الآية (٣٦)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
* * *
(ما) هذه نافِية، و ﴿كَانَ﴾ فِعْل ماضٍ ناقِصٌ، وخبَرُها: ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾ الجارُّ والمَجرور، و ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، هذا هو اسمُها مُؤخَّرًا.
يَقول اللَّهُ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾، يَعنِي: هذا أَمْر لا يُمكِن أن يَكون، فهو نَفيٌ للإِمْكان، ولكنه للإِمْكان الشَّرعيِّ دون القدَريِّ، إِذْ إنَّ المُؤمِن أو المُؤمِنة قد يَكون لهُمُ الخِيَرة من أَمْرهم فيما قَضاه اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، ولكن شَرْعًا لا يَكون هذا.
يَقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: ["أن تَكون" بالتاء والياء ﴿لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾؛ أي: الاختِيارُ ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ خِلافَ أَمْر اللَّهِ ورسولِه].
وقوله تعالى: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ -وكما سَبَق- فيه ذِكْر الذُّكور والإناث، ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾، المُراد بالقَضاء هنا: القَضاء الشَّرعيُّ، إذ إنَّ القَضاء الكونيَّ لا يُمكِن لأَحَد أن يَختار خِلافَه، لا مُؤمِن،
стр. 282
ولا كافِر، لأنَّ القَضاء الكونيِّ لا بُدَّ أن يَقَع، فالمُراد هنا ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ﴾، أي: قَضاءً شَرْعيًّا.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ عَطَف رسولَه بالواو؛ لأنَّ قضاء الرسول ﷺ الشرعيَّ من قضاء اللَّه تعالى، وقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾: ﴿أَمْرًا﴾ هنا واحِد الأمور؛ يَعنِي: إذا قضَى شأنًا سَواء كان ذلك الشأن أمرًا أو نَهيًا، ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ "أن تَكون لهَمُ الخِيَرةُ" و ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، أمَّا على قِراءة التاء، فالأمر فيها ظاهِر؛ لأن اسمَها مُؤنَّث، فأُنِّثَ الفِعْل من أجلها "أن تَكون"، وأمَّا عن قِراءة الياء، فإنَّ الفِعْل يَكون مُذكَّرًا مع أنَّ الاسم مُؤنَّث، ولكن هنا لا يَجِب التأنيثُ لوَجْهَيْن:
الوجهُ الأوَّل: الفَصلُ بين الفِعْل وفاعِله، وهنا بين الفِعْل واسمِه.
والثاني: أنَّ التأنيثَ في الخِيَرة تأنيثٌ مَجازيٌّ، وابنُ مالِك ﵀ يَقول:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ... مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتِ حِرِ (١)
وقوله تعالى: ﴿الْخِيَرَةُ﴾؛ أي: الاختِيار، أَفادَنا المُفَسِّر ﵀ أنَّ الخِيَرة هنا اسمُ مَصدَر بمَعنَى الاختِيار، أو بمَعنى التَّخيُّر؛ كالطِّيَرة بمعنى التَّطيُّر، فهي إِذَنِ اسمُ مَصدَر؛ بمَعنى: الاختيار، وإن شِئْت فقُلْ: بمَعنى التَّخيُّر، وقوله ﵎: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، قد يَقول قائِل: إنَّ المُتبادِر أن يَقول: (مِن أَمْرِه)، لأنَّ ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ مُفرَد، والمُتبادِر أن يَقول: (وما كان لمُؤمِن ولا مُؤمِنة إذا قَضَى اللَّه ورسوله أمرًا أن يَكون له الخِيَرة من أَمْرِهِ)، ولكنه جمَع، لأنَّ (مُؤمِن) و (مُؤمِنة) جاءا مُنكَرًا في سِياق
стр. 283
النَّفي، فيَكون للعُموم، فعاد الضمير إليه باعتِبار المَعنَى، لا باعتِبار اللَّفْظ.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ مَعناه: أي: من شَأْنهم، ويَجوز أن يَكون ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾؛ أي: من أَمْر اللَّه تعالى إيَّاهم، فعلى الأوَّل: يَكون الإضافة من باب إضافة الشَّيء إلى فاعِله، وعلى الثاني: من باب إضافته إلى مَفعوله، وقول المُفَسِّر ﵀: [خِلَاف] هذه بالنَّصْب مَفعولٌ للخِيَرة بمَعنى الاختيار، يَعنِي: ما كان لهم أن يَختاروا [خِلافَ أَمْر اللَّهِ ورَسولِه]، فتَبيَّن الآنَ مَعنَى الآية.
فمَعنَى الآية: أنَّ اللَّه تعالى يَقول: لا يُمكِن لمُؤمِن ولا مُؤمِنة، -لا يُمكِن شَرْعًا، فإذا قضَى اللَّه تعالى ورسولُه ﷺ أَمْرًا أن يُخالِفوا أمرَ اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، وأن يَختاروا خِلافَ أمر اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، ولا يُمكِن؛ لأنَّ ما في قُلوبهم من الإيمان يَمنَعهم من المُخالَفة، ألَا ترَى إلى قول النبيِّ ﷺ : "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنى وَهُوَ مُؤْمِنٌ"؛ لأنه لو كان في قَلْبه إيمان حين الزِّنا، ما زنَى، "وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (١)، فالإِيمان إذا وقَر في القَلْب لا يُمكِن أن يَكونَ صاحِبه مخُالِفًا لأَمْر اللَّه تعالى ورسوله ﷺ .
قال المُفَسِّر ﵀: [نَزَلَت في عبد اللَّه بن جَحْش وأُختِه زَينبَ خطَبها النبيُّ ﷺ لزَيدِ بنِ حارِثةَ، فكَرِها ذلك حين عَلِم بظَنِّهما قَبْلُ أنَّ النبيَّ ﷺ خطَبَها لنَفْسه ثُمَّ رَضِيَا للآية].
هكذا ذكَرَ المُفَسِّر ﵀ أنَّها نزَلَت في هذه القِصَّةِ، وهذ القِصَّةُ ضَعيفة (٢)؛
стр. 284
لأنها مُعضَلة ومُنقَطِعة، فهي ضعيفة، ونحن لا يُهِمُّنا في الحقيقة سببُ النُّزول -وسبَب النُّزول صَحيح أنَّ فيه فائِدةً، وهو أنه يَكشِف أحيانًا المَعنَى؛ ليُبيِّنه ويُوضِّحه-، لكن المُهِمَّ الحُكْم، وهو أنه لا يُمكِن لمُؤمِن إذا قضَى اللَّه تعالى ورسوله ﷺ أَمْرًا أن يَخْتار خِلافَ أَمْر اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾؛ لأنهم لا بُدَّ أن يُوافِقوا أمر اللَّه تعالى ورسوله ﷺ لمِا في قُلوبهم من الإيمان؛ ولهذا كُلَّما هَمَّ المُؤمِن بمَعصية ذكَّرَه إيمانُه باللَّه تعالى فكَفَّ عنها.
ألَا ترى إلى قول النبيِّ ﵊ في السَّبْعة الذين يُظِلُّهم اللَّه تعالى في ظِلِّه، قال ﷺ : "وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ" (١)، وهذه الدَّعوةُ كانت في مَحلٍّ خالٍ، لا يَطَّلِع عليهما أحَدٌ سِوَى اللَّه تعالى "فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ"، فمَنَعه إيمانه من أن يَفعَل الفاحِشة مع سُهولة أسبابها.
وكذلك أحَدُ الثلاثة الذين انطَبَق عليهم الغارُ حين مَكَّنَتْه ابنةُ عمِّه من نَفْسها، فلمَّا جلَس منها مَجلِس الرَّجُل مع امرأته -وأَعتَقِد في هذه الحالِ أنَّ الرَّغبةَ ستكون شديدةً وقويَّةً، وأنه لا يَفصِمها إلَّا إيمانٌ قَويٌّ، فلمَّا جلَس منها مَجلِس الرجُل مع امرأته، قالت له: "يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ" (٢)، فقام منها، وهي أحبُّ الناس إليه، هذا من الإيمان بلا شَكٍّ.
إِذَنْ: نحن لا يُهِمُّنا أن تَكون نزَلَت في زَينبَ بنتِ جَحْش ﵂ وأَخيها
стр. 285
عبد اللَّه أو في غيرِهما، المُهِمُّ أنَّ حال المُؤمِن تمَنَعه من مخُالَفة أَمْر اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، وأمَّا ما ذكَره المُفَسِّر فهو يَقول: [إنَّ النبيَّ ﷺ خطَبَ زَينبَ بِنتَ جَحْشٍ]، وقد خُطِبَت -كما ذكَرَه غيرُه- من قِبَل رِجال شُرَفاءَ وذَوِي جاهٍ، فخَطَبها النبيُّ ﷺ ، فظَنُّوا أنه خطَبَها لنَفْسِه، ثُم بعد ذلك بيَّن لهم أنه خطَبها لزَيدِ بنِ حارِثةَ مَولى رسول اللَّه ﷺ ، وكان- حَسب ما ذَكَر أهلُ السِّيَر- عَبْدًا لخَديجةَ ﵂، فوهَبَتْه للنبيِّ ﷺ ، فأَعتَقَه (١)، فلمَّا عَلِمَا أنه خطَبها لزيدٍ ﵁ امتَنَعا، فلمَّا نزَلَتِ الآية رَضِيَا بذلك، وهذا ليس بغريب على الصحابة، لو صحَّ الحديثُ، ليس بغريب أن يُقدِّموا أمر اللَّه تعالى ورسوله ﷺ على ما تَهواهُ أَنفُسُهم.
ثُمَّ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾: ﴿وَمَنْ﴾ شَرْطية، وعُلِم أنها شَرْطِية من فِعْل الشَرْط؛ لأنه مَجزوم ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾، لكنه مَجزوم بحَذْف حَرْف العِلَّة.
وقوله تعالى: ﴿يَعْصِ اللَّهَ﴾؛ المَعصية: مخُالَفة الأَمْر، أو إِنْ شِئْت فقُلِ: المَعصية خِلافُ الطاعة، سواءٌ كانت وقوعًا في مَنهيٍّ عنه، أو تَرْكًا لمأمورٍ به، لكن إذا قيل: طاعة ومَعصية، صارَتِ الطاعة فِعلَ المأمور، والمَعصيةُ فِعْل المَحظور، أمَّا إذا قِيل: (مَعصِيَة) وحدَها، أو (طاعة) وحدَها، فإنَّها تَشمَل الأَمْرَين.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ سواءٌ عصاهما جَميعًا، يَعنِي: أَمْر من اللَّه تعالى، وأَمْر من رسوله ﷺ ، وقَعَتْ فيه المَعصِية، أو عصَى اللَّهَ تعالى وحدَه، أو عصَى الرسولَ ﷺ وحدَه، فإنه قد ضَلَّ ضَلالًا مُبينًا.
стр. 286
ومَعصِيتُهما جميعًا مِثالهُا: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقال النبيُّ ﷺ : "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (١)، فلو خالَف الإنسان في ذلك يَكون قد عصَى اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ؛ لأنَّ الأَمْر هنا من اللَّه تعالى ومن رسوله ﷺ ، وأَحيانًا يَرِد الأمرُ في القُرآن دون السُّنَّة، فإذا عَصاه الإنسان صار عاصِيًا للَّه تعالى، وأحيانًا يَرِد في السُّنَّة دون القُرآن، فإذا عَصاه الإنسان صار عاصِيًا للرَّسول ﷺ .
ولكن لِتَعلَم أنَّ مَعصية الرسول ﵊ مَعصية للَّه تعالى؛ لأن الرسول ﵊ يَتكَلَّم عمَّن أَرسَلَه، فإذا عصَيْتَه فقَدْ عَصَيْت من أَرسَلَه، فلو أن رجُلًا أَتاك وقال: إن فُلانًا أَرسَلَني إليك. وقال: ليَفعَلْ كذا وكذا. فخالَفْتَ الرسولَ فتكون مخُالِفًا في الواقِع للمُرسِل؛ ولهذا قال اللَّه : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
فعلى هذا يَكون ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ سواءً على سَبيل الانفِراد أو على سبيل الاشتِراك.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، هذا جوابُ الشَّرْط، وقُرِن بالفاء؛ لأنَّها اقتَرَنَت في ﴿فَقَدْ﴾، وهناك ضوابِطُ لجواب الشَّرْط الذي يَجِب اقترانُه بالفاء، ذُكِرَت في بيتٍ:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ وَبِـ (مَا) ... وَ (قَدْ) وَبِـ (لَنْ) وَبِالتَّنْفِيسِ
فإذا كان جوابُ الشَّرْط أحَدَ هذه الأشياءِ السَّبْعة فإنه يَقتَرِن بالفاء وجوبًا،
стр. 287
ولا يَشِذُّ عن هذه القاعِدةِ إلَّا أَمْرٌ نادِر كقول الشاعِر (١):
مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ... . . . . . . . . . . . .
ولم يَقُلْ: فاللَّهُ يَشكُرُه. لكن هذا نادِر أو ضَرورة.
وهنا مَعَنا من الأشياءِ السَّبْعة: (قد).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [بَيّنًا] ونحن تَكلَّمنا من قبلُ أنَّ (أَبان) الرُّباعية تَكون مُتعَدِّية، وتَكون لازِمة، وإذا كانت لازِمةً فهي بمَعنَى (بانَ)، وإذا كانت مُتعَدِّيةً فهي بمَعنى (أَظهَر)، وهنا قال تعالى: ﴿ضَلَالًا مُبِينًا﴾ هل تَصلُح بمَعنَى (أَظهَر) بمَعنَى: ضَلالًا مُظهَرًا؟ الجوابُ: لا تَصلُح.
إِذَنْ: فهي من (أَبان) اللازِمِ الذي يَكون منه الاسمُ على (بَيِّن) لا على (مُبين)، وقُلْنا: لا على (مُبين) بمَعنَى (مُظهِر)، فما هو (المُبين) بمَعنى (مُظهِر)؟ الجوابُ: مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]، هذا من المُتعَدِّي يَقينًا، لأن القُرآن مُظهِر للحَقائِق؛ ولهذا قال بعده: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [فزَوَّجها النبيُّ ﷺ لزَيدٍ، ثُمَّ وقَع بَصَرُه عليها بعد حِين فبَلَغ في نَفْسه حُبُّها، وفي نَفْس زيدٍ كَراهَتُها، ثُمَّ قال للنبيِّ ﷺ : أُريدُ فُراقَها. فقالَ: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ"،
стр. 288
كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾]، هذا الذي ذكَرَه المُفَسِّر ﵀ ذُكِرَ عن بعض المُفسِّرين من السَّلَف والخَلَف، لكنه كما قال ابنُ كَثيرٍ ﵀: "أَقوالٌ يَنبَغي أن يَضرِب الإنسانُ عنها صَفْحًا" (١)؛ لأنها أقوالٌ باطِلة، لا تَليق بمَقام النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ القِصَّة إذا قرَأَها الإنسان يَتَصوَّر أنَّ الرسول ﷺ كان عاشِقًا من العُشَّاق.
وما أَشبَهَ هذه القِصةَ الباطِلةَ بقِصَّة داودَ ﵊ (٢)، التي ذكَروا فيها: أن داودَ طلَبَ من أحَد جُنوده أن يَتزَوَّج امرأتَه، ولكنه أَبَى، فاحْتَال عليه بحيلة، قال: فأَرسَلَه مع الجيْش لأَجْل أن يُقتَل فيَتزَوَّج امرأتَه! وهل هذا يُمكِن أن يَقَع من نَبيٍّ من أنبياء اللَّه تعالى؟ ! أبدًا، وهذه لو قال قائِل: إنَّها وقَعَت من أحَد السُّوقة من الناس. لقيل: ما أَظلَمَ هذا الرجُلَ! وما أَجهَلَه! فكيف بنَبيٍّ من أنبياء اللَّه تعالى؟
فالرَّسولُ ﷺ هل يُمكِن أن يَتصوَّر أحَدٌ أنه عَشِق هذه المرأةَ؟ ويُلاحَظ الآنَ أن بعض الناس -حتى بعض المُفسِّرين والعِياذُ باللَّه- صار يَتلَفَّظ بهذا اللَّفظِ، يَقول: الرسولُ عَشِق المَرأةَ زينبَ! ولكن هذا قول باطِل، وسيَأتي -إن شاءَ اللَّه تعالى- في الكلام على تَفسير الآية بَيانُ مَعنى الآية، وأن مَعناها ناصِع واضِح.
ولم يَكُن الرسول ﵊ قال له: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ"، وأنه أَخفَى حُبَّها؛ وذلك: لأن اللَّه تعالى قال في نفس الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، فبَيَّن اللَّه تعالى أنه سيُبدِي ما أَخفاه في نَفْسه، لو كان الذي أَخفاه النبيُّ ﵊ في نَفْسه الحُبَّ لكان اللَّه تعالى يُبديه، لكن ما الذي أَبدَى اللَّه تعالى؟ الذي أَبدَى اللَّه تعالى تَزويجه، أنه زوَّجه إيَّاها، فكان الرسول ﵊ أَخفَى
стр. 289
في نفسه ما أَعلَمه اللَّه تعالى أنه سيَتَزَوَّجها، بدون أن يَكون هناك حُبٌّ وعَلاقة، لكن الرسول ﵊ عَلِم بما أَعلَمه اللَّه تعالى أنه سيَتَزَوَّجها، فلمَّا جاء هذا الرجُلُ يَستَشيره قال ﷺ له: "اتَّقِ اللَّهَ" لا تُطلّقِ المرأةَ، فعاتَب اللَّه تعالى رسوله ﷺ ، لماذا قال له: اتَّقِ اللَّه وأَمسِكها! وقد عَلِم أنَّ اللَّه تعالى سيُزوِّجه إيَّاها، فالمَسأَلة واضِحة ليس فيها أيُّ إشكال.
ولكن المُشكِل أنَّ بعض المُفسِّرين يَأخُذون عن بعضٍ مِن غَيْر تمَحيص، ومِن غَيْر أن يَكون هناك تَرَوٍّ في المَسأَلة، حتى إنَّ بعض الناس اعتَذَر وقال: (إِنَّ محَبَّة الإنسانِ للمَرْأة ولو كانت عند زَوْجٍ آخَرَ أَمرٌ لا يُنكَر، إنَّما الذي يُنكَر أن يُحاوِل التَّوصُّل إلى هذه المَرأةِ بطريق غيرِ شَرعيٍّ، وأمَّا أن يَقَع في نَفْسه محَبَّة امرأةٍ عند زَوْج فهذا لا بَأسَ به، وهو أَمْر جِبِلِّيٌّ قد تَدْعو إليه الجِبِلَّة والطبيعة).
وهذا وإن كانتِ المَسأَلة تَحتاج إلى نظَر في هذا القولِ: وهو أنَّ مَحبَّة الإنسان لزوجة غيره إمَّا أن تَكون مَحبَّة للجِنْس، أو مَحبَّة للشَّخْص، فإن كان مَحبَّة للجِنْس فهذا أمر جائِز، أي: جِنْس هذا الطِّرازِ من النساء، وهذا المُراد بقَوْلي: (الجنس)، فإن كان محَبَّة للجِنْس يَعنِي: أنه يَرغَب مثل هذه المرأةِ فهذا لا بأسَ به، والإنسان دائِمًا إذا سمِع مثَلًا من امرأةِ رجُلٍ أنها امرأةٌ صالحِة قانِتة حافِظة للغَيْب بما حَفِظ اللَّه تعالى يُحِبُّها ويُحبُّ أن يَكون له مِثْلُها.
وأمَّا إذا كان حُبًّا شخصيًّا فعِندي أن في جَواز ذلك نظَرًا، وأنَّ الإنسان يَجِب عليه أن إذا تَعلَّقَت نَفْسُه بامرأة تَعلُّقًا شخصيًّا أو محَبَّة شَخْصية يَجِب عليه أن يُحاوِل التَّخلُّص من هذا؛ لأنَّها مُشكِلة، فالمَحبَّة -في الحقيقة- جذَّابة، المَحبَّة كأنها رِشًا من حديد يَجذِب الإنسان، فإذا تَعلَّق قلبه بامْرَأة فإن الغالِب أن يُحاوِل الوصول إليها؛
стр. 290
فإن لم تَكُن مُزوَّجة فيُمكِن أن يَخطِبها، وإن كانت مُزوَّجة فمُشكِلة.
فالذي أَرَى في هذه المَسأَلةِ أنه إذا أَحبَّها محَبَّةَ جِنْس -بمعنى: أَحَبَّ جِنْس هذه المَرأةِ- فهذا لا شَكَّ أنَّه ليس فيه مانِع، ولا يَحصُل فيه مَفسَدة، وأمَّا إذا أَحبَّها مَحبَّة شَخْصية فإنَّ الأمر خَطير.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ مُقتَضَى الإيمان ألَّا يُخالِف المُؤمِن أَمْر اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ. . .﴾ إلى آخِره.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه كلَّما قَوِيَ الإيمان قَوِيَتِ المُوافَقة؛ وجهُهُ: أنَّ الحُكم المُرتَّب على وَصْف يَقوَى بقُوَّته، ويَضعُف بضَعْفه. وعليه فتَحصُل الفائِدة الثالِثة:
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه كلَّما نَقَص الإيمان وضَعُف كثُرَت المُخالَفة؛ ولهذا قال أَهلُ العِلْم ﵏: إنَّ الإيمان يَزيدُ بالطاعة، ويَنقُص بالمَعصِية.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَ ما قَضاه الرسول ﷺ من الأُمور فهو كما قَضاه اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الخَيْر كلَّ الخَيْر فيما قَضاه اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ يَعني: لا يَختارُون غَيرَه؛ لأنهم يَرَوْن أنَّ الخَيْر فيما قَضاه اللَّه تعالى ورسوله ﷺ .
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ المَعْصية ضَلال؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّه كلَّما كانتِ المَعصيةُ أكبَرَ أو أكثَرَ كان الضلال أبيَنَ وأَوْضَحَ؛
стр. 291
وجهُهُ: ما أَشَرْنا إليه من قبلُ أنَّ الحُكْم المُرتَّب على وَصْف يَزيد بزِيادته ويَنقُص بنُقْصانه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّ مَعصية الرسول ﵊ كمَعصية اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، فإذا أَتانا آتٍ ونَهَيْناه عن أَمْر جاء به النهيُ في السُّنَّة، وقال: هذا ليس في القُرآن. نَقول: ما في السُّنَّة كما في القُرآن، وقد تَوقَّع النبيُّ ﷺ ذلك فقال: "يُوشِكُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي، فَيَقُوُل لَا نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي الْكِتَابِ اتَّبَعْنَاهُ، أَلا وَإِنِّي أُؤتيتُ الْكِتَابَ وَمثْلَهُ مَعَهُ" (١)،
وهذا الذي تَوقَّعه النبيُّ ﵊ وقَعَ، بل صرَّحوا بأنه لا احتِجاجَ إلَّا بما جاء في القُرآن، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: جَواز تَشريك اللَّه تعالى ورسوله ﵊ بالواو في الأَحْكام الشَّرْعية؛ تُؤخَذ من قوله ﵎: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بخِلاف الأُمور الكَوْنية، فإنَّ الرسول ﷺ لا يُشرَّك مع اللَّه تعالى بالواو؛ ولهذا لمَّا قال له الرجُلُ: ما شاء اللَّهُ وشِئْتَ. قال ﷺ : "أَجَعَلْتَني للَّهِ نِدًّا، بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ" (٢).
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثباتُ رِسالة النبيِّ ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ , وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ورِسالة النبيِّ ﷺ عامَّة لجميع البَشَر منذُ
стр. 292
بُعِث إلى أن تَقوم الساعةُ؛ ولهذا قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، والخاتَمُ لا شيءَ بعدَه.
وكانت شَريعة الرسول ﷺ لِكَوْنها عامَّة شامِلة إلى يوم القِيامة- صالحِة لكل زَمان ومَكان وأُمَّة، ومَعنَى كَونِها صالحِةً: أنَّ العمَل بها لا يُنافِي المَصالِح في أيّ زَمان أو مَكان، بل هو عَيْنُ المَصلَحة، وليس كما فعَلَه بعض النَّاس وتَصرَّف بهذه العِبارةِ، حيث زعَمَ أنَّ الإسلام صالِح لكل زَمان ومَكان، بمَعنَى: أنَّه خاضِع لكل زَمان ومَكان، فجعَلوا الشَّرْع تابِعًا لا مَتبوعًا، وقالوا: إنَّ العَصْر إذا اقتَضَى -في زَعْمِهم- المَصلَحة فإنَّ الشَّرْع لا يُعارِضه، وبنَوْا على ذلك استِحْسان ما استَحْسَنوه من الأمور التي لا شَكَّ في تَحريمها، كتَجويز الرّبا، وأنَّ هذا يُنمِّي الاقتِصاد، ويُقوِّي الأُمَّة، وكتَجويز التَّأمينات التي هي المَيْسِر حقيقةً، والتي قرَنها اللَّه تعالى بالخَمْر والأنصاب والأَزْلام. . إلى غير ذلك ممَّا يَرَوْن أنَّه داخِل في مُسمَّى الدِّين الإسلامي بحُجَّة أنَّ الإسلام صالِح لكل زَمان ومَكان.
ونحن نَقول: صالِح. ولا نَقول: خاضِع. فاعمَلْ أنت بالإسلام في أيّ زَمان أو مَكان أو أُمَّة، وانظُرْ هل يُنافي المَصالِح أو يُنمِّي المَصالِح؟ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
* * *
стр. 293
الآية (٣٧)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [إنه مَنصوب باذْكُرْ] و (اذْكُرْ) مَحذوف، أي: اذكُرْ يا محُمَّدُ إذ تَقول للذي أَنعَم اللَّه تعالى عليه. . . إلى آخره، اذْكُرْ هذا القَوْلَ حتى تَكون مُستَعِدًّا لمِا يُلقَى إليك من المَوعِظة؛ لأنَّ اللَّه تعالى وعَظَه في هذه الآيةِ مَوْعِظة عظيمة، حتى قالت عائِشةُ ﵂: "لَوْ كان محُمَّدٌ كاتِمًا ما أُنزِل إليه لكَتَمَ هذه الآيةَ" (١).
وقوله ﵀: [﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإِعْتاق] بيَّن اللَّه أنَّ هذا الرجُلَ الذي أَبهَم اسمَهُ هنا، ثُم أَوضَحَه فيما بعد أنَّ عليه نِعمَتَيْن؛ النِّعْمة الأُولى: للَّه تعالى، والثانية: للرسول ﵊، وهنا قال تعالى: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ﴾، فأتَى بالواو الدالَّة على الاشتِراك، مع أن هذا ليس من باب التَّشريكِ، حتى نَقول: إنه يَجوز إشراك اللَّه تعالى مع الرسول ﵊،
стр. 294
بل هو من بابِ النِّعْمة والعَطاء والفَضْل، فكيف جَمَع بين إِنْعام الرسول ﷺ وإنعام اللَّه تعالى بالواو الدالَّة على التَّشريك؟
فالجَوابُ أن نَقول: جمَع بينهما بالواو الدالَّة على التَّشرِيك، لأنَّ النِّعْمَتَيْن مخُتَلِفَتان، فالنِّعمة الأُولى من اللَّه تعالى بالإسلام، والثانية: النِّعْمة من الرسول ﷺ بالعِتْق، فلمَّا اختَلَفَتِ النِّعْمتان صارتِ الواو لا تَدُلُّ على الاشتِراك، لامتِناع الاشتِراك بين شَيْئَيْن مخُتَلِفَين.
قال ﵀: [﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق وهو زيدُ بنُ حارِثةَ كان مِن سَبْي الجاهِلية اشتَراه النبيُّ ﷺ قبل البعثة وأَعتَقَه وتَبنَّاه، المَشهور أنَّ زيدَ بنَ حارثةَ ﵁ كان مَملوكًا لجديجةَ ﵂، فوهَبَتْه للنبيِّ ﷺ ، هذا هو المَعروف في السِّيَر (١)، وأيًّا كان فإنَّ زيدَ بنَ حارِثةَ ﵁ كان مَملوكًا للرسول ﷺ ، ثُمَّ أَعتَقَه وتَبنَّاه أيضًا، فرَفَع مَعنَويَّاتِه بكونه أَضافَه إليه ابنًا له، وكان يُدعَى زَيدَ بنَ محُمَّدٍ (٢)، حتى أَبطَل اللَّه تعالى ذلك في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وبقوله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤].
وقوله ﵀: [﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أَمْر طلاقِها: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ هُنا عَدَّى ﴿أَمْسِكْ﴾ بـ (عَلَى)، لأنَّها بمَعنى: اضمُمْ عليك زوجَك، يَعنِي: اجعَلْها مُنضمَّة عليك ولا تُفارِقْها.
стр. 295
قوله تعالى: ﴿زَوْجَكَ﴾ المُراد بها: زينبُ بنتُ جَحْشٍ ﵂، وكان زَيدٌ ﵁ قد تَزوَّجها بمَشورة النبيِّ ﷺ ، فَجَاء يَستَشيره في طلاقِها، فقال له النبيُّ ﵊: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾؛ يَعنِي: لا تُطلِّقْها، وأَمَره بأَنْ يَتَّقيَ اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾، إغراءً له على إِمْساكها، وإن كان الرجُل لم يَفعَل خَطيئةً، لأنَّ الطلاق ممَّا يُباح للرِّجال، لكن من باب الإِغْراء على إِمْساكها.
وقال بعضُ المُفسِّرين: إنه -أَي: زَيدُ بنُ حارِثةَ ﵁ ذكر زَينبَ ﵂ بعَيْبٍ، فقال له الرسول ﷺ : ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ يَعنِي: لا تَصِفْها بالعَيْب، وليس المَعنَى: اتَّقِ اللَّه لا تُطلِّقْها؛ لأنَّ الأصل في الطلاق أنه مُباح.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، الواو حَرْف عَطْف، ﴿وَتُخْفِي﴾ مَعطوفة على قوله تعالى: ﴿تَقُولُ﴾، يَعني: واذْكُرْ أيضًا إذ تُخفِي في نَفْسِك ما اللَّه تعالى مُبديه، وأَبهَمَ اللَّه تعالى ما أَخفاه، لكنه بيَّن أنه سيُبدِيه، ونَنظُر ماذا أَبدَى اللَّه :
قال تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا﴾: ﴿مَا﴾ هذه اسْمٌ مَوصولٌ في محَلِّ نَصْب مَفعول لـ ﴿وَتُخْفِي﴾، و ﴿اللَّهُ﴾ مُبتَدَأ، و ﴿مُبْدِيهِ﴾ خبَرُه، والجُملةُ صِلة المَوْصول لا محَلَّ لها من الإعراب، يَعنِي: تُخفِي في نفسك الذي اللَّه تعالى مُبدِيه، وهنا لم يَقُلْ: وتُخفِي في نَفْسك ما يُبديه اللَّه تعالى، بل قال تعالى: ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، فأَتَى بالجُمْلة الاسمِيَّة الدالَّة على الثُّبوت كأن هذا أَمْر لا بُدَّ منه، أي: لا بُدَّ أن يُبديَه اللَّه ، وهذا هو الذي وقَعَ.
ومَعنَى: ﴿مُبْدِيهِ﴾، أي: مُظهِره، وهو مُقابِل لِقَوْله: ﴿وَتُخْفِي﴾، قال تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ إلَّا أنَّ المُقابَلة اختَلَفَت من حيث الصِّيغة،
стр. 296
فالصِّيغةُ في الإِخْفاء جاءت بالمُضارع، وأمَّا الصِّيغةُ بالإِبْداء فجاءَتْ بالجُمْلة الاسمِيَّة.
وقوله ﵀: [﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ مُظهِرُه من مَحبَّتها، وأن لو فارَقَها زيدٌ تَزوَّجْتَها] هذا ما زعَمَ المُفَسِّر ﵀ تبَعًا لكثير من المُفسِّرين: أنَّ الذي أَخفاه النبيُّ ﵊ هو مَحبّتُه لهذه المرأةِ، فأَبدَى اللَّه تعالى ذلك، ولكنَّك إذا تَأمَّلْتَ الآياتِ وجَدْتَ أنَّ الذي أَخفاه هو (نِيَّة الزَّواج بها بأَمْر اللَّه ، فإنَّ اللَّه تعالى أمَرَه أن يَتزَوَّجها بعد زيدِ بنِ حارِثةَ ﵁، وكأن هذا -واللَّهُ تعالى أَعلَمُ- من أَجْل جَبْر قَلْبها حيث تَزوَّجَتْ زَيدَ بنَ حارِثةَ ﵁ وهو مَوْلًى، وهي من صميم العرَب، فأَراد اللَّه أن يُكافِئَها على خُضوعها لمَشورة النبيِّ ﷺ بأن يَتزَوَّجها الرسول ﷺ ، هذه من جِهةٍ.
ومن جِهة أُخرى: أمَرَه اللَّه تعالى أن يَتزَوَّجها لأَجْل أن يَزول ما كان مَشهورًا عِندهم في الجاهِلية؛ من أنَّ ابن التَّبنِّي لا يَجوز لمَن تَبنَّاه أن يَتزوَّج بامرأته، فيَكون هذا من باب البَيان بالفِعْل الذي هو أَقوَى من البَيان بالقَوْل.
وإذا نظَرْنا إلى الذي أَبداه اللَّه تعالى وجَدْنا أنه زواجُه، لا أنه يُحِبُّها، فلم يَقُلِ اللَّه تعالى في القُرآن: إنك تُحِبُّها، أبَدًا! ولا تَعرَّض للحُبِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ أي: تَخاف من قولهم، ومن كلامِهم، بأن يَقولوا: تَزوَّج زوجةَ ابنِهِ، وهذا عِند العَرَب عَيْب، فهُمْ يَرَوْنه من المُنكَرات.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [في كُلِّ شيء وتَزوَّجها، ولا عليك من قول الناس، ثُمَّ طلَّقها زيدٌ وانقَضَت عِدَّتها]، قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ من الناس، ولكنه هنا أَطلَق، فقال تعالى:
стр. 297
﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، ولم يَذكُرِ المُفضَّل عليه من أَجْل العُموم؛ لأنَّه دائِمًا يَكون الحذفُ مُفيدًا للعُموم، يَعنِي: أَحَقُّ أن تَخشاه من كل أحَد من النَّاس، ومن الجِنِّ، ومن غيرهم.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾، يَعنِي: أن تَخافَه، ولكن الخَشْية خَوْف مع عِلْم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، والخَشْية أيضًا خَوْف مع قُوَّة المَخشِيِّ وعظَمَته، فالجوْف دون الخَشْية؛ لأنَّ الخَوْف يَقَعُ بدون عِلْم؛ ولأنَّ الخَوْف يَقَع من ضَعْف الخائِف، لا من قُوَّة المَخُوف؛ ولهذا كانتِ الخَشْية أَرفَعَ مَرتَبة وأَقوَى، ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.
وقوله ﵀: [﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾، حاجةً، ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فدخَل عليها النبيُّ ﷺ بدون إِذْنٍ وأَشبَع المُسلِمين خُبْزًا ولَحْمًا].
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾؛ أي: حاجة، وهذا دليلٌ على أنَّ زيدًا ﵁ طلَّقَها عن رَغْبة، وأنها انقَضَتْ حاجته منها، ولم يُطلِّقها عن ضَغْط أو إِكْراهٍ.
وقوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ شَرْعًا وقدَرًا، لكِنَّ المُهِمَّ: شَرْعًا؛ لأنه لو كان المُراد قدَرًا فقط لم يَكُن بينها وبين أُمَّهات المُؤمِنين فَرْق؛ لأنَّ اُمَّهات المُؤمِنين أيضًا ممَّا زَوَّجهن اللَّه تعالى قدَرًا، وكانت هي -أي: زَينبُ ﵂ تَفتَخِر على نِساء النبيِّ ﷺ ، فتَقول: "زَوَّجَكن أَهالِيكُنَّ، وزَوَّجَني اللَّه من فوقِ سَبْع سَمَواتٍ" (١)، وهذا دليل على أنه تَزويج شَرْعيٌّ، ولكنَّه قدَريٌّ أيضًا في نَفْس الوقت.
وقوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ في هذا ضَميران مَفْعولان؛ الضَّمير الأَوَّل: الكافُ،
стр. 298
والثاني: (ها)، وهو مُتمَشٍّ على القاعِدة، وابنُ مالِك ﵀ يَقول:
وَقَدِّمِ الْأَخَصَّ فِي اتِّصَالِ ... وَقَدِّمَنْ مَا شِئْتَ فِي انْفِصَالِ (١)
وضَميرُ المُخاطَب أَخصُّ من ضمير الغائِب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾.
والحِكْمة من ذلك: قال ﵎: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾.
قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ﴾ اللَّام هنا للتَّعليل، و (كَيْ) حَرْف مَصدَر؛ لأنها بعد اللَّام مَصدَرية مَحضَة؛ أي: (لأن)، و (لا) نافِية.
وقوله تعالى: ﴿حَرَجٌ﴾؛ أي: ضِيق ومَشقَّة.
وقوله تعالى: ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ أَدعياؤُهم: أَبناؤُهم الذين تَبنَّوْهم، هؤلاءِ همُ الأَدْعياءُ، وهؤلاءِ الأدعياءُ ليسوا بأبناءٍ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، وتَأمَّلْ قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، ولم يَقُلْ: (أَبنائِهم الذين تَبنَّوْهم)؛ لأنَّ هذه البُنوَّةَ مُنتَفية شَرْعًا وباطِلة شَرْعًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَدْعِيَائِكُمْ﴾.
وبهذا نَعرِف أنَّ قول مَن قال في قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾: (إن قولَه: ﴿أَصْلَابِكُمْ﴾ احتِرازٌ مِن ابنِ التَّبنّي) يَتبيَّن لنا أنَّ هذا القولَ لا وَجهَ له؛ لأنَّ ابنَ التَبنِّي لم يُسمِّه اللَّه تعالى ابنًا أبَدًا، بل نفَى عنه البُنوَّة، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، وقال هنا: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، وإذا كان ابنُ التَّبنِّي لا يُسمَّى ابنًا شَرْعًا، فإنه لا حاجةَ إلى
стр. 299
أن نَأتِيَ بصِفة تُخرِجه؛ لأنَّه ليس بداخِل أصلًا حتى يَخرُج بهذه الصِّفةِ الذين من أَصلابِكم؛ ولكنها احتِراز من ابنِ الرَّضاعة، كما هو اختيار شيخِ الإسلام ابنِ تَيميَّةَ ﵀.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾: ﴿إِذَا قَضَوْا﴾ الفاعِل يَعود على الأَدْعياء، وقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فيه إشارة إلى أنَّه لو كان ذلك بضَغْط من الأبِ المُدَّعي لكان ذلك فيه حرَج، بل لا بُدَّ أن يَكونوا قد قضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وأنْهَوْا رَغْبَتَهُن فيهِنَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [مَقضِيُّه ﴿مَفْعُولًا﴾]، ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: الكَوْني؛ لأنَّ الشَّرعيَّ قد يُفعَل وقد لا يُفعَل، ولكن الأمر الذي لا بُدَّ أن يُفعَل هو أمر اللَّه تعالى الكَوْنيُّ، فإذا أمَرَ اللَّه تعالى بشيء كونًا فلا بُدَّ أن يَقَعَ.
وخُلاصَةُ تفسير هذه الآيةِ أن نَقول: إن اللَّه ذكَّر نبيَّه ﷺ بهذا الأَمرِ العَظيمِ، وهو قولُه لزَيدِ بنِ حارِثةَ ﵁ حين جاء يَستَشيره في طلاق زَوجَتِه: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾، مع عِلْم النبيِّ ﷺ بأن اللَّه تعالى سَوْف يُزوِّجه إيَّاها، وكان على النبيِّ ﵊ أن يَسكُت على الأقَلِّ، ويَقول: انظُرْ ما يَبدو لك في هذا الأَمرِ، لكنه أَشار عليه أن يُمسِكَ؛ لأنَّه يَخشَى أن يَقول الناس: تَزوَّج امرأةَ ابنِه الذي تَبنَّاه. فكان النبيُّ ﵊ يَخاف من هذا الأَمرِ، ولكن اللَّه تعالى وجَّهَه هذا التوجيهَ السليمَ.
стр. 300
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: تَذكير النبيِّ ﷺ بالأُمور التي يَحسُن أن يُوعَظ فيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾ حيثُ قُلْنا: إنَّها مَنصوبة بفِعْل مَحذوف تَقديرُه: اذكُرْ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيانُ مِنَّة اللَّه تعالى على زَيدِ بنِ حارِثةَ بالإسلام، والتَّمسُّك به، حتى إن أباه وأَعمامه لمَّا جاؤُوا يَطلُبونه، وخيَّرهُ النبيُّ ﵊ بينَهُم وبينَهُ، اختار أن يَكون مع الرسول ﷺ .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الإِعْتاق نِعْمة من المُعتِق على عَتيقه، وهو كذلك، والفَرضِيُّون يُعبِّرون بـ (النِّعمة) عن الإِعْتاق.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّه يَجوز عَطْف الأمور غير الشَّرْعية بالواو إذا اختَلَف المَعنَى، وقُلْنا: لا يُسوَّى بين اللَّه تعالى وبين الرسول ﷺ بالواو في غير الأُمور الشَّرْعية، وهنا عَطَف نِعْمة الرسول ﵊ على نِعْمة اللَّه تعالى بالواو، مع أنَّها ليست من الأُمور الشَّرْعية، لكنَّ الذي سَوَّغ ذلك اختِلافُ النِّعْمَتَيْن؛ فالنِّعْمة الأُولى: الإسلامُ، والنِّعْمة الثانية: العِتْقُ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الزوجة تابِعة للزَّوْج؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فكأنَّه يَضُمُّها ويَحرُسُها ويَصونها، وكأنَّها تابِعة له، كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: استِشارة ذَوِي الرَّأْيِ؛ لأنَّ زيدًا ﵁ استَشار النبيَّ ﷺ .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّه يَجِب على المُستَشار أن يَبذُل ما يَراه الأَوْلى -ولو باجتِهاده؛ لأنَّ الرسول ﵊ أَشار على زَيْد بإِمْساكها اجتِهادًا منه خَوْفًا من إثارة
стр. 301
المُنافِقين والمُشرِكين عليه، ولكن لا يَعنِي ذلك أن يَكون المُشير مُصيبًا فيما يَتَصرَّف فيه، قد يُخطِئ فيما يَتَصرَّف فيه، لكن هو في حال إشارته يَرَى أنَّ ذلك هو الصَّوابُ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الأفضل للزَّوْج ألَّا يَتعجَّل بالطلاق، وأَنْ يُمسِك عليه زَوْجَته؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، فأَشار عليه بعدَم الطلاق، وإن كان للرسول ﵊ أَغراضٌ أُخرى، لكن لا يَمنَع أن تَتَعدَّد الأسباب في الأَمْر بإِمْساكها، ومَعلوم أنَّ اللَّه قال في كِتابه المُبين: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: ثُبوت رِسالة النبيِّ ﷺ ، وأنَّها رِسالة حَقٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، فلو كان النبيُّ ﵊ كاذِبًا -وحاشاهُ من ذلك- لكان يَكتُم مثل هذه الأَشياءِ؛ لأنَّها صَعْبة في حَقِّه.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ اللَّه قد يَفعَل خِلاف ما كان عليه الرسول ﷺ ، بمَعنَى أنَّ اجتِهاد النبيِّ ﷺ قد يَكون مخُالِفًا لما يُريده اللَّه ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، فالرسول ﷺ أَخفَى في نَفْسه هذا الأَمرَ، لكنَّ اللَّه تعالى خالَفَه في ذلك فأَبْداه.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ خوف النَّاس قد يَقَع من الأنبياء ﵈، ولكنهم لا يُقَرُّون عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: وُجوبُ تَقديم خَشْية اللَّه على خَشْية كل أحَدٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، فالواجِبُ على المَرْء ألَّا يَخاف في اللَّه تعالى لَوْمةَ لائِمٍ، وأن يَتَّقِ اللَّه في بَيان الحقِّ والعمَل به، لا يَقُل: إنَّ الناس يَشمَتون بي،
стр. 302
إنَّ الناس يَسخَرون مِنِّي، إنَّ الناس يَستَهْزِئون بي. وليكن ذلك! فإنه لا يَزداد بهذه السُّخريةِ والاستِهْزاءِ إلَّا رِفعةً عند اللَّه .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّه لا يَصِحُّ التزويج حتى يَنتَهِيَ حقُّ الزَّوْج الأوَّل من الزوجة بالكُلِّية؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، فكان التزويجُ بعد انتِهاء زَيدٍ ﵁ منها بالكُلِّية، ولا يَرِد على ذلك أن يُقال: إنَّ ظاهِر الآية جَواز التزويجِ بعد الطلاق مُباشَرة، لأنَّا نَقول: إن الوَطَر والحاجة ما تَنتَهي إلَّا بانتِهاء العِدَّة، إذ إنَّ الإنسان لو أَراد أن يَرجِع إلى زَوْجته في العِدَّة وهي رَجْعية لحصَل له ذلك.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: إثبات العَظَمة للَّه والسُّلْطان، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ لمِا له من العظَمة والسُّلْطان.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: فَضيلة زينبَ بنتِ جَحْشٍ ﵂، حيث زوَّجها اللَّه لرسوله ﷺ ، وجهُهُ: أنَّ غيرها يُزوِّجه أولياؤُها وأهلُها، وأمَّا هي فقَدْ تَولَّى اللَّه تَزويجها، وهذه مَنْقَبة عظيمة لها.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ اللَّه يُثيب عبدَه أكثَرَ من عمَله؛ لأنَّ هذه المرأةَ -كما سبَقَ- تَزوَّجت زيدَ بنَ حارِثةَ ﵁، مع أنَّ زيدًا ﵁ من المَوالي، وهي من صميم العرَب، وقد يَكون في ذلك غضٌّ من حَقِّها ومَرتبَتها، فرفَعَ اللَّه تعالى من شَأْنها، حيث زوَّجها رسولَه محمدًا ﷺ هو بنَفْسه ﵎، ولا شَكَّ أنَّ هذا رِفعة من شَأْنها، فهي بعد أن كانت تَحتَ هذا المَولَى وهي من صميم العرب، وكان في ذلك شيء من الغَضاضة عليها، رفَعَ اللَّه تعالى من شأنها بهذا الأَمرِ.
стр. 303
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ ما ثبَتَ في حقِّ النَّبيِّ ﷺ من أحكام فهو ثابِت في حقِّ الأُمَّة؛ لأنَّه هذا الحُكمَ خُوطِب به الرسول ﵊، ثُمَّ ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، فدَلَّ ذلك على أن ما ثبَتَ للرسول ﵊ من الأحكام فأُمَّتُه تَبَع له، إلَّا ما قام الدليل على تَخصيصه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: جَواز تَزوُّج الرجُل بزَوْجة مَن تَبنَّاه، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ ابنَ التَّبنِّي لا يُسمَّى شَرْعًا ابنًا، ولم يُسمِّه اللَّه تعالى ابنًا؛ لقوله تعالى: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾، وقوله في أوَّلِ السُّورة: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.
ويَتفَرَّع على هذه الفائِدةِ: أنَّ قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾: فهذا القيدُ ليس لإخراج ابنِ التَّبنِّي؛ لأنَّه ما دخَل في الأبناء حتى يَحتاج إلى إخراجِه.
الْفَائِدَةُ العِشْرُون: أنَّ أَمْرَ اللَّه الأَمْرَ الكونيَّ لا بُدَّ أن يَقَعَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.
ولو قال قائِل: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ مُفرَد مُضاف فيَعُمُّ الأَمْرَ الكونيَّ والشرعيَّ، فنُجيبه: بأن الأَمْر الشرعيَّ ليس مَفعولًا لكُلِّ أحَدٍ، بل فيمَن لا يَفعَله.
* * *
стр. 304
الآية (٣٨)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨].
* * *
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ﴾: ﴿مَا﴾ نافِية، و ﴿كَانَ﴾ فِعْل ماضٍ ناقِص، واسمُها قوله تعالى: ﴿حَرَجٍ﴾، لكِنْ فيها ﴿مِنْ﴾ الزائِدةُ لإِثْبات النَّفي وتَوكِيده، وقوله تعالى: ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾، هذا خبَرُها مُقدَّم.
ومَعنَى ﴿فِيمَا فَرَضَ﴾ أي: فيما أَحَلَّ اللَّه تعالى له، أيًّا كان، فكُلُّ ما أَحَلَّ اللَّه تعالى، فإنه لا حرَجَ عليه عِند اللَّه تعالى، وإذا كان لا حرَجَ عليه عند اللَّه تعالى فإنه لا يَجوز لأحَدٍ أن يَتكلَّم في هذا الذي أحَلَّ اللَّه تعالى له، ويَقول: لِمَ فعَلَ؟ لِمَ صنَع؟ وسيَأتي -إن شاء اللَّه تعالى- في الفَوائِد: أنَّ هذا عامٌّ للرسول ﷺ ولغَيْره.
وقوله تعالى: ﴿فِيمَا فَرَضَ﴾ الفَرْض تارةً يَتعدَّى باللَّام، وتارةً يَتعدَّى بـ (عَلى)، فيَتعدَّى باللَّام مثل هذه الآيةِ: ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾، ويَتعدَّى بـ (على) مِثْل: فرَض اللَّه علينا كذا وكذا. فإِنْ تَعدَّى بـ (على) فهو بمَعنَى: أَوْجَب، وإن تَعدَّى باللَّام فهو بمَعنَى: أحَلَّ؛ لأنَّ الفَرْض في الأصل بمَعنَى التَّقدير، والمُقدَّر قد يَكون واجِبًا، وقد يَكون محُلَّلًا.
وقوله ﵀: [﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: كسُنَّة اللَّه تعالى، فنُصِب بنَزْع الخافِض]
стр. 305
يَعنِي: أنَّ اللَّه تعالى نَفَى عنه الحرَج فيما أَحَلَّ له؛ لأنَّ هذا هو سُنَّة اللَّه تعالى فيمَن سبَقَ، و ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾؛ أي: طَريقته، والمَعنَى: كطريقة اللَّه تعالى فيمَن سبَقَ من الأنبياء ﵈.
وقوله ﵀: [﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ من الأنبياءِ: أن لَا حَرَجَ عليهم في ذلك تَوسِعة لهم في النكاحِ، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، فِعْلُه، ﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾؛ مَقضِيًّا].
يَقول اللَّه : إنَّ الرسول ﵊ كغَيْره من الأنبياءِ السابقين، فما أحَلَّ اللَّه تعالى له فإنه لا حرَجَ عليه فيه، يَعنِي: لا تَضييق لا مِن قِبَل اللَّه تعالى ولا مِن قِبَل عِباد اللَّه تعالى، وهكذا الأنبياءُ السابِقون ليس عليهم حرَجٌ فيما فرَضَ اللَّه تعالى لهم يَفعَلون ما يَشاؤُون، ما دام الأمرُ محُلَّلًا لهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّه لا حرَجَ على النبيِّ ﷺ فيما أَحَلَّ اللَّه تعالى له، وإن كان مخُالِفًا لما يَعتاده الناس؛ لعُموم قوله تعالى: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ و ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾؛ لأن (ما) اسمٌ مَوْصول، فكُلُّ ما أحَلَّ اللَّه تعالى للرسول ﷺ فلا حَرَجَ عليه فيه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه لا حرَجَ على الإنسان غير الرسول ﷺ فيما أَحَلَّ اللَّه تعالى له؛ لأنَّ ما ثبَتَ في حقِّ النبيِّ ﷺ ثبَتَ في حَقِّ أُمَّته إلَّا بدليل، ولكن يَجِب على الإنسان أن يُراعِيَ أحوال الناس، وما يُستَنكَر عليه فيَهِم، حتى لا يُعرِّض نفْسَه للذَّمِّ والقَدْح، فمُراعاة أحوال الناس أَمْرٌ لا بُدَّ منه إلَّا في الأمور الشَّرْعية، فإنَّ الواجِب على المَرْء إبانتُها وإظهارُها.
ويُراعِي الشخصُ ذمَّ الناس له -وليس ذمَّ اللَّه تعالى فقَطْ- فبعض الأشياء
стр. 306
المُحلَّلة إذا فعَلها الإنسان صار خارِجًا عن المُروءة في عُرْف الناس، ومُراعاة هذا الأمرِ لا نَأخُذُه من هذه الآيةِ، فمُراعاة هذا الأمرِ أمرٌ لا بُدَّ منه، يَعنِي: افرِضْ أن هناك شَيئًا حلالًا، لكن النَّاس يَنتَقِدونه عليك، وليس هو من الأمور الشرعية التي لا بُدَّ من إبانتها، فالأفضَلُ أن الإنسان أن يَدَعَ هذا.
مَسأَلةٌ: ما الجوابُ عن حديثِ: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ" (١)؟
الجَوابُ: هذا من مُراعاة دَفْع المَفاسِد؛ لأَنَّه إذا تَحقَّقتِ المَفسَدة فإن المَفسَدة لا يَجوز للإنسان أن يُمارِسَها يَجِب عليه الكَفُّ عنها، فلا تَكُون داخِلةً في ما أحَلَّ اللَّه تعالى له.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَكليف النبيِّ ﷺ وأنه يَلحَقه الحرَجُ فيما لم يُحِلَّه اللَّه تعالى له؛ لقوله تعالى: ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾، فيُستَفاد من هذا: أنَّ الرسول ﷺ عبدٌ من عِباد اللَّه تعالى، لا يَخرُج عن طاعته وشريعته، كما قال شيخُ الإسلام محمدُ بنُ عبد الوهَّاب: "إنَّ الرسول محُمَّدًا ﷺ عَبْدٌ لا يُعبَد، ورسولٌ لا يُكَذَّب" (٢)، وهو كذلك.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن البَيان بالفِعْل أبلَغُ وأَقوَى من البيان بالقَوْل؛ تُؤخَذ من كونِ اللَّهِ تعالى زوَّج زينبَ بنتَ جَحْش ﵂ رسولَه ﷺ ، فإنَّ هذا أبلَغُ في الطُّمَأْنينة وثُبوت الحُكْم.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ ما شرَعَه اللَّه تعالى لرسوله ﷺ في هذه الآيةِ فهو مَشروع لمَن كان قَبْله؛ لقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾؛ ورُبَّما يُؤخَذ منها
стр. 307
فائِدة أيضًا: وهي أن شَرْع من قَبْلنا شَرْع لنا؛ لأن اللَّه تعالى جعَل هذا سُنَّة الأَوَّلين، وقد يُنازَع في ذلك، فيُقال: إن اللَّه تعالى بيَّن أنما شَرَعه لنَبيِّه ﷺ ، أو ما نفاه عنه من الحرَج فيما فرَضَ له، هو سُنَّة مَن قَبْلَه، ولا يَعنِي ذلك أن يُوافِقه.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ أَمْر اللَّه تعالى قد كُتِب وقُدِّر؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، والمُراد بالأمر هنا الأمر الكَوْنيُّ.
* * *
стр. 308
الآية (٣٩)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀ في إعرابها: [﴿الَّذِينَ﴾ نَعْتٌ للذين قَبْلَه]، أي: في قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الذين يُبلِّغون.
وقوله تعالى: ﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾، جَمْع رِسالة، والمُراد بها المُرسَل به، فهم يُبلِّغون ما أرسَلَهم اللَّه تعالى به، والتَّبليغُ مَعناه: الإيصال، ومنه ما جاء في الحديث: "لَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ" (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾؛ لأنَّ الخَشْية عِبادة، والعِبادة لا تَكون إلَّا للَّه ، هذا في الأَصْل مع أنَّ الخَشْية قد تَكون غير عِبادة، قد تَكون خَوْفًا طبيعيًّا لا يَتعَبَّد به الإنسان الخائِف، فيُفرَّق بين خَشْية الإنسان للناس، وبين خَشْية الإنسان للَّه تعالى، قال: [فلَا يَخْشَوْن مَقالة الناس فيما أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ] وكذلك في غَيْرها.
وقال ﵀: [﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾؛ حافِظًا لأعمال خَلْقه ومحُاسَبَتهم] إعرابُ
стр. 309
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾: (كفَى) تَتَعدَّى بالباء على أنه حَرْف جَرٍّ زائِدٌ، وهو كثير، وقد تَتَعدَّى بنَفْسها إلى الفاعِل، كقول الشاعِر:
. . . . . . . . . ... كَفَى الشَّيْبُ وَالْإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيَا (١)
فلَمْ يَأتِ بالباء، لكِنَّ الأكثَرَ أن يَأتِيَ بها.
من فوائد الآية الكريمة:
بِناءً على إعراب المُفَسِّر ﵀ أنَ (الَّذين) بدَلٌ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾، يَكون من فَوائِد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: الثَّناء على الرسُل السابِقين؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الثَّناء على مَن بلَّغ شيئًا من شريعة اللَّه تعالى من غير الرُّسُل، وجهُ ذلك أنَّه إنَّما أُثنِيَ على الرُّسُل؛ لكونهم بلَّغوا الرِّسالة، ولم يَخشَوْا أحَدًا، فمَن كان مِثلَهم في ذلك فهو مَحلُّ الثَّناء.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ مِن صِفات الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام ألَّا يَخشَوْا أحَدًا في تبليغ الرسالة، وإنما يَخشَوْن اللَّه تعالى في عدَم تَبليغه، لا يَخشَوْن الناس في تَبليغها، ويَخشَوْن اللَّه تعالى في عدَم تَبليغها.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ إبلاع الرِّسالة من خَشْية اللَّه تعالى، فإنَّه لولا خَشية اللَّه تعالى ما بلَّغوا رِسالَتَه.
стр. 310
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ الرِّسالاتِ فيمَن سبَقَ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾، واعلَمْ أنَّه ما مِن أُمَّة من الأُمَم إلَّا أَرسَل اللَّه تعالى إليها رَسولًا؛ لأَجْل أن تَنتَفيَ الحُجَّة عن اللَّه تعالى وتَزول المَعذِرة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ حِفْظ اللَّه في غاية ما يَكون من الحِفْظ؛ لقوله ﵎: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، هذا إذا جعَلْنا (الحَسيب) بمَعنَى: (الحفيظ الكافِي)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أمَّا إذا جعَلْنا (الحَسيب) بمَعنَى: (المُحاسِب)، فإنَّه يُؤخَذ منها فائِدة وهي: كَمال محُاسَبة اللَّه عِباده، وأنه لا يَفوته شيءٌ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إِثْبات عِلْم اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، سَواء كان (الحسيب) بمَعنَى: (المُحاسِب) أو بمَعنَى: (الحفيظ)، فإنَّه لا محُاسَبةَ إلَّا عن عِلْم، ولا حِفْظ إلَّا بعِلْم.
* * *
стр. 311
الآية (٤٠)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠].
* * *
ثُمَّ قال اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾: ﴿مَا﴾ نافِية، وهل هي حِجازية أو غير عامِلة؟
الجَوابُ: غير عامِلة؛ لأنَّ العمَل لـ (كان) وليس لها، ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ يَعنِي: رسولَ اللَّه ﷺ ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، لم يَقُلْ: ما كانُ رسول اللَّه. بل قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ فتَحدَّث عنه باعتِباره شَخصًا من النَّاس، ثُمَّ قال بعد ذلك: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، فأَثبَت له الرِّسالة.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾: ﴿أَبَا﴾ بالأَلِف؛ لأنَّها خبَرُ (كان)، قال ﵀: [﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فليس أبا زَيدٍ ﵁؛ أي: والِده، فلا يَحرُم عليه التَّزوُّج بزَوْجته زَينبَ].
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تَبنِّيًا، ووِلادة أيضًا؛ لأن أبناء الرسول ﷺ الثلاثة تُوُفُّوا قبل أن يَبلُغوا الرُّجولة، كلُّهم تُوُفُّوا وهُمْ صِغار، وقال بعضُ أهل العِلْم ﵏: إن المُراد: أبا أحَدٍ من رِجالكم تَبنِّيًا؛ لأنه تعالى قال: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، فأَضاف الرِّجال إليه، ولم يَقُل: أبا أحَدٍ من الرِّجال.
стр. 312
وعلى هذا فلا يَكون في الآية دَليل على أنَّه ليس أبًا لأحَد من الرِّجال نَسَبًا وتَبنِّيًا، وهذا هو الأقرَبُ: أن المُراد: أبا أحَد من رِجالكم تَبنِّيًا؛ لأَجْل أن يَنفِيَ ما كان مَعروفًا عندهم من أنَّ زَيدَ بنَ حارِثةَ ﵁ ابنٌ لرسول ﷺ .
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تَقدَّم فيما سبَق في قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أنَّ بعض السَّلَف قرَأَ: "وَهُوَ أَبٌ لَهمْ" فكيف يُجمَع بَينَه وبين هذه الآيةِ؟
الجَمْع بينهما أن يُقال: هنا ليس أربا أحَدٍ من الرِّجال بالتَّبنّي، ولكنه أبٌ للمُؤمِنين باعتِبار التعليم والتَّوْجيه والإرشاد.
وقوله : ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَكِنْ﴾ كان ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾] أَفادَ المُفَسِّر ﵀ أن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ مَنصوبة بفِعْل مَحذوف تَقديرُه: كان رسولَ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿رَسُولَ﴾ بمَعنَى: مُرسَل، أي: مُرسَل اللَّهِ لعِباده، ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ يَعنِي: وكان خاتَمَ النَّبيِّين، قال: [فلا يَكون له ابن رجُلٌ بعدَه يَكون نَبيًّا] وهذا التَّفسيرُ الذي ذهَب إليه المُفَسِّر ﵀ فيه نظَر؛ لأنه يَقول: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ إِذَنْ ليس له ولَدٌ بعده يَكون رجُلًا فيَكون نَبيًّا، وهذا بِناءً على أنَّه يَلزَم أن يَكون ابنُ نَبيٍّ بعدَه نبيًّا، وهذا ليس بلازِم، فإنَّ بعض الأنبياء ﵈ ليس كلهم أولادُهم أنبياءُ، صحيح أنَّ كثيرًا من الأنبياء ﵇ صار أولادُه أنبياءً كإبراهيمَ ﵇ مثَلًا، ولكن لا يَعنِي ذلك أن جميع الأنبياء ﵈ يَلزَم من كونهم أَنبياءَ إذا خلَّفوا أَولادًا أن يَكونوا أنبياءً، ولكن معنى قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أنه لا نَبيَّ بعده، هذا مَعنَى الآية التي لا يُحتَمَل غيرُه.
стр. 313
وقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ﴾ فيها قِراءَتان إحداهُما بالكَسْر والثانية بالفَتْح، وهي عِندي في التفسير بالكَسْر "وخاتِم النَّبيِّين" على أن (خاتِم) اسمُ فاعِل، يَعنِي: الذي يَختِمُهم، قال: [وفي قِراءة بفَتْح التاء، كآلة الخَتْم، أي: به خُتِموا] ففَتْح التاء ﴿وَخَاتَمَ﴾ والخاتَم ما يُختَم به الشيء، مثل الخاتَم الذي يَكون في الإِصبَع، وكُتِب عليه اسمُ صاحِبه، فإذا أَراد أن يَختِم الكِتاب ختَمَه بهذا الخاتَمِ، والنبيُّ ﷺ خاتِم وخاتَم، فهو خاتِم؛ لأنه آخِرُهم، وخاتَم كأنه طَبْع على الرِّسالات، بعد ذلك فلا يُمكِن أن يَأتِيَ بعده رِسالة، وهذه هي فائِدة القِراءَتَيْن.
وقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ هذا كما ترَوْن في القُرآن، وفي السُّنَّة أيضًا أدِلَّة كثيرة تَدُلُّ على أنه خاتَم الأنبياء ﵊، وعلى هذا فلا نَبيَّ بعدَه.
فإن قلتَ: ألَمْ يَثبُت أنَّ عيسى ﵊ يَنزِل في آخِر الزمان وهو نَبيٌّ؟
فالجَوابُ: بلى، يَنزِل وهو نَبيٌّ، لكن نُبوَّة عيسى ﵇ لم تَتجدَّد بعدُ، بل كان نبيًّا من قَبلِ أن يُرفَع، ولم يَتجَدَّد له نُبوَّة بعد نُبوَّة النبيِّ ﷺ ، فكان النبيُّ ﷺ خاتَمَ الأنبياء، وهل يَأتي عِيسى ﵇ بشَريعة جَديدة؟ لا.
فإن قُلتَ: أَلَيْس يَضَع الجِزْية، ويَكسِر الصَّلِيب، ويَقتُل الخِنزير، ولا يَقبَل إلَّا الإسلام؟
فالجَوابُ: بلى! وهذه الأحكامُ مخُالِفة لحُكْم الشَّريعة الآنَ، فهل مَعنَى ذلك بأنه يَأتي بأحكام مُتجَدِّدة؟
الجَوابُ: لا؛ لأنَّ إخبار النَّبيِّ ﷺ بذلك (١) يَكون إقرارًا له، فيَكون هذا من سنَّة
стр. 314
الرسول ﷺ ؛ لأنه من المَعلوم أنَّ سُنَّة الرسول ﵊ هي قوله وفِعْله وإقرارُه، فإذا قال ذلك عن عِيسى ﵇ مُقرِّرًا له صار ذلك من سُنَّته، وحينئذ فلم يَأتِ عِيسى ﵇ بنُبوَّة جَديدة، ولم يَأتِ بتَشريع جَديد، ولا إِشْكالَ في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾: (كان) هنا مَسلوبة الزَّمان، وإنَّما يُؤتَى بها لتَحقُّق الصِّفة، وهي العِلْم، قال ﵀: [﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ منه بأَنْ لا نَبيَّ بعدَه] يَعنِي: من العِلْم الذي عَلِمه اللَّهُ تعالى أنه لا نَبيَّ بعده؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يَشمَل حتى أعمال بَني آدَمَ؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦]، قَبْل أن يَعمَله.
قال ﵀: [وإِذا نزَلَ السَّيِّد عِيسَى يَحكُم بشَريعتهم] قوله ﵀: [إذا نَزَل السَّيِّد] واللَّه ما وصفه بهذا، ففي سورة آل عمرانَ: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦] قال: ﴿وَجِيهًا﴾ لكن ما قال: سَيِّد.
وعلى كل حالٍ: أنا أَخشَى أنَّ هذه الكلِمةَ دخَلت على المُفَسِّر من عِبارات النَّصارى؛ لأنَّهم دائِمًا يَقولون: السَّيِّد المَسيح، السَّيِّد المَسيح. ولا شَكَّ أنَّه سَيِّد ﵊؛ لأنه نَبيٌّ من الأنبياء ﵈.
يَقول ﵀: [يَحكُم بشَرِيعته] وحِينئذ لا يَأتي بشَريعة جَديدة، فلا يُنافِي الآيةَ: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وقد علِمتُم أنه يَرِد على قَضية نُزول عِيسى ﵇، يَرِد عليها إِيرادانِ:
стр. 315
أوَّلًا: أنَّه نَبيٌّ فكيف يَكون نَبيًّا والرسولُ ﷺ هو خاتَمُ الأنبياء ﵈.
ثانِيًا: أنه يَحصُل به تَغيير لبعض أَحكام الشَّريعة، وأَجَبْنا عن ذلك.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إِبْطال بُنوَّة الأَدْعياء؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
وهل يُستَفاد منها أنَّ الرسول ﷺ ليس أبًا لأَحَد من الرَّضاع أو لأَحَد من النَّسَب؟
الجَوابُ: لا يُستَفاد؛ لأنه ثبَت أن له أبناءً، لكن بعض العُلَماء ﵏ يَقولون: إنَ أبناءَه لم يَبلُغوا أن يَكونوا رِجالًا، فالآية عامَّة، ولكنه تَبيَّن لي أنَّ هذا لا يَصِحُّ أيضًا؛ لأنَّ الرسول ﷺ له أبناءٌ كانوا رِجالًا، ولهم ذُرِّيَّة، وهم: الحسَن والحُسَين ﵄، فالرسول ﷺ قال: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ" (١)، فسمَّاه ابنًا، وقد عقَّ أيضًا عن الحسَنِ والحُسَينِ ﵄ الرسولُ ﵊ هو بنَفْسه (٢).
الْفَائِدَةُ الثانِيَةُ: ثُبوت رِسالة النبيِّ ﷺ ؛ لقَوْله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثالِثَةُ: أنَّ رسول اللَّه ﷺ آخِرُ الأنبياء ﵈؛ لقوله تعالى: "وَخَاتِمَ النَّبِيّينَ".
стр. 316
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه أَفضَلُ الأنبياء على قِراءة: ﴿وَخَاتَمَ﴾ بالفَتْح؛ لأنَّ الخاتَم هو الطابَع على الشيء، وهو الشيءُ الذي يَكمُل به الشيء ويَنتَهِي؛ ولهذا وصَفَ النبيُّ ﷺ نَفْسه مع الأنبياء بأنه كأنه كقَصْر مَشيد يَطوف به الناس ويَقولون: ما أجملَ هذا القَصرَ! إلَّا أن فيه مَوضِعَ لَبِنة لم يَتِمَّ إلَّا مَوضِع هذه اللَّبِنةِ! فقال الرسول ﵊: "فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ الْأَنبِيَاءِ" (١).
فبه تَمَّتِ الرِّسالات وكمَلَت؛ ولهذا دِينُ الرسولِ ﷺ لاحَظوا أن دِين الرسول ﷺ شامِل لجميع مَحاسِن الأديان، فكُلُّ مَحاسِن الأنبياء ﵈ التي تُوجَد فيها من نُوحٍ ﵇ إلى مُحمَّد ﷺ ، فإنَّ دِينه شامِل لجميع محَاسِنهم، والدليلُ على ذلك قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، فكلُّ هُدَى الأنبياءِ ﵈ قدِ اقتَدَى به النبيُّ ﵊، إِذَنْ فما من صَلاح في جميع الأديان وكمال إلَّا وجاء به مُحمَّد ﷺ .
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّه لا نَبيَّ بعد محُمَّد ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، "وَخَاتِم".
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ مَنِ ادَّعى النُّبوَّة بعده فهو كاذِب، ولو جاء بما جاء به من الخَوارِق؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وهذا خَبَر، وخبَرُ اللَّه تعالى صِدْق لا يُمكِن أن يَتطرَّق إليه الكَذِب بوَجْه من الوُجوه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ مَن صدَّق مُدَّعِي النُّبَّوة بعد محُمَّد ﷺ فهو كافِر؛ لأنه مُكذّب للقُرآن، ومُكذِّبُ القُرآن كافِر.
стр. 317
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنه لا نَبيَّ ولا رسولَ بعد محُمَّد ﷺ ، أو نَكتَفِي بالفائِدة التي قَبلَها، ولا نبيَّ ولا رَسولَ أيضًا إذا انتَفَتِ النُّبوةُ انتَفَتِ الرسالةُ، إذ إن الرسول نَبيٌّ وزِيادةٌ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات النُّبوَّات السابِقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، و ﴿النَّبِيِّينَ﴾ جَمْع نَبيٍّ، وهُم كَثيرون جِدًّا، لكن الرُّسُل منهم ثلاثُ مِئة وبِضعة عشَرَ رجُلًا، لم يُذكَر منهم في القُرآن إلا خَمْسة وعِشْرون، وكلُّ مَن ذُكِر في القُرآن من الأنبياءِ فهو رَسولٌ حتى وإن لَمْ يُوصَف بالرسالة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، فدَل هذا على أن كل مَن قَصَّ اللَّه تعالى علينا نَبَأَه في القُرآن فهو رسولٌ حتى وإن لم يُوصَف بالرِّسالة مثل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١]، وما أَشبَهَها.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: عُموم عِلْم اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ إقرار اللَّه تعالى للرسول ﵊، وتَأيِيده له شاهِدٌ لصِدْق رِسالته؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، فلو عَلِم اللَّه تعالى أن مُحمَّدًا غيرُ رسولٍ لكان كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]، ﴿الْوَتِينَ﴾: عِرْق في القَلْب لو قُطِع مات، فكَوْن اللَّه تعالى يُؤيِّده ويَنصُره ويَفتَح على يَدَيْه، وهو يَقول: إنه رسول اللَّه تعالى، وإنه أَذِن له باستِباحة أَموالكم، وأَخْذ رِقابكم إذا لم تَدخُلوا في الإسلام، ولم تُؤدُّوا الجِزْية. يَكون هذا آيةً من آيات اللَّه تعالى له؛ ولهذا خَتَم الآية هذه التي أثبَتَت له الرِّسالة بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
стр. 318
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: وُجوب مُراقَبة العبد رَبَّه؛ تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، فأنت إذا عَلِمت أنَّ اللَّه عالِم بكُلِّ شَيء، ومن الشَّيءِ: قَولُك، وفِعْلك، وفِكْرك، قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، واللَّهِ لو كان عِندنا هذا الإيمانُ ثابِتٌ راسِخًا لكان الإنسان تَقِلُّ مَعاصيه ومُخالَفته، لكن الإنسان في غَفْلة، إذا علِمت أنك تَحرَّكت عَلِم اللَّه تعالى بِكَ، إن سكَنْت عَلِمَ اللَّهُ تعالى بك، إن نطَقْت عَلِم اللَّهُ تعالى بك، إن سكَتَّ عَلِمَ اللَّه تعالى بكَ، إن فكَّرْتَ عَلِم اللَّه تعالى بك، هذا يُوجِب لك مُراقَبة اللَّه ، وألَّا يَفقِدك حيث أَمَرَك، ولا يَراك حيث نَهاك.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الرَّدُّ على غُلاة القَدَرية؛ فإنهم أَنكَروا عِلْم اللَّه تعالى بما يَصنَعه العِباد قبل وُقوعه مِنْهم، والآيَةُ هذه فيها رَدٌّ عليهم: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: سَعة اللَّه ، سَعته في كل شيء، في صِفاته، وفي أسمائه، وفي أفعاله، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، فتُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ الذي بكُلِّ شَيْء عَليم لا شَكَّ أنه واسِع.
* * *
стр. 319
الآيتان (٤١، ٤٢)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
* * *
ثُمَّ قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابنُ مَسعود ﵁: "إذا سمِعْت اللَّه تعالى يَقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأَرْعِها سَمْعك، فإمَّا خَيْرٌ تُؤمَر به، وإمَّا شَرٌّ تُنهَى عنه" (١)، وإذا نادَى اللَّه تعالى المُؤمِنين بوَصْف الإيمان فإن هذا من باب الإغراء لهم على امتِثال الأَمْر إن كان المُوجَّه إليهم أَمْرًا، وعلى اجتِناب النهي إن كان المُوجَّه إليهم نَهيًا؛ لأنك إذا ذكَرْت الإنسان بوَصْف يَقتَضي الامتِثال فمَعنَى ذلك أنك تُغريه بأن يَمتَثِل، وإذا خاطَب اللَّه تعالى المُؤمِنين بوَصْف الإيمان كان ذلك دَليلًا على أنما ما خُوطِبوا به من مُقتَضيات الإيمان، وأن مُخالَفته نَقْص في الإيمان، وإذا صدَّر اللَّه تعالى الحُكْم بالنِّداء كان في ذلك دليلٌ على أَهمِّيَّته والاعتِناء به ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.
والذِّكْر كما سبَق يَكون باللِّسان، ويَكون بالقَلْب، ويَكون بالجوارِح، وقوله تعالى: ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ غيرُ مُقيَّد بمِئة ولا مِئَتَين ولا ألفٍ ولا ألفَيْن ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، والإنسانُ العاقِل يُمكِنه أن يَذكُر اللَّه تعالى دائِمًا، والإنسان الغافِل يَغفُل عن ذلك.
стр. 320
وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ هذا ذِكْر خاصٌّ بعد عامٍّ في العمَل وفي الزمَن، أمَّا في العمَل فإنَّ التَّسبيح من الذِّكْر فهو تَخصيص بعد تَعميم، وأمَّا في الزمَن فهنا خَصَّه بالبُكْرة والأصيل.
وأمَّا الذِّكْر فأُطلِق، وهذه الآيةُ كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠].
وقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ﴾ التَّسبيحُ مَعناه: التَّنزيهُ عن كل نَقْص وعَيْب، ومن العَيْب مُشابَهة المَخلوقين أو مُماثَلة المَخلوقين، فأنت إذا قُلْت: سُبحانَ اللَّه. فالمَعنَى أنك تُنزِّه اللَّه تعالى عن كل نَقْص وعَيْب، ومنه -أي: من العُيوب- مُماثَلة المَخلوقين، فهو مُنزَّهٌ عن مُماثَلة المَخلوقين، وعن كل نَقْص في صِفاته، فهو سَميع مُنزَّهٌ عن نَقْص السَّمْع، عليم مُنزَّهٌ عن نَقْص العِلْم، وهكذا بَقيَّة الصِّفات.
وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أوَّل النَّهار وآخِره] يَعنِي: البُكْرة أوَّلُ النَّهار، والأصيلُ آخِرُ النَّهار، وعلى هذا فيَكون اللَّه قد أَمَرَنا أن نُسبِّحه الصَّباحَ والمَساءَ.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيان العِناية بالذِّكْر؛ لأن اللَّه تعالى عند الأَمْر به صَدَّره بالنِّداء.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الذِّكْر من الإيمان باللَّه تعالى ومن مُقتَضياته؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الإيمان يَزيدُ به -أَي: الذِّكْر-، وجهُه: أنَّ كل ما كان من مُقتَضيات الشيء فإنه يَزداد به.