شارِحُ (الطحاوِية) (١)، فمَن أَراد أن يَرجع إليه فلْيَرجِعْ.
أمَّا في هذه الآيةِ فلا يَتعيَّن أن يَكون الِميثاق ما أخَذه اللَّه تعالى على بني آدَمَ حين استَخْرَجهم من صُلْبه، بل إن المِيثاق عهد بين الإنسان وبين ربه في كل نِعْمة أَنعَم اللَّه تعالى بها عليه أن يُؤدِّيَ هذه النِّعْمةَ على ما أَمَرَه به ربُّه، كل نِعمة؛ لأن هذا من شُكْرها، فإذا أَنعَم اللَّه عليك النِّعْمة بالعِلْم صار الواجِبُ عليك عهدًا بينَك وبينَ اللَّه أن تُبيِّنه، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكتُمُوَنَهُ﴾ وإِذْ أَنعَم اللَّه تعالى على إنسان بالنُّبوَّة، والنُّبوَّة بعد محُمَّد ﷺ مُتعذِّرة، لكن إذا أَنعَم اللَّه تعالى على عَبْده بالنُّبوَّة وجَب عليه أن يُبلِّغ، مِيثاق غَليظ ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ وفي أهل العِلْم ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ ولم يَقُل: مِيثاقًا غليظًا؛ لأن المِيثاق على الأنبياء أعظَمُ وأغلَظُ.
قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾: (منك) عَطْفًا على ﴿النَّبِيِّينَ﴾ بإعادة الجارِّ ﴿وَمِنْكَ﴾، وإنَّما أُعيد الجارُّ إمَّا لأن الضمير مُتَّصِل ولا بُدَّ فيه من أن يَظهَر الجارُّ، أن يَظهَر العامِل؛ لأن الضمير المتصِل لا بُدَّ له أن يَكون عامِله ظاهِرًا، ولا يَأتي مُنفَصِلًا العامِل إلَّا شذوذًا بعد (إلَّا)، أو يُقال أيضًا -وهو يُقال من حيث المَعنَى-: أُعيد حَرْف الجرِّ للتأكيد بالنسبة إلى هؤلاء الخَمسة قال : ﴿وَمِنْكَ﴾ وتَخصيصهم بالذِّكْر بعد العُموم يَدُلُّ على فَضْلهم ولا شكَّ فيها.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ منك ومن نُوع عَلَيْهِ ﵇، وبين محُمَّد ﷺ
стр. 72
ونوحٍ ﵇ أنبياءُ آخَرون من أُولي العَزْم، ولكنَّ اللَّه بدَأَ بآخِر واحِد منهم وأَوَّل واحِد، فبدَأ بالطرَفين، ثُم جاء بالوسَط ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾.
ونوحٌ ﵇ هو أوَّلُ رسول أَرسَله اللَّه إلى أهل الأرض؛ لأن الصحيح أن آدَمَ نبيٌّ، لكنه ليس برَسولٍ، فأوَّلُ الرُّسُل نوح ﵊ كما قال اللَّه تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، وفي حديث الشَّفاعة الطويلِ: أن الناس يَأتون إلى نُوحٍ ﵇ ويَقولون: أنت أوَّلُ رسول بعثَه اللَّه تعالى إلى أهل الأرض (١).
وليس نُوحٌ أَفضَلَ من إبراهيمَ ولا من مُوسى ﵉، لكن -كما قُلت- قدَّمه؛ ليَتلاقَى الطرَفان الآخِرُ والأوَّلُ، وقدَّم محُمَّدًا ﵊، لأن الرسول ﵊ أشرَفُ الرُّسُل.
والترتيب: بالنِّسبة لإبراهيمَ ومُوسى وعِيسى الثلاثة رُتِّبوا بالزمَن والفَضْل، وأمَّا نُوحٌ ومُحمَّد ﷺ فبَدَأ بالطرَف الأخير، لأنه أشرَفُ، ثُمَّ بالطرَف الأوَّل.
قوله : ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إبراهيم ولم يَذكُر أباه، ومُوسى ولم يَذكُر أباه، وعِيسى وذكَر أُمَّه؛ لبَيان الآية والمُعجِزة في عيسى ﵊ أنَّه خُلِق من أُمٍّ بلا أَبٍ، وخُلِقت حوَّاءُ من أبٍ بلا أُمٍّ، وخُلِق آدَمُ من غير أُمٍّ ولا أبٍ، وخُلِق الناس من أبٍ وأُمٍّ، نعَم، كل هذا يُستَدَلُّ به على أن الطبيعة لا شأنَّ لها في التَّكوين والخَلْق، وإلَّا لكانت على وَتيرة واحِدة.
стр. 73
قال: [﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ شديدًا بالوفاء بما حُمِّلوه وهو اليمين باللَّه تعالى ثُم أخَذَ اللَّهُ تعالى المِيثاق] المِيثاق العَهْد، لكن المُفَسِّر يَقول: [وهو اليمين باللَّه، كأنه يُشير إلى قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ ولكن هذا فيه نظَر.
والصوابُ: أن العهد الذي أُخِذ على الرُّسُل هو أن يُبلِّغوا الرِّسالة ويَقوم أيضًا بالإيمان بما يَجِب الإيمان به من بابِ أَوْلى؛ لأنهم إذا أُرسِلوا إلى غيرهم فلأنفُسِهم أَوْلى، فيَشمَل أو فيَكون قوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ فَردًا من أفراد هذا العهدِ والمِيثاق.
فإن قال قائِل: بعض العُلَماء ﵏ مثل ابنِ عَقيل والقُرطُبيِّ (١) يَقولون: المُفاضَلة من جهة الرِّسالة أو النُّبوَّة. فتقولون: لا يَنبَغي للإنسان أن يَذكُر هذا، لكن إذا ذكَر المُفاضَلة فإنما تَكُون من جهة بعض المُميِّزات التي تَكون في الأنبياء من شِدَّة العزيمة والصبر وغيرهما، فما الجَوابُ عن ذلك؟
فالجوابُ: يُمكِن أن يَكون قصدُهم أنَّه يَخشَى أن المُفضَّل عليه يَقعَ في نفس الإنسان تَنقُّصًا له؛ ولهذا الرسولُ ﷺ نَهَى أن نُفضِّل بين الأنبياء قال ﵊: "لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ" (٢) فإذا كان هناك مثَلًا محَذور فيُعْرَض عنه، أمَّا إذا كان يُريد
стр. 74
أن يُبيِّن مدَى قُوَّتهم في تبليغ الدَّعْوة وصَبرهم عليها وكثرة أَتباعهم وما اصطِفاهم اللَّه به، فقد صرَّح اللَّه بذلك فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾.
وهل هذا المِيثاقُ هو الأوَّلُ أو غيره؟
اختَلَف المُفسِّرون فيه:
فقال بعضهم: إنه هو المِيثاق الأوَّل، وإنَّما أُعيد من أَجْل الوَصْف، وهو قوله تعالى: ﴿غَلِيظًا﴾، ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
وقال آخَرون: إنه غير الأوَّل؛ لأن القاعِدة أن الاسم إذا تَكرَّر فإن كان بلفظ المَعرِفة فالغالِب أن الثانيَ هو الأوَّل، وإن كان بلَفْظ النكِرة فالغالِب أن الثانيَ غير الأوَّل، هذا الغالِب وليس دائِمًا، فإنك ترَى قوله : ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ جاء مُعرَّفًا بـ (أل)، والإحسان الثاني قطعًا غير الإحسان الأوَّل، لكن الأكثَر أنَّه إذا أُعيد الاسم مُنكَّرًا صار غير الأوَّل، وإن أُعيد مُعرَّفًا صار الأوَّل، فهنا أُعيد المِيثاق مُنكَّرًا قال: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا﴾، فيَكون المِيثاق الثاني غيرَ الِميثاق الأوَّل.
ووجهُ المُغايرة: يَقول: إن المِيثاق الأوَّل هو المِيثاق الذي أُخِذ على جميع بني آدَمَ، والِميثاق الثاني هو المِيثاق الخاصُّ بالرُّسُل بما حُمِّلوه من القِيام بعِبادة اللَّه وتَبليغ شريعته والدَّعوة إليه.
وأمَّا إذا قُلْنا: إن المِيثاق الثانيَ هو الأوَّل، فتكون فائِدة إعادته هو وَصْفَه بالغِلَظ، يَعنِي: أنَّه مِيثاق شديد أشَدُّ من الميثاق الذي أُخِذ على غيرهم.
стр. 75
ولكن ذَكَر الميثاق العامِّ من باب التَّنويه به بالنسبة لهؤلاء الأنبياءِ ﵈؛ ولهذا عقَّبه بقوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِم﴾ يَقول: ثُم أَخَذ الميثاق؛ ليَسأَل الصادِقين عن صِدْقهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: عِظَم المَسؤُولية على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وجهُ ذلك أن اللَّه تعالى خصَّصَهم بأَخْذ المِيثاق.
ويُسْتَفاد منها فَرْعًا على هذه الفائِدةِ: عِظَم المَسؤُولية على أهل العِلْم؛ لأنَّهم ورَثة الأنبياء ﵈.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن مَن أَنعَم اللَّه تعالى عليه بنِعْمة، فإن للَّه تعالى عليها شُكْرًا خاصًّا غير النِّعْمة العامَّة، كقوله : ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾، فإن الإضافة هنا تَدُلُّ على التخصيص، المِيثاقَ الخاصَّ بهم، فكُلُّ مَن أَنعَم اللَّه تعالى عليه بنِعْمة، فإن للَّه تعالى عليه فيها عَهْدًا أن يَقوم بهذه النِّعْمةِ.
وبهذا التَّقريرِ نَسْلَم ممَّا ذكَره المُفَسِّر ﵀ من أن المِيثاق هنا يُرَاد به المِيثاق الذي أُخِذ عليهم من ظَهْر أبيهم آدَمَ ﵇، إذا أَنعَم اللَّه تعالى عليك بنِعْمة فإن هذا عَهْد أَعْطاك فأَعْطِه، قال اللَّه تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
وذكَرَ اللَّه هذا العَهْدَ في سورة المائِدة، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا
стр. 76
حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢] فهذا عَهْدٌ وميثاقٌ.
إذَنْ: إنَّ عهد النَّبيِّين عليهم الصلاة والسلام هي مَسؤُولية عَظيمة وهي تَبليغ الرِّسالة والعمَل والدَّعوة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فضيلة هؤلاء الأَنبياءِ الكِرام الخَمْسة: وجهُ الدَّلالة تَخصيصُهم بالذِّكْر، فإن تَخصيص أفراد العامِّ بالذّكْر يَدُلُّ على شرَف ذلك المُخصَّص.
الْفَائِدَةُ الرَّابعَةُ: أنَّ محُمَّدًا ﷺ أفضَلُ هؤلاء الخَمْسةِ، وجهُه: تَقْديمه عليهم ذِكرًا مع أنَّه مُتأخِّر عنهم زمَنًا، وكان مُقْتَضى الحال لَو كانوا مُتَساوِين في الفَضيلة أَنْ يُذْكَروا بحسَب التَّرْتيب الزمَني.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن ترتيب هَؤُلاء في الفضِيلة: مُحَمَّد، ثُمَّ إبْرَاهيمُ، ثُمَّ موسَى، ثُمَّ عيْسَى، لكن تقديمَ الذِّكْر لا شَكَّ دلِيلٌ على العِنَاية والأفضَلية وما أَشبَه ذلك، والظاهِر لي: أنَّه لا يُستَفاد من الآية؛ لأننا لا نَعلَم أن إبراهيمَ أفضَلُ من نُوحٍ إلَّا بدليل خارِجيٍّ؛ صحيح أن محُمَّدًا ﵊ نَعلَم أنَّه أَفضَلُهم، لأنه لو كان المَقصود التَّرتيبَ الذِّكْريَّ لكان هو آخِرَهم، لكن جاء في الآية بعد ذِكْر محُمَّد ﷺ نُوحٌ وإبراهيمُ ومُوسَى وعِيسَى، وهذا تَرتيبٌ زمَنيٌّ فلا يَدُلُّ على الترتيب الفَضليِّ، والأدِلَّة الخارجية واضِحة.
وقدِ اختَلَف العُلَماء ﵏: أَيُّهما أفضَلُ عِيسى أو نُوحٌ؟ بعد اتِّفاقهم على أن مُحَمَّدًا أفضَلُ، ثُمَّ إبراهيمُ، ثُم مُوسى، لكن اختَلَفوا: أيُّهما أفضلُ عِيسى أو نوحٌ؟ .
فقال بعضُهم: إن نوحًا أفضَلُ؛ لأنه أوَّلُ رَسول أَرسَله اللَّه تعالى، ولأنه كابَدَ
стр. 77
من قومه ما لم يُكابِدْه غيره؛ لأنه بَقِيَ فيهم أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمسينَ عامًا، لا يَزيدهم دُعاؤُه إيَّاهم إلَّا فِرارًا -والعِياذُ باللَّه- وسُخريةً.
وقال بعضُهم: بل إنَّ عيسى ﵇ أفضَلُ؛ لأنه ﵊ أُوذِي أيضًا حتَّى إنه هُدِّد بالقَتْل حتَّى إنه قِيل: إنه قُتِل. فإن اليَهود يَرَوْن أنهم شَفَوْا أنفسهم حين قَتَلوا مَن أَلقَى اللَّهُ تعالى شَبَهَ عِيسى عَلَيْه ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧].
وعِندي في هذا: التَّوقُّفُ؛ لأن لكلِّ واحدٍ مِنهما مَزِيةً يَكون فيها أَفضَلَ من الثاني.
كما يَدُلُّ علَى أنَّ مَسؤُوليةَ أُولي العَزْم أعظَمُ من مَسؤُولية غَيْرهم وهو كذلك، ومن أَجْل أن مَسؤُوليتَهم أَعظَمُ وأنَّهم قاموا بها سُمُّوا أُولي العَزْم.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَغليظُ المَسؤُولية على الأنبياء ﵊، لقوله : ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: عظَمةُ الربِّ ، وذلك بالتَّحدُّث عن نفسه بضمير العظَمة ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ يَتحدَّث عن نَفْسه تارةً بضمير العظَمة وتارةً بضمير الإِفْراد، وهو كثير في القُرآن، ولا حاجةَ لذِكْر أمثِلة، لأنه واضِحٌ.
* * *
стр. 78
الآية (٨)
* قالَ اللَّه : ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٨].
* * *
قوله : ﴿لِيَسْأَلَ﴾ اللَّام للتعليل من حيث المَعنَى، وهي من حيث الإعراب حَرْف جَرٍّ، والفِعْل بعدها مَنصوب بـ (أَنْ) مُضمَرةً جوازًا بعد لامِ الجَرِّ.
وقوله : ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ السائِل هو اللَّه تعالى، والضميرُ هنا ضميرُ غَيْبة، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾ ضَمير المُتكلِّم، فيَكون فيه التِفات من التَّكلُّم إلى الغَيْبة، والالتِفات أُسلوبٌ من أَساليب اللغة البلاغِية، ويَختَلِف، قد يَكون من غَيْبة إلى حُضور، ومن حُضور إلى غَيْبة، فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾، هذا التِفات من الغَيْبة إلى الحُضور ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ﴾، ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ﴾، وهنا قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ ثُم قال: ﴿لِيَسْأَلَ﴾، ولم يَقُل: لنَسأَل. فهو التِفات.
فائِدةُ الالتِفات العامَّة في كل مَوضِع هو التنبيهُ، تَنبيهُ القارِئ والمُخاطَب، وجهُ ذلك: أن الكلام إذا كان على أُسلوب واحِد، فإن الإنسان يَسير معه من غير أن يَكون هناك شيء يُوجِب انتباهَه، فإذا تَغيَّر الأُسلوب حصَل حينئذٍ تَوقُّف كيف انتَقَل من هذا إلى هذا، فيَكون في هذا تَنبيهٌ للقارِئ وللمُخاطَب.
стр. 79
ثُمَّ إِن هناك فوائِدَ خاصَّةً تَكُون بحسَب السِّياق والقَرينة، انظُرْ إلى قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ﴾ ما قال: وما يُدريه. مُوافَقةً لـ ﴿عَبَسَ﴾، ولا قال: عبَسْت مُوافَقةً لـ ﴿يُدْرِيكَ﴾، وعلَّلوا ذلك بأن اللَّه كرِهَ أن يُخَاطِب نَبيَّه بوَصْف يَقتَضي الذَّنْب وهو العُبوس والتَّولِّي، فقال تعالى: ﴿عَبَسَ﴾ كأَنَّ التَّحدُّث عن غير الرسول ﵊ ﴿وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ خاطَبه بذلك؛ ليَتبَيَّن أن الرسول ﵊ ليس عنده عِلْم من الغَيْب، وهذا ليس فيه قَدْح في الرسول ﵊ ألَّا يَكون عالمًا للغَيْب؛ لأن هذا هو شَأْن جميع البشَر.
والحاصِلُ: أن الالتِفاتَ الفائِدةُ العامَّة منه هو التَّنبيهُ، ثُم يَكون في كل مَوضِع فائِدة خاصَّة في ذلك المَوضِع، وهنا فائِدتُه -واللَّه تعالى أَعلَمُ- أنَّه لمَّا قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ وكان مِيثاق الأنبياءِ دائِرًا بين أَمْرٍ يَقومون به وأَمْرٍ يُواجَهون به من البشَر، وكلا الأَمْرين يَكون صِدْقًا ويَكون غيرَ صدْق، لكنَّ غير الصِّدْق في جانب الأنبياء مُستحيل، لكن غير الصِّدْق في جانب المَدعُوِّين مُمكِن.
قال : ﴿لِيَسْأَلَ﴾ كراهيةَ أن يُخاطِب أو أن يَنسُب السُّؤال لنَفْسه مع أنَّه يَدخُل في ضِمْنه الأنبياءُ؛ لأن الخِطاب، أو لأن التَّحدُّث بضمير الحضور: (لنَسأل) أَقوَى في النفس من أن يَكون التَّحدُّث بضَمير الغَيْبة.
يَقول : ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [اللَّه] تَفسير للضَّمير المُستَتِر ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ هو قال المُفَسِّر ﵀: [في تَبليغ الرِّسالة] وهذا بِناءً على ما يَراه في تَفسير الآية أن السُّؤال للأنبياء فقَطْ، والصوابُ أن السُّؤال لهم ولمَن دُعوا، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾
стр. 80
وكل مِنهما يُسأَل، فالصواب أنَّه ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ في تَبليغ الرِّسالة بالنِّسبة للأنبياء، وفي قَبول ذلك بالنِّسبة للمَدعوِّين.
قال: [تَبكيتًا للكافِرين بهم] (تَبكيتًا) هذا تَعليل لسُؤال الأنبياء ﵈، يَعنِي: يَقول المُفَسِّر ﵀: إنَّ اللَّه يَسأَل الأنبياء ﵈، لا لأنه يُمكِن ألَّا يَقوموا بالواجِب، ولكن تَبكيتًا للكافِرين بهم، يَعنِي: تَقريعًا ولَوْمًا للكافِرين بهم، فإنه إذا سَأَل الرُّسُلَ: هل بلَّغْتُمُ الرِّسالة؟ -أمام المَدعُوِّين- سيَقولون: نعَمْ، فيَكون في هذا تَبكيتٌ لِهَولاء الكافِرين.
وسُؤال الغَيْر لتَبكيت غيره جاء به القُرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ المَوْءودة هي الطِّفلة، أو بعِبارة أعَمَّ هي الأُنثَى التي تُوأَدُ، وكان من طريق بعض الكُفَّار أنهم يَئِدون البناتِ يَدفِنونَهن وهُنَّ حيَّاتٍ، خوفًا من أن يُعيَّر، يُقال: هذا الرجُلُ ما عنده إلَّا بِنْت، أو هذا الرجُلُ وُلدَ له بِنْت؛ ولهذا إذا بُشِّر ﴿بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ يَستَتِر، يَخاف أن يُعيَّر ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ أَعوذ باللَّهِ تعالى، ثُم يَقول في نَفْسه: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ ما يَعدو هذا، ما يُمكِن أن يُمسِكه على عِزٍّ وكَرامة أَبَدًا.
إِذَنْ: على رأي المُفَسِّر ﵀ يَكون المُرادُ بسُؤال النَّبيِّين عن تَبليغ الرِّسالة تَبكيت هؤلاء الكافِرين بهم وتَقريعهم.
قال ﵀: [﴿وَأَعَدَّ﴾ تعالى ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ للكافِرين بهم ﴿عَذَابًا أَلِيْمًا﴾ مُؤلِمًا].
قوله : ﴿لِيَسْأَلَ﴾، ﴿وَأَعَدَّ﴾ قد يَقول قائِل: بين المَعطوف والمعطوف عليه تَنافُر؛ لأنه لو كان بينهما ائتِلاف، لكانت العِبارة: ليَسأَل الصادِقين عن صِدْقهم
стр. 81
ويُعِدَّ للكافِرين، لكنه قال: ﴿وَأَعَدَّ﴾ نعَم ﴿وَأَعَدَّ﴾ هو فكيف نَقول فيها؟ يَقول المُفَسِّر ﵀: [هو عَطْف على ﴿أَخَذْنَا﴾] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا﴾، والظاهِر من قَصْده ﴿أَخَذْنَا﴾ الأَخيرة يَعنِي: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ﴾، وعلى رأي المُفَسِّر ﵀ يَكون فيها أيضًا التِفات من الحُضور إلى الغَيْبة، ويُمكِن أن نَقول: إنه معطوف على قوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ﴾، نعَم لكنه جاء بلَفْظ الماضي تَحقيقًا لوُقوعه، وأنه أَمْر ثابِت.
قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قال ﵀: [مُؤلِم] يَعنِي: مُوجِع، فعيل بمَعنَى: مُفعِل تَأتي في اللغة العربية، وإن كان الأكثَر أن فَعيلًا بمعنى: فاعِل، ففعيل بمَعنَى: فاعل كثيرة جِدًّا، مثل سميع بصير وعزيز أَمثِلتها كثيرة، لكن فعيل بمَعنَى: مُفعِل قليل، ومنه هذه الآية، أَليم بمَعنَى: مُؤلِم، وقول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ (١)
هو الداعِي السَّميع، يَعنِي: المُسمِع.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ البَعْث؛ لأن هذا السُّؤالَ ما كان في الدُّنيا، وليس هناك إلَّا دنيا وأُخْرى، فيَكون من لازِم ذَلك ثُبوت الآخِرة.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن السُّؤال ليس سُؤالًا خاصًّا بالمُعانِدين والكافِرين، حتَّى
стр. 82
الصادِق يُسأَل عن صِدْقه، لقوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾، فَيَتفَرَّع عن هذه الفائِدةِ: وجوبُ الحَذَر، ووجوبُ الاستِعْداد لهذا السُّؤالِ؛ فإذا كان الصادِقُ يُسأَل فما بالُك بالكاذِبِ؟ ! الكاذِبُ جَزاؤُه ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ لأن الكافِرين لا يُسأَلون سُؤالًا يحاسَبون عليه، كمُحاسَبة أهل الخير.
والسُّؤال هنا ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾، هل هو خاصٌّ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو عَامٌّ؟
قلنا: إنه عامٌّ؛ لأن النَّبيِّين الذين ذُكِروا رُسُل، وكلُّ رَسول لا بُدَّ من مُرسَل إليه، والرسولُ لا شَكَّ أنَّه صَادِق، فبَقِيَ التقسيمُ إلى صادِق أو غير صادِق محلُّه المُرْسَل إليه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثْبَات الجزاءِ ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن النَّار مَوْجودة الآن، لقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ﴾ بلَفْظ الماضي، والإعداد بمَعنَى: التَّهيِئة، والنُّصوص في وجود النار ووجود الجنَّة الآنَ من القُرآن والسُّنَّة كثيرة، فهما الآنَ مَوْجودتان، وهما لا تَفنَيان على مُعتَقَد أهل السُّنَّة، وإن كان ذُكِر خِلاف عن السلَف في أبديَّة النار: هل هي مُؤَبَّدة أم لا؟ والصحيحُ أنَّها مُؤبَّدة لا شكَّ.
والدليلُ على ذلك قوله تعالى يُخاطِب الذين آمَنوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣١]، فحَذَّر المُؤمِنين من النار التي أُعدَّتْ للكافِرين، والصواب بلا شَكٍّ أن النار مُؤَبَّدة، وفي ذلك ثلاثُ آيات من كِتاب اللَّه تعالى: آية في النِّساء، وآية في الأحزاب، وآية في الجِنِّ.
стр. 83
فأمَّا آية النِّساء فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩].
وأمَّا في الأحزاب ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥].
وأمَّا في سورة الجِنِّ ففي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].
وإذا كان هَؤلاء خَالِدين أبَدًا فإنَّه يَلزَم من تَأبيد الخالِد تَأبيدُ المكان الذي هو فيه، حتَّى في الجَنَّة أيضًا، فمَعناه: أن هذا كائِن بمَشيئة اللَّه تعالى.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: في الآية دليلٌ على أن أهل النار يَذوقون العذاب ويَتأَلَّمُون منه؛ لقوله تعالى: ﴿أَلِيْمًا﴾، فَيَكون في هذه الفائِدةِ ردٌّ على قول مَن يَقول: إن أهل النار يَكونون جَهنَّمِيِّين، فلا يُحِسُّون بعذابٍ -والعِياذُ باللَّهِ-، ومَعنَى ذلك أنهم إذا كانوا لا يُحِسُّون بعذاب انتَفَى العَذاب.
وقد ذكَر اللَّه أن جُلُودهم تَنضَج ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] وأَخبَر أنَّها تُحرِق ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠] فبَيَّن اللَّه أن الجُلود تَنضَج ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، ولولا أنهم يَتَألَّمون بذلك لكانوا عندما بُدِّلوا بجُلود أُخرى ما ذاقوا العَذاب.
فإن قيل: كيف يَصبِرون المُدَدَ العظيمة، وهم في حَريق وجُلود تُبدَّل -والعِياذُ باللَّه-؟
قُلْنا: إن اللَّه تعالى على كل شيء قَديرٌ، وأحوال الآخِرة لا تُقاس بأحوال الدُّنيا،
стр. 84
هذه الدنيا يَحتَرِق الجِسْم لكن الروحُ تَخرُج منه وتَدَعُه ولا تَحتَرِق، لكن في الآخِرة يَبقَى الجِسْم وإن كان يَحتَرِق، وإن كان يَنضَج، واللَّه لا نِهايةَ لقُدْرته، ولا يُمكِن الإحاطةُ بها.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: التحذير من الكُفْر؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابعَةُ: التحذير من خِصال الكُفْر: يَعنِي ورَدَت في النُّصوص أعمالٌ وأقوالٌ وَصَفها الشَّارع بأنَّها كُفْر فيَجِب الحَذَر منها.
ومن المُؤسِف أن كثيرًا من طلَبة العِلْم يَبحَثون مَسأَلة أن هذا كُفْرٌ وأن هذا غيرُ كُفْرٍ، يَبحَثونها على أنها مسألة نَظَرية، فتَجِدهم يَفرِضون الخِلاف مع المُعتَزِلة والخَوارِج، لكن لا يَشعُرون -ولا يُشْعِرون غيرَهم- أن مَسأَلة كون هذا من الكُفْر مَعناه أنَّه يُعذَّب على هذه الخِصْلةِ عَذابَ الكافِرين، وإن كان لا يُخلَّد، لكن يُعذَّب بحسَب ذَنْبه عذابَ الكافِرين؛ لأنه عمِل كُفْرًا فيَستَحِقُّ فاعِله جزاءَ الكُفْر في هذه المَسأَلةِ، وهذه مَسألةٌ عَظيمة جِدًّا، يَنبَغي لنا أن تَكُون على بالنا.
وفيه أيضًا بِناءً على هذه القاعِدةِ على أن الَّذين يُعَذَّبون في النار بقَدْر مَعاصيهم يَجِدون حَرَّها وأَلمَها وعَذابها خِلافًا لمَن قال: إنهم لا يَجِدون ألمًا، فالصوابُ أنَّهم يَجِدون ألمًا، الذين لا يَجِدون ألمًا هم الذين يَرِدُونها بِناءً على أن الوُرود في قوله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] الدخولُ دون المُرور على الصِّراط، والمَسأَلة فيها قولانِ للمُفسِّرين من السلَفِ والخلَف، واللَّه أَعلَمُ.
* * *
стр. 85
الآية (٩)
* قالَ اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩].
* * *
هنا صدَّر اللَّه هذا الأَمْرَ بالنِّداء المُتَصِف المُنادَى بهِ بالإيمان، فأَوَّلًا تَصديرُ الخِطاب بالنِّداء يَدُلُّ على الاهتِمام بِه؛ لأن النِّداء يُوجِب الانتباهَ؛ فلذلك إذا وجَدْت مثلَ هذا التَّعبر فاعلَمْ أن الأمر هامٌّ.
ثُمَّ إن توجيه الخِطاب والنِّداء إلى مَنِ اتَّصَفوا بالإيمان يَدُلُّ على أن هذا من مُقتَضيات الإيمان؛ لأنه لا يُوَجَّه الخِطاب لمَوْصوفٍ بصِفةٍ إلَّا أن ذلك من مُقتَضَيات صِفَته، فإذا قلت: يا رجُلُ افعل كذا وكذا. فمَعنَى هذا أنَّ المأمورَ به من صِفات الرِّجال.
ثُمَّ إن في وَصْفهم بالإيمان إغراءً لقَبول ما وُجِّه إليهم، يَعنِي: إذا قلت: يا مُؤمِنُ. مَعناه: أني أُغريك أن تَقبَل، إذ إن الإيمان يَقتَضي أن تَقبَل، ففيه إغراءٌ على قَبول ما أَمَر اللَّه تعالى به؛ قال ابن مسعود ﵁: "إِذا سمِعْتَ اللَّه تعالى يَقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأَرْعِها سَمْعَك -يَعنِي: استَمِع لها- فإمَّا خيرٌ تُؤمَر به، وإمَّا شرٌّ تُنْهَى عنه" (١).
стр. 86
وقدِ اجتَمَع الأمران في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨ - ١٩]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخِطاب هنا عامٌّ، الخِطاب يَعنِي: المُخاطَب عامٌّ، يُوَجَّه لأُناس مَوْصُوفين بالإيمان، هل يَختَصُّ بالمُؤمِنين في زمَن النُّزول، أو هو عائِد إلى كل المُؤمِنين؟
هو شامِل لكل المُؤمِنين، إذ إن اللَّه تعالى إذا أَنعَم على سلَف الأُمَّة بنِعْمة، فهو نِعْمة على الأُمَّة كلها؛ ولهذا يَذكُر اللَّه بني إسرائيلَ بنِعَم أَنعَم بها على بني إسرائيلَ في عَهْد مُوسى ﵇، لأن الطائِفةَ واحِدةٌ ولا شكَّ أن نِعْمة اللَّه على نَبيِّنا محُمَّد ﷺ وعلى أصحابه أنَّه نِعْمة علينا، وأن نَصْر اللَّه تعالى له ودِفاعه عنه نَصْرٌ لنا ودِفاعٌ عنَّا.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ نِعْمة اللَّه تعالى عامٌّ؛ لأنه مُفرَد مُضاف فيَعُمُّ، والشاهِد على أن المُفرَد المُضاف يَعُمُّ قوله : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] فليس المُرادُ نِعْمةً واحِدة، بل نِعَمٌ كثيرةٌ لا تُحصَى.
وقوله تعالى: ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: إِحْسانه وفَضْله، ثم قال : ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ﴾ هذا التَّقييدُ لا يَعنِي تَخصيص النِّعْمة العامَّة في قوله : ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ لكنه كالتَّمجيد لشيء من هذه النِّعَمِ ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾: (إِذْ) أي: حين ﴿جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾، وهذه النِّعْمةُ خاصَّة بالذِّكْر، لأنها نِعْمة عظيمةٌ كما سيَتبَيَّن من تصوير اللَّه لها قال: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ كلِمة (جُنود) هي بمِرة، لكنها يُراد بها التَّعظيمُ والتَّكثيرُ، يَعنِي: إذ جاءَتْكم جُنود كثيرة، وهؤلاءِ الجُنودُ همُ الأحزابُ
стр. 87
من المُشرِكين واليَهود الذين تَحزَّبوا لقِتال النبيِّ ﷺ وكانت هذه في السَّنَة الخامِسة من الهِجْرة في شَوَّال (١).
هذا الصحيحُ المشهورُ؛ لأنه من المعلوم أن أُحُد كانت في السَّنَة الثالثة من الهِجْرة في شَوَّال (٢)، وكانت السَّنَة التي تَليها مِيعادًا لقُرَيْش، لكنهم ما حضَروا، ثُم في السَّنَة الثالِثة -وهي الخامِسة- صارت غَزوة الأَحْزاب.
وسبَبُها أن الأشرافَ من بني النَّضير الذين أَجْلاهم النبيُّ ﵊ من المَدينة لا شكَّ أن قُلوبَهم امتَلَأَت حِقْدًا على النبيِّ ﷺ وعَداوةً، فلمَّا رأَوُا انتِصارَ قُرَيْش في أُحُد أَرادوا أن يَستَغِلُّوا هذا الأمرَ، فذهَبوا إلى قُرَيْش وحرَّضُوهم على قِتال النبيِّ ﷺ ووعَدوهم أن يَنصُروهم بكلِّ ما يَستَطيعون، وأن يَتَّصِلوا ببني قُرَيْظةَ الذين بَقُوا في المدينة يَتَّصِلوا ببني قُرَيْظةَ من أجل أن يُساعِدوهم على قِتال النبيِّ ﵊، فاجتَمَعَت أَحزابٌ عظيمة قُدِّرت بعشَرة آلاف مُقاتِل، معَهم العُدَّة والسِّلاح والعَتاد وحضَروا إلى المدينة.
ولمَّا عَلِم بهمُ النَّبيُّ ﵊ اهتَمَّ بذلك اهتِمامًا عظيمًا، ولكن اهتِمام الرسول ﵊ لا يَعنِي الجُبْن والخَوَر والضَّعْف، ولكنه يَعنِي الاستِعْداد وأَخْذ الحذَر؛ أَخْذًا بتوجيهات اللَّه ، لأن اللَّه تعالى دائِمًا يُحذِّر من الأعداء، ويَأمُر بأن نُعِدَّ لهم ما استَطَعْنا من قوَّةٍ، فخرَج بأصحابه بثلاثة آلافِ مُقاتِلٍ فقط، وقيل: بأقَلَّ من ذلك حتَّى قال بعضُهم: إلى سَبْع مئةِ مُقاتِلٍ، ونزَلوا عند سَلْعٍ، وجعَلوه خَلْف ظُهورهم، وحفَروا الخَنْدق بمَشورة سَلْمانَ الفارِسيِّ ﵁ من
стр. 88
الحرَّة الشرقية إلى الحَرَّة الغربية، حفَروه مع ما بهم من الجَهْد والتَّعَب والمَشقَّة والجُوع والبَرْد، وكان الرسول ﵊ يَحفُر معهم، حتَّى إن التُّرابَ وارَى جِلْدةَ بَطْنه ﵊، وكان يُردِّد معهم:
"اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَه ... فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَه" (١)
ويُردِّد أيضًا قوله ﷺ :
"اللَّهُمَّ لَوْلَا أنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الْأَقدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ العِدَا قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا" (٢)
لأن هذا الإِنْشادَ في هذا المَوْطِن يُثير الِهمَم ويُنشِّط، وكان يَمُدُّ صَوْته بقوله ﷺ : "أَبْيَنَا".
المُهِمُّ: أنَّه حصَل فيه أشياءُ كَثيرةٌ ليس هذا مَوضِعَ ذِكْرها، لكنها تَدُلُّ على مِحَنٍ عظيمةٍ أَصابَت المُسلِمين، وهم مع ذلك صابِرون، ولمَّا نزَل الأحزابُ نزَلوا من الشَّمال من الشَّرْق والغَرْب ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾.
ثُمَّ إن اللَّه بحِكْمته امتَحَن المُسلِمين بزِيَادة البَلاء، وهو أن بني النَّضِير اتَّصلُوا ببني قُرَيظةَ، وطلَبوا منهم أن يَنْقُضوا العَهْد الذي بينهم وبين النبيِّ ﷺ ،
стр. 89
فتَلَكَّأت بنو قُرَيْظةَ فقالوا: كيف نَنقُض العَهْد بيننا وبين محُمَّد ﷺ ، وهؤلاءِ الجُنودُ التي أَتَيْتم بهم ليس هذا محَلَّ إِقامتهم ولا سُكْناهم، إن رأَوْا نَصْرًا شارَكونا بالغَنائم، وإن رأَوْا هَزيمةً ذهَبوا إلى بلادهم وبَقِينا نحن تحت سُلْطة محُمَّد ﷺ .
وهذا كلام مَعْقول، لكنه مَعقول من الناحية الدُّنيوية فقَطْ، وأَبَوْا أن يُشارِكوهم، لكنهم ما زالوا بهم حتَّى أَغْرَوهم ونقَضوا العَهْد، فازداد ذلك في مَشقَّة المُسلِمين.
ولكن اللَّهَ قال في كِتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، وإذا دَافَع اللَّه عن شَخْص فلا تَسأَل عن حاله، فإنه في حِصْن حَصين في مُدافَعة اللَّه .
ولهذا يَقول يَذكُر اللَّهُ المُؤمِنين في هذه النِّعْمةِ: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾، والتَّنْكير هنا للتَّعظيم والكَثْرة، يَعنِي: جُنود كثيرة، لكن بماذا قُوبلوا؟ ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ سلَّط اللَّه هذه الرِّيحَ، الريح الشرقيَّة شَديدة، يَعنِي: جعَلها اللَّه ريحًا شَديدةً عظيمةً وبارِدةً حتَّى هَدَمت خِيامهم، وأَكفَأَتْ قُدورهم، وصارت الحِجارة تَرميهم كأنَّما يُرجمون بها رَجْمًا، يَعنِي: بدَأَتِ الريح تَحمِل الحِجارة وتَضرِب بها قُدورهم، تَضرِب بها خَيْلهم وإبِلَهم وأَبدانهم أيضًا، وقَلِقُوا قَلقًا عظيمًا، والجُنود الآخَرون -الملائِكة- تُزَلْزِلُ بهم وتُلقِي في قُلوبهم الرُّعْب؛ ولم تُقاتِل لأنه ما حصَل قِتال، لكنها زَلْزَلت بهم بإِذْن اللَّه .
وقِصَّة حُذَيْفةَ بنِ اليَمان ﵄ في تلك الليلةِ العَصِيبة، لمَّا هبَّتِ الرِّياح طلَب النَّبيُّ ﷺ من أصحابه أن يَنتَدِب أحدًا منهم، وضَمِن أن يَرجِع سالِمًا، وأن يَكون رفيقَ النَّبيِّ ﷺ في الجنَّة، يَعنِي: ضَمِن أمرَيْن؛ السلامة، وأن يَكون رفيقَ الرسول ﵊ في الجَنَّة، لكِن الصَّحابة معَهم تعَبٌ عظيم وجُوع شديد
стр. 90
وبَرْد شديد ما قام أَحَد، ثُم ذهَب ﵊ يُصلِّي حتَّى مضَى هَوِيٌّ من الليل، ثُم رَجَع وقال هذا الكلامَ مرَّةً أُخرى، فلم يَقُم أَحَد، ثُم رجَع يُصلِّى، ثُم رجَع فقال هذا الكلامَ، فلَمْ يَقُم أَحَد.
فنَصَّ على حُذَيْفةَ ﵁ قال ﷺ : "قُمْ يَا حُذَيْفَةُ" يَقول: فلمَّا ذَكَرني لم يَكُن لي بُدٌّ من طاعة اللَّهِ ورَسولِه. قام ﵁، وأَوْصاه الرسول ﵊ أن يَذهَب إلى القوم ويَنظُر خبَرَهم، وألَّا يُحدِث شيئًا أبدًا يَقول: لمَّا انصَرَفْت من عند الرسول ﷺ صِرْت كأنما أنا في حَمَّام، لا أُحِسُّ بِرِيح ولا بِبَرد حتَّى وصَلْتُ إلى القَوْم، وجعَلْت أُشاهِد أبا سُفْيانَ؛ لأنه رئيس قُرَيْش أُشاهِده وهو يَصطَلي على النار من شِدَّة البَرْد، ويَأذَن بالرَّحيل، يَأمُرهم بأن يَرحَلوا: ليس لنا مُقام هنا. ووَضَع سهمًا في قَوْسه يُريد أن يَرمِيَه؛ لأنه قريب منه، لكنه ﵁ تَذكَّر قولَ النبيِّ ﵊: "لَا تُحْدِثْ شَيْئًا"، فامتَنَع، يَقول: فقال أَبو سُفْيانَ: يَنظُر كلُّ واحِد منكم جَليسَه؛ خاف من الجَواسيس والعُيون، فأَمسَكْت برَجُل من جانبي وقُلْتُ: مَن أنت؟ ابتَدَأ به قَبْل أن يَسأَل هُو قال: أنا فُلان بنُ فُلان.
فأَخَذ الخَبَر ثُم رجَع إلى النبيِّ ﷺ كأنما هو في حَمَّام لا هواءَ ولا بَرْدَ، لكن لمَّا وصَل للرسول ﵊ واستَقَرَّ أَحَسَّ بالبَرْد، فلمَّا أَحَسَّ بالبَرْد وضَع النَّبيُّ ﵊ عليه لِباسًا كان معه؛ ليَدفَأ به، ونامَ، والنبيُّ ﷺ يُصلِّي ويَتهَجَّد، يَقول: فلمَّا أَصبَح الصُّبْح أَيْقَظني وقال: "يَا نَوْمَانُ قُمْ قُمْ يَا نَوْمَانُ" (١).
فالحاصِلُ: أن هذه الرِّيحَ كانت شديدةً جِدًّا أزَقتهم حتَّى انصَرَفوا مع ما أَلقَت
стр. 91
المَلائِكة في قُلوبهم من رُعْب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ لأن اللَّه تعالى حجَبَ المَلائِكة عن أَعيُن الناس؛ لأن المَلائِكة تَحضُر مجَالِس الذِّكْر، والملائِكة يَتَعاقَبون في بني آدَمَ بالليل والنهار، والمَلائِكة ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، ومع ذلك لا نَراهم؛ لأن اللَّه تعالى حجَبَهم، يَأتينا -إن شاء اللَّهُ تعالى- في الفَوائد أن في هذا دَلالةً بيِّنةً على ضَعْف بني آدَمَ، فأَجرام مَحسوسة مَوْجودة بين أيديهم، بل عن أيمانهم وعن شَمائِلهم، ومع ذلك لا يَرَوْنها.
قال ﵀: [﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ مِن المَلائِكة ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء من حَفْر الخَنْدق، وبالياء من تَحذير المُشرِكين] يَعنِي: فيها قِراءَتان "بِمَا يَعْمَلُونَ" و ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ هذه الرِّيحُ هي الريح الشَّرْقية، ولهذا جاء في الحديث: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ" (١)، الدَّبور: الرِّيح الغَرْبية، يَقول: [بما تَعمَلون بالتاء من حَفْر الخَنْدق] ولكن هذا التَّخصِيصَ لا يَنبَغي، لأَنَّنَا إذا خصَّصنا العُمُوم في الآية قصَرْنا معنَى اللَّفْظ أو قصَرْنا اللَّفْظ على بعض مَعناه، والصوابُ: أنَّها بما تَعمَلون من حَفْر الجنْدق وغيره من كل ما عمِلْتم في هذه الغزوةِ.
قوله تعالى: ﴿بَصِيرًا﴾ أَيْ: عليمًا، أو بما يَعمَلون، يَعنِي: الجُنُود ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ واللَّهُ تعالى بما يَعمَلون بَصير، من التَّحزُّب على النبيِّ ﷺ ، والقُدوم إلى بلَد الرسول ﵊، لأَجْل القَضاء عليه على زَعْمهم.
стр. 92
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ مِنَّة اللَّه على هذه الأُمَّة أَوَّلها وآخِرها بهذا الدِّفاع من اللَّه عن المُؤمِنين، ووجهُه: أن اللَّه تعالى أَمَرنا بأن نَذكُر هذه النِّعْمةَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن نِعمة اللَّه إمَّا إِيجاب المَحبوب، أو دَفْع مَكروه، والذي في الآية من باب دَفْع المكروه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان شِدَّة عَداوة الكُفَّار للمُؤمِنين؛ لأنَّهُم تَحزَّبُوا ضِدَّهم، فقد تَكُون هذه القبائِلُ ليس بينهَا رابِطةٌ في حَدِّ ذاتها، ولكن من أجل أنَّها اتَّفَقت في عَداوة الإسلام اجتَمَعت.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن اليَهود لا عَهْدَ لهم، وأنهم أهلُ غَدرٍ وخِيانةٍ، ووجهُه: نقضُ بني قُرَيْظةَ للعهد الذي بينهم وبين الرسول ﷺ ، وكل القبائل الثلاث من اليَهود كلها عاهَدَتِ الرسول ﵊ حين قدِم المدينة، ومع ذلك فإنهم نَقَضوا العهد: بنو قَيْنقاع وبنو النَّضير وبنو قُرَيْظةَ، كلُّهم نقَضوا العَهْد، لأن اليَهود من أشَدِّ الناس غَدْرًا وكذِبًا.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيانُ قُدْرة اللَّه من قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ما أَشار إليه بعض أَهْل العِلْم من أن الريح إذا جاءَت مُفرَدةً، فإنها تَكُون في العذاب، وإذا جاءَت مَجموعةً فإنها تَكونُ في الرحمة، إلَّا أنَّها قد تَأتِي مُفرَدةً في الرحمة، إذا وُصِفت بما يَدُلُّ على ذلك، مثل قوله : ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: ٢٢].
стр. 93
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن المَلائِكة جُنُود للَّه ؛ لقوله: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾.
فإن قُلْت: هنا ما أُضيفت إلى اللَّه فكيف تَقول: إنهم جُنود اللَّه تعالى؟ لأنه يَقول: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾، فأَضاف إرسالَهم إليه، وقد قال تعالى في آيات أُخرى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، فهلِ الرَّبّ مُحْتاج إلى جُنودٍ؟
فالجَوابُ: لا، ولا يُمكِن أن يَكون محتاجًا، لكن سُمّوا جُنودًا مع أنَّه لا حاجةَ به إليهم؛ لأنهم يَقومون بأَمْره، ويُدافِعون عن أوليائه، فهُمْ بمَنْزِلة الجنود، وإلَّا فاللَّه لا يَحتاج إليهم ولا إلى غيرهم فإنه غَنَيٌّ عن كلٍّ أحَد.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الأَصْل أن الناس لا يَرَوْن الملائِكة؛ لقوله : ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾، وهو كذلك، لكن قد يَرَوْنهم مِثْلما رأَى الناس جِبْريلَ ﵇ حين جاء إلى النبيِّ ﷺ يَسأَلُه عن الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ والساعةِ وأَمَاراتها.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: عُمُوم عِلْم اللَّه في كلِّ ما نَعمَل؛ لقوله : ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾، ويَشمَل ذلك عمَل القَلْب بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] وهو عمَل قَلْبٍ، أمَّا عمَل الجَوارح فظاهِرٌ.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الترغيب والترهيب؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]، فإن هذا فيه بالنِّسبة للعمَل الصالِح ترغيب، وأن هذا العمَلَ لم يُهدَر؛ لأنه معلومٌ عند اللَّه ، ولا بُدَّ أن يُجازِيَ عليه، وترهيبٌ لكل مَن عمِل سَيِّئةً، وتهديدٌ لهم، فعِندما تُحدِّثك نَفْسُك يومًا من الأيام بأن تَعمَل سَيِّئةً؛ لأنه لا يَطَّلِع عليها أحَدٌ من الخَلْق، فاذْكُر أن اللَّه تعالى يَطَّلِع عليك، قال :
стр. 94
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبيِّ ﵊: "أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ" (١)، ليس معَك في مَكانك، ولكنه معَك وهو على عَرْشه ، محُيط بك.
* * *
стр. 95
الآية (١٠)
* قالَ اللَّه : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠].
* * *
قال اللَّه : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [مِن أَعْلى الوادِي وأَسفَلِه من المَشرِق والمَغرِب]، جاؤُوا من المَشْرق ومن المَغرِب، فجاءت قُرَيْش من الناحية الشَّمالية الشرقية، وجاءت غَطَفانُ ويَهودُ بني قُرَيْظةَ من الناحية الجنوبية الغربية، فجاؤُوا من فوق المُسلِمين ومن أسفَلَ منهم.
وكما قُلْت قبلَ قليل: إن الخَنْدق من الحرَّة الشرقية إلى الحَرَّة الغربية، كل الشَّمال الآنَ محَفوظ بالخَنْدق، هم جاؤُوا من فَوْقهم ومن أَسفَلَ منهم؛ ليَكونوا كفَكَّي الأسَد حتَّى يُطبِقوا على المدينة، هذا تَخطيطهم، ولكن اللَّه تعالى بما يَعمَلون محُيط.
يَقول : ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ زاغَتِ الأبصار، زَاغ الشيء بمَعنَى: مال، ومنه: زاغَتِ الشمس إذا مالَت بالزوال، ومنه قوله : ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧]، أي: ما مال، والأبصار (أل) هنا للعَهْد الذِّهنِيِّ، يَعنِي: زاغَتِ الأبصار منكم، يَقول المُفَسِّر ﵀ في تَفسيرها: [مالت عن كُلِّ شَيءٍ إلى عدوها من كل جانِب] يَعنِي: أن الأبصار ما صار لها نظَر إلَّا هذا العدو، وكل شَيءٍ
стр. 96
غفَلَت عنه، النظَر إليه إلَّا هذا العدو، وقد فسَّرها بعض المُفسِّرين: زاغَتْ بمَعنَى: مالت عن استِقْرارها، أي: شَخَصت من قوَّة الرُّعْب.
صار الإنسان لا يَنظُر إلَّا إلى هذا الذي أمامه يُراقِبه ويَخشَى منه، وهذا شيء مُشاهَد في طبيعة البشَر أن الإنسان إذا خاف من شيء يَتَّجِه بصَرُه إلى أيِّ شَيْء إلى هذا الشيءِ إلى ناحيته، وتَجِد البصَر -كما يَقول العامَّة: - لا يُغضِي أَبَدًا، مُنفَتِح يَخشَى من مُباغَتَته، فالأَبْصار زاغَتْ ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ القُلوب، يَعنِي: منكم قُلوبكم بلَغَتِ الحناجِر جَمْع حَنْجرة، وهى مُنتَهى الحُلقوم.
وقوله ﵀: [مِن شِدَّة الخَوْف] تعليل لقَوْله : ﴿زَاغَتِ﴾ وبلَغَت ﴿الْحَنَاجِرَ﴾ [جَمْع حَنْجرة، وهي مُنتَهى الحُلقوم] وهل حقيقةً بلَغَتِ القُلوب الحناجِر؟ قال بعضُهم: إنها حقيقة، وأنَّ الخائِف إذا اشتَدَّ خوفُه انتَفَخَت رِئَته فإذا انتَفَخَت ضَيَّقت على القَلْب وخرَج ارتَفَع؛ ولهذا يُقال في الجَبان أو في الخائِف: انتَفَخ سَحره. يَعنِي: رِئَته، والأصل حَمْل الشيء على حقيقته، ويَجوز أن يَكون هذا تصويرًا عن شِدَّة الرُّعْب، يَعنِي: حتَّى إنها من شِدَّة الرُّعْب زالتِ القُلوب عن أماكنها، فلا تَتَنفَّس طبيعيًّا، ولا تَنبُض طبيعيًّا؛ لأنها زالَت عن أماكنها.
ثُم قال: [﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ المُختَلِفةَ بالنَّصْر واليَأْس] هذا الاختِلافُ ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ أي: أنتم باللَّه ﴿الظُّنُوَناْ﴾ الأَلِف للإِطْلاق، والظُّنون هذه جمع ظَنٍّ، والمَصدر لا يُجْمَع إلَّا إذا كان أنواعًا، أمَّا إذا كان نَوعًا واحِدًا لا يُمْكِن جَمعه وإن كثُرَ، أمَّا إذا كان أنواعًا صحَّ جَمْعه، فهنا جُمِعت (ظن) وهو مَصدر؛ لتَنوُّعه، يَعنِي: الظُّنون تَدور في أذهانهم أو في أفكارهم مخُتَلِفةً طولًا وعَرْضًا، يَعنِي: هل سيَزول هؤلاء الأحزابُ؟ هل سَيَقْضون علينا؟ هل سنَنْتَصِر؟
стр. 97
ومعروف في مَكان الخوف ماذا يَحدُث للإنسان من الظُّنون والتَّفكيرات القريبة والبَعيدة.
فمِنهم مَن أَيِسَ وقال: ما بَعْد هذا شيءٌ. ومنهم مَن ظَنَّ النَّصْر، مع أن المَقام حالِك جدًّا؛ لأنه يُؤمِن بأنَّ النَّصْر مع الصَّبْر، وأن الفرَج مع الكَرْب، وأن مع العُسْر يُسْرًا، ويقول: نَحن على حَقٍّ، فإِنْ كنَّا على حقٍّ وصَبَرْنا فإنَّ النَّصْر مَضمونٌ؛ فلذلك يَظُنُّ النَّصْر.
ومنهم أصحاب المادَّة أو الظواهِر الحِسِّيَّة، فيَظنون الهلاك ويَيَأْسون من النَّصْر؛ لأنه ليس لديهم رَصيدٌ من الإيمان يَعتَمِدون عليه، ولا شكَّ أن في الذين خرَجوا لهذا أن فيهم مُنَافِقينَ كما يُذكَر في القِصَّة.
المُهِمُّ: أنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، وأَطلَق ذلك وأتَى به بالجَمْع؛ لأَجْل أن يَذهَب الإنسان في تَصوُّر هذا الظَّنِّ كلَّ مَذهَب، ظُنُون كثيرةٌ مُختَلِفة مُتضارِبة؛ ولهذا جاءَتِ الظُّنون بالجَمْع.
قوله تعالى: ﴿الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ﴾ وإن وقَفْتَ قُلتَ: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، والثالثة: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ﴾ يَعنِي: وَصْلًا ووَقفًا، ومثل ذلك قوله في سورة الأحزاب: ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦]، ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، فيها هذه القِراءاتُ الثلاثة.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنه يَنبَغِي لمَن ذُكِّر أن يُذكَر له وجهُ ما ذُكِّر به، الإجمال ليس كالتَّفْصيل. إذَنْ نَأخُذ من هذا فائِدة: أنه يَنبَغي للمُذكِّر أن يُفصِّل فيما ذكَّر به؛ ليَكون ذلك أبلغَ في تَذكُّر المُخاطَب.
стр. 98
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الحالَ الَّتي وقَع في المسلمين حالٌ عظيمةٌ رهيبةٌ، وأنَّهم لا يَستَطيعون أن يَدفَعوا بأنفسهم، وبهذا يَتبَيَّن وجه نِعْمة اللَّه عليهم؛ لأن الأعداءَ مُحيطونَ بهم؛ ولأن أَبْصارهم زَاغَت وقُلُوبهم بَلَغتِ الحَناجِر، والأوهام والأفكار التي عِنْدهم قد تَكون دوَّخَتْهم من هنا ومن هناك؛ لقوله : ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ المَخاوِف تُرْبِك الإنسان حتى في تَصوُّراته؛ لقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، فإن الإنسانَ المُستَقِرَّ لا تَكون عنده ظُنونٌ مُتبايِنة مُتعارِضة؛ لأنه مُستَقِرٌّ، لكن عندما يَحصُل الفزَع، وعندما يَحصُل الخوف تَأتِي الظُّنون من كل وجهٍ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن خَوف الإنسانِ الخوفَ الطَّبيعيَّ منَ المخلوقِ لا يُعَدُّ شِرْكًا، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِر﴾؛ لأن هذا من شِدَّة الخَوْف، وهو خوفٌ من مَخلوقٍ، لكن الباعِث عليه الأمرُ الطبيعيُّ، وإذا كان الأمر طَبيعيًّا فإنه لا يُؤخَذ به الإنسان؛ ولهذا وُصِفَ به أُولو العَزْم من الرُّسُل، قال اللَّه عن موسى ﵇: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١]، ولمَّا كلَّفه اللَّه بالرِّسالة قال: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣]، فهذا خَوْف طبيعيٌّ لا يُلام عليه الإنسان،
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الصحابة ﵃ على ما هُم علَيْه من المَرتَبة العالية قد تَعتَرِضهم الظُّنون بسبب الضِّيق؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، وهو يُخاطِب المُؤمِنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، فهُمْ لِشِدَّة ضِيق قد تَعتَريهم مثلُ هذه الوَساوِسِ، لكنها في الحقيقة سَحابة صَيْف عندما يَرجع الإنسان إلى وَعْد اللَّه يَزول عنه هذا كلُّه ويَتبَدَّد؛ ولهذا سيَأتينا في سياق الآيات قوله :
стр. 99
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] سُبحانَ اللَّهِ! يَرَوْن هذه الأحزابَ العَظيمةَ، ثُم يُطَمْئِنون أنفسهم بأن هذا ما وعَد اللَّه ورسولُه، وصَدَق اللَّهُ ورسولُه؛ لأن النَصْر مع الصَّبْر، والفرَج مع الكَرْب، فهُمْ لمَّا رأَوْا هذه الأحزابَ العَظيمة، وما يَتَرتَّب عليها على وُجودهم من الشِّدَّة والضِّيق عرَفوا أن النَّصْر قريب، فإن اللَّه قال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] فانظُرْ إلى نَصْر اللَّه تعالى فإنه قريب في مثل هذه الحالِ، قال تعالى: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ فإذا طبَّقتَ هذه على حالِ المُؤمِنين في وقت الأحزاب وجَدْتَ أنها تَنطَبِق؛ ثُم قال تعالى في آخِر الآية: ﴿إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ إِذَنْ: صَدَق عليهم أن هذا ما وعَدَ اللَّه ورسوله، وصَدَق اللَّه ورسوله بقُرْب النَّصْر.
والحاصِلُ: أن مِثلَ هذه الأمورِ التي تَأتِي عارِضة لا تُؤثِّر على مَرتَبةِ الإنسان وعلى حاله؛ لأنها تَزولُ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الإنسان إذا غَلَبته الحالُ حتى ورَدَتْ عليه مثلُ هذه الظُّنونِ، فإنه لا يَحُطُّ من مَرتَبَته، لكن -كما قُلْت قبلَ قليل- إذا استَقَرَّتْ به الحال، وهدَأَت هذه الظُّنونُ عرَف الحَقَّ.
* * *
стр. 100
الآية (١١)
* قالَ اللَّه : ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١].
* * *
قال : ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (هُنالِك) هذه اسمُ إشارة تَصلُح للزَّمان وللمَكان، ولكن الأصل أنَّها للمَكان، وتَأتِي للزَّمان، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٥] أي: في ذلك الزمَّنِ خَسِر الكافِرون، (فهُنالك) (هُنَا) صالحِةٌ للزمان وللمَكان، واللام للبُعْد، والكاف للخِطاب.
قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ اخْتُبِروا، والذي ابْتَلاهم هو اللَّه اختَبَرهم بما حصَل لهم من هذا الضِّيقِ العَظيمِ، الذي لا يُمْكِن أن نُعبِّرَ عنه بالنُّطْق، ولا يُمكِن أن نُحِسَّ به إلَّا مَن وَقَع فيه، نحن هنا نَعجِز عن تَصَوُّر تلك الحالِ، ونَعجِز عن تَصويرها، ولكن الذي وقَع فيها يَدرِي عنها.
يَقول المفسر ﵀: [﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ اختُبِروا؛ لِيَتبيَّن المُخلِص من غيرِه، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ حُرِّكوا زلزالًا شديدًا من شِدَّة الفزَع]، ابتِلاءٌ عظيم وزِلزالٌ عظيمٌ ابتُلوا به؛ هذا الزِّلزالُ الذي أَصابَهم ليس زِلزالَ الأرض، لكِنْ زلزالُ النُّفوسِ، فالنُّفوس تَزَلْزَلت، وحصَل عليها شيءٌ عظيم؛ لأنه اجتَمَع في هذه الغَزو اجتِماعُ الأحزابُ من العَرَب ونَقْضُ بني قُرَيْظةَ، والجُوعُ والتَّعَبُ والإعياءُ والبَرْدُ؛ خمسة
стр. 101
أشياءَ واحِد منها يَكفِي في زَلزَلة النَّفْس، فكيف إذا اجتَمَعت! أمورٌ صعبةٌ؛ فقد كان الرسول ﵊ في ذلك المَكانِ؛ كان يَعْصِب على بَطْنه الحجَر من الجُوع (١)، كيف تَتصوَّر الحال، لا يُمكِن الإنسان يُعبِّر عنها في الواقِع؛ ولهذا قال : ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا﴾ قوِيًّا عظيمًا زَلْزَل نُفوسَهم؛ لتُجمَع هذه الابتِلاءاتُ عليهم ﵃.
ولهذا بزَغَ النِّفاق، وتَكلَّم المُنافِقون، ورأَوْا أنَّ في هذا فُرْصةً للكلام؛ لأن الرسول ﵊ يَعِدُهم النَّصْر حتى في تِلك الغزو يَعِدُهم النَّصْر، وقِصَّة الصَّخْرة التي عجَزوا عنها وتَكسَّرت الفُؤوس وتَعِبوا حتى جاؤُوا إلى الرسول ﷺ وقالوا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ خَطَطْتَ لَنَا" (٢)؛ لأن الرسول ﵊ خَطَّ لهم مَكان الخَنْدق، خَطَّ لهم بقَدَمه من حِكْمة اللَّه أنه صار الخَطُّ على هذه الصَّخْرة التي عجَزوا عنها، لكن لشِدَّة امتِثالهم ﵃ ما قالوا: نَعطِف يَمينًا أو يَسارًا، لكنهم جاؤُوا إلى النبيِّ ﷺ وأَخبَروه، فنزل من عَريشه الذي كان قد بُنِيَ له على تَلٍّ هنالك يُشرِف على القَوْم نزَل وأخَذ المِعوَل، فضرَبها ضَرْبةً.
يَقول ابنُ إسحاقَ ﵀: لمَّا ضَرَبها الضَّرْبة أَضاءَت إضاءةً عظيمةً كأنما نحن في نهار واندَكَّ منها ما اندَكَّ، وكبَّر ﵊ فكانت في الليل، ثُم ضرَبها الثانيةَ، فأَضاءَت، وكبَّر تَكبيرةً الفَتْح، تَكبيرةً عظيمةً، ثُمَّ ضرَبها الثالِثةَ وكبَّر، وقالوا: يا رسول اللَّه، لماذا صَنَعْت هذا؟ قال: "رأَيْت في التَّكبِيرةِ الأُولَى قُصورَ الرُّوم، وَفِي
стр. 102
الثَّانِية قُصورَ كِسْرَى، وَفي الثَّالِثَة قُصورَ صَنْعَاءِ اليَمَنِ، وَأَنَّهَا سَتُفْتَحُ" (١) وهذه بِشارة للمُؤمِنين وتَقوِية.
لكنَّ المُنافِقين -والعِياذُ باللَّهِ- الذين لا يَثِقون بوَعْد اللَّه ورَسوله، قالوا: كيف هذا، الإنسان الآنَ لا يَستَطيع أن يَذهَب إلى الغائِط؛ ليَقضِيَ حاجته؟ ! فكَيْف نَملِك قُصورَ كِسْرى وقَيْصر وتُبَّعٍ؟ ! هذا ليس صحيحاً! !
ولهذا يَقول ﵀: [﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ضَعْف اعتِقاد ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بالنَّصْر ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: تصويرُ الحال التي كان عليها المُؤمِنون في تلكَ اللَّحظةِ، وهو الابتِلاء العَظيم؛ هذا ابتِلاء بالنِّسبة لما حصَل من الأحزاب.
وبالنِّسبة لنُفوسهم هل هي مُستَقِرَّة؟
الجوابُ: لا، قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾، فَاجتَمَع عليهم الابتِلاءُ الظَّاهريُّ الذي يُشاهَد بالعَيان والابتِلاء الباطِني الذي هو زَلزلة النُّفوس، وعدَم استِقْرارها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيانُ القاعِدة العامَّة؛ وهو أن اللَّه يَذكُر النِّعَم مُضافةً إليه، ويَذكُر النِّقَم غالِبًا في البِناء للمَجهول، ومن هنا قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ﴾، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾، فمِن أين وقَع؟ وممَّن وقَع ذلك؟
стр. 103
الجوابُ: من اللَّه ، لكنه في مَقام الجيْر يُضِيف اللَّه الشيء إلى نَفْسه تَمَدُّحًا، وفي مَقام خِلاف ذلك تَأتي الأفعال مَبنيَّةً للمَجهول، وانظُرْ إلى قول الجِنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]، ففي الشَّرِّ قالوا: ﴿أُرِيدَ﴾، وفي الرَّشَد أَضافوه إلى اللَّه ؛ لأن الشَّرَّ لا يُضَاف إلى اللَّه تعالى كما قال النبيُّ ﵊: "وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (١)، فلا يَجوز للإنسان أن يُضيف الشَّرَّ إلى اللَّه تعالى أبدًا.
فالشَّرُّ إنما يَكون في المَفْعولات لا في الفِعْل؛ لأن مَفْعولاتِ اللَّه لها جِهتان:
١ - جِهة باعتِبارها فِعْلًا للَّه تعالى.
٢ - وجِهة باعتِبار ذاتِها.
أمَّا باعتِبار ذاتِها، أي: ذات المَفعولات، ففيها خيرٌ وشرٌّ بذاتها ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢].
وأمَّا باعتِبارها فِعْلًا للَّه فليس فيها شرٌّ؛ لأن اللَّه تعالى ما قدَّرها إلَّا لحِكْمةٍ.
ثُمَّ لو تَأمَّلتَ الأشياءَ التي هي شَرٌّ لوجَدْت أنها تَتَضمَّن خيرًا ولو كانت شَرًّا؛ فالفَساد في البَرِّ والبَحْر من الجدْب والفَقْر وغير ذلك شَرّ، لكِن ماَلُهُ الخيرُ؛ قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢].
стр. 104
مَسأَلة: صَحيح أن الآنَ ليس مثل السابِق، وأن الفَقْر لباسٌ طَيِّب في الحقيقة، فالحاصِلُ: أن الفقر قد يَكون فيه خير، فإنَّ من عِباد اللَّه تعالى مَن لو أَغْناه اللَّه تعالى لأَفسَده الغِنَى؛ لكن مع ذلك لا تَيأَسْ، فكَمْ من قَلْب لانَ للحَقِّ وهو من أَفسَقِ عِباد اللَّه ! هذا شيء، الذي يَجعَلنا بالحقيقة نَستَحسِر هو اليَأسُ، ويَعقوبُ ﵊ قال لبَنِيهِ: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧]، مع أنه في تِلكَ الساعةِ يَظُنُّ أنهم لن يَجدوه، لكن مع هذا لَقُوَّة رَجائه باللَّه وأن الأمور لا تَقيسها بما تُشاهِد، هناك شَيءٌ وراءَ المادَّة، هناك شَيْء وراء المُشَاهَدة وما تَسمَع، وهو إرادة اللَّه وقُدْرته، قال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] من بابٍ ما كانَ يَظُنُّ أن يَأتيَه الرِّزْق منه، فهذه الوقائِعُ قد تُعطِي القَلْب يَأسًا، نَسأَل اللَّه تعالى أن يَرزُقنا وإيَّاكم التقينَ.
* * *
стр. 105
الآية (١٢)
* قالَ اللَّه : ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢].
* * *
يَقول ﵀: [﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ضَعْف اعتِقاد ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بالنَّصْر ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾] أَعوذُ باللَّهِ تعالى، كيف يَنطِق البشَر بمِثْل هذا الكلامِ؟ ! لكن -والعِياذُ باللَّهِ- ما دامَت قُلُوبهم مُنطَوِيةً على الكُفْر أو الشَّكِّ؛ لأن الذين في قُلوبهم مرَضٌ عندهم شَكٌّ ضَعْفُ اعتِقاد، والمُنافِقون عندهم كُفْر قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، سُبحان اللَّه العَظيمِ! اللَّهُ ورسولُه يَعِدكم غُرورًا ويَكذِب عليكم ويَخدَعُكم، هذا لا يُمكِن، بل ما وعَدَ اللَّهُ ورسولُه إلَّا حَقًّا، ولكن لا يُمكِن أن تَجْنِيَ العَسَل إلَّا بعد ذَوْق شَوْك النَّحْل، لا بُدَّ من تعَب، ولا بُدَّ من مُثابَرةٍ؛ لأنه لولا هذا ما عُرِف الصادِقُ من الكاذِب ولا عُرِف المُؤمِن من الكافِر، فلا بُدَّ من الابتِلاء.
وبالمُناسَبة فطلَبةُ العِلْم قد يُوَاجِهون بعضَ المَصاعِبِ في الدَّعوة إلى اللَّه قد يُواجِهون ذلك حتى في أَنفُسهم، ولكن عليهم أن يَصبِروا، وأن يَتحَمَّلوا في الدَّعوة إلى اللَّه ؛ لأنهم ليس يَدْعون إلى سَبيل فُلان وفُلان من سُبُل الطاغوت، لكن يَدْعون إلى سبيل اللَّه تعالى التي تُوصِلهم وتُوصِل عِباد اللَّه تعالى إلى اللَّه ،
стр. 106
فعَلَيْهم أن يَصبِروا، ليس بمُجرَّد أن يُقال لهم: أنت مطوّع، أنت مُتَشدِّد، أنت فيك كذا وكذا. يَنحَسِر ويَدَع، هذا ليس بصحيح، لا بُدَّ أن يَصبِر ويُصابِر ويَعمَل بالحِكْمة، وليس بالعُنْف، ولكل شيء من الحالات مَنزِلته.
والحاصِلُ: أن الرسول ﵊ قد وعَدَ أصحابه بالنَّصْر، فآمَن بذلك المُؤمِنون، وتَكلَّم المُنافِقون والذين في قُلوبهم مَرَض بهذا الكلامِ، ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ وكذَبوا، واللَّهِ ما وعَدَهم اللَّهُ ورسولُه إلَّا الحقَّ والصِّدْق.
وقد حصَل -والحَمْد للَّه تعالى- فإن هذه الأُمَّة -وللَّه الحَمدُ- بما خلَّفه لها رسولُه ﷺ من العِلْم والهُدَى وبما قام به خُلَفاؤه ﵃ فتَحوا قُصور قَيْصرَ وكِسرى واليَمَن، وأُنفِقت كُنوزُ كِسرى وقَيْصرَ في سبيل اللَّه ، وجِيء بتاج كِسرى من المدائن إلى المدينة في خِلافة عُمرَ ﵁ (١) فتَحقَّق ما وعَد اللَّهُ ورسولُه، وإن كان النبيُّ ﵊ تُوُفِّيَ قبل أن يَحصُل ذلك، لكنه في الحقيقة هو الذي فتَح هذا؛ لأن الصحابة ما فتَحوها إلَّا بشريعة اللَّه ، فصار ذلك نَصرًا للنبيِّ ﷺ ؛ لأن النَّصْر -كما نَقول كثيرًا- ليس انتِصار الإنسان بشَخْصه، بلِ انتِصاره بما جاء به ودعا إليه، ولو كان على أَيْدي أَتْباعه، ولو كان ذلك من بعد موته، واللَّه أَعلَمُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيانُ أن المُنافِقين يَنْتهِزون الفُرَص، ووجهُه أنهم في هذه الفُرصةِ وهذه الحالِ الضَّيِّقة الحالِكة، بدَؤُوا نشاطَهم وانتَهَزوا الفُرصةَ وقالوا: أين الوعدُ؟
стр. 107
ففيه دليل على أن المُنافِق على اسمه مُنافِق، إن لم يَجِد فُرْصةً سكَت وصانَع وداهَن، وإن وجَد فُرْصةً نطَق وتَكلَّم، وهذا دأَبُهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الحذَرُ من المُنافِقينَ؛ لأنهم لا يَألون المُؤمِنين خَبالًا، كلَّما وجَدوا مَطعَنًا أو مَكانًا للطَّعْن هجَموا، نَسأَل اللَّه تعالى أن يُعيذَنا منهم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن القُلوب تَنقَسِم إلى صحيحةٍ ومَريضةٍ؛ لقوله : ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وكذلك الأبدانُ تَنقَسِم إلى مَريضةٍ وصَحيحةٍ، وانظُرْ حال الناس اليومَ، هل هُمْ أشَدُّ على مُداواة القُلوب من مُداواة الأبدانِ أو على مُداواة الأبدان من مُداواة القُلوب؟
الجَوابُ: الأخير، إلَّا ما شاء اللَّه ، فأكثَرُ الناس اليومَ حَريصون على مُداواة الأبدان التي مَآلها أن تَكون جيفةً يَأكُلها الدودُ، دون القلوب التي عليها مَدار السَّعادة في الدُّنيا والآخِرة، فتَجِد الإنسان يَمْرَض قلبُه، ورُبَّما يَصِل إلى درجة الاحتِضار، ولكنه لا يُبالي به، فإذا أُصِيب بشَوْكة في بدَنه هُرع إلى الأطبَّاء، ولو حصَل في ذلك مَشقَّةٌ وتدَب، ولكن العاقِل المُؤمِن هو الذي يَكون دائِمًا في نظَير إلى قَلْبه ومرَضه وصِحَّته وسلامته وعطَبِه، هذا هو المُؤمِن حَقًّا، ولا شكَّ أن القَلْب إذا صحَّ صحَّ البدَن، ولستُ أقولُ: صحَّ البدَن. يَعنِي: أن المُؤمِن لا يَمْرض، لكنَّ المُؤمِن لو مرِض يَرى أن في هذا المرَضِ مَنفَعةً له ومَصلَحةً، وبهذا يَكون مرَضُ بدَنه صِحَّةً لقَلْبه؛ لما يَحصُل عنده من الصَّبْر، والرِّضا باللَّه ، وانتِظار الفَرَج، وفِعْل الأسباب التي جعَلها اللَّه أسبابًا، فيَعتَمِد على اللَّه بما جعَله سببًا.
стр. 108
فالحاصِل: أن مَرَض القَلْب أخطَرُ من مرَضِ البدَن بكثيرِ، والعاقل يَعتَني بهذا عِنايةً أشدَّ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن اللَّه تعالى ورسوله قد وعَد المُؤمِنين بالنَّصْر؛ لقوله تعالى: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، والوَعْد مَذكور في القُرآن والسُّنَّة للمُؤمِنين، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، انظُرِ الوَعْد العظيم ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾ مُؤكَّدًا ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والمُلتَزِم بهذا هو الرَّبُّ الذي بيده مَلكوت السَّمَوات والأرض، لكن مع الأسف الشديد كثيرٌ من المُؤمِنين لا يَلحَظون هذه الأشياءَ، مع أن اللَّه تَكفَّل بها، وفي السُّنَّة قال النبيُّ ﵊: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ" (١)، ونَصْر النبيِّ ﷺ ليس نَصْرًا لذاته، ولكنه نَصرٌ لما جاء به، فيَكون النَّصْر له ولأُمَّته من بعده أيضًا.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيانُ أن المُنافِق نظر قاصِرٌ، وكذلك مَن في قَلْبه مرَضٌ نظَرهُ قاصِرٌ؛ وجهه أنه ما نظَروا إلَّا في الساعة الحاضِرة، ما فكَّروا في العاقِبة، ومثل هذه الأُمورِ التي تَرِد أمورٌ عوارضُ، لكن العاقِبة للمُتَّقين، فالأمور العَوارِضُ لا يَبنِي عليها أحَد إلَّا ضعيف البصيرة، حتى في أمور الدُّنيا أيضًا لا تَنظُر إلى الأمور العارِضة، فإنه كما قيل: دوام الحال من المُحال، ولكن ما دُمْت واثِقًا بوَعْد اللَّه فَثِق أنَّ هذا الوَعْدَ سوف يَتحَقَّق، لكن تَعتَريه عوارِضُ، لحِكْمة من حِكَم اللَّه يَبتَليه، ثُمَّ تَكون العاقِبة للمُتَّقين.
стр. 109
الآية (١٣)
* قالَ اللَّه : ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ﴾ هذه مَعطوفة على ما سبَق، ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ يَعنِي: واذكُرْ هذه القَوْلةَ المُنكَرة ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ الطائِفة: الجامِعة من الناس ﴿مِنْهُمْ﴾ الضمير يَعود على المُنافِقين، كما قال المُفَسِّر ﵀: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [أَيْ: مِن المُنافِقين] ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يَثرِب يَقول: أهي أرض المدينة، ، وقيل: هي المدينة نَفسُها، فأهل العِلْم بالتاريخ اختَلَفوا: هل يَثرِبُ اسمٌ للمَكان والمَنطِقة التي فيها المدينة، أو أن يَثْربَ هي نفس المدينة؟ وظاهِر الحديث أن يَثرِب هي المدينة.
وقوله ﵀: [﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ هي أرضُ المدينة، ولم تُصرَف للعَلَمية، وَوَزْن الفِعْل]، يَعنِي: أنها مَمْنوعة من الصَّرْف لهاتين العِلَّتين، العَلَمية، ووزن الفِعْل، ويَدُلُّنَا على أنَّها مَمنوعة من الصَّرْف أنها جُرَّت بالفتحة؛ لأنها مُضافٌ إليه، وحقُّ المُضاف إليه أن يَكون مَجرورًا، وهنا الكلِمة مَفتوحة، لأنها تُجَرُّ بالفتحة كسائِر الأَسْماء التي لا تَنْصرِف.
стр. 110
وقول المُفَسِّر ﵀: [للعلَمية ووَزْن الفِعْل]؛ لأن يَثرِبَ التي هي على وَزْن يَفْعِل، الذي هو فِعْل، ولها عِلَّة أخْرَى غير وزن الفِعْل، وهي التَّأنيث، العلَمية والتَّأْنيث؛ لأنها اسمٌ لحمعة، وكأن المُفَسِّر ﵀ قال: [العلَمية ووَزْن الفِعْل]؛ ليُشير أن هذه الكلِمةَ يَثرِب مَأخوذةٌ من التَّثريب، وهو اللَّوْم والتوبيخ، وما أَشبَه ذلك من الكلِمات التي فيها عَتَب.
ولهذا قال النبيُّ ﵊: "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ؛ وَهيَ المَدِينَةُ" (١)، وهذا دليل على أن الرسول ﵊ كَرِه أن تُسمَّى يَثرِبَ، وهو أحَد القولين في المَسأَلة، وأمَّا الحديث الذي روِيَ: "مَنْ قَالَ لِلْمَدِينَةِ: يَثْرِبُ. فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ" (٢)، فَهو ضعيف، لكن يَكْفِي عن هذا الحديثِ في الصحيحين: "يَقُولُونَ: يَثْرِبُ؛ وَهِيَ المَدِينهُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ" (٣).
الحاصِلُ: أن قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ كأن المُفَسِّر ﵀ اختار أن يَقول: لم يُؤخَذ من الفِعْل لهذا السبَبِ.
وقوله ﵀: [﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ بضَمِّ الميم وفَتْحها أي: لا إقامةَ ولا مكانَ]، ﴿مُقَامَ﴾ [بضَمِّ الميم وفتحها]، ومعنى كلام المُفَسِّر: أي: فيها قِراءتان: "لَا مَقَامَ"