← Тафсир

Тафсир · id 150303

تفسير العثيمين: الأحزاب

ابن عثيمين

Полный текст (540 стр.). Показаны 526–540 · переход к 531.

стр. 526

الآيتان (٧٠، ٧١) * قَالَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (١). * * * قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أمَر اللَّهُ تعالى بأمرَيْن؛ بتقوَى اللَّه، وأنْ يقولَ الإنسانُ قولًا سديدًا؛ أي صَوابًا. والتَّقوى: فِعلُ أوامِر اللَّهِ واجتِنابُ نَواهِيه. أمَّا القَولُ السَّديد؛ فهُو القَول الصَّواب وهُو يَشملُ كلَّ قَول فِيه خَيرٌ، سواءٌ كان مِن ذِكْر اللَّهِ، أو مِن طَلَب العِلم، أو مِن الأَمْر بالمَعْروف والنَّهي عَنِ المُنكَر، أو مِن الكَلامِ الحسَن الذِي يَستجلِب بِه الإنسان مَودَّة النَّاس ومحبَّتهم، أو غَيْر ذَلِك، ويَجمعهُ قولُ النَّبيِّ ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤمنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُل خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ" (٢)، وضِدُّ ذَلِك: القَولُ غَيرُ السَّديد؛ وهُو القولُ الذِي ليسَ بصَوابٍ، بَل خَطأٌ إمَّا فِي مَوضُوعِه وإمَّا فِي مَحَلِّه:

стр. 527

أمَّا فِي مَوْضُوعِه: بأنْ يَكُون كَلامًا فاحِشًا يَشتَمل علَى السَّب، والشَّتم، والغِيبة، والنَّمِيمَة، ومَا أَشْبهَ ذَلِك. أو فِي مَحَلِّه: أَي أَنْ يَكُون هَذا القَول في نَفْسه هُو خَير، لكِن كَوْنه يُقال في هَذا المَكانِ لَيْسَ بخَيْر؛ لأنَّ لِكُلِّ مَقام مقالًا، فإذا قُلتَ كلامًا هُو في نَفسِه ليسَ بشرٍّ، لكنهُ يُسبِّبُ شرًّا إذَا قُلتَهُ في هَذا المَحَلِّ فلا تَقُلْهُ؛ لأنَّ هذا ليسَ بقَولٍ سَدِيد، ففِي هَذا المَوضُوع لا يَكونُ قَولًا سَدِيدًا، بَل خطأٌ، وإنْ كانَ ليسَ حَرامًا بذَاتِه. فمَثلًا؛ لو فُرِض أنَّ شخصًا رأَى إنسانًا على مُنكَر، ونَهاه عَن المُنكر، لكِنْ نَهاهُ في حالٍ لا يَنْبغِي أنْ يَقولَ له فِيهَا شَيئًا، أو أَغْلَظَ لَهُ فِي القَوْل، أو مَا أشبهَه، لعُدَّ هذا قولًا غيرَ سَدِيدٍ. فإذا اتَّقى الإنسانُ ربَّه، وقالَ قولًا سَدِيدًا؛ حصَل علَى فائدَتَيْنِ: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فبِالتَّقوَى صلاحُ الأعمالِ ومَغفرةُ الذُّنوبِ، وبالقَولِ السَّديدِ صلاحُ الأعمالِ ومَغفرة الذُّنوب. وعُلم مِن هَذِه الآيَةِ أنَّ مَن لم يتَّقِ اللَّه ويَقُلْ قَولًا سَديدًا؛ فإنَّه حَرِيٌ بأنْ لا يُصلحَ اللَّهُ لهُ أعمالَه، ولا يَغفِر لَه ذَنبَه، ففِيه الحثُّ علَى تَقوَى اللَّهِ وبَيان فَوائدِهَا. ثم قالَ تعالى جُملةً عامَّهً: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَاز﴾ [الأحزاب: ٧١]؛ والفَوز هُو حُصول المطلُوب، والنَّجاة مِن المَرهُوب؛ ودَليلُ ذلك: قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فبِالزَّحْزَحة عَن النَّار يَحصل زَوال المكْروه، وبإِدخالِ الجَنَّة يَحصُل المطلُوب، فالفَوز هُو أنْ تَنجُوَ مِنَ المَرهُوب، وتَفُوز بالمَطلُوب. قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وليسَ فَوزًا دَنِيئًا أو يَسِيرًا؛ بل هُو فَوز عَظيمٌ، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فقد خَسِر، وفي نَفْس السُّورة: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ

стр. 528

ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فالإِنسان العاصِي: ضالٌّ ضَلالًا مُبينًا، والإِنسانُ المُطيع: فائزٌ فَوزًا عَظيمًا، وانظُر أيَّ الطَّريقَين تُريد؟ ! والجوابُ: الطَّاعة، التِي بِها الفَوز العَظيم في الدُّنيا وفِي الآخِرة. * * *

стр. 529

الآية (٧٢) * قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢] (١). * * * قولُه : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا﴾ تحدَّث اللَّهُ تعالى عَن نَفْسه بصِيغة الجَمع للتَّعظيم، لتَعظيم نفسِه ؛ لأنَّه سُبحانه العظيمُ الذِي لا أَعظمَ مِنه. وقَد شبَّه النَّصارَى على عَوَامِّ المُسلمِين فقَالُوا: إنَّ اللَّه مُتعدِّد لأنَّه يَقول: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس: ١٢]، ويقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] فيُشبِّهون! لأنَّ هذِه الضَّمائر تدلُّ علَى الجَمع، لكنَّها في اللُّغة العَربيَّة تدلُّ علَى الجمع وعلَى التَّعظيم، وهؤلاءِ عَمُوا عَن قَولِ اللَّه : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وهكَذا كلُّ مَن في قلبِه زَيغ فإنَّه يتَّبعُ مَا تَشابَه مِنَ القُرآن والسُّنة فيَضربُ بَعضَه ببَعْض، ولكِنْ يُقيِّض اللَّهَ لدِينِه مَن يَحْفظُه ويَدفع هذِه الشُّبهاتِ ويُبيِّن الحَقَّ فِيها. وهؤلاءِ هُم الرَّاسِخون في العِلم؛ لقَول اللَّه : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يعني: القُرآن ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فذكَر

стр. 530

قِسمين: آياتٍ محكمات، وأُخَر متشابهات، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: مَيل عَن الحق وضَلالٌ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ويَدَعون المُحْكَم ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، أي: فِتنة النَّاس عن دِينهم، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: تَحريفه على ما يُريدون. إذَن: قوُله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾، وقولُه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس: ١٢]، وقولُه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] وأشباهُها مِن الآيات: يُراد بها التَّعظِيم. وقولُه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ يَعني: القِيام بما يَجب. قولُه: ﴿عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ سُبحان اللَّه! مخلوقاتٌ عظيمةٌ عرَض اللَّه عليها الأمانةَ هل تَقومُ بها أمْ لا؟ فقالَ اللَّهُ : ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾. وقولُه: (أَبَيْنَ) أي: امتنَعْن عَن حَملِها لأنَّها مَسؤوليَّةٌ عَظيمةٌ. ولعلَّ قائلًا يَقول: كيفَ تُعْرَض الأمانةُ علَى الجَماد؟ فالجوابُ: الجمادُ وذُو الشُّعور أمامَ أَمْرِ اللَّه علَى حَدٍّ سواءٍ، يُوجِّهُ اللَّهُ الخِطابَ إلَى الجَمَاد فيُجِيب الجمادُ، لأنَّ كلَّ شيءٍ بالنِّسبة للَّه علَى حدٍّ سواءٍ، واسمَعْ قولَ اللَّهِ : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، فهذا أمَر مُوجَّه لجِمادٍ ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وهذا هُو الجوابُ، فأجابَتْ هذِه الجماداتُ للَّهِ . ولَّما تَجلَّى اللَّهُ للجَبل حِينَ قالَ مُوسَى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] شوقًا إلى اللَّه ، قَالَ: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فنظَر مُوسى إلى الجبَل بعد أن تجلَّى اللَّه لَه فجعَله دكًّا، اندكَّ

стр. 531

لعَظمة اللَّه وخَشيتِه، فخَر مُوسى صَعِقًا، غُشي عليه؛ لمَا رأَى مِنَ الهَول العَظِيم، فهَذَا جَبَل أمامَه! وصَخر عَظِيم اندكَّ في لحظَةٍ! ومن المعلوم أنَّ الإنسانَ لا يتحمَّل هذا ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ولقَد قالَ اللَّهُ : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾، هذا القرآن وهو كلام اللَّه وصفةٌ من صفاته، ﴿لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. قولُه: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ خِفن مِنها، ألَّا يَقُمْنَ بواجِب الأمانةِ. قولُه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ اللَّه أكبر! حمَلها الإنسانُ، بما أعطاهُ اللَّه مِن العَقل والتَّفكير وبما أَرسل إليه مِن الرُّسل وبَيَّن له السُّبل وهَداه. قولُه: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الإنسان ﴿كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، وقولُه: ﴿إِنَّهُ﴾ قال بعضُ أهلِ العِلم ﵏: الضَّمير يَعود علَى الإِنسان الكافِر، فهُو الظَّلوم الجهُول، وليسَ عائدًا على كلِّ إنسانٍ؛ لأنَّ المسلمَ ذُو عَدْل وذُو عِلم وذُو رُشْد. فالإنسانُ الذِي كانَ ظَلومًا جَهولًا هُو الكافِر، أمَّا المؤمنُ فلا يُمكن، إذِ المؤمنُ يَمنعه إيمانُه عَن الظُّلم، ويَمنعه إيمانِه عَن السَّفه والغَي. * * *

стр. 532

الآية (٧٣) * قَالَ اللَّهُ : ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣]. * * * المعنَى: أنَّ اللَّهَ بيَّن لنا الأمانةَ، وأنَّه عرَضها علَى السَّموات والأَرض والجِبال فأبَيْنَ أنْ يَحمِلْنَها وحَملَها الإنسانُ لِأَجْل هذِه النَّتيجة: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ هؤلاءِ ثلاثةُ أقسامٍ انقَسم إليها الخَلق: الأوَّل: المنافِقون. الثَّاني: المشركُون. الثَّالث: المُؤْمِنون. فانتَبِهْ -يا أَخِي- وانظُر سَبيل مَن تَسلُك! فالمنافِقون: هُم الذِين يُظهرُونَ الإسلامَ ويُخفون الكُفْر، فيُظهرون الإِسلام ويَقُولون: أَشْهد أنْ لا إله إلا اللَّه وأَشْهد أنَّ محمدًا رسولُ اللَّه، ويَحضُرون الصَّلاة، ويَتصدَّقون، لكنْ قُلوبُهم خَرِبة خالِية مِن الإِيمان، أعاذَنِي اللَّهُ وإيَّاكُم مِن ذَلِك! اللهُمَّ أعِذنا مِنَ النِّفاق.

стр. 533

وهذا الصِّنف مِن النَّاس خرَج حِينما صارَ للمُسلمين قوَّة وعزَّة، لكن في مكَّة قبلَ الهِجرة ليسَ هناكَ مُنافق، فالنَّاس إمَّا مُؤمن صَريحٌ وإمَّا كافِر صريحٌ، لكن لمَّا قَوِيت شَوْكة المؤمنين وخصوصًا بعد أنْ هُزم الكفار في بَدر -وقد كانَت في السَّنة الثَّانية مِن الِهجرة في رَمَضان-، فلمَّا هُزم المُشركون بدَأ النِّفاق؛ لأنَّهم -أي: المنافِقين- عرَفوا أنَّ محمدًا ﷺ سيَظهر دِينه، فصارُوا يُظهرُون الإِسلام ويُبطنون الكُفر. وأنزَل اللَّهُ فِيهم سُورة كامِلة من طِوال المُفصَّل، وهِي قولُه تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فكانُوا يَحضُرون الصَّلاةَ، لكنَّهم إذا قامُوا إلى الصَّلاة قامُوا كُسالَى، ويَتصدَّقون لكنْ رياءً وسُمعةً، ويأتُون إلى الرسُول ﵊ ويقولون: نَشهد إنَّك لرسول اللَّه. سبحان اللَّه! فقال اللَّه فيهم: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] أي: لكاذِبون في قولهِم: (نَشهَد)؛ لأنَّهم يقولون بأفواهِهم ما ليسَ في قلوبِهم. ولذَلِك إذا احتاجُوا إلى هذه الكَلِمة عجَزوا عَنها، فإنَّ المنافق إذا دُفن في قَبره وتولَّى عنه أصحابُه أتاه مَلَكان يَسألانه: مَن ربك، ومَا دِينك، ومَن نبيك؟ فيقول: هاه هاه لا أدْرِي، سَمعت الناسَ يقولون شيئًا فقُلتُه! فيقول: لا أدري؛ لأنه ليسَ في قلبِه إيمانٌ، والآخِرة مبنيَّة على السَّرائر لا على الظَّواهر، أما الدُّنيا فمَبنية على الظَّواهر، كما قال النبي ﷺ حِين استُؤذن في قَتل المنافقين، قال: "لَا يتحدَّث الناسُ أنَّ محمدًا يَقتُل أصْحابَه"، وفي الآخِرة العِبرة بالسَّرائر: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ٩ - ١٠]، ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٨ - ٩] اللهم طهِّر سرائرِنَا يا ربَّ العالمين، وأمِتنا على الإيمان والتَّوحيد.

стр. 534

فالمنافِقون لهُم رَوَغان عن الحقائِق، ولذَلك كان مِن صِفاتِهم أنَّهم إذا حدَّثوا كذبوا، وأَكْذب حديثٍ أنَّهم يقولُون: نَشهد أنْ لا إله إلا اللَّه وأنَّ محمدًا رسول اللَّه وهم كاذِبون في هذا فلا يُؤمِنون به، وإذا عاهَدوا غَدَروا، فلا يُوفون بالعَهد؛ لأنَّه ليسَ عندهم إيمان يَحملهم على الوفَاء بالعَهد، وإذا خاصَموا فجَروا؛ فجَحدُوا ما يَجب عليهم وادَّعوا ما ليسَ لهُم، وإذا اؤتمنُوا خانُوا. فهَذه علاماتُ النِّفاق، فاحذَر أنْ تتَّصفَ بواحدةٍ مِنها؛ لأنَّ نبيَّنا محمدًا ﷺ حذَّرنا مِنها؛ والآنَ لو نَظرت فِي واقِع المُسلمين اليومَ لوجَدت كثيرًا مِنهم إذَا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أَخْلف، وإذا خاصَم فجَر، وإذا اؤتمِن خانَ. إنَّ كثيرًا مِنَ المسلمين وليسَ أكثرُهم، فالحمدُ للَّه أكثرُهم مُستقيم، لكن فِيهم مَن إذا حدَّثك كذَبك، وإذا وعَدك أخلَفك، وإذا عاهدَك غدَر بك، وإذا خاصَمك فجَر بك، ومَا أكثرَ الذين يتُون إلينا يَشكون مِن كُفلائهم! أتَى به عَلى عَقد مَعلوم فِيما بينهم ثُم لا يَفِي بالعَهد ولا يَفِي بالعقد، يُماطل بالأُجرة وربما يُنكرها، ويُؤذي العامِل ويحمِّله ما ليس واجبًا عليه. وهناك أيضًا مَن إذا اؤتمن خان، وما أكثرهم! إذا اؤتمِنوا خانُوا، وما أكثرَ الخِيانة في كثيرٍ مِن الناس! ومن ذلك -مثلًا- أن يَعرض الإنسانُ سِلعته فيأتِيه الزَّبون ليَشتري فيقول: كم قِيمة هذه؟ فتقول: ألف ريالٍ، وقيمتُها في الحَقيقة خَمس مئة، لكن استغل فُرصة جهل هذا المشترِي بالثَّمن وقال: بألفِ ريال، فهَذا جَمَع بَين الكذِب والخِيانة والغَدر، ثلاثُ صفاتٍ من صفاتِ المنافِقين، ومَا يَدري أنَّ ما ترتَّب على هذا الكذِب مِن كَسب مادِيٍّ فهو حرام، ويُوشك من أَكل الحرام ألَّا تُستجاب دَعوتُه؛ لأنَّه ﷺ ذكَر الرجُل يُطِيل السَّفَر أشْعَث أَغْبر، يَمُد يَدَيْه إلى السَّماء: يا ربِّ يا ربِّ، ومَطعمه حرَام، ومَلبسُه حَرام، وغُذِي بالحَرام، فأنى يُستجاب لذلك؟ ! .

стр. 535

ومن الخِيانة في الأمانةِ: مَا يَفعلُه كثيرٌ مِن أَولياءِ النِّساء في التَّزويج، فتَجده يَخطب منه الرجلُ الصالحُ المستقيمُ في دِينه وخُلُقه، ولكِنْ إذا عرَف أنَّه لن يُعطيه مالًا ردَّه، وقال: البِنت صَغيرة، البِنت مَخطُوبة لغَيرك، وما أَشْبه ذلك، ثم يزوجها ابن عمها الذي ليس عنده خُلق ولا دِين، أو يُزوجها مَن ليس ابنَ عمِّها ولكنْ أكثرَ الدراهمَ لأبيها، وهذه واللَّه خِيانة، وستُطالبه البِنت يوم القيامة، وحينئذٍ يفِر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبَنيه؛ فلماذا تَحجُب المرأةَ عن خاطبها الكُفْء مِن أجْل مَصْلحتك الخاصَّة؟ أليسَ هذا مِن الخيانة؟ ! أليسَ هذا مِن الظلم؟ ! سبحان اللَّه! لو أنَّك أنْت -أيُّها الأبُ- خَطَبت امرأةً ثم مُنعت منها لاستكْبرت هذا الشيء وعدَدْته ظلمًا وجورًا. والعجَب: أنَّ هؤلاء يَظلمون أقربَ النَّاس إليهِم وهُنَّ بناتُهم اللاتِي هنَّ بَضعةٌ من الأبِ -قِطعة وجُزء مِنه-، ومع ذلك يَظلمها هذا الظُّلم، فيحَجُرُها لابنِ عمِّها، أو يقول: لا تتزوَّجي رَجلًا مِن غَير القَبِيلة، أو ما أشبه هذا! هذا مِن المُنكر، وللقُضاة أن يتدخَّلوا في هذا الموضوع، بمَعنى: أن المرأةَ إذا خَطبها كُفءٌ لها وأبَى أبوها فلَها أن ترَفع الأَمر إلى القاضي ويقول لأبِيها: زوِّجها وإلَّا زوجتُها أنا أو مَن يليك في الوِلاية مِن عَصَبتها. ومِن الخِيانة -وهي مِن صِفات المنافِقين-: ما ذَكره اللَّه في قوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣]، إذا استوفَى لنَفسه استوفَى كاملًا، وإذا كالَ لغَيره نَقَص، ﴿يُخْسِرُونَ﴾ أي: يَنقُصون، قال اللَّه : ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٤ - ٦].

стр. 536

ومن الخِيانة في الأمانةِ: ما يَفعله بعضُ الناس في أهلِه، يُرضِيهم بما حرَّم اللَّه عليهم، فيَجلب لهم مِن وَسائل الإعلامِ المَنظورة والمقروءة والمسمُوعة ما فِيه البَلاء والشَّقاء، وهذا خِيانة للأمانةِ، وسَوف يُحاسب عِند اللَّه يوم القيامة، لقَول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]، فجعَل وِقاية الأهل كوِقاية النَّفس، وقال النبي ﷺ : "الرَّجُل راعٍ في أهله ومَسؤولٌ عَن رعيَّته"، مَسؤولٌ أمامَ اللَّه يومَ القِيامة. أسألُ اللَّهَ أن يُعيننِي وإيَّاكم على أداءِ هذِه الأمانةِ الكبرَى. فعَليك أن تُوجِّه أهلَك مِن بنينَ وبناتٍ وزوجاتٍ وغيرهِم ممَّن لك ولايةٌ عليهم، أن توجِّههم إلى الطَّريق السَّوِي، الطَّريق المُستقيم، ولا تظُنَّ أنَّك بَرِيء مِن المسؤُولية أبدًا، فقَد حمَّلك إياها اللَّه ربُّ العالمين وحملك إيَّاها رسولُ ربِّ العالمين محمدٌ ﷺ . ومن النفاق: أنَّ بعضَ الناس يُرائِي، بمعنى: أنه يَفعل العبادَة ليَقول الناس: إن فلانًا عابد. اللهُم أعِذنا مِن الرِّياء! "ومَن راءَى راءَى اللَّهُ به"، وسَوف يَفضحُه إمَّا في الدُّنيا وإمَّا في الآخِرة؛ ومن ذلك أيضًا: أن يتصدَّق بشيءٍ أمامَ الناس ليقُولوا: فلانٌ كريمٌ، لا لِيتقرَّبَ إلى ربِّ العالمين، وهذا الرياء مبطلٌ للعمل، قال اللَّه في الحديث القُدْسي الصَّحيح: "أنا أغنَى الشُّركاء عَن الشِّرك، مَن عمِل عملًا أشرك فيه مَعِيَ غَيري تركتُه وشِرْكه"، ولما سُئل النبي ﷺ عَن الرجُل يُقاتل أعداء اللَّه، يُقاتل شجاعة، ويُقاتل حَميَّة، ويُقاتل رياءً، أيُّ ذلك في سبيل اللَّه؟ قال: "مَن قاتَل لتكون كَلمةُ اللَّه هي العُليا فهو في سبيل اللَّه". فالمُراءاةُ في العَمل محُبِطة له، وماذا يَنفعك الناسُ إذا راءَيتَهم؟ ! وماذا يضرُّونك

стр. 537

إذا أخلَصْتَ العمل للَّه وتَركْتَهم؟ ! إنَّهم لَن يَضرُّوك شيئًا بالإخلاص، وإنَّهم يضرُّونك بالرِّياء، وأنت الذِي أضرَرْت بنَفْسك. فاحذَرْ أخِي مِن النِّفاق، احذَر مِن النِّفاق العقَدي والعمَلي، فالعقَدي في القَلب -أجارني اللَّه وإيَّاكم منه-، والعمَلي بالجَوارح. وقال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾. المشرِك: مَنِ اتخذ مع اللَّه إلهًا يَعبُده، أوِ اتَّخذ معَ اللَّهِ ربًّا يَعتقِد أنَّ لَه تَدبيرًا في الكَون، والمُشرِك كافرٌ واضِحٌ وليس يُنافِق، فهُو يُظهِر شِرْكه عَلَنًا ويُقاتِل المُؤمِنين مِن أَجْلِه، مِثل مُشركِي قُرَيْشٍ، ألَيْسُوا قاتَلُوا النبيَّ ﷺ عَمْدًا؛ أليسُوا أَخْرجُوه وأصحابَه مِن دِيارِهم؟ أليسوا يُسيئون إليه بالقَول وبالفِعل؟ فيقُولون: إنَّه ساحرٌ، إنَّه مجنونٌ، إنَّه كاذِب؛ وأساؤُوا إليه بالفِعل أيضًا، فقَد كانَ النبيُّ ﷺ ذاتَ يومٍ ساجدًا تَحتَ الكَعبة، آمَنُ مَكانٍ على الأرضِ ذلِك المكانُ، وهُو محُترَم مُعظَّم عِندَ قُريشٍ إلَّا مَع النبيِّ ﷺ فكانَ ساجدًا للَّه فقالُوا: مَن يَذهبُ إلى جَزور بنِي فُلان ويأتِي بسَلاها -القَذِر المكروه مَنظرًا- ويَضعُه على ظَهر محمَّد؟ فانتدبَ لذَلِك أشْقاهُم والعِياذ باللَّه! فذهَب وأتَى بسَلى النَّاقة -الذِي يَخرج مِنها عِندَ الوِلادَة-، فألقَى السَّلى على ظَهْر النبيِّ ﷺ وهُو ساجِدٌ، وفي هَذا إهانة للرَّسول، بل وإهانةٌ للمَسجِد الحَرَام، والعَجَب أنَّه لو جاءَ بَدوِيٌّ جاهِلٌ يَسجُد تَحتَ الكَعْبة لعَظَّمُوه واحترَمُوه، وهَذا النبيُّ الكَرِيم الذِي هُو أَوْلَى بالكَعْبة مِن هؤلاءِ المشركِين يُفعل به هكَذا! لأنَّ المشركِين لا يُبالون، فهُم يُعلِنون بشِرْكهم ولا يُبالون، ولَيس عِندَهم نِفاقٌ، هَذا الصِّنف الثَّاني مِن النَّاس. الصّنف الثَّالث: قالَ : ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾

стр. 538

[الأحزاب: ٧٣]، اللهُمَّ تُبْ عَلَينا يا ربَّ العالِمين! يتُوب اللَّهُ على المؤمِنين الموحِّدين الذِين ليسَ عندَهم نفاقٌ، فهُم موحِّدون ضِد المشركِين، وهُم خالِصون ضِد المنافقِين، فيتُوب اللَّهُ علَيهم، حتَّى لو أنَّهم تابُوا مِن الشِّرك ومن النِّفاق تابَ اللَّه علَيهم؛ لقَول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. وكَم مِن مُشرِك مُنابِذ للدَّعوة الإسلاميَّة تابَ فتابَ اللَّه عَليه، فهَذا عُمر بنُ الخطَّاب ﵁ كانَ ضِد الدَّعوة الإسلاميَّة، فأَسْلم وكانَ الجليفةَ الثَّاني في هَذِه الأُمَّة. وخَالِدُ بنُ الولِيد، وعِكرمة بن أبي جَهْل، وغيرُهم مِن صَنادِيد قُريش وكُفَّارها أَسلمُوا فتابَ اللَّه علَيهم. وهذا أبُو سُفيان زَعيم قُريش كانَ يَقول يومَ أحُد: اعلُ هُبَل؛ لأنَّ أبا سُفيان لمَّا انتَهت امحرب وصارتِ الهزيمةُ على المُسلمِين -لأنَّهم حصل مِنهم ما يُوجب الهزيمةَ-؛ افتَخر وقال: أفيكُم محمَّد؟ قال النبيُّ ﷺ : "لا تُجِيبُوهُ" إهانةً له، وحتَّى يربُو بنَفسه بعدَ ذلِك ويَفتخر؛ فانظُر إلى الحِكمة النبويَّة، وهكَذا وقَع، ثُم قال: أفيكُم ابن أبي قُحَافة؟ أفيكم عُمَر؟ قال ﷺ : "لا تُجِيبُوهُ" حينئذٍ افتَخر وانتَفخ، ورأَى أنه حصَل على كُل شيءٍ، فقال: اعلُ هُبَل. وهُبل صَنَم لقُريش في وَسط الكعبة، والمعنَى: ما أعْلاك اليوم! اليومَ أنتَ العالي! ثُم قالَ النبيُّ ﷺ : "أجِيبوه"، فالآنَ حَمِيَ الوَطِيس فقَد وصَلَتِ المسألةُ إلى البارِي ، فقال: "أجِيبوه"، قالوا: بماذا نُجيبه؟ قال: "قولوا: اللَّه أعلى وأجَلُّ"، فقالوا: "اللَّه أعلى وأجَلُّ"، فإذا كنتَ اليومَ تَفتخِر بصنَمك بأنَّه عالٍ فاللَّه أعلى وأجَلُّ؛ ثم قالَ أبو سُفيان -لما رُدَّ عليه بالتَّوحيد أتَى عن طَريق الرسالة-: يَومٌ بيومِ بَدْر

стр. 539

والحرْب سِجال؛ ويومُ بدرٍ كانَ النَّصْر للمُسلمِين، وقُتِل مِن صَنادِيدِ قُريش وكُبَرائهم ما هو مَعلوم؛ فقال: يَومٌ بيومِ بَدْر، أي: اليومَ غَلبْناكُم، وأنتُم غلبتُمونا يومَ بدر، والحربُ سِجال، أي: مرَّة لكم ومرَّة عليكم! . فأجابُوه: (لا سَواءَ! )؛ أي: بَيْن اليَومَيْن، فقَتْلانا في الجنَّة وقَتْلاكم في النَّار؛ وهل هذانِ اليومانِ على حدٍّ سواءٍ بعدَ أن كانَ قَتلَى المسلِمِين في الجنَّة وقَتلَى الكُفَّار في النَّار؟ الجواب: لَا. والمقصودُ: مِن هذا أنَّ المشركِين يُصرِّحون بمُنابذة المؤمِنين، وأنَّ الإنسانَ إذا تابَ ولو كانَ مُشركًا مُنابِذًا تابَ اللَّه عَليه؛ فهَذا الرجُل أبو سُفيان أَسْلم وصارَ مِن الصَّحابة، لكنَّه تأخَّر إسلامُه فتأخَّرت مَرتبتُه. إذَن: مَن تابَ تابَ اللَّه عَليه، حتَّى مِن الشِّرك، وحتَّى مِن النِّفاق، وحتَّى مِن الاستِهزاء باللَّهِ وآياتِه. والدَّليل على أنَّ التَائب من النِّفاق يتُوبُ اللَّه علَيه قولُ اللَّهِ : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦]، لكنْ لَاحِظْ أنَّ اللَّه تعالى ذكَر أشياءَ مُهمَّة: ١ - ﴿الَّذِينَ تَابُوا﴾ أي: رجَعوا مِن النِّفاق إلَى الإِيمانِ الخالِص. ٢ - ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ أي: توكَّلوا عَليه واعتَصَمُوا بِه. ٣ - ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾. فهذه ثلاثةُ أوصافٍ؛ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. والمُستهزِئ باللَّهِ وآياتِه هَل تَصحُّ توبتُه؟

стр. 540

الجواب: نعَم تَصحُّ، والدَّليل: قولُ اللَّه : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] أي: سأَلْتَ المستهزِئين، لأنَّهم كانوا يَستهزِئون ويقُولون: ما رأَيْنا مِثلَ قُرَّائنا هؤلاء -يَعْنون: النبيَّ ﷺ وأصحابَه- أَرْغَب بُطونًا ولا أَكْذبُ ألسنًا ولا أَجْبنُ عندَ اللِّقاء. وكذَبوا واللَّهِ، فهذِه الأوصافُ في المنافِقين تمامًا، قال اللَّه : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]، فمعناه: أنَّ هؤلاءِ قَد يَعفو اللَّهُ عَنهم وذلِك بالتَّوبة، فمَن تابَ مَهما كان شِركُه وكُفرُه فإنَّ اللَّه يتُوبُ عليه. وهؤلاءِ الذِين تابُوا مِن الكُفر وقَد قَتلوا مَن قتَلوا مِن المُسلمين هَل يَلزمهم ضَمانُ المسلمِين الذِين قتَلوهُم؟ لا يَلزمهم، لقَول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ولهذا لو رأَى شخصٌ شخصًا كان كافِرًا وقد قَتل أباهُ ثُم أسْلم فإنَّه لا يجُوز لَه أنْ يَقتُلَه؛ لأنَّ إسلامَه عصَمه وغفَر لَه بِه ما سَلَف. ثُم قال تعالى: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقد تُشكِل عَليك هذِه الجُملة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: كانَ فِيما مضَى، ولكن الآنَ؟ فـ (كان) فِعل ماضٍ؟ ! فنقُول: (كان) هنا لا يُقصد بها الزَّمان، بل يُقصد بها تَحقيق اتِّصاف اللَّهِ بالمَغفِرَة والرَّحمة، فهِي كَما يقول النَّحْويُّون: مَسْلُوبَة الزَّمان، والمقصودُ بِها التَّوكيد، فاللَّه تعالى مُتَّصفٌ بالمَغْفِرةِ والرَّحمة دائمًا وأبدًا. * * *