وذكَرْنا في التفسير أنه مُحْتَمَل أن تَكون عطفَ الصِّفات أو عطفَ الذوات، فإن كانت عطفَ الصِّفات صار المُعوِّقون هُمُ القائِلين، وإن كان عطفَ ذَوات صاروا قِسْمين؛ مُعَوِّق وقائِل، فالمُعوِّق قد يَدْعو وقد لا يَدْعو، ولكن على كل حال: هي في المُنافِقين؛ لأن آخِر الآية يُبطِل الاحتِمال الذي ذكَرْناه بأن تَكون في أَحَدٍ من المُؤمِنين.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن أُولئِك المُعوِّقين لغير هم هم بأنفسهم جُبَناءُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فهم جُبَناءُ ومخدَّرون مُرْجِفون.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن كلَّ إنسانٍ يُصَاحِب غيره ويَمتَزِج به؛ لقوله : ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، فإن هذه أُخوَّة في الشَّرِّ والنِّفاق، وليسَت في الإيمان.
* * *
стр. 142
الآية (١٩)
* قالَ اللَّه : ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩].
* * *
وقوله ﵀: [﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بالمُعاوَنة جَمْع شحيحٍ وهو حال من ضَمير يَأتون] في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾: ﴿أَشِحَّةً﴾ جمع شحيح، والشحيح هو المانِع مع الحِرْص، والبَخيل هو المانِع بدون حِرْص، فإذا كان الإنسان مَنوعًا جَموعًا، يَعنِي: مع الحِرْص يُسمَّى ذلك شحيحًا، وإذا كان بَخيلًا لكنه ليس ذاك الرجُلَ الذي يَكون حريصا على جَمْع المال مثَلًا، فإنه يُسَمَّى بخيلًا، ولهذا قال النبيُّ ﵊ مُحَذِّرًا من الشُّحِّ: "اتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ" (١).
وقوله : ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ نُصِبت على الحال من فاعِل ﴿يَأْتُونَ﴾ يَعنِي: لا يَأتون إلَّا قليلًا، ومع ذلك يَأتون أشِحَّةً عليكم، يَعنِي: وهم أشِحَّاءُ عليكم، لا يُريدون أن تَصِلوا إلى خَيْرٍ، بل يحبُّون أن يَمنَعوا كلَّ خَيْر عنكم.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾: ﴿جَاءَ الْخَوْفُ﴾ الخَوفُ
стр. 143
ليس ذاتًا تَأتي لكنه مَعنًى يَأتي، والمَجِيء يَكون للمَعاني ويَكون للذَّوات، فتَقول: جاءَهُ المرَض. وتَقول: جاء زيدٌ.
والمَجيء هنا أُسْنِد إلى مَعنَى ﴿جَاءَ الْخَوْفُ﴾ فهُوَ عامٌّ، فإذا جاء الخَوْف سواءٌ جاء من الأَعْداء الذين حضَروا إلى المدينة، أو الخوف من الرسول ﵊ حين يَطَّلِع على أَحْوالهم، فيَخافُون منه، من أن يَفضَحَهم اللَّه بأفعالهم أو يُسَلِّط عليهم رسولَهُ ﷺ .
وقوله : ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ الخِطاب هنا هل هو للرسول ﷺ أو لكُلِّ مَن يَتَوجَّه إليه الخِطاب؟
الجَوابُ: يُحْتَمَل أن يَكون للرسول ﵊، وهو الأَقْربُ ويُحْتَمَل أن يَكون لكلِّ مَن يُوَجَّه إليه الخِطاب.
وقوله : ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ الرُّؤْية هنا بصريةٌ، وعلى هذا فلا تَنصِب إلَّا مَفعولًا واحِدًا وهو الهاء، وتَكون كلِمةُ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ حالًا من الهاء: رأيتَهُم حالَ كَوْنهم يَنظُرون إليك.
وقوله : ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾؛ لأن الخائِف غالِبًا يُرَكِّز على جِهةِ الخَوْف، سواءٌ كان شَخْصًا أو أشخاصًا، وتَدور عينُه على غير نظَرٍ سليم، يَعنِي: كأنَّها تَدُور بغير اختِيارهم من شِدَّة الخَوْف.
ثُم شبَّهَ حالهم بعد أن شَبَّه أبصارَهم قال : ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [كنَظَر أو كدَوَران]، فإن كانت ﴿كَالَّذِي﴾ عائِدة على ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قدَّرنا: النظَر، وإن كانت عائِدة على ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ قدَّرنا: كدَوَران،
стр. 144
ولكن الذي يُناسِب القُرآن الأوَّلُ: نظَر، كما قال تعالى في سُورة القِتال: ﴿مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠].
وربما نَقول: يَنظُرون إليك تَدُور أعيُنُهم كالذي يُغْشَى عليه من المَوْت، ليس عائِدًا على النظَر، وإنما هو عائِد على حالهم، يَعنِي: كالإنسان المَغشِيِّ عليه من الموت؛ لا يَستَطيعون أن يَتكلَّموا؛ لأن أَرياقهم يَبِسَت، ودِماؤهم غارَت بسَبَب الخوف، فإذا جاء الخوف فإنها تَتَغَيَّر أبصارُهم وتَتغيَّر أحوالُهم أيضًا ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ والذي يُغشَى عليه من الموت لا شَكَّ أنه يَصفَرُّ وجههُ، ولا يَستَطيع أن يَنطِق في الغالِب ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾.
قوله : ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [مِن سَكَراته] أي: سَكَراته يُغشَى عليه ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾: (من) هنا للسبَبية وهل تَأتي (مِن) للسَّبَبية؟
الجَوابُ: نعَم، تَأتِي في مَواضِعَ كثيرةٍ، والأصل فيها أنها للابتِداء، حتى زعَم بعضُ النَّحوِيِّين أنها في كل مَكان تَكون للابتِداءِ، حتى فيما إذا كانت سبَبيَّةً قال: لأنها ابتِداء السبَب. لكن الصحيحَ ما ذهَب إليه ابنُ مالِك ﵀ -وغيرُه من النَّحويِّين أنها تَأتي لمَعانٍ كثيرةٍ- قال ﵀:
بَعِّضْ وَبَيِّنْ وَابْتَدِئْ فِي الْأَمْكِنَه ... بِمِنْ وقدْ تَأْتِي لِبَدْأ الْأَزْمِنَه
وَزِيدَ فِي نفْيٍ وشِبْهِهِ فَجُرّ ... نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ (١)
قال ﵀: [﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وحِيزت الغَنائِمُ ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ آذَوْكم أو ضَرَبوكم ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: الغَنيمة يَطلُبونها ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾
стр. 145
حقيقةً ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾]، فإذا ذهَبَ الخَوْفُ صار هؤلاءِ الذين كانوا حين الخَوْف كالمَغشِيِّ عليه من الخَوْف صاروا يَنطِقون بطَلاقةِ، ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ يَعنِي: أَصابوكم بشِدَّة ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: شَديدةٍ قوِيَّةٍ.
والمُراد بالأَلسِنة هنا الكلامُ؛ لأن الكلام يُعَبَّر عنه باللسان، المَعنى: أنهم يُجادِلون ويُناظِرون ويَقولون: نحن معَكم، نحن نُساعِد، نحن خرَجنا، وما أَشبَه ذلك، كما قال اللَّه تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] وأبْدَوا وأَعَادوا في غَلبتهم للمُسلِمين؛ لأنه لا شَكَّ أن الإنسان قد يَغلِب خَصْمه بالكلام كما قال اللَّه تعالى في قِصَّة داودَ ﵇: ﴿وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] غلَبَني، والإنسان اللَّسِن الذي عنده بَيان وعنده
فَصاحة قد يَغلِب ولو كان على باطِل.
ولهذا قال النبيُّ ﵊: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِليَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِىَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ" (١)، يَعنِي: وإن كان على باطِل؛ فالإنسان قد يَغلِب ببَيانِه الحقَّ؛ ولهذا كما تَعلَمون جاء في الحديث الصحيح: "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا" (٢)، فهؤلاءِ المُنافِقون الذين في حال الخوف على الصورة التي صوَّرها اللَّه : ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ لكِن ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ واطمَأنُّوا ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ يَعنِي: أَصابوكم بشِدَّة بهذه الأَلسِنة الحِداد.
стр. 146
وقوله : ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ هذه حال من الواو في قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾، وما المُراد بالخَيْر هنا؟
يَقول المُفَسِّر ﵀: الغَنائم التي أَصابها المُسلِمون بانتِصارهم؛ قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ حَقيقة، ولو آمَنوا، أَقول: (ولَوْ آمَنوا) ما فعَلوا هذا الفِعْلَ، ولمَا كانوا يَخافون من البَأْس، ولا كانوا يَدَّعون ما لا يَستَحِقُّون فيما إذا انتَهَتِ المَعْركة.
وقوله : ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ يَعنِي: أَبطَلها؛ حتى لا يَنتَفِعوا بها، وكان ذلك الإِحْباطُ على اللَّه يَسيرًا [بإِرادته]، فهو يَسير على اللَّه ؛ لأنه لا يَخْشَى من أحَدٍ، كما قال تعالى في قول قوم صالِحٍ ﵇: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٤ - ١٥] فلا يَخاف من عاقِبته، بِخَلاف المَخلوق، فالمَخلوق قد يُنكِّل بشَخْص ويُعاقِبه، ولكنه يَخْشَى من عاقِبته؛ فيَخْشى من قبيلتِهِ، ويَخشَى من الغَدْر به، وما أَشبَه ذلك؛ أمَّا الرَّبُّ فإن كلَّ أَمْير يَسيرٌ عليه، ولا يَخافُ من أحَدٍ حين يَنتَقِم منه.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: في هذه الآيةِ دليلٌ على بُخْل المُنافِقين بما يَنفَع المُؤمِنين، وأنَّهم لا يَأتونهم إلَّا عن كَراهية، كالشَّحيح في بيع الماء كقَوْله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: جُبْن المُنافِقين، وأنهُم في غاية الجُبْن؛ لقوله : ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ إلى آخِره، وبهذا نَعرِف أنهم أحَقُّ الناس بما وَصَفُوا به النَّبيَّ ﵊ وأصحابه حيث قالوا: "ما رَأَيْنا مِثْلَ قُرَّائِنا هؤلاءِ أَرْغَب بُطُونًا
стр. 147
ولا أَكذَب أَلْسُنًا, ولا أَجبَن عِنْد اللِّقاءِ" (١)، فنَقول: إن هذه الأَوْصافَ أنتُمْ أحَقُّ الناسِ بها.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: شِدَّة فزَع المُنافِقين عند الخَوْف؛ لأن تَصويرهم بهذه الصُّورةِ يَدُلُّ على الفزَع العَظيم الذي يَنالهُم عند الخَوْف.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: شِدَّة مَحبَّة المُنافِقين للحياة؛ لأنهم إنما بَلَغوا هذا المَبلَغَ من الخَوْف حِرْصًا على الحَياة وخَوْفًا من الموت بالقِتال.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: قوَّةُ تصوير القُرآن للأَحْوال الواقِعة؛ لأن هذه الصُّورةَ التي ذكَرَها اللَّه تعالى صورة مُدْهِشة تَجعَل الإنسان يَتخَيَّلُ شِدَّة فزَعهم كأنه رَأيُ عَيْنٍ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن للمَوْت سكَراتٍ؛ لقوله : ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، وهذا بالنِّسبة للمَوْت العادِي، أمَّا الموت المُباغِت فقد لا يَكون فيه سكَرات، فقد يَموت الإنسان بَغْتة كالذي يَحدُث بالحوادِث وسَكتات القُلوب وما أَشبَهها.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن هؤلاءِ الجُبَناءَ المُنافِقين إذا ذهَب الخَوْف -على أنهم حين الخَوْف كالأموات أو كالذي يُغْشى عليه من الموت-، صاروا أبطالَ الكَلام، وأُمَراءَ الفَصاحة والتَّسلُّط، لقوله : ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ﴾ فإذا ذهَب الخَوْف بدَؤُوا يَتكَلَّمون.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: شِدَّة المُنافِقين على المُؤمِنين، وأنهم عليهم أَشِدَّاءُ غِلاظٌ؛ لقوله
стр. 148
تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن المُنافِقين كما قال الشاعِر:
أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الحُرُوبِ نَعَامَةٌ ... . . . . . . . . . . . . . . (١)
فهُمْ على المُؤمِنين أُسودٌ بالباطِل، وطبعًا ليس بالحَقِّ، وعند الكُفَّار نَعامة، فالنَّعامة من جُبْنها إذا رأَتِ الصَّيَّاد تَدخُل رَأْسها في التُّراب؛ لئَلَّا يَراها! .
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: عِلْمُ اللَّه بما في القُلوب ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ لأن الظاهِر لنا أنهم مُؤمِنون لكن الواقِع غير مُؤمِنين.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التحذير من هذه الصِّفاتِ التي يَتَّصِف بها المُنافِق حتى وإن كان الإنسان مُؤمِنًا؛ لأنها صِفات غير المُؤمِنين، لقوله : ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾، والمُؤمِن مَنهيٌّ عن الاتِّصاف بصِفات غير المُؤمِنين.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن الكُفْر محُبِط للعمَل سواءٌ كان ظاهِرًا أم باطِنًا، لقوله تعالى: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّه أَعْمَالَهُمْ﴾، فأَحبَط اللَّه تعالى أَعمالهم.
وفي الجُمْلة من هذه الآيةِ إشكال؛ لأن الإِحْباط فَرْعٌ عن قيام الشيء، وهُمْ مُنافِقون، أَعمالهم باطِلة من الأصل؟
والجَوابُ أن يُقال: إنَّ الإِحْباط نَوعان: إِحْباطُ ما تَمَّ، وإحباطُ ما لم يَتِمَّ، فإِحْباط ما تَمَّ ظاهِر، وإحباط ما لَم يَتِمَّ أن يَكون من الأصل حابِطًا، ومنه قول بعض الفُقَهاء ﵏: إذا لم يُكَبِّر تكبيرةَ الإحرام بَطَلت صَلاته، فنَحن نَقول هنا:
стр. 149
ما صلَّى حتى تَبْطُل، لكن هذا بُطلانُ ما لم يَتِمَّ.
أو جَوابٌ ثانٍ: أن نَقول: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّه أَعْمَالَهُمْ﴾: إن أعمالهم ظاهِره الصِّحَّة، لأنه من قَوْمٍ يَدَّعون الإِسلام، ويَفعَلونها على ظاهِر الشَّرْع، لكنها في الواقِع باطِلةٌ؛ لعدَم الأساس.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَهَمِّية الإِخْلاص للَّه لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ﴾، فجَعَل الإِحْباط فَرْعًا عن عدَم الإيمان, وهذا يَدُلُّ على أنَّ الرَّكيزة الأصلِيَّة للأعمال هي الإيمان.
وهل يُؤخَذ من الآية الكريمة أن الأَعْمال تَزدادُ قوَّةً بقُوَّةِ الإيمانِ وفَضْلًا؟
الجوابُ: نعَم؛ لأنه لمَّا حبِط العمَلُ لِعَدَم الإيمان دلَّ هذا أنه يَقوَى بقُوَّة الإيمان؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊ في الصحابة: "لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" (١)، فالعمَل واحِد، لكن العامِل مُختَلِف، ففَرْق بين مَن يَعمَل بإيمان راسِخٍ قوِيٍّ كأنما يُشاهِد الثَّواب له بعَيْنه، وبين شَخْصٍ ليس على هذه الحالِ.
فإِذَن: تَفاضُلُ الأعمال يَكون مَبنِيًا على تَفاضُل ما في القُلوب، ويُذكَر عن بعض السَّلف أنه قال: واللَّهِ ما سبَقَهم أبو بَكْر بكَثْرة صِيامٍ ولا صَلاةٍ، ولكنه سبَقَهم بما وقَرَ في قَلْبه ﵁ من الإيمان العَظيم الراسِخ (٢).
стр. 150
ولا يُقال: إن هذا فَتْحُ باب للعَصاة، فالعاصِي إذا قال له قائِل: اتَّقِ اللَّه تعالى اتْرُكِ المَعصية، اتَّقِ اللَّه تعالى أَقِمِ الواجِب. قال: التَّقوى هاهنا. ثُمَّ ضرَب على صَدْره ضربةً، التَّقوى هاهنا! فنَقول له: التَّقوى هاهنا صحيح، لكن هذه كلِمة حقٍّ أُريد بها باطِل، نَقول: لوِ اتَّقى ما هاهنا لاتَّقَى ما هاهنا؛ لقول الرسول ﵊: "إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ" (١) لو صلَح ما هاهنا لصلَح الظاهِر.
فالحاصِل: أن هذه الآيةَ واضِحة، الدَّليلُ فيها دليل واضِح على أنَّ الأعمال تتَفَاضَل بِحَسَب ما في القلوب من الإيمان, والشاهِد من الحديث هو قول النبيِّ ﷺ للصحابة ﵃: "لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ".
فإن قال قائِل: مُدَّ أحَدهم من الذهَب أو مُدَّ أحَدِهم من الطعام؟
فالجَوابُ: يُحتَمَل؛ فبعضُهم يَقول: مُدَّ أحَدهم من الطَّعام؛ لأنه هو الذي جرَتِ العادة أن يُكال. يَعنِي: لو أَنفَق أحدُكم مثل أحُدٍ ذهَبًا ما بلَغ مُدَّ واحِد منهم من التَّمْر؛ لأنه هو الذي يُكال عادةً، وبعضُهم يَقول: ما بلَغَ مُدَّ أحدِهم من الذهَب؛ لأن التَّفاضُل بين الطعام والذهَب بَعيدٌ، لكن التَّفاضُل بين الذهَب القليل والذهَب الكثير.
* * *
стр. 151
الآية (٢٠)
* قالَ اللَّه : ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ في الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)﴾ [الأحزاب: ٢٠].
* * *
قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ﴾ بمَعنَى: يَظُنُّون، وهي تَنصِب مَفعولين أصلُهما المُبتَدَأُ والخبَرُ، والمَفعول الأوَّل هنا قوله : ﴿الْأَحْزَابَ﴾ والمَفعول الثاني: جُمْلة ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ يَعنِي: يَظُنُّ هؤلاء المُنافِقون أن الأحزاب لم يَذهَبوا، وهذا يَدُلُّ على جُبْنهم وخَوْفهم وذُعْرهم؛ لأنه حتى بعد ذَهاب الأحزاب وتَفريقهم يَظُنُّ هؤلاء المُنافِقون أنهم لم يَذهَبوا.
وقوله ﵀: [﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ إلى مكَّةَ؛ لخَوْفهم منهم ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ كرَّة أُخرى ﴿يَوَدُّوا﴾ يَتَمَنَّوا ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ في الْأَعْرَابِ﴾ أي: كائِنون في البادية ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ أَخبارِكم مع الكُفَّار].
قوله : ﴿وَإِنْ يَأْتِ﴾ هذا على سبيل الفَرْض والتقدير، وقوله تعالى: ﴿الْأَحْزَابَ﴾ جَمْع حِزْب وهُمُ الطوائِف الذين تَحزَّبُوا على النبيِّ ﵊ من قُرَيشٍ وغَطَفانَ وأسَد وغيرهم، لو أَتَى هؤلاءِ الأحزابُ مرَّةً أخرَى لوَدَّ هؤلاءِ المُنافِقون أنَّهم ﴿بَادُونَ في الْأَعْرَابِ﴾ البادِي: هو الساكِن البادِيَةَ، ومنه قول النبيِّ
стр. 152
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ" (١)، فبادٍ هذه اسمُ فاعِل ومَعناها ساكِن البادية، فيَوَدُّ هؤلاءِ أنهُمْ ﴿بَادُونَ في الْأَعْرَابِ﴾ أي: ساكِنون البادِية؛ لِأَجْل النَّجاة من هؤلاء الأَحزابِ.
وقوله : ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ جُمْلة حالِيَّة من الفاعِل في قوله تعالى: ﴿بَادُونَ﴾ يَعنِي: يَوَدُّ هؤلاءِ المُنافِقون أنهم في البادِية يَسأَلون عن أَنبائِكم، ولا يُشارِكونكم في القِتال، فبَيَّن اللَّه ذُعْر هؤلاءِ المُنافِقين بوَجْهين:
الوَجْه الأوَّل: أنهم يَظُنُّون أن الأحزاب ما زالوا باقين، مع أن الأحزاب قد انصَرَفوا.
الوجه الثاني: أنه لو فُرِض أن الأحزاب رجَعوا فإِنهم يَتَمنَّوْن أنهم في البادية لا يَلحَقهم مُناوَشاتٌ ولا قِتال، وإنَّما يَسأَلون عن أنبائِكم، إِذَن فجُمْلة: ﴿يَسْأَلُونَ﴾ نَقول: إنها في مَوضِع نَصْب على الحال من فاعِل ﴿بَادُونَ﴾.
وقوله ﵀: [﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ﴾ هذه الكَرَّةَ ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ رِياءً وخَوْفًا من التعيير] , يَعنِي: (لو) هذه شَرْطية، وجَوابها هنا مَقرون بـ (ما)، وإذا كانت (لو) الشَّرْطية مَقرونةً بـ (ما)، فإن الأكثَر ألَّا يَقتَرِن الجوابُ باللَّام؛ لأن (ما) للنَّفيِ، واللَّامُ للتَّوكيد واجتِماع حَرْف يَدُلُّ على التَّوكيد مع حَرْف يَدُلُّ على النَّفي فيه شيء من التَّعارُض والتَّناقُض، فتَقول: لو جاء زَيْدٌ ما كلَّمْتُك. ولا تَقول: لو جاء زَيْدٌ لمَا كلَّمْتُك. يَرحَمك اللَّه تعالى، لكن إذا كان جَوابُها مُثبَتًا فإن الكثير أن تَقتَرِن به اللَّام، تَقول: لو جاءَ زَيْدٌ لكَلَّمتُك؛ هذا الأكثَرُ، ويَجوز: لو جاء زَيْدٌ كلَّمتُكَ.
стр. 153
قال اللَّه ﵎ في سورة الواقِعة: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥]، هذه اقتَرَنَت بها اللَّام ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠]، أمَّا (ما) هنا فلَمْ تَقتَرِن بها اللَّامُ، لكن قد تَقْتَرِن بها اللَّام قليلًا، ومنه قول الشاعِر:
وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لمَا افْتَرَقْنَا ... وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي (١)
يَقول اللَّه : ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾: ﴿قَلِيلًا﴾ هنا بمَعنَى: إلَّا عدَمًا، أو هي على ظاهِرها أنَّهم يُقاتِلون، ولكن قِتالًا قليلًا، هذا هو الأقرَب؛ لأن الأصل إِبْقاء الكلام على ظاهِره، إلَّا أن يَقوم دليلٌ على أن ظاهِره غَيرُ مُراد، فهؤلاءِ لو كانوا فينا حينما يَأتِي الأحزاب لوَجَدْتهم من جُبْنهم لا يُقاتِلون إلَّا قليلًا.
وفسَّر المُفَسِّر ﵀ هذا القِلَّةَ بأنها من أَجْل الرِّياء وخَوف التَّعيير؛ يَعنِي: يُراؤُون الناس بأنهم يُقاتِلون في سبيل اللَّه تعالى، ويَخافون من تَعْيِير الناس لهم، فهم لا يُقاتِلون؛ لتكون كلِمةُ اللَّه هي العُليا، وهذا من أهَمِّ ما يَكون، أَعنِي: إخلاصَ الإنسان عِبادته للَّه هذا من أهَمِّ ما يَكون، ومن أشَدِّ ما يَكون عِلاجًا على النَّفْس؛ لأن الأعمال الظاهِرة كلُّ أحَدٍ يَستَطيع أن يَجعَلها على أحسَنِ ما يُرَام؛ كلُّ أحَد يَستَطيع أنه يَقوم ويُصلِّي بقِراءةٍ مُتأنِّيةٍ وبرُكوعٍ مُتأنٍّ وبسُجودٍ مُتأَنٍّ وبقِيامٍ مُتأَنٍّ وبقُعودٍ مُتأَنٍّ؛ لكن إصلاح القَلْب هو الصَّعْب؛ ولهذا كان صَلاح القَلْب مُوجِبًا لصلاح البدَن، ولا عكسَ، كما قال النبيُّ ﷺ : "أَلَا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّه أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ" (٢).
стр. 154
فهَؤُلاءِ المُنافِقون ليس لدَيْهم رغبةٌ حقيقيةٌ في القِتال الذي يَرجُون به إِحْدى الحُسْنيَيْن، إمَّا الشهادة وإمَّا الظَّفر والسَّعادة، لكنهم إنما يُقاتِلون رِياءً وخَوْفًا من التَّعيير فقَطْ لا للَّه تعالى، وإن كانت هذه نِيَّته فإنه لن يُقاتِل القِتال الذي يَنبَغي أن يَكون، سيَكون فاتِرًا، بخِلاف الإنسان صاحِب النِّيَّة الخالِصة للَّه ، فسيَكون لدَيْه دافِع قوِيٌّ يَحْدُوه إلى العَمَل بما يَرَى أنه من طاعة اللَّه .
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: قُوَّة جُبن هؤلاءِ المُنافِقين، حيث يَظُنُّون أن العَدوَّ باقٍ وهو قد ذهَب؛ ولهذا شاهِدٌ، فلو أن رجُلًا جَبانًا رأى أسَدًا في مَغارة وذهَبَ الأسَد من هذه المَغارة وأُخرِج فقلتَ لهذا الرَّجُل الجبانِ: نَمشِي من عند المَغارة هذه؟ ستقول: لا، ففيها أسَد؛ لأنه جَبان، فالجبان يَظُنُّ أن عَدوَّه لم يَبرَح مكانه، ويَخشَى حتى من ظِلِّه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هَؤلاء المُنافِقين لو عاد الأحزاب مرَّةً أُخرى لودُّوا أنهم في الأعراب، لا في المدُن؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ في الْأَعْرَابِ﴾ مع أن عَيْش المُدُن أحسَنُ، لكن لجُبْنهم يَتمَنَّوْن أن يَذهَبوا للأعراب في البادِيَة، ولا يَحضُرون هؤلاء الأَحْزابِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هؤلاءِ المُنافِقين لا يُريدون أن يُشارِكوا المُؤمِنين في مَعارِكهم؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ فهُمْ يُحِبُّون أن يَكونوا بعيدين عن المَعارِك، ولا يَتحَسَّسون إلَّا الأخبارَ فقَطْ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن المُنافِق لو شارَك المُؤمِنين في القِتال، فإنه لن يُقاتِل إلَّا قليلًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾.
стр. 155
وهاهُنا مَسأَلة: هل يَجوز لنا أن نُشرِك المُنافِقين في قِتالنا إذا علِمنا أنَّهم مُنافِقون؟
فنَقول: لا نُشرِكهم؛ لأن ضرَرهم عَلَيْنا أكْثَرُ بكثيرٍ من نَفْعهم، أمَّا مَن لا نَعْلَم حاله فإن الأصل أن يُؤاخَذ الإنسانُ بظاهِر حاله.
فإن قال قائِل: مَن كان عنده خَوْف شَديد ودُعِيَ إلى القِتال فرفَض من أَجْل خَوْفه، فهل يُقال عليه: مُنافِق؟
فالجَوابُ: اللَّه تعالى أَعلَمُ بما في قَلبه، لكن في ظَنِّي أنه ليس هناك أحَد يَخاف إلى هذا الحدِّ؛ لأن غاية ما عِنده: القَتْل، وهو إذا قُتِل في سبيل اللَّه تعالى خير من أن يَموت على فِراشه، فيَجِب على الإنسان أن يَتغَلَّب على هذه الأشياءِ، فكلُّ خوف يَمنَعك من واجِب فهو مَذموم.
* * *
стр. 156
الآية (٢١)
* قالَ اللَّه : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
* * *
قولُه ﵀: [﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ بكَسْر الهَمْزة وضَمِّها] ﴿لَقَدْ﴾ اللَّه مُوطِّئة للقَسَم، و (قَدْ) للتَّحقيق، وعلى هذا فالجُمْلة مُؤكَّدة بثلاثةِ مُؤكِّدات وهي: القسَم المُقدَّر واللَّام و (قَدْ).
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ﴾: ﴿كَانَ﴾ فِعْلٌ ماضٍ، وكيف يَتوَجَّه أن يَكون فِعْلًا ماضِيًا والتَّأسِّي بالرسول ﷺ مُستَمِرٌّ دائِمٌ، والمَعروف أن الفِعْل الماضِيَ قد انقَضَى زمَنُه، فيُقال -واللَّه أَعلَمُ-: لقد كان لكُم في عِلْم اللَّه تعالى وفي شَرْع اللَّه أُسْوةٌ حسَنةٌ.
وقوله تعالى: ﴿في رَسُولِ اللَّهِ﴾ ولم يَقُل: في محُمَّد. ولم يَقُل: في النَّبيِّ. إشارةً إلى أنَّ الأُسْوة فيه ﵊؛ لأنه رَسولُ اللَّه تعالى، فإذا الوَصْفُ يُفيد العِلِّيَّة أي: أنَّ عِلَّة الأُسْوة كونُه رسولَ اللَّه ﷺ ، وإلَّا ما كان علينا أن نَتَأسَّى به؛ لأنه رَجُل من الناس؛ لكن لأنه رَسول اللَّه تعالى كان لنا فيه أُسْوة حَسَنة.
وقوله : "إِسْوَةٌ" بكَسْر الهَمْزة وضمِّها قِراءتان سَبْعيَّتان؛ لأن طريق المُفَسِّر ﵀ إذا عبَّر بهذا التَّعبيرِ فالقِراءَتان سَبْعِيَّتان مُتساوِيتان، أمَّا إذا قال: (قُرِئَ)
стр. 157
فالقِراءة الثانية شاذَّةٌ.
إِذَنْ: يَجوز أن أَقول: "إِسْوَةٌ" و ﴿أُسْوَةٌ﴾.
وهلِ الأَفضَل أن أَقتَصِر على واحِدة من القِراءات أو أن أَقرَأ بهذه تارةً وبهذه أُخرى؟
الجَوابُ: سبَق لنا أن الأفضَل لمَن عَلِم القِراءةَ وتَأكَّدها: أن يَقرَأ بهذه تارةً وبهذه أُخرى، لكن ليس عِند العامَّة، فلو قرَأْنا بهذه القِراءةِ عِند العامة حصَل في ذلك تَشويشٌ ورَدُّ فِعْلٍ؛ فتقولون: كيف هذا يُغيِّر في القُرآن ويُحرِّف. أمَّا فيما بين الإنسان وبين نَفْسه فإذا كان يَعلَم أن هناك قِراءَتَيْن فإن من الأفضَل أن يَقرَأ بهذه مرَّةً وبهذه أُخرَى؛ لأن كِلْتا القِراءَتَيْن ثابِتةٌ عن رسول اللَّه- ﷺ ، فلا يَنبَغِي أن نَقتَصِر على واحِدةٍ فقَطْ؛ لأننا إذا اقتَصَرْنا على واحِدة فقَطْ هجَرْنا البَقِيَّة.
فإذا جاء شَخْص يَتَعلَّم القِراءات نُعلِّمه، لكِنَّ الرجُل العامِّيَّ لا يَدرِي عن هذه الأُمورِ، فلا شَكَّ أنه قد يُوجَد عنده التَّشوِيش من جِهة، ثُم إنه قد يُجَرِّئه على أن يَقرَأ بهذه القِراءةِ على وَجْه الخطَأ.
وليَكُن لا يَضُرُّ -الاقتِصار على واحِدة- لأنه بالإِجْماع الاقتِصارُ على واحِدة جائِزٌ، وليس هو على سَبيل الوُجُوب، فإذا كان يَحصُل من فِعْل القِراءة الثانية مَفسَدةٌ فلا حرَجَ من عدَم قِراءتها.
وقوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [اقتِداءٌ به في القِتال والثَّبات في مَواطِنه]، هذا التَّفسيرُ من المُفَسِّر فيه نَظرٌ؛ وجهُه: أنه خَصَّصه بالقِتال، والحَقيقة أنه أُسْوة حسَنةٌ في كل ما يَفعَله، فكلُّ ما كان من سُنَّتِه فإن لنا فيه أُسْوةً حسَنةً.
стр. 158
وقوله تعالى: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فيها مَعْنيان:
المَعنَى الأوّل: أنَّ التَّأسِّيَ بالرسول ﷺ كلُّه حسَن؛ لأنه ﷺ مَعصوم من الخَطَأ في التَّشريع، فكُلُّ التَّأسِّي به فهو حسَنٌ، بخِلاف التَّأسِّي بغيره، فقد يَكون حسَنًا، وقد يَكون غيرَ حسَنٍ.
المَعنَى الثاني: أُسْوة حسَنة باعتِبار تَأسِّينا به، لا باعتِبار ما هو عليه، والأُسوة الحسَنة باعتِبار تَأَسِّينا به هو أن نَكون مُوافِقين له في القَوْل والفِعْل والقَصْد -الذي هو العَقيدة-، فنُوافِقه في هذه الأُمور الثلاثة: في العَقيدة والقَوْل والفِعْل، هذه الأُسْوةُ الحسَنة.
فمَن وافَقَه في قوله دون فِعْله لم يَتأَسَّ به أُسْوةً حسَنة، ومَن وافَقه في فِعْله دون قَوْله، لم يَتَأسَّ به أُسْوة حَسَنةً، ومَن تَأسَّ به في قَوْله وفِعْله دون عَقيدته وقَصْده لَمْ يَتأَسَّ به أُسْوة حسَنة.
ويَدخُل في الأُسْوة الحسَنة الدَّعوةُ إلى دِين اللَّه ، فإن الرسول ﷺ لا شَكَّ أنه يَدعو إلى دِين اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].
وبهذا نَعرِف أنه يَنبَغي لطالِب العِلْم أن يَكون له نشاطٌ في مجُتَمَعه، لا نُسخةَ كِتاب فقَطْ، بمَعنَى أن يَكون محُرِّكًا لضمائر الناس ومَشاعِرهم وتَوجيههم، ويَكون لدَيْه عَزيمة في إصلاح الخَلْق؛ حتى لا يَكونَ مجُرَّد نُسْخةٍ؛ لأن مجُرَّد نُسخةٍ ما الفائِدة منه! تَقول: واللَّه حفِظْتُ مثلًا (مَتْن الزادِ) وحفِظْتُ (بُلوغ المَرام) وحفِظْتُ (المُنتَقى) وحفِظْت ما أَشبَه ذلك، وغايَتُه أن يَقول: سأَجلِس في بيتي وإن جاء أحَدٌ يَسأَلُني علَّمْتُه! ! .
стр. 159
فيَجِب أن نَبُثَّ الوَعيَ بين المُسلِمين، ولا سيَّما في هذا الوَقْتِ؛ لأن الناس بدَؤُوا يَتَحرَّكون سَئِموا الحياة السابِقة، لكن يَحتاجون إلى هِداية ودَلالة؛ لأنه قد يَتحرَّكون إلى شيء سَيِّئٍ، إنَّما إذا تَولَّى طلَبة العِلْم الذين وهَبَهم اللَّه تعالى العِلْم تَوجيهَ الناس في هذه الأُمورِ حصَل في هذا خَير كثير، كما كان نَبيُّنا ﷺ يَفعَل، فالأُسْوة الحسَنة في الرسول ﷺ يَدخُل فيها الدَّعْوة إلى دِين اللَّه .
فصارت (الحسَنة) في ذاتها وفي تَطبيقها؛ في ذاتها بِمَعنَى: أن التَّأسِّيَ به حسَنةٌ، ولا يُمكِن أن يَكون الرسولُ ﷺ شَيْء من أَفْعاله غير مَوْصوف بالحُسْنى، وحسَنة في تَطبيق هذا التَّأسِّي في العَقيدة والقَوْل والفِعْل، القَوْل والفِعْل.
لكن قال تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: ﴿لِمَنْ كَانَ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [بدَلٌ من ﴿لَكُمْ﴾] في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، لكِن ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ فهو بدَلُ بَعْض مِن كُلٍّ بإِعادة العامِل.
والخِطاب يَشمَل مَن يَرجو اللَّه واليَوْم الآخِر ومَن لم يَرجُهُ، و ﴿لِمَنْ كَانَ﴾ يَخُصُّ مَن (كان يَرجو اللَّه واليَوْم الآخِر)، فهو بدَلُ بَعْضٍ من كلٍّ، وهل هو بدَل بعضٍ من كُلٍّ: في الذات أو في المَعنَى والصِّفات؟
فالجَوابُ: إذا قُلْت: "أَكرِمِ القَومَ بعضَهُم" هذا بدَلُ بعضٍ من الكُلِّ في الذات، لكن هنا في الآية في الصِّفات ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.
وقولُنا: "بإعادة العامِل" العامِل الذي أُعيد هو اللَّه حَرْف الجرِّ، فإنها مَوْجودة في البَدَل والمُبْدَل منه؛ مَوْجودة في المُبْدَل منه في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ﴾، وفي البَدَل في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [يَخاف اللَّه].
стр. 160
ولعَلَّ قائِلًا يَقول: كيف يُفسِّر الرجاءَ بالخَوْف؛ لأن الرَّجاء هو طلَب أو تمَنِّي ما كان قريبَ الحُصول، فكيف يُفَسِّره بالخَوْف؟
فيُقال: إن الرَّجاء يُطلَق على الخَوْف، ويُطلَق على الأمَل، فالرَّجاء في المَحبوب والخَوْف في المَكروه، ولا يَلزَم أن يُفَسَّر بما فسَّر به المُفَسِّر ﵀ بأن المُراد بالرَّجاء الخَوْف؛ لأن رَجَاء اللَّه واليَوْم الآخِر ثابِت أيضًا، الذي هو تَمَنِّي حُصول المَطلوب.
فإن ما عند اللَّه تعالى من الثَّواب لمَن تَأَسَّوا بالرسول ﵊ يُوجِب الرَّجاء وما في اليَوْم الآخِر أيضًا من السَّعادة يُوجِب الرَّجاء أيضًا، فالذي يَظْهَر أن المُراد بـ (الرَّجاء) هنا مَعناه الحقيقيُّ الذي هو طلَب ما فيه، أو أن يَأمُل الإنسان ما فيه مَصلحة له وخَيْر له.
وقوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ المُراد به يَوْم القِيامة، وسُمِّي اليومَ الآخِر؛ لأنه لا يَوْمَ بعدَه؛ ولأن ذلك اليَوْم هو آخِر مَراحِل الخَلْق؛ لأن للإنسان في هذه الدُّنيا أربعَ مَراحِلَ: مَرحَلة في بَطْن أُمِّه، ومَرْحلة في الدُّنْيا، ومَرْحلة في البَرْزَخ، ومَرحَلة رابِعة يومَ القِيامة، فهذه أربَعُ دُور، فليس هناك ليلٌ ولا نَهارٌ، فكُلُّه لا ليلَ ولا نهارَ؛ لأن الشَّمسَ تُكوَّر وتُرمَى في النار.
وقوله : ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يَقرُن اللَّه دائِمًا الإيمانَ به باليومِ الآخِر كثيرًا في القُرآن: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٣٩]؛ لأن الإيمان باليَوْم الآخِر يَستَلزِم العمَل؛ لأنك إذا آمَنْت بأن هناك يَوْمًا تُجَازَى فيه على عمِلك فسَوْف تَعمَل لذلك اليَوْمِ، بخِلاف الإنسان المُنكِر له، فالمُنكِر لليَوْم الآخِر لا يَعمَل له؛ لأنه يَعتَقِد أنه ما هناك إلَّا دُنيا فقَطْ؛ أرحامٌ تَدْفَع، وأَرْض تَبْلَع، ولا شيءَ! لكن إذا آمَن الإنسانُ باليَوْم الآخِر أَوْجَب له ذلك أَنْ يَعمَل.
стр. 161
ولهذا يَقول : ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قال ﵀: [بخِلافِ مَنْ لَيْس كذلِكَ]، فقَوْله : ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ الواو هنا حَرْف عَطْف و ﴿وَذَكَرَ﴾ مَعطوف على ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو﴾ يَعنِي: ولمِن كان ذَكَر اللَّه ، أو مَعطوفة على ﴿كَانَ﴾، أي: لمَن كَان ولمَن ذكَر، فمَعطوفة على ﴿كَانَ﴾؛ لأن الفِعْل الماضي يُعْطَف على الفِعْل الماضِي، وأيضًا إذا جَعَلْته مَعطوفًا على ﴿كَانَ﴾ اتَّضَح المَعنَى أكثَرَ، فقَولُه تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ﴾ هذا عمَل قَلْبيٌّ، وقولُه تعالى: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ﴾ عمَلُ جَوارحَ، فيَكون مَعطوفًا على ﴿كَانَ﴾.
وقوله: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾: ﴿كَثِيرًا﴾ هذه مَفعول مُطلَق، أي: ذِكْرًا كثيرًا، وذِكْر اللَّه يَكون بالقَلْب وباللِّسان وبالجوارحِ:
فيَكون بالقَلْب بأن يَتَفَكَّر الإنسان في آيات اللَّه تعالى، وفي أسمائه وصِفاته، ويَكون بالجوارِح باللّسان كالتَّسبيح والتَّهليل والتَّحميد، وما أَشبَه ذلك، ويَكون بالجَوارِح غيرِ اللِّسان مثل: الصلاة فيها رُكوع وسُجُود وقِيَام وقُعود وهي ذِكْر، فالذِّكْر إذَنْ يَكون في القَلْب وفي اللِّسان وفي الجوارِح.
والإنسان العاقِل الحازِم المُؤمِن لا يَزال يَذكُر اللَّه ؛ لأن في كل شَيْء من مخَلوقاته آيةً تَدُلُّ على وَحْدانيَّته وعلى حِكْمته، فأيَّ شَيءٍ تُشاهِد من هذا الكَوْنِ فسيُذكِّرُكَ باللَّه .
كذلك بالنِّسبة لأَعمالك إذا كُنتَ حَازِمًا فإنك تَستَطيع ألَّا تَعمَل عمَلًا إلَّا كان عِبادة، والإنسان الحازِم يَجعَل من العادات عِباداتٍ، والإنسان الغافِل يَجعَل من العِباداتِ عاداتٍ، فإذا كان الإنسان حازِمًا، فإنه لن يَضيع عليه لحظةٌ من عُمرهِ إلَّا ولا بُدَّ أن يَستَغِلَّها في ذِكْر اللَّه .
стр. 162
فالأَمْر بالمَعروف والنَهي عن المُنكَر من ذِكْر اللَّه ، وقِراءة القُرآن من ذِكْر اللَّه تعالى، وكلُّ قول أو فِعْل يُقرِّب إلى اللَّه فإنه من ذِكْر اللَّه .
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: وُجُوب التِّأسِّي بالنَّبيِّ ﷺ ؛ يُؤْخَذ من قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾؛ لأن رَجاء اللَّه تعالى واليَوْم الآخِر واجِب.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ محُمَّدًا ﷺ رسول اللَّه؛ لقوله تعالى: ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن جَميع طريق النَّبيِّ ﵊ حسَنٌ ليس فيه سيِّئٌ؛ لقوله تعالى: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الواجِب علينا أن يَكون تَأسِّينا بالرسول ﷺ تَأسِّيًا حسَنًا، لا غُلوَّ فيه ولا تَفْريطَ؛ لقوله تعالى: ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ لأن الغُلُوَّ زيادة، والتَّفريط نُقصان، ودِين اللَّه بين الغالي فيه والمُفرِّط فيه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: وُجُوب رَجاء اللَّه واليوم الآخِر؛ لأن من تَمام الإيمان بالرسول أن نَتأَسَّى به رجاءً باللَّه تعالى واليوم الآخِر.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الإيمان باليوم الآخِر؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ وسُمِّيَ يومًا آخِرًا؛ لأنه آخِر مَراحِل الإنسان، كما سبَق لنا في التَّفسير.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: مَشْروعية كثرةِ الذِّكْر؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، وقد بيَّن اللَّه تعالى في سورة آل عِمرانَ عن أُولي الأَلباب أنهم يَذكُرون اللَّه تعالى قِيامًا وقُعودًا وعلى جُنوبهم، والإنسان إمَّا قائِم أو قاعِد أو على جَنْبه، وهُمْ يَذكُرون اللَّه تعالى في كل هذه الأَحوالِ.
стр. 163
الآية (٢٢)
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
* * *
قال ﵀: [﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ من الكُفَّار ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الابتِلاء والنَّصْر ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ في الوَعْد ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ذلك ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ تَصديقًا بوَعْد اللَّه تعالى ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأَمْره].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾: (لمَّا) شَرْطية لكنها لا تَجزِم، وفِعْل الشَّرْط في الآية ﴿رَأَى﴾، وجوابُه: ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ﴾، وقد تَقدَّم أن (لمَّا) تَأتي في اللغة العرَبية على عِدَّة وُجُوه: منها الشَّرْطية، كما في هذه الآية، ومنها الجازِمة كما في قوله : ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨]، ومنها أن تَكون بمَعنَى (إلَّا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] يَعنِي: إلَّا عليها حافِظ.
والمُراد بالأَحْزاب هنا الأَحْزاب الذين تَألَّبُوا على النبيِّ ﵊ من قُرَيش وغطَفانَ وغيرِهم، لمَّا رأَوْهم رُؤْيةً بصَريةً قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بأن هؤلاء الأَحزابَ سيَأتون؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
стр. 164
فإن اللَّه تعالى بيَّن في هذه الآيةِ أنَّه لا يُمكِن أن يَدخُل الجنَّة إلَّا بعد هذه الأُمورِ، فيَكون مُتَضمِّنًا لوَعْد اللَّه لهُمْ أن يَرَوْا مثل هذه الأَشياءِ التي تُزَلزِلُهم، يَقول تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وهذا دَليل على ثَباتهم وإيمانهم وصِدْق نَواياهم، لكِنِ المُنافِقون تَقدَّم أنهم كانوا يَهزَؤُون بالرسول ﵊ لما ضَرَب الحجَر الذي اعتَرَضهم في حَفْر الخَنْدق، وقال: إنه رأَى مَدائِن كِسرى وقُصورَ قَيصرَ واليَمَن؛ فقالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ يَقول: يُريد أن يَملِك اليَمَن والشام والعِراق وهو الآنَ مُضَيَّق عليه هذا التَّضييقَ! ! هذا كَذِب! وليس بصحيح؛ لكنَّ المُؤمِنين قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، فهُمْ عكسُ هؤلاءِ المُنافِقين الذين قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الصِّدْق هو الإِخبارُ بالواقِع على حَسب ما هو واقِع، وإن شِئْت فقُلْ: هو الإِخْبار المُطابِق للواقِع، وضِدُّه الكذِب؛ ويُقال: صَدَقَني الحديثَ. وصدَّقني الحديثَ. وبينهما فَرْق (صدَقَني الحديثَ) يَعنِي: أَخبَرني بالصِّدْق، و (صدَّقني الحديث) يَعنِي: قال: إن ما حدَّثْته به صِدقٌ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] مَعنَى ﴿صَدَقَكُمُ﴾: أَخبَرَكم بالصِّدْق وبيَّن لكم أنَّ ما وعَدَكم به حَقٌّ، حين حسَسْتُموهم بإذْنه.
وقوله تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ في هذه الجُملةِ ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ سِيق هذا الكَلامُ على سبيل المَدْح، ولكنه قد يُشْكِل على بعضِهم: كيف قَرَن وَعْد رسول اللَّه ﷺ بوَعْد اللَّه تعالى بالواو؛ وقَرَن أيضًا صِدْق رسول اللَّه ﷺ بصِدْق اللَّه بالواو؟ وقد قال النبيُّ ﷺ لرجُلٍ حين قال له:
стр. 165
ما شاءَ اللَّه وشِئْتَ، قال له النبيُّ ﷺ : "أَجَعَلْتَني للَّهِ نِدًّا" (١)، فكَيْف نَجمَع بين هذا وبين ما في هذه الآيةِ؟
الجَوابُ: أن يُقال: ما كان من أُمور الشَّرْع فإنه لا بَأْس أن يُضاف إلى اللَّه تعالى ورسولِه ﷺ بالواو؛ لأن ما شَرَعه النبيُّ ﵊ فهو من شَرْع اللَّه تعالى، كما قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وأمَّا ما كان من أُمور القَدَر، فإنه لا يَجوز أن يُضاف إلى اللَّه تعالى ورسولِه ﷺ بالواو، بل لا بُدَّ أن يَكون بـ (ثُمَّ)؛ وذلك لأن قُدْرة الإنسان ومَشيئة الإنسان تابِعةٌ لمَشيئة اللَّه تعالى وقُدْرته.
فمثَلًا: تَقول لرجُل سَألَك: ما حُكْم الصلاة جَماعةً؟ وأنت لا تَدْري ما حُكْمها؛ فتَقول: اللَّهُ ورسولُه أَعلَمُ؛ لأن هذا حُكْمٌ شَرْعيٌّ، وأمَّا إذا كان من الأُمور القَدَرية فإنه لا يُمكِن أن يُشرَّك غيرُ اللَّهِ تعالى مع اللَّه تعالى بالواو، وذلك لأن مَشيئة غير اللَّه تعالى وقُدرة غير اللَّه تعالى تابِعةً لمَشيئة اللَّه تعالى، ولا يُمكِن أن تَكون مُساوِيةً لها.
وقوله : ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾: (ما زادَهُم) الفاعِل في ﴿زَادَهُمْ﴾ يَعود على رُؤية الأحزاب، يَعنِي: ما زادَهم رُؤيةُ هَؤلاء الأحزاب وتَأَلُّبهم على رسول اللَّه ﷺ إلَّا إيمانًا.
يَقول المُفَسِّر: [﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ تَصديقًا بوَعْد اللَّه تعالى ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأَمْره] إيمانًا بالقَلْب وتَسليمًا بالجوارِح؛ لأن الإيمان محَلُّه القَلْب، والتَّسليم والانقِياد محَلُّه الجوارِح، والإنسان لا يَتِمُّ دِينه إلَّا بهَذين الأَمْرين: بالإيمان والتسليم، فمَنِ استَسْلَم ولم يُؤْمِن فهو مُنافِق، ومَن آمَن ولم يَستَسْلِم فهو مُستكبِر، فإذا اجتَمَع للإنسان
стр. 166
الإيمانُ والتَّسليمُ صار مُؤمِنًا حقًّا عابِدًا حقًّا، فالإنسان المُؤمِن لكنه لا يَسْتسلِم نَقُول: هذا مُسْتكْبِر. والإنسان المُستَسلِم لكنه غيرُ مُؤمِن نَقول: هذا مُنافِق؛ لأن المُنافِقين يَسْتَسْلِمون ظاهِرًا؛ ولا يَتِمُّ الإيمان إلَّا بهذين الأَمْرين: الإيمان والتسليم، ولا يَتِمُّ الشَّرْع إلَّا بهذين الأَمْرين الإيمان والتسليم.
وقوله : ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾: ﴿إِيمَانًا﴾ مَفعول ثانٍ، والمَفعول الأوَّل (الهاء)، فـ (زاد) تَنصِب مَفعولين أوَّلهُما: الهاءُ، والثاني في هذه الآيةِ: ﴿إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: في قوله : ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ كان مُقتَضى الحال أن يَلحَقهم الخوفُ والذُّعرُ كما حصَل للمُنافِقين؛ فمن فوائِدها: كمالُ تَصديقهم للَّه ورسولِه ﷺ في قولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ فهُمْ شاهَدوا ما وعَد اللَّه تعالى، ثُم أَظهَروا الإيقان بذلك بأَلسِنَتِهم في قولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.
وقدِ استَدَلَّ بعضُ الجُهَّال في هذا الآيةِ على مَشروعية خَتْم القُرآن بقوله تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ﴾ وقالوا: كيف تُنكِرون علينا إذا أَتْمَمْنا القِراءة وقُلْنا: صدقَ اللَّه العَظيمُ. مع أن اللَّه تعالى يَقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ويَقول تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٩٥] فما هو الجوابُ عن هذه الشُّبْهةِ؟
نَقول: نحن لا نُنكِر أن يَقول أحَدٌ: صدَق اللَّهُ ورسولُه. بل نَراه من الإيمان أن يَقول الإنسان: صدَق اللَّهُ ورسولُه. وأمَّا مَن لَمْ تَكُن عَقيدته هذه فهو كافِر، لكننا نُنْكِر أن نَجعَل هذا الثَّناءَ على اللَّه عند الانتِهاء من التِّلاوة مع أنه لَمْ يَرِد،
стр. 167
فهل نَحن أَعلَمُ بشريعة اللَّه تعالى من رسول اللَّه ﷺ ؟ وهل نحن أَحرَصُ منه على تَطبيق شريعة اللَّه تعالى؟ أَبَدًا، وإذا لم يَكُن كذلك؛ فإن الواجِب علينا أن نَحذُوَ حَذْوَه، فإذا كان يَقول عند خَتْم عِند انتِهاء تِلاوته: (صدَقَ اللَّهُ) فإننا نَقولها على العَيْن والرأس، وإذا كان لا يَقولها فلا نَقولها.
ونَقول لهم: إذا كُنْتم تَعتَقِدون مَشروعية ذلك فقولوها أيضًا في الصلاة إذا انتَهَيْتُم من القِراءة في الصلاة قبل أن تُكبِّروا؛ لأن التِّلاوة في نفس الصلاة أفضَلُ منها في خارِج الصلاة، المُهِمُّ: أنه لا دليلَ لهؤلاء في مِثْل هذه الآيةِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن المُؤمِن يَزْداد إيمانًا عند رُؤْية الآيات الكونية أو الشَّرْعية كقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: صِحَّة مَذهَب أهل السُّنَّة والجماعة الذين يَقولون: إن الإيمان يَزيد ويَنقُص كذا، وقد ذكَرْنا أن زِيَادة الإيمان باعتِبارات: باعتِبار قُوَّة اليَقين، وباعتِبار كثرة العمَل، وباعتِبار الإخلاص فيه، وباعتِبار أن المُعامَلة المُتابَعة للرسول ﵊، وباعتِبار العامِل نَفسِه.
فكُلُّ هذه الاعتِباراتِ يَزيد بها الإيمان:
الأوَّلُ: باعتِبار قُوَّة التقين فإبراهيمُ ﵊ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فليس الخبَرُ كالمُعايَنة لو أَخبَرك مَن تَثِقُ به تمَامَ الثِّقة عن وجود شيءٍ آمَنْت به، لكن إذا رأَيْته بعَيْنك صار ذلك أَقوى إيمانًا.
الثاني: باعتِبار كَثْرة العمَل.
стр. 168
الثالِث: بِحَسب الإِخْلاص في العِبادة، فكُلَّما كان الإنسان في العِبادة أخلَصَ للَّه كان زيادةُ الإيمان بها أكمَلَ وأقوَى؛ ولهذا تَجِد الفرقَ إذا عبَدْت اللَّه بإِخْلاص، وإذا عبَدْتَه بغَفْلة، تَجِد الفَرْق العظيم في تَأثُّر قلبك مع أن العِبادة واحِدة، فكيف إذا عبَدْت اللَّه تعالى برِياءٍ وسُمْعة؟ نَسأَل اللَّه أن يَحمِيَنا وإيَّاكم من ذلك -تَكون أشَدَّ وأشَدَّ في عدَم تَأثُّر القَلْب بهذه العِبادةِ! .
الرابع: باعتِبار مُتابَعة الإنسان للرَّسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَللسَّلَامُ، فكلَّما ازداد الإنسان اتِّباعًا للرسول ﷺ في عِبادته ازداد إيمانه بذلك؛ لأنه عِندما يَزداد اتِّباعًا للرسول ﷺ يَشعُر كأَنَّ الرسول ﷺ أمامَه يُتابع أثَرَه، وهذا لا شَكَّ أنه يَزيد في الإيمان.
الخامِس: باعتِبار حال العامِل، فالنبيُّ ﵊ يَقول: "لَوْ أنفَقَ أَحَدُكمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَه" (١)، يَعنِي: الصحابة ﵃؛ لأنهم أَقوَى إيمانًا ممَّن بعدهم، وأشَدُّ ثباتًا.
والحاصِلُ: أن الإيمان زِيادته لها عِدَّة اعتِبارات، ومنها أيضًا تَرْك المَعاصي خوفًا من اللَّه تعالى، فإن الإيمان يَزداد به، وفي (كتاب التَّوْحيد) شَرْح ذلك على وجهٍ أكمَلَ.
المُهِمُّ: أن أهل السُّنَّة والجَماعة يَقولون: إن الإيمان يَزيد ويَنقُص.
وقالتِ المُرجِئة: إن الإيمان لا يَزيد ولا يَنقُص؛ لأن الإيمان في القَلْب، والعمَل الصالِح ما له دَخْل في الإيمان وما في القَلْب لا يَتفاوَت، فنحن الآنَ نُؤمِن بالشَّمْس
стр. 169
جميعًا، إيماننا بالشَّمْس على حدٍّ سَواءٍ ما يَتَفاوَت، فالناس عندهم كما قال ابن القيِّم ﵀ عنهم:
النَّاسُ في الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ... كالمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ (١)
وهذا القولُ لا شَكَّ أنه خطَأ يَرُدُّه الواقِعُ والشَّرْع.
وقالَتِ الخَوارِجُ والمُعتَزِلة: الإيمان لا يَزيد ولا يَنقُص، إمَّا أن يُوجَد جُملة كامِلًا، وإمَّا أن يُعْدَم بالكُلِّية؛ لأنهم يَقولون: إن فاعِلَ الكبيرة كافِر خارِج عن الإيمان؛ فإمَّا كافِر، وإمَّا في مَنزِلة بين مَنزِلتين؛ فالخَوارِج يَقولون: إن فاعِل الكبيرة كافِر ليس عِنده إيمان أبَدًا، والمُعتَزِلة يَقولون: لا إيمانَ عِنده، لكِن لا نَقول: إنه كافِر، بل هو في مَنزِلةٍ بين مَنزِلتين، ومَن لم يَكُن فاعِلَ كبيرةٍ فالناس في الإيمان سَواءٌ كلهم على حَدٍّ سواءٍ.
فالذين لا يَرَوْن زيادة الإيمان ولا نُقْصانه طائِفتان إمَّا مُرْجِئة أو وَعيدية، وهُمُ الخَوارِجُ والمُعتَزِلة.
وقال بعضُ أهل السُّنَّة: كالإمام مالِك (٢) ﵀ قال: الإيمان يَزيد ولا نَقول: يَنقُص؛ لأن زيادة الإيمان في القُرآن والسُّنَّة كثيرة، ولكن ليس فيهما ذِكْر نَقْص الإيمان، ولكن قوله ﵀ ضعيف؛ لأن في السُّنَّة: "مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ" (٣)، والإيمان بلا شَكٍّ من الدِّينِ، فيَكون داخِلًا في هذا الحديثِ.
стр. 170
وأيضًا: فإن الزيادة والنُّقصان من الأمور المُتَقابِلة التي إذا وُجِد أحدُها انتَفَى الآخَر، ولا يُعقَل وجودُ أحدهما إلَّا بوجود الآخَر، فمثَلًا الزيادة لا تُعقَل إلَّا بنَقْص فنَقول له مثَلًا: أنت تَقول: إن فُلانًا أَزيَدُ إيمانًا من فُلان. مَعنَى ذلك أن المَزيد عليه ناقِص، ولا تَتَصوَّر غير هذا، فالصواب أن الإيمان يَزيد ويَنقُص، وأَسباب الزيادة والنُّقصان كما شرَحْنا قبلُ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الناس يَختَلِفون في الانقِياد والتَّسليم كما يَختَلِفون في الإيمان زيادةً ونَقْصًا؛ لقوله : ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾؛ لأن عامة المُؤمِنين كلهم مُنقادون للشَّرْع، لكن منهم مَن يَنْقاد بطُمَأْنينة وانشِراح وقَبول ومَحَبَّة، ومنهم مَن يُسْلِم على وجهٍ دون ذلك، فمنهم مَن يَأتي إلى الصلاة مثَلًا وهو يَرَى أنهما نِعْمة من اللَّه يَأتي إليها مُقبِلًا غير مُدْبِر، نَشِطًا، مُنْشرِح الصَّدْر، مُحِبًّا لها، يَنتَظِر الصلاة بعد الصلاة بفارغ الصَّبْر.
ومِنهم أُناسٌ بالعَكْس يَأتون إلى الصلاة ولا يَتَخلَّفون، لكن ببُطْء وتَثاقُل وعدَم انقِيادٍ لها؛ إذَنْ فالناس يَختَلِفون في التسليم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن التَّأمُّل في الآيات ووُضوح الآيات للعَبْد تَزيد في إيمانه وتَسليمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ أي: ما رأَوْه من الأحزاب إلَّا ﴿إِيمَانًا﴾ باللَّه تعالى ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لشَرْعه.
* * *
стр. 171
الآية (٢٣)
* قالَ اللَّه : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣].
* * *
وقوله ﵀: [﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ من الثَّبات مع النبيِّ ﷺ ].
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ الجُمْلة هذه مُكوَّنة من مُبتَدأٍ وخبَر، والخبَر مُقدَّم والمُبتَدَأ مُؤخَّرٌ، فالمُبتَدَأ قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ﴾ والخبَرُ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فإن قال قائِل: ﴿رِجَالٌ﴾ نكِرة، والابتِداء بالنَّكِرة ليس بجائِز؟
فالجَوابُ: أن ابن مالِك ﵀ يَقول:
وَلَا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَه ... مَا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زيدٍ نَمِرَه (١)
والآيةُ التي معَنا مثل هذا المِثالِ: عِندَ زيدٍ نَمِرة، والمُسَوِّغ للابتِداء بالنكِرة هنا تَأخير المُبتَدَأ، كذلك في قوله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ المُسوِّغ تَأخيرُ المُبتَدَأ، كما أن في الآية أيضًا مُسوِّغًا آخَرَ وهو وَصْف هذه النَّكرةِ؛ لأن وَصْف النَّكرة يُخصِّصها.
стр. 172
وقوله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿مِنَ﴾ للتَّبعيض؛ لأنها تُقدَّر بـ (بعْض)، واختَلَف النَّحويُّون في (مِن) التَّبعيضية فقال بعضهم: إنها اسْمٌ، وهي بحَسب العوامِل، لكن لا يَظْهَر عليها عمَل العامِل؛ لأنها حَرْف فيَنتَقِل العامل إلى ما بعدَها، ومنهم مَن قال: إنها حَرْف جَرٍّ، ولكن مَعناها: التَّبعيض وهذا هو الذي عليه أكثر] أهل النَّحو.
وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ مَعنَى ﴿صَدَقُوا﴾ أي: قاموا بهم، كما تَقول: صدَق لي الوَعْد. يَعنِي: وفَى لي بالوَعْد، فهُمْ وفَوْا بما عاهَدوا اللَّهَ تعالى عليه من الثَّبَات مع النبيِّ ﷺ مِثْل: أبي بَكْر وعُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ، وكثير نَحوهم.
وقوله ﵀: [﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ مات أو قُتِل في سبيل اللَّه تعالى، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ذلك ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ في العَهْد، وهُم بخِلاف حال المُنافِقين].
قسَّم اللَّه تعالى هؤلاءِ الرِّجال الذين صدَقوا ما عاهَدوا اللَّه عليه إلى قِسْمين: قِسْم قضَى نَحْبه يَعنِي: قَضى حَياته وقُتِل في سبيل اللَّه تعالى كحَمزةَ بنِ عبدِ المُطلِّب ﵁، فإنه قُتِل شهيدًا في سبيل اللَّه تعالى، وكذلك بقية شُهَداء أُحُد.
ومنهم مَن يَنتَظِر القِتال في سبيل اللَّه؛ لأنه قد صدَق الرسول ﷺ أو قَدْ ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، فهُم يَنتَظِرون أن يُستَشهَدوا, ولكن هل يَحصُل لهم ذلك أم لا؟ قد يَحصُل وقد لا يَحْصُل؛ ولهذا يُقال: إن خالدَ بن الوَليد ﵁ تَأسَّف في حال مرَضه أنه لم يُقتَل شهيدًا في سبيل اللَّه تعالى، يَعنِي: يَندَم أنه ما ترَك مَعرَكةً إلَّا خاضَها قال ﵁: "وَهَا أنَّا أَموتُ عَلى فِراشِي كما يَموتُ الحِمارُ" (١)؛
стр. 173
لأنهم يُريدون أن يُستَشهَدوا في سبيل اللَّه تعالى.
قال : ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ هذا مَعطوف على ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أي: ومنهم رِجال ما بدَّلوا تَبديلًا؛ يَقول المُفَسِّر ﵀: [في العَهْد] والتَّبديل في العَهْد يَشمَل نَقْضَه بالكُلية، ويَشمَل الإخلال بشيء من شُروطه يَعنِي: يَشمَل نَقْضه بالكُلية وعدَم الالتِفات إليه، ويَشمَل الإخلال بشَيْء من شُروطه.
قال اللَّه : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبَر مُقدَّم ﴿رِجَالٌ﴾ مُبتَدَأ مُؤَخَّر، ﴿صَدَقُوا﴾ الجُمْلة صِفة للرِّجال ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: أنهم صدَقوا أَقوالهم بأَفْعالهم، فالعَهْد الذي عاهَدوا اللَّه تعالى عليه قاموا به ووفَوْا به.
واعلَمْ أن مَعنَى قوله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ أن من المُؤمِنين رِجالٌ عاهَدوا اللَّه تعالى وصدَقوا ما عاهَدوا اللَّه تعالى عليه، وليس المَعنَى أن من المُؤمِنين رِجال صدَقوا ومِنهم مَن لم يَصدُق حتى يَتشبَّث به من سَبَّ الصَّحابة ﵃، أو قال: إنهم ليسوا كلُّهم صادِقين.
فالمَعنَى: أن من المُؤمِنين رِجالًا عاهَدوا اللَّه تعالى فصدَقوا ما عاهَدوا اللَّه تعالى عليه، بل مِنَ المُؤمِنين مَن لم يُعاهِد اللَّه على شيء، بل هو مُستَمِرٌّ على طاعة رَبِّه، حيث ما أُمِر، ممَّن عاهَد اللَّه تعالى أنَسُ بنُ النَّضْر ﵁، فإن أنَسَ ابنَ النَّضْر لم يَشهَد بَدْرًا، فلمَّا رجَع النبيُّ ﷺ من بَدْر قال: يا رسول اللَّهِ، هذه أوَّلُ غَزوة قاتَلْتَ فيها المُشرِكين، واللَّهِ، لئِنْ أَبقاني اللَّهُ تعالى لَيَرَينَّ اللَّه ما أَصنَع. فلمَّا صارَتْ غَزوةُ أُحُد قاتَل ﵁ حتى قُتِل، فكانَتْ فيه بِضْعٌ وثَمانون ما بين طَعْنة
стр. 174
رُمْح أو ضَرْبة سَيْف (١)، فصدَق ما عاهَد اللَّهَ عليه، هذا هو مَعنَى الآية ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ فقوله ﵁: "ليَرَينَّ اللَّهُ ما أَصنَعُ" هذا عَهْد؛ لأنه التِزام التَزَم به على نَفْسه.
قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ يَعنِي: فمِن هؤلاء الذين عاهَدوا اللَّه مَن قَضَى نَحْبه، أي: عَهْده والتِزامه وقِيل: مَن قضَى نَحْبه أي: أَجَلَه، أي: مات وقُتِل، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر﴾ يَعنِي: يَنتَظِر الموت والقَتْل شَهيدًا في سبيل اللَّه .
قال : ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ يَعنِي: ما حصَل منهم تَبديل لا بالنَّقْض بالكُلية ولا بالتَّغيِير؛ ولهذا قال : ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾ والتَّبديلُ يَكون بالتَّرْك كُلِّيةً ويَكون بالتَّغيير بالنَّقْص أو بالزِّيادة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [وهُمْ بخِلاف حال المُنافِقين]، فإن حال المُنافِقين على العَكْس يُعاهِدون اللَّه ولا يُوفُّون، قال اللَّه : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٦]، أمَّا المُؤمِن فإنه يَفِي بما عاهَدَ اللَّهَ تعالى عليه.
стр. 175
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: الثَّناءُ على أُولَئِك المُؤمِنين الذين عاهَدوا اللَّه تعالى فصدَقوه، وجهُ ذلك السِّياقِ ﴿رِجَالٌ﴾، فإن ﴿رِجَالٌ﴾ نكِرةٌ للتعظيم، يَعنِي: رِجالًا عُظَماءَ صدَقوا ما عاهَدوا اللَّه تعالى عليه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن أُولَئِك الذين صدَقوا ما عاهَدوا اللَّه منهم مَن تُوفِّي واستُشْهِد، ومنهم بَقِيَ، وقد ذكَّرْنا مثلًا بمَنِ استُشهِد وهو أَنَسُ بن النَّضْر ﵁، فإنه استُشهِد في أُحُد، ووُجِد فيه بِضْعٌ وثمانون ضَرْبةً (١).
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن اللَّه أَثنَى على هؤلاء أنهم أَتَوْا بما عاهَدوا اللَّه تعالى عليه على وجهِ الكَمال بدون نَقْص ولا تَغيير؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن مَن مات سابِقًا ومَن مات لاحِقًا إذا كان سَواءً فيما قام به ممَّا يَجِب، فإنه لا فرقَ بين المُتقَدِّم والمُتأخِّر؛ لأنه قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، وجعَل الثَّناء عليهم واحِدًا، لكن في الأعمال الأخرى مَن تَأخَّر موتُه فازداد عمَلًا صالِحًا فهو أكمَلُ من الأوَّل، ولكنه بالنِّسبة لما اتَّفَق فيه من العمَل الصالِح لا فَرْقَ بين الأوَّل والآخِر.
* * *
стр. 176
الآية (٢٤)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤].
* * *
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللَّه هذه للتَّعليل، يَعنِي: أن الأمرَ وقَع كذلك على الوَفاء وعلى النَّقْض، فعلى الوَفاء من المُؤمِنين وعلى النَّقْض من المُنافِقين، وقد وقَعَ هذا؛ ليَجزِيَ اللَّهُ تعالى الصادِقين بِصِدْقهم ويُعَذِّب المُنافِقين، ولولا اختِلاف الناس في الأعمال ما اختَلَفوا في الجَزاء، ولو لم يَختَلَفوا في الجزاء ما كان لخَلْق الجنَّة والنار فائِدة؛ ولهذا قال اللَّه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] فاللَّه حكيم خلَقَ الجنَّة وخلَق بها سُكَّانًا، وخلَق النار وخلَق لها سُكَّانًا، وسُكَّانُ هذه وهذه لا بُدَّ أن يَكون لهم أعمال يَقومون بها حتَّى يَستَحِقُّوا أن يَكونوا من أهلها.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ الباء هنا للسَّبَبية وليست للعِوَض؛ لأن الجَزاء على الأعمال ليس من باب المُعاوَضة، ولكنه من باب قَرْن المُسبَّب بسبَبه؛ لقول النبيِّ ﵊: "لَنْ يدخلُ أَحَدٌ الجَنّةَ بِعَمَلِهِ" (١)،
стр. 177
فالأعمال الصالحِة أسباب، وإلَّا فلو أن اللَّه أَراد أن يُعاوِضنا على أعمالنا مُعاوَضةً بمَعنَى المُعاوَضة لكان لو قابَلنا بنِعْمة واحِدة من نِعَمه علينا ما قابَلَت كلَّ أعمالنا، أو ما قابَلَتْها كلُّ أعمالنا, ولكن الأعمال سبَبٌ.
وقوله : ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ وإذا كان الجَزاء بالصِّدْق فسيَكون الجزاء على حَسب ذلك الصِّدقِ، فالذين صدَقوا ما عاهَدوا اللَّه تعالى عليه يَكون جَزاؤُهم على صِدْقهم بحَسب ما قاموا به، فإذا كانوا أَطوَعَ للَّه وأشدَّ تَنفيذًا لأوامِره وأكثَرَ فِعْلًا لطاعته صار جَزاؤُهم أكثَرَ، والعَكْس بالعَكْس.
وقوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ المُنافِق هو الذي أَظهَر الإيمان وأَبطَن الكُفْر، مَأخوذ من النافِقاء وهي نافِقاء اليَرْبوع الذي يَجعَلها في جُحْره حتى إذا أتاه أحَدٌ من بابه خرَج من هذه النافِقاءِ.
وقوله تعالى: [﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ بأن يُميتَهم على نِفاقهم].
أَشار المُفَسِّر ﵀ في قوله: [بأن يُميتَهم على نِفاقهم] إلى أن تَعذيب المُنَافِقين المُعلَّق بالمَشيئة هنا ليس المَعنى أنه إن شاء عذَّبَهم وإن شاء لم يُعذِّبْهم، وقد ماتوا على النِّفاق؛ لأنهم إذا ماتوا على النِّفاق فقد أَخبَرَنا اللَّه تعالى أنهم في الدَّرْك الأسفَل من النار، وليسوا تَحتَ المَشيئة ويَكون قوله : ﴿إِنْ شَاءَ﴾ بأَنْ يَبْقَوْا على نِفاقهم حتى يَموتوا فإذا بَقُوا على نِفاقهم إلى الموت عَلِمنا أن اللَّه قد شاء تَعذيبهم، أمَّا إن هَداهم اللَّه فإن المُنافِقين قد اهْتَدْوا؛ ولهذا قال : ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بأن يُوَفِّقهم للتَّوْبة، والصواب كما تَقدَّم كثيرًا أنَّ المُنافِق تَصِحُّ تَوْبته وهي نَصٌّ في قوله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ
стр. 178
فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦].
وقوله: ﴿أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بأن يَمُنَّ عليهم بالتَّوْبة فيَتوبوا وحينئذٍ لا يُعَذَّبون.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾ غَفور: هذه اسمُ فاعِل على صيغة المُبالَغة، يَعنِي: كثير المَغفِرة، ويَجوز أن تَكون صِفةً مُشبَّهة، أي: ذو مَغفِرة، والصِّفة المُشبَّهة أبلَغُ من اسمِ الفاعِل؛ لأن اسمَ الفاعِل يَدُلُّ على الفِعْل، والصِّفة المُشبَّهة تَدُلُّ على الوَصْف، أي: على اتِّصاف مَن هي وَصْفه بها دائِمًا.
وقوله ﵀: [﴿غَفُورًا﴾ لمَن تاب] فيه شَيء من النَّظَر؛ لأن اللَّه تعالى يَغفِر حتى لمَن لَمْ يَتُب ممَّن هو تحت المَشيئة، كفاعِل المَعاصي، ولو أن المُفَسِّر ﵀ أَبقاها على إطلاقها لكان أَسلَمَ له، فقوله تعالى: ﴿غَفُورًا﴾ أي: كثير المَغفِرة أو ذو مَغفِرة مُتَّصِفٌ بها دائِما، وهذا أَقرَبُ كما قُلْت؛ لأنه يَدُلُّ على الوَصْف الدائِم، ويَدُلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦].
وقوله ﵀: [﴿رَحِيمًا﴾ به] يَقول: [به] أي: بمَن تاب، والصوابُ: أنه رحيم بمَن تاب وبغَيْره، وأن رحمةَ اللَّه بالمَعنى العامِّ تَشْمَل المُؤمِن والكافِر، والبَرَّ والفاجِرَ، وكلَّ أحَد، كلُّ أحَدٍ، فإنه داخِل في رحمة اللَّه تعالى هذا بالمَعنَى العامِّ، أمَّا بالمَعنَى الخاصِّ فإن الرحمة تَختَصُّ بالمُؤمِنين.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ حِكْمة اللَّه في المُجازاة عن العمَل، كقَوْله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الجزاء من جِنْس العمَل؛ لقوله : ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾،
стр. 179
فإن الباء للسَّببية والمُسبَّب مَرْبوط بالسَّبَب يَقوَى بقُوَّته ويَضعُف بضَعْفه، ويَزداد بزِيادته ويَنقُص بنُقْصانه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الثَّناء على الصادِقين وأنهم أهلٌ للجَزاء الحسَن؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ الصادِقين في العَقيدة وفي القول وفي الفِعْل وفي العمَل.
وقد أَمَر اللَّه تعالى بالصِّدْق، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقال النبيُّ ﵊ حاثًّا على الصِّدق: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا" (١).
والصِّدْق كما أنه مَحَلُّ ثَناء من اللَّه ومَحَلُّ ثواب جَزيل، فإنه مَحَلُّ ثَناءٍ من الخَلْق، ولهذا تَجِد الصادِقين تُنشَر آثارهم، وتُؤثَر أقوالهم، ويُثنَى عليهم في المَجالِس حتى بعد مَوْتهم، بخِلاف أهل الكَذِب -والعِياذ باللَّهِ- والنِّفاق، فإنهم على العكس من ذلك، فعليك بالصِّدْق! ولا تَظُنَّ أن الصادِق يَخيب أبَدًا، كما يصوِّر الشيطان أحيانًا للإنسان: أنه لو صدَق لكان في ذلك ضرَرٌ عليه، فلْيَكُن كاذِبًا أو فلْيَكذِب، فإن هذا من وَسْواس الشيطان، والصِّدق مَنجاة؛ ولهذا قال أحَدُهم: رأيتُ في
стр. 180
الكذِب نَجاةً. فقال الثاني له: الصِّدْق أَنجَى. وصدَقَ.
واعلَمْ أن الصادِق وإن كان الأمر مُرًّا عليه في أوَّل أَمْره لكنه تَكون العاقِبة له في النهاية، وإذا أَرَدت مثَلًا على ذلك فانظُرْ إلى حال الثلاثة الذين خُلّفوا في غزوة تَبوكَ (١) كيف كان أوَّل أمْرهم؟ كانوا في تِلك المرارةِ العَظيمةِ حتى ضاقت عليهمُ الأرض بما رحُبَت، وضاقت عليهم أنفُسُهم، وتَنكَّرتِ الأرض لهم، حتى إن كعبَ بنَ مالِك ﵁ يَقول: حتى كأَنَّ الناس الذين على الأرض كأنهم ليسوا همُ الناس الذين أَعرِف؛ قال تعالى: ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ [التوبة: ١١٨]، والنَّتيجة أنه نزَلت فيهم آياتٌ تُتلى إلى يوم القِيامة، لولا هذا الصِّدْقِ ما بقِيَت هذه الآياتُ، حتى قِيل للناس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]، فعِندما ذُكِرَت قِصَّتهم فهذا نهاية عظيمة جِدًّا للصادِقين، فأنت اصدُقْ وإن حصَل عليك ضرَر في أوَّل أَمْركَ، لكن العاقبة لكَ، ولا تُعوِّد نَفْسك الكذِب.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ذَمُّ النِّفاق وأنه سبَب للعَذاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن المُنافِق له تَوْبة في قوله : ﴿إِنْ شَاءَ﴾، فإنه يَشاء أن يُعذِّبهم إذا ماتوا على النِّفاق، أمَّا إذا تابوا فقد شاء ألَّا يُعذِّبهم، ولكن -كما تَقدَّم في تفسير هذه الآيةِ- تَوْبة المُنافِق ذُكِر فيها شُروط لا بُدَّ من مُراعاتها، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]،