← Тафсир

Тафсир · id 150303

تفسير العثيمين: الأحزاب

ابن عثيمين

Полный текст (540 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

يَعنِي: حتى في بَقائهم عِندك يَكونون مَلعونين مَطرودِين مُبعَدين لا يَألَفُهم أحَدٌ ولا يَحنو عليهم. ثُمَّ قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ وُجِدوا ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾]، ﴿أَيْنَمَا﴾ هذه أداة شَرْط تُفيد العُموم في المَكان، وفِعْل الشَّرْط قولُه تعالى: ﴿ثُقِفُوا﴾ وجَواب الشَّرْط ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾، يَقول ﵀: [أي: الحُكْم فيهم هذا على جِهة الأَمْر به]، الجُمْلة: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا﴾ جُملة خبَرية؛ لأنها شرْطية، والجُمْلة الشَّرْطية خبَرية، لكنها خَبَرية بمَعنَى الإِنْشاء، أي: بمَعنَى الأَمْر والطلَب؛ أي: أينما وجَدْتمُوهم فخُذوهم واقتُلوهم. وفي قوله : ﴿تَقْتِيلًا﴾ المَصدَر مُؤكِّد دَليل على أنهم يُقتَلون أفرادًا وجماعاتٍ. وهذه الآيةُ -لا شَكَّ- أن فيها وَعيدًا لهؤلاء الذين جمَعوا هذه الأَوْصافَ المُنافِقين والذين في قُلوبهم مرَض والمُرجِفين في المدينة، فيها وَعيد؛ والبَحْث فيها: البَحْث الأوَّل: هل هذه الأَوْصافُ لمَوْصوف واحِد أو أنها لأُناس مُتعَدِّدين؟ هل المَعنَى أنهم مُنافِقون وفي قُلوبهم مرَض ومُرجِفون، فالأَوْصاف هذه لمَوصوف واحِد، وصَحَّ العَطْف؛ لأنه من باب عَطْف الصِّفَة كما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾، وهو واحِد لا مُتعَدِّد فالعَطْف هنا عَطْف صِفات، فهل نَقول: إن هذه عَطْف صِفات وأنها لمَوْصوف واحِد. أو نَقول: إنها عَطْف أَعيانٍ مَوْصوفين ليسَت لموصوف واحِد؟

стр. 492

الجَوابُ: هذا الأخيرُ هو الأصَحُّ، وهو الأعَمُّ أيضًا؛ لأن المُنافِق قد يَكون في قَلْبه مرَض يَميل إلى الفاحِشة وإلى الزِّنا، وقد لا يَكون، وقد يَكون مُرجِفًا وقد لا يَكون، وقد يُجمَع بين النِّفاق والمرَض القَلْبي والإِرْجاف، وقد يَكون الإنسان في قَلْبه مرَض وليس مُنافِقًا، وقد يَكون مُرجِفًا وليس مُنافِقًا ولا في قَلْبه مرَض، فحينئذٍ نَتبَيَّن أن الأَوْلَى أن هذا العَطفَ عَطْف لمَوْصوف على مَوْصوف، وليس عَطْف على مَوْصوف واحِد، يَعنِي: ليس وَصْفًا لمَوْصوف واحِد حتى نَجعَل العَطْف من باب عَطْف الصِّفات بعضِها على بعض. البَحْث الثانِي: هل هؤلاء انتَهَوْا أم لم يَنتَهوا؟ الجَوابُ: الواقِع أن الإِغْراء لم يَحصُل؛ ولهذا بَقِيَ المُنافِقون فلا قُتِلوا ولا أُخِذوا، فهم باقون، فهل نَقول: إنهم انتَهَوْا حينما رأَوْا هذا الوَعيدَ. أو نَقول: إنهم لم يَنتَهوا، لكنه عفا عنهم فيما بَعدُ، وأن هذا من باب إِخْلاف الوعيد، وإِخْلاف الوعيد من الكرَم بخِلاف إِخْلاف الوَعْد، فأيُّهما أرجَحُ؟ الجَوابُ: هُما قَوْلان للعُلماء ﵏: فبَعضُهم يَقول: إنهم لمَّا رأَوْا هذا الوَعيدَ، وكانوا من أَخوَف الناس وأَرعَن الناس انتَهَوْا وترَكوا هذا الأَمرَ. وبعضهم قال: إنهم لم يَنتَهوا، لكن اللَّه لم يُغرِ نَبيَّه ﷺ بهم؛ لحِكْمة اقتَضَت ذلك. والذي يَظهَر لي -واللَّه تعالى أَعلَمُ-: أنهم انتَهَوْا؛ لأن المَعروف من حال المُنافِقين أنهم جُبَناءُ، وأنهم يَخافون ويَحذرون؛ ولهذا يَحلِفون عند الرسول ﷺ بأنهم مُؤمِنون، ولمَّا تَخلَّفوا عن غزوة تَبوكَ جاؤُوا يَحلِفون ويَعتَذِرون، فهُمْ جُبَناءُ، وهم يَعلَمون أن وَعْدَ اللَّه حقٌّ، وأنهم لوِ استَمَرُّوا في أعمالهم العُدوانية هذه لأَغْرى اللَّه تعالى بهم نَبيَّه ﷺ ، وحصَل الجَلاء، ثُمَّ القَتْل.

стр. 493

من فوائد الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَة الأُولَى: شِدَّة عِناية اللَّه بنِساء المُؤمِنين، فإن عَلاقة الآية هذه بالتي قَبْلها ظاهِرة، فإن المُنافِقين والذين في قُلوبهم مرَضٌ هم أكثَرُ الناس تَعرُّضًا لأَذِيَّة المُؤمِنات؛ ولهذا أَعقَب الآية السابِقة بهذه الآيةِ، ففيه كَمال عِناية اللَّه تعالى بنِساء المُؤمِنين. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الوعيد الشديد لهؤلاءِ المُتَّصِفين بهذه الصِّفاتِ الثلاث الذَّميمة: (النِّفاق، ومرَض القَلْب، والإِرْجاف). الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه إذا ظهَر نِفاق المُنافِق وتَبيَّن عَدَاؤُه، فإنه يَجوز أن يُعامَل بما يَقتَضيه نِفاقه؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾، ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾، وسبَقَ لنا البَحث: هل هؤلاء المُنافِقون والذين في قُلوبهم مرَض والمُرجِفون انتَهَوْا عن أعمالهم أم لا؟ وقُلنا: إن في ذلك رأَيَيْن لأهل العِلْم ﵏ وأن الأَقرَب من هذين الرَّأْيَيْن أنهم انتَهَوْا عن ذلك؛ لأنَّا لم نَرَ أن اللَّه سلَّط رسوله ﷺ عليهم وأَغراه بهم، وهذا أَقرَبُ بكثير من القَوْل بأن اللَّه تعالى لم يُغْرِهِ من باب إِخْلاف الوَعيد. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: التَّحذير من النِّفاق ومرَض القَلْب والإِرْجاف؛ لأن اللَّه تعالى تَوعَّد هؤلاءِ إذا لم يَنتَهوا بأن يُسلِّط اللَّه تعالى رسوله ﷺ عليهم ويُغريَه بهم، وقُبْحُ هذه الصِّفاتِ مَعلوم، أمَّا النِّفاق فظاهِر، فإنه من أَرذَل الأَخْلاق؛ لأن من الصِّفات التي يَرتَكِبها المُنافِق أنه إذا وعَدَ أَخْلَف، وإذا حدَّث كذَب، وإذا عاهَدَ غدَرَ، وإذا اؤْتُمِن خان، وهذه من أَرذَلِ الصِّفات الاجتِماعية. وأمَّا الذين في قُلوبهم مرَض فإن مرَض القَلْب أشدُّ من مرَض البدَن، لأن مرَض البَدَن يُوجِب الأَلَم الحِسِّيَّ الذي قد يَتَحمَّله الإنسان، وأمَّا مرَض القَلْب

стр. 494

-والعِياذُ باللَّه- فإنه يُوجِب القلَق النَّفسِيَّ وضَياع الحَياة كلها والموت المَعنَوي، واسمَعْ إلى قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، وما أكثَرَ الأوقاتَ التي تَضيع على مَن غفَل عن ذِكْر اللَّه تعالى، تَضيع بلا فائِدةٍ! وأنت إذا رأَيْت من نَفْسك أن أَوْقاتَك ضائِعة بلا فائِدةٍ، فيَجِب عليك أن تُلاحِظ قَلْبك، فإن هذا لا يَكون إلَّا من غَفْلة القَلْب عن ذِكْر اللَّه تعالى، ولو نظَرْت فيما سبَق من التاريخ كيف أَنتَجَ العُلَماء ﵏ ما أَنْتَجوا من المُؤلَّفات، ومن فطاحِل العُلَماء الذين تَخرَّجوا على أيديهم في أوقات قد تَكون أقَلَّ من الوقت الذي عِشْتَه أنت، وذلك بسبَب ما ملَأَ اللَّه تعالى به قلوبَهم مِن ذِكْره حتى صارت أعمارهم لا يَضيع منها لَحْظة واحِدة، فعَلَيْك أن تَنتَبِه لمَرَض القَلْب، وأن تُبادِر بمُداواته؛ لأنه إذا تَفَشَّى المرَض في القَلْب -نَسأَل اللَّهَ تعالى العافِيةَ- قد يَموت ويُطبَع عليه، فلا يُحِقُّ حقًّا ولا يُبطِل باطِلًا. وأمَّا الإِرْجاف وتَخويف الناس المُؤمِنين وإلقاء الذُّعْر في قُلوبهم، فهذا أيضًا من الأخلاق الذَّميمة؛ لأن الواجِب على المَرْء -على الأقَلِّ- أن يَكون مَوقِفُه مَوقِف المُحايِد، أمَّا أن يَذهَب ويُرجِف بالمُؤمِنين ويَقول: عَدوُّكم أكثَرُ منكم، ولا يُمكِن أن تَغلِبوه، وعَدوُّكم فعَل وفعَل وفعَل! ! فإنَّ هذا من علامات النِّفاق. فإن قال قائِل: ما حُكْم ذِكْر مخُتَرَعات الغَرْب والتَّخويف منها؛ كالمُتفجِّرات والقَنابِل والرُّؤُوس النَّوَوية؟ فالجَوابُ: أنه إن ذُكِر على سبيل التَّخويف والتَّعظيم فهو حرام، فإنه إذا ذُكِر على سَبيل تَعظيم هؤلاء الكُفَّارِ وتَرفيع شأنهم هذا حَرام؛ لأن كلَّ شيء يُوجِب أن نُعظِّم الكافِرين وأن يَكون لهم في قُلُوبنا مَنزِلة فهذا حرام؛ لأننا مَأْمورون تُجاه الكُفَّار

стр. 495

بما أَمَر اللَّه تعالى به نَبيَّه ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، ومَأمورون بأن نَفعَل كل ما يَغيظهم؛ قال اللَّه تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فنحن مَأمورون بإِغاظتهم، وإِهانتهم ما استَطَعْنا؛ أمَّا أن نَذكُر ما فيه تَعلية شَأْنهم، وبَيان مَقدِرَتهم، وإِلْقاء الهَيْبة في قُلوبنا منهم؛ فإن هذا لا يَجوز كما قُلت. وأنا حدَّثَني رجُل ﵀ سافَر إلى لَنْدن، وبَقِيَ على لِباسه كما هو يَلبَسه في عُنيزةَ (مِشلَح، وعِقال، ونحوه) وكل شيء، يَقول: فصاروا يُكرِمونني إِكْرامًا عظيمًا حتى إني إذا جِئْت أَركَب السَّيَّارة يَتَبادَرون البابَ ليَفْتَحوه لي، بينما الذي يَذهَب من عندنا يَروح يَلبَس لِباسهم ما يُعَدُّ إلَّا كحامِل الزّبْل؛ لا يَهتَمُّون به إلَّا إن كان له صِفة رَسْمية يَهتَمُّون به من جِهة رَسْميَّته، أو كان يُمكِن أن يَنفعَهم بماله، على كلِّ حال مَنِ اتَّقَى اللَّه تعالى جعَل اللَّه تعالى له هَيْبة في القُلوب، اتَّقِ اللَّه تعالى يَتَّقِكَ الناس، وخاف من اللَّه تعالى يَخَفْك الناس. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه يَنبَغي للإنسان أن يُدخِل على المُؤمِن ما يُقوِّي عزيمته ويُنشِّطه؛ سواءٌ في الجِهاد في سَبيل اللَّه تعالى أو في غيره من الأعمال النافِعة. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن النبيَّ ﷺ مُكلَّفٌ، عبدٌ يُؤمَر ويُنهَى؛ لقوله : ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾. إِذَنْ: إذا لم يُغرِه اللَّه ﵎ بهم، فالواجِب عليه الكَفُّ والتَّوقُّف حتى يُؤذَن له فيه.

стр. 496

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: مَشروعية إجلاء مَن في بَقائه ضرَرٌ، ويُؤخَذ ذلك من قوله ﵎: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقد ثبَت نحوُ هذا الإجلاءِ في الزاني إذا لم يَكُن محُصَنًا، فإنه يُجلَد مئة جَلدةٍ، ويُغرَّب عن البلَد الذي زنَى فيه لمُدَّة سَنَة، وثَبَت أيضًا الإِجْلاء في قُطَّاع الطريق إذا أَخافوا الناس ولم يَأخُذوا مالًا ولم يَقتُلوا نَفْسًا، فإنهم يُنفَوْن من الأرض، ويُبعَدون، وثبَت الإِجْلاء أيضًا في التَّعزير، فإن عُمرَ بن الخطَّاب ﵁ نفَى نَصرَ بنَ الحَجَّاج، وكان رجُلًا وسيمًا حتى إن النساءَ بدَأْنَ يَتَغزَّلْنَ به، يَقول قائِل: هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا ... أَمْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاجِ فأَمَره عُمرُ ﵁ أن يَحلِق رأسَه حتى لا تَفْتَتِنَ النِّساء به، فلمَّا حَلَق رأسه صِرْنَ يَتَغزَّلن به من وجهٍ آخَرَ بعد الحلْق، فرأى عُمرُ ﵁ أن يُنفَى فنَفاه إلى البَصْرة (١)، وكذلك أيضًا نفَى الحُطيْئَةَ (٢). إِذَنْ: فأَصْل النفي والإبعاد عن الأرض ثابِتٌ في القُرآن، يَعنِي: دلَّ عليه القُرآن، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن هذه الأَوْصافَ الثلاثةَ سبَب للَّعْن، وهي: النِّفاق، ومرَض القَلْب، والإِرْجاف؛ لقوله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ يَعنِي: إذا لم يَنتَهوا فإنهم يَتَّصِفون بهذا الوَصْفِ: ﴿مَلْعُونِينَ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن المُنافِق إذا أَظهَرَ نِفاقه فإنه يَجوز قَتْله؛ لقَوْله تعالى: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ هذا إذا لم يَنتَهِ عن أذيَّةِ المُؤمِنين، فإنه يُؤخَذ ويُقتَّل.

стр. 497

ولا يَرِد على ذلك أن النَّبيَّ ﷺ كان يَعلَم من المُنافِقين أقوامًا بأَعْيانهم، لأن النبيَّ ﷺ كَفَّ عن قَتْلهم، قال: "لِئَلَّا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ" (١)، فيَكون في ذلك تَنفيرٌ عن الإسلام، والإسلام ما زال في ابتِداء الدَّعوة إليه، ثُمَّ إن المُنافِقين في عَهْد الرسول ﷺ يَتَسَتَّرُون لا يُعرَفون إلَّا في لَحْن القَوْل، أو بوَحْيٍ أَوْحاه اللَّه تعالى إلى رسوله ﷺ . الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: استِعْمال المُبالَغة في الأَلْفاظ لَفْظًا ومَعنًى. أمَّا مَعنًى فقَوْلُه تعالى: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ في أيِّ مَكان في برٍّ أو بَحْر أو جَوٍّ، قريبًا كان أو بعيدًا، أَخْذًا من عُموم الشَّرْط في قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾. وأمَّا المُبالَغة في اللَّفْظ فقَوْله ﵎: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾؛ لأن هذا أبلَغُ من قوله: (وقُتِلُوا قَتْلًا)، ففيه استِعْمال المُبالَغة في الأَلْفاظ والمَعاني أيضًا، فالمُبالَغة في المَعاني مَأخوذة من الشَّرْط، والمُبالَغة في الأَلْفاظ مَأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾. * * *

стр. 498

الآية (٦٢) * قَالَ اللَّهُ : ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]. * * * قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ﴾ السُّنَّة بمَعنَى: الطَّريقة، وسُنَّة اللَّه نَوْعان سُنَّة كونية وسُنَّة شَرْعية: أمَّا السُّنَّة الشَّرْعية فإنها تَكون بحَسَب مَصالِح العِباد وتَختَلِف باختِلاف الأُمَم كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وإن كانت هذه الشَّرائِعُ كلُّها تَتَّفِق في أصول التَّوْحيد فيما يَتَعلَّق بآيات اللَّه تعالى وأَسْمائه وصِفاته، وكذلك في القَواعِد العامة في الشَّريعة، وقد أَشار اللَّه تعالى إليها في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] هذه الفَواحِشَ: ما ظهَرَ منها وما بطَنَ والإِثْمَ والبَغيَ بغير الحَقِّ، وأن تُشرِكوا باللَّه ما لم يُنزِّل به سُلْطانًا، وأن تَقولوا على اللَّه تعالى ما لا تَعلَمون. وهذه الأُصولُ الخَمْسُ ذكَرَ أهلُ العِلْم ﵏ أن جميع الشَّرائِع مُتَّفِقة عليها، لكن من الشَّرائِع التي تَختَلِف مَصالحِها باختِلاف الزَّمان والمَكان والأُمَم، وهذه -أي: السُّنَّة الشَّرْعية- لا بُدَّ أن تَختَلِف أَحكامها بحسَب ما تَقتَضيه حِكْمة اللَّه تعالى.

стр. 499

أمَّا السُّنَّة الكَوْنية فهي ما يُجرِيه اللَّه ﵎ قدَرًا من العُقوبات وغيرها، وهذه السُّنَة لا تَتَبدَّل ولا تَتَغيَّر، وإن كان اللَّه قد يُضاعِف العُقوبة على بعض الناس دون بعض كما سبَق لنا في نِساء النَّبيِّ ﷺ ، قال تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، وقد يَجْزِي اللَّه تعالى بعض العامِلين على العمَل أَكثَرَ من البَعْض الآخَر، كما في هذه الأُمَّةِ، فإنها أُعطِيَت كِفْلَيْن من الأَجْر على مَن سبَقَها من الأُمَم، وكما في أصحاب الرسول ﵊ الذين قال فيهم الرسول ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" (١). لكن في العُقوبات يَقول اللَّه تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [أي: سَنَّ اللَّهُ ذلك]، وأَفادَنا المُفَسِّر ﵀ في هذا التَّقديرِ أن ﴿سُنَّةَ﴾ مَنصوب على المَصدَر المَحذوف عامِلُه أي: سَنَنَّا بهم سُنَّة اللَّه، أي: سَنَنَّا بهؤلاءِ المُنافِقين والذين في قُلوبهم مرَض والمُرجِفين في المدينة سَنَنَّا بهم سُنَّة اللَّه تعالى فيمَن سَبَق، فإن كلَّ مَن نابَذ عِباد اللَّه تعالى وأَوْلياءَه سلَّط اللَّه عليهم. وقوله ﵎: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ و ﴿خَلَوْا﴾ بمَعنَى: مضَوْا، ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [مِن الأُمَم الماضِية في مُنافِقيهم المُرجِفين المُؤمِنين] ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ مِنه ولا من غَيْره، هذا في السُّنَن الكَوْنية. أمَّا الشَّرْعية فيَمحو اللَّه تعالى ما يَشاء ويُثبِت، وربما تُبدَّل، لكن سُنَّة اللَّه تعالى

стр. 500

الكَوْنية لن تَجِد لها تَبديلًا، لا منه ولا من غيره في إِنْزال العُقوبة بمَن يَستَحِقُها، وإن كانت هذه العُقوبةُ قد تَختَلِف، لكن لا بُدَّ للمُخالِفين من عُقوبة، واللَّه تعالى أَعلَمُ. * * *

стр. 501

الآية (٦٣) * قَالَ اللَّهُ : ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]. * * * قال اللَّه تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أي: أَهْل مَكَّةَ] والصوابُ: أنه أَعَمُّ. وفي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ﴾ ولم يَقُل: سأَلَك. دليل على أن هذا السُّؤالَ ما زال مُستَمِرًّا على رسول اللَّه ﷺ ، فيَسأَله الناس عن الساعة، والسُّؤال عن الساعة يُحتَمَل أن يَكون الحامِلُ عليه التَّكذيبَ بها واستِبْعادها، وهذا يُورَد من الكُفَّار، وتارة يُسأَل عنها سُؤال استِفْهام متى تَكون؟ مع الإيقان بها، وهذا قد يَرِد من المُؤمِنين، وتارةً يُسأَل عنها؛ ليُبيِّن للناس أنه لا يُمكِن العِلْم بها، كما سأل جِبريلُ ﵇ النَّبيَّ ﷺ عن الساعة قال: متى الساعة؟ (١) وهو لم يَسأَل استِبْعادًا وإنكارًا ولا استِرْشادًا: متى يَكون وَقْتها؟ ولكن إعلامًا بأن وَقْتها لا يَعلَمه إلَّا اللَّه تعالى. ولكن قد يَقول قائِل: إن قوله ﵎: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ﴾ لا يَدخُل فيه سُؤال جِبريلَ ﵇؛ لأن جِبريلَ ﵇ ليس من الناس، فيُجاب عنه: بأن جِبريلَ ﵇ حين سأَل كان على صُورة الناس.

стр. 502

وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ متى تَكون؟ فأَمَر اللَّه تعالى نَبيَّه أن يُجيب بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: ﴿قُلْ﴾ في الجواب، وهذا تَلقينٌ من اللَّه لرسوله ﷺ بالجَواب أن يَقول هذا، وإنما لقَّنَه اللَّه ، ليَتبيَّن للناس عامَّةً أن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ صادِر من اللَّه تعالى، وليس من تِلْقاء نَفْسه حتى يَقتَنِع الناس بذلك ويُوقِنوا به. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ هذه الجُملةُ فيها حَصْرٌ طريقُه ﴿إِنَّمَا﴾، يَعنِي: ما عِلْمها إلَّا عند اللَّه تعالى وحدَه، وهذا كَقوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، فلا أحَدَ يَعلَم متى تَقوم الساعة إلَّا اللَّه ، وكلُّ ما قيل عن وَقْت قِيامها من السابِقين واللَّاحِقين فما هو إلَّا تَخرُّص كاذِب، نَعلَم ذلك عِلْم التقين؛ لأن اللَّه ﵎ قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وأَعْلَمُ الرُّسل باللَّه تعالى البَشَري والمَلكي مُحمَّد ﷺ وجِبريلُ ﵇، وكِلاهما لا يَعلَم، فلمَّا سأَل جِبريلُ ﵇ النبيَّ ﷺ قال: "مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ"، فإذا كُنت أنت تَجهَل أيُّها السائِل فأنا مِثْلك أَجهَلُ منك. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهذا كما يَشمَل الساعة العامة التي تَقوم ويُحشَر الناس فيها من قُبورهم لرَبِّ العالمَين، يَشمَل أيضًا الساعة الخاصَّة التي هي موت كلِّ إنسان، فإن مَن مات قامَت قِيامته، وقامَت ساعته، لأنه انتَهَى من الدنيا إلى دار الجَزاء، ويَدُلُّ لذلك قوله ﵎: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، فما وَجْهُ الدَّلالة من أنه لا يَدرِي أحَدٌ متى يَموت؟ الجَوابُ: وجهُ الدَّلالة أنه إذا انتَفَى عِلْمه بأيِّ أَرْض يَموت ففي أيِّ زمَن من بابِ أَوْلى، وذلك لأن الأَرْض يَتَمكَّن الإنسان أن يَذهَب إليها أو لا يَذهَب، والزمَن

стр. 503

ليس له فيه تَصرُّف، فإذا انتَفَى عِلْمه بما له فيه تَصرُّف، وهو الانتِقال من مَكانٍ لآخَرَ فانتِفاء عِلْمه بما لا يَتَصرَّف فيه من بابِ أَوْلى. وقوله : ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ قال المُفَسِّر: [يُعلِمكَ بها] أي: أنت لا تَعلَمها، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾: (ما) يُحتَمَل أن تَكون نافِيةً يَعنِي: لا يُدرِيك عنها شيء، ويُحتَمَل أن تَكون استِفْهاميَّة يَعنِي: أيُّ شيء يُعلِمك بها حتى تُسأَل عنها، وأيًّا كان، فاللَّه تعالى يَنفِي عِلْم رَسوله ﷺ بها، ويَقول له: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ﴾ تُوجَد ﴿قَرِيبًا﴾]، ظاهِر صَنيع المُفَسِّر ﵀ أو المُفسِّر أن قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾ جُمْلة مُستَأنَفة لا عَلاقةَ لها بالفِعْل الذي قَبْلها، وأنها جُمْلة مُستَأْنَفة مِن اللَّه تعالى يَعنِي: لا تَدرِي عنها أنت، ولكنها قريبة. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ و ﴿لَعَلَّ﴾ هنا للتَّوقُّع أي: أنها مُتوقَّعة، وذهَب بعضُ المُعرِبين إلى أن قوله : ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾ مَفعول لِقوله تعالى: ﴿يُدْرِيكَ﴾ مَفعول ثانٍ وثالِث، لكنه عُلِّق بـ ﴿لَعَلَّ﴾؛ لأن (لعَلَّ) من المُعلِّقات يَعنِي: وما يُدريك عن تَوقُّع قُرْبها، يَعنِي: لا تَدرِي عن قُرْبها أيضًا، ومَن لم يَدْرِ عن قُرْبها لا يَدرِي عن وُقوعها من بابِ أَوْلى، و (لعَلَّ) في القرآن تَكون للتأكيد، وقد تَكون للتعليل أيضًا، مثل ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، وما أَشبَهَها، لكن لا تَكون للرَّجاء، وبعضُهم قال: تَكون للرَّجاء باعتِبار المُخاطَب لا باعتِبار المُتكَلِّم. وأيًّا كان، فاللَّه نفَى أن يَكون النبيُّ ﷺ عالمًا بها أو بقُرْبها، وإذا انتَفَى عِلْم النبيِّ ﷺ بذلك فعِلْم غيره من بابِ أَوْلى أن يَنتَفِيَ. ثُمَّ إن السُّؤال عن الساعة ليس بذِي قيمة كبيرة، القيمة الكبيرة ما أَشار إليه

стр. 504

النبيُّ ﷺ حيث قال حين سَأَله رجُل عن الساعة، قال: "انْظُرْ مَاذَا أَعْدَدْتَ لهَا" (١) هذه هي القِيمةُ، أمَّا متى تَأتي أو لا تَأتِي فليس ذا قيمة كبيرة، لكن القِيمة الحقيقية أن يَنظُر الإنسان ماذا أَعَدَّ لها. ومِن ثَمَّ أَعقَب اللَّه تعالى هذا بقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤] إلخ، يَعنِي: احذَرْ أن تَقوم الساعة عليك وأنت من هؤلاء، إن اللَّه تعالى لعَن الكافِرين. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ أن الناس ما زالوا يَتَساءَلون عن الساعة. ويَتَفرَّع من تِلكَ الفائِدة فائِدة أُخرى: وهي أن شَأْن الساعة عَظيم؛ لأنه إنما يَكثُر التَّساؤُل عن الأمور العظيمة دون الأمور التافِهة. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن النَّبيَّ ﷺ لا يَعلَم الغَيْب، ولو كان يَعلَم الغَيْب؛ لعَلِم متى تَكون الساعة. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن عِلْم الساعة عند اللَّه تعالى لا يَعلَمه أحَدٌ؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وهذا حصَل. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الساعة قريب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾، ويَدُلُّ لقُرْبها أن النبيَّ ﷺ كان آخِرَ الأنبياء، وقد ثبَتَ عنه ﷺ أنه قال:

стр. 505

"بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا" (١)، يَعنِي: أننا مُقتَرِنان، أو أنه ليس بَيْني وبين الساعة إلَّا كما بين الأُصبُع الوُسطى والسَّبَّابة في القُرْب. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن اللَّه تعالى خاطَب نبيَّه ﷺ بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾، وهو دَليل على أن الرسول ﵊ بشَرٌ كغيره من البَشَر يُخاطَب بما يُخاطَب به البَشَر، فخِطاب اللَّه تعالى نَبيَّه ﷺ وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ ليس كما لو خاطَبْت إنسانًا، وقلت: ما يُدْرِيكَ عن هذه الأمورِ، أو عن هذا الأمرِ. فإن ذلك يُعَدٌّ ذلك من باب التَّنقيص أو التَّنقُّص، ولكن اللَّه يُخاطِب نَبيَّه بما هو أَهْله. * * *

стр. 506

الآيتان (٦٤، ٦٥) * قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]. * * * يَقول اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ اللَّعْن قال أهل العِلْم ﵏: مَعناهُ: الطَّرْد والإِبْعاد عن رحمة اللَّه، وهذه جُمْلة مُؤكَّدة بـ (إنَّ)، وقوله تعالى: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ أي: الكافِرين باللَّه تعالى، وبما يَجِب الإيمان به. وقوله تعالى: ﴿لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾ أَبعَدَهم عن الرحمة. ثُمَّ قال : ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ يَعنِي: ليسوا مُبعَدين عن الرحمة فقَطْ، وسالِمين من الإِثْم، بل إنهم جُمِع لهم بين الإِبْعاد عن رحمة اللَّه وبين العُقوبة، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾ أي: هيَّأ لهم ﴿سَعِيرًا﴾، يَقول: نارًا شديدة يَدخُلونها، نارًا يُسعَرون بها -والعِياذُ باللَّه- فهُمْ وَقودُها والحِجارة، نارًا تَطَّلِع على الأَفئِدة، تَصِل إلى قلوبهم التي في أَجوافهم -والعِيَاذ باللَّه- وهذه النارُ ليسوا باقين فيها يومًا أو يومين أو سَنَة أو سَنَتَيْن. يَقول اللَّه تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [مُقدِّرًا خُلودَهم] أَشار المُفَسِّر ﵀ إلى أن الحال هنا حالٌ مُقدَّرة؛ لأن الخُلود ليس حال كُفْرهم، ولكن حال مجُازاتهم يوم القِيامة، والحال هذه حالٌ مُقدَّرة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.

стр. 507

و ﴿أَبَدًا﴾ هذه تُفيد استِمْرار الزمَن في المُستَقبَل استِمرار الزمَن في المُستَقبَل، وأزَلًا تُفيد استِمْراره في الماضِي؛ ولهذا نَقول: إن عِلْم اللَّه تعالى عِلْم ثابِت للَّه تعالى أزَلًا وأبَدًا. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ هذه إحدى آيات ثلاث صرَّح اللَّه تعالى فيها بأبَديَّة خُلُود أَهْل النار، والآية الثانية في سُورة النِّساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]، والآية الثالِثة في سورة الجِنِّ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]. وفي بعض هذه الآياتِ -بل في واحِدة منها- ردٌّ واضِحٌ على قول مَن قال: إن النار غير مُؤبَّدة؛ ولهذا كان عَقيدة أهل السُّنَّة والجماعة أن النار مُؤبَّدة كالجنَّة، وليس في هذا مُنَافاة لرَحْمة اللَّه وحِكْمته، ولا فيها إبطال لقوله ﵎ في الحديث القُدسيِّ: "إِنَّ رَحْمَتِي سبَقَتْ غَضَبِي" (١)؛ لأن هذه العُقوبةَ قد أُنذِر بها أُولَئِك الذين فعَلوا ما يَستَحِقُّونها، وقامَت عليهم الحُجَّة بها، فليس لهم عُذْرٌ، فيَكونون قد عُومِلوا بمُقتَضى العَدْل فعُقوبتهم هذه عَدْلٌ من اللَّه ، وليس فيها ظُلْمٌ، ومَن أُنذِر بشَيْء ففعَل السبَب المُوصِّل إليه باختِياره فهو الذي جَنَى على نَفْسه. فائِدةٌ: قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ كيف قال تعالى: ﴿فِيهَا﴾ و ﴿سَعِيرًا﴾ مُذكَّر؟ الجَوابُ: لأن المُراد بالسَّعير هنا سَعير النار، وهي مُؤنَّثة.

стр. 508

يَقول اللَّه : ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يَحفَظُهم عنها، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يَدفَعها عنهم] ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يَتَولَّاهم بحُصول المَطلوب، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يَنصُرُهم بدَفْع المَكروه فهُمْ لا يَجِدون أحَدًا يوم القِيامة يَتَولَّاهم، ويَحصُل لهم مَطلوبُهم بحِمايتهم من النار وإدخالهم الجنَّة، ولا يَجِدون أحَدًا يَنصُرُهم من هذه النارِ ويَدفَعُهم عنها ويُخرِجهم منها بعد الدُّخول؛ لأن هؤلاءِ الكُفَّارَ لا تَنفَعُهُم شَفاعة الشافِعين، أمَّا العُصاة من المُؤمِنين فإنهم قد يَجِدون شُفعاءَ في ذلك اليومِ يَشفَعون فيمَنِ استَحَقَّ النار ألَّا يَدخُلها، وفيمَن دخَلها أن يُخرَج منها. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن اللَّه تعالى لعَن الكافِرين وأَبعَدهم وطَرَدهم عن رَحْمته. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّحذير من الكُفْر، لأنه سبَبٌ للَّعْنة. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات العِلَل والأسباب، ويُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ فـ ﴿الْكَافِرِينَ﴾ وَصْفٌ عُلِّق به اللَّعن، فهو رَبْطٌ للَّعْن بالكُفْر، فيَكون في هذا إثباتُ العِلَل والأسبابِ، وهذا كثيرٌ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الرَّدُّ على الجَهْمية الذين يَقولون: إن اللَّه يَفعَل الأشياء لا لحِكْمة، بل لمُجرَّد المَشيئة. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات وُجود النار، لقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: عِظَمُ النار، لأن السَّعير إنما يُقال للنار العَظيمة المُسعَّرة، وهذا أَمْرٌ ثبَتَ في عِدَّة آيات وأَحادِيثَ.

стр. 509

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تَأبيدُ خُلود الكافِرين في النار؛ لقوله ﵎: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وفيها ردٌّ على مَن قال بفَناء النار، والذين قالوا بفَناء النار طائِفة من السلَف والخَلَف، لكن قولهم ضعيف، أمَّا أبَديَّة النار فقد أَجمَع عليها السلَف وأهل السُّنَّة، ولم يُخالِف في ذلك إلَّا طائِفة من المُعتَزِلة الذين يَمنَعون تأبيد أَفعال اللَّه ﵎، ويَقولون: إن التَّسلسُل في الأبَد مُمتَنِعٌ، كما يَرَوْن أن التَّسلسُل في الأزَل أيضًا مُمتَنِع. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن هؤلاءِ المُعذَّبين في النار لن يَجِدوا أحَدًا يَتَولَّاهم بدَفْع العَذاب عنهم، ولا بمَنْعه قبل أن يَنزِل بهم؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، فالوليُّ هو الذي يَتَولَّاهم ويَحميهم ويَحفَظهم من أن يَنالَهم سُوء، والنَّصير هو الذي يَدفَع عنهم البلاء بعد نُزوله. * * *

стр. 510

الآية (٦٦) * قَالَ اللَّهُ : ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦]. * * * قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾: ﴿يَوْمَ﴾ ظَرْف، والظَّرْف والجارُّ والمَجرور لا بُدَّ له من عامِل الذي يُسمَّى المُتعَلِّق؛ ويُحتَمَل أن العامِل قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾، ويُحتَمَل أنها ﴿خَالِدِينَ﴾، ويُحتَمَل أنها ﴿يَجِدُونَ﴾، فتكون تَنازَعت فيها العوامِل الثلاثة، ويُحتَمَل أن العامِل محَذوف أي: اذْكُرْ يومَ تُقلَّب وجوهُهم، وكلُّ هذا محُتَمَل، وكلُّ هذا هو الواقِعُ. وقوله تعالى: ﴿تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ﴾ أي: تُصرَف من جِهة إلى جِهة كما يُقلَّب اللَّحْم على النار ليَنضَج، والعِياذ باللَّه. وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ﴾ ولم يَقُل: يوم يُقلَّبُون؛ أن هذا الأمرَ يَقَع مِنهم على سَبيل الكُرْه -والعِياذُ باللَّه- وأنه ليس باختِيارهم، تُقلَّب وُجوهُهم في النار. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ يُحتَمَل أنها حالٌ وهو الأَقرَب من الهاء في ﴿وُجُوهُهُمْ﴾ يَعنِي: تُقلَّب وهُمْ يَتَحسَّرون هذا التَّحسُّرَ ﴿يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا﴾، ويُحتَمَل أن تَكون استِئْنافية، أي: حِكاية اللَّه لهم عنهم ما يَقولون ﴿يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾.

стр. 511

قال المُفَسِّر ﵀: [(يا) للتَّنبيهِ] وليسَتْ للنِّداء، لأن ياءَ النِّداء لا تَدخُل إلَّا على مَن يَصِحُّ نِداؤُه حَقيقةً أو حُكْمًا، و (لَيْتَ) لا يَصِحُّ نِداؤُها، لأنها حَرْف، لأن: (لَيْتَ) للتَّمنِّي. يَقول المُفَسِّر ﵀: إنها [للتَّنبيه]، وقِيل: إنها نِداء لمُنادًى محَذوفٍ يُناسِب المَقامَ: ﴿يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ﴾ المُنادَى المَحذوف تَقديرُه: يا ربَّنا لَيْتَنا أَطَعْنا اللَّه تعالى وأَطَعْنا الرسول ﷺ ، فعَلى الأوَّل يَكون التَّنبيهُ هنا يُراد به زيادة التَّحسُّر، كأنهم يُنبِّهون أَنْفُسهم لهذا التَّمنِّي ألَّا يَتمَنَّوْه، وعلى الثاني يَكون المُنادَى مَحذوفًا للمُبادرة بذِكْر التَّمنِّي دون ذِكْر مَن وَجَّهوا الخِطاب إليه، وأيًّا كان فإنه يَدُلُّ على شِدَّة تَحسُّرهم. وقوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ هذا تمَنِّي ما يَتَعذَّر حُصوله في ذلك الوقتِ، وهذا أشدُّ تَعذُّرًا من قول الشاعِر: أَلا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ... فَأُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ المَشِيبُ (١) وقوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾: ﴿أَطَعْنَا﴾ هي أَصْلًا بلا أَلِف فنَقول: أَطَعْن اللَّه وأَطَعْن الرسولَ، ولا تَقُلْ: إنه يَجِب أن أُشير إلى الأَلِف؛ لئَلَّا تَشتَبِه النون، وأما قوله تعالى: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥]، فليس فيها شيء، تُحذَف الألف لالْتِقاء الساكِنَيْن. فهنا أيضًا نَحذِف الألِف لالتِقاء الساكِنين، ولا نَقول: إن بحَذْفنا إيَّاها يَشتَبِه ضمير المُتكَلِّم بضمير النِّسوة، لأن السِّياق يَدُلُّ على المَعنَى، فالأَلِف مَوْجودة خطًّا، لكن لا يُنطَق بها لَفْظًا، وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ﴾ مَوْجودة خطًّا، لكن في اللَّفْظ لا تُنطَق بها، وجمثلُه: ﴿دَعَوَا اللَّهَ﴾ [الأعراف: ١٨٩]، تُحذَف الأَلِف.

стр. 512

فقوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾: ﴿الرَّسُولَا﴾ بالأَلِف، والأَلِف هنا للإِطْلاق، وتَقدَّم في هذه السُّورةِ نَظيرُها: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠]، وسيَأتي بعدها أيضًا كلِمة أُخرى ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾، فهذه ثَلاث كلِمات فيها ألِفٌ تُسمَّى ألفَ الإطلاق، وهي ثلاث ألِفات فيها ثلاث قِراءات: قِراءةٌ بإثْبات الألِف وَصْلًا ووَقْفًا، وقِراءةٌ بحَذْفها وَصْلًا ووَقْفًا، وقِراءةٌ بحَذْفها وَصْلًا وإبقائِها وَقْفًا. ففي قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا﴾، يَجوز أن نَقرَأَها على الثلاث -وكلُّها سَبْعية- على النَّشْر: (يا لَيْتنا أَطَعْنا اللَّه وأَطَعْنا الرَّسولا)، (يا لَيْتنا أَطَعْنا اللَّه وأَطَعْنا الرَّسولا وقالوا)، هذه قِراءة، أي: أنَّنا أَثْبَتنا الألِف وَصْلًا ووَقْفًا. والقِراءة الثانية: (يا لَيْتنا أَطَعْنا اللَّه وأَطَعْنا الرسولَ وقالوا)، (يا لَيْتَنا أَطَعْنا اللَّه وأَطَعْنا الرسولْ * وقالوا)، بحَذْف الألِف وَصْلًا ووَقْفًا. القِراءة الثالِثة: (يا لَيْتنا أَطَعْنا اللَّه وأَطَعْنا الرسولَ * وقالوا)، (يا لَيْتنا أَطَعْنا اللَّه وأَطَعْنا الرسولَا وقالوا)، وهذه التي تُثْبِتها وَقْفًا لا وَصْلًا. وقوله تعالى: ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾: (الرسول) هنا اسمُ جِنْس، يَشمَل كلَّ رسولٍ أُرْسِل إلى هؤلاء، لأن أهل النار ليسوا مخُتَصِّين بأُمَّة مُحمَّد ﷺ ، بل بجَميع الأُمَم، فتقصِدون بالرَّسول الجِنْس، وباللَّه تعالى واحِدًا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: شِدَّة عَذاب الكافِرين -والعِياذُ باللَّه- في النار، حيث إنه ذكَر التَّعذيب على الوجه الذي يَكون تعذيبه أعظَمَ إهانةً من بَقيَّة البدَن، ولأن الوجهَ

стр. 513

يُحِسُّ بالألَم أكثَرَ ممَّا يُحِسُّ غيره من الأعضاء الظاهِرة، ولأن الوجهَ هو شرَف الإنسان وظاهِرته، فإذا وقَع التَّعذيب عليه صار هذا أشَدَّ في الألَم النَّفْسيِّ؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هذا التَّقليبَ بغير اختِيار منهم؛ لقوله تعالى: ﴿تُقَلَّبُ﴾، فهُمْ يُقلَّبون فيها -والعِياذُ باللَّه- كما تُقلَّب اللَّحْم على النار لشَيِّها. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: ظُهور التَّحسُّر من أُولئِك الكافِرين حين عذابهم؛ لقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾، ولكن هذا أَمْر فات أَوانُه. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن طاعة اللَّه تعالى ورسوله ﷺ سبَب للنَّجاة من النار؛ لأنهم لم يَتمَنَّوْا شيئًا سِوى طاعة اللَّه تعالى ورسوله ﷺ التي يَنجون بها من هذا العَذابِ. * * *

стр. 514

الآيتان (٦٧، ٦٨) * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٧ - ٦٨]. * * * وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ [﴿وَقَالُوا﴾ أي: الأَتْباع منهم]، كما قال المُفَسِّر ﵀. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا﴾ يَعنِي: يا ربِّ، فحَرْف النِّداء محَذوف. يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ وفي قِراءة] يَعنِي: سَبْعية ["ساداتنَا" جمعُ الجَمْع] فسادَةٌ جمع سَيِّد، وسادات جمع سادَةٍ، فهي جَمْع الجَمْع، ففيها قِراءتان: ﴿سَادَتَنَا﴾ و"ساداتِنا"، وإنما جُمِعَت؛ لكثرة الأَسْياد في الأُمَم. والسَّيِّد: هو ذو الشَّرَف والقَدْر في قومه المُقدَّم فيهم، هذا السَّيِّدُ. أمَّا قوله تعالى: ﴿وَكُبَرَاءَنَا﴾ فهُمُ الَّذين فوق الأَسْياد، كالأُمراء ونحوهم، فالناس لهم أَسياد مُطاعون، ولهم كُبَراءُ فوقَ هؤلاء، فتقولون: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ الصِّنْفين جميعًا، وبطاعتهم ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ أي: فبِسَبب طاعَتنا لهم أَضلُّونا السَّبيلَ، والضَّلال هنا بمَعنَى: الضَّياع عن الصواب وعن الحقِّ، أو التَّيَهان، يَعنِي: تُهْنا السبيل، والمُراد بالسَّبيل: الطريق الذي هو طَريق اللَّه تعالى، فـ (أل) هنا للعَهْد الذِّهْني أي: السَّبيل المَعهود المُوصِّل إلى اللَّه تعالى.

стр. 515

وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀ في السبيل: [طَريق الهُدَى ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: مِثلَيْ عَذابِنا. . .] اللَّهُ أَكبَرُ! كانوا في الدنيا يُجِلُّونهم ويَحتَرِمونهم ويُعظِّمونهم ويُؤثِرونهم على أَنفُسهم، وفي الآخِرة على العكس، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧]، فالمَتْبوعون يَتبَرَّؤُون، وهؤلاءِ أيضًا يَشتُمون ويَلعَنون، يَقولون: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. وهم بهذا الدُّعاءِ ليسوا جائِرِين؛ لأنهم أَرادوا بالضِّعْفين أنَّ هؤلاءِ الكُبرَاءَ ضلُّوا وأَضَلُّوا، فيَكون عليهم إِثْمانِ: إِثْم الضلال بأنفُسهم، وإِثْم الإِضْلال بغيرهم، ولهذا قال النبيُّ ﵊: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، فدُعاء هؤلاءِ الأَتْباعِ دُعاء عَدْل وليس دُعاءَ جَوْر، لأن هؤلاءِ المَتْبِوعين مُستَحِقُّون للعَذاب مرَّتَيْن. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالْعَنْهُمْ﴾ عذِّبْهم]، ففَسَّر اللعنة بالعَذاب، لأنهم في النار، فهم مَطرودون عن رحمة اللَّه، ولكن لو أنَّ المُفَسِّر ﵀ أَبْقاها على ما هي عليه لكان حَقًّا، فتقول: الْعَنْهُم، يَعنِي: أَبْعِدْهم إبعادًا كبيرًا عن رَحْمتك؛ حتى لا تَرحَمَهم يومًا من الدَّهْر. وقوله تعالى: ﴿كَبِيرًا﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: ["كثيرًا" عدَدُه، وفي قِراءةٍ

стр. 516

بالمُوحَّدة أي: عَظيمًا] ففيها قِراءَتان: "والْعَنْهُمْ لَعْنًا كَثِيرًا" وهذا باعتِبار الكِمِّية، و ﴿لَعْنًا كَبِيرًا﴾ باعتِبار الكَيْفية أي: عظيمًا. فإن قِيل: كيف يَكون فيها قِراءَتان والقول واحِد صادِر من هؤلاء؛ فهُمْ إمَّا أن يَكونوا قالوا: كبيرًا. وإمَّا أن يَكونوا قالوا: كثيرًا. واللَّه يَحكِي عنهم؟ بمَعنَى: أن اللَّه يَحكِي عن هَؤُلاء الكُفَّار أنَّهم يَقولون: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ وعَلى القِراءة الثانية: "كَثيرًا" فكَيْف يَحكِي قَوْلين عن قائِل واحِد، يَعنِي: هم إمَّا قالوا: (كبيرًا) أو قالوا: (كثيرًا)؟ فالجَواب: على أحَد وَجْهين: إمَّا أن بعضهم يَقول: كثيرًا. والآخَرُ يَقول: كبيرًا. وإمَّا أنهم يَقولون أحيانًا: ﴿كَبِيرًا﴾، وأَحيانًا: "كثيرًا"؛ ولا يُحتَمَل أن الواحِد منهم يَجمَع بينهما في كلِمة واحِدة بمَعنَى: أن يَقول: والْعَنْهم لَعْنًا كبيرًا كثيرًا؛ لأنه ما حكَى هذا، بل الكَلِمة واحِدة، إمَّا (كبيرًا) وإمَّا (كثيرًا). ولهذا لا نَجمَع بين الكلِمتَيْن، لا في الآية هذه، ولا في قوله ﷺ حين علَّم أبا بَكْر ﵁: "اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كثيرًا" (١) وفي لفظ: "كبيرًا" (٢)، فلا نَجمَع بينهما ونَقول: اللَّهُمَّ إني ظلَمْت نَفْسي ظُلْمًا كثيرًا كبيرًا. بل نَقول أحَدَ اللَّفْظَيْن؛ لأن السُّنَّة لم تَرِد بالجَمْع بينهما، وكذلك هنا في القُرآن لا يَجوز لأحَدٍ أن يَقول: والْعَنْهُم لعنًا كثيرًا كبيرًا، هذا حرام؛ لأنه إذا قال ذلك فقَدْ زاد في القُرآن، فنَقول إمَّا هذا وإمَّا هذا. وقوله تعالى: ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ يُقال ضِعْف. ويُقال: ضِعْفَيْن، بمَعنًى واحِدٍ.

стр. 517

من فوائد الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَة الأُولَى: فيها دَليل على اعتِرافهم بأنهم مُقلِّدون ولَيْسوا مَتبوعين؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن التَّقليد لا يُعنِي من العَذاب، ولو كان كلام الكُبَراء والزُّعَماء، وقد بيَّن لهم الحقَّ، فإذا خالَفوه لأَجْل مُوافَقة زُعمائهم فإن ذلك لا يُنْجِيهم من العذاب. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَحريم تَقليد العالِم إذا تبيَّن النصُّ، وهذا يؤخذ من أن اللَّه تعالى عذَّب هؤلاء على تقليد كُبَرائهم وزُعَمائهم في مخُالَفة الحقِّ، فإذا تَبيَّن لك الحقُّ فلا تَقُل: قال العالم الفُلانيُّ. وقال الإمامُ الفُلانيُّ. فتكون مُشابِهًا لأهل النار الذين قالوا: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: جَواز نِسبة الشيء إلى سببه؛ لقولهم: ﴿فَأَضَلُّونَا﴾، مع أن الذي يُضِلُّ ويَهدي حقيقةً هو اللَّه ، لكن هؤلاء الكُبَراء صاروا سببًا للإضلال، فنُسِب الإِضْلال إليهم. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الرَّدُّ على القدَرِّية في قولهم: ﴿أَطَعْنَا﴾، وقولهم: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن مُوالاتَهم لهؤلاء الكُبَراء والسادة ستَنقَلِب يوم القيامة عَداوةً؛ لقولهم: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تَحذيرُ مَن حولَ وُلاة الأُمور والولاة سَواءٌ كانوا وُزراءَ أو مُدراءَ أو أَكبَرَ من ذلك، ففيها تَحذيرُ مَن كان حولَهم أن يَتَّبِعَهم في مَعصية اللَّه تعالى، وأنه سيَأتي اليوم الذي يَندَم فيه، ويَتبَرَّأ ويَدعو عليهم بمِثْل هذا الدُّعاءِ.

стр. 518

الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن السادة والكُبَراء المُضلِّين لا يَنفَعون أَتباعهم يوم القِيامة، ووجهه قوله تعالى: ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾؛ ولأنهم دَعَوْا على هؤلاء: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، ولو كانوا يَنفَعونهم ما دَعَوْا عليهم. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: التَّحذير من جُلَساء السُّوء، ووجهُه قوله تعالى: ﴿فَأَضَلُّونَا﴾، فكُلُّ إنسان ترى أنه سيُضِلُّك عن سَبيل اللَّه تعالى فالواجِب عليك البُعْد عنه، وقد قال اللَّه مُخطِرًا عن هذه الحالِ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٨]، ﴿فُلَانًا﴾ هذا ليس من الكُبَراء والسادة، بل أي فلان، ﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٨ - ٢٩]، وهذه هي النُّقْطة، فسيَكون قوله هنا: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ يَعنِي: بعد أن جاءَهُم الذِّكْر وتَبيَّن لهم الحَقُّ تابَعوا هؤلاءِ فصارت عليهم هذه العُقوبةُ. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن الدار الآخِرة لا يَنقَطِع فيها التكليف انقِطاعًا تامًّا، فاللَّه تعالى أَثبَتَ أن هؤلاء يَدْعون اللَّه تعالى، والدعاء نَوْع من العِبادة، ولا نَقول: إن الآخِرة ليس فيها دُعاءٌ، ولا فيها سُجودٌ، ولا فيها عمَل، بل فيها، لكنها ليست كالدُّنيا، وإلَّا فإن اللَّه يَقول في سورة (ن): ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، هذا تَكليف: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: بَيان شِدَّة بُغْض هَؤلاء الأَتْباعِ للمَتبوعين، يَعنِي: أنهم دَعَوْا أنَّ اللَّه تعالى يُضاعِف عليهم العَذاب ويَلعَنهم أيضًا، وليس لَعْنًا قليلًا، بل كثيرًا وكبيرًا أيضًا، لقوله تعالى: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾.

стр. 519

الآية (٦٩) * قَالَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. * * * يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا﴾ مع نَبيِّكم ﴿كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ بقَوْلهم مثَلًا: ما يَمنَعه أن يَغتَسِل معَنا إلَّا أنه آدَرُ]. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ تَقدَّم الكلام مِرارًا وتَكرارًا على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على كَوْنها صُدِّرت بالنداء، وعلى أن فيها وَصْفَ الإيمان. قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾: ﴿كَالَّذِينَ﴾ الكاف هنا اسمٌ بمَعنَى: مِثْل، فهي خبَر (تَكون) ﴿كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾، ولكنَّهم آذَوْهُ بدون ضَرَرٍ ما أَضَرُّوا به، بل آذَوْه فقَطْ. وهذه الآيةُ لها صِلة بما سَبَق في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]. وفي قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ فيها تَحذير، وفيها تَسْلية، أمَّا التَّحذير فللمُؤمِنين؛ لأنهم إذا آذَوْا نَبيَّهم استَحَقُّوا ما استَحَقَّه مَن آذَوْا موسى ﵇، وفيها تَسلية للرسول ﷺ ؛ لأنه إن أُوذِيَ فقد أُوذِيَ مَن قَبْله؛ ولهذا ثَبَت

стр. 520

عنه أنه ﷺ قال: "رَحِمَ اللَّهُ أَخِي مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ" (١). وقوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ هو مُوسى بنُ عِمرانَ ﷺ أَفضَلُ أَنبِياءِ بني إسرائيلَ؛ وبماذا آذَوْه؟ قال المُفَسِّر ﵀: [بقَوْلهم مثَلًا: ما يَمنَعه أن يَغتَسِل معَنا إلَّا أنه آدَرُ]، فهُمْ يُؤذونه بغير هذا الكَلامِ، ويُؤذونه بالفِعْل أيضًا، لكن المُفَسِّر ﵀ قال مثَلًا، فمُوسَى ﵊ على ما فيه من الشِّدَّة كان حَيِيًّا، وكان بنو إسرائيلَ يَغتَسِلون عُراةً، ولكنه يَغتَسِل وحدَه، لا يَغتَسِل معَهُم، ولا يَتَعرَّى، فقال بنو إسرائيلَ: لماذا يَشِذُّ هذا الرجُلُ عنَّا؟ ! لولا أن فيه آفةَ بَرَصٍ أو أُدْرة ما انفَرَد عنَّا، والآدَرُ كبير الخُصْيتَيْن، فيَكون هذا سبَبَ أنه كان يَغتَسِل وحْدَه، أو فيه آفَةٌ فيه بَرَص أو غيرُ ذلك، وإلَّا كان يَغتَسِل مع الناس. فأَراد اللَّه أن يَتَبيَّن لبني إسرائيلَ أن الرجُل مِن أحسَن خَلْق اللَّه تعالى وأَسلَمِهم، فاغتَسَل ذات يومٍ وحدَه ووضَعَ ثوبَه على حَجَر، ولمَّا خرَج ليَلبَسَه فرَّ الحجَرُ بثَوْبه، فجعَل يَلحَقه يَقول: "ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ" يُكلِّم ويُخاطِب، ولكن الحجَرَ مَأمور بأَمْر اللَّه ، فما وقَفَ حتى وصَل مَلأٌ من بني إسرائيلَ، ومُوسى ﵇ يَمشِي وراءَه عُريانًا، فلمَّا وصَل بني إسرائيلَ رأَوُا الرجُل، وإذا الرجُل سليم ليس فيه شيء أبَدًا، بل مِن أَحسَن خَلْق اللَّه تعالى وأَسلَمِهم من العَيْب، ووقَف الحجَر فأخَذ ثَوْبه فلَبِسه، وجعَل يَضرِب الحجَر بعصاه حتى صار فيه أثَرٌ من ضَرْب

стр. 521

العَصا (١)، وإنما ضرَب الحجَر؛ لأنه لمَّا عمِل عَمَل العاقِل بهرَبِهِ بالثوب استَحَقَّ تأديب العاقِل، وإلَّا فالحجَرُ لا يَستَفيد. ولهذا الآنَ صار لنا فيه نَوْعٌ من التَّأسِّي بمُوسَى ﵇ حينما يَعْثُر الصَّبيُّ بحَجَر، نَقول له: تَعالَ! تُريد أن نَضرِبه؟ فإذا ضرَبتَ الحجَرَ يَهدَأ الصبيُّ ويَقِفُ عن البُكاء، لكن شَتَّان ما بين المَسأَلتين، نَقول: فيه نَوْع من الأصل. فالخُلاصةُ: أن موسى ﵊ أَراد اللَّه أن يُبيِّن لبني إسرائيلَ أنه ليس كما قالوا: وأنه سَليم، وسيَأتي في الفَوائد ما في هذه القِصَّةِ من الحِكْمة. وقوله تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بأَنْ وَضَع ثَوْبه على حجَر ليَغتَسِل ففَرَّ الحَجَر به حتى وقَف بين ملَأ من بني إسرائيلَ فأَدرَكه مُوسى ﵇ فأَخَذ ثَوْبه، فاستَتَر به فرَأَوْه لا أُدرةَ به]، قال المُفَسِّر ﵀: [وهي نَفْخة في الخُصْية] فرَأَوْا أنه ﵊ سَليم. وقوله تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾، أَفادَنا بقَوْله: ﴿مِمَّا قَالُوا﴾ أن الأذِيَّة التي أَشار اللَّه تعالى إليها هي قول. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا قَالُوا﴾: (ما) اسمٌ مَوْصول، والعائِد مَحذوف تقديره: ممَّا قالوه. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ أي: ذا جاهٍ] والجاهُ بمَعنَى: القَدْر وعُلوِّ المَنزِلة، فكان موسى ﵊ وَجيهًا عند اللَّه تعالى، يَعنِي: ذا قَدْر ومَنزِلة

стр. 522

رفيعة، وقد وصَفَ اللَّه تعالى غيره من الأنبياء بالوَجَاهة، مثل عِيسى ﵇، فقال تعالى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٦]، لكن إذا كان مُوسَى ﵇ وَجيهًا عند اللَّه تعالى وعيسى ﵇، فمُحمَّد ﵊ أَعظَمُ جاهًا منه؛ لأنه أفضَلُ الرُّسُل. ولكن لا يَلزَم من الجاه أن يَتَوسَّل الإنسان بجاه النبيِّ ﷺ إلى اللَّه تعالى؛ لأن جاه النبي ﷺ قَدْر ومَنْزِلة خاصَّة بالنبيِّ ﷺ ، فلا تَنتَفِع بجاهِهِ؛ لأن مجُرَّد وَجاهة النبيِّ ﷺ عند اللَّه تعالى لا تَنفَعُ أحَدًا من الناس؛ ولهذا القولُ الراجِحُ من أقوال أهل العِلْم ﵏: "أن التَّوسُّل بجاه النبيِّ ﷺ محُرَّمٌ". فإن قال قائِل: هل قِراءة: "وكانَ عَبْدَ اللَّه وَجْيهًا" شاذَّةٌ؟ وإنِ احتَجُّوا بها على نَفي العِنْدية، فماذا يُقال لهم؟ وكيف نَرُدُّ على نَفي العِنْدية والقُرْب من اللَّه ؟ فالجَوابُ: هذه قِراءة شاذَّةٌ، ويُقال لهم: هذه شاذَّةٌ. أمَّا قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾، مُتواتِرة تَلقَّاها المُسلِمون من رَسولنا ﷺ إلى يَوْمنا، وأمَّا تِلْك فشاذَّةٌ؛ وهؤلاءِ نَرُدُّ عليهم بالآيات الكثيرة وبالأَحاديث أيضًا، وهو إثبات القُرْب للَّه ، ولكنه لا يَلزَم من القُرْب الحُلول، يَعنِي: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]، لا يَلزَم من ذلك أن يَكون قريبًا عِنْدك في مَكانك، لكنه قريب وإن كان عاليًا، يَعنِي: اللَّه تعالى ليس كمِثْله شيء. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ ذا جاه، وممَّا أُوذِيَ به نَبيُّنا ﷺ أنه قَسَم قِسْمًا فقال رجُل: هذه قِسْمة ما أُريد بها وجْهُ اللَّه] أَعوذُ باللَّهِ! وهذا من أعظَمِ ما يَكون من السَّبِّ، لكنْ سبُّ النبيِّ ﷺ محَقٌّ له، إذا عفا عنه وأَسقَطه فله الحقُّ، ولا أحَدَ يَتَّهِم الرسول ﵊ بأنه ما أَراد بها وجهَ اللَّه تعالى، وإن قاله بعض

стр. 523

الناس غيره، كما قاله بعض مَن قاله من الأنصار حين قسَمَ النبيُّ ﷺ غنائِمَ حُنَيْنٍ، قالوا: إن الرجُل وجَدَ قومَه، وأَراد أن يُغدِق عليهمُ المالَ، ونحن قاتَلْنا وفعَلْنا وفعَلْنا ولم يُعطِنا شيئًا؛ لكن الذي قاله شُبَّانٌ من الأنصار ليس لهم قِيمة بالنِّسبة للكِبار منهم، ومع ذلك الرسول ﵊ خطَبَ بهم تِلكَ الخُطْبةَ العَظيمة، التي بيَّن فيها فَضْلَهم وبيَّن الحِكْمة من إعطاء هؤلاءِ القومِ دونهم، وأنه يُعطِي هؤلاءِ ليَتَألَّفهم على الإسلام، ويَقوَى إيمانهم أو يَنكَفَّ شَرُّهم، أمَّا الأنصار فليسوا بحاجة إلى ذلك، لأن الناس يَذهَبون بالشاة والبَعير وهم يَذهَبون برسول اللَّه ﷺ ، وشَتَّان ما بين هذا وهذا، حتى قال لهم: "لَوْ أَنَّ النَّاسَ سلَكُوا شِعْبًا أَوْ وَادِيًا وَسَلَكَ الْأَنْصَارُ شِعْبًا أَوْ وَادِيًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ"، وقال ﷺ لهم: "الْأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ"، وقال ﷺ لهم: "لَوْلَا الهجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ" (١). وكل هذا أَقنَعَهم، حتى جعَلوا يَبكون حتى أَخضَبوا لحِاهُم بالبُكاء ﵃؛ لأن هذا يُساوِي الدُّنيا كلَّها، ففَرْق عظيم بين مَن يَذهَب بالشاة والبَعير، ومَن يَذهَب برسول اللَّه ﷺ ، فهذا فيه حِكْمة من اللَّه : أن اللَّه قد يُقدِّر للإنسان ما يَكرَهه ليَكون بعد ذلك ما يُحبُّه، فمُوسى ﷺ كَرِه أن يَفِرَّ الحجَر بثَوْبه بلا شكٍّ، ولكن صار فيه حِكْمة عظيمة، وهو أن ما يَتكلَّم به بنو إسرائيلَ من الكلام والاتِّهام كلُّه ذَهَبَ. والمُناسَبة لهذا -كما سيَأتي في الفَوائِد إن شاء اللَّه تعالى بَيان أنه ﵊ مع كونه مُبَرَّأً ممَّا أُوذِيَ فهو ذو مَنزِلة عالية عند اللَّه تعالى.

стр. 524

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: تَحريم أذيَّة الرسول ﵊، لقوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾، والأصل في النَّهي التَّحريم، وقد سَبَق أن أَذِيَّة الرسول من كَبائِر الذُّنوب، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عِنايةُ اللَّه تعالى برَسوله ﷺ ، حيث يَضرِب له الأَمْثال بمَن سبَقَه من الرُّسُل، لأَجْل التَّسْلية وتَهوين الأَمْر عليه، وأن هذا أَمْر قد سَبَقَك، وهذا كثير في القرآن، نحو: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤]. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَحذير المُؤمِنين أن يُصيبهم ما أَصاب مَن سبَقَهم حين تَجرَّؤُوا على رُسُل اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: عِناية اللَّه تعالى برُسُله، لقوله : ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن التَّبرِئة تَكون بالقَوْل وتَكون بالفِعْل، فتكون بالقول مثل قوله تعالى لرسوله ﵊: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢]، فنَفَى عنه الجُنون الذي رماه به أَعداؤُه، وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩]، هذه التَّبرِئةُ بالقول، والتَّبرِئةُ بالفِعْل كما جرَى لمُوسَى ﷺ ، فإن اللَّه تعالى ما قال لبَني إسرائيلَ: إنه ليس بآدَرَ. لكنَّه هيَّأ له هذا الأَمرَ الواقِع الذي يَكون تَبرِئةً من اللَّه لرسوله ﷺ بالفِعْل.

стр. 525

وكذلك كشَف بيت المَقدِس للرسول ﷺ شَهادة بالفِعْل (١)، لأن اللَّه تعالى ما أَنزَل قُرآنًا وقال: إن الرَّسول صادِق. لكنه رُفِع له بيتُ المَقدِس حتى شاهَده. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: قَضية مُوسَى ﵇ حيث بَرَّأه اللَّه تعالى ممَّا عِيب عليه، هذا من وَجْه، وحيث قال تعالى فيه: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الإشارة إلى أن العِبْرة بوَجاهة الإنسان عند اللَّه تعالى لا عند الخَلْق، وذلك من قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾، فقدَّم ﴿عِنْدَ﴾ على قوله تعالى: ﴿وَجِيهًا﴾ إشارة إلى أن المُهِمَّ أن تَكون وَجيهًا عند اللَّه تعالى، ويَكون وجيهًا عند اللَّه تعالى بعِبادته، فكُلَّما كان الإنسان أعبدَ للَّه تعالى وأَطوَعَ له كان عند اللَّه تعالى أَوْجهَ، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فكلُّ مَن كان أَتقَى فهو أكرَمُ عند اللَّه تعالى، وأَرفَعُ مَنزِلة. فائِدةٌ: السُّنَن مَربوطة بأسبابها، ولا تَختَلِف، فإذا اختَلَف السبَب اختَلَفَتِ السُّنَّة، أمَّا إذا كان السبَب واحِدًا فلا يُمكِن أن تَختَلِف. * * *

стр. 526

الآيتان (٧٠، ٧١) * قَالَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (١). * * * قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أمَر اللَّهُ تعالى بأمرَيْن؛ بتقوَى اللَّه، وأنْ يقولَ الإنسانُ قولًا سديدًا؛ أي صَوابًا. والتَّقوى: فِعلُ أوامِر اللَّهِ واجتِنابُ نَواهِيه. أمَّا القَولُ السَّديد؛ فهُو القَول الصَّواب وهُو يَشملُ كلَّ قَول فِيه خَيرٌ، سواءٌ كان مِن ذِكْر اللَّهِ، أو مِن طَلَب العِلم، أو مِن الأَمْر بالمَعْروف والنَّهي عَنِ المُنكَر، أو مِن الكَلامِ الحسَن الذِي يَستجلِب بِه الإنسان مَودَّة النَّاس ومحبَّتهم، أو غَيْر ذَلِك، ويَجمعهُ قولُ النَّبيِّ ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤمنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُل خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ" (٢)، وضِدُّ ذَلِك: القَولُ غَيرُ السَّديد؛ وهُو القولُ الذِي ليسَ بصَوابٍ، بَل خَطأٌ إمَّا فِي مَوضُوعِه وإمَّا فِي مَحَلِّه:

стр. 527

أمَّا فِي مَوْضُوعِه: بأنْ يَكُون كَلامًا فاحِشًا يَشتَمل علَى السَّب، والشَّتم، والغِيبة، والنَّمِيمَة، ومَا أَشْبهَ ذَلِك. أو فِي مَحَلِّه: أَي أَنْ يَكُون هَذا القَول في نَفْسه هُو خَير، لكِن كَوْنه يُقال في هَذا المَكانِ لَيْسَ بخَيْر؛ لأنَّ لِكُلِّ مَقام مقالًا، فإذا قُلتَ كلامًا هُو في نَفسِه ليسَ بشرٍّ، لكنهُ يُسبِّبُ شرًّا إذَا قُلتَهُ في هَذا المَحَلِّ فلا تَقُلْهُ؛ لأنَّ هذا ليسَ بقَولٍ سَدِيد، ففِي هَذا المَوضُوع لا يَكونُ قَولًا سَدِيدًا، بَل خطأٌ، وإنْ كانَ ليسَ حَرامًا بذَاتِه. فمَثلًا؛ لو فُرِض أنَّ شخصًا رأَى إنسانًا على مُنكَر، ونَهاه عَن المُنكر، لكِنْ نَهاهُ في حالٍ لا يَنْبغِي أنْ يَقولَ له فِيهَا شَيئًا، أو أَغْلَظَ لَهُ فِي القَوْل، أو مَا أشبهَه، لعُدَّ هذا قولًا غيرَ سَدِيدٍ. فإذا اتَّقى الإنسانُ ربَّه، وقالَ قولًا سَدِيدًا؛ حصَل علَى فائدَتَيْنِ: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فبِالتَّقوَى صلاحُ الأعمالِ ومَغفرةُ الذُّنوبِ، وبالقَولِ السَّديدِ صلاحُ الأعمالِ ومَغفرة الذُّنوب. وعُلم مِن هَذِه الآيَةِ أنَّ مَن لم يتَّقِ اللَّه ويَقُلْ قَولًا سَديدًا؛ فإنَّه حَرِيٌ بأنْ لا يُصلحَ اللَّهُ لهُ أعمالَه، ولا يَغفِر لَه ذَنبَه، ففِيه الحثُّ علَى تَقوَى اللَّهِ وبَيان فَوائدِهَا. ثم قالَ تعالى جُملةً عامَّهً: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَاز﴾ [الأحزاب: ٧١]؛ والفَوز هُو حُصول المطلُوب، والنَّجاة مِن المَرهُوب؛ ودَليلُ ذلك: قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فبِالزَّحْزَحة عَن النَّار يَحصل زَوال المكْروه، وبإِدخالِ الجَنَّة يَحصُل المطلُوب، فالفَوز هُو أنْ تَنجُوَ مِنَ المَرهُوب، وتَفُوز بالمَطلُوب. قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وليسَ فَوزًا دَنِيئًا أو يَسِيرًا؛ بل هُو فَوز عَظيمٌ، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فقد خَسِر، وفي نَفْس السُّورة: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ

стр. 528

ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فالإِنسان العاصِي: ضالٌّ ضَلالًا مُبينًا، والإِنسانُ المُطيع: فائزٌ فَوزًا عَظيمًا، وانظُر أيَّ الطَّريقَين تُريد؟ ! والجوابُ: الطَّاعة، التِي بِها الفَوز العَظيم في الدُّنيا وفِي الآخِرة. * * *

стр. 529

الآية (٧٢) * قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢] (١). * * * قولُه : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا﴾ تحدَّث اللَّهُ تعالى عَن نَفْسه بصِيغة الجَمع للتَّعظيم، لتَعظيم نفسِه ؛ لأنَّه سُبحانه العظيمُ الذِي لا أَعظمَ مِنه. وقَد شبَّه النَّصارَى على عَوَامِّ المُسلمِين فقَالُوا: إنَّ اللَّه مُتعدِّد لأنَّه يَقول: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس: ١٢]، ويقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] فيُشبِّهون! لأنَّ هذِه الضَّمائر تدلُّ علَى الجَمع، لكنَّها في اللُّغة العَربيَّة تدلُّ علَى الجمع وعلَى التَّعظيم، وهؤلاءِ عَمُوا عَن قَولِ اللَّه : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وهكَذا كلُّ مَن في قلبِه زَيغ فإنَّه يتَّبعُ مَا تَشابَه مِنَ القُرآن والسُّنة فيَضربُ بَعضَه ببَعْض، ولكِنْ يُقيِّض اللَّهَ لدِينِه مَن يَحْفظُه ويَدفع هذِه الشُّبهاتِ ويُبيِّن الحَقَّ فِيها. وهؤلاءِ هُم الرَّاسِخون في العِلم؛ لقَول اللَّه : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يعني: القُرآن ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فذكَر

стр. 530

قِسمين: آياتٍ محكمات، وأُخَر متشابهات، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: مَيل عَن الحق وضَلالٌ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ويَدَعون المُحْكَم ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، أي: فِتنة النَّاس عن دِينهم، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: تَحريفه على ما يُريدون. إذَن: قوُله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾، وقولُه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس: ١٢]، وقولُه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] وأشباهُها مِن الآيات: يُراد بها التَّعظِيم. وقولُه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ يَعني: القِيام بما يَجب. قولُه: ﴿عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ سُبحان اللَّه! مخلوقاتٌ عظيمةٌ عرَض اللَّه عليها الأمانةَ هل تَقومُ بها أمْ لا؟ فقالَ اللَّهُ : ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾. وقولُه: (أَبَيْنَ) أي: امتنَعْن عَن حَملِها لأنَّها مَسؤوليَّةٌ عَظيمةٌ. ولعلَّ قائلًا يَقول: كيفَ تُعْرَض الأمانةُ علَى الجَماد؟ فالجوابُ: الجمادُ وذُو الشُّعور أمامَ أَمْرِ اللَّه علَى حَدٍّ سواءٍ، يُوجِّهُ اللَّهُ الخِطابَ إلَى الجَمَاد فيُجِيب الجمادُ، لأنَّ كلَّ شيءٍ بالنِّسبة للَّه علَى حدٍّ سواءٍ، واسمَعْ قولَ اللَّهِ : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، فهذا أمَر مُوجَّه لجِمادٍ ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وهذا هُو الجوابُ، فأجابَتْ هذِه الجماداتُ للَّهِ . ولَّما تَجلَّى اللَّهُ للجَبل حِينَ قالَ مُوسَى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] شوقًا إلى اللَّه ، قَالَ: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فنظَر مُوسى إلى الجبَل بعد أن تجلَّى اللَّه لَه فجعَله دكًّا، اندكَّ
следующие страницы →