أمَّا أن تُهدِيَ إليه هذا الشيءَ تَتَقرَّب إليه بذلك فهذا ضِدُّ ما تُريد وهو نَوْعٌ من الاستِهْزاء بهذا المُكرَم أو المُعظَّم.
إِذَنِ: الأَعْمالُ الصالحِاتُ؛ هي التي جَمَعت بين شَرْطين: الإخلاصُ لله تعالى، والمُتابَعة للرسول ﷺ .
ويُوجَد بعض الأَعْمال ممَّا يُكرَه في الشَّرْع لكن الإنسان يَطمَئِنُّ إليه وَيرتاح له.
فنَقول: لا تَغتَرَّ بهذه الراحةِ وهذه الطُّمَأْنينةِ؛ فإنَّ ذلك مِن تَزيين الشَّيْطان، وعُبَّاد الأصنام الذين جعَلوها شُفَعاءَ لهم عند الله تعالى يَرتاحون لهذا، وَيرَوْن أنها واسِطة بينهم وبين الله ، ومع ذلك فهي من الشِّرْك.
مِثالُ هذا: يُوجَد بعض الناس يُغمِض عَيْنَيه في الصلاة، وَيقول: إنَّ ذلك أَدْعى للخُشوع، فهذا من تَزْيِين الشَّيْطان؛ لأنَّ تَغميض العَيْن في الصلاة لغير سبَب مَكروهٌ وخِلافُ هَدْيِ النبيِّ ﵊، فالنبيُّ ﵊ كان لا يُغمِض عَيْنيه، ولكنه: إمَّا أن يَنظُر إلى مَوْضِع سُجوده أو إلى تِلقاءَ وَجْهه، أمَّا أنَّه يُغمِض عَيْنيه فهذا خِلاف السُّنَّة، ولهذا كرِهَه الفُقَهاءُ ﵏.
نعَمْ، لو كان هناك سببٌ للتَّغميض كما لو كان أَمامَك شيء يُجهِر عَيْنيك، أو نُقوش تَشغَلُك فهنا التَّغميض لسبَبٍ، لا للتَّقرُّب به إلى الله تعالى، ولكن لدَفْع ما يُشوِّش عليك.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هذه جُمْلة استِئْنافية لبيان جَزائهم؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مبهَم فبَيَن هذا الجزاءَ بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، والإشارة في قوله :
стр. 37
﴿أُولَئِكَ﴾ تَعود إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهي مُبتَدَأ، و ﴿لَهُمْ﴾ خَبَر مُقدَّم، و ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ مَعطوف عليه، والجُملة الثانية من المُبتَدَأ والخبَر: خبَرُ المُبتَدَإِ الأوَّلِ، فعِندنا الآنَ مُبتَدَآن ﴿أُولَئِكَ﴾ و ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ مُبتَدَأ و ﴿لَهُمْ﴾ جارٌّ ومَجرور خبَرٌ مُقدَّم لـ ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر، و ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ مَعطوفٌ عليه، والجُمْلة من المُبتَدَأ الثاني وخَبَره في مَحَلِّ رَفْع خبَر المُبتَدَأ الأَوَّل، والرابِط هو الضميرُ في ﴿لَهُمْ﴾؛ لأَنّه يَعود على المُشار إليه.
وقوله : ﴿أُولَئِكَ﴾ أَشار إليهم بإشارة البَعيد؛ تَنبيهًا على عُلوِّ مَرْتبتهم؛ لأنَّ هذا الصِّنفَ من الناس هو أَعلى طبقات الناس: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ بها زوال المَكروه، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ به حُصول المَطلوب، (فلَهُمْ مَغفِرة) لذُنوبهم وخَطاياهم، فيَغفِر الله تعالى لهم الخطايا والذُّنوب بأن يَتجاوَز عنهم، وَيستُرَها عليهم؛ لأنَّ المَغفِرة هي سَتْر الذَّنْب والتَّجاوُز عنه، إذ إن اشتِقاقَها من المِغْفَر، وهو الذي يُلبَس على الرأْس عند الحَرْب؛ وفيه فائِدتان: سَتْر الرَّأْس؛ ووِقايته من السِّهام؛ فالمَغفِرة إِذَنْ فيها سَتْر الذُّنوب، والتَّجاوز عنها، وعدَمُ العُقوبة عليها.
وقوله تعالى: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الرِّزْق: بمَعنَى العَطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨]؛ أَيْ: أَعطبُوهم، والكريم بمَعنَى الحسَن في كَيْفيته وفي كِمِّيته، وقد أَشار الله إلى أنَّ حُسْن هذا الرِّزْق لا تَبْلُغه العُقول في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]،
стр. 38
فثَواب هؤلاء المُؤمِنين العامِلين الصالحِاتِ أنْ تُغفَر سَيِّئاتُهم وأن يُجازَون على عمَلهم الصالِح بالرِّزْق الكريم.
قُلْت: "الكريم هو الحسَن في كِمَيَّته وكَيْفيَّته"، فكِمِّيّته لا تُحص ولا يَفنَى ولا يَبيد وكَيفيَّته أيضًا لا يُدرِكها القَلْب، ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ إلى آخِره؛ سبَق وقُلْنا: إن القُرآن مَثاني كما وصَفه الله تعالى به؛ فقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، و (مَثاني) هذه غير (المَثاني) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]؛ لأن المُراد بالسَّبْع من المَثاني الفاتِحة، كما ثبَت ذلك عن النبيِّ ﷺ (١)، فالمَثانِي مَعناه: أنه تُثَنَّى فيه المَعاني؛ فغالِبًا إذا ذُكِر جَزاءُ المّتَقين ذُكِر جزاء الكافِرين، وإذا ذُكِر وَصْف الجنَّة ذُكِر وَصْف النار، إذا ذُكِرت الأَوْصاف المَحبوبة إلى الله تعالى ذُكِرت الأَوْصاف المَكروهة إليه؛ لأنه لو ذُكِر المَطلوب فَقَطْ من أَوْصافٍ أو جَزاءٍ أخَذَ الإنسان الرَّجاء حتى أمِن مَكْر الله ، وإن ذُكِر المَكروه من ذلك أَخَذه القُنوط واليَأْس، فكان الله يَذكُر هذا ثُمَّ يَذكُر إلى جانبه الشيءَ الآخَرَ؛ حتى يَكون الإنسان سائِرًا إلى ربه بين الخَوْف والرَّجاء، لأن هذا هو الاعتِدال أن تكون خائِفًا راجِيًا في سَيْرك إلى رَبِّك؛ لأنك إن غَلَّبت الرَّجاء كُنْت من الآمِنين مِكْرَ الله تعالى؛ لأنَّ مَن غلَّب الرَّجاء صار يَعمَل الذَّنْب وَيقول: أَرجو أن الله يَغفِر لي. وَيتَهاوَن بالواجِب وَيقول:
стр. 39
أَرجو الله تعالى أن يَغفِر لي، ومَن غَلَّب الخوْف دخَل في القُنوط من رحمة الله.
وبَعضُ العُلَماء ﵏ خالَف في هذا، وقال: إنه يَنبَغي لك عند فِعْل الطاعة أن تُغلِّب الرَّجاء، لأنك قُمْت بما أمِرْت فارْجُ الله ثَوابه؛ لأنَّ هذا من باب إحسان الظَّنّ بالله تعالى، وإذا كُنتَ في مَقام المَعصية فغَلّبْ جانِب الخَوْف؛ لتَردعَ نفسك عمَّا تريد أن تَفعَلَه من المَعْصية.
وأن بَعضَ العُلَماء ﵏ ذهَب مَذهَبًا آخَرَ وقال: في حال المرَض تُقدِّم جانِب الرَّجاء؛ لأنك الآنَ في مَقام الضَّعْف فتُغَلّب جانب الرَّجاء وإحسان الظَّنِّ بالله، فلا تمُوتَنَّ إلًا وأنت تُحسِن الظَّنَّ برَبِّك ، وإذا كُنْت في حال الصّحَّة فغَلِّب جانِب الخَوْف، والإمام أحمدُ ﵀ قال: يَنبَغي أن يَكون خَوْفُه ورَجاؤُه واحِدًا فأيُّهما غَلَب هلَك صاحِبه (١).
والإنسان طبيب نفسه في الواقِع لا شكَّ أنّك إذا رأَيْتَ نَفْسكَ تمَيل إلى الباطِل فإنه يَجِب عليك أن تُخوّفها بالله، ولا ترجِّها؛ لأنك إن رَجَّيْتها في هذه الحالِ تُقدِم على المَعاصي.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدةُ الأُوْلَى: أنَّ أفعال الله مُعلَّلة؛ بمَعنَى: أن لها عِلَّةَ، يُؤخَذ من اللَّام في قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ﴾؛ لأنَّ اللَّام للتعليل، وهذا يُؤيِّد مَذهَب أهل السُّنَّة والجماعة، الذين يَقولون: إنَّ أفعال الله تعالى مَقرونة بالحِكْمة. ومعلومٌ أن الجهْمية -وكذلك بعض الأشاعِرة- يُنكِرون أن تكون أَفعال الله تعالى لحِكْمة، وَيقولون: إن أَفعاله
стр. 40
لمُجرَّد المَشيئة. قالوا: لأنَّ الحِكْمة غرَض من الأَغْراض التي تَحمِل على الفِعْل والله مُنزَّهٌ عن الأَغْراض.
ونَقول لهم: إن هذا مُصادَمة للنُّصوص؛ ولو تَأمَّلْنا القُرآن لوَجَدْنا فيه آلاف الآيات تَدُلُّ على إثباتِ الحِكْمة لله، ثُمَّ الغرَض إن كان لمَصلَحة الغير فهو مَدْحٌ وثَناءٌ، وإن كان لحاجة المُتكلم ليس بها نَقْص في وَجْهٍ من الوجوه.
وقد سبَقَتِ القاعِدة الخبِيثة: الذين يَقولون: إن الله مُنَزَّل عن الأَعْراض والأَغْراض والأبْعاض، وهذا الكلام إذا سمِعْتَه تَقول: هذا كلامٌ طَيِّب! ! وهم يَعنون بذلك نَفيَ أفعاله الاختِيارية؛ يَعنِي: أنه لا يَنزِل ولا يَأتي ولا يَتكَلَّم، وما إلى ذلك؛ لأنَّ هذه أعراضٌ تَحدُث وتَزول، أما عن الأبعاض فيَعنُون بذلك: نَفيَ الوجهِ واليَدين والعَيْنين وما أَشبَه ذلك؛ لأنَّ هذه أَبْعاض بالنِّسبة لنا؛ والأغراض يَعنون بذلك: نَفيَ الحِكْمة، والقُرآن يَرُدُّ قولهم هذا.
الفائِدةُ الثَّانِيَةُ: فَضْلُ الإيمان والعمَل الصالِح، ووجهه: مِن تَرتُب الثواب عليه في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وما تَرتَب عليه الثواب فهو فاضِلٌ ومَحمودٌ ومَطلوبٌ.
الفائِدةُ الثَّالِثَةُ: الفَرْق بين الإيمان والعمَل الصالِح عند الجمْع بينهما؛ لأنه هنا ما قال: (الذين آمَنوا) فقط ولا (عَمِلوا الصالحِاتِ) فقط؛ بل جَمَع بينهما، وقد سَبَق لنا أنه إذا جُمِع بينهما صار الإيمان في القَلْب، والعمَل الصالِح في الجوارِحِ.
الفائِدةُ الرَّابِعَةُ: الإشارة إلى أن الإِيمان الذي في القَلْب فقَطْ لا يَكفِي عن العمَل الصالِح؛ لأنه رتَّب الجزاء على قِيام الوَصْفين بالفاعِل وهما الإيمان والعمَل الصالِح.
стр. 41
لكنِّي أَقولُ: إن الإيمان إذا كان صادِقًا فلا بُدَّ أن يَكون العمَل الصالِح؛ لقول النبيِّ ﷺ : "أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ" (١).
الفائِدةُ الخَامِسَةُ: أنَّ العمَل ليس مَقبولًا ولا مَحمودًا ولا مُثابًا عليه حتى يَكون صالِحا؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ومَتَى يَكون صالِحًا؟
الجوابُ: إذا جمَعَ شَرْطَيْن: الأول: الإخلاص لله ، والثاني: المُتابَعة لرسول الله ﷺ ، فإِنْ فَقَد الإخلاص فليس بصالِح، وهو مَردودٌ على فاعِله، قال الله : "أنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غيرِي تركته وشِركَهُ" (٢)، وإِن فقد المتابَعة؛ فهو أيضًا مَردود عيرُ مَقبول؛ لقول النبىِّ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (٣).
ولا تَتَحَقَّق المُتابَعة إلا بشروط سِتَّة: أن يَكون العمَلُ مُوافِقًا للشَّرْع في: سببه، وجِنْسه، وقَدْره، وكَيْفيَّته، وزمانه ومَكانه.
فلو أَحدَث الإنسان عِبادة لسبَبِ غير شَرْعِيٍّ فهي مَردودة، فلو قال: كُلَّما سمِعْتُ نُباح الكِلاب صَلَّيْت ركعتين! فلا تُجزِئ ولا تُقبَل منه؛ لأنه علَّقها بسبَب لم يَكُن مَشروعًا ولم تكن مَشروعة من أَجْله فلا تُقبَل.
ولو أن أحَدًا من الناس ضَحَّى بفَرَس وهي أُنثَى الخَيْل قال: عِنْدي شاة تُساوِي
стр. 42
مِئَتَيْ ريال. وعِندي فرَسٌ تُساوِي عِشرين ألفَ رِيالِ سأُضحِّي بالفَرَس! فلا تُقبَل؛ لأنه مخُالِفٌ للشَّرْع في الجِنْس، إذ الأُضحِيَّة ما تَكون إلَّا من بمهيمة الأنعام، ولو أن أحَدًا تَعبَّد لله بعِبادة محُدَّدة بقَدْر مُعيَّن فزاد في قَدْرها كما لو صلَّى سِتَّ صلَوات قال: إن المُدَّة بين العِشاء والفَجْر طويلة تَحتاج إلى زيادة الصلاة، والمُدَّة بين الفَجْر والظهر طويلة تَحتاج إلى زِيادة صلاة فيُصلِّي سَبْعَ مرَّات؛ فزاد القَدْر، أو لو صلَّى خَمْسًا في الرباعية أو ثلاثًا في الثُّنائية فإنها لا تُقبَل.
وَلَوْ قَالَ قَائِل: إذا سبَّحَ الرجُل دُبرَ الصلاة مِئَتَيْ مرَّةِ فهل تَرفُضون هذا التسبيحَ كُلَّه؟ أو تَقولون: ما وافَقَ الشَّرْع فهو مَقبول وما زاد عليه فهو مَردود؟
الجوابُ: إذا كانت العِبادة التي حصَل فيها الزيادة تَتَجزَّأ؛ بمَعنَى: أنه يَصِحُّ أوَّلُها دون آخِرها فإننا لا نُبطِل أَوَّلها بما طرَأ عليها، أمَّا إذا كانت لا تَتَجزَّأ فإنها إذا بطَل آخِرُها بطَلَ أوَّلهُا، فلو صلَّى الظُّهْر خَمْسًا بطَلَت صلاته؛ لأنها لا يُمكِن أن يَصِحُّ أَوَّلهُا مع فَساد آخِرها، لكن في زيادة العَدَد لا نُبطِل العدَد الأَوَّل.
لكننا نَقول لهذا الرجُلِ: إن كُنتَ تَعتَقِد أن المِئَتَيْن هي المَشروعة فأنت ضالٌّ؛ لأنك مُبتَدع، وإن كُنتَ تُريد أن تَقول: أنا أَعتَرِف بِأن المَشروع مِئة ولكن زِدْتُ على أنه تَطوُّع. فهذا يُكتَبُ لكَ أَجْر التَّسبيح المُطلَق لا المُقيَّد.
وأمَّا في كَيْفيَّتها: فلو أن أحَدًا صلَّى وصار يَسجُد ثُمَّ يَركَع ثُمَّ يَسجُد! هذا غير مَشروع لاختِلاف الكَيْفية.
وأمَّا في الزمَن لو أن أحدَهم قال: أنا سَوْف أَحُجُّ في ذي القَعْدة، أَخرُج إلى مِنًى في ليلة التاسِع مِن ذي القَعدةِ وأَبيتُ فيها، وفي التاسِعة أَذهَبُ إلى عرَفةَ وأَقِفُ .. إلى آخِره! وكمَّل أفعال الحجِّ في ذي القَعدةِ، وَيقول: لأن ما عِندي أحَدٌ يُضايِقُني!
стр. 43
فهذا غير صحيح؛ لأنها لم تُوافِق الشَّرْع في الزمَن.
يُقال: إن رجُلًا بَدوِيًّا كان يَبيع في المَواسِم الأضاحِيَ؛ يَأتي بها ويَجلِبها إلى السُّوق وهو ما أَدَّى فَريضة الحجِّ، فقِيل له: لماذا لم تُؤَدِّ الفَريضةَ؟ فقال: الفَريضةُ تَأتي في وَقْت المَوْسِم وأنا ما أُحِبُّ، ولكنني سأَذهَب إلى الشَّيْخ أَسأَله: هل يَجوز لي أن أَحُجَّ في عيد رَمضانَ؟ ! فذهَب إلى الشَّيْخ يَستَأذِنه؛ يَقول: أَستَأْذِنك يا شيخُ أنْ تَسمَح لي أن أَحُجَّ في عيد رمضانَ بدَلًا من عيد الأَضْحى؛ لأن عيد الأَضْحى فيه مَوْسِم لنا. فقال له الشيخُ: إن أَذِنْت لك أن تَحُجَّ فإني آذَنُ لكَ أن تُضحِّيَ وحينئذٍ يَكون المَوسِم تابِعًا للحَجِّ، ما يَتخَلَّص منه.
فأَقولُ: إن هذا الذي حَجَّ في ذي القَعدةِ حتى لو وافَق التاسِعَ والعاشِرَ والحادِي عشَرَ والثاني عشرَ والثالِثَ عشَرَ فإنها لا تُقبَل؛ لمُخالَفَتها للزمَن.
ولو أنَّ رجُلًا في العَشْر الأواخِر من رَمضانَ قال: سأَعْتَكِف في بَيْتي ولن أَذهَب للمَسجِد؛ لأني أَتعَبُ في تحصيل الطعام والشراب، ويُمكن أن يَجِيءَ أَحَد يُلْهِيني عن ذِكْر الله تعالى، فسأَقعُد في البيت. فلا يَصِحُّ اعتِكافُه؛ لأنه مخُالِف للشَّرْع في المكان.
فتَبيَّن الآنَ أن تَحقيق المُتابَعة لا يَكون إلَّا إذا وافَقَ العَمَل الشريعة في الأمور السِّتَّة.
الفائِدةُ السَّادِسةُ: عُلوُّ مَرتَبة المُؤمِنين العامِلين الصالحاتِ؛ لقوله : ﴿أُولَئِكَ﴾؛ لأنَّ الإشارة هنا للبَعيد، وذلك لعُلُوِّ مَرتَبَتهم، مِثل قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢] مع أن الكِتاب بَيْنَ أيدينا، لكن أشار إليه بالبَعيد لعُلُوِّ مَرتبته.
стр. 44
الفائِدةُ السَّابِعَةُ: أنَّ في الإيمان والعمَل الصالِح حُصول المَطلوب وزوال المَكروه؛ لقَوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ هذا زوال المكروهِ ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هذا حُصول المَطلوب.
واعلَمْ أن الله تعالى إذا غفَر لكَ فتَحَ لك أبوابَ المَعرِفة وانشَرَح صدرُك بالإيمان؛ لأنَّ الذي يُوجِب ضِيق الصَّدْر وتَشتُّت الفِكْر هو المَعاصي، قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٣] ما يَعرِف قَدْر القُرآن إذا تَتْلو عليه القُرآن يَقول: أَساطيرُ الأَوَّلين. فلا يَعرِف قَدْره لماذا؟ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] لمَّا رانَ على قَلْبه عمَله صار -والعِياذُ بالله تعالى- لا يَرَى هذا القُرآنَ العظيمَ إلَّا أَساطيرَ الأَوَّلين.
ولهذا قال بعضُ العُلَماء ﵏: يَنبَغي لمَن نَزَلَت به نازِلة وطلَب حُكْمها، سَواءٌ كانت هذه النازِلةُ نازِلةً خاصَّةً به أَمْ كان مَسؤُولًا عنها يَنبَغي له أن يَستَغفِر الله تعالى؛ واستَدَلَّ لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، وبعدَه: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] وهذا ليس ببَعيد.
إِذَن مِن فَوائِد الإيمان والعمَل الصالِح: حُصول المَطلوب والنَّجاة من المَرهوب.
الفائِدةُ الثَّامِنةُ: أنَّ رِزْق الجَنَّة رِزْق كريم، أي: واسِع كثير دائِم حسَن، وَيدُلُّ لذلك قوله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، وقوله : ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢].
* * *
стр. 45
الآية (٥)
* * *
* قالَ الله : ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ: ٥].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿سَعَوْا﴾ فِي إِبْطَالِ ﴿آيَاتِنَا﴾ الْقُرْآنِ]، فجعَل في الآية مَحذوفًا تَقديرُه: في إِبْطالها، ومَعنَى (سَعَوْا) أي: مَشَوْا بشِدَّة، هذا في الأصل، ومنه السَّعيُ أيِ: الرَّكْض، فالمُراد أنَّ هؤلاءِ يُسابِقون وَيتَسارَعون إلى إبطال آيات الله ، وإِبْطالها بالنِّسْبة لهم أن لا يَقوموا بها، وإِبْطالهُا بالنِّسْبة لغيرهم أن يَصُدُّوا الناس عن دِين الله تعالى، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج: ٢٥] فهَؤلاءِ سَعَوْا غاية السعيِ في آيات الله لإِبْطالها وإِخْفاقِها.
وقوله : ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ لم يُبيِّن بماذا سَعَوْا؛ لأنَّ هؤلاءِ يَسعَوْن في إبطال آيات الله تعالى أَحْيانًا بالصِّراع المُسلَّح، يَعنِي: يُهاجِمون الدِّيار ويُقاتِلونهم حتى يَردُّوهم عن دِينهم، وأحيانًا بالسِّلاح الفِكْري، فيَبُثُّون فيهم الشُّبُهاتِ؛ في دِينهم، في نَبيِّهم، في ربِّهم؛ ما استَطاعوا إلى ذلك سبِيلاً، وأحيانًا يَسعَوْن في ذلك بالشَّهَواتِ؛ فيَبُثُّون في الناس حُبَّ اللهو والشَّهْوة.
ومن هذا ما تبُثُّه وسائِلُ الإعلام الخبيثة في الدُّوَل الكافِرة ومَن تَشبَّهَت بها،
стр. 46
فتَجِدهم يَدْعون إلى أَسافِل الأخلاق، يَدْعون بالقَلْم وبالصورة، فيُصوِّرون النِّساء الفاتِنات وعلى صِفة مُزرِية -والعِياذُ بالله تعالى-، وَيكتُبون أيضًا بالدَّعْوة إلى ذلك، وهذا الأمرُ يَمَسُّ العقيدة في الواقِع، وليس قاصِرًا على البدَن فقط؛ لأنَّ الإنسان إذا أَصبَح بَهيميًّا ليس له إلَاّ إِشْباعُ بَطْنه، وإشباعُ غَريزته؛ فإنه يَبقَى لا صِلةَ له بالله، أهمُّ شيءٍ عنده هذا الذي انغَمَس فيه من الشَّهَوات واللهوات، فتَجِده يُعرِض عن دِين الله ولا يَهتَمُّ به.
ولذلك مِن أَضَرِّ ما يَكون على البِلاد الإِسلامية بعد بثِّ السُّموم الفِكْرية بثُّ السُّموم الشَّهْوانية؛ لأن الشَّهْوانية هذه يَميل إليها الإنسان بفِطْرته التي تمُلِيها عليه نَفْسُه الأمَّارة بالسُّوء، فيَدخُل فيها مُكرَهًا فإذا انغمَسَ -نَسأَل الله تعالى العافِيَة- فيها فإنه يَقِلُّ أن يَنتَشِل نفسه منها.
فالمُهِمُّ: أنَّ الذين كفَروا يَسْعَوْن سَعيًا حَثيثًا في إبطال آيات الله تعالى أن تُنشَر، أو أن يُعمَل بها أو أن يَتَّجِهَ الناس إليها، بكل ما يَستَطيعون من قُوَّة؛ إمَّا بالصِّراع المُسلَّح، وإمَّا ببَثِّ الأفكار المُشكِّكة المُشبِهة، وإمَّا ببَثِّ الشَّهَوات حتى يُعرِض الناس عن دِينهم.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿آيَاتِنَا﴾: الْقُرْآن] والصواب: أنَّ آياتِنا هنا أَعَمُّ من القُرْآن؛ لأنَّ الساعين في آيات الله تعالى لَيْسوا هم من هذه الأُمَّة فقَطْ، حتى في الأُمَم السابِقة فإنَّ فيهم مَن يَسعَى في آيات الله تعالى، فمثَلًا فِرْعون يُهدِّد قومَه يَقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]؛ ويَحُثُّهم على أن يَكفُروا بموسى ﵊، وغير ذلك أيضًا من الأُمَم الآخَرين كُلُّهم يَسْعَوْن في آيات الله في إِبْطالها وصدِّ الناس عنها.
стр. 47
وعلى هذا فنَقول: إنَّ المُرادَ بآيات الله تعالى هنا أَعَمُّ من القُرْآن، يَشمَل السَّعيَ في أيِّ آيةٍ من آيات الله تعالى.
وقوله ﵀: [﴿مُعَاجِزِينَ﴾ وَفي قِرَاءَةٍ هُنَا وَفي مَا يَأْتِي]، والأَصْل (مُعْجِزِينَ) (يَسْعَونَ في آياتِنا مُعْجِزِينَ)، وفي قِراءتنا هنا وفي ما يَأتي [﴿مُعَاجِزِينَ﴾ أَيْ: مُقدِّرِينَ عَجْزَنا أَوْ مُسابِقينَ لَنَا فيَفُوتونا بظَنِّهِمْ أَنْ لَا بَعْثَ وَلَا عِقَابَ].
إذَنْ: فيها قِراءَتان سَبْعِيَّتان أم إِحْداهما شاذَّة؟
الجوابُ: سَبْعيَّتان؛ لأنَّ مِن اصطِلاح المُفَسِّر ﵀ أنه إذا قال: (وفي قَراءة) فهي سَبْعيَّةٌ، أمَّا إذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذَّةٌ، وهذا اصطِلاح خاصٌّ بالمُفَسِّر، فهذا وجَدْتَ في هذا التَّفسر (تفسير الجلالين): (وفي قِراءةٍ) فاعلَمْ أنها قراءة سَبْعيَّة، وإذا وجَدْت: (وقُرِئَ) فهي قِراءة شاذَّة، والفَرْق بينهما أن القِراءة السَّبْعية يَجوز أن يَقرَأ بها الإنسان في صلاته وَيتعَبَّد لله بها، وأمَّا الشاذَّةُ فهي على اسمِها شاذَّة، لكن هل يُحتَجُّ بها في الأَحْكام أو لا يُحتَجُّ؟ فيه خِلاف بين العُلَماء ﵏.
إِذَنْ فيها قِراءتان: (مُعْجِزِينَ) أو ﴿مُعَاجِزِينَ﴾، المُعجِز مَعناه: الذي يُريد أن يُعجِز غيرَه بدون أن يَكون من الغَير مُقابَلة له، هذا المُعجِزُ، فيَكون الإِعْجازُ من طرَفٍ واحِدٍ، أي: أنهم يُريدون بهذا أن يُعجِزوا الله في عدَم مُؤاخَذَتهم وعِقابهم؛ لأنهم آمِنون من مَكْر الله .
و﴿مُعَاجِزِينَ﴾ تَكون من طرَفَيْن كل واحد منهم يُريد إعجاز الآخَر فكأَنَّهم لطُغْيانهم وعُدوانهم جعَلوا أنفُسهم في مَقام الصِّراع مع الله؛ وإن كان الله يَريد أن يُعجِزَهم فإنهم أيضًا يُريدون أن يُعجِزوا الله .
стр. 48
وقد سبَق أنَّ القِراءَتَيْن قد تَدُلُّ كل واحدة منهما على مَعنًى يُكمِل القِراءة الأُخرى؛ فأيُّهما أَبلَغُ (المُعجِز) أو (المُعاجِز)؟
الجوابُ: (المُعاجِزُ) أَبلَغُ في الطُّغْيان؛ لأنَّه: أَراد أن يَجعَل نَفْسَه حَرْبًا لله مُقابِلًا له، فما جَزاؤهم؟ قال : ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ: ٥].
فقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ﴾ نَقول في إعراب هذه الجُمْلةِ كما قُلْنا في قوله : ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ فهي مُبتَدَأ، وخَبَرُه الجُمْلة بعدَه ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ العَذاب بمَعنَى: العِقاب، والرِّجْز يَقول المُفَسِّر ﵀: [سَيِّئِ العَذَابِ]، الرِّجْز هو السَّيِّئُ من كل شيء، فإذا قيل: عَذابٌ مِن رِجْز. فمَعناه: سَيِّئ العَذاب، بل إنَّه أَسوَأُ العذاب، فإنَّ أَعظَمَ عَذاب يُعذَّب به البَشَر هو عَذاب النار -نَسأَل الله العافِيةَ- فهو أَسوَأُ العذاب.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَلِيمٌ﴾ أَيْ: مُؤْلمٌ بِالجْرِّ وَالرَّفْعِ]، يَعنِي: القِراءَتان [صِفَةٌ لِرِجْزٍ أَوْ عَذَابٍ] يَعنِي: كلِمة (أَليم) فيها قِراءَتان: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ أو ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾.
أمَّا كونُ (أَليم) صِفة لعَذاب فهي كثيرة في القُرآن، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ كثيرًا ما يَصِف الله تعالى العَذاب بالأَلم، وأمَّا (الرِّجْز) فإنها كانت صِفة لها؛ لأنها أقرَبُ من (عَذاب)، وعليه فإذا قُلْتَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ برَفْع (أَليمٌ) قُلْنا: إنها صِفة لـ (عَذاب) وإذا قُلتَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٍ﴾ بجَرِّ (أَليمٍ) قُلْنا: إنها صِفة لـ ﴿رِجْزٍ﴾.
ويَجوز أن تُقرَأ بهذا وبهذا، بل يُستَحَبُّ لك أن تَقرَأ بالقِراءَتَيْن جميعًا وبالثلاث
стр. 49
إذا كان فيها ثلاث قِراءاتٍ؛ لأنَّ اختِلاف القِراءات كاختِلاف الصِّفات في العِبادات، وقد سبَق لنا أنَّ الأفضل في ما جاء من العِبادات على صِفاتٍ مُتعدِّدة أن تَعمَل بهذا مَرَّة وبهذا مَرة حتى تَحصُل على السُّنَن كلها، وهكذا القِراءات، ولكن إيَّاك أن تَقرَأ وأنت شاكٌّ في القِراءة؛ لأنَّه لا يَجوز أن نَقرَأ إلَاّ ونحن مُتيَقِّنون بأن هذه هي القِراءةُ الصحيحة.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدةُ الأُوْلَى: تَحقُّق ما وصَف الله تعالى به القُرآن من أنه مَثاني، إذا ذُكِر فيه المَعنى ذُكِر ما يُقابِله، وإذا ذُكِر فيه العامِل ذُكِر مَن يُقابِله.
الفائِدةُ الثَّانِيَةُ: الحِكْمة في الخِطاب، وأنه يَنبَغي في الخِطاب أن يَكون جامِعًا بين أسباب الخوف وأَسباب الرَّجاء؛ لأنه إذا ذُكِر الخوف فقط فقد يَستَوْلي على القَلْب القُنوطُ من رحمة الله؛ وإذا ذُكِر الرَّجاء فقط فقد يَستَوْلي عليه الأَمْن من مَكْر الله .
الفائِدةُ الثَّالِثَةُ: أن الكُفَّار يَسعَوْن جادِّين لإبطال آيات الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾، والسعي كما نَعلَم أنه هو الجريُ بشِدَّة، فهؤلاء يَسعَوْن جادِّين لإِبْطال آيات الله .
الفائِدةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ هؤلاءِ الكُفَّارَ كأنما يُعاجِزون الله تعالى ويُغالِبونه، لقوله تعالى: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾.
الفائِدةُ الخَامِسَةُ: أنَّ هؤلاء الذين سعَوْا في آيات الله تعالى مُعاجِزين يُعاقَبون بهذا العِقابِ الأليمِ: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿مِنْ رِجْزٍ﴾ أي: من عَذاب سَيِّئٍ مُؤلِم، كما سبَق.
стр. 50
الفائِدةُ السَّادِسةُ: التَّحذير من سَعْيِ الإنسان في إبطال آيات الله تعالى، فإذا قُلْنا -على القاعِدة التي سبقَت لنا في قواعِد التَّفسير-: "إنه إذا نُهِيَ عن شيء فهو أَمْر بضِدّه" فتَكون هذه الآيةُ مُتضَمّنة للحَثِّ على السَّعيِ في آيات الله لتَقريرها وتَثبيتها، وهو كذلك؛ فإننا مَأمورون بأن نَسعَى قَدْرَ استِطاعتِنا في تَثبيت آيات الله ونَشرِها بين الأُمَّة حتى تَقوم المِلَّة.
الفائِدةُ السَّابِعَةُ: إثبات الجَزاء والحِكْمة فيه؛ لأن المُؤمِنين العامِلين الصالحِاتِ ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وهؤلاء ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾.
* * *
стр. 51
الآية (٦)
* قالَ الله : ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَيَرَى﴾ بمَعنَى: يَعلَم؛ لأنَّ الرّؤْية تَكون بمَعنَى الرّؤْية بالعَيْن، وتَكون الرُّؤْية بالقَلْب، والرّؤْية بالقَلْب هي العِلْم، و (رأَى) بمَعنَى: عَلِم، وتَأتي في القُرآن كثيرًا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧] (نَراه) بمَعنَى: نعَلَمه؛ لأَنه ليس المعنى: نَراه بأَعيُننا، إذ إنه لم يَقَع، وليس المَعْنى: نَظُنُّه؛ لأنَّ الله تعالى مُنَزَّهٌ عن الظَّنِّ، وعلى هذا فيَكون (نَراه) بمَعنى: نَعلَمه، وهنا قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: [يَعْلَمُ]، لكنه إذا جاءَت: (يَرَى) بمَعنى: (يَعلَم) دلَّتْ على أن العِلْم في أعلى مَقامات العِلْم؛ وأنه صار كالمُشاهَد بالعَيْن يُرَى رُؤيا بالِغة كالذي يُشاهَد.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: أُعطُوه.
وهل المُراد بهم أهل الكِتاب أو هو عامٌّ؟ يَقول المُفَسّر ﵀: [﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ كَعَبْدِ الله بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ].
والصواب: أنها أَعمُّ من ذلك، وأن المُراد بالذين أُوتوا العِلْم كلّ مَن أَعطاهمُ الله تعالى العِلْم فيَشمَل أهل الكِتاب من اليَهود والنَّصارى، فالنَّجاشِيُّ ﵀ من
стр. 52
النَّصارى، ورأَى أن الذي أُنزِل إلى النبيِّ ﵊ حقّ، وعبدُ الله بْنُ سَلَامٍ من أَحبار اليَهود رأَى أن الذي أُنزِل على النبيِّ ﷺ هو الحَقُّ، وكذلك أيضًا مَن آتاه الله تعالى عِلْمًا من هذه الأُمَّةِ فإنه يَرَى أنَّ الذي أُنزِل إلى النبيِّ ﷺ هو الحَقُّ، بخِلاف مَن كان جاهِلًا فإنَّ إيمانه إيمانُ تَقليد، وهو وإن كان مجُزِئًا عنه لكنه ليس كإيمان الذي آتاه الله تعالى العِلْم.
وَيدُلُّ على أن المُراد بالذين أُوتوا العِلْم ما هو أَعَمُّ قولُه تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] فالذين أُوتوا العِلْم هم الذين يَرَوْن أنَّ ما أُنزِل إلى النبيِّ ﷺ هو الحقّ؛ وذلك بما آتاهمُ الله من العِلْم الراسِخ في قُلوبهم.
ولهذا تَجِد عِبادة العامِّيِّ يَعبُد الله عِبادةً أَشبَهَ ما تَكون بالعادة، وإن حضَر في قَلْبه الإنابةُ والخُشوعُ والاستِحْضارُ، لكنه ليس كالذي يَعبُد الله تعالى على بَصيرة وعلى عِلْم؛ لأنَّ في قَلْب هذا مِن اليَقين ما ليس في قَلْب الأَوَّل، فيَكون عامًّا.
وقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ إذا كانت (يرَى) عِلمِيَّة فإنها تَنصِب مَفعولين: المَفعول الأوَّل: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ الاسْمُ المَوصولُ، والمَفعول الثاني: ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾، وأمَّا ﴿الَّذِينَ﴾ الأُولى فهي فاعِل.
قوله ﵀: [﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يَعنِي: الْقُرْآنَ]، فإن الله تعالى أَنزَله إلى النبي ﷺ بواسِطة جِبريلَ ﵇.
وقول تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هنا أَضاف الرُّبوبية إلى النبي ﵊؛ لأنَّ الوَحيَ رُبوبية خاصَّةٌ، إذ لا أحَدَ يُشارِك النبي ﵊ من هذه الأُمَّةِ في ذلك؛ فلهذا أَضاف الرُّبوبية إليه وحدَهُ؛ فقال تعالى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾
стр. 53
للعِناية بهذا المُنَزَل إليه، والمُنزَل أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ تَقدَّم أنَّ مَعنَى الرُّبوبية هو الخَلْق والمِلْك والتَّدبير، فالله تعالى خالِق النبيِّ ﷺ ومالِكُه ومُدبِّرُه.
وقول المُفَسِّر ﵀: [أَيِ: الْقُرْآنَ ﴿هُوَ﴾ فَصْلٌ ﴿الْحَقَّ﴾] هذا هو المَفعول الثاني، و (هو) ضمير فَصْلٍ، لَفْظُه لفظُ الضمير لكنَّه ليس ضَميرًا؛ ولذلك لا نَقول: إنَّه اسمٌ، وأيضًا لا نَقول: له مَحَلٌّ من الإعراب، يَعنِي: لا مَحَلَّ له من الإعراب، وليس باسْمٍ، لكنه جِيء به للفَصْل.
والدَّليل على أنه لا مَحَلَّ له من الإعراب قولُه تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٠]، ولو كان له مَحَلٌّ من الإعراب لقال: (هم الغالِبون) فلَما قال: ﴿هُمُ الْغَالِبِينَ﴾؛ وصارَت ﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبَرَ (كانَ)، دلَّ ذلك على أنَّ هذا الضميرَ ليس له مَحَلٌّ من الإعراب، لكن ما فائِدتُه؟
الجوابُ: ذكَرَ العُلَماءُ ﵏ أن له ثَلاثَ فَوائِدَ:
الفائِدةُ الأُوْلَى: الفَصْل بين الصِّفة والخبَر.
الفائِدةُ الثَّانِيَةُ: الحَصْر.
الفائِدةُ الثَّالِثَةُ: التوكيدُ.
أما وَجْه كَوْنِه فاصِلًا بين الصِّفة والخَبَر فلو قُلْت: "زيدٌ الفاضِلُ"؛ (الفاضِل): هنا يُحتَمَل أنها صِفةٌ لـ (زَيْدٌ)، وأنَّ الخبَر لم يَأتِ، فيَكون الإنسانُ الآنَ مُترَقِّب للخبَر، كأَنْ يَكونَ تَقديره: (زَيدٌ الفاضِلُ حاضرٌ)، وإذا قُلتَ: "زيد الفاضِلُ حاضرٌ"؛ صارت (الفاضِلُ) هنا صِفةً بلا شَكٍّ و (حاضِرٌ) خَبَرًا، فإذا قُلتَ: "زيد الفاضِلُ"
стр. 54
فقَطْ، يُحتَمَل أنك تُريد أن تُخبِر بأنَّ (زَيدٌ فاضِلٌ) ويُحتَمَل أنك تُريد أن تَصِف زيدًا بأنه فاضِل، والخبَرُ لم يَأتِ، فإذا قُلْت: "زيدٌ هو الفاضِلُ" تَعيَّن أن تَكون الفاضِلُ خبرًا.
وأمَّا كونُه مُؤكّدًا أيضًا؛ لأنك إذا قُلتَ: زيدٌ الفاضلُ، وزيدٌ هو الفاضلُ. هَذه أَوْكَدُ بلا شَكٍّ، كذلك أيضًا مُفيدٌ للحَصْر: فإذا قُلتَ: زيدٌ هو الفاضِل؛ مَعناه: لا غَيره. فضَمير الفَصْل إِذَنْ يُفيد ثلاث فوائِدَ: الحصْرُ، والتَّوكيد، والفَصْل بين الخَبَر والصِّفَة.
وقوله : ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ بمَعنَى: الشيء الثابِت، فقَولُك: أُحِقُّ الشيء. أَيْ: أُثبِتُه، ومِثاله أيضًا قوله تعالى: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٦] أي: ثبَتَت ووَجَبَت، فما هو الثُّبوت في القُرآن؟
الصِّدْق في الأخبار والعَدْل في الأَحْكام، فالحقُّ إذا أُضيف إلى الحُكْم فمَعناه: العَدْل، أي: أنَّه حُكْم عادِل؛ ولهذا لو تَنازَع خَصْمان عند القاضي وحَكَم لأحدهما بما تَقتَضيه الشريعةُ قُلْنا: هذا حقٌّ؛ لأَنَّه عدَلَ، ولو حَكَم للثاني بخِلافه قلنا: هذا ليس بحَقٍّ هذا باطِل؛ لأنه حَكَم بغير الحقِّ، فالحَقُّ في الأحكام هو العَدْل، وفي الأَخْبار هو الصِّدْق، فالذين آتاهمُ الله تعالى العِلْم يَعلَمون أنَّ هذا القُرآنَ حَقٌّ في أَحْكامه وحَقٌّ في أخباره، فأَحكامه كلها عَدْل؛ لأنها وَضَعَتِ الشيء في نِصابه وجعَلَتِ الحَقَّ لمُستَحِقَّيه، وأخبارُه أيضًا ثابِتة حَقٌّ، يَعنِي: ثابِتة ما فيها كذِبٌ، فإذا قُلْت: هذا خبرٌ حَقٌّ. أي: صِدْقٌ، هذا حُكْمٌ حقٌّ، أي: عَدْلٌ.
ولهذا قال الله : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، وقال العُلَماءُ ﵏: صِدْقًا في الأخبار؛ وعَدْلًا في الأحكام.
стр. 55
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ ومعَ ذلك [﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ﴾ طَرِيقٍ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أَيِ: الله؛ ذِي العِزَّةِ المَحْمُودِ] يَهدِي بمَعنَى: يَدُلُّ، فالهِدايةُ هنا هِداية دَلالة وإرشاد، والهِداية نَوْعان: هِداية تَوْفيق؛ وهِداية دَلالة.
أمَّا هِداية التَّوفيق فلا يَملِكها إلا الله، قال الله تعالى لنَبيِّه مُحمَّد ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
وأمَّا هِداية الدَّلالة فثابِتة لكلِّ ما يَكون به الإِرْشاد والدَّلالة، فالقُرآن يَهدِي إلى صِراط مُستَقيم، والنَّبيُّ ﷺ يَهدِي إلى صِراطٍ مُستَقيم، وهنا (يَهدِي) أي: يَدُلُّ.
وقوله : ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ يَعنِي: (الله)، وهنا قال: ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ كما قال تعالى في سُورة إبراهيمَ ﵇: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]، فأَضافَه إلى هذا الِاسْمِ العَظيم وهو الدَّالُّ على العِزَّة؛ إشارة إلى أن مَن تَمسَّك بهذا الصِّراطِ كانت له العِزَّة.
﴿الْحَمِيدِ﴾ أَيْضًا إشارة إلى أنَّ مَن لَزِم هذا الصِّراطَ كان في مَقامٍ مَحمود.
أمَّا ﴿الْعَزِيزِ﴾ الذي هو اسْمُ الله تعالى، فإن ﴿الْعَزِيزِ﴾ مَن له العِزَة، والله تعالى له العِزَة جَميعًا ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥]، العِزَّة التي وُصِفُ الله تعالى بها تَتضمَّن ثلاثة مَعانِيَ: عِزَّة القَدْر، وعِزَّة القَهْر، وعِزَّة الامْتِناع.
أما عِزَّة القَدْر فمَعناها: أنَّ الله ذو قَدْرٍ عَظيم، وأمَّا عِزَّة القَهْر فمَعناها: أن الله ذو قَهْر عظيمٍ؛ وغلَبة لا يَغلِبه أَحَد، وأمَّا عِزَّة الامتِناع فمَعناه: أنَّ الله يَمتَنِع عليه النَّقْص بوَجْهٍ من الوُجوه، ولا يُمكِن أن يَنالَه نَقْصٌ أبَدًا، فهذه هي العِزَّة المُضافة إلى الله.
стр. 56
فإن قِيل مثَلًا: هذا عزيزٌ عَلَيَّ؛ أي: ذُو قَدْر شَريفٍ عِنْدي، وفي الآية: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] يَعنِي: غلَبَني، هذه عِزَّة القَهْر والغَلَبة، ويُقال: أَرْضٌ عَزَازٌ. أي: قوِيَّةٌ شديدة ما يُؤثِّر فيها وَطْء الأقدام، وهذه عِزَّة الامتِناع، فالله مَوصوف بالعِزَّة بمَعانيها الثلاثة.
وأمَّا ﴿الْحَمِيدِ﴾ فيَقول المُفَسِّر ﵀: إنه بمَعنَى: [المَحْمُودِ] وصحيحٌ أنَّ (فَعيل) تَأتي بمَعنَى (مَفعول)، ومنه قَوْلهم: (قتيل) بمَعنَى (مَقتول)، و (جَريحٌ) بمَعنَى (مجَروح)، لكنها تَأتي بمَعنَى (الفاعِل) أيضًا؛ مِثْل (عَليم) بمَعنَى (عالِم)، (عَزيز) بمعنى (عازّ)، (حَكيم) بمَعنَى (محُكِم)، وهكذا تَأتي بهذا المَعنَى.
فإذا كانت تَأتي بالوَجْهين جميعًا، أي: بالفاعِل والمَفعول؛ فهل الأَوْلى أن نَجعَلها مَقصورة على المَفعول أو نَجعَلها شامِلةً؟
الجوابُ: الأَوْلى أن نَجعَلها شامِلة؛ فهو حَميدٌ بمَعنَى: حامِد، وبمَعنَى (مَحمود)، أمَّا كَونُه حامِدًا فما أَكثَرَ ما يُثنِي الله على عِباده المُؤمِنين، إِذَنْ هذا (حَمْد) فهو (حامِد) ، وأمَّا كَوْنه محَمودًا، فهذا ظاهِر أن الله تعالى له الحمْدُ على كل حال.
والحاصِلُ: أنَّ تفسير المُفَسِّر ﵀ ﴿الْحَمِيدِ﴾ بـ (المَحمود) فيه قُصورٌ، والصَّواب: أنه بمَعنى (مَحمود) وبمَعنَى (حامِد)، وأن له الحمْدَ في الدُّنيا والآخِرة.
وفي إضافة الصِّراط إلى اسمِ الله تعالى ﴿الْحَمِيدِ﴾ فيه فائِدة؛ أنَّه يَدُلُّ على أنَّ مَن تَمسَّك بهذا الصِّراط فإنه (عزيزٌ) و (محَمودٌ) أَيْضًا؛ (محمود) على الْتِزامه بهذا الصِّراطِ.
стр. 57
فَإنْ قِيلَ: في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الدُّنيا أَمْ في الآخِرة؟
فالجوابُ: أنه لمَّا ذَكَر المَغفِرة فإن آثارَها لا تَظهَر إلَاّ في الآخِرة، ولكن -كما سَبَق- أنَّ الأَحسَن العُموم.
فإن قُلتَ: إننا نَجِد من المُؤمِنين العامِلين الصالحِاتِ مَن هو فقير، فأَينَ الكرَمُ في الرِّزْق؟
فالجوابُ: أن نَقول كما قال النَّبيُّ ﷺ : "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" (١)، فقد يَكون الإنسان عنده مالٌ كثير لكن حاله حال الفُقراءِ.
أمَّا مَن لا يَرَى أن ما أُوتيه النبيُّ ﷺ حَقٌّ فهذا لا يُمكِن، فكل مَن أُوتِيَ عِلْمًا فإنه يَرَى أن ما جاء به النبيُّ ﵊ هو الحقُّ، لكنه يَكون مُعانِدًا مُستكبرًا، مُشكِلة هذا المُكابَرةِ، وهي أَمْرٌ ما فيها إلَاّ السَّيْف إذا استَحَقَّ القَتْل، وإلَّا كُلُّ إنسانٍ يُؤتَى العِلْم لا بُدَّ أن يَشهَد بالحقِّ لما جاء به الرسول ﵊؛ لأنَّ ما جاء به الرسول مُطابِقٌ للواقِع، فلا بُدَّ أن يَعلَم أنه حَقٌّ.
وقد قال الله عن آل فِرعونَ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، فهم يَستيقِنون بها، وَيعلَمون أنها الحقُّ لكنهم يَجحَدون، وقال: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ يَشمَل كُلَّ مَن آتاه الله تعالى العِلْم حتى عبدَ الله بنَ سلَام وغيرَه، ومن الجائِز أن تَنزِل الآية قبل أن يَحدُث الواقِعُ.
стр. 58
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدةُ الأُوْلَى: فَضيلة العِلْم؛ ووجهُه: أنَّ العالِم يَعرِف الحقائِقَ على ما هي عليه، فيَرَى أنَّ الذي أُنزِل على الرسول ﷺ هو الحقُّ، وهذا لا شَكَّ أنه من فضائِل العِلْم، عَكس الذي يَترَدَّد في كونه حَقًّا، أو يُمكِن أن يَكون حَقًّا -والعِياذُ بالله تعالى- فالَّذين مَنَّ الله تعالى عليهم بالعِلْم يَرَوْن أنه الحقُّ.
الفائِدةُ الثَّانِيَةُ: الإشارة إلى أنه لا يَنبَغي للإنسان أن يُعجَب بعِلْمه؛ لقوله : ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ يَعنِي: ما أَدركوهُ بأَنفُسهم، ولكن الله تعالى مَنَّ عليهم به، فلا تَقُلْ: هذا من عِندي. ومِثْله المالُ أيضًا، بعض الناس يُعجَب إذا حصَّل مالًا؛ والذي أَعطاه المال هو الله، وماذا صنَعَ الله بالذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]؟ خَسَف به الأرض.
فنَأخُذ مِن قوله تعالى: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أنه لا يَنبَغي للإنسان أن يُعجَب بنَفْسه ويَقول: العِلْم حصَّلْتُه أنا بفهمي وحِرْصي ومُثابَرتي.
الفائِدةُ الثَّالِثَةُ: يَنبَغي للإنسان أن يَلجَأ إلى الله تعالى في تَحصيل العِلْم، نَأخُذها من قوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ فإذا كُنَّا نُؤْتَى العِلْم؛ فلْنَسأَلْ هذا العِلْم ممَّن يُؤتِينا إيَّاه.
الفائِدةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ القرآن كلام الله ؛ لقوله تعالى: ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ فما وجهه؛ لأنه ليس كل نازِل كلامًا، فقَدْ يَذكُر الله تعالى الإنْزال للشيء وليس بكلام؟
الجوابُ: أن ما نَزَل من الله تعالى إمَّا أن يَكون قائِمًا بذاته أو قائِمًا بغيره، والقائِم بذاته مخَلوق؛ كالمطَر ونحوه، أمَّا القُرآن فهو قائِم بغيره؛ لأنه كلامٌ فلا يُمكِن إلَّا مِن مُتكلِّم فيَكون كلام الله غيرَ مخَلوق، وإلَّا هناك أَشياءُ يُنزِلها الله تعالى وَيقول: أَنزَلناها.
стр. 59
وهي مخَلوقة؛ كقوله : ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [النحل: ١٠]، وقوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [المؤمنون: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وكل هذه الأشياءِ مَخلوقة؛ لأنها أعيان قائِمة بذاتها، بخِلاف القَوْل فإن القَوْل لا يَكون إلا بقائِل.
فإذا قال الله تعالى: أَنزَل عليك الكِتابَ، وهو قولٌ صار هذا القَوْلُ مِن كلام الله تعالى.
الفائِدةُ الخَامِسَةُ: فضيلة النبيِّ ﵊، تُؤخذ مِنْ إضافة الرُّبوبية إليه، وهذه الرُّبوبية خاصَّة -كما سبَق- لنا في (قواعِد التَّفسير).
الفائِدةُ السَّادِسةُ: عِناية الله بالرسول ﵊؛ لقوله : ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾.
الفائِدةُ السَّابِعَةُ: بيان فَضْل الله تعالى عليه، حيث أَنزَل عليه الحقَّ.
الفائِدةُ الثَّامِنةُ: أن هذا القُرآنَ حَقٌّ؛ في أَخْباره وفي أَحْكامه، والحَقِّيَّةُ في الأَخْبار هي: الصِّدْق، وفي الأحكام: العَدْل، وقد جمَعَ الله تعالى ذلك في قوله : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
الفائِدةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ القُرآن مَنارٌ وهُدًى، يَهتَدِي به الناس وَيستَضيئون به؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
الفائِدةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ مَنِ ابتَغَى الهُدى من غيرِه ضَلَّ؛ لأنه إذا كان هو الذي يَهدِي إلى صِراط العَزيز الحميد فإذا ابتَغَيْت الهُدَى من غيرِه المُخالِف له فإنك
стр. 60
لا تُهدَى إلى صراط العَزيز الحميد؛ ولهذا لمَّا طلَبَ أهلُ البِدَع الوُصولَ إلى الخالِق عن طريق غير القُرآن ضلُّوا وتاهوا وبَقُوا مُتَحَيِّرين مُضْطَرِبين.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن مَن تمَسَّك بهذا القُرآنِ نال العِزة والحمْد؛ أي: صار عزيزًا مَحمودًا؛ لقول الله تعالى: ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ولم يَقُلْ: إلى صراط الله. بل قال سبحانه: ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾؛ إشارة إلى أنَّ مَن تمَسَّك بالقُرآن فله العِزَّة وله الحمْدُ يُحمَد على فِعْله وقَوْله وتَرْكِه.
الفائِدةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ: إثبات هَذين الاسْمَيْن لله، وهما العَزيز والحميد، وقلنا: أنَّ العِزَّة التي اتَّصَف الله بها لها ثلاثة أَنواعٍ: عِزَّة القَدْر، وعِزَّة القَهْر، عِزَّة الامتِناع، فالحَميد من أسماء الله تعالى، وهو مُشتَقٌّ من الحمْد.
الفائِدةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ: إثبات العِزَّة لله تعالى، وإثبات الحمدِ لله تعالى، ولكن هناك عِبارة عند الناس يَقولون: (الحمدُ لله الذي لا يُحمَد على مَكروهٍ سِواهُ) وهذه عِبارةٌ غيرُ مُناسِبة؛ لأنك تُعلِن إعلانًا تامًّا بأنَّك تَكرَه ما قَضَى الله تعالى، والرسول ﵊ إذا أَصابَه أَمْر يُسَرُّ به قال: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالحِاتُ"، وإذا أصابَه ما يَكرَه قال ﷺ : "الحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ" (١)، ولا يَذكُر شيئًا مَكروهًا، ولهذا يَنبَغي لنا أن نُنبِّه مَن تَكلَّم بهذه العِبارةِ؛ أنَّ هذا يَشهَد بأنه لم يَرضَ بقَضاء الله تعالى نَقول له: قُلْ: "الحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ".
ونَعلَم أن الله تعالى ربُّ كل شَيْءٍ وَيدخُل في ضِمْن ذلك الكِلابُ والخَنازيرُ والحشَراتُ وما أَشبَه ذلك، لكن هل من اللائق أن تَقول: إن الله تعالى ربُّ الكِلاب
стр. 61
وربُّ الخَنازير وربُّ الحشَرات؟ وهذا ليس من الأدَب أن تُخصّص كما نَصَّ على ذلك شيخُ الإِسلام ابنُ تَيميَّةَ (١) وغيرُه ﵏، فهنا فَرْق بين التَّعميم وبين التَّخصيص؛ ولهذا قال الرسول ﵊: "الحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ".
* * *
стр. 62
الآية (٧)
* قالَ الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧].
* * *
أوَّلًا: في الإعراب والمَعاني البلاغية قوله : ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ المَقصود بالاستِفْهام هنا السُّخْرية، وقوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ نُكِّر للتَّحقير، يَعنِي: أنَّه رجُلٌ حَقيرٌ، كقوله تعالى عمَّن كذَّبَ الرسُلَ عُمومًا: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، وقوله : ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ١٤]، فإن هذا للتَّحقير.
وقوله : ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ تَنصُب ثلاثةَ مَفاعيلَ، المَفعولُ الأوَّل الكافُ، والمَفعول الثاني والثالِث مُعلَّق بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
يَقول الله عن الكافِرين: إنَّ بعضهم يَقول لبَعضٍ على جِهة التَّعجُّب، كما قال المُفَسِّر ﵀، بل على جِهة التَّحقير: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [أَيْ: قَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى جِهَةِ التَّعَجُّبِ لِبَعْضٍ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ هُوَ مُحَمَّدٌ]، الاستِفهام هنا قُلت: إنه للسُّخْرية.
والمُفَسِّر ﵀ زاد مَعنًى آخَرَ وهو التَّعجُّب، يَعنِي: ألَا تَتَعَجَّبون ممَّا سنَدُلُّكم عليه.
стр. 63
وقوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ يَقول ﵀: [هُوَ مُحَمَّدٌ] لكنهم قالوه بالتَّنكير على سبيل التَّحقير لم يَذكُروه باسمه؛ لأنَّ ذِكْر الشخص باسْمِه قد يَعني تَعلية مَنزِلته، ولكنهم قالوا بهذا اللَّفظِ المُنكَر تَحقيرًا له [﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يُخْبِرُكُمْ أَنَّكُمْ ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ وقُطِّعْتُمْ ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ بِمَعْنَى: تَمْزِيقٍ] ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا ما يُنبّأ به يَقول: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: يُخبِرُكم، فالنَّبأ بمَعنَى الخَبر، وقد يَكون النَّبأ في الأشياء الهامَّة والخبَر في ما هو أعَمُّ، فتُخبِرُ عن الشيء الهامِّ وعن الشيء الحَقير، ولكنك لا تُنْبئُ إلَاّ بشيءٍ عظيم، كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١ - ٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨]، فالنَّبأ قد يُستَعمَل في الأشياء العَظيمة بخِلاف الخبَر فإنه يَكون أَعمَّ.
وقوله ﵀: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [إِذَا قُطِّعْتُمْ] يَعنِي: تمَزيق الأرض لِلُحوم البَشَر، فإن الإنسان إذا دُفِن مَزَّقته الأرض وقطَّعته وصارَت عِظامه الصُّلْبة رميمًا: فهُمْ يَقولون: إنه ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: بمَعنى تَمزيق.
وعلى هذا فكلِمةُ ﴿مُمَزَّقٍ﴾ مَصدَر، لكنه مَصدَرٌ مِيميٌّ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا هو مَحَلُّ النَّبأ، وهو في مَحَلّ نصبٍ سَدَّ مَسَدَّ مَفعولَيْ يُنبِّئكم الثاني والثالث.
وقوله : ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ كلِمةُ ﴿إِذَا﴾ ظَرْفية مُتعلِّقة بشيءٍ مَحذوفٍ يَدُلُّ عليه السِّياق؛ لأنَّ إنباء الرسول ﷺ ليس في وقت تَمزيقهم، ولكنه أَنبَأَهم في الحياة الدنيا: أنما تَمزيقهم إذا دُفِنوا، يَعنِي أنكم إذا دُفِنْتم ومُزِّقتم تَكونون في خَلْق جَديدٍ، وهذا الخَلْقُ الجديد هو البَعْث، وهل البَعْثُ إعادة لما مَضَى، أو ابتِداء خَلْق غير الأَوَّل؟
стр. 64
الصوابُ: أنه إعادة ما مَضَى كما قال الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧]، ولكنه سُمِّي خَلْقًا جديدًا؛ لأنَّ الإنسان إذا بُعِث فإنه لا يُبعَث كحاله في الدنيا، بل يُبعَث في حالٍ أَشَدّ وأَقوَى؛ لأنه سيُبعَث على أنه مُؤبَّد لا يَموت.
ولهذا يَتحَمَّل الناس يوم القيامة من الكَرْب والهَمِّ والغَمِّ ما لا يَتَحمَّلونه في الدُّنيا، فالناس مَثَلًا لو دَنَتِ الشمس منهم قَدْر مِيلٍ في الدنيا لأَحْرَقتهم، ولكنها في الآخرة تَدنو مِنهم ومع ذلك لا تُحرِقهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في أَوْصافه؛ لأنَّ الصحيح أنَّ الخَلْق هو إعادة ما مَضَى.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدةُ الأُوْلَى: أن النَّبيَّ ﷺ دعا إلى الإيمان باليَوْم الآخِر؛ تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
الفائِدةُ الثَّانِيَةُ: بَيان عُتُوِّ الكافِرين، واستِعْلائهم واستِكْبارهم؛ حيثُ عبَّروا بهذا التَّعبير ساخِرين بما أَخبَر به النبي ﷺ ، ووَجْهُ عُلُوِّهم واستِكْبارهم:
الأول: السُّخْرية بهذا النَّبأ.
الثاني: تَحقير النبيِّ ﷺ .
الثالِث: وَصْفه بأنه لا تَخلُو حالُه من أَحَد أمرين: إمَّا كاذِب، وإمَّا مجَنون.
هذه ثلاثة أَوْجُهٍ كلُّها تَدُّلُّ على: عُلُوِّ هَؤلاءِ الكافِرين واستِكْبارهم وعِنادِهم.
الفائِدةُ الثَّالِثَةُ: بَيان ما حصَل للنبيِّ ﷺ من الأَذَى، وأنه صَبَر؛ لأنَّ أَمْرًا يَصِل
стр. 65
إلى هذا الحدِّ في الاستِخْفاف به والاستِهانة بخَبَره؛ لا شكَّ أنَّه يُؤثّر على نَفْسه تأثيرًا بالِغًا، وأَعتَقِد أن صاحِب الدَّعوة إذا أُوذِيَ بمِثْل هذا الإيذاءِ كان أشدَّ عليه من أن يُضرَب ويُحبَس.
الفائِدةُ الرَّابِعَةُ: بيانُ قُدْرة الله؛ حيثُ يُعيد هذا الخَلْقَ بعد أن يَتمَزَّق كلَّ تمَزُّقٍ؛ لأنه ظاهِر من قوله تعالى: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾.
* * *
стр. 66
الآية (٨)
* قالَ الله : ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: ٨].
* * *
قول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَفْتَرَى﴾ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ للاسْتِفْهَامِ وَاسْتُغْنِيَ بِهَا عَنْ هَمزَةِ الْوَصْلِ] (أَفْتَرَى) أصلُها (أَافْتَرى) لكن هَمزة الوَصْل مع همزة الاستِفْهام تَسقُط، ومِنه قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣]، ﴿أَصْطَفَى﴾ بمَعنَى: (أَاصْطَفى) فسَقَطت الهَمزة؛ لأنها وقَعَت بعد هَمزة الاستِفْهام، وأَظُنُّ سُقوطَها مَعلومًا؛ لأنَّ هَمزة الوَصْل تَسقُط في الوسَط، فهذا جاءَت هَمزة الاستِفْهام صار الكلام مُتَصِلًا، وإذا كان مُتَّصِلًا سقَطَت همزة الوَصْل، ففي قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أين ذهَبَت هَمزةُ الوَصْل في ﴿اصْنَعِ﴾؟
سَقَطَت لاتِّصال الكلام، فإِذَن ﴿أَفْتَرَى﴾ سقَطَت لاتِّصال الكلام ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ في ذلك؛ يَعنِي: في قوله: (إِنَّكم ستُبعَثون وتُنشَرون خَلْقًا جديدًا) هل هذا افتِراء على الله تعالى؟ سيُبيِّن الله تعالى ذلك، لكنهم يَقولون: إنَّ حالَهُ دائِرة بين أَمْرين: إمَّا رجُلٌ مُفترٍ على الله تعالى، افتَرَى على الله تعالى الكَذِب في ذلك، ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [جُنُونٌ تَخيَّلَ بِهِ ذَلِكَ].
إِذَنْ: هُمْ -والعِياذ بالله تعالى- قسَّموا حال النبيِّ ﷺ إلى حالين لا ثالثَ لهما،
стр. 67
وهُما الافتِراءُ على الله، والثاني الجُنون ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي: جُنون تَخيَّل له ذلك به.
فَإنْ قِيلَ: هل هناك حالٌ ثالِثة؟
فالجوابُ: نعَمْ، هناك حالٌ ثالِثة، لكنَّهم لا يُقرُّون بها، وهو أنه صادِق عاقِل، صادِق لم يَفتَرِ، وعاقِل ليس به جِنَّة، وهذا هو الواقِع، لكنهم هم -والعِياذُ بالله تعالى- أَسقَطوا هذا القِسْمَ الثالِثَ؛ لأنهم لا يُقِرُّون به.
ومن عَجَبٍ أنَّ هؤلاءِ الذين يَقولون في الرسول ﵊ هذا الوَصْفَ: إنه إمَّا (مُفتَرٍ) أو (مَجنونٌ) أو (شاعِرٌ) أو (كاهِنٌ) أو ما أَشبَه ذلك؛ كانوا يُسمُّونه قبل النُّبوة (الأَمِين)، ويَرَوْن أنه من أَصدَق الناس وأَعظَمِهم أمانةً؛ لكن -والعِياذُ بالله تعالى- لمَّا جاء بما لم يُوافِقْ أهواءَهُم صاروا يُلقِّبونه بهذه الألقابِ.
وهذه الألقابُ السَّيِّئةُ التي لَقَّب المُشرِكون بها رسول الله ﷺ مَوروثة ورِثَها أعداءُ المُؤمِنين وأَوْلياء المُجرِمين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٠]، فهذه الأَلْقابُ السَّيِّئة مَوجودة الآنَ، كلُّ أَعداء الرُّسُل يُلقِّبون أولياءَ الرُّسُل بمِثْل ما لُقِّب به الرسول ﷺ .
وسبَق في العَقيدة أنَّ مِن الناس مَن يُلقِّب أهل السُّنَّة والجماعة بـ (الحشَوِيَّة) و (النوابت) و (الغُثاء) و (المُجَسِّمة) وما أَشبَه ذلك؛ كل هذا تَنفيرًا للناس عن سُلوك مَذهَبِهم.
يَقول تعالى: ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قال الله مُبطِلًا ذلك: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [المُشْتَمِلَةِ عَلَى الْبَعْثِ وَالْعَذَابِ ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيَا]،
стр. 68
وقوله تعالى: ﴿بَلِ﴾ للإِضراب الإبطاليِّ؛ يَعنِي أن الله أَبطَل هذين القِسْمين اللذين رَدَّد هَؤلاءِ الكُفَّارُ حال النبيِّ ﷺ بينهما؛ يَعنِي: بل هو غَيرُ مُفتَرٍ وليس به جِنَّة، ولكن هؤلاء الذين لا يُؤمِنون في العَذاب والضَّلال البعيد، ولا يُمكِن أن يُقِرُّوا.
والإضراب قِسْمان: إضرابٌ إِبْطاليٌّ، وانتِقاليٌّ، الإضراب الإبطاليُّ مَعناه: أن ما قَبْلَ (بَلْ) باطِل، والإِضراب الانتِقاليُّ مَعناه أن ما قَبْلَ (بَلْ) مَرحلة انتُقِل منها إلى مَرْحلة أُخرى بدون إِبْطال لها.
ومثال الإِضراب الانتِقاليِّ قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، فإن هذا انتِقاليٌّ، يَعنِي إنهم أوَّلًا بَعُد عنهم الآخِرة، ثُم شَكُّوا فيها، ثُمَّ بعد ذلك عَمُوا عنها - والعِياذُ بالله تعالى-، فهذه أحوالهم الانتِقالِيَّة.
قال تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لا يُصدِّقون بها ويَعتَرِفون، أي: لا يُؤمِنون بوُجودها ولا يُؤمِنون بما يَحصُل فيها، وقد سبَقَ أن اليوم الآخِرَ يَدخُل فيه كلُّ ما أَخبَر به النبيُّ ﷺ ممَّا يَكون بعد الموت، فكلُّ ما أَخبَر به الرسول ﷺ ممَّا يَكون بعد الموت كفِتْنة القبر ونَعيمه وعَذابه فإنها داخِلة في الآخرة.
قال ﵀: [المُشْتَمِلَةِ عَلَى الْبَعْثِ وَالْعَذَابِ ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ فِيهَا ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ يَعنِي: الْحَقَّ في الدُّنْيَا] المُفَسِّر ﵀ قَيَّد المُطلَق في المَوضِعين، فهنا قال الله تعالى: ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ والمُفَسِّر ﵀ قال: [فِي الْآخِرَةِ] وقال : ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ وقال ﵀: [فِي الدُّنْيَا].
والأَصَحُّ أن الآية مُطلَقة؛ فهُمْ في العذاب في الدُّنيا وفي الآخرة، أمَّا عذاب
стр. 69
الآخرة فظاهِر، وأمَّا عذاب الدُّنيا فما في قلوبهم من الحَرَج والضِّيق وما يَحصُل عليهم أيضًا من العذاب من الله، كما قال : ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وكذلك العذاب الذي يَجرِي على أَيْدي الرُّسُل كالعذاب الذي يَحصُل لهم بالهزائِم، فإن هذا من عذاب الدُّنيا، أمَّا الآخرة فظاهِر.
إِذَنْ: ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ يَشمَل الدُّنيا والآخِرة، وتَقييده بالآخِرةِ فيه نظَرٌ، بل إنه يَجِب علينا ألَّا نُقيِّد شيئًا أَطلَقه الله تعالى إلَاّ بدليل من كِتاب الله تعالى، أو سُنَّة رسوله ﷺ ، أو الإِجْماع.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيَا]؛ فهُمْ في ضَلال بَعيد، يَعنِي: عن الحقِّ، وهم أيضًا في ضَلال في الآخرة فإنهم لا يُهدون إلى الصِّراط الذي يَنجو به مَن عَبَرَه من النار، ولكنهم يُهدون إلى صِراط الجَحيم فيُضِلُّون عن الصِّراط الذي به النَّجاة.
قال الله : ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى عن المُؤمِنين: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨]، فدلَّ ذلك على أن الضَّلال كما يَكون في الدنيا يَكون كذلك في الآخرة، فالأَوْلى إِذَنْ إِبْقاء النَّصِّ على عُمومه في الدُّنيا وفي الآخِرة.
стр. 70
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدةُ الأُوْلَى: أنَّ الكافِرين الذين كفَروا برسول الله ﷺ كانوا يُقرُّون بالله تعالى، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
الفائِدةُ الثَّانِيَةُ: بَيان قُبْح الافْتِراء على الله تعالى، حتى إنَّ الكافِرين يَستَقْبِحونه؛ لقوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
الفائِدةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ أَعْداء الرُّسُل، بل أَعداء دَعوة الرُّسُل؛ يَكيلون السَّبَّ والقَدْح والعَيْبَ؛ لمِا جاءَت به الرُّسُل أو للرُّسُل ولمِا جاؤُوا به؛ لقوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ ومَعلوم أنَّ كلام الكاذِب وكلام المَجنون ليس بمَقبول، فهُمْ يَأتون بعِبارات التَّشويهِ والتَّقبيح؛ حتى لا يُقبَل الحقُّ.
وهذا جارٍ إلى وَقْتنا هذا؛ لأنَّ أعداء دَعْوة الرُّسُل لا يَزالون إلى يوم القِيامة، ولكن على أَتْباع الرُّسُل أن يَصبِروا، وألَّا يُثنِيَ عَزْمَهم مِثْلُ هذا الكلامِ؛ لأنهم على حَقٍّ، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩].
الفائِدةُ الرَّابِعَةُ: بَيان أن الله تَكفَّل ببَيان الحَقِّ وإظهاره وإِبْطال الباطِل وانْدِحاره؛ لقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾.
الفائِدةُ الخَامِسَةُ: أن الكُفْر يُوجب عدَمَ قَبول الحقِّ والاهتِداء به، من قوله تعالى: ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ و (في) للظَّرْفية، ومَعناه: أنَّ الضَّلال محُيطٌ بهم من كل جانِب؛ ولهذا قال الله : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، فإذا لم يُؤمِن الإنسان بالحَقِّ بَقِيَ في ضَلال، والشَّواهِد على هذا كثيرةٌ؛ استَمِعْ إلى مِثْلِ هذه الآيةِ وإلى
стр. 71
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥]، يَعنِي: مُضطَرِبٍ مخُتَلِفٍ.
فكلُّ مَن كذَّب بالحَقِّ فإنه لا يَزداد إلَاّ ضلالًا، حتى لو جاءَتْه الآياتُ البَيِّنات الظاهِرات فإنه لا يَنتَفِع بذلك، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥] مع أنها آياتٌ بيِّناتٌ واضِحاتٌ.
* * *
стр. 72
الآية (٩)
* قالَ الله : ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: ٩].
* * *
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَفَلَمْ يَرَوْا﴾ يَنْظُرُوا ﴿إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وَمَا فَوْقَهُمْ وَمَا تَحْتَهُمْ ﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾] إلخ؛ الاستِفْهام هنا للتهديد يَعنِي أنَّ الله تعالى هدَّد هؤلاء الذين كذَّبوا النبيَّ ﵊ في قوله: إنهم سيُعادُون. هدَّدهم بأَحَد أمرين: بالخَسْف أو إِسْقاط الكِسَف، أيِ: القِطَع من العَذاب من فوقهم، وإنما ذكَر الفَوْقَ والتَّحتَ؛ لأنه لا يُمكِن الفِرار منهما، أمَّا اليمين والشِّمال والخَلْف والأَمام فيُمكِن الفِرار؛ فلو جاءَك عَدُوٌّ من الخَلْف أَمكَنَك أن تَفِرَّ إلى الأَمام، ولو جاءَك من الأَمام أَمكَنَك أن تَفِرَّ إلى الخَلْف، لكن إذا جاء من أَسفَلَ إلى أين تَذهَب؟ ! تَقفِز ما تَستَطيع، وإذا جاءَك من فَوقُ أين تَذهَب؟ ! لا تَستَطيع؛ لهذا هدَّدَهم الله تعالى بأَمْرين لا يُمكِنُهم الفِرارُ منهما.
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿يَرَوْا﴾ فسَّرَها بمَعنَى: [يَنْظروا]، والأَوْلى أن تَكون شامِلةً للرُّؤْية البَصَريَّة التي بمَعنَى النَّظَرِ، والرُّؤية القَلْبية التي بمَعنى العِلْم والتَّفكُّر،
стр. 73
يَعنِي: أن الله يَحُثُّهم على أن يَتَفَكَّروا حَثًّا يُراد به التَّهديدُ، فالرُّؤيةُ هنا شامِلة لرُؤْية النَّظَر بالعَيْن ورُؤْية القَلْب بالتَّفكُّر.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ مَا فَوْقَهُمْ وَمَا تَحْتَهُمْ]، أيُّهما الذي بين الأَيدي على كلام المُفَسِّر ﵀ بِناءً على أنه لَفٌّ ونَشْرٌ مُرتَّب؛ يَكون ما فَوقَهم هو الذي بين أَيْديهم وما خَلْفهم هو الذي تَحتَهم.
وَلَكِنْ قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: إنَّ هذا صَرْفٌ للكلام عن ظاهِرِه بلا دَليلٍ، بل نَقول: ما بين أَيْديهم، أي: ما أَمامَهم وما خَلْفَهم ما وراء ظُهورِهم. فيَحتَمِل أنَّ المُراد بما بين أيديهم أمامَهم من الزَّمَن، ويَحتَمِل أن يَكون المُراد ما بين أَيْديهم أيِ: المَكان، وكذلك نَقول فيما خَلْفَهم.
فقد يَكون ما بين اليَدِ هو ما أَمامَك من الزمان وما خَلْفك ما خَلَّفْتَه من الزمان، كما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: ما بين أيديهم ما يُستَقبَل، وما خَلْفَهم ما مَضَى، وقد يَكون المُراد به المَكانُ، كما تَقول: مرَرْتُ بين يَدَيِ المُصلِّي. أي: أَمامَه، وتَقول: المأمومُ يَقِف خَلْف الإِمام. أي: وراءَه في المَكان.
وأمَّا في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ نَقول فيها: يَحتَمِل أن يَكون المُراد فيها المكان، ويَحتَمِل أن يَكون المُراد الزمان، والمُراد أن يَتَفَكَّروا في الأمر: هل نَجا أحدٌ من عذاب الله؟ انظُرْ ما بين يَدَيْك في المَكان، أو ما بين يَدَيْك في الزمان، وما خَلْفك من المكان أو الزمان: هل نَجا أَحَد من عذاب الله؟
والجوابُ: لا، لم يَنْجُ، إِذَنْ: هم أيضًا لا يَنْجُون من عذاب الله تعالى.
стр. 74
وإعراب قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: اختَلَف فيه عُلَماءُ النَّحْو ﵏ هو: أن النَّحْويِّين اختَلَفوا في إعراب الجُمْلة إذا كانت مُصدَّرةً بهَمزة الاستِفهام وبعدها حرفُ عَطْفٍ، فقيل: إنَّ الهَمْزة -يَعنِي: هَمزة الاستِفْهام- داخِلة على شيء مُقدَّر بحسب السِّياق، وقيل: إنَّ الهَمْزة داخِلةٌ على الجُمْلة المَوجودة بدون تَقدير، وأنَّ حَرْف العَطْف كان من حَقِّه أن يَتقَدَّم على الهَمزة؛ لكنها قُدِّمَتْ عليها لأنَّ لها الصَّدارةَ.
فعلى الوجهِ الأَوَّل يَكون التَّقديرُ في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أَغَفَلوا أو أَأَعْرَضوا وما أَشبَهَ ذلك.
وأمَّا على الثاني فلا حاجةَ إلى هذا التَّقديرِ، بل نَقول: إن (الهمزة) للاستِفْهام والفاء حَرْف عَطْف وتَأخَّرت عن الهَمْزة؛ لأنَّ لها الصَّدارة.
والثاني أَحسَنُ؛ لأنَّ كوننا نَقول: إنَّ الهمزةَ داخِلة على هذه الجُملةِ نَفْسِها أَوْلى، وذلك لأنَّ القول الأوَّلَ قد يُعوِزك تَقديرَ المَحذوف -يَعنِي: بمَعنى أنه يَصعُب عليك أن تُقدّر المَحذوف-، أمَّا هذا فبِناءً على أن الجُملة هذه مَعطوفة على ما سبَق، لكن لا تَحتاج إلى تَقدير فلا تَتْعَب فيه.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ الجُمْلة هنا شَرْطية، وفِعل الشَّرْط فيها وجوابُه مُضارع مجَزوم ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ﴾، وقوله: ﴿أَوْ نُسْقِطْ﴾ مَعطوفة على ﴿نَخْسِفْ﴾، أو إن نَشَأْ نُسقِطْ عليهم كِسَفًا، قال المُفَسِّر ﵀: [بِسُكُونِ السِّينِ وَفَتْحِهَا: قِطْعَةٌ] يَعنِي: أن فيها قِراءَتَيْن سَبْعيّتَيْن: بسُكون السِّين (كِسْفًا) أو (كِسَفًا) بفَتْح السِّين، ويَجوز القِراءة بهما جميعًا.
وقد سبَقَ أن ذكَرْنا أن القِراءاتِ إذا تَعدَّدت فالأفضل أن يُقرَأ بهذا تارةً
стр. 75
وبهذا تارةً؛ لأنها كُلُّها حَقٌّ، وكونه يُلتَزَم قِراءة واحِدة فهذا فيه قُصور؛ إلَاّ أن القِراءاتِ التي لم تَتيقَّن أنها ثابِتة فلا يَجوز لك أن تَقرَأ بها؛ لأنه يَجِب أن تَقرَأ بما ثبَتَ عِنْدك.
وقوله تعالى: ﴿نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [وفي قِراءة: في الأَفْعال الثلاثة بالياء] والأفعال الثلاثة (يَشَأْ)، (يَخْسِفْ)، و (يُسْقِطْ)، بالياء فيُقال: (إِنْ يَشَأْ يَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كسَفًا مِنَ السَّمَاءِ) والفاعِل في الضمائر هنا يَعود على الله، أمَّا على قراءة النُّون: (إِنْ نَشَأْ) فالأَمْر ظاهِرٌ؛ لأنَّ الضمير فيها ضمير المُتكلّم، لكن على قِراءة الياء الضميرُ فيها ضَميرُ الغائِب، وضميرُ الغائِب لا بُدَّ فيه من مَرجع يَرجِع إليه إمَّا سابِق وإمَّا لاحِق، فأَيْنَ مَرجِعُ الضمير ﴿إِنْ نَشَأْ﴾؟
الجوابُ: يُقال: إنه مَعلوم من السِّياق، كما في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، مَن الذي خَلَقه؟ الله تعالى، فهُنا يَعلَم كلُّ أَحَدٍ أنه لا يَستَطيع أحَدٌ من البَشَر -ولا من غير البَشَر- أن يَخسِف الأرض بالناس، أو يُسقِط عليهم قِطَعًا من العذاب، فيَكون مَرجِع الضمير مَعلومًا بالسّياق.
قوله المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المَرْئِيِّ ﴿لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ رَاجع إِلَى رَبّهِ، تَدُلُّ عَلَى قُدْرَةِ الله عَلَى الْبَعْثِ وَمَا يَشَاءُ]، يَعنِي: إنَّ الآية تَدُلُّ على البَعْث، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما بين أيديهم من السماء والأَرْض، يَعنِي: يَشمَل كلَّ ما سبَقَ، وكلَّ ما مَضَى، وكلَّ ما أَمامَهم مِن مَكان، وكلَّ ما كان خَلْفَهم، ومن ذلك أننا نرَى الآيةَ في السَّماء يَنزِل المَطَر من السَّماء على الأَرْض الهامِدة اليابِسة فتَرجِع مخُضَرَّة حَيَّة؛ أَفَلا يَكون في ذلك دليلٌ على إمكان إعادة الخَلْق؟