ولهذا أنا أَدعو نَفْسي وإيَّاكم أن يَكون عِلْمنا مُنْسابًا إلى غيرنا، بمعنى أن نَنشُر العِلْم وأن نَدعوَ الناس إليه، صحيح أن حُضورنا إلى مَجلِس العِلْم وتَعلُّمَنا لا شَكَّ أن فيه فائِدة عظيمةً، وأنه مجَلِس من مَجالِس الذِّكْر، لكن يَنبَغي أن نَنشُر هذا العِلْمَ، وأنَّ نَدعوَ الناس إليه بقَدْر المُستَطاع.
وأمَّا أن نَبقَى كنُسَخ من كُتُب، الفائِدة لا تَعدو صُدورَنا، فهذا لا شَكَّ أنه ضعيف، ولا يَليق بطالِب العِلْم، وعلينا أن نَعرِف ما جرَى لأئِمَّة المسلمين وعُلَماء المسلمين ﵏ من الدعوة إلى الله ، ولَسْت بذلك أُريد أن تُكرِّسوا جُهودكم كُلَّها للدعوة، لأن الدعوة بلا عِلْم ضررُها أكثر من نَفْعها، كما يُوجِد من بعض الإِخْوة الحَريصين على الخير تَجِدهم يُضيِّعون أوقاتَهم في الزيارات إلى فُلان وإلى فُلان، وفي الخُروج، حتى إن العِلْم عندهم ليس بشيء، بل تَجِدهم يَكرَهون العِلْم والتَّعمُّق فيه، ويُريدون أن تكون دَعوَتُهم دعوةً سَطْحيَّة مُهلهَلة، أيُّ إنسان يَأتيهم يَقِفون! .
وأنا أُريد منكم أن تَكونوا عُلماءَ ربَّانين، دُعاةً إلى الخير مهما استَطَعْتم، وَيكون أَجْركم على الله ؛ لأنَّ الإنسان مَسؤُول عن عِلْمه، فإن الله ما أَعطاك العِلْم إلَّا بميثاقٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
وقوله : ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، يَعنِي: مُطَّلِع عليه، ومنه حالي معَكم، فهو مُطَّلِع عليه، مُطَّلِع على أني بلَّغْتكم وأَنذَرْتُكم، ومُطَّلِعٌ على أنَّكم كذَّبْتُموني وخالَفْتُموني، فأَجْري على الله ، وعُقوبتكم على الله ، كما قال : ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)
стр. 282
إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٦].
وهل الله شهيد على ما في نَفْس الإنسان؟
الجوابُ: نعَمْ، شهيدٌ حتى على ما لا يَطَّلِع عليه أحَدٌ، فالله تعالى شهيد عليه.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن النبيَّ ﷺ لم يَطلُب من أحَد أَجْرًا على تَبليغ الرِّسالة وإنذار الناس، من قوله: ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّنزُّل مع الخَصْم، أي: على فَرْض أني سأَلْت فهو لكم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تحريم أَخْذ الأَجْر على إبلاغ العِلْم الشَّرْعيِّ؛ ووجهُه: أنه مخُالِف لهَدْيِ النَّبيِّ ﷺ من جِهة، ومن جِهة أُخرى: أن تَبليغ الشرع واجِبٌ على الإنسان، والواجِب لا يَجوز أن يَتَّخِذ الإنسان عليه أجْرًا.
فَإنْ قِيلَ: هل يَجوز أَخْذ الأُجْرة على تَعليم القُرآن؟
فالجوابُ: أن العُلماءَ ﵏ اختَلَفوا في ذلك على قولين لاختِلاف ظواهِر النُّصوص؛ فمِنهم مَن قال: إنه جائِز؛ لقول النبيِّ ﵊: "إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ الله" (١)؛ ولأنَّ هذا الرجُلَ لا يَأخُذ أَجْرًا على قِراءة القُرآن، ولو أخَذ أَجْرًا على قِراءة القُرآن قُلْنا: هذا حرام. لكنه أَخَذ أَجْرًا على التعليم
стр. 283
والتَّعَب وتَلقين هذا الرجُلِ؛ ولذلك لو كانت المسألة واجِبةً عليه؛ بمَعنَى: لو كان يَجِب عليه أن يُعلِّم هذا الرجُلَ لكان أَخْذُ الأَجْر عليه حرامًا.
الوجه الثالث: أن النبيَّ ﷺ جعَلَه عِوَضًا في النكّاح فقال: "زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" (١)، وعِوَض النكّاح أَجْر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، فلمَّا جعَله النبيُّ ﵊ عِوَضًا في النكّاح دلَّ ذلك على جواز أَخْذ العِوَض على تعليمه؛ ولأنَّ النبيَّ ﷺ أَجاز أَخْذ قَطيع الغنَم في قِصَّة الجماعة الذين قرَؤُوا على سيِّد القوم الذي لُدِغ، وأَخَذوا عليه قطيعًا من الغَنَم فأَجازَهم النبيُّ ﷺ بذلك، لا لأنهم قرَؤُوا القُرآن، ولكن لأنهم عالجَوا هذا اللَّديغَ.
وهذا هو الصحيح، أي: أنَّه يَجوز أَخْذ الأُجْرة على تعليم القرآن، لكن إن كان تعليمُ القُرآن واجِبًا، كما في صَدْر الإسلام فإن أَخْذ الأُجرة عليه حرام.
وهل يَجوز -على القول بأن أَخْذ الأُجْرة حرام- أخْذ رَزْق من بيت المال لمُعلِّم القُرآن؟
الجوابُ: نعَمْ؛ لأنَّ هذا ليس بأُجْرة؛ ولذلك جاز للمُؤذِّن والإمامِ أن يَأخُذ من بيت المال ما يَستَعين به على أَذانه وعلى إمامته.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إخلاصُ النبيِّ ﵊ في تَبليغه ودَعْوته؛ لقوله : ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ فإنه واضِحٌ أنه إنما يُريد الأَجْر من الله تعالى، وهذا هو الإخلاصُ.
стр. 284
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: طُموحُ الرسول ﷺ وعُلُوُّ هِمَّته، حيث اختار الأَجْر الأَوْفى على الأَجْر الأَدْنى؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تهديد الخَصْم بما تَقتَضيه أسماءُ الله تعالى وصفاتُه؛ لقوله : ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فإن. في ذلك تَهديدًا لهم، يَعنِي: فسيَشهَد على تكذيبكم وعلى تَبليغه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الاستِشْهاد بإقرار الله الإنسانَ على صِدْق ما قال، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
ويُؤيِّد ذلك قوله : ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]، قال العُلَماءُ ﵏: شهادة الله تعالى لرسوله بأن ما جاءَه حَقٌ تَشمَل الشهادة القَوْلية والشهادة الفِعْلية، وهي إقرارُه على ما دعا إليه الناسَ، وعلى استِباحة أموالهم ودِمائِهم وأهلِهم إذا لم يَستَجيبوا له.
* * *
стр. 285
الآية (٤٨)
* * *
* قالَ الله : ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: ٤٨].
* * *
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يُلْقِيهِ إِلَى أَنْبِيَائِهِ ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ مَا غَابَ عَنْ خَلْقِهِ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ].
قوله : ﴿إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ﴾ هذه جُمْلة خبَرَّية مُؤكَّدة بـ (إِنَّ) واسمِ (إِنَّ) ﴿رَبِّي﴾ وخَبَرُها جُملةُ ﴿يَقْذِفُ﴾، و ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ خبَرٌ ثانٍ؛ يَعنِي: هو أيضًا علَّام الغُيوب.
وقوله تعالى: ﴿يَقْذِفُ﴾ القَذْف هو الرَّميُ بقُوَّة.
وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالقَوْل الحقِّ، وهو الوحيُ الذي أَنزَله الله تعالى على أنبيائِه، وظاهِرُ كلام المُفَسِّر ﵀: أنَّ القَذْف هنا لازِم لا يَتعَدَّى الأنبياءَ ﵈، وأنَ المُراد به الوحيُ المُنزَّل على الرُّسُل، ولكنَّ قولَ المُفَسِّر فيه نظَرٌ، والصوابُ: أنَّ هذه الآية تُفسِّرها الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]، وأنَّ مَعنَى الآية ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ على الباطِل، وهو إشارة إلى أن حَقَّه سوف يَمحو باطِلَه وُيزهِقه ويُهلِكه، بدليل قوله فيما بعدُ: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبا: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿عَلَّامُ﴾ بصيغة المُبالَغة؛ لأنَّ الغُيوب كثيرة، فناسَب أن يُضاف
стр. 286
إليها العِلْم على سبيل المُبالَغة، كما أن فيه مُبالغةً أيضًا من حيث الكيفية، لا من حيث الكِمِّية فقَطْ، فإنَّ عِلْم الله للغُيوب ليس عِلْمًا سطحِيًّا، بل هو عِلْمٌ عميق يَصِل إلى أَخفَى شيء من الغُيوب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥].
وقوله تعالى: ﴿الْغُيُوبِ﴾ جمعُ غَيبٍ، وهو ما غاب عن الإنسان، سَواءٌ كان في الحاضِر أو الماضي أو المُستَقْبَل، أمَّا المُستَقبَل فظاهِر، فإنه لا أحَدَ يُمكِنه أن يَعلَم الغيب في المُستَقبَل، بل مَنِ ادَّعى عِلْم الغَيْب في المُستَقبَل فهو كافِر؛ لأن الله تعالى يَقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]. فيَكون مُدَّعِي الغيب في المُستَقبَل مُكذِّبًا للقُرآن، وتَكذيب القُرآن كُفْرٌ.
أمَّا الحاضِر والماضي فهو في الحقيقة غَيْبٌ نِسْبِيٌّ بحيث يَكون غَيْبًا عَنَّي وليس بغَيْب عمَّن شاهِده، فلو أن حادِثةً وقعَتْ في بلدٍ ما وأنا لست في هذا البَلدِ فهي بالنِّسبة إليَّ غَيْب وبالنِّسبة لمَن شاهَدها ليست بغَيْب.
فَإِذَنِ: المُستَقْبَل غيبٌ مُطلَقٌ، والحاضِر والماضي غَيْب نِسْبيٌّ؛ يَظهَر لمَن رآه ولا يَظهَر لمَن لم يَرَهُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: فضيلة الرسول ﵊، وذلك بإضافة رُبوبية الله تعالى إليه، وهذه الرُّبوبيةُ خاصَّة.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيان قوة الله ، حيث يَرمِي بالحَقِّ على الباطِل على وجه القولة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ أي: يَرمِي به بقُوَّة وشِدَّة، على الباطِل.
стр. 287
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: عُلُوُّ عِلْم الله تعالى فيما شُوهِد وما غاب؛ فما غاب لقوله تعالى: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، وأمَّا ما شُوهِد فهو من بابِ أَوْلى، يَعنِي: إذا كان يَعلَم الغَيْبَ فالمَشهود من بابِ أَوْلى.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات أن ما جاء به النَّبيُّ ﵊ حقٌّ؛ لقوله تعالى: ﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾.
* * *
стр. 288
الآية (٤٩)
* * *
* قالَ الله : ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبا: ٤٩].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [الْإِسْلَامُ]، والإسلام لا شَكَّ أنَّه دِين الحقِّ؛ وأنه سيَعلو على جميع الأديان، كما قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩]، ولو أن المُفَسِّر ﵀ عمَّمَ، وقال: جاءَ الحقُّ. أي: كلُّ ما أَخبَرَ به الرسول ﷺ وما جاء به مِن أحكامٍ فهو حَقٌّ.
قول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ﴾ الْكُفْرُ ﴿وَمَا يُعِيدُ﴾ أَيْ: لَمْ يَبْقَ لَهُ أَثرٌ] هذه الجُملةُ: ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ أو (ما يُبدِئُ فُلانٌ وما يُعيدُ) أُسلوب من أساليب العرَب، كِناية عن هَلاك هذا الشيءِ، وعدَم وُجوده؛ لأنَّ الذي لا يُبدِئ يَعنِي: لا يَأتي بالشيء ابتِداءً، ولا يُعيد ما صنَعَه أوَّلًا، هذا غيرُ مَوْجود في الواقِع، ما له حِراك، فهو مَوجودٌ كالهالِك.
والمَعنَى: ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ﴾ أي: ما يَتبيَّن ابتِداءً ﴿وَمَا يُعِيدُ﴾ ما يَتبَيَّن إعادةً، فهو إذَنْ هالِك لا أثَرَ له، لا ابتِداءً، ولا إعادةً، فإذا كان الحقُّ قد جاء، والباطِل ما يُبدِئ ولا يُعيد، فمَعناها أن الدَّوْلة ستكون للحَقِّ لما جاء به النبيُّ ﵊ وإن كذَّبوه.
قوله تعالى: ﴿الْبَاطِلُ﴾ إن كان في الأَخْبار فهو الكذِب، وإن كان في الأَحْكام
стр. 289
فهو الجَوْر والظُّلْم، وكلُّ ما خالَف حُكْم الله تعالى فهو جَوْر وظُلْم، وإن زعَم أهله أنهم عادِلون فيه فهُمْ كاذِبون.
فالقَوانينُ الوَضْعية المُخالِفة لشريعة الله تعالى نَقول: إنها باطِل. ونَقول: إنها ظُلْم وجَوْر.
وأمَّا ما وافَقَ الشَّرْع فإنه وإن سُمِّيَ قانونًا أو نِظامًا فهو شَرْع، يَعنِي: لو أن أحَدًا صنَع مَوادَّ مُعينة في الحُكْم، لكنها مَأخوذة من الكِتاب والسُّنَّة لا نَقول: إن هذه قوانينُ وَضْعيَّة أو نُظُم وَضْعيَّة. بل نَقول: هي أَحكام شَرْعية، لكنها رُتِّبت على موادَّ، كما إنَّ الفقهاء ﵏ رتَّبوا الفِقْه على أبواب، فالخِلاف في كيفية العَرْض وإلَّا فهو حَقٌّ.
أمَّا أن نُقنِّن الشريعة بأن نُدخِل عليها أحكامًا تُخالِف أَحكامَها فهذا كُفْر، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، فأمَّا تَقنينها بمَعنَى: تَبويبها وجَعْلها مَوادَّ مُعينة فهذا لا بَأسَ به، بشَرْط ألَّا يَكون الحُكْم لازِمًا بهذه المَوادِّ، لأنَّ إلزامَ القُضاة مثَلًا أو الحُكَّام بأن يَحكُموا بهذه المَوادِّ مَعناه أنهم يُلزَمون بأن يَحكُموا بما يَعتَقِدون أنَّ الحقَّ في خِلافه؛ لأنَّ الناس يَختَلِفون في مِثْل هذه، فقد تَرَى اللِّجَان مثلًا أنَّ الحُكْم في هذا هو كذا وكذا، وَيرَى القاضِي أن الحُكْم خلاف ذلك، فوَضْعها على أنها مُوضِّحة أو كاشِفة أو دالَّة، هذا لا بأسَ به بلا شِكٍّ، ولكن وَضْعها على أنها مُلزِمة هذا لا يَجوز لأنَّ الناس يَختَلِفون في الاجتهاد.
стр. 290
من فوائد الآية الكريمة:
تَهديد هؤلاءِ المُكذِّبين بأنَّ باطِلهم سوف يُقضَى عليه بطريق الإسلام الحقِّ، سيُقضِي على باطِلهم، ويُؤيِّده قوله : ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]، والحقُّ ما بُعث بِه الرَّسول ﵊ مِن شَريعة الإسلامِ، وقولُه: ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ يَعنِي: أن الباطل سَيَضْمَحِلُّ، فلا يبقى له ظهور لا ابتداء ولا إعادة؛ والباطِل: كلُّ ما خالَف الحقَّ فهو باطِل.
* * *
стр. 291
الآية (٥٠)
* * *
* قالَ الله : ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠].
* * *
قول المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ عَنِ الْحَقِّ ﴿فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ أَيْ: إِثْمُ ضَلَالِهِ عَلَيْهَا ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ مِنَ الْقُرْآنِ وَالحكْمَةِ ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِلدُّعَاءِ ﴿قَرِيبٌ﴾].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ هذا من باب التَّنزُّل مع الخَصْم، وإلَّا فمِن المعلوم أنَّ الرسول ﵊ كان أَهدَى الناس.
وهذا كقول الرجُل المُؤمِن من آل فِرعونَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] مع أن المُؤمِن هذا يُؤمِن بأنه صادِق، لكن هذا من باب التَّنزُّل مع الخَصْم؛ لإلزامه بقول الحَقِّ.
يَقول الله : ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾، ومَعلومٌ أن الإنسان لا يُريد أن يَتَمادَى في إضلال نَفْسه، ومِثلُ النبيِّ ﵊ إذا ضَلَّ لا يَكون ضلالُه عليه وحدَهُ، بل عَليه وعلى مَنِ اتَّبَعه؛ ولهذا كان ضَلال العالِم أو زَلَّة العالِم من أَعظَم ما يُفسِد الناس، فزَلَّة العالِم ليسَتْ بهَيِّنةٍ؛ لأنه قُدوة وتَتْبَعه أُمَّة.
стр. 292
وقوله تعالى: ﴿إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ وليس عليكم بذلك من شيء ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾ لم يَقُل: فإن ذلك من نَفْسي، بل وكَلَه أو أَضافه إلى ما جاء به الوحيُ النازِلُ من عند الله تعالى؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ والباء للسَّبَبية و ﴿مَا﴾ إِمَّا أن تكون مَصدَرية، وإمَّا أن تَكون مَوْصولةً إن كانت مَوْصولة فإن عائِدها مَحذوف، تَقديرُه: فبما يُوحيه إليَّ ربِّي، وإن كانت مَصدَريَّة فلا تَحتاج إلى عائِدٍ.
وقوله تعالى: ﴿يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ الوَحيُ في اللُّغة: هو الإعلام بخَفاءٍ وسُرعة، سواءٌ كان ذلك إعلامًا بالهَمْس أو الإِشارة بالعَيْن أو الإشارة باليَدِ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] وما يَتكلَّم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، إِذَنْ أَوْحَى إليه بمَعْنى: أَشار إليه.
أمَّا في الشَّرْع: فهو إعلام الله أَحَدًا من خَلْقه بشَرْعٍ يُؤمَر بتَبليغه أو لا يُؤمَر، فإن أُمِر بتَبليغه فهو رَسول، وإن لم يُؤمَر فهو نبيٌّ.
وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ فالإضافة هنا إضافةٌ خاصَّة ﴿رَبِّي﴾؛ لأنَّ الله رُّبه وربُّ غيرِه، لكنَّ الإضافة هنا إضافةٌ خاصَّة، تُفيد العِناية واللُّطف، لأنَّ من أَكبَر نِعَم الله على العَبْد أن يُوحَى إليه بالرِّسالة حتى يَنال المَرتَبة العُليا من بني آدَمَ.
كذلك من نِعْمة الله على العبد أن يُلهِمه هذه الرِّسالةَ للتَّعلُّم؛ ولهذا كان العُلَماء هُمْ ورَثةَ الأنبياء ﵈، فهي من أَفضَل النِّعَم؛ ولهذا قال: ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ فأَضاف الرُّبوبية إلى نَفْسه؛ لأنَّ هذه الربوبيةَ خاصَّة،
стр. 293
تَقتَضي العِناية والتَّأييد والرحمة واللُّطف.
وقوله : ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [لِلدُّعَاءِ]، والصواب: أنَّ الآية هنا عامَّة، فهو سميعٌ لكُلِّ شيء، وليس للدُّعاء فقَطْ، بل سميع لما أَقول لكم، وسَميع لما تَقولون لي، وسَميع لدُعائي أيضًا بمَعنى: مجُيب.
وقد سَبَق لنا أنَّ السَّمْع المُضاف إلى الله يَنقَسِم إلى قِسْمين: سَمْعٌ بمَعنَى: إدراك المَسموع، وسَمْعٌ بمَعنَى: إجابةٍ المَسموع، أو إجابة السائِل.
والسَّمْع الذي بمَعنَى: إجابة المَسموع تارةً يُراد به التهديدُ، وتارةً يُراد به التأييدُ، وتارةً يُراد به بيانُ الإِحاطة، أي: إحاطة الله لكلِّ مَسموع، فهذه ثلاثة أَشياءَ:
تارة يُراد به التهديدُ؛ مثاله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].
وتارةً يُراد به التَّأيِيدُ؛ مِثاله: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
وتارةً يُراد به بَيان الإحاطة؛ مِثال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].
وأمَّا السَّمْع الذي بمَعنَى الإِجابة فكقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، وقول المُصلِّي: سَمِعَ الله لمَنْ حَمِدَهُ.
وقوله : ﴿قَرِيبٍ﴾ اسْمُ فاعِل أو صِفةٌ مُشبَّهة، والضميرُ المُستَتِر فيها يَعود على الله ، وكلُّ فِعْلٍ أو وَصْف يَكون عائِدًا إلى الله تعالى فالمُراد به
стр. 294
ذات الله تعالى، هذه القاعِدة ذكَرَها ابنُ القيِّم ﵀ -في مخُتَصَر (الصواعِق) - يَقول: كلُّ فِعْل أو وَصْفٍ تَحمَّل ضَميرًا يَعود إلى الله فالمُراد به ذاتُ الله تعالى (١). لكن يَجِب أن يَكون في ذِهْنك تَنزُّه الله عمَّا لا يَليق به، فيَكون القُرْب هنا قُرْبَ رحمته، أو قُرْب عِلْمه، أو قُرْب سَمْعه أو بَصَره، أو قُرْب ذاته.
قوله تعالى: ﴿قَرِيبٍ﴾ هو أي: ذاتُه؛ ولهذا صرَّح ابن القَيِّم (٢) ﵀ بأنه قريب بذاته، لكن يَجِب أن تَعلَم أنه مع قُرْبه بذاته فهو مُستَوٍ على عَرْشه، حتى قال النبيُّ ﵊: "إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ" (٣)، يَقوله وهُمْ راكِبون على رَواحِلهم، ولكن مع هذا يَجِب أن نُنَزِّهَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عمَّا لا يَليق به، بحيث نَتَوهَّم أنه معَنا في المكان، هذا لا يُمكِن، بل هو قريبٌ بذاته مع عُلوِّه.
وقد ذكر هذا شَيخُ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ ﵀ في (العَقيدة الواسِطية) (٤) قال: "هو عَليٌ في دُنُوِّه، قريب في عُلُوِّه"، ولا تَظُنَّ أن الجمْع بين القُرْب والعُلُوِّ فوقَ السمَوات مُتَناقِض:
أوَّلًا: لأنَّ الله تعالى جمَع بينهما لنفسه، ودَلَّ عليهما كِتاب الله تعالى، وكتاب الله لا يُمكِن أن يَدُلَّ على المُتَناقِض، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
стр. 295
ثانيًا: أن الله ليس كمِثْله شيءٌ، يَعنِي: لو فُرِض أن بَيْن القُرْب والعُلُوِّ تَناقُضًا في حقِّ المَخلوق فإن ذلك لا يَلزَم في حَقِّ الخالِق؛ لأنَّ الله ليس كمِثْله شيء.
ولهذا نَقول: إنَّ الله تعالى يَنزِل إلى السماء الدُّنيا كلَّ ليلة، وهو مع ذلك مُستَوٍ على عَرْشه، لا تَقل: هذا محُال، تَقول: هذا محُال بالنِّسبة للمَخلوق. أمَّا بالنِّسبة للخالِق فيَجِب أن نُؤمِن بما أُخبِرنا به عن صِفاته وهو الاستِواء على العَرْش ونُزوله إلى السماء الدُّنيا، ونَقول: إنَّ هذا مُمكِن في حقِّ الخالِق.
ثالثًا: ممَّا نَجمَع فيه بين القُرْب والعُلُوِّ أنه قد يَكون الشيءُ عاليًا وهو قريب -حتى من المَخلوقات- مِثل القَمَر، فهو عالٍ لكنه قريب كأنه معَك، كأنه في المكان الذي أَنت فيه وَضوؤُه واصِلٌ إلى الأرض وهو في السماء، قال الشاعِر (١):
دَانٍ عَلَى أَيْدِي الْعُفَاةِ وَشَاسِعٍ ... عَنْ كُلِّ نِدٍّ فِي النَّدَى وَضَرِيبِ
كَالْبَدْرِ أَفْرَطَ فِي الْعُلُوِّ وَضْوْؤُهُ ... لِلْعُصْبَةِ السَّارِينَ جِدُّ قَرْيبِ
المهمُّ: أن إذا أَضاف الشيء إلى نَفْسه سَواءٌ كان فِعْلًا أو وَصْفًا فإنه لا يَجوز لنا العُدول عن تَحويل هذا الشيءِ المُضاف إلى الله إلى شيءٍ آخَرَ؛ لأننا إذا سلَكْنا ذلك احتَجَّ علينا أهلُ التأويل من المُعتَزِلة والأشاعِرة وقالوا: كيف تُؤوِّلون هذه الآيةَ وتُنكِرون علينا التَّأويل في آياتٍ أُخرى أو في نُصوصٍ أُخرى؟ ! فإذا قُلتَ لهم: إنَّ هذا يَمنَعه العَقْل. قالوا: ونحن نرَى أن ظواهِر الآيات أو الأحاديث يَمنَعها العَقْلُ! .
стр. 296
لكن إذا أُبقِيَتِ النُّصوص على ما هي عليه على ظاهِر دَلالتها مع تَنزيه الله تعالى عمَّا لا يَليق به سَلِمتَ في دِينك، وسلِمتَ أمام الله حين يَسألك يوم القيامة: كيف تَصَرَّفت في كلامي؟ وكيف أَخرَجْته عن ظاهِره؟ وسلَمْت أيضًا من مُعارَضة أهل التَّأويل.
وقد سبَق لنا في (تلخيص الحمَويَّة) (١) أنَّ الفَلاسِفة الذين يُنكِرون المَعاد، بل ويُنكِرون كلَّ شيءٍ، احتَجُّوا على المُعتَزِلة وأهل التَّعطيل، وقالوا: كيف تُجوِّزون التأويل في آيات الصِّفات وأَحاديثها ولا تُجوّزون التَّأويلَ في نُصوص المعاد، إذا أَوَّلْتُم في هذا فأَوِّلوا في هذا، وإلَّا فقد ظهر تَناقُضُكم؛ وسبَق لنا إجابةُ المُعتَزِلة للفلاسِفة، ماذا قالوا لهم؟ قالوا: إننا قد علِمنا بالاضْطِرار أنَّ الرُّسُل جاءَت لإثبات المَعاد، وعلِمْنا أن الشُّبْهة المانِعة منه فاسِدة، ووجَب القول بثُبوته.
وهذه من أهم المَسائِل لطالِب العِلْم في عِلْم التوحيد.
وذكَرْنا أن هذه الحُجَّةَ التي دافَع بها المُعتَزِلة اعتراضَ الفلاسِفة احتَجَّ بها أهلُ السُّنَّة على المُعتَزِلة، وقالوا: قد علِمْنا بالضرورة أن الرسول جاء بإثبات الصِّفات لله تعالى، وعلِمنا فَساد الشُّبْهة المانِعة منه فوجَبَ القول بثُبوته، وأنَّ طرْد القاعِدة في هذا وهذا هو الذي فيه السَّلامة، أمَّا أن نَتَناقَض ونُؤَوِّل في شيء ونُبقِي النُّصوص على ظاهِرها في شيء فإنَّ هذا وهمٌ وضَعْفٌ في الطريقة.
فالمُهِمُّ: أنَّ (القريب) هنا لا نَقول: قَريب في عِلْمه، أو قَريب في رَحْمته، أو قريب في سَمْعه، أو ما أَشبَه ذلك، فنَخُصُّصها بشيءٍ، لأنك إذا قُلْت: قريب في رَحْمته أو سَمْعه أو بصَره أو عِلْمه أو ما أَشبَة ذلك خصّصْته، فإذا قلتَ: قريب بذاته. شمِل
стр. 297
كلَّ ما تَقتَضيه هذه الذاتُ من الصِّفات، فكان أعَمَّ.
وقد صرَّح شيخُ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ ﵀ في (شرح حديث النُّزول) (١) بأنه قريبٌ بنَفْسه، وتلميذُه ابنُ القيِّم ﵀ قال: إنه قريب بذاته (٢). ولكن مع ذلك يَجِب علينا أنَّ نَعلَم عِلْم اليقين بأنه قريبٌ، ولكنه في السماء على عَرشه، وهذا لا تَناقُضَ فيه، وقد سبَق الجواب على ما يُوهِم أنَّه مُتَناقِض، وأنَّ الجواب عليه من ثلاثة أَوْجُهٍ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: تَحدٍّ لهؤلاءِ المُكذِّبين للرسول ﷺ ، لأنَّه لو كان ضالًّا لظَهَر أثَرُ ضَلاله على نفسه، ولأَهلَكَه الله ، ولم يُمكِّنه، قال الله : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]، فلو كان ضالًّا فما جاء به لكان ضلالُه على نَفْسه، ولتبَيَّن أمْرُه.
ولعلَّكم بلَغَكم ما أَنزَل الله تعالى بالمكذِّبين الذين ادَّعَوُا الرسالة فأَهلكهم الله تعالى، مِثل مُسَيْلِمةَ الكذَّاب والأَسودِ العَنْسي وغيرهم، كلُّهم أَظهر الله تعالى ضلالهم وكذَّبهم، وممَّا ذُكِر من آيات مُسَيْلِمةَ يُقال: إن مُسَيْلِمةَ ادَّعى أنه رَسولٌ، وأن بِئْرًا من آبار قومه غارَ ماؤُها، ولم يَبقَ إلَّا قليلٌ، فجاؤُوا إليه يَشكون هذا الأَفرَ، فأَراد أن يَقتَدِيَ بالرسول ﷺ ، فأخَذ منها ماءً وأَدخَلَه في فَمِه ثُم مَجَّه في الماء، فجعَل يَنتَظِر فَيضانَ الماء حتى يَصِل إلى ظاهِر القَليب، لكنَّ الماء الذي
стр. 298
تبقَّى فيها غارَ جِدًّا (١)، فهذه آيةُ كَذِبه! وجِيء إليه بصَبِيٍّ أَصلَعَ، يَعنِي: ما عليه شَعر إلَّا شعرًا قليلًا، فجاؤُوا إليه؛ ليَمسَح رأسَه فيَظهر له شَعر كثير، فلمَّا مسَح رَأْسه تَساقَط الشعر الموجود (٢)، فكأَنَّ هذا آيةٌ على كذِبه! .
فالله بحِكْمته لا يُمكِن أبدًا أن يُمكِّن لكاذِب مَهما كان، حتى الكاذِب بعد الرسول ﷺ لو كذَبَ فيما يَدعو الناسَ إليه، وكان يَدعو الناسَ إلى الحقِّ رِياءً وسُمعة فلا بُدَّ أن يُظهِر الله تعالى أمره إلى الناس، قال الشاعِر (٣):
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... وَإِنْ خَالها تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ أي: سيَتبين أَمري وضلالي.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الاعتِراف لله بالجميل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: يَنبَغي للإنسان أن يَنسُب الخَطَأ إلى نفسه، وَينسُب الصواب إلى الله ؛ لأنّه بنِعمته، ونحن إذا أَصَبْنا هل نَقول: فبما يُوحِي إلينا ربُّنا؟ أو فبِما أَوحاه ربُّنا إلى نبيِّه؟
الجوابُ: إذا أَصَبْنا فإن الواجِب أن نُضيف النِّعْمة إلى مُسْديها ، وهو الله لا نَفتَخِر ونَجعَلها من ذات أَنفُسِنا، أمَّا الضلال فإنَّه على أَنفُسنا؛ لأننا نحن سبَبُه.
стр. 299
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات أنَّ النبيَّ ﷺ رسولٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ النَّظَر في الوحيِ القُرآنِ والسُّنَّةِ سبَبٌ في الهِداية؛ لأنَّ الباءَ في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ سبَبَيَّة، وإذا كان ذلك سبَبًا للهِداية كان من العَقْل والبصيرة أن نَنظُر في وَحيِ الله تعالى وشَرْعه، وألَّا نَطلُب الصواب من غيرِهما، لا نَطلُب الصواب ممَّا قال فُلان وقال فُلان، ولكن ممَّا قال الله تعالى ورسوله ﷺ ؛ ولهذا قال ابنُ القيِّم ﵀ في نُونيته (١):
الْعِلْمُ قَالَ الله قَالَ رَسُولُهُ ... قَالَ الصَّحَابَةُ هُم أُولُو الْعرْفَانِ
مَا الْعِلْمُ نَصْبُكَ لِلْخِلَافِ سَفَاهةً ... بَيْنَ الرَّسُولِ وَبَيْنَ رَأْيِ فُلَانِ
وقال في مَوضِعٍ آخَرَ (٢):
الْعِلْمُ مَعْرِفَةُ الهُدَى بِدَلِيلِهِ ... مَاذَاكَ وَالتَّقْلِيدُ يَسْتويانِ
المُهِمُّ: أن الهِداية لها سبَب وهي النَّظَر فيما أَوْحاه الله تعالى إلى نَبيِّه ﷺ .
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ وأنَّها مُؤثِّرة بإذن الله تعالى، ففي ذلك الرَّدُّ على الأشاعِرة الذين يَقولون: إنَّ الأسباب لا تُؤثِّر بنفسها، حتى إنهم يَقولون: إن الورَقَ إذا احتَرَق بالنار فإنه لم يَحتَرِق بالنار، لكنه احتَرَق عند النارِ، لا بِها! وإذا ضَرَبت الزُّجاجة بالحجَرَ فانكَسَرت قالوا: لم تَنكَسِر بالحَجَر، لكن انكَسَرت عنده! .
стр. 300
وسبب قولهِم هذا أنَّهم قالوا: لأنك لو أَثبَتَّ أنَّ للسبَب أثَرًا ذاتِيًّا لأَشْرَكْت بالله العظيم، لأنَّه لا شيءَ يُؤثِّر بنَفْسه إلَّا الله فإن أَثبَتَّ أنَّ الحَصاة تَكسِر الزُّجاجة، هي نَفْسُها تكسِر الزجاجة فهذا شِركٌ بالله تعالى، مَعناه: أنك جعَلْت هذه تُؤثِّر، ولو أن رجُلًا أُتِيَ بلَخم فجعَل يُجزُّ بالسِّكِّين وَيقطَع يَقول: فقَطْعه بالسِّكين عند السِّكين لا بها. انظُروا كيف أن العُقولَ تَصِل إلى هذا الحدِّ؟ ! ولو أن الزُّجاجة فرع عِندها الحصاةُ، بل ضعها فَوقَها فلا تَنكَسِر، ولو أَقبَل الحجَر على الزُّجاج إقبالًا ولم يَمَسَّها لكنه حَفَّ من حولِه عِندَه ما يَنكَسِر، وكيف يَنقَطِع عنها فنَقول: إنَّ الأسبابَ مُؤثِّرة بنَفْسها، لكن مَن خَلَقَ فيها التأثيرَ؟ !
الجوابُ: الله ، والله على كل شيء قدير، لو أنك قُلْتَ لصبِيٍّ: أَدخِل الورَقةَ في النار. واحتَرَقَت، إنَّ النار ما أَخرَقَتْها، ولا تَسبَّبت في إِخراقها، وإنما عند النارِ، لا بالنار. ما هذا الكلامُ، هذا كلامُ سخَف.
فنَقول: إثبات الأَسباب دلَّ عليه السَّمْع والعَقْل، ولكنَّها تُؤثِّر، لأنَّ الله تعالى خَلَق فيها التأثير، والدَّليلُ على ذلك أنَّ النار مُحرِقة، فقال الله لها حين أُلقِيَ فيها إبراهيمُ ﵇: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فكانت بَردًا وسلامًا.
إِذَنْ: هذا السبَبُ المُؤثِّر زال تَأثيرُه بأمْر الله تعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ فكانَتْ بَردًا وسلامًا، فالماء جَوهَر سَيَّال، فكان بإِذْن الله تعالى كالجِبال حين ضرَبَ مُوسَى ﵇ بعَصاه البَحر فانفَلَق، فكان كلُّ فِرْقٍ كالطَّوْد العظيم.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات سمع الله وقُرْبِه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثبات هذَيْن الاسْمَيْن أيضًا: السميع والقريب.
стр. 301
الآية (٥١)
* * *
* قالَ الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥١].
* * *
﴿وَلَوْ﴾ هذه شَرطية، وفِعل الشَّرط فيها ﴿تَرَى﴾، وجوابُ الشَّرط مَحذوف تَقديرُه: لرَأَيْتَ أَمْرًا عظيمًا، وحُذِفَ للتَّفخيم والتعظيم؛ لأجل أن يَذهب الذِّهْن في تَقديره كُلَّ مَذهب؛ أو لأنَّك مهما قَدَّرت فالأمر أَعظَمُ ممَّا قَدَّرت.
وقول المُفَسِّر ﵀: [يَا مُحَمَّد] هذا لا شكَّ أنَّه محُتَمِل، أي: أن الخِطاب للنبيِّ ﵊، وفيه احتِمال أنَّ لمن يَصِح تَوجُّه الخِطاب إليه؛ الرسول ﵊ وغيره، وهذا أحسنُ؛ لأنه أَعَمُّ ومتى وُجِدَ الأعَمُّ والأَخَصُّ فإن الأَوْلى الأَخْذُ بالأَعَمِّ؛ لدُخول الأخَصِّ فيه، ولا عَكسَ.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ فَزِعُوا﴾ هذا يوم القيامة إذا نُفِخ في الصُّور، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧]، وقوله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ [يس: ٥١، ٥٢]، يَعنِي: لو رأَيْت حين فَزِعوا لرَأَيْت أمرًا عظيما.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ فَزِعُوا﴾ الفَرْق بين (إِذْ) و (إِذَا): أن (إِذْ) لما مَضَى، و (إِذَا) للمُستَقبَل، و (إِذْ) تَأتي أيضا تَعليليَّةً، كقوله : ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ
стр. 302
إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩].
وقوله : ﴿فَزِعُوا﴾ فِعل ماضٍ مُقتَرِن بواو الجماعةِ، وعَبَّر بالماضِي عن المُستَقبَل، ومن التَّعبير بالماضِي عن المُستَقبَل قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ [النحل: ١]، وهذه صريحة؛ لأنه لو كان قد وقَعَ ما قال فلا تَستعجِلوه.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ عِنْدَ الْبعثِ لَرَأيْتَ أَمْرًا عَظِيمًا].
قوله : ﴿فَلَا﴾ هذِه (لا) نافِيهٌ لا للجِنْس و ﴿فَوْتَ﴾ اسمُها، وخبَرُها محَذوف، وقد قال ابنُ مالكٍ في ألفيته (١):
وَشَاعَ فِي ذَا الْبَابِ إِسْقَاطُ الخَبَرْ ... إِذَا المُرَادُ معْ سُقُوطِهِ ظَهرْ
وشاع في ذا البابِ إِسْقاط الخبَرِ يَعنِي: كثُرَ إذا المُراد مع سُقوطه ظهر.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ أي: فلا فَوْتَ لهم، وهذا يَعنِي أن حَذْف الخبَر في مِثْل هذا التركيبِ أبلَغ.
قوله تعالى: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ يَعنِي: ما في أبدًا فواتٌ، لو قُلْت: فلا فوتَ لهم. لكان أرَقَّ، أمَّا: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ فهي أشَدُّ وَقعًا.
وقول المُفَسّر ﵀: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ لَهم مِنَّا، أَيْ: لَا يَفُوتُونَنَا] ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: ﴿وَأُخِذُوا﴾ مَعطوفة على ﴿فَزِعُوا﴾ يَعنِي: أنهم يَفزَعون ويُؤخَذون من مكان قريب، يُؤخَذون بالعَذاب من مكان قريب، قال المُفَسر : هي [القُبُور] وهذا احتِمالٌ بلا شَك أنها القُبور؛ لأنهم يَخرُجون من حين ما يَخرُجون يَجِدون
стр. 303
- والعِياذُ بالله تعالى- أمرًا عظيمًا، ولهذا يَقولون إذا خرَجوا من قُبورهم: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ [النبأ: ٤٠].
فهُمْ يُؤخَذون من قَريب من حِين ما يَخرُجون من القُبور يُكشَف لهم عن أَمْر أَعظَمَ ممَّا كانوا يُشاهِدونه في القُبور، وإلَّا فإنهم يُعذَّبون في قُبورهم، على القول الراجِح، قال المُفَسّر ﵀: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: الْقُبُور].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إشارةٌ إلى عظيم ما سيَقَع بهؤلاء عند الموت أو يوم القِيامة، مَأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ حيث حَذَف جَوابَ الشرط؛ لأنَّ ذلك أَعظَمُ في التَّهويل والتفخيم، حتى يَذهب الذِّهْن كلَّ مَذهب في تَقدير ما يُمكِن أن يَكون جوابًا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ المُكذّبين لله ولرُسُله ﵇ لا يَفُوتون الله تعالى، ولا يُعجِزونه، لقوله تعالى: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بيان ما يَقَع بهؤلاء عند مُعايَنة العَذاب من الفزَع الشديد الذي لا يَنفَعُهم، ولا يَستَفيدون منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنهم يُؤخَذون بالعذاب من مَكان قريب، لا من مكان بَعيد؛ لأنَّ مَن قَدَر على الهرَب رُبَّما لا نَصل إليه لأَخْذه بالعُقوبة إلَّا من مكان بعيد، ولو أن لِصًّا ضبَطْناه بجَرِيمته فهرَب، فإذا هرَب فإنه لن يُؤخَذ بالعُقوبة إلَّا من مَكان بعيد، أمَّا هؤلاء فيُؤخَذون من مَكان قريب، لأنهم لا فوتَ لهم.
стр. 304
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات الجزاء على الأعمال، وهذا هو الحِكْمة من الأَمْر والنَّهْيِ، فإن الأمر والنَّهْيَ لو لم يَتَرتَّب عليه الثواب والعِقاب لكان عَبَثًا يُنَزَّهُ الله عنه، قال الله : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وقال : ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة: ٣٦]، لا يُؤمَر ولا يُنهى؟ الجوابُ: لا.
* * *
стр. 305
الآية (٥٢)
قالَ الله : ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ [سبأ: ٥٢].
* * *
قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ أي: عِنْد فزَعِهم وعند أَخْذهم من هذا المكان القريب؛ قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ أي: بما كُنَّا كافِرين به في الأوَّل. فيَشمَل الإيمان بمُحمَّد ﷺ ، والإيمانَ بمُوسى وعِيسَى وإبراهيمَ وغيرهم مِن الرُّسُل ﵇، هذا إذا كان الكلام عامًّا في جميع الكُفَّار، فإن كان خاصًّا بكُفَّار قُرَيْشٍ فالمُرادُ ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ أي: بمُحمَّد ﷺ . الذي قالوا عنه: إنه كذَّاب. وبالقُرآن الذي قالوا عنه: إنه سِحْر.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ بِوَاوٍ وَالهمزَةُ بَدلَها ﴿التَّنَاوُشُ﴾ و (التّنَاؤُشُ)] والهمزة بدَلٌ من الواو، و ﴿التَّنَاوُشُ﴾ مَعناه: أَخْذ الشيءِ من بعيد، يُقال: تَناوَشْت الشيء، يَعنِي أَخَذْته بأطراف أَصابِعي على بُعد؛ أي: أنهم لن يَتَمكَّنوا من تحقيق ما أَرادُوه من الإيمان، ولا من بُعْد؛ ولهذا قال : ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾.
وقوله : ﴿وَأَنَّى﴾ هنا استِفْهام بمَعنَى الاستِبْعاد؛ يَعنِي أنه يَبعُد لهم التَّناوُش من المكان البعيد، لأن الذي يَتَناوَل الشيء إذا كان عن قُرب يُقال: تَناوَله وأَدرَكَه. وأمَّا إذا كان عن بُعد فيُقال: تَناوَشَه.
стр. 306
ومع ذلك فإنه لا يَتَمكَّن منه، فهؤلاء يَبعُد عنهم كل البُعد أن يَنالوا ما يُريدونه من هذا الإيمانِ؛ لأن هذا الإيمانَ ضَروريّ، يَعنِي: أنهم اضْطُرّوا إليه، حين رَأَوُا العذابَ قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ بل كانوا يَقولون: إنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا لآمَنوا. ولكن الله تعالى كذَّبهم بقوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. فهُمْ بإيمانهم هذا إنما يُريدون الخَلاص من العَذاب، ولكن العَذاب بَعد وقوعه لا خَلاصَ منه.
وهذا له شَواهِدُ في القرآن كثيرةٌ:
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤، ٨٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨].
وقوله تعالى: [﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ أَيْ: تَنَاوُل الْإِيمَانِ ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ عَنْ مَحَلِّهِ، إِذْ هُم فِي الآخِرَةِ وَمَحَلُّهُ فِي الدُّنْيَا]، وهذا بعيد؛ لأنَّ ما مضى من الزمَن لن يَرجِع حتى الأيامُ الماضية في الدُّنيا لا يُمكِن أن تَرجِع، فيَوْم الأحَد اليومَ ليس هو يومَ الأَحَد الماضي، كان وافَقه في الاسْمِ، لكنه غيره، فالشيءُ الماضِي بعيد، والشيء المُستَقبَل قريب، والماضي بَعيد وإنَّ قرُب، والمُستَقبَل قريب كان بعُد؛ لأنَّ كل آتٍ قريب.
إِذَنْ نَقول: إن هؤلاءِ حكَى الله عنهم أنهم يَقولون حين يَفزَعون ويُؤخَذون بالعذاب يَقولون: (آمنَّا)، ولكن هذا الإيمانَ لا يَنفَعُهم؛ لأنهم يَتَناوَلونه من مَكان بعيد.
стр. 307
وقوله تعالى: ﴿التَّنَاوُشُ﴾ بمَعنَى: تَناوُل الشيء من بُعْد، وفي اللغة العامِّية يَقول: تَناوَشْت الشيءَ. يَعنِي: تَناوَلْته من بُعْد، وأيضًا ما تَمكَّنت منه التَّمكُّن التامَّ، وكذلك إذا صار بينهم ضَرب يَقول: تَناوَش مُناوَشةً. أي: من بعيد من دون تَمكُّن.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ هؤلاءِ المُكذِّبين إذا عايَنوا العذابَ آمَنوا؛ لقوله : ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾.
ويُؤيِّد ذلك آيات كثيرةٌ، مثل قوله : ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤، ٨٥].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الإيمان بعد مُعايَنة العذاب لا يُفيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، وإنما كان غيرَ مُفيد؛ لأنَّ الإيمان بالمُشاهد لا قِيمةَ له، فالشيء المُشاهد لا بُدَّ أن يُؤمِن به كلُّ إنسان، لكن المِحنة والابتِلاء إنما تكون في الإيمان بالغَيْب؛ قال الله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣].
أمَّا إنسان تَقول له مثلًا: هذه حَقيبةُ، وهذه كَرَّاسة، وهذا مُكبِّر صَوْتٍ، وهذا مُسجِّل. وهي أمامَه فلا يُمكِن أن يُنكِرها، فإن أَنكَر فهو مُكابِر، لكن شيء غائِب تُخبِره به ربَّما يُنكِره، وهؤلاء إذا آمَنوا بعد مُشاهدة العذاب فإن إيمانهم لا يَنفَعهم، وإن إيمانهم حينئذٍ إيمانُ مُشاهدة، لا إيمانٌ بالغَيْب، والإيمان بالمُشاهدة ليس فيه مَنح ولا ثَناءٌ، ولا يَستَحِقُّ صاحِبه الجزاء.
стр. 308
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بُعْد الإيمان عمَّن لم يُؤمِن إلَّا إذا شاهد العذاب، والمُراد بـ (بُعد الإيمان) يَعنِي: بُعد قَبول الإيمان، يَعني: الله ما نفَى أن يَنفَعَهم فقَطْ، بل قال: إنَّ هذا أَمرٌ بعيد: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
* * *
стр. 309
الآية (٥٣)
* * *
* قالَ الله : ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣].
* * *
قوله : ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ يُحتَمَل أن تكون هذه الجُملةُ استِئْنافيَّةً، ويُحتَمَل أن تكون حاليَّةً من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ﴾ يَعنِي: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ والحال أنَّهم قد ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾.
وقوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يَرمَون] ﴿بِهِ﴾ أي: بالنَّبيِّ ﷺ أو بالقُرآن، وهم أيضًا: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: [يَرمَون] والقَذْف - كما سبق- هو الرميُ بشِدَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يَتكلَمون بأَمرٍ غائِب عنهم يَدَّعونه وهم فيه كاذِبون، مثل أن يُنكِروا البَعث وَيقولوا: كيف يُبعَث الناسُ وقد كانوا عِظامًا رَميمًا؟ قال تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٥٣] يَقولون: إنَّ محمَّدًا ﷺ شاعِر، وكاهِن ومَجنون، وما أَشبَه ذلك، فهم يَتكلَّمون بكلام لا حَقيقةَ له، ليس بواقِع مَلموس مَشهود، بل هو أَمرٌ غائِب عنهم، وهم لا يَعلَمونه، والغَيْبُ هنا شَبيهٌ بقولنا: يَتكلَّمون بالظَّنِّ، وَيقولون الظنَّ، وما أَشبَه ذلك.
стр. 310
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أَيْ: بِمَا غَابَ عِلْمُهُ عَنْهم غَيْبَةً بَعِيدَةً؛ حَيْثُ قَالُوا فِي النَّبِيِّ ﷺ : سَاحِرٌ، وَشَاعِرٌ، وَكَاهِنٌ، وَفِي الْقُرآنِ: سِحرٌ، وَشِعرٌ، وَكَهانَةٌ]، وكذلك قالوا في البَعث: إنه مُستَحيل، مَن يُحيي العِظامَ وهي رميم؟ ! فحال هؤلاء إِذَنِ الكُفْر والكَلام بالغَيْب من مَكانٍ بعيدٍ، يَعني: أنهم يَتكلَّمون بأَمرٍ غائِبٍ عنهم، والغائِب بَعيدٌ عن الإنسان، وكيف يَتكلَّمون به وهم لا يَعلَمون.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: الإشارةُ إلى أن إيمانهم الحاضِر لا يَنفَعهم؛ لأنهم كفَروا من قَبلُ، فحين كان الإيمان نافِعًا كانوا كُفَّارًا، وحين كان الإيمان غيرَ نافِع كانوا مُؤمِنين؛ ولهذا إذا طلَعَتِ الشمسُ من مَغرِبها آمَنَ الناس كلُّهم، لكن الله يَقولُ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هؤلاءِ الذين يَتكَلَّمون في حقِّ النبيِّ ﷺ ، أو ما جاء به من الوَحيِ بالسَّب والعَيْب إنما يَتكَلَّمون رَجْمًا بالغيب؛ لقوله : ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هؤلاءِ لم يُحاولوا القُرب والنَّظَر فيما جاء به الرسول ﷺ ، بل كانوا كالذي يَرمِي بالحِجارة من بُعدٍ، ولا يُريد أن يَقتَرِب؛ ليَتبيَن الأَمْر، وهذا سُوء أدَبٍ منهم؛ لأنَّ العَقْل يَقتَضي أن يَدنوا من الشيء؛ ليَتعَرَّفوا إليه، حتى لا يَقذِفونه من بعيد، لكن هم كانوا يَقذِفون بالغيب من مكان بعيدٍ، وهذا يُبْعِد أن يَكون الإيمان مَقبولًا منهم.
стр. 311
الآية (٥٤)
* * *
* قالَ الله : ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥٤].
* * *
قول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ مِنَ الْإِيمَانِ].
قوله : ﴿وَحِيلَ﴾ فِعل ماضٍ مَبنيٌّ للمَجهول، ونائِب الفاعِل هو الظَّرف، وَينوب الظَّرْف مَناب الفاعِل كما ذكَرَه ابنُ مالك ﵀ في ألفيَّته (١):
وَلَا يَنُوبُ بعْضُ هذِي، إِنْ وُجِدْ ... فِي اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ، وَقَد يَرِدْ
وهذا النائَبُ هو الظَّرْف؛ لأنَّ المَفعول به لم يُوجَدْ.
وقوله : ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ فما الذي يَشتَهُونه؟ الذي يَشتَهونه هو النَّجاة من العذاب الذي حلَّ بهم، ولكن هذه النَّجاةَ إنما تكون لو قُبِل الإيمان منهم، والإيمان منهم غير مَقبولٍ في هذه الحالِ؛ فلهذا لم يَتَمكَّنوا ممَّا يُريدون.
والمُفَسِّر ﵀ يَقول: [﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ مِنَ الْإِيمَانِ، أَيْ: قَبُولِهِ]، ولكن هم في الحقيقة يَشتَهون شيئا قبل قَبول الإيمان، وهو النَّجاة من العذاب، وهذا فَرْع عن قَبول الإيمان، وقَبول الإيمان غير مُمكِن؛ لأنه فات مَحَلُّه.
стр. 312
إِذَنْ: حِيل بينهم وبين ما يَشتَهون، ولذا قال : ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ فالذي حال بينهم وما بين ما يَشتَهون هو تَأخُر الإيمان والتَّوْبة، ولو أن ذلك حصَل في الدُّنيا قبل أن يُعايِنوا العذاب لكان مُمكِنًا.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ بِأَشْبَاهِهِم فِي الْكُفْرِ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قَبْلِهم].
وقوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ كما حيل بين أَشباهِهم في الكُفْر ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قَبْلِ هؤلاء، مثل قَوْم نُوحٍ ﵇، وعادٍ، وصالِحٍ ﵇، وغيرهم، وهذا يُؤيد ما ذكَرَه بعض المُفسِّرين ﵀ بأنَّ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ يَعنِي: عند الموت؛ لأَنَّه قال: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾، وهذا فِعْلٌ ماضٍ يَدُلُّ على أن هذا أَمْر قد مضَى على مَن سبَق، ولو كان يوم القِيامة لم يَكُن قد مضى من قَبْلُ.
أمَّا على رَأْي المُفسِّر ومَن تابَعه من المُفسِّرين ﵏: بأن الفزَع هذا هو فزَع يوم القيامة، وَيدُل عليه الآية التي استَشْهدنا بها من قبلُ، فتقول: "كما فُعِل" أي: كما قُدِّر أن يُفعَل بأشياعِهم من قَبلُ.
وقوله : ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ إعرابُها: ظرفٌ مَبنيٌّ على الضمِّ في محَلِّ جَرٍّ، ويَقولون: مِن قبلُ، ومن بَعدُ، وما أَشبَههما لها أربعُ حالاتٍ:
١ - إمَّا أن تكون مُضافةً.
٢ - مَقطوعةً عن الإضافة لَفْظًا ومَعنًى.
٣ - مَقطوعة عن الإضافة لَفْظًا تقديرًا لا مَعنًى.
стр. 313
٤ - مَقطوعة عن الإضافة لَفْظًا، ولكنها مَعنًى مُضافةً.
وقوله : ﴿كَمَا فُعِلَ﴾، و (ما) مصدرية يَعنِي: كالمفعول بأَشياعهم من قَبلُ، (ما) مَصدَرية، أي: كفِعلنا، أو كالمَفعول بأَشياعهم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾.
وقوله : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ﴾ الجُمْلة هذه تَعليل لما قَبلَها فصِلَتها بما قَبلَها أنها تَعليل، أي: إنَّ هؤلاء الذين لم يَنجُوا من النار أو من العذاب كانوا في الدنيا في شكٍّ، والشكُّ هو: التَّردُّد بين الإثبات والنَّفيِ، والإيمان يَجِب أن يَكون جازِمًا لا شكَّ فيه؛ ولهذا من شَكَّ فيما يَجِب الإيمان به لم يَكُن مُؤمِنًا.
وقول المُفَسّر ﵀: [﴿مُرِيبٍ﴾ أي: مُوقِعٍ فِي الرِّيبَةِ لهم فِيمَا آمَنُوا بِهِ الآنَ، وَلَم يَعتَدُّوا بِدَلَائِلِهِ فِي الدُنْيَا]، يَعنِي: أنهم في الدُّنيا غفَلوا عن دَلائِل الإيمان، ولم يَتَفكَّروا بها، بل أَنكَروها إمَّا مُكابَرةً، وإمَّا شَكًّا وتَردُّدا، فلم يَنفَعْهم.
والحاصِلُ: أنَّ هذه الآياتِ كلَّها فيها إنذارُ هؤلاءِ المُكذِّبين للرسول ، وتَذكيرُهم بهذه الأحوالِ التي ستكون وارِدة عليهم عند الموت وفي الآخِرة.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ الكُفَّار إذا عايَنوا العذاب يَشتَهون، بل يَتَمَنَّوْن أن يُرَدُّوا إلى الدنيا، يَقولون: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]، ولكن هذا الذي يَشتَهونه وَيتَمَنَّونه لا يَنفَعُهم، قال الله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾، والنُّكتة في عدَم بَيان الفاعِل -فلم يَقُل: وحال الله تعالى بينهم. ولا قال: وحال الكُفْر-.
النُّكْتة في هذا لأَجْل أن يَكون الحائِل صالِحًا لأَنْ تُقدِّره لكُلّ ما يُناِسب
стр. 314
الحال، فإن شِئْت فقُلْ: حال بينهم وما بين ما يَشتَهون كُفْرهم في الدنيا. وإن شِئْت فقُلْ: حال بينهم وبين ما يَشتَهون تَقديمُ شَهواتهم في الدُّنيا منَعَهم شَهواتهم في الآخِرة.
وهذا نَظيرُ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأحقاف: ٢٠] بدَلًا عمَّا أَذْهبْتُموه من الطَّيِّبات في الدنيا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: استِعمال القِياس، يُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الإشارة إلى الاعتِبار بمَن مضَى وسبَق، سواءٌ كانوا من أهل الجيْر أو من أهل الشرِّ، لقوله تعالى: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الله يَقرِن أحيانًا الحُكْم بعِلَّته، لقوله : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾.
وقَرْن الحُكْم بعِلَّة له فَوائِدُ منها:
١ - بَيان الحِكْمة، وأنَّ الله لا يَحكُم بشيء -سواءٌ كان كَوْنيًّا أو قدَريًّا- إلَّا لحِكْمة القِياس.
ب- ومنها: إذا ذُكِرت العِلَّة وأُلحِق بهذا الشيءِ ما يَجتَمِع معه في العِلَّة.
ج- ومنها: بيانُ سُمُوِّ الشريعة لاطْمِئْنان النفس إلى الحُكْم والرِّضا به.
وإن كان الواجِبُ على المُسلِم أن يَرضَى بحُكْم الله تعالى مُطلَقًا، لكن لا شَكَّ أنَّ مُشاهدة الإنسان لحِكْمة الحُكْم أَبلَغُ في الطُّمَأنينة من عدَم ذلك؛ ولهذا قال الله
стр. 315
- لإبراهيمَ ﵇ حين قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ هذا الشَّكَّ الحاصِلَ لهؤلاء أَوْقَعهم في رِيبة، والرِّيبة يَعنِي: ليسَتْ مجُرَّد الشَّكِّ، بل قال شيخُ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ ﵀: إنَّ الرَّيْب شَكٌّ مع قلَق واضطِرابٍ، يَعنِي: أن الشاكَّ عنده تَردُّد في الأمور، لكن ما عنده تَشويشُ فِكْر، لكن المُرتاب يَكون عنده شيء من التَّشويش الفِكْريِّ، والقلَق النَّفْسيِّ، وعدَم الاتِّجاه السليم؛ ولهذا قال: إنهم كانوا في شكٍّ مُريبٍ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الشكَّ مُنافٍ للإيمان فيما يَجِب الإيمانُ به، فلو أنَّ أحَدًا شكَّ في يوم القِيامة -في البَعث- ما نفَى وجزَم بالنَّفْي، ولا أَقَرَّ وجزَم بالإقرارِ.
نَقول: إنَّ هذا في حُكْم المُنكِر تمامًا، فهو كافِر.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن أيَّ قَوْم إذا رأَوُا العَذاب فإنه لا يَنفَع إيمانُهم، وأمَّا قوم يُوُنسَ ﵇ فقد استَثْناهم الله فقال: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]، والحِكْمة من ذلك -والله تعالى أَعلَمُ- أن نَبيَّهم ذهب عنهم قبلَ أن يُؤمَر، فكأنَّ الدعوة لم تَتِمَّ على الوجه الأكمَلِ الذي يَنفِي عنهُمُ العُذْر.