصَّه بالمُؤمِنين فدَلَّ هذا على أنه كَفاهم القِتال لإيمانهم؛ فالمُؤمِنون يَكفيهم اللَّه ما أَهمَّهم؛ فيُدافِع عنهم لإِيمانهم كما قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات القُوَّة والعِزة للَّه تعالى في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، وفيها إثبات هَذين الاسمَيْن من أسمائه، وهما: القويُّ والعَزيز.
* * *
стр. 188
الآية (٢٦)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب: ٢٦].
* * *
قال المفسر ﵀: [﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أي: قُرَيْظةَ ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ حُصونِهم جمع صِيصَة وهو ما يُتَحصَّن به ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾.
قوله : ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾: (أَنزَل) الضمير يَعود على اللَّه ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أَعانوهم وساعَدوهم، والمُظاهَرة بمَعنَى المُساعَدة، وتَظاهَرَ على كذا: أي: تَساعَدَ وتَسانَد عليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ [التحريم: ٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] يُعين مُساعِدًا ومُعينًا، فقوله تعالى: ﴿ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أَعانوهم وساعَدوهم من أهل الكِتاب.
وقوله : ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المُراد بـ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليَهود والنَّصارى، لكن المُراد بهم هنا في الآية: طائِفةٌ من اليَهود، وهم بنو قُرَيظةَ، وسبَق أنَّ بنِي قُرَيظةَ وبني النَّضير وبني قَيْنُقاع ثلاث قبائِلَ من اليَهود، قدِم النَّبيُّ ﷺ -
стр. 189
المَدينة وهم ساكِنون فيها، فأَجرَى بينهم وبينه عَهْدًا, ولكنهم نقَضوا ذلك العهدَ، ولم يَبق إلَّا بنو قُرَيظةَ، ثُم إنَّ بني قُرَيظةَ نَقَضوا العهد بمُساعدةٍ مِن الأحزاب على رسول اللَّه ﷺ .
ولمَّا رجَع النبيّ ﵊ من الأحزاب ودخَل بَيْته واغتَسَل جاءَه جِبريلُ ﵇، وقال له: "اخْرُجْ لهِؤُلَاءِ" مُشيرَا إلى بني قُرَيظةَ فإنهم نقَضوا العهد، فرجَع، فأَمَر النبيُّ ﷺ أصحابه أمَرَهم بالخُروج وقال ﷺ : "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ" (١)، فما تَوَانَى الصحابةُ ﵃ وما تَأخَّروا مع ما هم فيه من التعَب والضَّعْف، فخرَجوا فحاصَروا بني قُرَيظةَ لمُدَّة عِشْرين يومًا حتى نزَلوا على حُكْم سعدِ بنِ مُعاذ ﵁ (٢).
وقوله : ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ جارٌّ ومجَرور مُتَعلِّق بـ (أنزَل) يَعنِي: أَنزَل هؤلاءِ من صَياصيهم أي: من مَآمِنهم، والأصل في صَياصي حَظائِر البقَر؛ لأنها تُؤمَّن فيها، فـ ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يَعنِي: من مَآمِنهم وحُصونهم التي تَحصَّنوا فيها, ولكن ذلك لم يُغنِهم من اللَّه تعالى شيئًا.
وقوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قذَف: بمَعنَى: رمَى، وهو أشدُّ وقعًا من قوله: وضَع، يَعنِي: لو قال: (وضَع في قُلوبِهم الرُّعْب) أَفاد أنَّ الرُّعْب قد صار
стр. 190
في القُلوب، لكن إذا قال: (قذَف) صار أشَدَّ.
و﴿الرُّعْبَ﴾ بمَعنَى: الخَوْف، وإذا وقَع الخَوْف في القلب، فلا تَسأَل عن الخائِف، إذ يَظُنُّ أن الشَّجَر إنسانٌ، فلا يَتَصوَّر الأمور على حَقائقها حتى لو ناداه أحَدٌ من أصحابه ظنَّ أنه عَدُوُّه يُناديه؛ ليَقتُله، ولا أشدَّ من سِلاح يَفتِكُ بالعَدوِّ من الرُّعْب؛ ولهذا قال النبيُّ ﷺ : "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ" (١).
أمَّا إذا ثبَت القَلْبُ واطمَأنَّ فإن المُقاتِل سَيَثبُت كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] وذِكْر اللَّه تَطْمَئِنُّ به القُلوب، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وأَخبَر اللَّه أن اللَّه تعالى أَنزَل على أهل بَدْر المطَر؛ لِيُثبِّت به الأقدام، وتَكون به السَّكينة.
والحاصِلُ: أن الرُّعْب من أشَدِّ الأسلِحة فَتْكًا للعَدوِّ.
وقوله تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ مِنهم وهُمُ المُقاتِلة ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ مِنهم، أىِ: الذَّراري] فهُمْ لمَّا طال بهِمُ الحِصار، ونزَلوا على حُكْم الرسول ﷺ خيَّرهم قال: "مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ؟ " قَالُوا: نُريد أن نَنزِل على حُكْم سعد بنِ مُعاذ. وكان سَعدُ بنُ مُعاذ ﵁ حَليفًا لهم فظَنُّوا أنه سيَفعَل مِثلَما فعَل عبد اللَّه بنُ أُبَيٍّ في حُلَفائه من اليَهود حين شفَع فيهم لرسول إلى رسول اللَّه ﵊ فتَرَكهم، لكن سعدًا ﵁ لمَّا جاء وكان في خَيْمةٍ له في المَسجِد؛ لأنه أُصِيب في الأحزاب في أَكحَله،
стр. 191
وضرَب له النبيُّ ﷺ خيمةً في المسجد، ليَعودَه من قريب؛ لأنه سيِّد قَوْمه -سيّد الأَوْس- جاء على حِمار من مَسجِد الرسول ﵊ إلى مَكان الحِصار.
فأَخبَره النبيُّ ﵊ بأنهم حكَّموه، فقال: حُكْمي نافِذ عليهم -ويُشير إلى الرسول ﵊ أوَحُكْمي فيهم نافِذ؟ ! ويُشير إلى الرسول ﷺ ويُشير إليهم أيضًا فقالوا: نعَمْ! فالنبيُّ ﵊، وكذلك هَؤلاءِ اليَهودُ رَضُوا؛ فقال: لقَدْ آن لسَعْدٍ ﵁ أن لا تَأخُذه في اللَّه تعالى لومةُ لائِمٍ! هذا مَقام محِنةٍ عظيمةٍ، فحكَم فيهم ﵁ بحُكمٍ عظيم حُكمٍ صائِب مُطابِق للحقِّ، قال ﵁: أَحكُم بأَنْ تُقْتَل مُقَاتِلتُهم، وتُسْبَى ذُرِّيَّتهُم، وتُغنَم أموالهم؛ فقال النبيُّ ﵊: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ"، ثُمَّ أمَر النبيُّ ﵊ بأن تُقتَل مُقاتِلتهم وهمُ الرِّجال البالِغون، وأمَّا الذَّراري من النِّساء والرِّجال غير البالِغين، فإنها تُسبَى والأموال تُغنَم، فقُتِلوا في المدينة ما بين السَّبْعِ مِئة إلى ثَمانِ مِئة (١).
فقُتِلوا في يوم واحِد بِناءً على حُكْمٍ همُ الذين رضُوا به، فإذا هو مَعنَى قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾.
وهنا قُدِّم المَفعول في قوله : ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ وأُخِّر المَفعول في قوله : ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ فهلِ الفائِدة من ذلك مُراعاة الفواصِل فقط
стр. 192
فتكون الفائِدة لَفْظية، أم أن هناك فائِدةً مَعنوِيةً؟
الجوابُ: بلِ الأمران، وذلك لأن الحُكْم الأوَّل أشَدُّ وأبلَغُ؛ فلهذا قُدِّم مَفعولُه قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ والثاني دون ذلك؛ لأن الأسير ربما يُمَنُّ عليه بإِطْلاقه فقال: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ هذا مع مُراعاة اللَّفْظ الذي هو مُراعاة الفواصِل -فواصِل الآيات-؛ ولهذا قال في سورة البقَرة: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠].
فلمَّا كان التَّكذيب للرُّسُل شديدا قُدِّم فيه المَفعول كما قُدِّم المَفعول في قَتْلهم، فهذه قِصَّة الأحزاب انتَهَت على قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: مِنَّة أُخرى على المُؤمِنين، وهي إنزال هؤلاء الذين غدَروا من اليَهود من بني قُرَيْظةَ من حُصونهم التي تَحصَّنوا بها في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن اليَهود والنَّصارى أعداءٌ للمُسلِمين مُوالون للمُشرِكين؛ لأن بني قُرَيظةَ والَوُا الأَحزابَ وظاهَروهم على رسول اللَّه ﷺ مع ما عليهم من العَهْد والمِيثاق الذي بينهم وبين رسول اللَّه ﷺ .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن إلقاء الرُّعْب في القُلوب من أعظَمِ الهَزيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الإشارة إلى انحِطاط هؤلاء اليَهودِ وذُلِّهم ونُزُولهم من الأعلى
стр. 193
إلى الأَسفَل، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ وفِعْلًا: فإنهم حصَل لهم مع خُروجهم من حُصونهم من الذُّلِّ والعار والخِزي ما هو باقٍ إلى يوم القيامة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن اللَّه أَباح للمُؤمِنين هؤلاءِ اليَهودَ قتلًا وأَسْرًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات غَدْر اليَهود، وأنهم أهلُ غَدْر وخِيانة، وهذا شيء مَعلوم أن اليَهود من حالهِم منذ كان فيهم نَبيُّهم ﵊ مُوسى إلى يَوْمنا هذا، فهُمْ أشَدُّ الناس غدرًا ومَكْرًا وخِيانة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾.
* * *
стр. 194
الآية (٢٧)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧].
* * *
وقوله ﵀: [﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ وهي خَيبرُ وأُخِذت بعد قُرَيْظةَ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾]، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ (أَورَثَ) هذه تَنصِب مَفعولين؛ المَفعول الأوَّلُ الكافُ والثاني: ﴿أَرْضَهُمْ﴾؛ والأرض والدِّيار بينهما فَرْق، فالدِّيار جَمْع دار، وهِي المَساكِن والأحياء، وأمَّا الأرض فهي أعَمُّ من ذلك، والأموال هي الأَمتِعة والدراهِم والدَّنانير، وغير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ يَعنِي: ما وطِئْتُموها حتى الآنَ، ولكنكم ستَرِثونها، وهي أرض خيبرَ، فإن النبيَّ ﷺ فَتَحها بعد ذلك في السَّنَة السابعة (١).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فلا يُعجِزه شيءٌ، وقُدِّم المَفعول لتَحقُق وقوعِ الفِعْل به؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ ولا تَقُلْ كما يَقول بعض الناس: (إنه على ما يَشاءُ قَديرٌ)؛ لأنك إذا قُلْت: (على ما يَشاء قَدير) خصَصْتَ قُدْرته بما يَشاءُ، مع أن القُدْرة تَتعَلَّق بالذي شاءَه والذي لم يَشَأْه، حتى الذي لم يَشَأه هو قادِر عليه.
стр. 195
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن المُؤمنين إذا فتَحوا بلَدًا ملَكوا الأَرْض؛ لقوله : ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ وإذا ملَكوا الأرض فهل تُقْسَم بين الغانِمين أو تُوْقَف لبيت المال، أو تُوَزَّع على المُؤمِنين بخَراج؟
فيه خِلاف بين أهل العِلْم ﵀ والصحيح أنه يَجِب على وَليِّ الأَمْر أن يَنظُر ما هُو الأَصلَح، إن رأَى أن يُوَزِّعها على الغانِمين فعَل، كما فعَلَ النبيُّ ﵊ في خَيبرَ (١)، وإن رأَى أن يُبقِيَها لمَصالِح المُسلِمين أَبقاها وإن رأَى أن يُوزِّعها على المُسلِمين بخَراج يُضرَب عليها فعَل، مثلَما فعَل عُمرُ ﵁ (٢) فتقول مثَلًا: نحن نُقسِّمها عليكم على أن يَكون على كل مئة مِتْر كذا وكذا دراهِمَ مثل: الصُّبرة، ويكون هذه الدراهِمُ للمُسلِمين يَنتَفِعون بها.
المُهِمُّ أن أرض الكُفَّار إذا فُتِحت عَنْوة فهي للمُسلِمين؛ لقوله : ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، فأَهْل خَيبرَ اليَهود أَبقاهم فيها ﵊ على أنهم فلاليحُ؛ لأنهم يَعرِفون كيف يُدَبِّرون هذه الفلائِحَ، فجعَل لهم شَطْر ما يَأخُذون منها من ثَمَر أو زَرْع والأرض للمُسلِمين وليست هي لهم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: حِلُّ أموال الكُفَّار للمُسلِمين، لقوله تعالى: ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾ فإن الغَنائم تَحِلُّ للمُسلِمين، وهي من خَصائِص هذه الأُمة، قال النبيُّ ﵊:
стр. 196
"أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (١).
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: البِشارة بأن المُسلِمين سيَتَولَّوْن على أراضٍ أُخرَى للكُفَّار، تُؤْخَذ من قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ وهي خَيبرُ وغيرها من بِلاد الكُفَّار، إنما فيه بِشارة بأن اللَّه سَيُورِث المُسلِمين أراضِيَ الكافِرين.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ قُدرةِ اللَّه تعالى على كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ وكل شيء، فإن اللَّه تعالى قادِر عليه لا يُعْجِزه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، فمَهما ظنَنْت من بُعْد الشيء ووُقوع الشيء، من بُعد وقوع الشيء، فلا تَستَبْعِده على قُدْرة اللَّه تعالى فإن الأمر عليه هَيِّن كما قال اللَّه ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، الكل عليه هَيِّن، ولكن هذا أَهوَنُ، والحاصِل أن اللَّه على كل شيءٍ قَديرٌ.
وقد قال في سورة المائِدة لمَّا قال تعالى: قال: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] قال: [وخَصَّ العَقْل ذاته فليس عليها بقادِر] أي: أن اللَّه تعالى لا يَقدِر على ذَاتِهِ، والذي خصَّص هذا العُموم العَقْل على زَعْمِه، فيُقَال: ما هذا العَقْلُ الذي يُخصِّص هذا العُمومَ؟ وكيف لا يَكون اللَّهُ قادرًا على ذاتِه؟ بل هو قادِر على كل شيء
стр. 197
حتى على ذاتِه، فإن اللَّه يَسْتَوِي على العَرْش ويَنزِل إلى السَّماء الدُّنيا ويَأتِي للفَصْل بين عِباده ويَفعَل ما يَشاء، وهذه قُدْرة على الذات.
أمَّا إن أَراد أنه غيرُ قادِر على ذاته فلا يُعدِمها مثَلًا فيُقال: إن هذا الشيءَ مُستَحيل، والمُستَحيل لا تَتعَلَّق به القُدرة أصلًا فهو غير وارِد ولا داخِل في الآية من الأصل، فأمَّا كونه داخِلًا ثُم يَخُصُّه العَقْل، فهذا تخصيص لما عَمَّمه اللَّه أي: آية ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] آخِر السورة.
فلو قال قائِل: هل يَقدِر اللَّه أن يَجعَل الشيء مُتحَرِّكًا ساكِنًا في آنٍ واحِد؟
نَقول: هذا شيء مُستَحيل؛ لأنه إن كان مُتحرِّكًا فليس بساكِن، وإن كان ساكِنًا فليس بمُتحرِّكٍ، فإذا جعَله اللَّه مُتَحرِّكًا لم يَكُن ساكِنًا، وإن جعَله ساكِنًا لم يَكُن مُتحَرِّكًا من الأصل.
وهو واضِح؛ لأنك إذا وصَفته بالحرَكة انتَفَى عنه السُّكون، وإذا وصَفْته بالسُّكون انتَفَت عنه الحرَكة قَطْعًا، وهذا شيء مَعروف لا يَحتاج إلى نظَر، كما لو قلت: كل حادِث لا بُدَّ له من مُحْدِث فهذا شيءٌ مَعقول، فالأُمور العَقْلية المَعلومة بالضَّرورة لا تَحتاج إلى تَأمُّل ولا إلى تَفكير، فالحرَكة والسُّكون مُتناقِضان، والسَّواد والبَياض مُتَضادَّان.
* * *
стр. 198
الآية (٢٨)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]
* * *
ثُمَّ قال : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ لم يُخاطِب اللَّهُ تعالى نبيَّه محُمَّدًا ﷺ إلَّا بوَصْف النُّبوَّة والرِّسالة ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، بينما كان يُخاطِب غيرَه من الأنبياء كثيرًا بأَسْمائهم مثل: يا مُوسى، يا نُوحُ، يا إبراهيمُ، وما أشبَهَ ذلك، وأمَّا النبىُّ ﵊ في القُرآن فلَمْ يُخاطِبْه اللَّه تعالى باسْمِه يَعنِي: لم يَقُل: يا محُمَّدُ. وإن كان جعَل ذلك في الأحاديث، لكن في القرآن: يا أَيُّها النبيُّ.
والنبيُّ مُسَهَّل من النَّبيءِ بالهمْزة، وقيل: إنه غَيْر مُسهَّل، واصل هذا الخِلافِ: هل النبيُّ من النَّبأ أو من النَّبوَّة؟ إذا قُلنا: من النَّبْوة لم يَكُن فيه تَسهيل؛ لأن الياء أَصلِيَّة، وإذا قُلنا: من النبَأ ففيه تَسْهيل، وأَصله النَّبيء، فسُهِّلت الهمزة إلى ياء، والصحيح أنه مُشتَقٌ من المَعنيَيْن جميعًا، فإن النَّبيء مُشتَقٌّ من النبَأ؛ لأنه مُنبَأ مُنْبِئ ومُشتَقٌّ أيضًا من النُّبوَّة؛ لعُلوِّ مَرتبة النَّبيِّين.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الأزواج جَمْع زوج، والزوج في اللغة العرَبية يُطلَق على الأُنثَى والذَّكَر، وفيه لُغة ولكِنها رَديئة قليلة تَقول للمَرأة: زَوْجة.
стр. 199
ولكن هذه اللُّغةَ الرَّديئة القَليلة هي التي استَعمَلها الفَرضيون، فتقولون: زَوْجٌ. للذَّكَر، وزوجة. للأُنثَى من أجل البيان والإيضاح، وهذا أَمْر لا بُدَّ منه في باب الفَرائض.
وقوله ﵀: [﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ وهُنَّ تِسْع]، خمسٌ مِنهُنَّ قُرَشِيَّات وأربَع غير قُرَشِيَّات [وطلَبْنَ منه من زِينة الدُّنيا ما ليس عِنْده، طلَبْن منه نفَقة كِسوةً وغير ذلك ممَّا تُريده النِّساء من الرجال من الأموال، والنبيُّ ﵊ كما نَعلَم جميعًا كان قليلَ ذاتِ اليَدِ؛ لأنه كان يُنفِق ما عِنده ولا يُبقِي لنفسه شيئًا، فطلَبْن منه النفَقة وضَيَّقن عليه، وآلَى مِنهنَّ شهرًا كامِلًا (١) اعتَزَلهُنَّ ثُم نزَل في آخِر الشَّهْر، فأَنزَل اللَّه عليه هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخِره.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾: ﴿إِنْ﴾ شَرْطية، وفِعْل الشَّرْط (كان) ﴿كُنْتُنّ﴾، وجَواب الشَّرْط ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الحياة الدُّنيا يَعنِي: مُتَعَها ﴿وَزِينَتَهَا﴾ ما فيها من الأموال والقُصور والمَراكِب وما أَشبَه ذلك.
وقوله : ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ تَعَالَيْن فِعْل أَمْر؛ لأنه تَلحَقه العَلامات، فإذا كانت تَلحَقه العَلامات فهو فِعْل أمرٍ؛ ولهذا يُقال: تَعالَيْن. ويُقال: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾، بخِلاف (هَلُمَّ) فإنها لا تَلحَقها العَلامات، فهي اسم فِعْل؛ فقوله
стр. 200
تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ يَعنِي: أَقبِلنَ إليَّ.
وقوله تعالى: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أُمتِّعْكن هذه جَواب الطلَب في قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ يَعنِي: أُعطِيكن مَتاعًا تَتمَتَّعن به ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أُطلِّقَكن؛ لأن التَّسريح ضِدُّ التَّقييد، وهذا من الآداب العالية التي أَمَر اللَّه تعالى بها نبيَّه محُمَّدًا ﷺ ، وإلَّا كان مُقتَضى الحال أن يَقول: إن كُنْتُن تُرِدْن الحياة الدُّنيا وزِينَتها فتَعالَيْن أُطلِّقَكن، ولا خيرَ فيمَن لا تُريد إلَّا الدُّنيا، ولكن من كَمال الرِّعَاية قال: أُمتِّعكن وأُسرِّحكن وأُعطِيكن مالًا تَتمَتَّعْنَ به وأُسرِّحكُنَّ: أُطلِّقكنَّ.
وقوله تعالى: ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ يَعنِي: ليس فيه عَداوة، وليس فيه بَغْضاءُ، وليس فيه حَجرٌ؛ لكن بعد ذلك؛ ولهذا لو أن هذا وقَع لكان يَحِلُّ لهن أن يَتزَوَّجْن بغيره؛ لأن هذا من السَّراح الجميل، إذَنْ لا فائِدةَ من كونها تَتسَرَّح من الرسول- ﷺ ثُم تَبقَى مَحبوسةً، ولكن الأمر لم يَقَع.
وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي: كل النِّساء كلهن.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: وُجوب تَخيير النبيِّ ﷺ زَوجاتِه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن التَّخيير لا يَكون طلاقًا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حِماية اللَّه لرسوله ﷺ ، ودِفاعه عنه؛ حيثُ أَمَره أن يُخيِّر أزواجه هذا التَّخييرَ؛ لمَّا ضَيَّقْن عليه، وطَلَبْنَ منه النَّفقة.
стр. 201
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن في ذلك حِمايةً لفِراش الرسول ﵊ من أن يَكون فيه مَن يُريد الحياة الدُّنيا وزِينَتَها.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيانُ فَضَائِلِ أُمَّهات المُؤمِنين ﵅ لأنَّهن اختَرْن اللَّه تعالى ورسوله ﷺ والدار الآخِرة.
الْفَائِدَةُ السادِسَةُ: كمال خُلُق النبي ﵊ حيث أمَرَه اللَّه تعالى أن يَقول: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، بينما كان مُقتَضى الحال أن يُوبَّخن على ذلك، ويُؤَنَّبْن عليه، لكنه قِيل: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: حِلُّ زَوْجات النبيِّ ﷺ لغيره لَوِ اختَرْنَ الحياة الدُّنيا وزينتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.
* * *
стр. 202
الآية (٢٩)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩].
* * *
قوله ﵀: [﴿وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي: الجنَّة؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾ بإرادة الآخرة ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: الجَنَّة].
وإنما بدَأ بالدُّنيا ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ لأنهن كُنَّ يُطالِبن بالنَّفقة، وهي ممَّا يَتعَلَّق بالدُّنيا.
قال : ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾، وهذه هي الحال الثانية لهُنَّ؛ فإنَّ اللَّه تعالى أعَدَّ للمُحسِنات مِنكُن، ولم يَقُل: لَكُنَّ. بل قال: ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ﴾ فأَظهَر في مَوضِع الإِضمار ليَتبَيَّن أنَّ هذه الإرادة إحسان، وأنَّهنُّ إذا أَرَدْن اللَّه تعالى ورسوله ﷺ والدار الآخِرة؛ فإنَّ ذلك من الإحسان، وأنَّ اللَّه تعالى أَعدَّ للمُحسِنات مِنهن أجرًا عظيمًا.
و(من) هنا ليست للتَّبعيض، ولكنَّها للبَيان، فتَشمَل ما لو أَرَدْن كلهن اللَّه ورسوله ﵊ والدار الآخِرة، فإن اللَّه تعالى يُعِدُّ لهن جميعًا أجرًا عظيمًا.
فبَدَأ ﵊ أوَّلَ ما بدَأ بأَحَبِّ نِسائه إليه، وهي عائِشةُ ﵂ وقال
стр. 203
لها: "لَا عَلَيْكَ ألَا تَسْتَعْجِلي، فتَستَأْمِري أبويك" (١)، خاف أنها شابَّة صغيرة أنها تَتَعجَّل وتَقول: أُريد الدُّنيا، فطلَب منها ألَّا تَتَعجَّل حتى تَستَأمِر أبوَيْها، يَعنِي: تَستَأْذِنهما، ومعلومٌ أنَّ أبوَيْها لا يُريدان لها أن تَختار الدنيا وزِينتها على اللَّه تعالى ورسوله ﷺ والدار الآخِرة، ولكنَّها ﵂ كان لها على صِغَر سِنِّها نَظْرة بعيدة، فقالت: يا رسولَ اللَّه، أفِي هذا أَستَأْمِر أبويَّ! يَعنِي: هذا أُشاوِر فيه أَبويَّ؟ ! لا، إنما أُريد اللَّه تعالى ورسوله ﵊ والدارَ الآخِرة، ولكن لا تُخبِر نِساءَك بما قلت، قال النبيُّ ﵊: "إِنَّما بُعِثْتُ مُيَسِّرًا لَا مُتَعَنِّتًا وَمُعَنِّتًا، وَأَيُّ امْرَأَةٍ تَسْأَلُني فسَأخْبِرُهَا" (٢)، لكن كل نِسائه ما سألن، كل امرأة تَقول: إنها تُريد اللَّه تعالى ورسوله ﷺ والدار الآخِرة، فصِرْن على الحال الكامِلة ﵅، على ما كان عليه الرَّسول ﵊ مِن شَغَف العَيْش، وقِلَّة ذات اليَدِ، ومع هذا وفَّقَهن اللَّه تعالى ومَنَّ عليهن، وهذا بلا شَكٍّ من عِناية اللَّه تعالى برسوله ﷺ ، أن يَختار له مثل هؤلاءِ النِّساءِ فكان جَزاؤُهن أنَّ اللَّه تعالى قال له: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢].
فهؤلاءِ النِّسوةُ اللاتي اختَرْن اللَّه تعالى ورسوله ﷺ والدارَ الآخِرة، بعد أن خُيِّرن كان لهُنَّ -مع ما في ثواب الآخِرة- هذا الجزاءُ الدُّنيويُّ، أنَّ الرسول مُنِع مِن أن يَتزَوَّج بعد ذلك بواحدةٍ من النِّساء أو يُبدِّل واحِدةً بامرأة جديدة، ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ
стр. 204
بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾، واللَّهُ تعالى أَعلَمُ.
وقوله ﵀: [﴿بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ بفَتْح الياء وكَسْرها] مُبَيِّنَة مُبَيَّنة [أي: بُيِّنت أو هي بَيِّنة، ﴿يُضَاعَفْ﴾ وفي قِراءة بالتَّضعيف: "يُضَعَّف" بالتَّشديد، وفي أُخرى "نُضَعِّف" بالنون معه مع التَّشديد ونَصْب العَذاب] "نُضَعِّفْ لها العَذَابَ" ففيها إِذَن ثلاثُ قِراءات: يُضَاعَفْ، ويُضَعَّفْ، ونُضَعِّفْ، فعلى القِراءَتَين الأَولَيَيْن يَكون العذاب بالرَّفع يُضَاعَف أو يُضَعَّف العَذاب بالرفع نائِب فاعِل، وعلى القِراءة الثالثة: "نُضَعِّفْ" يَكون العَذاب بالنَّصْب على أنه مَفعول به، ثُمَّ قال ﵀: [﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ضِعْفَي عذاب غيرِهن، أَيْ: مِثْليه، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ إرادة اللَّه تعالى ورسوله ﷺ والدار الآخِرة من الإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن النِّيَّة لها أثَر عظيم في زيادة الثَّواب، لأَنَّه رَتَّبَ هذا الثَّوابَ على هذه الإرادةِ والنِّيَّة الطَّيِّبة.
* * *
стр. 205
الآية (٣٠)
* قالَ اللَّه : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠].
* * *
قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ النِّداء من اللَّه ، مُوجَّه إلى زَوْجات الرسولِ ﷺ ، وذلك لأَهمِّية ما سيُوجَّه إليهِن؛ ولتَنبيهِهِنَّ على ما سيُلْقَى إلَيْهِن: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾: ﴿مَنْ﴾ هذه شَرْطية، وفِعْل الشَّرْط ﴿يَأْتِ﴾ و ﴿يُضَاعَفْ﴾ جَوابُ الشَّرْط.
وما المُراد بالفاحِشة: هل المُراد بالفاحِشة (الزِّنا)، أو المُراد بالفاحِشة (الكلام البَذيء والمُتطاوَّل فيه على رسول اللَّه ﷺ والخارج عن المروءة)؛ أو المُراد هذا وهذا؟
قال بعض أهلِ العِلْم ﵏: إنَّ المُراد الأَخير، ولا يُراد به الزِّنا، مع أنَّ الفاحِشة تَأْتي في القُرآن مُرادًا بها الزِّنا، وتَأتي مُرادًا بها بَذاءة اللِّسان والتَّطاوُل، قال اللَّه : ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، فالمُراد بالفاحِشة هنا الزنا، وقال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، والمُراد بالفاحِشة هنا بَذاءة اللِّسان وسَلاطته؛ فإذا كانت بَذيئة اللِّسان سَليطته تَأتِي بكلماتٍ خارِجة عن المرؤة؛ فلزَوْجها أَنْ يُخرِجها من البيت أثناء العِدَّة.
стр. 206
وهذه الآيةُ إِنْ قُلْنا بأنها تَشْمَلُ الفَاحِشَة التي هي الزِّنا، والفاحِشة التي هي بَذاءة اللسان؛ فإن ذلك لا يَعنِي أنه يَقَع مِنهن، لأنَّ الشَّرْط لا يَلزَم وقوعه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، وهل يُمكِن ذلك؟ ! لا يُمكِن؛ وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وهل يُمكِن ذلك؟ لا يُمكِن، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُمَر: ٦٥]، لا يُمكِن هذا أبدًا، فالإِتْيان بالشيء مُعلَّقًا بالشَّرْط لا يَلزَمُ منه جَواز وقوع الشَّرْط، وعلى هذا فلْتكُنِ الآيةُ ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ شامِلة للزِّنا، لكن هذا شيء محُالٌ.
أمَّا إذا قُلْنا: إن المُراد بالفاحِشة هي سَلاطة اللِّسان، والخُروج بالقَوْل عن المَألوف والمُروءة، فهذا قد يَقَع من النِّساء حتى من أُمَّهات المُؤمِنين ﵅ ولا عَيْبَ عليهن في ذلك، لأنه من طَبيعة النِّساء: الغَيْرة، وعدَم حِفْظ اللسان، وعدَم التَّأنِّي في الأمور، وأيًّا كان فإن اللَّه ﵊ يَقول: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ وذلك لشَرَفها وعُلوِّ مَنزِلتها، فكان الذَّنْب منها أَعظَمَ من الذَّنْب من غيرها؛ ولهذا إذا زَنَتِ الحُرَّة تُجْلَدُ أو تُرْجَم، وإذا زنَتِ الأَمَة فليس عليها إلَّا نِصْف ما على المُحصَنات من العَذاب؛ لشَرَف الأُولى وانحِطاط مَرْتَبة الثانية، فزَوْجات الرسول ﷺ لهُنَّ من المَقام الرفيع، والحِصْن المَنيع ما يَقتَضي أن يُضاعَف العذابُ عَلَيْهن، إذا أتَيْن بفاحِشة مُبيِّنة، ولهذا قال تعالى ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾:
فإذا كان جَزاء سَيِّئة سيِّئةً مِثْلَها، فجزاءُ السَّيِّئة التي ذكَر اللَّه هنا الفاحِشة المُبيِّنة بالنِّسبة لزَوْجات الرسول سَيِّئتان، جَزاؤها سَيِّئتان؛ ولهذا قال : ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، أي: يُكرِّر عليها مرَّتَيْن، وكان ذلك،
стр. 207
أي: تَضعيف العذاب عليهن.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾؛ فالمُشار إليه هو تَضعيف العَذاب، كان ذلك يَسيرًا على اللَّه تعالى، ليس صَعْبًا عليه، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾؛ لئَلَّا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ هذا أمر صَعْب على اللَّه تعالى؛ لكون الأمر يَتعَلَّق بزَوْجات نبيِّه محُمَّد ﷺ فبيَّن اللَّه أنَّ هذا أمرٌ يَسيرٌ عليه، لأنه ليس بَينَه وبين خَلْقه نسَب، وأَكرَم الخَلْق عنده أَتْقاهم له، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ الذَّنْب من المُقرَّبين أَشَدُّ من الذَّنْب من غير المُقرَّبين، يُؤخَذ من قول اللَّه تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: حِماية فِراش النبيِّ ﷺ التامَّة؛ لكون المرأة إذا أَتَت بفاحِشة مُبيِّنة من زوجاته فإنَّ اللَّه تعالى يُضاعِفُ لها العَذاب، كل ذلك من أَجْل حماية فِراش النبيِّ ﷺ ، وسواءٌ قُلْنا: إنَّ المُراد بالفاحِشة الزِّنا، أو المُراد بها بَذاءة اللِّسان.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللَّه له أن يَفعَل ما يَشاء في مُضاعَفة الثَّواب والعِقاب، وأنَّ هذا الأمرَ عليه هيِّن؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
* * *
стр. 208
الآية (٣١)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١].
* * *
هذه عكس الأُولى، لمَّا كنَّ إذا أَتيْن بفاحِشةٍ مُبيِّنة، ضُعِّفَ العَذابُ عَليهن، جازاهُن اللَّه تعالى بالعَفْو من جِهة أُخرى فقال : ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [يقنُتْ: يُطِع]، ولكن القُنوت للَّه غير القُنوت للرسول ﷺ ، القُنوت للَّه تعالى قُنوت عِبادة وتَذلُّل وتَعظيم، والقُنوت للرسول ﵊ قُنوت طاعة الزَّوْج، وليس هو كقُنوتِهن للَّه .
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: ﴿لِلَّهِ﴾ في الطاعة والعِبادة و (لرَسول اللَّهِ) ﷺ بأداء حُقوقه التي تَجِبُ للزَّوج على زَوْجته.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ تَعمَل عمَلًا صالحًا، والعَمَل الصالِح ما كان خالِصًا صوابًا، والخالِص الصواب يَعنِي أنه جمَع بين الشَّرْطين الأساسِيَّين في كل عِبادة، وهُما الإخلاصُ للَّه تعالى، والمُتابَعة لرسول اللَّه ﷺ ، فكلُّ عِبادة لا بُدَّ فيها من هَذَيْن الشَّرْطين، فمَنِ اتَّبَع الرسول ﷺ ولم يُخلِص للَّه تعالى؛ فصلاته باطِلة، لأنَّها رِياءٌ، ومَن أَخْلَصَ للَّه تعالى ولم يَتَّبعِ الرسول ﷺ فصلاتُه باطِلة أيضًا، فعِبادته باطِلة لقوله ﵊: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا
стр. 209
فهو ردٌّ" (١).
فالمُتابَعة مع الإخلاص، وإذا وُجِد مُتابَعة بدون إخلاص فلا يُقبَل العمَل، وإذا وُجِد إخلاصٌ بلا مُتابَعة فلا يُقبَل، فلا بُدَّ من الأمرين، وهكذا إذا ذكَر اللَّه عمَلًا صالِحًا؛ فالمُرَادُ بالصَّالِح ما تَضَمَّنَ هذين الشَّرْطين الأساسِيَّين.
قال اللَّه : ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾: ﴿نُؤْتِهَا﴾ لم يَقُل: (نُؤتِيها) بالياء؛ لأنها جوابُ الشَّرْط -وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ - يَكون مجَزومًا، والفِعْل هنا مجَزوم بحَذْف حَرْف العِلَّة، وأَصلُه نُؤتيها، فلمَّا جُزِم حُذِف حَرْف العِلَّة ﴿نُؤْتِهَا﴾؛ فمَعنَى: ﴿نُؤْتِهَا﴾ أَيْ: نُعْطِها؛ ولهذا نصَبَتْ مَفْعُولين المَفعول الأوَّل (هَا)، والثاني ﴿أَجْرَهَا﴾.
وقوله ﵀: [﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي: مِثْلَيْ ثواب غيرهن من النِّساء، وفي قِراءةٍ بالتَّحتانية في "تَعمَل"] (ويَعمَل) [و ﴿نُؤْتِهَا﴾] يَعنِي: و"يُؤتِها" والقِراءة هذه سَبْعيَّة، حسب اصطِلاح المُفَسِّر ﵀، و"يُؤتِها" أي: اللَّهُ، و ﴿نُؤْتِهَا﴾ أي: نحن فالضَّمير يَعود على اللَّه .
فقوله : ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي: كما أنها إذا أتت بفاحِشة مُبيِّنة يُضَاعَف لها العَذاب يوم القِيامة، فإذا قَنتتْ للَّه تعالى ورسوله ﷺ ، وعمِلَت صالِحًا آتاها اللَّه تعالى أَجرَها مَرَّتَين، وإيتاء الأَجْر مَرَّتين ليس بغريب؛ فقد أَثبَت اللَّه تعالى الأَجْر مرَّتين في عِدَّة مَسائِلَ، مِثل: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤].
стр. 210
وأَخبَر النبىُّ ﵊ أنَّ الرجُل من أهل الكِتاب إذا آمَن بكِتابه، ثُم آمَن بمُحمَّد ﷺ ، فإن اللَّه تعالى يُؤتيه أَجرَه مرَّتَين (١)، وقال كثير من أهلِ العِلْم ﵀ في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]: إنَّ هذا هو أَجْر هذه الأُمَّةِ: يُضَاعَفُ على غيرها مرَّتَين.
والمُهِمُّ: أنَّ فَضْل اللَّه تعالى واسِعٌ، فقد يُصيبُ العَامِل أَجْره مرَّتين لسبب من الأسباب.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾: (أعتَدْنا) أي: هيَّأْنا لها، ﴿رِزْقًا﴾ عطاءً ﴿كَرِيمًا﴾ حسَنًا وكثيرًا، لأنَّ الكَرَم في كل مَوضِع بحَسَبه؛ فالكَريمةُ مِنَ الشَّاة مَعناها: الحسَنة الجميلة، الكثيرة اللبَن، كما في قوله ﵊: "فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالهِمْ" (٢).
وهُنا المُراد بالرِّزق الكَريم: العَطاء الكثير الحسَن الجميل، وهذا إِنَّما يَكون في الجَنَّة، كما يَقول المُفَسِّر ﵀: [في الجنَّة زِيادةَ].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: مَزِيَّة عظيمة لزوجات النبيِّ ﷺ حيثُ كانت المَرأةُ إذا عمِلت عمَلًا صالحًا، وأَطاعَتِ اللَّه تعالى ورسوله ﷺ -آتاها اللَّهُ تعالى أَجرَها مَرَّتين.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: كمالُ عَدْل اللَّه ؛ فلمَّا ضُعِّفَ لها العَذاب ضُعِّفَ لها
стр. 211
الثواب والأَجْر، ولهذا قال تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن اللَّه تعالى أَعَدَّ لهؤلاءِ المُؤمِنات من أزواج النبيِّ ﷺ أَجْرًا كريمًا، أي: كثيرًا جميلًا حسَنًا؛ لقوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾.
* * *
стр. 212
الآية (٣٢)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢].
* * *
قوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ الخِطاب هنا وجَّهَه اللَّه بعد أن وجَّهه لرسوله ﷺ : وجَّهه إلى نِسائه، فقال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾، وهذا بعدَ التَّخيير يَدُلُّ على أنَّ الزَّوجية استَقَرَّت لزوجات النبيِّ ﷺ ؛ ولهذا خاطَبَهُن في قوله : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾، ﴿لَسْتُنَّ﴾ أصلُها (ليس)، لكنه لمَّا سُكِّنَتْ السِّينُ حُذِفَتِ الياءُ؛ لأنها حَرْف لَيِّن، والحَرْف اللَّيْن عند التِقاء الساكِنَيْن يُحذَف كما قال ابنُ مالِك ﵀:
إِنْ سَاكنَانِ التَقَيَا اكسِرْ مَا سَبَقْ ... وَإِنْ يَكُنْ لِينًا فَحَذْفُهُ اسْتَحَقّ (١)
وقوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ﴾ يَعنِي: أنَّ زَوْجَاتِ الرَّسُول ﵊ لَسْن كأحدٍ يَقول المُفَسِّر ﵀: [كجماعةٍ من النِّساء] وقوله ﵀: [كجماعةٍ من النِّساء] فيه نظَر؛ لأنَّ (أحَد) تُطْلَقُ على الفَرْد، يَعنِي: ليس هناك أحَدٌ مِنَ النِّسَاء مِثْلَكُنَّ، لستُنَّ كأحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ، أي: لا تُشْبِهن أحَدًا، واحِدة فأَكثَر من النِّساء.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي: سِواكن، إنِ اتَّقَيْتُنَّ اللَّه تعالى فإنَّكن أعظَمُ، يَعنِي: لستُنَّ كأحَد من النِّساء إنِ اتَّقَيْتُن، والمُراد بالشَّرْط: الحثُّ والإِغْراء على التَّقوى،
стр. 213
يَعنِي: إن كُنْتُنَّ مُتَّقِيات للَّه تعالى حقيقةً فلا تَقِسْنَ أنفسَكن بغَيركن فلَسْتُنَّ كأحَد من النساء؛ لمِا لهُنَّ من المَزِيَّة بالاتِّصال برسول اللَّه ﷺ ، فكان عليهن من حِماية فِراشه أعظَمُ ممَّا على غَيْرهن من حِماية فُرُش أزواجِهن، لعِظَم حقِّ النبيِّ ﷺ وعُلوِّ مَرتبته.
فالفَرْق عظيم بين فِراش النبيِّ ﷺ وفِراش غيره، ولهذا مَن قذَف زوجة من زَوجات الرسول ﵊ بالزِّنا كان كافِرًا، ومَن قذَف زَوْجة غيره لم يَكُن كافِرًا؛ لأنَّ قَذْف زوجة من زَوْجات الرسول ﷺ مَعناه: الطَّعْن في رسول اللَّه ﷺ ، وأنَّه -والعِياذُ باللَّه- خبيثٌ؛ لأنَّ اللَّه يَقول: ﴿لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾.
فعَلى هذا تَكون حِماية فِراش النبيِّ ﷺ أعظَمُ وُجوبًا من حِماية فِراش غيره.
ولهذا قال ﵀: [﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ للرِّجَال] الخُضوع بمَعنَى: التَّطامُن والذُّلِّ والخُنوع، فالمَعنَى: لا تَتَطامَنَّ ولا تَذلَّلَنَّ ولا تَخنَعنَّ لأحَد من الرِّجال بالقَوْل، يَعنِي: لا يَكُن قوُلكن في مُخَاطَبة الرِّجال رقيقًا وَضيعًا هيِّنًا، لأنَّ المَرأة فِتْنة، فإذا خضَعَت بالقَوْل دبَّ الشيطان بينها وبين الرجُل الذي تُخَاطِبه مهما كان الإنسانُ من شَرَف ومن نزاهة، فإن المرأة إذا خاطَبَته بصوت خاضِع؛ فإنها قد تَغُرُّه؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊: "مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْل وَدِين أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ" (١).
والرجُل الحازِم الفَطِن الكَيِّس لا أحَدَ يُذهِب لُبَّه، أي: عَقْله مِثل ما تُذْهِبُه
стр. 214
المَرأة، ولهذا قال : ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾، بل يَجِبُ على المرأة أن تَكون عند مخُاطَبة الرِّجال من أَبعَد ما يَكون على الخُضوع بالقول، ولين القَوْل، وظَرافته، بحيثُ تُؤدِّي إلى هذا الأمرِ العَظيم، وهو قوله : ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ يَطمَع فِيكُنَّ، إمَّا بفِعْل الفاحِشة أو بالتَّمتُّع والتَّلذُّذ بخِطابهن.
فإن الإنسان الذي في قَلْبه مرَض إذا خضَعَت له المرأة بالقَوْل فإنه يَستَمِرُّ معها في مخُاطَبَتها حتى يُغريَه الشَّيْطان، ورُبَّما يَحصُل بعد ذلك مَوعِد ولقاء وفاحِشة، كما يُوجَد كثيرٌ من السُّفَهاء الآنَ تَجِده -والعِياذُ باللَّه-، ولا سِيَّما بعد وجود هذه الهواتِفِ -يَفتَح مثَلًا، أيَّ رقمٍ يَكون، فإذا خاطَبَتْه امرأةٌ بدَأَ معها بالكلام اللَّيِّن الخاضِع، حتى يُغرِيَه الشيطان يُغرِيَه بها، ويُغرِيَها به؛ ولهذا قال : ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [نِفاق] والصَّواب: أنَّ المُراد بالمرَض هنا مرَض الشَّهْوة والتَّمتُّع، لا مرَض النِّفاق لأنَّ بعض المُنافِقين قد لا يَكون في نُفوسهم هذا الشيءُ، كما أن بعض المُؤمِنين قد يَكون في قُلوبهم هذا الشيءُ، فالمُراد بالمرَض هنا مرَضُ التَّمتُّع والتَّلذُّذ بصوت المرأة.
وقوله : ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: (قُلْنَ) فِعْل أَمْر مَبنيُّ على السُّكون لاتِّصاله بضمير الرَّفْع المُتحَرِّك.
فلمَّا نَهاهُن عن الخُضوع بالقَوْل أمَرَهن بأن يَقُلْن قولًا مَعروفًا؛ لئَلَّا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ المَرْأة لا تُخَاطِبُ الرَّجُلَ مُطْلقًا، وليس كذلك، بلِ المرأة مُخَاطَبتها للرِّجَال جائِزةٌ، لكن بالقَوْل المَعروف.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ من غير خُضوع، وما المُراد بالمَعروف؟ هل المُراد بالمَعروف المُتعارَف عليه بين الناس من مخُاطَبة الرِّجال والنِّساء، أو المُراد
стр. 215
بالمَعروف ما ليس بمُنكَر؟
المُراد الأخير؛ لأنَّ الأوَّل لو قُلْنا: إنه ما يَتعارَف الناس عليه من الخِطاب بين الرجُل والمرأة، لكان هذا خاضِعًا لاختِلاف الأعراف، فيُوجَد مثَلًا من النَّاس مَن عُرْفُهم أنَّ المرأة تخاطِب الرَّجُل وتَضحَك إليه وتُمازِحُه كما يُوجَد الآنَ في كثير -مع الأسَف- من بِلاد المُسلِمين، المَرأة مع الرجُل الأجنبي الذي لا تَعرِفه، تَجِدها تَقِف معه وتمُازِحه، وتَضحَك كأنما تُخاطِب زَوْجها -والعِياذُ باللَّه- وهذا لا شَكَّ أنه حرام، وأنه دَعوة إلى الفُجور.
إذَنِ: المُراد بالمَعروف: ما ليس بمُنكَر، يَعنِي: ما عرَفه الشَّرْعُ وأَقَرَّهُ مِنَ الكلام الذي يَكون بعيدًا عن الخُضوع بالقَوْل، وعن التَّمتُّع والتَّلذُّذ به.
وقوله : ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: ﴿قَوْلًا﴾، هذه مَصدَر، و ﴿مَعْرُوفًا﴾ هذه صِفة، فهي مُبَيِّنَة لنَوْع هذا القَولِ، وهو أنه قول المَعروف، لا قول المُنكَر، إذا قُلْنا: ما أَقرَّه الشَّرْع يَكفِي؛ لأن الشَّرْع يُقِرُّ كلَّ ما تَعارَف الناس ممَّا لا يُخالِفُ الحقَّ، فالمَعروف مِثل قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
مَسأَلة: إذا اتَّصَل بامرأةٍ فلْيَقُلِ: السلامُ عليكم. ولا شيء فيه، لكن لا يَقول: (أَلو) لأنَّ (أَلو) هذه تحيَّة النَّصارى، مع أنها الآنَ مع الأسَف شائِعة، حتى يُكلِّمك ناسٌ من أَهْل العِلْم وأَهْل المَعرِفة يَقول لكَ: (أَلو)، وهو الذي يَتكلَّم، هو الذي يَتكَلَّم.