← Тафсир

Тафсир · id 150303

تفسير العثيمين: الأحزاب

ابن عثيمين

Полный текст (540 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: تَذكير أُمَّهات المُؤمِنين بهذه النِّعمةِ العَظيمةِ، لقوله : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ مَن أَعطاه اللَّه تعالى عِلمًا كان طلَبُ الاستِقامة منه أَوْكدَ وأوْثقَ، فإذا آتَى اللَّهُ تعالى الإنسان عِلمًا؛ فإنه يُطلَب منه من الاستِقامة أكثَرَ ممَّا يُطلَب ممَّن لم يُؤتَ عِلْمًا، لأنه قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى﴾، فليس عليكن نقص في العِلْم، بل إنَّ العِلْم ﴿يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. مَسأَلة: رُبما يَكون عند المرأة أَشرِطة تَستَمِع إليها، فيُقال: كل امرأة يُوجَد في بيتها، أو يُتلَى في بيتها حقٌّ من كِتاب اللَّه تعالى، أو سُنَّة رسوله ﷺ أو كلام أَهْل العِلْم المَبنيِّ على الكِتاب والسُّنَّة، فعَلَيْها من الوَاجِب أكثَرَ ممَّن لم تَعرِف. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن البيت الذي يُتلَى فيه كِتاب اللَّه خير من البَيْت الذي لا يُتلَى فيه كِتاب اللَّه تعالى؛ لقوله : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، ولهذا قال النَّبيُّ ﵊: "لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قبورًا" (١)، يَعنِي: لا تَجعَلوها مثلَ القُبور لا تُصلُّون فيها، وفي الحديثِ الصحيحِ عنه: "أَفْضَلُ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةِ" (٢)، وكان من هَدْي الصَّحابة ﵃ أنه تُسمَع لبُيوتهم

стр. 247

من تِلاوة كِتاب اللَّه دويٌّ كدَوِيِّ النَّحْل (١) من قِراءة كِتاب اللَّه تعالى في البُيوت. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ القُرآن من آيات اللَّه ؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، وقد سبَقَ في التَّفسير بَيان كَوْنه من آيات اللَّه ، لما يَتَضمَّن عليه من المَصالِح، والحِكَم والأَسْرار. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه إذا قُرِنَت الحِكْمة بالكِتاب؛ فالمُراد بها السُّنَّة؛ لأنَّ السُّنَّة أيضًا تَتَضمَّن الحِكْمَة، واللَّه لم يَصِفِ السُّنَّة بالحِكْمَة لأنَّ القُرآن ليس فيه حِكْمة، ولكن لمَّا كان القُرآن من عِند اللَّه تعالى، وكلامَ اللَّه تعالى، فإنَّ احتِمال أَنْ لا يَتَضَمَّنَ الحِكْمة بعيدٌ جِدًّا؛ لكن لمَّا كانت السُّنَّة من كلام الرسول ﷺ فإنَّ كلام البَشَر قد يَرِد عليه احتِمال أن لا يَكون مُشتَمِلًا على الحِكْمَة فبيَّن اللَّه أن السُّنَّة حِكْمة، وإن كانت مِن كَلام الرسول ﵊ أو مِن فِعْله، فإنها حِكْمة؛ لأنها مُوافِقةٌ للصواب. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فيها رَدٌّ على مُنكِري السُّنَّة، ورَدٌّ على آخِرين يُقابِلونهم يَأخُذون بالسُّنَّة ولا يَأخُذون بالقُرآن، لأن هناك ناسًا الآنَ -مع الأسَف- يَعتَنون بالسُّنَّة اعتِناءً عَظيمًا، نَعَمْ حتى إنهم يَغوصون على أَشياءَ قد لا تَكون صحيحةً، ويَأتون بها لكن في القُرآن تُخاطِبهم في القُرآن لا يَعرِفون شيئًا في القُرآن، لا في تَفسيره ولا في إِعْرابه، ولا في شيء أبَدًا منه، بينما هُمْ في السُّنَّة يُذهِبُون ليلَهم

стр. 248

ونهارَهم، وهذا خطَأ؛ لأنَّ أوَّلَ ما يَجِب أن نَتعَلَّم القُرآن، ثُم بعد ذلك السُّنَّة، لأنَّ بالقُرآن هو الأصل. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات هَذَيْن الاسمَيْن من أسماء اللَّه (اللَّطيف، والخَبير). الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّ اللَّه تعالى كان لَطيفًا خَبِيرًا، و (كان) هذه مَسلوبةُ الدَّلالة على الزَّمان، وإنما يُراد بها اتِّصاف المُبتَدَأ أو الاسمِ بالخَبَر فقط، بقَطْع النَّظَر عن الزَّمان، والفائِدة منها: تَحقُّق الاتِّصاف بهذا الوَصْفِ، يَعنِي: قد تَحقَّق ذلك في حَقِّه، وهو أنَّه لَطيفٌ خَبير. الْفَائِدَةُ التَّاسعَةُ: ما تَضمَّنَه هذان الاسْمَان من صِفات اللَّه ، من اللُّطْفِ والخِبْرَة. * * *

стр. 249

الآية (٣٥) * قالَ اللَّه : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. * * * أوَّلًا: أنَّ القرآن الكريم في غالِب ما يَتَحَدَّث عن الأحكام الجَزائية، والأَحْكام العمَلِية أكثَرَ ما يَتحدَّث مُخَاطِبًا الرِّجال؛ لأنَّ الرِّجال أَشرَفُ من النِّساء؛ ولأنَّ الرِّجال قوَّامون على النِّساء، فإذا صَلَحَ الرِّجال صَلَحَت النِّساءُ؛ ولأنه إذا اجتَمَع جِنْسان فإنه يُغلَّب أَشرَفُهما وأَعْلاهما؛ ولهذا أَكثَر الخِطابات الوارِدة في القُرآن تُوجَّه إلى الرِّجال؛ لهذه الأَسبابِ الثَّلاثة ولغيرها. لكن في بَعْض الآيات تُذكَر الأحكامُ للرِّجال والنِّساء، إمَّا على سبيل التَّفصيل، وإمَّا على سَبيل الإِجْمال: مِثال الأوَّلِ: قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخِره. ومثال الثانِي: قولُه تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، فإنَّ في هذا إجمالًا.

стр. 250

ثانيًا: في هذه الآياتِ ذكَر المُفسِّرون أنَّ من أَسباب نُزولها: أنَّ أُمَّ سلَمةَ ﵂ قالت: يا رسول اللَّهِ، إن اللَّه تعالى إذا تَكلَّم إنما يَتكَلَّم عن الرِّجال ولا يَذكُر النِّساء، فأَنزَل اللَّه تعالى هذه الآياتِ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخِره (١). ففي قوله : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ هذه (إنَّ) التَّوْكِيدية التي تَنصِب المُبتَدَأ والخبَر، وفي قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ما قال: أَعَدَّ اللَّه تعالى لهم ولهن، بل قال تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فَدَلَّ ذلك على تَغليب جانِب الذُّكورية، كما أن في قَولِه : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ تَقديمَ الذُّكور، يَدُلُّ على شرَف الذُّكور، وهذا أَمْر لا يَمتَرِي فيه عاقِل، لكن لمَّا جاء الغَرْب الخَبيثُ القَبيح المَقلوب فِطرةً ودِينًا، وصار يُقدِّم النِّساء من أجل إثارة الفِتْنة بهن، وتَشريفهن على الرِّجال؛ تَبِعه الذين يَتبَعون كلَّ ناعِقٍ، وصاروا يُقدِّمون النِّساء على الرِّجال؛ حتى كانوا لا يُطلِقون على النِّساء إلَّا كلِمة (السيِّدات) يَعني: أنَّهُنَّ سيِّدات للرِّجال، فقلَبوا الحَقائِق والأَوْضاع؛ لأنَّ اللَّه قد قلَب فِطَرهم فعبَدوا المادَّة دون خالِقها، وكذلك تَصرَّفوا في تُصرُّفاتهم هذه، ويَجِب على المُسلِمين الحذَرُ والتَّنبُّه من مُغالَطات أُولَئِك الكفَرةِ، لا في هذا ولا في غيرِه، حتى يَكونوا على بَيِّنة من أَمْرهم، ودِينهم -والحمد للَّه- قد بيَّن اللَّه تعالى فيه كلَّ شيء. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الإسلام: في أَعمال الجَوارِح الظاهِرة، لأنَّه يَشمَل أو يُراد به أن يَستَسلِم الإنسانُ للَّه تعالى ظاهِرًا بجَوارحه، بلِسانه بيَديه برِجْليه بعَيْنه بأُذُنِه؛ هذا الاستِسلامُ الظاهِر يُسمَّى

стр. 251

إسلامًا، وقد يَقَع من غير المُؤمِن، فقد يَقَع من المُنافِق، وقد يَقَع من ضعيف الإيمان، قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، وهذا الإسلامُ مَرتَبَتُه دون الإيمان، لأنه يَقَع من المُؤمِن حَقًّا، ومن المُنافِق، ومن ضعيف الإيمان، لأن الاستِسْلام للَّه تعالى بالجوارِح الظاهِرة. وقوله : ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ هذا الاستِسْلامُ للَّه تعالى باطِنًا؛ وذلك بالإيمان باللَّه تعالى، ومَلائِكته، وكتُبه، ورُسُله، واليَوْم الآخِر والقدَر خَيرِه وشَرِّه؛ ولَسْنا بحاجة إلى تَفسير أحدٍ للإيمان بعد أن فَسَّره النبيُّ ﷺ حين سأَله جِبْريلُ ﵇: ما الإيمانُ؟ قال: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَاِئِكَتِهِ وَكتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" (١)، وتَفاصيل هذه الجُمْلةِ قد تَكلَّمنا عليه مِرارًا، وليس هذا مَوضِعَ بَسْطه. إذَنِ: الإيمانُ هو: الاستِسْلام للَّه تعالى باطِنًا بحيث يُؤمِن الإنسان بما يَجِب الإيمانُ به، وهو: الإيمانُ باللَّه تعالى ومَلائِكَته. . . إلى آخِره. والإيمان أَعلى من الإسلام؛ لأنَّ الإيمان يَستَلزِم الإسلام ولا عكسَ؛ فكُلُّ مُؤمِن لا بُدَّ أن يَكون مُسلِمًا؛ لأنه إذا صلَح القَلْب صَلَحَتِ الأَعضاءُ، كما قال النبيُّ ﷺ : "أَلا وَأَنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كلُّه، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ" (٢)، ولكنَّ بعض الناس يَعمَلُ المَعاصِيَ، ويَحتَجُّ

стр. 252

بقول الرسول ﵊: "التَّقْوَى هَاهُنَا" (١)، إذا قُلْت: يا أخي، اتَّقِ اللَّه، صَلِّ مع الجَماعة! اتَّقِ اللَّه، دَعْ حَلْق اللِّحْية! اتَّقِ اللَّهَ اتْرُكِ الغِيبةَ! وما أَشبَه ذلك يَقول لك: "التَّقْوَى هَاهُنَا". وكَيْف يُرَدُّ عليهِ؟ الجَوابُ: أن نَقول له: لوِ اتَّقَى ما هاهنا لاتَّقَى ما هاهنا. يَعنِي: لوِ اتَّقى الباطِن لاتَّقَى الظاهِر، لأنَّ الرَّسولَ ﷺ يَقول: "إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ"، فجعَل الأَمْر جُمْلة شَرْطية، والمَعروف في اللُّغة والعُرْف والشَّرْع أنَّ الجُمْلة الشَّرْطية يَتحَقَّق فيها المَشروط متى تَحقَّق الشَّرْط. ونَقول: صحيح -ونَحْن معَك- بأنَّ هذا الذَّنْبَ الذي تَعمَله دون الشِّرْك قابِلٌ لأَنْ يَغفِره اللَّه تعالى، ولكن اللَّه تعالى لم يَقُل: ويَغفِر ما دون ذلكَ لكُلِّ أحَدٍ. بل قال تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النجم: ٢٦]، فهل تَشْهَدُ أنك أنتَ ممَّن شاءَ اللَّه أن يَغفِر لهم؟ ! إذَنْ: فأنت على خطَأ، والأصل أن الوَعيد على المَعاصِي ثابِت، لأنَّ رَفْعه تَحت المَشيئة، ووقوعه بمُقتَضى الوَعْد، فالأصْلُ ثُبوته، فلا حُجَّةَ له في هذا. وقوله ﵀: [﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ المُطيعات] كان عليه أن يَقول: المُطيعين، ويَصير: والقانِتات مَعروف أنها المُطيعات. وقوله : ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ القُنوت ليس مُطلَق الطاعة كما يُفهَم من كلام المُفَسِّر ﵀، ولكنه: الطاعة بدَوام وذُلٍّ وسُكون، ويَدُلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولمَّا نزَلَت

стр. 253

هذه الآيةُ أُمِروا بالسكوت ونُهُوا عن الكلام، فدلَّ هذا على أن القُنوت ليس مجُرَّدَ فِعْل الطاعة، بل هي طاعة مع ذُلٍّ وخُضوع، ودوامٍ. وقوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ القُنوت أَعلى ممَّا سبَقه؛ لأنَّ القانِت معه الإيمان والإسلام، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وقوله ﵀: [﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ في الإيمان] الصِّدْق هو: الإخبار بما يُطابِق الواقِع؛ هذا الأصلُ في مَعنَى الصِّدْق، مثل: أن أَقول لك: إن هذه المَروحةَ تَشتَغِل. هذا صِدْق؛ لأنه إِخْبار بما يُطابِق الواقِع، ولو قُلت: إنَّ هذه المَرْوحةَ لا تَشتَغِل. لم يَكُن صِدْقًا، لأنه إخبار بما يُخالِف الواقِع، ولكن الصِّدْق هل هو في القَوْل فقَطْ أو يَكون الصِّدْق في القول والعمَل والعَقيدة؟ الجوابُ: الأخيرُ. فيَكون الصِّدْق في العَقيدة: بأن يَكون الإنسان صادِقَ الإخلاص للَّه في كُلِّ أعماله، صادِقَ العَقيدة بحَيْثُ تكُونُ مُطابِقة لما جاء به الشَّرْع. ويَكون الصِّدْق كذلك في الأقوال، بألَّا يَقول إلَّا صِدْقًا، ولو كان الأمر عليه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. وانظُرْ إلى نَتيجة الصِّدْق في قِصَّة الثلاثة الذين خُلِّفوا، يَعنِي: أُرجِئَ أَمْرُهم؛ لأنهم جاؤُوا وأَخبَروا بالصِّدْق، والمُنافِقون كانوا يَأتون يَقولون: يا رسول اللَّه، لنا عُذْر، ولنا عُذْر. فيَستَغفِر لهم ويَكِلُ سَرائِرَهم إلى اللَّه تعالى، لكن هؤلاء صدَقوا فخُلِّفوا عن الحُكْم عليهم بما حُكِم على المُنافِقين، وليس المُراد أنهم خُلِّفوا عن الغَزوة،

стр. 254

لو كان كذلك لقال: الذين تَخلَّفوا. هؤلاءِ الثلاثةُ وهم: كَعبُ بنُ مالِك، وهِلالُ ابنُ أُميَّةَ، ومُرارةُ بنُ الرَّبِيع ﵃، هؤلاءِ صدَقوا رسول اللَّه ﵊، وأَشَدُّ مَن تَكلَّم وأَبيَنُ مَن تَكلَّم وأَفصَحُ مَن تَكلَّم من هؤلاءِ الثَّلاثةِ كَعبُ بنُ مالِكٍ ﵁، لأنه أَشبَهُم ﵁، فتكلَّم كلامًا عَجيبًا، ويَحسُن بكم أن تُراجِعوا قِصَّته (١)؛ لأنها في الحقيقة تَزيد في الإيمان، هَؤلاءِ صدَقوا فكانت نَتيجةُ صِدْقِهم: أنَّ اللَّه أَنزَل فيهم كِتابًا يُتلَى إلى يوم القِيامة، في مَدْحهم والثَّناء عليهم؛ حتى قال اللَّه للناس كلِّهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، أمَّا الآخَرون فقال تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥]. فانظُرِ الفَرْق بين الأَمْرين، هؤلاءِ كذَبوا فأَرْجَسوا -والعِياذُ باللَّه- وهؤلاءِ صدَقوا فرُفِعوا، فعَلَيْك بالصِّدْق فإن الصِّدْق يَهدِي إلى البِرِّ، وإن البِرَّ يَهدِي إلى الجنَّة، ولا يَزال الرجُل يَصدُق ويَتحرَّى الصِّدْق حتى يُكتَبَ عند اللَّه تعالى صِدِّيقًا. فالمُهِمُّ أن ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ نَقول: في الإيمان، وفي القَوْل، وفي العمَل، فالصِّدْق في العمَل أن يَكون مُطابِقًا للباطِن؛ فلا تَعمَل رِياءً ولا سُمْعةً، ولا مُصانَعة، ولا مجُامَلة، ولا لأَجْل شيءٍ من الدُّنيا، مِثال ذلك رجُل أَخرَج من

стр. 255

جَيْبه أَلفَ دِرهَم فتَصدَّق بها، لأنَّ الناس يُشاهِدونه، فقال: أُريد أن يَقولَ النَّاسُ: ما أَكرَمَ فلانًا! فهل صَدَق في فِعْله؟ ظاهِر فِعْله أنه للَّه تعالى صادِق، ولكنَّ حقيقة أَمْره العكسُ، فكان كاذِبًا، ومن الصِّدْق في الأقوال أو في الأَعْمال مُتابَعة الرسول ﷺ فإنها دليل على صِدْق محَبَّة الإنسان للَّه تعالى ورسولِه ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، فصار الصِّدْق في العَقيدة في القَوْل وفي العمَل. وقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ لمَّا كان الصِّدْق قد يَتَرتَّب عليه من مجُاهَدة النَّفْس ما يَترتَّب؛ لأنَّ إخبار الإنسان بالصِّدْق ولا سيَّما على نفسه أَمْرٌ صَعْب، أَعقَبه بذِكْر الصَّبْر، يَعنِي كأنما يَقول: اصدُقْ واصبِرْ على صِدْقِكَ. فقال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾. والصَّبْر في اللُّغة: الحَبْسُ، ومنه قولهم: قُتِلَ صَبرًا. يَعنِي: حَبْسًا. وفي الشَّرْع: حَبْس النَّفْس عن التَّسخُّط والكراهة لحُكْم اللَّه والتَّضجُّر منه. فقَوْلنا: لحُكْم اللَّه يَشمَل الحُكْم الكَوْنيَّ والحُكْم الشَّرْعيَّ، وهذا التَّعريفُ يَشمَل أنواع الصَّبْر الثلاثةَ التي تَكلَّم عليها أهلُ العِلْم، حيث قالوا: إنَّ الصَّبْر ثلاثة أنواع: صَبْرٌ على طاعة اللَّهِ تعالى، وصَبرٌ عن مَعْصية اللَّه، وصَبْرٌ على أَقدار اللَّه تعالى المُؤلمِة. فنَحنُ إذا قُلْنا: حَبْس النَّفْس عن التَّسخُّط والكراهة لحُكْم اللَّه تعالى. يَشمَل الأنواع الثلاثة، لأنه كلَّه حُكْم اللَّه تعالى الكَونيُّ والشَّرْعيُّ، فالكونيُّ يَتعَلَّق بالصَّبْر على أقدار اللَّه تعالى، والشَّرْعيُّ يَتعَلَّق بالصبر على طاعة اللَّه تعالى، وعن مَعصِيَته.

стр. 256

وأمَّا تَعريف ابنِ القَيِّم (١) ﵀ للصَّبْر، فيَقول: هو حَبْس النَّفْس عن الجَزَع، واللِّسان عن التَّشكِّي، والجَوارِحِ عن لَطْم الخُدود وشَقِّ الجُيوب؛ وهو صحيح وقولنا: (عَن الكَراهةِ لحُكْم اللَّهِ تعالى) أعَمُّ ممَّا قاله ﵀. أمَّا الصَّبْر على طاعة اللَّه تعالى: فهو أَعلى أنواع الصَّبْر؛ لأنَّه صَبْرُ النَّفس على عمَلٍ وحرَكة وتعَب، والصبر عن مَعْصِية اللَّه تعالى دونه في المَرْتَبة؛ لأنَّ فيه حَبْسًا للنفس عمَّا تَشتَهِيه، من أجل أنه مَعصية للَّه ، لكن هل فيه عمَل كالصَّبْر على طاعة اللَّهِ تعالى؟ لا، ليس فيه عمَل، ما فيه إلَّا كفُّ النَّفْس عن هذا المُحرَّمِ، فبِهذا تمَيَّز الصَّبْر على طاعة اللَّه تعالى على الصبر عن مَعصِيته؛ لأن في كلٍّ مِنهما جِهادًا للنَّفْس، لكِنَّ الصَّبْرَ على الطاعة فيه تَكليف النَّفْس بالعمَل، وهذا ليس فيه تَكليفُ نفسٍ بالعمَل، ولكِنْ فيه الكَفُّ عن مَعصية اللَّه تعالى؛ فلهذا كان دون الأَوَّل في المَرتَبة، ولكننا نحن نَقول: دونَ الأوَّل في المَرْتَبةِ. باعتِبار نَفْس النَّوْع لا باعتِبار الصابِرين؛ لأن بعض الصابِرين يُعانِي من المَشقَّة من الصبر على مَعصية اللَّه تعالى أكثَرَ ممَّا يُعاني من الصَّبْر على طاعة اللَّه تعالى، فلو فرَضْنا أن رجُلًا تُساوِره نَفْسه وتَدْعوه إلى فِعْل الفاحِشة بضَغْطٍ شديد، ولكنه عِندما يُصلِّي يَجِد نفسه مُرتاحًا بدون عَناء ولا مَشقَّة، لا شكَّ أن مُعاناتَه الأُولى أشَدُّ، ولكن نحن نَتكلَّم عن أنواع الصبر من حيث هي نَوعٌ، بقَطْع النظَر عن الصابِر وما يَتعَلَّق بحاله. أمَّا القِسْم الثالِث: فهو صَبْر على أقدار اللَّه تعالى المُؤلمِة، وهذا أَدْنى أنواع الصَّبْر؛ لأنه صَبرٌ على ما لا فِعْلَ للإنسان به، صَبرٌ على أمرٍ ليس من فِعْلك، ولا من مَقدورك، لكن الصبر على الطاعة وعن المَعصية من مَقدورك، أمَّا أقدارُ اللَّه تعالى

стр. 257

فإنها ليسَتْ من مَقدورك، فهو صَبرٌ على أَمْرٍ ليس بمَقدورك؛ لهذا كان أَدنَى منها؛ ولذلك قال بعضُ السَّلَف في المُصاب: إمَّا أن يَصْبِرَ صَبرَ الكِرام، أو يَسلُوا سَلْوَ البَهائِم. وهذا صحيح؛ مَن مِنَّا لم يُصَب ببَدَنه أو أهله أو ماله، ثُمَّ تَكون المُصيبة عَظيمة جِدًّا وبعد مُضِيِّ مُدة من الزمَن يَنساها ما كأنها شيء؛ ولهذا قال النبيُّ ﷺ : "إِنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى" (١)، هذا حَقيقةُ الصَّبْر، أمَّا بعد ذلك تَبرُد النَّفْس، وتَتَلهَّى بأَمْر بما يَحدُث لها من شُؤُونها في حياتها حتى تَتَسلَّى ولا كأنَّ شيئًا جَرَى. إِذَنِ: الصَّبْر أنواعه ثلاثة: صَبْرٌ على طاعة اللَّه تعالى، وصَبْرٌ عن مَعْصيته، وصَبرٌ على أقداره المُؤلمِة. فصَبْرُ أيُّوبَ ﵊ على ما مَسَّه من الضُّرِّ من باب الصَّبْر على أقدار اللَّه تعالى، وصَبْرُ يُوسُفَ ﵊ عن فِعْل الفاحِشة في امرأة العَزيز صَبْرٌ عن مَعصية اللَّه تعالى، وفي صَبْره على ما ناله من أَلَمِ السَّجْن وأَذِيَّته صَبْر على أقدار اللَّه تعالى المُؤلمِة، وهل ليُوسُفَ ﵊ صَبْرٌ على طاعة اللَّه تعالى؟ الجَوابُ: نعَمْ، دَعْوته أهلَ السِّجْن إلى عِبادة اللَّه تعالى وإلى تَوحيده، هذا من الصَّبْر على طاعة اللَّه تعالى. فاجتَمَع في حَقِّه أنواع الصَّبْر الثلاثة، وهكذا تَكون أنواع الصَّبْر الثلاثة لكثير من عِباد اللَّه تعالى، فالرسول ﷺ صَبَر على طاعة اللَّه تعالى، وعن مَعصِيته، وعلى أَقداره، وهذا شيءٌ كثيرٌ.

стр. 258

والصَّبْر على أقدار اللَّه تعالى المُؤْلمِة لا يُنال أجرُها ومَرْتبتُها إلَّا بوجود أَسبابها؛ فأمَّا أن يَقول الإنسان: أنا صابِر. ثُمَّ لا يَصبِر فإنه لا يَنال تِلكَ المَرْتبةَ، ولهذا كانَ الرسول ﵊ يَناله من أقدار اللَّه تعالى المُؤلمِة أكثَرَ من غيره، كما ثَبَت عنه أنه قال: "إِنَّهُ يُوعَكُ كَما يُوعَكُ الرَّجُلَانِ" (١)، يَعنِي: بمَعنَى أنه يُصاب بالحُمَّى كما يُصاب الرَّجُلان، وفي سِياق المَوْت شُدِّدَ عليه ﵊ من أَجْل أن تَتِمَّ له هذه المَرْتبةُ، مَرْتَبةُ الصابِرين؛ حتى يَنال أَعلاها. والصبرُ هل هو واجِبٌ أو مُستَحَبٌّ؟ الصَّبْر واجِب، وقُلْنا -المَعنى العامُّ للصَّبْر: حَبْس النَّفْس عن التَّسخُّط والكراهةِ لأحكام اللَّه تعالى- ما قُلنا لشَريعة اللَّه تعالى؛ وقُلْنا: (لأحكام اللَّه)؛ لأَجْل أن يَشمَل هذا الصَّبرُ على أقدار اللَّهِ تعالى المُؤلمِة، فالصَّبْر إِذَنْ: واجِبٌ، وفيه أَجْرٌ كثير، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]؛ ولهذا قال اللَّه تعالى في الصوم: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الحَسَنهُ بِعَشْرِ أَمْثَالهَا، إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنا أَجِزِي بِهِ" (٢)؛ لأنَّ الصَّومَ حقيقةً اجتَمَع فيه أنواع الصَّبْر الثَّلاثة فهو صَبرٌ على طاعة اللَّه تعالى، وصَبْرٌ عن مَعصِيَّته، وصَبرٌ على أقداره المُؤلمِة. ففيه صَبْرٌ على طاعة اللَّه تعالى؛ لأنه صَبْر على الصوم، وحَبْس نَفْسه على الرِّضا به فصَامَ، وصَبرٌ عن معصية اللَّه تعالى، فالصائِم مَأمور بأن يَجتَنِب أشياءَ كَثيرةً فاجتِنابُها صَبْر عن معصية اللَّه تعالى، وصبرٌ على أقدار اللَّه تعالى فالجُوع والعَطَش

стр. 259

والتَّالُّم من هذا الجُوعِ والعطَش، إذَنْ صَبرٌ على أقدار اللَّه تعالى المُؤلمِة؛ ففيه أنواع الصَّبْر الثلاثة: صبرٌ على طاعة اللَّه تعالى، وصبرٌ عن مَعصية اللَّه تعالى، وصبرٌ على أقدار اللَّه تعالى المُؤلمِة. قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [المُتواضِعِين] الخاشِع المتواضِع المُتطامِن، وضِدُّه المُتَعالِي المُسْتَكبِر؛ فالخُشُوع إِذَنْ: تَطامُن، وخُضوع، وتَواضُع، وهو من أعلى مَراتِب الإيمان، ومن اَكمَلِ أحوال القَلْب، والخُشوع له مَواضِعُ منها الخُشوع في الصلاة؛ فسَّرَه الفُقَهاء ﵀ بأنَّه سُكونٌ في القَلْب، يَتبيَّن على الجوارِح، وبعضُهم قال: مَعنًى في النَّفْس، يَظهَر منه خُشوع الأطراف. فهو في القَلْب ويَظهَر أثَرُه على الجوارِح. ولهذا يُروَى عن عُمرَ ﵁ أنه رأَى رَجُلًا يَعْبَثُ بلِحيته وهو يُصلِّي، فقال: لو سَكَن قَلْب هذا لسَكَنَت جوارِحُه (١). وقد رُوِيَ مَرفوعًا (٢) ولا يَصِحُّ، وإنما هو عن عُمرَ ﵁ على ما فيه ضَعْف عنه. فالخُشوع في الصلاة: هو سُكون القَلْب الذي يَظهَر أثَره على الجوارِح، أو مَعنًى يَكون بالنَّفْس يَظهَر منه سُكون الأطراف، وهناك أيضًا خُشوع في بَقيَّة الطاعات، بأن يُؤدِّيَها الإنسان، وهو مُتَواضِع مُتطامِنًا للَّه ، ومنه ما حصَل

стр. 260

لرسول اللَّه ﷺ حين فتَحَ مكَّةَ وانتَصَر على أهلها؛ فإنه ﵊ لم يَدخُل دُخول العالِي المُستكبِر، وإنما دخَل مُطَأْطِئًا رأسَه ﷺ خاضِعًا للَّه ﵎ (١). ومنه أيضًا الخُشُوع في الحجِّ والعُمرة؛ حيث يُؤدِّيها الإنسان بتَطامُن، وذُلٍّ، وهو يَعْتَقِدُ أنَّه يَعْبُد اللَّه تعالى، فأنت إذا دخَلْت في العُمرة أو الحَجِّ فاعتَقِدْ أنك في عِبادة، من حين أن تَقول: (لبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيكَ) إلى أن تَنتَهيَ، ولكننا -مع الأسَف الشديد- لا نَشعُر بهذا، فتَجِد الإنسان يَتلبَّس بمَحظورات الإحرام وبغَيْرها من المُحرَّمات، إلَّا مَن شاء اللَّه تعالى. إِذَنِ: الخُشوع يَشمَل جميع الطاعات، بأن يُؤدِّيَها الإنسان بتَواضُع وذُلٍّ وتَطامُن، ليس في قَلْبه استِكْبار ولا عُلوٌّ، ولا فَرقَ في هذا بين أن يَكون الخُشوع في أثناء فِعْل العِبادة، أو بعد فِعْل العِبادة أيضًا؛ لأنَّ من الناس مَن يَخشَع في العِبادة لكن إذا انتَهى منها رأَى نَفْسه في درجة عالية، وأنه مُرتَفِع، وأنه قد نال درجة ما نالَها غيرُه، وهذا من الإعجاب بالنَّفْس وبالعمَل، فالإنسانُ يَنبَغي له إذا أدَّى العِبادة أن يَكون كما قال اللَّه : ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، إن نظَروا إلى تَقصيرهم خافُوا، وإن نظَروا إلى فَضْل اللَّه تعالى طمِعوا. وقوله : ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ المُتصدِّقين يَعنِي: الباذِلين للصَّدَقة، والصَّدَقَةُ هي بَذْلُ المالِ تَقَرُّبًا إلى اللَّه ، ويَشمَل الزكاة؛ فإنها أَعلى الصدَقات، ويَشمَل البَذْل التَّطوُّعيَ كصدَقة التَّطوُّع، وكالإنفاق على الضيف وعلى الأهل، وعلى النَّفْس، كل هذا من الصدَقة فما يَجعَله الإنسان في فَمِ امرأته من الصدَقة،

стр. 261

وما يَأكُله من الصدَقة. وكلُّ شيء من المال تَبذُله للَّه فهو من الصَّدَقة، وقد يُقال: إنَّ المُتَصدِّقين أَعمُّ من الباذِلين لمالهم في ما يُرضِي اللَّه ، فيَشمَل فِعْل كلِّ خَيْر؛ لأن الرسول ﷺ يَقول: "كُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَلَيْهَا، أَوْ تَضَعَ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" (١). فإذا أَخَذْنا بهذا العُمومِ صار المتصدِّقون والمُتصَدِّقات يَشمَلُ مَن قام بأيِّ طاعة من طاعات اللَّه ، ولكنه من المَعروف أنَّ المُتصَدِّقين والمُتصَدِّقات، يَتبادَر إلى الذِّهْن أنَّهم الباذِلون لمالهِم فيما يُرضِي اللَّهَ . ولا حاجةَ بنا إلى التَّطويل في تَفصيل الصدَقاتِ، وما يَنبَغي للإنسان أن يَتصَدَّق به، وهل يَجوز أن يَتصَدَّق بكُلِّ ماله ويَدَعَ عائِلته فُقَراءَ، أو لا يَجوز؟ فإن هذا له وَضْعٌ آخَرُ. المُهِمُّ: أن اللَّه تعالى أَثنَى على المُتصَدِّقين والمُتصَدِّقات. وقوله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ ففي الصدَقة بَذْل، وفي الصِّيام إمساك، والصائِمون همُ الذين قاموا بالتَّعبُّد للَّه تعالى بالصِّيام. والصِّيام هو: التَّعبُّد للَّه تعالى بالإمساك عن المُفطِّرات من طُلوع الفَجْر إلى غُروب الشَّمْس.

стр. 262

وهو أنواع: منه ما هو رُكْن من أركان الإسلام، ومنه ما هو واجِب، وليس برُكْن، ومنه ما هو سُنَّة مُعيَّنة مُقيَّدة، ومنه ما هو سُنَّة مُطْلَقة، أَرْبَعَةُ أنواعٍ: ١ - فالواجِب الذي هو فَرْض من فُروض الإسلام، وكذلك قَضاء الصَّوْم. ٢ - والواجِب الذي ليس من أركان الإسلام النَّذْر الذي أَوْجَبْته على نَفْسك. ٣ - ومنه ما هو سُنَّة مُقيَّدة مُعيَّنة بوَقْت مُعيَّن مُقيَّدة بوَقْت مُعيَّن، كأيام البِيض (١) والاثنين والخَميس (٢)، ومنه عاشُوراءُ (٣) وَتِسعُ ذي الحِجَّة (٤) ويَوْمُ عرَفةَ (٥)؛ وسِتٌّ من شوَّال (٦) تَدخُل في المُعيَّن، لكنها في كل الشَّهْر. ٤ - ومنه ما هو مُطلَق مثل أن يَصوم الإنسان للَّه تعالى يومًا من الأيام إلَّا أنه

стр. 263

يُكرَه أن يَصوم الإنسان يومَ جُمُعة مُنفرِدًا، بل إمَّا أن يَصوم يومًا قبلَه أو يومًا بعدَه. وقوله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ مُمسِكون عن مَلاذِّهم وشَهَواتهم، عن الأكل والشُّرْب والجِماع وما يَتبَع ذلك، لكن هذه هي الأساسياتُ في المَلاذِّ؛ ولهذا قال اللَّه في الحديث القُدسيِّ في الصائِم: "يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهَوَتَهُ مِنْ أَجْلي" (١)، والصِّيام يَدخُل في الصبر، ولكنه عِبادةٌ مُستَقِلَّة بنَفْسه، مُتضمِنٌ الصَّبْر. وقوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [عن الحَرام] وهي كلِمةٌ جامِعة، تَشمَل حِفْظ الفَرْج عن الزِّنا، وحِفْظ الفَرْج عن النظَر، وحِفْظ الفَرْج عن العمَل المُحرَّم، الذي هو دُون الزِّنا. وقد بيَّنَ اللَّه مَن يُحفَظ عنه الفَرْج أو مَن لا يُحفَظ فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣١]، فأَعلى شيءٍ يُحفَظ عنه الفَرْج الزِّنا، وهو فِعْل الفاحِشة في قُبُلٍ أو دُبُر، إلَّا أنَّه إذا تَعلَّق بذَكَر سُمِّيَ لوَاطًا واللِّواط أَعظَمُ من الزِّنا، والعِياذُ باللَّه، لأنَّ اللِّواط عُقوبته القَتْل بكل حال، سَواءٌ كان الفاعِل محُصَنًا أم غير محُصَن، لكن بشَرْط أن يَكون مُكلَّفًا، أي: بالِغًا عاقِلًا، فإذا تَلوَّط ذكَرٌ بآخَرَ وهُما عاقِلان بالِغان وجَبَ قَتْلُهما، وإن لم يَكونا محُصَنَيْن. ولكن كيف يُقتَلان؟ اختَلَفَ في ذلك الصحابةُ ﵃ ومَن بَعدَهم فقيل: يُرجَمان بالحِجارة كالزاني المُحصَن. وقيل: يُلقَيان من أعلى مَكان في البلَد، ويُتبَعان بالحِجارة. وقيل:

стр. 264

يُحرَقان بالنار كما فعَل أبو بَكْر ﵁ حين كتَب إلى خالِد بنِ الوليدِ ﵁ لمَّا قال له: "إِنَّ عِندَهُ رَجُلًا يُنكَح كما تُنكَح المَرأةُ. فكَتَب إليه أبو بَكْر أن يُحرِقه مُبالَغةً في عُقوبَتِه" (١). فائِدةٌ: استِخدام لَفْظ (اللِّواط) ليس فيه إساءة إلى لُوطٍ ﵇، وهذا شَيءٌ مُتعارَف، فالنِّسبة يَجوز فيها أن تَنسُب إلى المُضاف أو المُضاف إليه، هذا في مُقتَضى اللغة العربية قَوْم لُوط، يَعني: لُوطيٌّ أي: مُنتَسِب إلى هؤلاء القَوْمِ. إذَنْ: أَوْجَب ما يَكون أن يُحفَظ عنه الفَرْجُ هو الزنا، كذلك النَّظَر يَجِب أن يَحفَظ الإنسان فَرْجَه عن النظَر، حتى الجِنْس مع جِنْسه، ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ : "لَا تَنْظُرِ المَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ، وَلَا الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ" (٢)، فيَجِب حِفْظ العَوْرة عن النظَر إلَّا على الزوجة وما ملَكَت يَمينُه. كذلك حِفْظ الفَرْج عن الأفعال المُحرَّمة غير الزِّنا واللِّواط والنظَر؛ كالاستِمْناء مثَلًا، وهو ما يُعرَف عند الناس بالعادة السِّرِّية، ويَكون في الرِّجال ويَكون في الإناث أيضًا، حتى بعض الإناث يَستَعمِلن ذلك! وهذه أيضًا مُحرَّمة لا تَحِلُّ، وذلك لأنه ليس فيها حِفْظ للفَرْج، فإنَّ الإنسان الذي يَبتَغِي نَيْلَ شَهْوته بغير امرأته وما مَلَكَتْ يَمينُه يَدخُل في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾، فهو حَرام بالقُرآن وبالسُّنَّة أيضًا. والسُّنُّة ذكَرْنا أن من أدِلَّتها قولَ الرسول ﵊: "وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ

стр. 265

فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" (١)، وَجهُ الدَّلالة من الحديث: أن الرسولَ ﷺ أَرشَد إلى الصوم، وهو أَشَقُّ من هذه الفِعْلةِ، ولو كانت هذه الفِعْلةُ جائِزة لأَرشَد إليها الرسول ﵊؛ لأنها أَسهَلُ وأيسَرُ، وقد قالت عائِشةُ ﵂: "ما خُيِّرَ النَّبيُّ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْن إلَّا اختار أَيسَرَهُما ما لَمْ يَكُنْ إِثْمًا" (٢)، فلمَّا لم يَختَرْ هذا الأيسَرَ عُلِمَ أنه إِثْمٌ محُرَّم. مَسأَلةٌ: إذا استَمْنَى رجُل في رَمضانَ فهل عليه كفَّارة؟ الجَوابُ: لا، ليس عليه كفَّارة، الكفَّارة لا تَكون إلَّا بالجِماع فقَطْ. مَسأَلة أُخرَى: أَحادِيثُ وَطْء المَرأة في الدُّبُر كلها فيها مَقال (٣)، لكن يَشُدُّ بعضُها بعضًا، وتَدُلُّ على التحريم، وقد تَقدَّم في قوله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] أنَّ من فَوائِدِها: تَحريمَ وَطْء الدُّبُر، أمَّا الإِثْم فنعَمْ، فهي اللُّوطِيةُ الصُّغْرى. فائِدةٌ: تَحريم الوَطْء على مَن تَلبَّس بنُسُك أو تَلبَّس بصوم أو تَلبَّس بصلاة مَفروضة، ليس هو من أَجْل حِفْظ الفَرْج، لكن من أَجْل احتِرام هذه العِبادةِ. قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ختَمَ الآيةَ الكريمةَ

стр. 266

بهذا الوَصْفِ العَظيمِ، وهو ذِكْر اللَّه ، وهو شامِل لكل عِبادة، فكلُّ عِبادة فهي ذِكْر للَّه ، حتى دِراسة العِلْم هي مِن ذِكْر اللَّه؛ ولهذا تُسمَّى حِلَق العِلْم حِلَقَ الذِّكْر، أو مَجالِسَ الذِّكْر، فكلُّ ما يُقرِّب إلى اللَّه تعالى كلُّ عِبادة فهي من ذِكْر اللَّه تعالى. وذِكْر اللَّه يَكون بالقَلْب، ويَكون باللِّسان، ويَكون بالجوارِح، فبالقَلْب التَّفكُّر، وباللِّسان النُّطْق، وبالجَوارِح الفِعْل والعمَل، أيُّها أفضَلُ: ذِكْر اللَّه باللِّسان، أو ذِكْر اللَّه تعالى بالقَلْب أو ذِكْر اللَّه تعالى بالجَوارِح؟ لا شَكَّ أن الجَمْع أَفضَلُ وهذا مَعلوم، فالقَلْب وحدَه لا يَكفِي، واللِّسان وحدَه لا يَكفِي، والجوارِحُ وحدَها لا تَكفِي، يَعنِي: لو أن الإنسان قال: سأَتفَكَّر في آيات اللَّه وفي أَسمائِه وصِفاته ولكن ليس بذاكِر، هل يَكون مُسلِمًا؟ لا بُدَّ أن يَقول مَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وكذلك أيضًا بالنسبة للجوارِحِ. لكن لا شَكَّ أن اختِلال الذِّكْر بالقَلْب له أثَر عَظيم جِدًّا؛ لأن المَدار على القَلْب، ولا شَكَّ أيضًا أن تَأثيرَ ذِكْر اللَّه بالقَلْب أَبلَغُ في تقوية الإيمان، وفي التَّقرُّب إلى اللَّه من الذِّكْر بالجوارِح؛ لأن المَدار كُلَّه على ما في القَلْب، لا بالنِّسبة للأَعمال وقوام الأعمال ولا بالنِّسبة للجَزاء كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٩ - ١٠]. وذِكْر اللَّه يَكون مُطلقًا في كل وَقْت، ويَكون مُقيَّدًا بأَحوال، ويَكون مُقيَّدًا بأَماكِنَ، ويَكون مُقيَّدًا بأزمان، فهو إِذَن أربعةُ أنواع: ١ - أمَّا المُطلَق فقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]، هذا في كلِّ وَقْت، في كل حالٍ، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 267

اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]، وكما في هذه الآيةِ: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. ٢ - المُقيَّد بزمَن؛ مثل: أَدبار الصلوات، وكذلك الذِّكْر في أوَّل النَّهار وفي آخِره، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. ٣ - المُقيَّد بأَمكِنة، كدُخول المَسجِد، ودُخول المَنزِل والخُروج منه، ورَميِ الجمَراتِ، ورُكوب السيَّارات. ٤ - أمَّا المُقيَّد بحال من الأحوال فهو أيضًا كثيرٌ: عند الهَمِّ والحُزْن، وعند الأكل والشُّرْب، وعند الاستِسْقاء، وما أَشبَه ذلك. وعلى كل حال: الذِّكْر إمَّا مُطلَق وإمَّا مُقيَّد، واللَّه شرَع لعِباده ذلك لأَجْل أن يَكونوا دائِمًا على ذِكْر اللَّه حتى عند لُبْس الثَّوْب، وعند الأَكْل والشُّرْب، والفَراغ مِنهما. وقوله : ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾: ﴿أَعَدَّ﴾ فِعلٌ ماضٍ، ولَفظُ الجَلالة فاعِل، والجُملة من الفِعْل والفاعِل خبَرُ (إنَّ) واسمُ (إنَّ) ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾، وما عُطِف عليه، وقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء، والمِيمُ علامة جَمْع الذُّكور، وفيه دَلالة واضِحة على تَفضيل الرِّجال على النِّساء، لم يَقُلِ اللَّه : أَعَدَّ اللَّه لهُمْ ولهُنَّ. ولم يَقُلْ: أَعَدَّ اللَّهُ لهُنَّ. وإنما قال تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ﴾ بمَعنَى: هيَّأَ لهُمْ. وقوله تعالى: ﴿مَغْفِرَةً﴾ المَغفِرة مَأخوذة من الغَفْر وهو السَّتْر أو السَّتْر مع الوِقاية، لأن أصلَها من المِغْفَر الذي يُوضَع على الرأس، لاتِّقاءِ السِّهام، والمِغفَر

стр. 268

الذي يُوضَع على الرأس؛ لاتِّقاء السِّهام يَحصُل به السَّتْر والوِقاية. إِذَنِ: المَغفِرة نَقول: هي سَتْر الذُّنوب، والتَّجاوُز عنها، ليست سَتْرَ الذُّنوب فقَطْ، بل هي سَتْر مع التَّجاوُز، سَتْر عن الخَلْق، وتَجاوُز عن العُقوبة؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: "أَنَّ اللَّهَ يَخْلُو بِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ يُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ" (١). إِذَنْ: بإِعداد المَغفِرة يَسلَمون من الآثام وأَوْزارِها وعَواقِبها. وقوله : ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أَيْ: ثوابًا ذا عظَمة في نَفْسه، هذا الأجرُ العظيمُ هو دُخول الجنَّة، وهو أَجْر لا يُمكِن أن يُحيط به البَشَر؛ لأنَّ اللَّه تعالى يَقول في الحديث القُدسيِّ: "أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" (٢)، وفي القُرآن الكريم يَقول اللَّه تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، ويَقول تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]. هذا الأَجرُ العَظيم الذي لا يُقدِّر قَدْره إلَّا اللَّه ، يَكون لهِؤلاء المُتَّصِفين بهذه الصِّفاتِ، وإذا كان اللَّه تعالى قد بيَّن القائِمين بهذه الصِّفاتِ، وبيَّن ما أَعَدَّ لهم من الأَجرِ والثَّواب فهل المُراد بذلك مجُرَّدُ إعلام الناس بهذا أو أن المُراد شيءٌ وراءَ ذلك؟

стр. 269

الجَوابُ: المُراد شيءٌ وراءَ ذلك، وهو أن يَقوم الناس بهذه الصِّفاتِ العَظيمةِ حتَى يَنالوا ذلك الأجرَ العَظيمَ والمَغفِرةَ. وقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، كلِمة (مَغفِرة) نكِرة، فهل نَقول: إنها نُكِّرت للتَّعظيم، بدليل العَطْف عليها ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أو ماذا؟ الجَوابُ: الظاهِر: أنها نُكِّرت للتَّعظيم، أي: مَغفِرة عَظيمة، كما أن لهم أَجْرًا عظيمًا يَقول المُفَسِّر ﵀: ﴿مَغْفِرَةً﴾ للمَعاصِي ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ على الطاعاتِ] وهذا جَيِّد؛ فالمُفَسِّر ﵀ جعَل المَغفِرة في مُقابِل المَعاصِي، والأَجْر في مُقابِل الطاعات. ولكن هل لتَرْك المَعاصِي أَجْر؟ الجَوابُ: إن قُلْت: لا. أَخطَأْت، وإن قُلْت: نعَمْ. أَخطَأْت، ونَقول: تارِكُ المَعاصِي له ثلاثُ حالات: إمَّا أن يَترُكها عَجْزًا عنها مع فِعْل الأسباب المُوصِّلة إليها. وإمَّا أن يَترُكها؛ لأنها لم تَطرَأ له على بالِه. وإمَّا أن يَترُكها مع كونها على باله، لكن ترَكها للَّه . أمَّا الحالُ الأُولى: الذي ترَك المَعصية عَجْزًا عنها مع فِعْل الأسباب المُوصِّلة إليها، فهذا له حُكْم الفاعِل، مثال ذلك: رجُل أتَى بالسُّلَّم؛ ليَصعَد إلى البيت فيَسرِق، وحين أَراد أن يَصعَد سمِعَ صوتًا، ونظَر وإذا حولَه أُناس، فتَرَك، له حُكْم الفاعِل لكن عِند اللَّه تعالى، أمَّا في الدُّنيا فلا نَقطَع يَدَه، لكن عند اللَّه تعالى له حُكْم الفاعِل، والدليل قوله ﷺ : "إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ"،

стр. 270

قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، هذا القاتِلُ فما بالُ المَقتولِ؟ يَعنِي: كيف يَكون مَقتولًا ويَصير في النار، قال ﷺ : "لَأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ" (١): "حَريصًا" فهذا فِعْل له سبَب، فحَكَم عليه الرسول ﷺ بالنار، لأنه كان حَريصًا على قَتْل صاحِبه. الحال الثانية: مَن تَرَكها؛ لأنها لم تَطرَأ له على بالٍ، مثل: إنسان مثَلًا لا سرَق ولا زنَى ولا شرِبَ الخَمْر، لأن نفسَه ما دَعَتْه إلى ذلك يومًا من الأيام، فما الحُكْمُ؟ الجَوابُ: هذا ليس له شيء وليس عليه شيء، لأنه ما فعَل إِثْمًا، ولا تَقرَّب إلى اللَّه تعالى بِنيَّة، فلا يَكون له شيء، ولا عليه شيء. الحالُ الثالِثة: رجُل هَمَّ بمَعصية، وربما فعَل أسبابَها، ولكنه ترَكَها للَّه عِندما تَذكَّر عظَمة اللَّه تعالى، خَشِيَ اللَّه وخافَه، فهذا حُكْمه أن له أجرًا على التَّرْك، كما جاء في الحديث الصحيح: "مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتبَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَسَنَةً كامِلَةً" (٢)، قال: "لَأَنَّهُ إِنَّما ترَكَ ذَلِكَ مِنْ جَرَّائِي" (٣)، أي: من أَجْلي، فإذا ترَكْتها للَّه تعالى فإنه فإنَّك تُؤجَر على ذلك. ولو أنَّ الإنسان همَّ بالمَعْصية وفعَل الأسبابَ، لكن ترَكها لا للَّهِ ولا لعِباد اللَّه تعالى، هل يَأثَم أو ما يَأثَم؟

стр. 271

يعني: واحِد هَمَّ بالسرِقة وأتَى بالسُّلَّم، ولمَّا أَراد أن يَصعَد رجَع لنَفْسه، وقال: لماذا تَسرِق ما دام أن اللَّه أَرْضاك، فعِندك مالٌ، ولسْتَ في حاجة إلى السرِقة. فتَرَكها؛ ونَقول: هو ليس عليه إِثْم السرِقة، ولا له أَجْر، لكن هل يَأثَم على فِعْل السبَب؟ الجَوابُ: يَأثَم على فِعْل السبَب هو الظاهِر، وإن كان أن الغاية لم يَصِل إليها، لكن نَقول: هذا السبَبُ الذي فعَلْت، وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. فهو لم يَرجع؛ لأن الأسباب الأُولى ما تَرَكها للَّه تعالى، إنما تَرَكها، لأنه نظَرَ أنه ليس بحاجة للسَّرِقة فتَرَكها. ونَقول: أمَّا السَّرِقة فلا تَأثَم -وإن كُنْت قد نَوَيْتها في الأوَّل- لأنك ما فعَلْتها، وأمَّا فِعْل الأسباب، فإن هذه الأَسْباب محُرَّمة. وهذا رجُل ترَك المَعصية لشَرَفه، يَعنِي: ترَك الزِّنا مع تيسُّره، لأنه رجُل شَريف، لا يُحِبُّ أن يَتَلوَّث بهذه الأخلاقِ السافِلةِ، فهل يُؤجَر أو لا يُؤجَر؟ الجَوابُ: أمَّا على تَرْك الزِّنا فالظاهِر: أنه لا يُؤجَر، لأنه ما ترَكَه للَّه تعالى، وأمَّا على حِماية شرَفه فإنه يُؤجَر، لأن الإنسان يَنبَغي له أن يُدافِع عن شرَفه، حتى إن النبيَّ ﵊ لمَّا قال: "هَذِهِ صَفِيَّةُ", وهذا ليس لدَفْع التُّهْمة عن نَفْسه؛ لأن هذا شيء بعيد، لكن لِئَلَّا تَقَع التُّهْمة في أُولئِكَ فيَهلِكوا؛ ولهذا قال ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا" (١).

стр. 272

فالظاهِرُ لي: أنَّ الإنسان الذي يَترُك الشيء محُافَظةً على شرَفه وعلى سُمْعتِه فإنه يُؤجَر على ذلك؛ لأنه صان نَفْسه، وفي الحَديث: "رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً كَفَّ الْغِيبَةَ عَنْ نَفْسِهِ" (١)، ولا أَدرِي عن صِحَّته. لكن الإنسان مَأمور بحِماية شرَفه بلا شَكٍّ، والذَّودِ عن نَفْسه، وإزالة التُّهْمة عنها، فإذا كانت هذه نِيَّتَه، فإنه يُؤجَر، لكن لا يُؤجَر أجرَ مَن ترَك الزِّنا للَّه تعالى، لأن بينهما فَرْقًا عظيمًا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: التفصيلُ في ذِكْر الرِّجال والنِّساء، لقوله : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. . .﴾ وهذا وإن كان مَوْجودًا في القُرآن لكنه قَليل. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإسلام غيرُ الإيمان، لقوله : ﴿الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ﴾، والعَطْف يَقتَضي المُغايَرة، وقدِ اختَلَف الناس: هل الإسلام هو الإيمانُ؟ أو هلِ الإسلامُ هو الإيمانُ أو غيرُه؟ والصوابُ في ذلك التَّفصيلُ، فإذا أُطلِق الإسلامُ دخَل فيه الإيمانُ، وإذا أُطلِق الإيمانُ دخَل فيه الإسلامُ، و (أُطلِق) يَعنِي: ذُكِرَ مُفرَدًا، فقوله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] يَدخُل فيه الإيمانُ لا شَكَّ. وأمَّا إذا ذُكِرَا جميعًا فإنهما يَختَلِفان، ولهذا سَأَل جِبريلُ ﵇ النبيَّ ﷺ عن الإسلامِ، فذَكَر له أشياءَ، وسأَله عن الإيمانِ فذكَر له أَشياءَ تُخالِف الأُولى (٢)؛ فإذا ذُكِرَا جميعًا صار الإيمانُ في القَلْب والإسلام عَلانية في الجَوارح.

стр. 273

وأيُّهما أَكمَلُ؟ الإيمان اكمَلُ؛ لقول اللَّه : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، هذا من القُرآن. ومن السُّنَّة: أن رجُلًا أَثنَى عند النبيِّ ﷺ على رجُل فقال: إنه مُؤمِنٌ. فقال النبيُّ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمٌ" (١)، فدَلَّ ذلك على أن الإسلام أَضعَفُ من الإيمان؛ لأنَّ الرجُلَ كان يُثنِي عليه يَمدَحه، فقال: إنه مُؤمِن فقال ﷺ : "أَوْ مُسلِمٌ" يُكرِّرها. وعلى هذا فنَقول: إن الإيمان أَعلى من الإسلام، وهو مُغايِر له إذا ذُكِرَا جَميعًا. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فضيلة الإسلام والإيمان، وكلُّ ما ذُكِر بعد ذلك. فإن قال قائِل: إن الفَضْل جاء لمَنِ اتَّصَفوا بهذه الصِّفاتِ كلِّها؟ قُلْنا: لكن لمَّا جاء هذا الفَضلُ لها مجَموعًا دلَّ على أن كلَّ واحِد منها له فَضْل، وإلَّا لما كان لذِكْرها جميعًا فائِدة. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فضيلة القُنوت؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فَضيلة الصِّدْق؛ لقوله تعالى: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾، وإذا كان الصِّدْق فَضيلةً كان ضِدُّه وهو الكذِبُ رَذيلةً، وهو كذلك فإن الرسول ﷺ قال: "إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كذَّابًا" (٢).

стр. 274

فإن قُلْت: أفلا يَجوز الكَذِب الأبيضُ؟ فالجَوابُ: ليس في الكذِب أَبيضُ، كلُّ الكذِب أَسوَدُ، وعند العوامِّ: الكذِبُ الأبيضُ هو الذي لا يَستَلزِم أَكْل المال، اكْذِبْ كما شِئْتَ، لكن لا تأكُلْ أَموال الناس بالكذِب، ولكنَّ هذا خِلافُ تَحذير النبيِّ ﵊ حين قال: "إيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ". وهل رُخِّص في شيء من الكَذِب؟ الجَوابُ: في الإصلاح بين الناس والحرْب وحديث الرجُلِ مع امرأته والمَرأةِ مع زَوجها (١). لكن بعضَ أهلِ العِلْم يَقول: لم يُرخَّص في شيء من الكذِب إطلاقًا، وقال: إنَّ المُراد بالكذِب في هذا الحديثِ التَّوْريةُ، فالتَّوْريةُ كما هو مَعلوم كذِب من وجهٍ، وصِدْق من وَجْهٍ آخَرَ، فهي باعتِبار نِيَّة الفاعِل القائِل صِدْق، وباعتِبار ما فهِمَه المُخاطَب كذِب، فيَقولون: إنَّ عُموماتِ الحديث تَدُلُّ على الكذِب، ويُجمَع بينه وبين الحديث الذي فيه الاستِثْناء بأن هذا من باب التَّوْرية، وقالوا: إنَّ الإصلاح بين الناس إذا بُنِيَ على الكذِب فقد تَكون النَّتيجةُ فيما بعد عَكسيةً، إذا علِمَ المُتصالحِان فيما بعدُ أنَّ الأمرَ ليس على ما ذُكِر، فيُمكِن أن يَزيدَ الشَّقُّ، ويَنتَقِضَ

стр. 275

الصُّلْحُ، وقالوا أيضًا: إن الكذِب في الحرْب رُبَّما يُنتِج نَتيجةً سيِّئةً، حيث يَتبيَّن للعَدوِّ أنَّ الأمر ليس على ما قيل، مثل أن يُقال له: إن عندنا جَمْعًا كثيرًا، وما أَشبَهَ ذلك، بدون تَوْرية، فهذا خطَأ. قالوا: وأيضًا حديثُ المَرأة، حديثُ الرجُل زوجتَه، وحديثُ المرأة زوجَها، هذا أيضًا لو أَجَزْنا الكذِبَ صارت مَشاكِلُ عظيمة، فيَجيءُ الرَّجُل يَقول: أنا عِنْدي مِليون ريالٍ، وعِندي مِئة سيَّارةٍ، وعِندي ثَلاثون بيتًا، وما أَشبَه ذلك، وما عنده إلَّا ثِيابُه، فتَقول المرأة: أنت كذَّاب، ولا تَصلُح زوجًا لي. وكذلك بالعكسِ فالمَرأةُ تُحدِّث زَوْجها يَقول: لم تَذهَبِين إلى السُّوق؟ فتَقول: أبدًا، ما عُمْري طَلَعْت للسُّوق، ولا أَعرِف السُّوق، ولا أَعرِف الرِّجال! فإذا الأَمْر بالعكسِ، ففيه خُطورة، ولهذا قال بعضُ أهلِ العِلْم ﵏: إن المُراد بذلك التَّورِية، والتَّوريةُ لا تَجوز إلَّا في حالين وهُما: الحاجةُ أو المَصلَحة. فظاهِرُ الحديث الاستِثْناءُ: إن هذا من الكذِب الصَّريح، وأنه لا بأسَ به، ولكن حتى على القَوْل بأن الاستِثْناء يَعود على الكذِب الصَّريح دون التَّوْريةِ، يَجِب أن يُقال: هذا من المُباحِ، والمُباح إذا تَضمَّن ضرَرًا كان حرامًا، لأن القاعِدة عِندنا: كلُّ المُباحات يُمكِن أن تَجرِيَ فيها الأحكام الخَمسةُ، كلُّ ما كان مُباحًا فإنه يُمكِن أن تَجرِيَ فيها الأحكامُ الخمسةُ؛ ولهذا ذهَب بعض الأصولِيِّين إلى أنه ليس في الشريعة شيءٌ اسمُه مُباحٌ، يَعنِي: مُستَوِي الطَّرفَيْن، بل لا بُدَّ من تَرجيح، لكن جُمهور العُلَماء على أن المُباح ثابِت في الشَّريعة. الحاصِلُ: أنه إذا كان الحديث صَريحًا في جواز الكذِب في هذه الأُمورِ الثَّلاثةِ فيَجِب أن يُقيَّد بما إذا لم يَتضَمَّن ضرَرًا، فإن تَضمَّن ضرَرًا مُنِع منه.

стр. 276

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فضيلة الصَّبْر؛ لقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ وقد سبَق لنا بيانُ أقسام الصَّبْر. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: فضيلة الخُشوع في العِبادات؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾، ولا سِيَّما في الصلاة التي نَصَّ اللَّه تعالى على الخُشوع فيها، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: فضيلة الصدَقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾، وهو شامِل للواجِب والمُستَحَبِّ، والواجِب أَفضَلُ بالنصِّ والنظَر -أي: بدَلالة الأثَر والنظَر-؛ أمَّا الأثَر فقَدْ قال اللَّه في الحديث القُدسيِّ: "مَا تَقَرَّبَ إِليّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِليّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ" (١)، وهذا صريح، وأمَّا النظَر فنَقول: لولا أن الواجِب أحَبُّ إلى اللَّه تعالى ما فرَضَه اللَّه تعالى على العِباد، لجَعَله تَطوُّعًا، لك الخِيارُ فيه، فإيجاب اللَّه تعالى له دليلٌ على محَبَّته له. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: فضيلة الصَّوْم؛ لقوله تعالى ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ فَرْضه ونَفْله، وأفضَلُ النَّفْل في الصوم صومُ يَوْمٍ وفِطْر يَوْمٍ، وهو صِيام داوُدَ ﵊ (٢). الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: فضيلة حِفْظ الفَرْج؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، ويُسْتَثْنَى من ذلك حِفْظ الفَرْج عن الزوجة، وما ملَكَتِ اليَمينُ،

стр. 277

فإن الإنسان لا يُلام عليه. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنه يَنبَغي اتِّخاذُ الوسائِل التي يَنبَغي بها حِفْظ الفَرْج؛ لأن الثَّناء على شيء ثَناء عليه وعلى وَسائِله، فكل ما يَحصُل به حِفْظ الفَرْج فإنه مَطلوب ومَشروع؛ ولهذا حرُم النَّظَر إلى الأجنبِيَّة، وحرُم التَّلذُّذ بمُخاطَبَتها، والاستِماع إلى صَوْتها، وحرُم أيضًا مُصافَحة المَرأة الأَجنَبِيَّة، وحرُمَت الخَلْوةُ بها، وحرُم سَفَرُها بلا محَرَم، وما أَشبَه ذلك، مِمَّا يَكون سببًا في حِفْظ الفُروج، فإذا كان اللَّه أَثنَى على الحافِظين فُروجَهم فإن الوسائِلَ التي تُؤدِّي إلى حِفْظ الفَرْج من الأُمور المَطلوبة. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: فضيلة كثرة ذِكْر اللَّه ؛ لقول اللَّه : ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وجَدير بالمَرْء أن يَكون دائِمًا ذاكِرًا لربه ؛ لأنه ما من نِعْمة هو فيها إلَّا وهي من اللَّه تعالى، فإذا كان اللَّه تعالى قَدْ أَدام عليك النِّعَم وأكثَرَ عليك النِّعَم، فلماذا لا تُديم ذِكْره؟ ! حقيقةُ الأمر أنَّ الإنسان لو فكَّر لوجَد أنه لو يَستَوْعِب ليلَه ونَهارَه في ذِكْر اللَّه تعالى ما كَفَى؛ ولهذا قال النبى ﵊: "سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَما أثنيتَ عَلَى نَفْسِكَ" (١)، فالإنسان لا يُمكِن أن يُحصِيَ الثناءَ على اللَّه تعالى أبَدًا مَهما كانَ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن اللَّه أَعَدَّ لهؤلاء المُتَّصِفين بهذه الصِّفاتِ المَغفِرةَ من الذنوب والأَجرَ العظيمَ على الطاعات؛ لقوله : ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، والأوصافُ التي ذُكِرت عَشَرة: (المُسلِمين، والمُؤمِنين،

стр. 278

والقانِتين، والصادِقين، والصابِرين، والخاشِعين، والمُتصدِّقين، والصائِمين، والحافِظين فُروجَهم، والذاكِرين اللَّهَ كثيرًا) مع المَعطوف عليها تَكون عِشرين، هذه العِشرون كفَى عنها ضميرٌ واحِد، وهو قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ لو جاء يُعدِّد هؤلاء كان يَقول: (أعَدَّ اللَّه للمُسلِمين والمُسلِمات والمُؤمِنين والمُؤمِنات)، ولكن هذا من فوائِد الضمائِر، وهو أنها تَختَصِر الكلام الكثير بضَمير واحِد. فائِدةٌ: لا شَكَّ أن هناك تَفاضُلًا، فكُلٌّ يُعطَى بحَسَبه، يَعنِي: إذا أَعَدَّ اللَّه تعالى للجَميع فمثَلًا: للذين يَتَّصِفون بهذه الصِّفاتِ العشَرةِ كلِّها أَكمَلُ ممَّن يَتَّصِفون ببَعْضها. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَفضيل الرِّجال على النِّساء؛ لأنه قدَّم في الذِّكْر الرِّجال، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ التَّغليب في جانِب المُذكَّر، لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ﴾ ولم يَقُل: (لَهُم ولَهُنَّ). الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أنه يَنبَغي عند ذِكْر الرِّجال والنِّساء أن يُقدَّم الرِّجال، كما في هذه الآيةِ وغيرها من الآيات، وأمَّا مَن تَغرَّبوا فصاروا يُقدِّمون النِّساء على الرِّجال، فأُولئك يُولهِّمُ اللَّه ما تَولَّوْا من مُشابَهة الكُفَّار، وقَلْب الفِطْرة، وانتِكاس الحال، أن يُقدِّموا النِّساء على الرِّجال، عندما يَقول مثَلًا: (سَيِّداتِه وساداتِه) سَيِّداته! يُقدِّم النِّساء على الرِّجال، بل الأَعجَب من ذلك أنَّهم يُسمُّون النِّساء سَيِّدات، السيِّدة فُلانة، والرَّجُل لا يُقال له: السيِّد فُلان. أخَذوا ذلك من الغَرْب والكُفَّار، لأنَّ الرجُلَ في الحقيقة هو السيِّد على المرأة، قال اللَّه : ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]، أمَّا المَرأةُ فليست سيِّدةً على الرَّجُل أبَدًا، لكن هؤلاء

стр. 279

كما قُلتُ: قلَبَ اللَّهُ تعالى فِطْرتهم بسبب أنهم تابَعوا أعداءَ اللَّه ، وكثير من المُسلِمين -مع الأَسَف- الآنَ لا يُحِسُّون بهذه المَسائِلِ، ولا يَرَوْنها شيئًا، فهُمْ ماشُون مع العالَم حتى الأَلفاظ التي قد تَكون محُرَّمة يَمشون فيها! . الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن جَزاء اللَّه أَعظَمُ من عمَل المَرء؛ لأنَّ هذه الأعمالَ التي ذكَرها اللَّه جعَل الثَّواب عليها أَمْرَيْن: مَغفِرة الذُّنوب، والأَجْر العَظيم، وهذا الأَجرُ العَظيمُ المُبهَمُ هنا قد بُيِّن في نُصوص من الكِتاب والسُّنَّة: الحسَنة بعَشْر أَمثالها، إلى سَبْع مِئة ضِعْف، إلى أضعاف كثيرة (١)، وهذا مِمَّا يَدُلُّ على فَضْل اللَّه . ومن العجَب: أنَّ فضلَ اللَّه تعالى عليك بالثَّواب كفَضْله عليك بالعمَل، فإنَّ فَضْل اللَّه على الإنسان بالعمَل فَضْل لا يَعدِله شيء، ولهذا جعَل اللَّه تعالى ذلك من إتمام النِّعْمة، فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وجعَل ذلك من مِنَّتِه حيث قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧]، وانظُرِ الآنَ إلى أن اللَّه تعالى هو الذي مَنَّ عليك بالعمَل، ثُمَّ مَنَّ عليك بالثواب، ثُم قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، مع أنه هو الذي أَحسَنَ إليك، وإحسان اللَّه تعالى عليك بالعمَل مَسبوق بإِحْسانه عليك بشَيءٍ آخَرَ وهو الهِداية والعِلْم؛

стр. 280

لأنه لا عمَلَ إلَّا بعِلْم، فيَكون عمَل الإنسان مَسبوقَا بنِعْمة اللَّه تعالى عليه بالعِلْم، ثُمَّ بنِعْمة اللَّه تعالى عليه بالتَّوْفيق، ومَلحوق بنِعْمة اللَّه تعالى عليه بالقَبول والجزاء، فتَأمَّل مثل هذه الأُمورِ حتى يَتَّضِح لك فَضْلُ اللَّه تعالى عليك. مَسأَلة: هل يَلزَم شَرْط مُطلَق الإيمان للدُّخول للجَنَّة؟ الجَوابُ: مُطلَق الإيمان يَستَوْجِب أن يَكون في الجَنَّة ولو مآلًا، يَعنِي: قد يُعذَّب بذُنوبه لكن قد يَدخُل الجنَّة، فكلُّ مَن في قَلْبه أدنى مِثقاِل حَبَّة من خَرْدَل من إيمان فإنه من أهل الجنَّة. الْفَائِدَةُ الثَّامِنهَ عَشْرَةَ: أنَّ الجَنَّة مَوجودة الآنَ؛ لقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ﴾ لأنَّ الإعداد بمَعنَى التَّهيِئة، وأَعَدَّ: فِعْل ماضٍ، فيَكون لازِمُ ذلك: أن تَكون الجنَّة مَوْجودة، وهذا أَمْر مَعلوم عند أهل السُّنَّة والجماعة، ومَدعوم بنُصوص الكِتاب والسُّنَّة، أنَّ الجنَّة والنار مَوْجودتان الآنَ. * * *

стр. 281

الآية (٣٦) * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. * * * (ما) هذه نافِية، و ﴿كَانَ﴾ فِعْل ماضٍ ناقِصٌ، وخبَرُها: ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾ الجارُّ والمَجرور، و ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، هذا هو اسمُها مُؤخَّرًا. يَقول اللَّهُ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾، يَعنِي: هذا أَمْر لا يُمكِن أن يَكون، فهو نَفيٌ للإِمْكان، ولكنه للإِمْكان الشَّرعيِّ دون القدَريِّ، إِذْ إنَّ المُؤمِن أو المُؤمِنة قد يَكون لهُمُ الخِيَرة من أَمْرهم فيما قَضاه اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، ولكن شَرْعًا لا يَكون هذا. يَقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: ["أن تَكون" بالتاء والياء ﴿لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾؛ أي: الاختِيارُ ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ خِلافَ أَمْر اللَّهِ ورسولِه]. وقوله تعالى: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ -وكما سَبَق- فيه ذِكْر الذُّكور والإناث، ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾، المُراد بالقَضاء هنا: القَضاء الشَّرعيُّ، إذ إنَّ القَضاء الكونيَّ لا يُمكِن لأَحَد أن يَختار خِلافَه، لا مُؤمِن،

стр. 282

ولا كافِر، لأنَّ القَضاء الكونيِّ لا بُدَّ أن يَقَع، فالمُراد هنا ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ﴾، أي: قَضاءً شَرْعيًّا. وقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ عَطَف رسولَه بالواو؛ لأنَّ قضاء الرسول ﷺ الشرعيَّ من قضاء اللَّه تعالى، وقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾: ﴿أَمْرًا﴾ هنا واحِد الأمور؛ يَعنِي: إذا قضَى شأنًا سَواء كان ذلك الشأن أمرًا أو نَهيًا، ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ "أن تَكون لهَمُ الخِيَرةُ" و ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، أمَّا على قِراءة التاء، فالأمر فيها ظاهِر؛ لأن اسمَها مُؤنَّث، فأُنِّثَ الفِعْل من أجلها "أن تَكون"، وأمَّا عن قِراءة الياء، فإنَّ الفِعْل يَكون مُذكَّرًا مع أنَّ الاسم مُؤنَّث، ولكن هنا لا يَجِب التأنيثُ لوَجْهَيْن: الوجهُ الأوَّل: الفَصلُ بين الفِعْل وفاعِله، وهنا بين الفِعْل واسمِه. والثاني: أنَّ التأنيثَ في الخِيَرة تأنيثٌ مَجازيٌّ، وابنُ مالِك ﵀ يَقول: وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ... مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتِ حِرِ (١) وقوله تعالى: ﴿الْخِيَرَةُ﴾؛ أي: الاختِيار، أَفادَنا المُفَسِّر ﵀ أنَّ الخِيَرة هنا اسمُ مَصدَر بمَعنَى الاختِيار، أو بمَعنى التَّخيُّر؛ كالطِّيَرة بمعنى التَّطيُّر، فهي إِذَنِ اسمُ مَصدَر؛ بمَعنى: الاختيار، وإن شِئْت فقُلْ: بمَعنى التَّخيُّر، وقوله ﵎: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، قد يَقول قائِل: إنَّ المُتبادِر أن يَقول: (مِن أَمْرِه)، لأنَّ ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ مُفرَد، والمُتبادِر أن يَقول: (وما كان لمُؤمِن ولا مُؤمِنة إذا قَضَى اللَّه ورسوله أمرًا أن يَكون له الخِيَرة من أَمْرِهِ)، ولكنه جمَع، لأنَّ (مُؤمِن) و (مُؤمِنة) جاءا مُنكَرًا في سِياق

стр. 283

النَّفي، فيَكون للعُموم، فعاد الضمير إليه باعتِبار المَعنَى، لا باعتِبار اللَّفْظ. وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ مَعناه: أي: من شَأْنهم، ويَجوز أن يَكون ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾؛ أي: من أَمْر اللَّه تعالى إيَّاهم، فعلى الأوَّل: يَكون الإضافة من باب إضافة الشَّيء إلى فاعِله، وعلى الثاني: من باب إضافته إلى مَفعوله، وقول المُفَسِّر ﵀: [خِلَاف] هذه بالنَّصْب مَفعولٌ للخِيَرة بمَعنى الاختيار، يَعنِي: ما كان لهم أن يَختاروا [خِلافَ أَمْر اللَّهِ ورَسولِه]، فتَبيَّن الآنَ مَعنَى الآية. فمَعنَى الآية: أنَّ اللَّه تعالى يَقول: لا يُمكِن لمُؤمِن ولا مُؤمِنة، -لا يُمكِن شَرْعًا، فإذا قضَى اللَّه تعالى ورسولُه ﷺ أَمْرًا أن يُخالِفوا أمرَ اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، وأن يَختاروا خِلافَ أمر اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، ولا يُمكِن؛ لأنَّ ما في قُلوبهم من الإيمان يَمنَعهم من المُخالَفة، ألَا ترَى إلى قول النبيِّ ﷺ : "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنى وَهُوَ مُؤْمِنٌ"؛ لأنه لو كان في قَلْبه إيمان حين الزِّنا، ما زنَى، "وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (١)، فالإِيمان إذا وقَر في القَلْب لا يُمكِن أن يَكونَ صاحِبه مخُالِفًا لأَمْر اللَّه تعالى ورسوله ﷺ . قال المُفَسِّر ﵀: [نَزَلَت في عبد اللَّه بن جَحْش وأُختِه زَينبَ خطَبها النبيُّ ﷺ لزَيدِ بنِ حارِثةَ، فكَرِها ذلك حين عَلِم بظَنِّهما قَبْلُ أنَّ النبيَّ ﷺ خطَبَها لنَفْسه ثُمَّ رَضِيَا للآية]. هكذا ذكَرَ المُفَسِّر ﵀ أنَّها نزَلَت في هذه القِصَّةِ، وهذ القِصَّةُ ضَعيفة (٢)؛

стр. 284

لأنها مُعضَلة ومُنقَطِعة، فهي ضعيفة، ونحن لا يُهِمُّنا في الحقيقة سببُ النُّزول -وسبَب النُّزول صَحيح أنَّ فيه فائِدةً، وهو أنه يَكشِف أحيانًا المَعنَى؛ ليُبيِّنه ويُوضِّحه-، لكن المُهِمَّ الحُكْم، وهو أنه لا يُمكِن لمُؤمِن إذا قضَى اللَّه تعالى ورسوله ﷺ أَمْرًا أن يَخْتار خِلافَ أَمْر اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾؛ لأنهم لا بُدَّ أن يُوافِقوا أمر اللَّه تعالى ورسوله ﷺ لمِا في قُلوبهم من الإيمان؛ ولهذا كُلَّما هَمَّ المُؤمِن بمَعصية ذكَّرَه إيمانُه باللَّه تعالى فكَفَّ عنها. ألَا ترى إلى قول النبيِّ ﵊ في السَّبْعة الذين يُظِلُّهم اللَّه تعالى في ظِلِّه، قال ﷺ : "وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ" (١)، وهذه الدَّعوةُ كانت في مَحلٍّ خالٍ، لا يَطَّلِع عليهما أحَدٌ سِوَى اللَّه تعالى "فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ"، فمَنَعه إيمانه من أن يَفعَل الفاحِشة مع سُهولة أسبابها. وكذلك أحَدُ الثلاثة الذين انطَبَق عليهم الغارُ حين مَكَّنَتْه ابنةُ عمِّه من نَفْسها، فلمَّا جلَس منها مَجلِس الرَّجُل مع امرأته -وأَعتَقِد في هذه الحالِ أنَّ الرَّغبةَ ستكون شديدةً وقويَّةً، وأنه لا يَفصِمها إلَّا إيمانٌ قَويٌّ، فلمَّا جلَس منها مَجلِس الرجُل مع امرأته، قالت له: "يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ" (٢)، فقام منها، وهي أحبُّ الناس إليه، هذا من الإيمان بلا شَكٍّ. إِذَنْ: نحن لا يُهِمُّنا أن تَكون نزَلَت في زَينبَ بنتِ جَحْش ﵂ وأَخيها

стр. 285

عبد اللَّه أو في غيرِهما، المُهِمُّ أنَّ حال المُؤمِن تمَنَعه من مخُالَفة أَمْر اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، وأمَّا ما ذكَره المُفَسِّر فهو يَقول: [إنَّ النبيَّ ﷺ خطَبَ زَينبَ بِنتَ جَحْشٍ]، وقد خُطِبَت -كما ذكَرَه غيرُه- من قِبَل رِجال شُرَفاءَ وذَوِي جاهٍ، فخَطَبها النبيُّ ﷺ ، فظَنُّوا أنه خطَبَها لنَفْسِه، ثُم بعد ذلك بيَّن لهم أنه خطَبها لزَيدِ بنِ حارِثةَ مَولى رسول اللَّه ﷺ ، وكان- حَسب ما ذَكَر أهلُ السِّيَر- عَبْدًا لخَديجةَ ﵂، فوهَبَتْه للنبيِّ ﷺ ، فأَعتَقَه (١)، فلمَّا عَلِمَا أنه خطَبها لزيدٍ ﵁ امتَنَعا، فلمَّا نزَلَتِ الآية رَضِيَا بذلك، وهذا ليس بغريب على الصحابة، لو صحَّ الحديثُ، ليس بغريب أن يُقدِّموا أمر اللَّه تعالى ورسوله ﷺ على ما تَهواهُ أَنفُسُهم. ثُمَّ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾: ﴿وَمَنْ﴾ شَرْطية، وعُلِم أنها شَرْطِية من فِعْل الشَرْط؛ لأنه مَجزوم ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾، لكنه مَجزوم بحَذْف حَرْف العِلَّة. وقوله تعالى: ﴿يَعْصِ اللَّهَ﴾؛ المَعصية: مخُالَفة الأَمْر، أو إِنْ شِئْت فقُلِ: المَعصية خِلافُ الطاعة، سواءٌ كانت وقوعًا في مَنهيٍّ عنه، أو تَرْكًا لمأمورٍ به، لكن إذا قيل: طاعة ومَعصية، صارَتِ الطاعة فِعلَ المأمور، والمَعصيةُ فِعْل المَحظور، أمَّا إذا قِيل: (مَعصِيَة) وحدَها، أو (طاعة) وحدَها، فإنَّها تَشمَل الأَمْرَين. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ سواءٌ عصاهما جَميعًا، يَعنِي: أَمْر من اللَّه تعالى، وأَمْر من رسوله ﷺ ، وقَعَتْ فيه المَعصِية، أو عصَى اللَّهَ تعالى وحدَه، أو عصَى الرسولَ ﷺ وحدَه، فإنه قد ضَلَّ ضَلالًا مُبينًا.
следующие страницы →