سورة سبأ
الحمدُ للهِ ربِّ العَالمِينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا محُمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد:
قال المُفَسِّر (١) ﵀: [مَكِّيَّة إِلَّا ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وَهِيَ أَرْبَع أَوْ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ آيةً].
قوله ﵀: [مَكِّيَّة] المكِّيُّ على المشهور: هو الذي نزَل قبل الهِجرة، والمَدنيُّ ما نزَل بعد الهِجْرة، فيَعتَبِر الجمهور المَكِّيَّ والمَدنيَّ بالزمَن لا بالمَكان، فما كان بعدَ الهِجْرة فهو مَدني، وما كان قبلَها فهو مكِّيٌّ.
وقوله ﵀: [إِلَّا ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾]؛ لا يُقبَل استِثْناءُ شيءٍ منَ السُّور المَكِّيَّة والمَدنيَّة إلَّا بدليل، أي أنه إذا كانت السُّورة مَكّيَّة فجميع آياتها مَكِّيَّة إلَّا بدليل، وإذا كانت مَدنيَّة فجميع آياتها مَدنيَّة إلَّا بدليل، فاستِثْناء المُفَسّر ﵀ هذه الآية نَنظُر في مَوضِعها، إذا كان هناك دليلٌ يَدُلُّ على أنها نزَلَت في المدينة قبِلْناه وإلَاَّ فلا.
* * *
стр. 4
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
* * *
* قالَ الله : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
* * *
وقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. البَسمَلة: آيةٌ مُستَقِلَّة من كِتاب الله ، يُؤتَى بها للفَصْل، أو يُؤتَى بها لبَدء السُّورة، إلَّا في (براءَةَ) فإنه ليس فيها بَسمَلةٌ؛ لأنها لم تَنزِلْ بَسمَلةٌ بينها وبين الأَنفال فتُرِكَت، والجارُّ والمَجرور مُتعلِّقٌ بمَحذوف؛ لأنَّ كل جارٍّ ومَجرور لا بُدَّ أنْ يَتعَلَّق بشيءٍ؛ إذ إنَّ الجارَّ والمَجرور مَعمول، وكل مَعمولٍ فلا بُدَّ له من عامِلٍ، وعليه فكلُّ جار ومجَرورٍ فإنَّه لا بُدَّ له من مُتعلَّقٍ؛ أي: مِن شيء يَتعلَّق به، وكذلك الظَّرْفُ، والمُتعَلَّق: إمَّا أن يَكون فِعلًا أو ما بمَعنَى الفِعْل، وهنا نُقدِّر المُتعَلِّق فِعْلاً؛ لأنه الأصل في العمَل؛ ولذلك لا يَعمَل غيرُ الفِعْل عمَل الفِعْل إلَّا بشُروط، وكلُّ شيءٍ لا يَتمُّ عمَله إلَّا بشروط فإنَّ ذلك لأنَّ الأصل عدَمُ العَمل.
ولهذا غيرُ الأفعالِ كالأسماء والمَصادِر وشَبَهها لا تَعمَل عمَل الفِعْل إلَّا بشُروط، أمَّا الفِعْل فيَعمَل بدون شُروط ونُقدِّره -أيِ: الفِعْل- مُتَأخِّرًا عن الجارِّ والمَجرور لفائِدَتَيْن:
الفائِدةُ الأُوْلَى: التَّيمُّن بالابتِداء بذِكْر اسْمِ الله .
الفائِدةُ الثَّانِيَةُ: الدَّلالة على الحَصْر.
стр. 5
فنُقدِّر العامِل مُتأخِّرًا نظَرًا لهاتين الفائِدتَيْن.
ونُقدِّره فِعْلًا خاصًّا، فنَقول مثَلًا عند ابتِداء القِراءة: التَّقديرُ: بسم الله أَقرَأُ، وعند الوضوء: التَّقديرُ: بسْمِ الله أتوضَّأ، وعند الأكل: بِسْم الله آكُلُ، وهكذا، وإنما نُقدِّره خاصًّا لأنه أدَلُّ على المَقصود، وَيصِحُّ أن نُقدِّره عامًّا ونَقول: التَّقدير بِسْم الله أَبتَدِئُ أو بِسْم الله أَبدَأُ؛ ولكن الخاصَّ أَوْلى.
فصار عندنا ثلاثة أمور: لا بُدَّ مِنْ مُتعَلَّق مُتأَخِّر خاصٍّ، وتَقدَّم التعليل.
وقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ مُفرَد مُضاف فيَعُمُّ، وَيكون المَعنى: بكُلِّ اسْمٍ من أسماء الله تعالى أَبتَدِئ، وناسَب ذِكْر ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ دون غيرهما من الأَسْماء لأنها -أيِ: البَسمَلة- يُؤتَى بها للاستِعانة، وأَنسَبُ ما يَكون للاستِعانة هي الرحمة؛ فلهذا أُتبعَ لفظُ الجلالةِ بهذَيْن الاسْمَيْن الكريمين.
قوله تعالى: ﴿اللَّهِ﴾ أَصلُه الإِلهُ، هذا أَصَحُّ ما قيل فيه، وحُذِفت الهمْزة لكَثْرة الاستِعمال؛ كما حُذِفَت الهَمزة من (الناس) وأصلُها (أُناس) وحُذِفت الهَمزة من (شَر) ومن (خَيْر) وأصلُها (أشَرُّ) و (أَخْيَر).
وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ اسْمٌ مِن أَسماء الله تعالى دالٌّ على سَعة رَحْمته ؛ لأنَّ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فَعْلان يَدُلُّ على السَّعة والامتِلاء؛ وانظُرْ ذلك في كلِمة (غَضبان) و (نَدمان) و (سَكران) و (عَطشان) و (رَيَّان) وما أَشبَهَها؛ تَجِدْ أنَّ هذه الصِّيغةَ دالَّةٌ على السَّعة والامتِلاء.
ولهذا قال بعضُ السلَف ﵏: إنَّ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ رحمة عامَّة لجميع الخَلْق، وأمَّا ﴿الرَّحِيمِ﴾ فهي: دالَّة على الفِعْل أي: أنه يَرحَم برَحْمته الواسِعة.
стр. 6
فـ ﴿الرَّحِيمِ﴾ دالٌّ على الفِعْل وهو إيصال الرحمة إلى المَرْحوم.
و﴿الرَّحْمَنِ﴾ دالٌّ على الصِّفة وهي اتّصاف الله بهذه الرَّحمةِ الواسِعة.
* * *
стр. 7
الآية (١)
* * *
* قالَ الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حَمِدَ تَعَالَى نَفْسَهُ بِذَلِكَ، وَالمُرَادُ بِهِ الثَناءُ بِمَضْمُونِهِ مِنْ ثُبُوتِ الحْمْدِ، وَهُوَ الْوَصْفُ بِالجْمِيلِ للهِ تَعالَى].
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: (أل) يَقول العُلَماءُ ﵏: إنها للاسْتِغراق؛ أي: كلُّ حَمْدٍ، و (أل) الَّتي للاستِغراق هي التي محل محَلَّها (كلٌّ) مِثْل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] أي: كلُّ إنسان لَفِي خُسْر، وقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، أي: كلُّ إنسان، فمَعناها: أنَّ كلَّ حَمْدٍ فهو لله تعالى، واللَّام هنا للاستِحْقاق والاختِصاص؛ للاستِحْقاق لأنَّه لا أحَدَ يَستَحِقُّ أن يُحمَد لِذاته إلَّا الله ، والاختِصاص لأنَّ الحَمْد المُستَغرِق لكُلِّ المَحامِد لا يَكون إلَّا لله .
يَقول المُفَسِّر ﵀: [حَمِدَ تَعالى نَفْسَه بِذَلِكَ] يَعنِي: حَمِدَ الله تعالى نَفْسَه بهذا الوصفِ الذي هو الحَمْد [والمُراد به الثَّناء بمَضمونه من ثبوت الحَمْد]؛ يَعنِي: ليس هذا تَجديدًا لحَمْد الله ، ولكنه ثَناءٌ على الله تعالى بمَضمون الحَمْد [وَهُوَ الوَصْفُ بِالجمِيلِ للهِ تَعَالَى]، ولو قال المُفَسِّر ﵀: الوَصْف بالكَمال لكان أعَمَّ، فالحمْدُ وَصْفُ المَحمود بالكَمال. هذا الحَمدُ، فإن كُرِّر وَصْفه بالكَمال صار ثَناءً؛
стр. 8
قال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فيُجيب الله: حمِدني عَبْدي. فإذا قال العبدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] يُجيب الله تعالى: أَثنَى علىَّ عبدي (١). والله يُحمَد على ما لَه من الكَمال الذاتيِّ، والكَمال المُتعدِّي للغير، أي: على كَماله بذاته وعلى كماله بفِعْله وإحسانه فيُحمَد على الأَمْرين جميعًا، أمَّا غيره فلا يُحمَد إلَّا على فِعْله إِنْ كان فِعْله ممَّا يُحمَد عليه، أمَّا حَمْدٌ للذات نفسِها فهذا لا يَكون إلَّا لله تعالى.
فمثَلًا إذا حَمِدْنا الله على ما لَه من صِفات الكَمال؛ كالسَّمْع والبصَر والعِلْم والقُدْرة والعظَمة وما أَشبَهها، فهذا حَمْدٌ على الكمال الذاتيِّ، وإذا حَمِدْنا الله تعالى على ما لَه من الإحسان والإنعام فهو حَمْدٌ على الكَمال المُتعدِّي، فإذا حَمِدْناه على إنزال الغَيْث وإنزال الكُتُب وإرسال الرُّسُل ودَفْع الضَّرَر فهذا حَمْد على الكَمال المُتعدِّي.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا] ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ هذا كالتَّعليل للحَمْد؛ لأنَّ هذا الوَصْفَ يَدُلُّ على العِلِّيَّة؛ أي: يَحمَد الله تعالى نَفْسَه؛ لأنه مالِك لما في السَّمَوات وما في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يَشمَل العُقَلاء وغيرَ العُقَلاء؛ ولهذا أَتَى بـ ﴿مَا﴾ لأَجْل أن يَشمَل هؤلاءِ وهؤلاءِ؛ وإنما غُلِّبَ غيرُ العُقَلاء؛ لأنَّهم أكثَرُ من حيثُ النَّوْع، أمَّا مِن حيث العَدَد فإنَّ في ذلك شَكًّا؛ لأنَّ الملائِكة عليهم الصلاة والسلام لا شَكَّ أنهم من العُقَلاء، وهم لا يُحصيهم إلَّا الله ؛ "مَا مِنْ
стр. 9
مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابعَ فِي السَّمَاءِ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ" (١).
وقوله تعالى: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ جَمْع سماءٍ، وجُمِعت لأنها مُتعَدِّدة، فهي سَبعْ سمَواتٍ، كلُّ واحِدةٍ فوق الأُخرى، وهي مَأخوذة من السُّمُوِّ، وهو العُلُوُّ والرِّفْعة.
وقوله تعالى: ﴿الْأَرْضِ﴾ أُفرِدَت، لكنَّ المُراد بها الجِنْس فتَشمَل الأرَضين السَّبْعَ؛ لأن الأرَضين سَبْع بصريح السُّنَّة، وسَبْع بظاهِر القُرآن، فهي سَبْع بصريح السُّنَّة؛ لقول النبيِّ ﷺ : "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ الله إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أرضين" (٢)، وبظاهِر القرآن؛ لقوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، فإن المِثْليَّة هنا قطعًا ليست بالصِّفة فتكون بالعَدَد.
وقول المُفَسِّر ﵀: [مُلْكًا وَخَلْقًا]، يَعنِي: أنه هو الذي خلَقَها وهو المالِكُ لها المُدبِّر، ولو قال المُفَسِّر ﵀: (وتَدبيرًا) لكان أَبْينَ، وإن كانت كلِمة [مُلْكًا] تَتضَمَّن التدبير.
فالله له ما في السَّمَوات والأرض خَلْقًا فلم يَخلُقْها إلَّا الله ، ومُلْكًا فلا مالِكَ لها إلَّا الله ، وتَدبيرًا فلا تَدبيرَ لأَحَدٍ فيها على وجه الإطلاق إلَّا لله .
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ كالدُّنْيا يَحمَده أَوْلياؤُه إذا دخَلوا الجنَّة].
стр. 10
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ هنا خَصَّ الحَمْد في الآخِرة مع أنه محمودٌ في الدُّنيا والآخِرة؛ كما قال الله في آيةٍ ثانية: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص: ٧٠]، لكنَّه ذَكَر ذلك؛ لأنَّ ظُهور حَمْده في الآخِرة أَبيَنُ وأَوْضَحُ، فإنَّ في الدُّنيا مَن يُنكِر حَمْد الله ، وَيكفُر به، ولا يَرَى إلَّا أنَّ هذه الدُّنيا طبيعة تَتَفاعَل بذاتها وليس لها مُدبِّر، ومَنِ اعتَقَد هذا الاعتِقادَ فهل يُمكِن أن يَحمَد الله ؟ أبدًا! لا يُمكِن حتى لو رَأَى الجيْر واندِفاع الشَّرِّ فانَّه لا يَحمَد الله ؛ لأنَه لا يُقِرُّ به، لكِن في الآخِرة لا يُمكِن لأحَدٍ إلَّا أن يَحمَد الله ، فالحَمْد في الآخِرة لله ، كما أنّه أيضًا في الآخِرة لا أحَدَ يُحْمَد إلَّا النادِر، قال الله تعالى للنبيِّ ﷺ : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، ، أمَّا بقية الناس ممَّن لم يَحمَدهم الله فإنهم ليس لهم حَمْد في الآخِرة، فأنت في الدُّنيا تَحمَد من يُحسِن إليك لكن في الآخِرة لا تَحمَد صديقَكَ ولا صاحِبكَ، اللهمَّ إلَّا أن يَكون ذلك بعد دُخول الجَنَّة فرُبَّما.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ كَالدُّنْيَا]، يَعنِي: كما أنَّ له الحَمْدَ في الدنيا، وكأنَّ المُفَسِّر ﵀ بهذا التَّقديرِ يَقول: إنه حُذِف الشِّقُّ الآخَر لدَلالة السِّياقِ عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، يَعنِي: والبَرْدَ.
وقوله ﵀: [يَحْمَدُهُ أَوْليَاؤُهُ إِذَا دَخَلُوا الجنَّةَ]؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤]، ولكِنَّ الصحيحَ أنه يَحمَد حتى على جزائه الكافِرين؛ فإنَّ الله قال في آخِر سورة الزُّمَر لما ذكَر سَوْق أهل النار إلى النار وأهل الجَنَّة إلى الجنَّة، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ
стр. 11
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]، فإن الله تعالى يُحْمَد على كَمال عَدْله وكَمال فَضْله، ومجُازاته لأهل النار من بابِ العَدْل فيُحمَد عليه.
وقول المُفَسِّر ﵀: ؟ [﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ فِي فِعْلِهِ]، وهذا فيه قُصور، لأنَّه حَكيمٌ في شَرْعه وفِعْله أيضًا؛ الذي هو القَدَر، فليسَتِ الحِكْمة خاصَّةً بالفِعْل، بل حتى في الشَّرْع الذي يَكون بكلامه فإن الشَّرْع هو الوحيُ وهو كلامُ الله ، وليس فِعْلًا له، بل هو كلامه، وكذلك فِعْله وهو حَكيم فيه، والحِكْمة مَأخوذة من الإِحْكام وهو الإِتْقان، ولهذا يُقال في تَفسيرها: إنَّها وَضْع الشيءِ مَوضِعَه، وهذا هو الإِتْقان، ولكِنْ ﴿الْحَكِيمُ﴾ له مَعْنيان: الحاكمِ والمُحكِم؛ لأنَّها مَأخوذةٌ مِنَ الحُكْم ومن الإِحْكام، وأنَّ حُكْم الله تعالى نَوْعان: حُكْم شَرْعيّ وحُكْم كَوْنيٌّ، وأنَّ الحِكْمة نوعان أيضًا: صُورية وغائِيَّة.
فالصُّورية: بمَعنى أن كون هذا الشيءِ على هذا الصُّور المُعيَّنة مُوافِق للحِكْمة.
والغائِيَّة: بأن الغاية من هذا الشيءِ حِكْمةٌ يُحمَد الله تعالى عليها.
فمَثَلاً كونُ الصلاة على هذا الوجهِ والصيامِ على هذا الوجهِ والوضوءِ على هذا الوجهِ، هذه في الأُمور الشَّرْعية، وكذلك في الأُمور الكَوْنيَّة؛ كون خِلْقة الإنسان على هذا الوجهِ والشمسِ والقمَرِ وما أَشبَه ذلك؛ هذه حِكْمة صُورَّية، بمَعنَى: كونُ الشَّيْءِ على هذه الصورةِ المُعيَّنة هذا لا شَكَّ أنه مُوافِقٌ للحِكْمة، ثُمَّ الغاية من ذلك الشيءِ حِكْمةٌ أُخرى.
وتكون هذه الحِكْمةُ الصُّوريةُ والغائِيَّة في الشَّرْع وفي القَدَر، وإذا ضَرَبت اثنَيْنِ في اثنَيْنِ تَكون أربعةً:
١ - حِكْمة غائِيَّة في الشَّرْع.
٢ - حِكْمة صُورية في الشَّرْع.
стр. 12
٣ - حِكْمةٌ غائِيَّةٌ في القَدَر.
٤ - حِكْمة صُورية في القَدَر.
وكُلُّ ذلك ثابِت لله ، وإذا آمَن الإنسان بهذا اطمَأَنَّ إلى أحكام الله تعالى الكَوْنية والشَّرْعية، ولم يَنقَدِح في ذِهْنه أيُّ اعتِراض؛ لأَنَّه يَعلَم أنَّ هذا صادِرٌ عن حِكْمة، وإذا عَلِم أنَّه صادِرُ عن حِكْمة فإنه لا يَبقَى في قلبه شَكٌّ من أنَّ هذا هو عيْنُ الصواب، وهو الذي تَقتَضيه الحِكْمة؛ وبهذا يَطمَئِنُّ الإنسان إلى شريعة الله تعالى، وَيطمَئِنُّ الإنسان أيضًا إلى قدَرِ الله ، وَيعلَم أن هذا هو الصوابُ الذي لا يَجوز غيرُه.
و(حَكِيمٌ) بمعنى حاكم فهو إذا صيغة مبالغة (فعيل)، وإذا كان (حكيم) من أحكم فهو بمعنى محكم وفعيل تأتي بمعنى مفعل ومنه قول الشاعر (١):
أَمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقُني وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
وقول المُفَسّر ﵀: [﴿الْخَبِيرُ﴾ بِخَلْقِهِ]، و (الخبير) معناها: ذو الخِبْرة وهي العِلْم ببواطِن الأُمور، ومنه سُمِّي الزارع خبيرًا؛ لأَنّه يَستُر الحبَّ بالحَرْث، وهل يُنافي ذلك العِلْمَ بظواهِر الأُمور؟ لا، بل إنَّه يُؤيِّده لأنَّ الذي يَعلَم ببواطن الأُمور من بابِ أَوْلى أن يَعلَم بظواهِرِها، والحِكْمة دائِمًا يَقرُنها الله بالعِزة وبالعِلْم، وهنا قُرِنت بالعِلْم الذي يَتضمَّنه الخِبْرة وإنما يَقرُنها الله بذلك ليَتبيَّن أنَّ حِكْمته مَبنيَّة على عِلْمه وأنه إذا تَراءَى لك أن هذا الشيءَ ليس بحِكْمة فذلك لنُقْصان عِلْمك، وإلَّا ولو كان عندك عِلْمٌ وفَهْمٌ لعَرَفت أنَّ الحِكْمة فيما شرَعَه الله وفيما قدَّره.
стр. 13
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدةُ الأُوْلَى: ثُبوتُ الحمد الكامِل لله في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى آخِرِه.
الفائِدةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هذا الحَمْدَ الذي ثبَت له هو أَهْل له؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾؛ لأنَّ اللَّام -كما تَقدَّم- للاستِحْقاق والاختِصاص.
الفائِدةُ الثَّالِثَةُ: ثناء الله على نَفْسه لأَجْل مَصلَحة العِباد؛ لأننا نحن لا نَستَطيع أنَّ نُثنيَ على الله أو نُحصيَ ثَناءً عليه؛ فإذا حَمِد الله نَفْسَه فهذا من مَصلَحَتِنا؛ لأَنه يُعلِّمنا كيف نَحمَده، وكيف نُثنِي عليه؛ وهو أهلٌ لأن يَمدَح نَفْسَه ويُثنِيَ عليها لمَصلَحة عِباده، وإلَّا فهو في غِنَى عن كونه يُظْهِر لنا من صِفات الكَمال ما يُظْهِر، ولكن هذا من أَجْل مَصلَحَتنا.
وهذه الفائِدةُ قد تكون مَبنِيَّة على سُؤال مُقدَّر: كيف يُثنِي الله تعالى على نَفْسه؟ وهل مَدْح الشَّخْص نَفْسَه يُعتبَر مَنقَبةً أم لا؟
فالجوابُ: أن يُقال: إنَّ الله تعالى يَمدَح نَفْسَه لا لحاجته إلى أن نُثنِيَ عليه أو أَنْ نَعرِف كماله؛ لأَنَّه الكامِلُ، لكن من أَجْل مَصلَحَتِنا، إذ إننا لا نُحصي ثَناءً عليه، ولا نَعرِف ماذا نُثنِي به عليه إلَّا عن طريق وَحْيه.
الفائِدةُ الرَّابِعَةُ: عموم مُلْك الله تعالى؛ في قوله : ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وهنا حَمِد نَفْسَه على عُموم مُلْكه، وقد يَحمَد نَفْسَه على فِعْله مِثْل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، وقد يَحمَد نَفْسه على شَرْعه، مِثْل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ... ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى
стр. 14
عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١].
الفائِدةُ الخَامِسَةُ: أنَّ السَّمواتِ جَمْعٌ؛ يَعنِي: أَكثَرُ من واحِدة؛ لقَوْله تعالى: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ومن أَدِلَّة أُخْرى قد ثَبَت أنها سَبْع، وكذلك الأَرْضُ.
الفائِدةُ السَّادِسةُ: ظهور كَمال الله يوم القِيامة؛ أَظهَرَ ممَّا يَكون في الدُّنيا؛ لقوله : ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾، فالمُلْك عامٌّ، وظهور الحمْد جَلِيًّا واضِحًا يَكون في الآخِرة.
الفائِدةُ السَّابِعَةُ: ثُبوت البَعْث؛ لقوله تَعالى: ﴿الْآخِرَةِ﴾.
الفائِدةُ الثَّامِنةُ: عُموم عِلْم الله ؛ يُؤخَذ مِن قَوْله تعالى: ﴿الْخَبِير﴾ وما جاء مِن التَّفصيل بعدها؛ لأنَّ الجبير هو العالم بالبَواطِن، والعالم بالبَواطِن عالم بالظَّواهِر.
الفائِدةُ التَّاسِعَةُ: إثبات هَذَيْن الِاسْمَين الكَريمين لله ، وهُما: ﴿الْحَكِيمُ الْخَبِيرٌ﴾.
الفائِدةُ الْعَاشِرَةُ: إثبات حُكْم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَت الكَونيِّ والشَّرْعيِّ، وإثباتُ حِكْمته المُتعَلِّقة بالكون والمُتعَلِّقة بالشَّرْع.
وَيتفَرَّع على هذه القاعِدةِ وجوبُ التَّسليمِ لقَضائه الكونيِّ والشَّرْعيِّ بحيثُ لا نُورِد أيَّ اعتِراضٍ؛ حتى وإن جاء على ما ظاهِرُه خِلافُ الحِكْمة فإنَّه يَجِب أن نَتَّهِم عُقولَنا؛ لأنَّه إذا ثبَت أنه حكيم في الحُكْمين الكونيِّ والشَّرْعيِّ لزِمَ من ذلك التَّسليمُ للقَضاء الكونيِّ والشرْعيّ؛ لأنَّه صادِرٌ عن حِكْمة، لكِنَّ هذه الحِكْمةَ قد تَخفَى علينا.
* * *
стр. 15
الآية (٢)
* * *
ثُمَّ فصَّل شيئًا من عِلْمه:
* قالَ الله : ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢].
* * *
قول المُفَسِّر ﵀: [﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ يَدْخُلُ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ كماءِ وَغَيره ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ كَنبَاتٍ وَغَيرِهِ ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ مِنْ رِزْق وَغَيرهِ ﴿وَمَا يَعْرُجُ﴾ يَصْعَدُ ﴿فِيهَا﴾ مِنْ عَمَلِ وَغَيرهِ ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بِأَوْليَائِهِ ﴿الْغَفُور﴾ لهمْ] هذا من باب التَّفصيل.
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾: ﴿مَا﴾ اسم مَوصول يُفيد العُموم، و ﴿يَلِجُ﴾ بمَعنى: يَدخُل، فكُلُّ ما يَدخل في الأرض فالله يَعلَمه.
وقول المُفَسِّر ﵀: [كماءٍ] الماء يَدخُل إلى الأَرْض ويَخرُج منها، فإذا أَنزَل الله الماء من السَّماء أَدخَله في الأرض يَنابيعَ، وإذا أَراد الله أن يَخرُج خرَج بآلة أو بغير آلة.
وقوله ﵀: [وَغَيره] كالأموات وغيرهم؛ كالأَشياء التي لها جُحور في الأرض، والنَّبات أيضًا وبُذورها أيضًا، كلُّها داخِلة في الأرض.
المُهِمُّ: أن ما يَلِج في الأرض لا يُحصىَ أَصنافه فضلاً عن أفراده وهو واسعٌ
стр. 16
جِدًّا، والله يَعلَمه حتى الذَّرَّة التي تَدخُل في جُحْرها يَعلَمها الله .
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ كَنبَاتٍ وَغَيرهِ] فالنَّباتُ واضِح؛ و [غَيره] كالماء والمعادِن والحيوانات التي تَنتَشِر في الأرض، ومن ذلك الإنسانُ؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] إِخْراج وإِدْخال، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧ - ١٨].
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ مِنْ رِزْقٍ وَغَيرهِ] كيف يَنزِل من السماء الرِّزْق؟ هل تَبقَى في البيت كلَّ يَوْم وَيأتيك التَّمْر والثِّياب وَينزِل من السماء؟
الجوابُ: لا ولكن الرِّزْق يَكون بالمَطَر مثَلًا، يُنزِل الله المَطَر فتُنبِت الأرضُ؛ ويَخرُج منها الماء والمَرعَى، قال تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس: ٣٢]، وغير ذلك أيضًا: يَنزِل أَمْرُ الله : ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥]، وتَنزِل أيضًا الملائِكة، وتَنزِل الشُّهُب تُرمَى بها الشياطينُ، وأشياءُ كثيرةٌ من هذا، الله يَعلَمها.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا يَعْرُجُ﴾ يَصْعَدُ ﴿وفِيهَا﴾ مِنْ عَمَلٍ وَغَيْره]؛ هنا (يعْرُج) بمَعنى يَصعَد و (يَعرُج) تُعدىَّ بـ (إلى) كما قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وهنا قال: (يَعرُجُ فيها) والنَّحويُّون اختَلَفوا في مِثْل هذا؛ فمِنهم مَن قال: إنَّ الحرْف بمَعنًى يُناسب الفِعْل؛ يَعنِي: أَنْ يُجعَل حرفٌ بمَعنَى حرفٍ آخَرَ يُناسب الفِعْل؛ فمَثَلًا يَقول: (في) بمَعنَى (إلى)، ومنهم مَن يَقول: بلِ الحَرْف باقٍ على
стр. 17
مَعناه الأصل، ويُضَمَّنُ الفِعْلُ مَعنًى يُناسب ذلك الحرْفَ، وهذا مَذهَب البصريين فيقولُ: ﴿يَعْرُجُ﴾ مُضَمَّنٌ مع مَعناه الظاهِر -وهو العُروج- معنى الدُّخول؛ يَعنِي: يَعرُج فيَدخُل فيها، ليس المُرادُ ما يَعرُج فقط ولا يَدخُل، وسَبَق لنا في مُقدِّمة التفسير لشيخ الإسلام ابنِ تيميَّةَ ﵀ أنَّ هذا المَذهَبَ هو المَذهَبُ الصحيح المحقَّقُ؛ وهو أن نُضمِّن الفِعْل معنًى يُناسب الحرف؛ لأنَّ هذا التَّضمين يَجعَل للفِعْل مَعنيَيْنِ: أحدُهما: المعنى الظاهِرُ من اللَّفْظ، والثاني: المَعنَى الذي تَضمَّنه؛ ليُناسب الحرْف الذي تَعلَّق به.
وَيظهَر لك ذلك جَلِيًّا في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، ومَعلومٌ أننا لا نَشرَب بالعَيْن إذ ليست بآلة للشُّرْب، ويَرَى بعض العُلَماء ﵏ أن نَجعَل الباء بمَعنى (مِنْ) أي: يَشرب منها، وَيرَى آخَرون أننا نُضمِّن (يَشرَب) مَعنى (يَروَى) فإذا ضمَّنَّا نَستَفيد فائِدتَيْن:
الأُولي: الشُّرْب.
والثانية: والرِّيُّ.
ولكن إذا قُلْنا: إنَّ الباء بمَعنى (مِنْ) لم نَستَفِد هذه الفائِدةَ.
فالمُهِمُّ: أن المَذهَب الصحيح هو أننا نُضمِّن الفِعْل مَعنى يُناسبُ الحرْف، ولا نَجْعَل الحرْف بمَعنَى حَرْفٍ آخَرَ.
وقوله ﵀: [﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بِأَوْليَائِهِ ﴿الْغَفُورُ﴾ لهمْ] وهذا أيضًا من التَّخصيص بلا دليلٍ.
وقوله تعالى: ﴿الرَّحِيمُ﴾ لم يَذكُر مُتعلَّقها، والمُفَسِّر ﵀ يَقول: [بِأَوْلِيَائِهِ]
стр. 18
فعليه يَكون أعداؤُه لا رحمةَ لهم على كلام المُفَسِّر ﵀، و ﴿الْغَفُور﴾ أيضًا لأَوْليائه، فأَعداؤُه لا مَغفِرةَ لهم، ولكنَّ الصحيح: العُموم، لأنَّ هذين الِاسْمَيْن مُطلَقان فيَبقَيان على إطلاقهما؛ فهو رحيم حتى بأعدائه، فالكافِر قد أَعطاه الله تعالى صِحَّة ورِزْقًا من اللِّباس والطَّعام والشَّراب والمَسكَن والزوجة والأَهْل، وكل هذا رحمةٌ، لكنها رحمةٌ عامَّةٌ، يَعنِي: أنها لا تَكون خاصَّةً كرَحْمة المُؤمِنين.
والمَغفِرة أيضًا يَستَحِقُّها مَن تاب من عَداوته لله ، وإذا تاب فهو وَلِيٌّ من أَوْلياء الله ، ولكن قد يَكون في الإنسان عَداوة ووِلايةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢]، وهم مُستَحِقُّون لمَغفِرة الله .
إِذَنْ: فكَلِمة ﴿الرَّحِيمُ﴾ عامَّةٌ، لأنَّها تَختَصُّ بالفِعْل وهو إيصال الرحمة إلى المَرحوم.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدةُ الأُوْلَى: أن من الأساليب البلاغية: الإجمالَ ثُمَّ التَّفصيلَ؛ لقوله تعالى: ﴿الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ إلى آخِره، وفائِدة هذه الطريقةِ البَلاغية هي: أن الشيءَ إذا جاء مجُمَلًا تَشوَّفَتِ النُّفوس إلى تَفصيله، فجاء التَّفصيلُ وارِدًا على نُفوسٍ تَتطَلَّع إليه، فإذا ورَد التَّفصيلُ إلى نُفوس تَتطَلَّع إليه كان أَوْقعَ في النَفْس وأَرسَخَ في القَلْب.
فلو قُلْتُ لكَ: حدَث البارِحةَ شيءٌ عَظيم ما دَريتَ؟ البارِحة الساعة الواحِدة من الليل حدَث أمر عظيم؛ ما عَلِمْت؟ ! فتَتَشَوَّف إلى هذا وتَتَطَلَّع إلى هذا الشيءِ العَظيم.
لكن لو قُلْتُ لكَ: حدَث البارِحة مثلًا أن رُميَ بنَجْم فاستَنار نورًا عظيمًا، على
стр. 19
كلِّ حال تَقبَل هذا الخبَرَ، لكن ليس كالأوَّل؛ لأنك في الأوَّل ستَقول: ما هذا الشيءُ العظيمُ؟ تَقول: شيء عظيم، ما هذا الشيءُ؟ ! أَخبِرْني ما هذا الشيءَ؟ حتى يَرِدَ على قَلْبك وقد تَشَوَّفْت إليه كثيرًا.
الفائِدةُ الثَّانِيَةُ: تمَام تَصرَّف الله في مخَلوقاته؛ هذا يَلج، وهذا يَدخُل، وهذا يَنزِل، وهذا يَعرُج؛ قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾.
الفائِدةُ الثَّالِثَةُ: من فَوائِدها -وهي فائِدة بَلاغِيّة-: البَداءةُ بما يُماسُّ الإنسانَ وإن كان غيرُه أشرَفَ منه؛ لأنه تَحدَّث عما يَلِجُ في الأرض وما يَخرُج منها قبل التَحدُّث عما يَنزِل من السَّماء وما يَعرُج فيها، وهذه الفائِدةُ بِناءً على أن السّماء أَشرَفُ من الأرض، وهل هذا مُسلّمٌ؟
الجوابُ: هذا فيه خِلاف بين العُلَماء ﵏، وفيه جدَلٌ كثير، منهم مَن يَرَى أنَ السماء أَشرَفُ وَيقول: إنَّ السماءَ لو لم يَكُن فيها إلا المَلائِكةُ المُقرَّبون، وهي جهة عُلُوّ والسّماء فيها أيضًا الله فَوقَها، ومنهم مَن يَرَى أن الأرض أَشرَفُ وَيقول: لأنَها خُلِق منها أَفضَلُ المَخلوقات وهمُ الأَنبياءُ والرُّسُل، فهي أشرَفُ.
وهذا النِّزاعُ وإن كان نِزاعًا قد يُقال: إنه مِنْ فُضول العِلْم، لكنه على كلِّ حال في أوّلِ وَهْلة يَرَى الإنسان أن السَّماء أَشرَفُ من الأرض، ولكن ذُكِرَتِ الأرضُ هنا لأنها تمُاسُّنا أكثَرَ ونَعرِف عنها أكثَرَ.
الفائِدةُ الرَّابِعَةُ: إثبات الرحمة والمَغفِرة لله ، في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾، وهنا قدَّم (الرَّحيم) على (الغَفور)، وإن كان الأكثرُ في القرآن تَقديمَ (الغَفور) على (الرَّحيم)؛ لمِا يَكون في السماء والأرض مِنَ المَصالِح والمَنافِع، والمَصالِح
стр. 20
والمَنافِع من آثار الرحمة، ودفعُ المَصائِب من آثار المَغفِرة؛ لأنَ المَغفِرة: مَحْوُ الذنْب الذي تَزول فيه المَكروهات، والرحمة: حُصول الخير.
والرحمة عند أهل السُّنَة والجماعة: صِفة من صِفات الله ، حقيقة ثابِتةٌ له، وعند الأَشاعِرة يَقولون: الرحمة هي الإحسان أو إرادة الإِحْسان، فيُفسِّرونها بالشيء المَفعول لله ؛ يَعنِي: بالنَعَم أو بإِرادة النِّعَم؛ لأنهم يُقِرُّون بصِفة الإرادة؛ فيُفسرون الرحمة بإرادة الاِنْعام والإحسان، أو بالإِنْعام والإحسان نَفْسه.
ولكِنَّ القَوْل الصوابَ المَقطوع به هو أنْ تُجرَى نُصوص الكِتاب والسُّنُّة فيما يَتعَلَّق بأسماء الله تعالى وصِفاته على ظاهِرها، فلا نَحتاج أن نَقول: (اللائِق بالله) إلا على سبيل الإيضاح فَقَطْ؛ لأننا نَعلَم عِلْم اليقين أنَ ظاهِرها لائِقٌ بالله تعالى، وليس ظاهِرُها كما يَقول أهل التعطيل: التشبيهُ! لأَنه لو كان ظاهِرُ نُصوص الكِتاب والسُّنَّة في أسماء الله تعالى وصِفاته التَّشبيهَ أو التَّمثيلَ لكان ظاهِرُ القُرآن والسُّنَّة في هذا البابِ هو الكُفْرَ؛ لأنَّ من شبَّهَ الله تعالى بخَلْقه فقد كفَرَ، حيث كذَّب قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ومحالٌ أن يَكون ظاهِرُ الحَقِّ باطِلاً وكُفْرًا.
ولهذا إذا قُلْنا: إنَّ نُصوص الكِتاب والسُّنَّة في أسماء الله تعالى وصفاته تُجرَى على ظاهِرها اللائِق بالله تعالى؛ فهذا مِن باب الإيضاح، وإلا فإننا نَعلَم عِلْم اليَقين -الذي هو عندنا أَيقَنُ من الشمس-: أنَّ ظاهِرَها هو ما يَليق بالله تعالى، فلا حاجةَ إلى التَّقييد به، لكنَّنا قد نُقيّده على سبيل الإيضاح فَقَطْ.
و(الرَّحمة) هل هي صِفةُ كَمالِ من حيث هي؟ بقَطْع النَّظَر عن مَوصُوفها أو صِفةُ نَقْص؟
стр. 21
الجوابُ: هي صِفة كَمالٍ في الواقِع، حتَّى الرَّحمة في المخلُوق صِفة كمالٍ له، وعجبًا مِن هؤلاء الذِين يُنكرونها وَيقولون: إنَّ الرَّحمة تدلُّ على رِقَّةٍ ولينٍ ومَا أشبَه ذَلِك، ونَقول: الرِّقَّة واللِّين في مَوضعِها كمالٌ، والغِلظة والشدة في مَوضعِها كمالٌ، وفي ذَلِك يَقول المتنبيُّ:
وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالْعُلَا ... مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى (١)
النَّدَى: العَطاء والبَذْل، وهو حِكْمة؛ يَقول: وَضْع النَّدى في مَوضِع السَّيْف مُضِرٌّ بالعُلا والأَخْلاق؛ لأنَّ الذي يَستَحِق السَّيْف أَحسَن ما نَضَع له السيفُ؛ فلو أنَّ مجُرِمًا مُفسِد في الأرض أمسَكْناه وقَدَرْنا عليه نَقول له: (هذه الفِلَّة لكَ، وهذه السَّيّارةُ لكَ، وهذا المُستَوْدعُ المَملوء بالخزائِن الذهَب والفِضَّة لكَ؛ لأنك مجُرِم)؛ هل هذه حِكْمة؟ الجوابُ: لَيْسَت حِكْمةً.
(كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى)، وإنسان صاحِب خَيْر وإحسان ومُستَحِقٌ لأن يُكرَم، فجِيءَ به ووضَعْناه على نِطَع القَتْل؛ قلنا: سنَقتُلُك الآنَ؛ لأنك مُحسِن.
هل هذه حِكْمة؟ الجوابُ: ليست بحِكْمة.
فهذا البَيْت من أعظَمِ ما يَكون من أبيات الحِكْمة والمُتنَبِّي مَعروف بأنه حَكيم الشُّعَراء.
فنَقول: إن الرَّحْمة صِفة كَمال من حيثُ هي هي، فإذا أُضيفَت إلى الله صارت أَكمَلَ وأَكمَلَ.
* * *
стр. 22
الآية (٣)
* * *
* قالَ الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣].
* * *
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بالله وبقُدْرته وبحِكْمته، قالوا: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ هل قالوا هذا اللَّفظَ أَمْ قالوا مَعنَى هذا اللَّفظِ؟
الجوابُ: قالوا هذا اللّفظَ؛ لأنَ الأصل أنَ ما نُقِل عن الغير فإنَّه مَنقول بنَصِّه وفَصْله، فهُمْ قالوا: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾، وقالوا في مَوضِعٍ آخَرَ: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، وتَنوَّعَت عِباراتُهم في إِنْكار القِيامة هم قالوا: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ يَعني: لا يُمكِن أن تَأتيَنا الساعة مع أنَ الله يَقول: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧]، فكذَّبوا بذلك قولَ الله تعالى مُستَنِدين إلى استِبْعاد عُقولهم أن تَرجِع هذه العِظام النَّخِرة حتى تَعود إنسانًا حَيًّا، وما علِموا أنَ الذي بدَأَ الخَلْق قادِرٌ على إعادته؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، فشُبْهَتُهم إِذَنْ في هذا الإنكارِ هي: الاستِبْعاد فقط؛ هذه واحِدة.
ثانيًا: يَقولون إذا كنتم صادِقين في أننا سنُبعَث فأتوا بآبائِنا، ابعَثُوهم لنا، وهذا
стр. 23
تحَدٍّ في غير مَوضِعه؛ لأنَّ الرُّسُل لم تَقُل لهم: إنكم تُبعَثون الآنَ. بل إذا انتَهَت الخلائقُ ومات الخلْق كلّهم بُعِثوا، فهذا التَّحدِّي في غير مَوضِعه، هذا التَّحدِّي في مَوضِعه لو كانَتِ الرُّسُل تَقول: إنَّ الناس سيُبعَث أوَّلُهم الآنَ معَ وجود آخِرهم صحَّ أَنْ يُقال ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] أمَا وقد قالوا: إنهم سيُبعَثون بعد أن يَفنَى الخَلْق كلُّه ممَّن سيُبعَث، فهذا ليس فيه التَّحدِّي.
إِذَنْ: شُبهَتُهم الاستِبْعاد، والتَّحدَّي في غير مَوضِعه حيث قالوا: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
يَقول الله : ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾: ﴿بَلَى﴾ هذه يُؤتَى بها لإِبْطال النَّفْي ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ أَمَر الله النَّبيَّ ﵊ أن يَصدَع بخِلاف ما قالوا مُؤكِّدًا ذلك بالقَسَم واللَاّم والنُّون، فـ ﴿قُلْ بَلَى﴾ جوابٌ: لإِبْطال النَّفيِ و (رَبّي): قَسَم، واللام للتَوْكِيد، والنون أيضًا للتَوْكيد فالجمْلة مُؤكَدة بثلاث مُؤكِّدات.
وقوله تعالى: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أيِ: الساعةُ، وهذا أَحَد المَراضِع الثلاثة التي أَمَر الله به نَبيَّه أن يُقسِم عليها.
والمَوْضِع الثاني: قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣].
والمَوْضِع الثالِث: قولُه تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧].
وإنَّما أَمَر الله تعالى نَبيَّه محُمَّدًا ﷺ أن يُقسِم على ذلك؛ لأَهمِّيَّته وعِظَمه؛ ولأَنَّه مُقتَضى البَلاغة؛ فإنَ مُقتَضى البَلاغة أنَ المُنكِر يُؤتَى له بالكَلام مُؤكَدًا بمُؤكِّدٍ واحِد
стр. 24
أو اثنين أو ثلاثة حسبَ ما يَقتَضيه المَقال؛ ولأَهَمِّية هذا المَوْضوعِ أَمَرَ الله نَبيَّه محُمَّدا ﷺ أن يُقسِم عليه.
فإن قُلتَ: ما فائِدةُ القَسَم أمام مَن يُنكِر، لأنَّ مَن أَنكَركَ بدون قَسَم أنكَرَكَ مع القَسَم؟
فالجَوابُ: من وَجْهين:
الوجهُ الأَوَّلُ: أن هذا هو مُقتَضى القَسان العَرَبيِّ، أن الأَخْبار تُؤكَّد بأنواع المُؤكِّدات.
الوجهُ الثاني: أن التَّأكيد يَدُلُّ على أن المُتكلِّم جازِم بهذا المُقسَم عليه جَزْمَه بما أَقسَم به؛ فكما أننا جازِمون بالله بوُجوده وكَماله، فنحن جازِمون أيضًا بما أَقسَم عليه وهو: إتيان الساعة.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ بِالجْرَّ صِفَةٌ، وَالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ، وَفِي قِرَاءَةٍ: (عَلَّامِ) بِالجْرِّ] ففيها إِذَن: ثلاثُ قِراءات: ﴿عَالِمِ﴾ مَرفوعة ومجَرورة، و (علاّم) مجَرورة فَقَطْ.
وقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ مُناسَبةُ ذِكر هذه الصِّفةِ لإثبات القِيامة ظاهِر؛ لأنَّ قيام الساعة مِن عِلْم الغَيْب، والذي أَخبَر به هو (علاّم الغَيْب)، فإذا صدَر هذا الخَبرُ من عالم الغَيْب وجَبَ علينا قَبولُه؛ ولهذا الخبرُ عن المُستَقبَل إذا صدَر من جاهِل لا يَدرِي فإننا نَرفُضه، وإذا صدَر من عالم فإننا نَقبَلُه.
وعِلْم الله تعالى الغَيْبَ أَمْرٌ معلوم حتى عند الكُفار، فإنَ الله يُخبِر بأشياءَ ثُم تَقَع ويُشاهِدونها، وهذا شيء لا يَمتَرون فيه؛ فلهذا وَصَفَ الله تعالى نَفْسَه
стр. 25
بهذه الصّفةِ بعد إثبات إِتْيان الساعة؛ لأَنّه أمرٌ معلومٌ عِنْدهم، فإذا صدَر هذا الخبَرُ من عالم الغَيْب الذي يقرُّون بعِلْمه للغَيْب صار الخبرُ مُؤكَدًا واقِعًا.
وقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [بالجَرّ صِفَةٌ] لـ (رَبِّ)؛ لأن (رَبّ) مَجرور فنَقول في إعرابه: الواو حَرْفُ قَسَم وجَر، (رَبي) مُقسَم به مَجرور بكَسْرة مُقدَّرة على ما قبل ياء المُتكَلِّم منَع من ظُهورها اشتِغال المَحَل بحرَكة المُناسَبة، فليسَتِ الكَسْرة هذه كَسرةَ الإِعْراب، وإنما قُلنا ذلك لأنه رُبَّما يَرِد علينا مِثْلُ قَوْلنا: (ربّي الله) ليسَتْ مَجرورةً، وهذه الكَسرةُ من أَجْلِ المُناسَبة، فالكَسْرة إِذَنْ ثابِتة قبل أن يَدخُل حرفُ الجر؛ فلذلك تكون الكَسْرة الإِعْرابية مُقدَّرة على ما قَبلَ ياء المُتكَلّم.
وقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ صِفة لـ (رَبِّ)؛ وصِفة المَجرور مجَرور.
أمّا بالرفع فيَكون خَبَرَ مُبتَدَإٍ؛ يَعنِي: (هو عالم الغَيْب) والجُمْلة كلُّها: إمَّا حال من (رَبِّ)، وإمّا استِئْنافية لبيان اتِّصاف الله تعالى بهذا العِلْمِ.
و(الغَيْب): ما غاب عن الإنسان وهو أمر نِسْبيٌّ، لكن الغَيْب المُطْلَق لا يَكون إلا لله، أَقولُ: (إن الغَيْب أَمْر نِسْبيٌّ)؛ لأنه قد يَغيب عنك ما لا يَغيب عن غَيْرِك فصاحِب الدُّكَان الذي عند المَسجِد الآنَ تَصرُّفه الذي يَتصرَّفه الآنَ بالنسبة لنا غَيْب، لكن بالنِّسبة لمَن عِنده شهادة، فالغَيْب أمر نِسبيٌّ؛ ولذلك الخَبرُ عن الشيء الواقِعِ هل يُعتَبر من الغَيْب الذي يَختَصُّ به الله تعالى؟
الجوابُ: لا؛ لأَنَّه يَعلَمه مَن وقَع عِنْده وحدَث عِنْده، لكن الغيب المُستَقبَل هذا هو الذي من خَصائِص عِلْم الله؛ ولهذا مَنِ ادَّعى عِلْم الغَيْب في المُستَقبَل صار مُكذِّبًا لقَوْل الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
стр. 26
ومَنِ ادَّعى عِلْم غَيبٍ واقِعٍ فهذا الغَيْبُ ليس غَيْبًا مُطلَقًا، ولكنه غَيْب نِسْبيٌّ؛ يَعلَمه مَن شاهَدَه، ولا يَعلَمه مَن لم يُشاهِدْه؛ فغَيْب الله تعالى في قوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ يَشمَل الأَمْرين أو يَشمَل المُستَقبَل فقط؟
الجوابُ: يَشمَل الأَمْرين؛ لأنَّ كُلَّ ما حدَث ولو في أزمانٍ بَعيدة جِدًّا فالله عالمٌ به، وكل ما سيَحدُث فالله عالمٌ به، فالغَيْب المُطلَق للواقِع والمُنتَظَر هذا من خصائِصِ عِلْم الله تعالى، والغَيْب المُقيَّد بالواقِع هذا ليس من خَصائِص عِلْم الله تعالى، بل هو حاصِلٌ لكل مَن شاهَدَه.
قول المُفَسِّر ﵀: ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ يَغِيبُ ﴿عَنْهُ﴾]، يَعنِي عن الله [﴿مِثْقَال﴾ وَزْنُ ﴿ذَرَّةٍ﴾ أَصْغَرِ نَمْلَةٍ ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾].
وقوله تعالى ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ إلى آخِره؛ صِفة من الصِّفات السَّلْبية، و ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ من الصِّفات الثُّبوتية، فالصِّفات الثُّبوتية -كما تَقرَّر- كلُّها صِفاتُ كَمالٍ، والصِّفات السَّلْبية تَأكيد لصِفاتِ الكَمال؛ لأنها تَتضمَّن صِفة الكَمال المَنفيَّ عنها هذا العَيْبُ، فالصِّفات السَّلْبية يَعنِي النَّفي تَأكيدٌ للكَمال؛ لأنها تَتضمَّن ثُبوت الصِّفات الكَمالية الخالية من هذه الصِّفةِ التي تُعتَبر صِفةَ نَقْص.
ولهذا ما من نَفْيٍ في صِفات الله إلَّا وهو مُتضمِّن لإثبات كَمال ضِدِّه، فمَثَلًا: إذا قلنا: لا يَعزُب عن عِلْم الله شَيءٌ فذلك لكَمال عِلْمه، وإذا قُلْنا: إنه خلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ في سِتَّة أيام ولم يَمَسَّه لُغُوب فذلك لكَمال قُدْرته، وعلى هذا فقِسْ.
فكُلُّ صِفات النَّفيِ المُضافة إلى الله يُراد بها إثباتُ كَمال الضِّدِّ؛ كأنه وصَفَ الله تعالى بالكَمال الخالي عن هذا النَّقْصِ.
стр. 27
وقوله تعالى: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: إنها صِغار النَّمْل [أَصْغَرِ نَمْلَةٍ] أَفادَنا المُفَسّر ﵀ أنَّ من النَّمْل ما هو صغير وما هو كبير، ونحن في عُرْفِنا على خِلاف ذلك، عندنا أن النَّملةَ نَوْع مُعين من الذّرّ، وعندنا الذّرَّة الصِّغار، وعندنا شيء يُسمَّونه نَمْلة؛ والنَّمْل مَعروف أنه الذي أَكبَرُ من الذّرّ قليلًا ودون القَعْرِ.
يَقولون: إن هذا القَعْرَ من أَعْنَدِ ما يَكون، يُضرَب بها المَثَلُ في العِناد؛ لأنك تُزَحْزِحها عنك، ولكنها تَرجع، ثُمَّ إذا أمْسَكَتْ ثَوبَك أو جِلْدك ما يُمكِن أن تَنفَكَّ، تَنقَطِع ولا تَنفَك -سُبحان الله تعالى-، ومن عِنادها أنها إذا أَمسَكَتْ في الثَّوْب يَعنِي: عَضَّتْه بقَرْنيها أو الجِلْد ما تَزَحْزَح أبدًا حتى تَنقَطِع، وفيها أيضًا يُسمُّونها عندنا القِعْس، ولكن هذه أنواع لجِنْس في الواقِع، وكلُّها تُسمّى نَمْلًا، وكلّها ذَرُّ؛ ولهذا نَهيُ الرسول ﷺ عن قَتْل النَّمْل (١) يَشمَل هذا كلَّه.
قول المُفَسّر ﵀: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بَيِّنٍ، وَهُوَ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ] هل في هذا إثبات العِلْمِ، من قوله تعالى: ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾؟
الجوابُ: نَعَمْ فيه إثبات العِلْم؛ لأنَّه لا كتابةَ إلَاّ بعد العِلْم؛ فكِتابة المَجهول لا تُتصوَّر، فيَكون فيه فائِدة زائِدة على إثبات العِلْم؛ وهو أنَّ معلومَ الله مَكتوب في اللّوْح المَحفوظ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: الجنَّة وما فيها شيءٌ واقِع يَختَصُّ بعِلْم الله ؟
стр. 28
فنَقول له: بل نحن نَعلَم الجنَّة من وَجْهٍ ونَجهَلُها من وَجْه آخَرَ، فنَعرِف الأسماء منها دون المُسمّيات، فهذا عِلْمٌ وواقِع؛ فنَعرِف أن هناك جَنّة الآنَ ونارًا، وفيهِما ما ذُكِر من النعيم أو من العَذاب لكن نَجهَل الحقيقة.
فلو أَخبَرَك إنسانٌ بخَبَر واقِع في بلادِك مثَلاً، بل في بيتك الآنَ الذي أنت ما أنت فيه، فستَعرِف المَعنى لكن لا تَعرِف الحقيقة كما هي إلَّا إذا شاهَدْتَها.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدةُ الأُوْلَى: إنكار الكافِرين للبَعْث؛ لقولهم: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾.
الفائِدةُ الثَّانِيَةُ: أنَ إنكار البَعْث كُفْرٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
فإن قُلتَ: ما وجهُ الدَّلالةِ؟
فالجوابُ: وَجْهُ الدّلالة: أنه لولا أنَّ لهذا الوَصْفِ تأثيرًا لما قاله الله تعالى بهذا الوَصْفِ، ولقال: (وقالوا لا تَأتِينا الساعةُ)، فلَمَّا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عُلِم أن هذا القَوْلَ لا يَصدُر إلا عن كافرٍ.
الفائِدةُ الثَّالِثَةُ: تَعظيم شَأن القِيامة؛ لأَمْر الله تعالى نَبيَّه محُمَّدًا ﷺ أن يُقسِم على أنها ستَقَعُ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾.
الفائِدةُ الرَّابِعَةُ: كَمال رحمة الله بعِباده، حيثُ أَخبَرَهم بالبَعْث وأكَده بالمُؤكِّدات اللَّفْظية والمَعْنوية والحِسِّيَّة أيضًا؛ لأنَّ الإيمان بالبَعْث هو الذي يَحمِل الإنسانَ على القِيام بطاعة الله؛ إذ لو لم يَكُن هناك بَعْثٌ ما عمِل الإنسان للآخِرة أبدًا.
فنَقول: إنَّ هذا دليلٌ على رحمة الله بالعِباد أن يُؤكد لهم البَعْث الذي يَكون فيه الجزاء على العمَل مِن أَجْل أن يَعمَلوا لهذا اليَوْمِ.
стр. 29
الفائِدةُ الخَامِسَةُ: أنَ الساعة مَوكولة إلى عِلْم الله تعالى؛ لقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾، فهي خبَرٌ من أَخْبار الله الغَيْبيَّة؛ التي لا يَطَّلِع عليها إلَّا الله، والآياتُ في هذا المَعنَى -والأَحادِيثُ أيضًا- كثيرةٌ، فمَنِ ادَّعى عِلْم الساعة فهو كافِرٌ؛ لأنه مُكذّب للقُرْآن والسُّنَّة وإجماع المُسلِمين.
الفائِدةُ السَّادِسةُ: شُمول عِلْم الله تعالى لكُل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾.
الفائِدةُ السَّابِعَةُ: إِثْبات السَّمَواتِ، وأنها عِدَّة؛ لقوله تعالى: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، وهلِ الأَرْضُ كالسَّمَواتِ في العدد؟
الجوابُ: نعَمْ، كما تَدُلُّ عليه نُصوصٌ أُخرى غيره هذه الآية.
الفائِدةُ الثَّامِنةُ: أنَّ هناك شيئًا أصغَرَ من الذَّرَّة؛ لقوله : ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾ وهو الواقِعُ؛ فإن في مَخلوقات الله ما لا تكاد تَراه بعَيْنِكَ، ولا تَراه إلَّا بالمِجْهَر، ومع ذلك إذا رأَيْتَ هذا الشيءَ -سبحان الله العظيمِ- في مجِهَر مُكبرّ يُكبِّر الشيء مِليونَ مرَّةٍ، إذا رأيْتَ هذا الشيءَ الذي لا تَراه بعَيْنكَ تَجِدْ له جميع مَصالحِه؛ أَيْدٍ، وأَرجُل، وأَعْينٌ، كل شيء؛ حتى الزَّغَب الذي على ظَهْره لِوِقايته تَجِده مَوجودًا، وهذا دليلٌ على كَمال قُدْرة الله ، وأنَّه لطيف خَبيرٌ سبحانه.
الفائِدةُ التَّاسِعَةُ: إثبات اللَّوْح المَحفوظ؛ لقوله تعالى: ﴿كِتَابٍ﴾.
الفائِدةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ هذا اللّوحَ كُتِب فيه مَقاديرُ كل شيء، الصغير والكبيرِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
стр. 30
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَ هذا الكِتابَ مُبِين؛ أي: مُفضل لكل شيء؛ كما قال الله ﵎: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ففي هذا اللَّوحِ المَحفوظِ كل ما يَكون إلى يوم القِيامة، كما جاءَت بذلك السُّنة مُوضحةَ هذا.
الفائِدةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ: إباحة القَسَم؛ بل وُجوبه إذا دعَتِ الحاجة إليه، نَأخُذه من أَمر الله نَبيَّه أنَّ يُقسِم على قِيام الساعة: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾؛ ولهذا نَجِد بعض الأئِمَّة ﵏ إذا ذكَروا حُكْم مَسأَلة من المَسائِلِ أحيانًا يُقسِمون عليها، وهذا يُوجَد في كلام الإمامِ أحمدَ (١) ﵀، ورُبَّما في كلام غَيْره، لكن لم نَطَّلِع عليه، لأنه أحيانًا يُسأل هل تَقول بكذا وكذا؟ فتقول: إِيْ والله. فيقسِم على الشيء تَثْبيتَا له وتَأييدًا، وإيحاءً بطُمَأنينته إليه بالنِّسْبة للمُخاطَب.
وعلى هذا فيَجوز للمُفتِي أن يَحلِف على الحُكْم إذا دعَتِ الحاجة إلى ذلك، بل قد يَكون ذلك واجِبًا حَسْبما تَقتَضيه الحالُ.
الفائِدةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ: قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وهل يُستَفاد من هذه الآيةِ الكريمةِ أنَّ الخِطاب الخاصَّ بالرسول ﷺ يَشمَله هو والأُمَّةَ؟
الجوابُ: ليس فيها دَلالة ظاهِرة على هذا، ولكنه سبَق لنا: أن الخِطاب المُوجَّه إلى الرسول ﷺ يَنقَسِم إلى ثلاثة أقسامِ:
القِسْم الأَوَّل: فيه الدَّلالة الصريحة على أن المُراد به الأُمَّة؛ يَعيي: مع الرسول ﷺ .
стр. 31
القِسْم الثاني: الدَّلالة الصريحة على أنه خاصٌّ بالرسول ﷺ .
القِسْم الثالِث: ما ليس فيه دَلالة ولا قَرِينة، فإذا مخُتَلَف فيه عند أَهْل العِلْم، هل هذا الخطاب المُوجَّه للرسول ﵊ يَشمَل الأُمَّة بمُقتَضي الصِّيغة أَم يَشمَل الأُمَّة بمُقتَضى الأُسْوة.
ومثال الذي فيه الدّلالة على أنه خاصٌّ بالرسول ﵊: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٢]، فإذا بلا شَكٌ خاصٌّ بالرسول ﵊.
ومثال ما قام به الدَّليلُ على العموم: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] ففي قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ دَلالة واضِحة على أن الخِطاب للرسول ﷺ مُرادٌ به الأُمَّة أيضًا، وما عَدا ذلك فهو كثير، فهل يَشمَل الأُمَّةَ الحُكمُ بمُقتَضى الخِطاب, أو بمُقتَضى الأُسْوة؟
فمِنهم مَن يَقول: إنَّه يَشمَل الأُمَّة بمُقتَضي الخِطاب لكنه وُجه للرسول ﷺ لأَنه إِمامُها، وأنَّ نَظيرَ ذلك أن تَقول لقائِد الجيْش: اذهَبْ إلى الجبْهة الفُلانية، فالمُراد اذهَبْ ومَن معَكَ ممَّن يَتبِعُك من الجُنود.
ومنهم مَن يَقول: إنَّه خاصٌّ بالرسول ﵊ لا يَشمل الأُمَّة لكن الأُمَّة مأمورة بالتَّأسِّي به، كما في قوله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]، والخِلاف في هذا قريب من اللَّفْظى؛ للاتفاق على أنَّ هذا الحكم يَشمَل الأُمَّة.
إِذَنْ: لو سمِعْنا شخصًا يُنكِر الساعة؛ فهل نحن مَأمورون أن نَحلِف على ثُبوتها؟ نعَمْ، نحن مَأمورون بأن نَحلِف على ثُبوتها.
стр. 32
الفائِدةُ الرَّابِعَةُ عَشْرَةَ: تَأكيد الحُكْم على حسب ما تَقتَضيه الحال. أو بعِبارة أصَحَّ: تأكيد الخبَرِ على حسب ما تَقتَضِيه الحالُ.
وقد ذَكَر البلاغِيُّون أنَّ الخبَر يَنقَسِم إلى ثلاثة أقسام: إمَّا أن يُلقَى إلى خالِي الذِّهْن، أو إلى المترَدِّد، أو إلى المُنكِر، فإن أُلقِيَ إلى خالي الذِّهْن؛ فإنه لا حاجةَ إلى تَأكيده، ولا يُمكِن أن يُؤكَد حسب قَواعِد البلاغة إلَّا لنكْتة، وإن أُلقِيَ إلى مُتَردِّد حَسُن تَوكيده ليَزول عنه هذا التّردُّدُ والشَّكُّ، وإن أُلقِيَ إلى مُنكِر وجَبَ تَوْكيده، فالأوَّلُ ابتدائِيٌّ، والثاني طلَبيٌّ، والثالِث إنكارِيٌّ. وقد ذكَرْنا ذلك في (شرح البلاغة) (١).
وأمَّا قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فالخَبر هنا نَوعُه إِنْكارِيٌّ؛ لأَنَّه يُخاطَب به قومٌ مُنكِرون، فكان تَأكيدُه واجِبًا، وقد ذكَرْنا ذلك أثناء الشرح إيرادًا، وهو أنه إذا كان هؤلاء مُنكِرين فلا فائِدةَ من القَسَم لهم؛ لأنَّ المُنكِر للخبر سَواءٌ أَقسَمْتَ أم لم تُقسِم فلن يُصدِّقَكَ، وأَجَبْنا عن ذلك بأنَ هذا هو مُقتَضى اللِّسان العرَبيِّ، ويَدُلّ على أن المُتكلِّم مُستَيْقِن من وقوع هذا الشيءِ كما استَيقَن من وجود المَحلوف به.
* * *
стр. 33
الآية (٤)
* * *
* قالَ الله : ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: ٤].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿لِيَجْزِيَ﴾ فِيهَا]، الضمير يَعود على الساعة.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللَّام هنا للتَّعليل، وقد علِمْنا من قَواعِد اللُّغة العربية أن حُروف الجرِّ لا بُدَّ لها من مُتعلَّق، ومُتعَلَّق هذه اللَّامِ قولُه : ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أي: (لتَأْتِيَنَكم ليَجزِيَ الذين) فهذه اللَّام للتعليل، وهي مُتعلِّقة بقَوله : ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ و (يَجْزِيَ) بمَعنى: يُكافِئ أو يُثيب، والفاعِل هو الله .
وقول المُفَسِّر ﵀: [فِيهَا] أَشار المُفَسِّر ﵀ بقَوْله: [فِيهَا] إلى أن الجارَّ والمَجرور مُتعَلِّق بـ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾؛ لأنَّ الضمير (فِيهَا) يَعود على الساعةِ.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: ﴿آمَنُوا﴾ بالقَلْب، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بالجوارِح، والإيمان إذا أُطلِق: شمِل أعمال الجوارِح الظاهِرة، وكذلك العمَل إذا أُطلِق: يَشمَل الإيمان بالقَلْب؛ لأنَّ الإيمان بالقَلْب من أعمال القُلوب، فإذا قُرِنَا جميعًا صار الإيمان في القَلْب والعمَل في الجوارِح، فالإيمان سِرٌّ والعمَلُ عَلانية.
стр. 34
وقوله تعالى: ﴿آمَنُوا﴾ الإيمان في اللُّغة: التَّصديق، وفي الشَّرْع: التَّصديق المُستَلزِم للقَبول والإِذْعان، وليس مجُرَّدَ تصديقٍ، بل هو التَّصديق المُستَلزِم للقَبول والإِذْعان؛ القَبول في الأَخْبار، والاِذْعان في الطَّلَب، فيقبَل -مثَلًا-: ما أَخبَرَ الله تعالى به رسوله ﷺ ، ويُقبَل: كونُ هذا الحكْمِ فَرْضًا وكونُه تَطوُّعًا، وما أَشبَه ذلك، ويُذعَن لذلك؛ بمعنى: أنَّه يُتعبَّد لله تعالى بمُقتَضي ما آمَن به، وبمُقتَضى ما شَرَعه الله .
وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يَعنِي: عمِلوا الأعمالَ الصالحِاتِ، فتكون ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ وَصْفَا لمَوْصوفٍ محَذوف، وحَذْفُ المَنعوت جائِز إذا قامَتِ القَرينة عليه، قال ابنُ مالِك ﵀:
وَمَا مِنَ المَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ... يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفي النَّعْتِ يَقِلّ (١)
ومن حَذْفِ المَنعوت قولُه تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] أي: دُروعًا سابِغاتٍ، فعَلى هذا تكون: ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ صِفةً لمَوْصوف مَحذوف؛ أي: الأَعْمال الصالحِات.
وما هي الأعمال الصالحات؟
الجوابُ: العمَلُ الصالِح؛ هو الذي جمَع بين أَمْرَيْن: الإخلاصُ لله ، والمُتابَعةُ للرسول ﷺ ، فإن فُقِد الأَوّل لم يَكُن صالِحًا؛ وكان مَردودًا على العامِل؛ وإن فُقِد الثاني لم يَكُن صالحًا، وكان مَردودًا على العامِل أيضًا.
والدليل في الأوَّل قال الله تعالى في الحديث القُدسيِّ: "أنا أَغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ
стр. 35
الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيري ترَكْته وَشِرْكَهُ" (١)، وفي الثاني قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (٢) أو: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" (٣).
فلا يُمكِن أن يَكون العمَل صالحًا إلَّا بهَذين الشَّرْطين: الإِخْلاص، والمُتابَعة للرسول ﷺ .
ولو أن رجُلًا أَحدَث بِدْعة من البِدَع يَتديَّن بها إلى الله ويَجِد مِن قَلْبه الِاطْمِئْنان إليها والخُشوع والبُكاء لكنها محُدَثة في دِين الله تعالى هل تَكون عمَلًا صالحًا؟
الجوابُ: لا تَكون، حتى وإن زُّين للإنسان هذا العمَلُ واطْمَأَنَّ إليه؛ فإنَّه ليس من العمَل الصالِح، فلا يَكون مَقبولًا ولا نافِعًا، بل يَأثَم به الإنسان؛ لأنه من التَّقرُّب إلى الله تعالى بما يَكرَهه والتَّقرُّب إلى الله تعالى بما يَكرَهه نوعٌ من الاستِهْزاء بالله.
أرأَيْتَ لو أنكَ آتيْتَ لمَلِك من المُلوك، وأَهدَيْتَ إليه قارورةً فِيها مَا يُسْتقذَر، فهل تَكون مُكرِمًا له؟
الجوابُ: لا يكون مُكرِمًا له؛ لأنه يَكرَه هذا الشيءَ، وأَهْدِ إليه طِيبًا فلا بأسَ،
стр. 36
أمَّا أن تُهدِيَ إليه هذا الشيءَ تَتَقرَّب إليه بذلك فهذا ضِدُّ ما تُريد وهو نَوْعٌ من الاستِهْزاء بهذا المُكرَم أو المُعظَّم.
إِذَنِ: الأَعْمالُ الصالحِاتُ؛ هي التي جَمَعت بين شَرْطين: الإخلاصُ لله تعالى، والمُتابَعة للرسول ﷺ .
ويُوجَد بعض الأَعْمال ممَّا يُكرَه في الشَّرْع لكن الإنسان يَطمَئِنُّ إليه وَيرتاح له.
فنَقول: لا تَغتَرَّ بهذه الراحةِ وهذه الطُّمَأْنينةِ؛ فإنَّ ذلك مِن تَزيين الشَّيْطان، وعُبَّاد الأصنام الذين جعَلوها شُفَعاءَ لهم عند الله تعالى يَرتاحون لهذا، وَيرَوْن أنها واسِطة بينهم وبين الله ، ومع ذلك فهي من الشِّرْك.
مِثالُ هذا: يُوجَد بعض الناس يُغمِض عَيْنَيه في الصلاة، وَيقول: إنَّ ذلك أَدْعى للخُشوع، فهذا من تَزْيِين الشَّيْطان؛ لأنَّ تَغميض العَيْن في الصلاة لغير سبَب مَكروهٌ وخِلافُ هَدْيِ النبيِّ ﵊، فالنبيُّ ﵊ كان لا يُغمِض عَيْنيه، ولكنه: إمَّا أن يَنظُر إلى مَوْضِع سُجوده أو إلى تِلقاءَ وَجْهه، أمَّا أنَّه يُغمِض عَيْنيه فهذا خِلاف السُّنَّة، ولهذا كرِهَه الفُقَهاءُ ﵏.
نعَمْ، لو كان هناك سببٌ للتَّغميض كما لو كان أَمامَك شيء يُجهِر عَيْنيك، أو نُقوش تَشغَلُك فهنا التَّغميض لسبَبٍ، لا للتَّقرُّب به إلى الله تعالى، ولكن لدَفْع ما يُشوِّش عليك.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هذه جُمْلة استِئْنافية لبيان جَزائهم؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مبهَم فبَيَن هذا الجزاءَ بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، والإشارة في قوله :
стр. 37
﴿أُولَئِكَ﴾ تَعود إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهي مُبتَدَأ، و ﴿لَهُمْ﴾ خَبَر مُقدَّم، و ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ مَعطوف عليه، والجُملة الثانية من المُبتَدَأ والخبَر: خبَرُ المُبتَدَإِ الأوَّلِ، فعِندنا الآنَ مُبتَدَآن ﴿أُولَئِكَ﴾ و ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ مُبتَدَأ و ﴿لَهُمْ﴾ جارٌّ ومَجرور خبَرٌ مُقدَّم لـ ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر، و ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ مَعطوفٌ عليه، والجُمْلة من المُبتَدَأ الثاني وخَبَره في مَحَلِّ رَفْع خبَر المُبتَدَأ الأَوَّل، والرابِط هو الضميرُ في ﴿لَهُمْ﴾؛ لأَنّه يَعود على المُشار إليه.
وقوله : ﴿أُولَئِكَ﴾ أَشار إليهم بإشارة البَعيد؛ تَنبيهًا على عُلوِّ مَرْتبتهم؛ لأنَّ هذا الصِّنفَ من الناس هو أَعلى طبقات الناس: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ بها زوال المَكروه، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ به حُصول المَطلوب، (فلَهُمْ مَغفِرة) لذُنوبهم وخَطاياهم، فيَغفِر الله تعالى لهم الخطايا والذُّنوب بأن يَتجاوَز عنهم، وَيستُرَها عليهم؛ لأنَّ المَغفِرة هي سَتْر الذَّنْب والتَّجاوُز عنه، إذ إن اشتِقاقَها من المِغْفَر، وهو الذي يُلبَس على الرأْس عند الحَرْب؛ وفيه فائِدتان: سَتْر الرَّأْس؛ ووِقايته من السِّهام؛ فالمَغفِرة إِذَنْ فيها سَتْر الذُّنوب، والتَّجاوز عنها، وعدَمُ العُقوبة عليها.
وقوله تعالى: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الرِّزْق: بمَعنَى العَطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨]؛ أَيْ: أَعطبُوهم، والكريم بمَعنَى الحسَن في كَيْفيته وفي كِمِّيته، وقد أَشار الله إلى أنَّ حُسْن هذا الرِّزْق لا تَبْلُغه العُقول في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]،
стр. 38
فثَواب هؤلاء المُؤمِنين العامِلين الصالحِاتِ أنْ تُغفَر سَيِّئاتُهم وأن يُجازَون على عمَلهم الصالِح بالرِّزْق الكريم.
قُلْت: "الكريم هو الحسَن في كِمَيَّته وكَيْفيَّته"، فكِمِّيّته لا تُحص ولا يَفنَى ولا يَبيد وكَيفيَّته أيضًا لا يُدرِكها القَلْب، ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ إلى آخِره؛ سبَق وقُلْنا: إن القُرآن مَثاني كما وصَفه الله تعالى به؛ فقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، و (مَثاني) هذه غير (المَثاني) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]؛ لأن المُراد بالسَّبْع من المَثاني الفاتِحة، كما ثبَت ذلك عن النبيِّ ﷺ (١)، فالمَثانِي مَعناه: أنه تُثَنَّى فيه المَعاني؛ فغالِبًا إذا ذُكِر جَزاءُ المّتَقين ذُكِر جزاء الكافِرين، وإذا ذُكِر وَصْف الجنَّة ذُكِر وَصْف النار، إذا ذُكِرت الأَوْصاف المَحبوبة إلى الله تعالى ذُكِرت الأَوْصاف المَكروهة إليه؛ لأنه لو ذُكِر المَطلوب فَقَطْ من أَوْصافٍ أو جَزاءٍ أخَذَ الإنسان الرَّجاء حتى أمِن مَكْر الله ، وإن ذُكِر المَكروه من ذلك أَخَذه القُنوط واليَأْس، فكان الله يَذكُر هذا ثُمَّ يَذكُر إلى جانبه الشيءَ الآخَرَ؛ حتى يَكون الإنسان سائِرًا إلى ربه بين الخَوْف والرَّجاء، لأن هذا هو الاعتِدال أن تكون خائِفًا راجِيًا في سَيْرك إلى رَبِّك؛ لأنك إن غَلَّبت الرَّجاء كُنْت من الآمِنين مِكْرَ الله تعالى؛ لأنَّ مَن غلَّب الرَّجاء صار يَعمَل الذَّنْب وَيقول: أَرجو أن الله يَغفِر لي. وَيتَهاوَن بالواجِب وَيقول:
стр. 39
أَرجو الله تعالى أن يَغفِر لي، ومَن غَلَّب الخوْف دخَل في القُنوط من رحمة الله.
وبَعضُ العُلَماء ﵏ خالَف في هذا، وقال: إنه يَنبَغي لك عند فِعْل الطاعة أن تُغلِّب الرَّجاء، لأنك قُمْت بما أمِرْت فارْجُ الله ثَوابه؛ لأنَّ هذا من باب إحسان الظَّنّ بالله تعالى، وإذا كُنتَ في مَقام المَعصية فغَلّبْ جانِب الخَوْف؛ لتَردعَ نفسك عمَّا تريد أن تَفعَلَه من المَعْصية.
وأن بَعضَ العُلَماء ﵏ ذهَب مَذهَبًا آخَرَ وقال: في حال المرَض تُقدِّم جانِب الرَّجاء؛ لأنك الآنَ في مَقام الضَّعْف فتُغَلّب جانب الرَّجاء وإحسان الظَّنِّ بالله، فلا تمُوتَنَّ إلًا وأنت تُحسِن الظَّنَّ برَبِّك ، وإذا كُنْت في حال الصّحَّة فغَلِّب جانِب الخَوْف، والإمام أحمدُ ﵀ قال: يَنبَغي أن يَكون خَوْفُه ورَجاؤُه واحِدًا فأيُّهما غَلَب هلَك صاحِبه (١).
والإنسان طبيب نفسه في الواقِع لا شكَّ أنّك إذا رأَيْتَ نَفْسكَ تمَيل إلى الباطِل فإنه يَجِب عليك أن تُخوّفها بالله، ولا ترجِّها؛ لأنك إن رَجَّيْتها في هذه الحالِ تُقدِم على المَعاصي.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدةُ الأُوْلَى: أنَّ أفعال الله مُعلَّلة؛ بمَعنَى: أن لها عِلَّةَ، يُؤخَذ من اللَّام في قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ﴾؛ لأنَّ اللَّام للتعليل، وهذا يُؤيِّد مَذهَب أهل السُّنَّة والجماعة، الذين يَقولون: إنَّ أفعال الله تعالى مَقرونة بالحِكْمة. ومعلومٌ أن الجهْمية -وكذلك بعض الأشاعِرة- يُنكِرون أن تكون أَفعال الله تعالى لحِكْمة، وَيقولون: إن أَفعاله
стр. 40
لمُجرَّد المَشيئة. قالوا: لأنَّ الحِكْمة غرَض من الأَغْراض التي تَحمِل على الفِعْل والله مُنزَّهٌ عن الأَغْراض.
ونَقول لهم: إن هذا مُصادَمة للنُّصوص؛ ولو تَأمَّلْنا القُرآن لوَجَدْنا فيه آلاف الآيات تَدُلُّ على إثباتِ الحِكْمة لله، ثُمَّ الغرَض إن كان لمَصلَحة الغير فهو مَدْحٌ وثَناءٌ، وإن كان لحاجة المُتكلم ليس بها نَقْص في وَجْهٍ من الوجوه.
وقد سبَقَتِ القاعِدة الخبِيثة: الذين يَقولون: إن الله مُنَزَّل عن الأَعْراض والأَغْراض والأبْعاض، وهذا الكلام إذا سمِعْتَه تَقول: هذا كلامٌ طَيِّب! ! وهم يَعنون بذلك نَفيَ أفعاله الاختِيارية؛ يَعنِي: أنه لا يَنزِل ولا يَأتي ولا يَتكَلَّم، وما إلى ذلك؛ لأنَّ هذه أعراضٌ تَحدُث وتَزول، أما عن الأبعاض فيَعنُون بذلك: نَفيَ الوجهِ واليَدين والعَيْنين وما أَشبَه ذلك؛ لأنَّ هذه أَبْعاض بالنِّسبة لنا؛ والأغراض يَعنون بذلك: نَفيَ الحِكْمة، والقُرآن يَرُدُّ قولهم هذا.
الفائِدةُ الثَّانِيَةُ: فَضْلُ الإيمان والعمَل الصالِح، ووجهه: مِن تَرتُب الثواب عليه في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وما تَرتَب عليه الثواب فهو فاضِلٌ ومَحمودٌ ومَطلوبٌ.
الفائِدةُ الثَّالِثَةُ: الفَرْق بين الإيمان والعمَل الصالِح عند الجمْع بينهما؛ لأنه هنا ما قال: (الذين آمَنوا) فقط ولا (عَمِلوا الصالحِاتِ) فقط؛ بل جَمَع بينهما، وقد سَبَق لنا أنه إذا جُمِع بينهما صار الإيمان في القَلْب، والعمَل الصالِح في الجوارِحِ.
الفائِدةُ الرَّابِعَةُ: الإشارة إلى أن الإِيمان الذي في القَلْب فقَطْ لا يَكفِي عن العمَل الصالِح؛ لأنه رتَّب الجزاء على قِيام الوَصْفين بالفاعِل وهما الإيمان والعمَل الصالِح.