إلَّا مُضافةً وإلَّا مَنصوبةً على المَفعولية المُطلَقة.
قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي: لا مُوالاةَ بَينَنا وبينَهم من جِهتنا، يَعنِي: أن هذه الجُملةَ خَبَرية ثُبوتية ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ مَعناها جُملة سَلْبية، أي: لا نَتَوَلَّاهم، بل ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾، فلا مُوالاةَ بينَنا وبينهم، وإذا انتَفَت المُولاةُ ثبَت ضِدُّها، وهي المُعاداة، يَعنِي: فهؤلاء أَعداؤُنا، وأنت ولِيُّنا من دونهم.
وهذا كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
قوله ﵀: [﴿بَلْ﴾ للانتِقال، ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ الشياطين، أي: يُطيعوهم في عِبادتهم إيَّانا ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ مُصدِّقون في ما يَقولون].
قوله: [﴿بَلْ﴾ للانتِقال]؛ لأنَّ (بَلْ) تَأتي للإِضْراب الانتِقالي، وللإِضْراب الإِبْطالي، فإن كان المَقصود بها إِبْطالَ ما سبَقَ وإثباتَ ما لَحِق فالإِضْراب إِبْطالي، وإذا كان المَقصودُ بها الانتِقالَ من مَعنًى إلى آخَرَ فوقَه أو دونَه يُسمَّى إضرابًا انتِقاليًّا.
وهنا المُفَسِّر ﵀: يَقول: إنَّ هذا الإِضْرابَ انتِقالِيٌّ؛ يَعنِي: وأنَّهم لم يُبطِلوا ما سبَق، فهم باقون على قَوْلهم: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾، ولا مُولاةَ بيننا وبينَهم، ولا نُواليهم ولا يُوالوننا، بل نَزيد على ذلك: كانوا يَعبُدون الجِنَّ، والمُراد بالجِنِّ هُنا الشياطين؛ لأنَّ الجِنَّ همُ الشَّياطينُ في الواقِع؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، فهم يَعبُدون الجِنَّ.
стр. 247
فَإنْ قِيلَ: إذا كانوا يَعبُدون المَلائِكة، كما هو ظاهِر السِّياق فكيف عِبادتهم للجِنِّ؟
فالجوابُ: هنا عِبادتهم للجِنِّ عِبادة طاعة، أيْ أنهم يُطيعونهم في الإشراك فالجِنُّ تَأمُرهم أن يَجعَلوا المَلائِكةَ شُرَكاءَ مع الله تعالى في العِبادة فيُطيعونهم، ومَن أَطاع غيرَ الله تعالى في مَعصية الله تعالى فقَدِ اتَّخَذه إِلهًا، قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١]، وقد رُوِيَ أنهم كانوا إذا أَحَلُّوا ما حرَّم الله أَحَلُّوه، وإذا حرَّموا ما أحَل الله حرَّموه، فجعَلوهم إلَهةً مع الله في التحليل والتحريم والطاعة، فيَكون مَعنَى قوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أي: يُطيعونهم في عِبادة الملائِكة، ومَن أَطاع غيرَه في مَعصية الله تعالى فقَدِ اتَّخَذه إلَهًا.
وقوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ أي: مُصدِّقون فيما يَقولون لهم.
وقوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ ولم يَقُلْ: كلهم. مع أن الجميع يَعبُدون الملائِكة طاعَةً للجِنِّ.
فلماذا عَبَّروا بقولهم: أكثَرهم. ولم يَقولوا: كلُّهم؟
جوابُ ذلك أن يُقال: إنَّ هؤلاءِ المُشرِكين يَنقَسِمون إلى قِسْمين: قِسْم عامَّةٌ أتباعٌ، لا يَعرِفون شيئًا، وجَدوا آباءَهم على دِين فمَشَوْا عليه، والقِسْم الآخَر مجُتَهِدون يَعرِفون الأَمْر ولكنهم يُؤمِنون بهؤلاء الجِنِّ ويُصدِّقونهم، وَيكفُرون بالرُّسُل، وهؤلاء همُ الأكَثرُ، ومع ذلك فإن الأَتْباع -وهم القِسْم الأوَّل- إذا تَبيَّن لهم الحقُّ وأَصَرُّوا على اتِّباع هؤلاء وقالوا كما قالَتِ الأُمَم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، فإنهم مُستَحِقُّون للعذاب؛ لأنهم كفَروا على بَصيرة.
стр. 248
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ ما عِند المَلائِكة عليهم الصلاة والسلام من تَعظيم الله ، حيث قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تَنزيهًا عن أن يَكون لك شريك، لا مِنَّا ولا من غَيرِنا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ رُبوبية الله للمَلائِكة، حيث قالوا: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات الجِنِّ؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ والجِنُّ عالَمٌ غَيْبيٌّ مخَلوق من نار وفيهم المُؤمِن والكافِر والمُطيع والعاصِي، كما في سُورة الجِنِّ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وُجوب الكُفْر بعِبادة الجِنِّ؛ لقوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾، وأمَّا الإيمان بوُجودهم فهو واجِب؛ لكن الإيمان بأن لهم حقا في العبودية هذا منكر، وهو المراد بقوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾، ومن هنا نعرف أن ما جاء في كتاب في كتاب التوحيد -واستشكله بعضهم-؛ أنَّ المُصدِّق بالسِّحْر لا يَدخُل الجَنَّة مع أن السِّحْر حقيقة، والتَّصديق به أَمْر واقِعيٌ، لكن المُراد التَّصديق به يَعنِي مُمارَسته والإيمان به أي: بما يَنتُج عنه بحيث يُمارِسه الإنسان بنَفْسه، وأمَّا التصديق بأن السِّحْر له آثار فهذا أمْر لا يُمكِن إِنْكارُه.
* * *
стр. 249
الآية (٤٢)
* * *
* قالَ الله : ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ: ٤٢].
* * *
قوله : ﴿فَالْيَوْمَ﴾: (أل) هنا للعَهْد الذِّكْري، والمَذكور هو قولُه : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي: فاليَوْم الذي نَحشُرهم فيه لا يَملُك بعضُكم لبَعْض نَفْعًا ولا ضَرًّا.
وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ نُصِبَت على الظَّرْفية، والعامِل فيها قوله : ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ يَعنِي: فلا يَملِك اليومَ بَعضُكم لبَعْض، أي: بعض المَعبُودين للعابِدين ﴿نَفْعًا﴾ شفاعةً ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ تَعذيبًا].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الذي انتَفَى نَفْعُه المعبودُ؛ لأنَّ العابِد يَرجو من وَراء المَعبود النَّفْعَ أو الضرَر.
فنَقول: لا يَملِك العابِد للمَعبود ضَرًّا ولا نَفْعًا، كما أنه لا يَملِك المَعبود للعابد ضَرًّا ولا نَفْعًا.
فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمة في أنَّ الله قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ وجعَله مُبهَمًا ليَشمَل العابِد والمعبود والتابع والمَتبوع؛ فكلُّ أحَدٍ يوم القِيامة لا يَملِك لأَحَدٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا، وقول المُفَسِّر ﵀: [شَفَاعَةً] مع أن كلِمة (نَفْع) أعَمُّ من
стр. 250
الشفاعة، لكن كأنه ﵀ قيَّدها بالشفاعة؛ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فادَّعَوْا أنَّ عِبادتهم إيَّاهم من أجل أَنْ تَشفَع لهم عند الله وتُقرِّبهم إليه.
قوله : ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ يَعنِي: نَفْعًا في عِبادتكم إيَّاهم بالشفاعة، والأصَحُّ: وبغيرها.
﴿وَلَا ضَرًّا﴾ بعدَم عِبادتكم إيَّاهم، أي: أنهم إذا لم تَعبُدوهم فإنهم لن يَضُرُّوكم، وكما أنهم لا يَملِكون في ذلك اليومِ لا نَفْعًا ولا ضَرًّا، فكذلك لا يَملِكون في الدُّنْيا نَفْعًا ولا ضَرًّا.
فإن قلت: إنَّه قد يَعبُد الإنسان غَيرَ الله تعالى، فيَدعوه لكَشْف ضُر فيَنكَشِف ذلك الضُّرُّ، فما الجوابُ عن هذه الآية وغيرِها؟
فالجوابُ: إن هذا الذي حصَل لم يَحصُل بالدعاء أو بالعِبادة ولكن حصَل عنده، فليس ذلك سببًا.
فإذا قُلْتَ: قولكَ: إنه حصَل عنده. هذه دَعوى تَحتاج إلى بُرهان، وإلَّا لكان الواجِبُ أن يُحال الأمر على الشيء أو على السبب الظاهِر، وهو دُعاء هذه الأصنامِ. فهذه الاعِتراض يَعنِي: أنك قد تَقول: إن هذا الشيءَ حصَل عند الدُّعاء لا بالدُّعاء. فيُقال لك: هذه دَعوَى مِنك، ما دامَ دعا هذا الصَّنَمَ أن يَشفِيَه فشُفِيَ، فالأصل إحالة الحُكْم على السبَب الظاهِر، وهو هذا الدعاءُ فدَعوَى أنه حصَل بغير هذا السبَبِ الظاهِر تَحتاج إلى دَليل!
فالجوابُ: أن لَدينا دليلًا على ذلك وهو قوله : ﴿وَيَعْبُدُونَ
стр. 251
مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥].
فهاتان الآيتان وما أَشبَههُما كلُّها تَدُلُّ على أنَّ هذه الأصنامَ لا تَنفَع لا بجَلْب نَفْع ولا بدَفْع ضَرَر، فإن وُجِد شيءٌ حصَل بعد الدُّعاء فقد حصَل عنده لا به.
فإن قُلْتَ: كيف يَكون هذا الشيءُ؟ وما الحِكْمة من أن الله يَجعَل حدوث هذا النَّفْعِ أو اندِفاع هذا الضرَرِ عند دُعاء هذه الأَصنامِ؟
نَقول: فِتْنةً وامتِحانًا، فإن الله قد يَمتَحِن العبد بالشيء المُحرَّم يُصِرُّ عليه، أو يَبتليه بالشيء المُحرَّم يَمتَنِع منه، والله على كل شيءٍ قديرٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَنَقُولُ﴾ مَعطوف على قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ يَعنِي: واليَوْم نَقول للذين ظلَموا.
الظُّلْم في اللغة: النَّقْص هذا هو الأصل، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تَنقُص.
وأمَّا في الاصطِلاح أو في الشَّرْع: فهو نَقْص ذَوِي الحَقَّ حَقَّهم؛ إمَّا بالمُماطَلة بالواجِب، وإمَّا بانتِهاك المُحرَّم، نَقْص ذَوِي الحقِّ حَقَّه، إمَّا بالمُماطَلة في الواجِب مثل قوله ﷺ : "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ) (١)، وإمَّا بالاعتِداء على حقِّه كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢].
стр. 252
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كَفَرُوا، وهذا تَفسير بالمَعنَى لا بالمُراد؛ لأن الظُّلْم من حيث المَعنى أعَمُّ من الكُفْر، لكنَّ المُفَسِّر ﵀ يَقول: إنه يُراد بالظُّلْم هنا ظُلْم الكُفْر، كقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢].
فالظُّلْم قد يُراد به بالكُفْر، وكأنَّ المُفَسِّر ﵀ خصَّ الظُّلْم بالكُفْر هنا، بدليل السِّياق: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ هذا ممَّا يَدُلُّ على أن المُراد بالظُّلْم هنا ظُلْم الكُفْر؛ لأنَّ الذي يُكذَّب بالنار حُكْمه كافِر؛ لتكذيبه خبَرَ الله تعالى ورسوله ﷺ .
وقوله : ﴿ذُوقُوا﴾ فِعْل الأَمْر، لكنه يُراد به الإهانة؛ يَعنِي: يُقال لهم إهانةً: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أي: أنَّ النار ستُصيبكم حتى تَذوقوها كما تَذوقون الطعام.
وقوله تعالى: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ كانوا يُكذِّبون بالنار لأنهم يُنكِرون البَعْث، والنار إنما تَكون بعد البَعْث، وهم يُكذِّبون بذلك، ومن بابِ أوْلى أن يُكذِّبوا بما يَكون في القَبْر من العَذاب، فهم يُكذِّبون تَكذيبًا كامِلًا وَيقولون: إن الرُّوح إذا خرَجَت من الجَسَد لن تَعود إليه، وهنا قال : ﴿الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، وفي سورة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة؛ قال تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠].
فعلى هاتين الآيَتين يَكون الوَصْف بالتَّكذيب، مرَّةً بالنار ومرَّة بعَذابها، فهُمْ أحيانًا يُنكِرون النار وأحيانًا يُكذِّبون التعذيب بالنار، وَيقولون: كيف نُعذَّب بالنار؟
стр. 253
وكيف نَبقَى أحقابًا ونحن في النار، والإنسان إذا دخل في النار احتَرَق وانتَهَى؟ ! فيُكذِّبون بالعَذاب، وأحيانًا يُكذبون بالنار نفسها.
وقوله تعالى: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ الجارُّ والمَجرور مُتعلِّق بـ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾، ولكنه قُدِّم للفَواصِل من جِهة، وللحَصْر من جهة أخرى، ولكنَّنا إذا قُلْنا: إنه للحَصْر. يَرِد علينا إِشْكال وهو أنهم كذَّبوا بالنار وبغيرها، فيُقال: لمَّا كان العذاب بالنار ذُكِّروا بتكذيبهم بها خاصَّة؛ لأنهم عُذِّبوا بها فكأنه قِيل لهم: عُذِّبتم بشيء أنتُمْ كُنْتم تُكذِّبون به، وإلا فلَهُم تَكذيبٌ آخَرُ.
* * *
стр. 254
الآية (٤٣)
* * *
قالَ الله : ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ: ٤٣].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ [الْقُرْآنِ] ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ [وَاضِحَاتٍ بِلِسَانِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ] ﴿قَالُوا﴾ هذه الجُملةَ الشَّرْطيةَ وهي ﴿وَإِذَا﴾، وفِعْل الشَّرْط ﴿تُتْلَى﴾ جوابُه ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾.
وقولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾: ﴿مَا﴾ نافِية، وهنا لم تَعمَل لانتِقاض النَّفيِ، وقد قال ابنُ مالِك ﵀ في أَلْفيته:
إِعْمَالُ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ... مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ (١)
فإذا انتُقِضَ النَّفيُ فلا عمَلَ.
وقوله : ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الإظهار في مَوضِع الإِضْمار له فائِدة دائِمة مُستَمِرَّة وهي التَّنبيهُ، وفائدةٌ خاصَّة في كل سِياق بحَسَبه، فهنا يُقصَد بها التَّعميم، يَعنِي: للذين ظَلَموا من هؤلاء وغيرهم، والإشارة إلى سبَب الحُكْم وهو قوله تعالى: ﴿ذُوقُوا﴾ للذين ظلَموا ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، والتَّعميم
стр. 255
والإشارة إلى عِلَّة الحكْم، وهو الظُّلْم للذين قالوا: نَقول لهم: ما استَفَدْنا أن سبَب قول الله تعالى لهم وتَوْبيخهم إيَّاهُم هو الظُّلْم.
وقوله : ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾: ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ حال من آياتِنا؛ لأنه وَصْفٌ بعد مَعرِفة، والوَصْف بعد المَعرِفة إذا كان نَكِرة يَكون حالًا، وكذلك إذا كان جُمْلة، فالأَوْصاف بعد المَعارِف إذا كانَتْ نَكِرة أو جُمْلة تَكون حالًا، والأوصاف بعد المَعارِف إذا كانت مَعرِفة تَكون نَعْتًا، فالحال والنَّعْت كلاهما وَصْف، ولكن إن وافَق مَتبوعَه في التعريف والتَّنكير فهو نَعْت، وإلَّا فإن كان المَتبوع مَعرِفة والثاني نَكِرة أو جُملة فهو حال، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا هَذَا﴾ هو جوابُ الشَّرْط.
وقوله : ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ أي: إذا تَقرَأ عليهم آياتِنا ولم يُبيِّن القارِئَ فيَشمَل أَنْ يكون القارِئُ النبيَّ ﷺ أو غيرَه، إذا تُتلَى عليهم آياتُ الله تعالى ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ أي: ظاهِراتٍ فما ظُهورها هنا؟ هل ظُهورها بمَعنَى أنها واضِحة أنها كلام الله تعالى؛ لعَجْزهم عنها، أو بَيِّناتٍ فيما تَدُلُّ عليه من مَعاني سامِية لا يُمكِن أن يَأتيَ بمِثْلها البَشَر، أو الأمران؟
الجوابُ: يَشمَل هذا وهذا، فهي بيِّنة في ذاتها واضِحة أنها ليست من كلام البَشَر، وهي بيِّنة في مَوْضوعها وما تَدُلُّ عليه من أنَّها ليست من أحكام البَشَر؛ لأنها لا تَتَناقَض ولا يُكذِّب بَعضُها بعضًا، وهذا يَدُلُّ على أنها من عِند الله تعالى.
ولو كانت هذه الآياتُ خَفيَّةً لكان لهم شيء من العُذْر في رَدِّها، ولكنها آيات بيِّناتٌ، لا عُذْرَ لهم في رَدِّها.
ومع هذا يَقول الله : ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀ في تَفسيرها: [وَاضِحَاتٍ بِلِسَانِ نَبِينا مُحَمَّدٍ ﷺ ] ﴿مَا هَذَا﴾
стр. 256
أيِ: الذي جاء بها وادَّعى أنها من عِند الله إلا رجُلٌ يُريد أن يَصُدَّكم، وانظُرْ كيف تَحمِل هذه الجُملةُ من الاحتِقار والإِنْكار ما هو معلوم، فقولهم: ﴿مَا هَذَا﴾ أَتَوْا به بصيغة الحاضِر وان كان غائِبًا للاحتِقار، وقولهم: ﴿إِلَّا رَجُلٌ﴾ هذا للإِنْكار؛ لأنهم أَتَوْا به بصيغة النَّكِرة، كأنهم لا يَعرِفونه كأنه رَجُل أَجنبيٌّ منهم، قالوا: ما هذا إلا رجُلٌ، ولم يَقولوا: ما ذلك الرجُلُ إلَّا رجُل. بَلْ قالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ احتِقارًا وإنكارًا.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ يَعنِي: لا يُريد أن يَهدِيَكم سبيل الرَّشاد، ولكن يُريد ﴿أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾ أن يَصرِفكم وَيمنَعكم ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ أيِ: الأَصْنام من الأشجار والأحجار وغيرها، هذا هو غَرَض هذا الرجُلِ الذي جاء بهذه الآياتِ التي تُلِيَت عليهم، وليس غرَضُه الصلاحَ ولا الإصلاحَ. هكذا ردُّوا الحقَّ بهذه الدَّعْوةِ الباطِلةِ.
وقوله تعالى: ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ ولم يَقولوا: وعما كُنْتم تَعبُدون؛ لإثارة الحَمِيَّة في نُفوسهم؛ لأنَّ الإنسان يَصعُب عليه أن يَدَع ما كان آباؤُه عليه، لا سيَّما مثل هؤلاء الجَهلةِ، ولو قالوا: عمَّا كُنْتم تَعبُدون. لكان يُمكِن أن يُقالَ: إنهم عَبَدوا على غير أَساس. لكن لمَّا قال تعالى: ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ كأنَّ هذه العِبادةَ لهذه الأصنامِ أمْرٌ مُستَقِرٌّ كان عليه الآباء، ولا يَنبَغي لكم أن تَترُكوا مِلَّة آبائِكم.
ولهذا يَقولون كما حَكَى الله عنهم في آياتٍ أُخرى: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، أو ﴿مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] آيتان.
وقول : ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ من الأصنام، والمُراد بالآباء هنا ما يَشمَل آباءَ الصُّلْب، وهو الأبُ الأَدْنى والآباء الأَعلَيْن، وهمُ الأَجْداد وان عَلَوْ.
стр. 257
وقوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ هل أُمَّهاتهم كذلك؟
الجوابُ: نعَمْ، لكنَّ الإنسان تَأخُذه الحَميَّة لأبيه أكثَرَ ممَّا تَأخُذه لأُمِّه؛ لأَنَّه مِن المعلوم أن الأبَ رَجُل والرجُل أَعقَلُ من المرأة، فإذا كانت آباؤُكم يَعبُدون هذه الأصنامَ ويُصِرُّون على عِبادتها -وهم العُقلاءُ- فإنه لا يَنبَغي لكم أن تَتَّبِعوا هذا الرجُلَ؛ الذي كان يُريد أن يَصُدَّكم عمَّا كان يَعبُد آباؤُكم.
وقالوا في القُرآن: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ﴾ كذِب ﴿مُفْتَرًى﴾ على الله تعالى. فطَعَنوا في الرسول ﷺ بسُوء قَصْده، وأنه لا يَقصِد الإصلاحَ، وانما يُريد أن يَصُدَّكم عمَّا كان يَعبُد آباؤُكم، وطعَنُوا في القُرآن وفي الوَحْيِ الذي جاء به هذا الرسولُ ﷺ ، وقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾.
ومعلوم أنَّ هذه الصِّيغةَ صِيغةُ حَصْر، فعلى زَعْمهم ليس في القُرآن شيءٌ صِدْق، كلُّ القُرآن جملةً وتَفصيلًا ﴿إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ أي: كذِب، هو بنَفْسه كذِب، وعلى على الله ؛ لأَنَّه هناك كذِب مُطلَق يُكذِّبه الإنسان ولا يَنسُبه إلى أحَد، وهنا كذِب يَفتَرِيه الإنسان على غيرِه، فالقُرآن يَقولون: إنَّه كذِبٌ وإنه مُفتَرًى على الله . ولا ريبَ أنَّ هذه دَعوَى باطِلة فالقُرآن كما وصَفَه الله : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، وكذلك القُرآن من عند الله ، بدليل أنَّ الله تَحدَّى هؤلاءِ أن يَأتوا بمِثْله فلم يَأتوا، فهو دليلٌ على أنَّه مِنْ عند الله وكُلُّ أَخباره صِدْقٌ وحقٌّ، خِلاف ما طعَن به هؤلاء.
وقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ فطَعَنوا في الرسول وطَعَنوا في المُرسَل به، والطَّعْن فيهما طَعْن في الله ، كيف؟
الجوابُ: لأنَّ تمَكين الله تعالى لهذا الرسولِ، وتَأيِيده له، وإِنزال الآيات عليه
стр. 258
وهو كاذِبٌ سَفهٌ، والله يُؤيِّد رسوله بما يُنزِل عليه، وَيشهَد له بأنه حقٌّ، والرسول ﷺ يَدْعو الناس علَنًا وسِرًّا، فلو كان كاذِبًا على الله والله يُؤيِّده ويُمكِّنه لكان تمَكينُ الله له في غاية ما يَكون من السَّفَه، وهذا طَعْن في الله .
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ هذه أيضًا دَعوَى ثالِثةٌ كاذبِةٌ، لكنه أَتَى بالإظهار في مَوضِع الإضمار ﴿وَقَالَ﴾ ولم يَقُل: وقالوا، بل ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ ليَشمَل هؤلاءِ وغيرَهم، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢].
فقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَشمَل هؤلاءِ وغيرَهم، ويُفيد أنَّ هؤلاءِ الذين قالوا هذا القولَ كُفَّار؛ لأَنَّه وصَفَهم بالكُفْر مُسنِدًا إليهم هذا القولَ، فيَكون ذلك سبَبًا لكُفْرهم.
قال المُفَسِّر ﵀: ﴿إِنْ﴾ في تَفسيرها [مَا] أي: أنَّ (إِنْ) نافِية، وهل يُشتَرَط لكونها نافِيةً أن تَأتيَ بعدها (إلَّا)؟
الجوابُ: لا، ولكن إذا أَتَتْ بعدها (إلَّا) فهى نافِية، كُلَّما أَتَت (إلَّا) بعدَ (إِنْ) فإنَّ (إِنْ) نافِية، ولا نَقول: إنها لا تَكون نافِيةً إلَّا إذا وقَعَتْ بعدها (إلَّا)؛ لأنها قد تَأتي نافيةً، وليس بعدها (إلَّا)، كقوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨]، أي: ما عِندكم من سُلطانٍ بهذا، ومع ذلك فإن الجُملة هذه ليس فيها (إلا).
والخُلاصةُ: إذا أَتَت (إلَّا) بعد (إِنْ) كانت (إِنْ) نافِية، ولا يَلزَم أن تَأتيَ بعدها (إلَّا)، بل قد تَكون نافِية بدون (إلَّا).
стр. 259
ولنا أن نَستَطْرِد حتى نَذكُر مَعانيَ (إِنْ)، فتَأتي نافِيةً كما هنا، وتَأتي شَرْطيةً كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]، وتَأتي زائدة كقول الشاعِر (١):
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أنتُمُ ذَهَبٌ ... وَلاصَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الخَزَفُ
وتَأتي مُخفَّفة مِنَ الثَّقيلة، مثل:
..................... ... وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ المَعَادِنِ (٢)
هذه مُخفَّفة من الثَّقيلة؛ إِذًا فتُستَعمَل في اللُّغة العَربية على أربعة أَوْجُهٍ.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ السِّحْر هو في اللُّغة: كل شيء خَفِيٍّ، وسُمِّي سِحْرًا، لمُطابَقته السَّحَر وهو آخِر الليل، لأنَّ آخِر الليل تَقَع فيه الأشياء خَفيَّةً؛ لكون الناس مُستَتِرين في بُيوتهم، فالسِّحْر في اللغة الشيءُ الخَفيُّ الذي يَخفَى أَمْرُه وسبَبُه، ولهذا أوَّل ما ظَهَرت الساعاتُ هذه قيل: إنها سِحْر! . وإذا جاءت أشياءُ غَريبةٌ على الناس خارِقة للعادة قالوا: هذا سِحْر. فهم يَقولون: إنَّ الذي جاء به محُمَّد ﵊ هذا سِحْر، فعَصا مُوسَى ﵇ على رَأْيهم سِحْر، وإحياء عِيسى ﵇ الموتى بإِذْن الله سِحْر، وهذا الكلامُ الذي جاء به مُحمَّد ﵊ سِحْر، "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا" (٣)، فقالوا: هذا كَلامٌ فَصيحٌ سحَرَ عُقول الناس.
стр. 260
وقوله تعالى: ﴿مُبِينٌ﴾ هذا من باب التَّمويه، يَعنِي: أنه سِحْر بيِّن لا تَنبَغي المُجادَلة فيه؛ لبَيانه وظُهوره، وهذا كما تُؤكِّد الشيء فتَقول: هذا أَمْر بَيِّن واضِح. وإن كان ليس بَيِّنًا واضِحًا، فإن هذا الذي جاءَتْ به الرُّسُل من الآيات ليس بَيِّنًا أنه سِحْر، بلِ البَيِّن أنه حَقٌّ وآياتٌ حقيقية، لكن المُكذِّبين -والعِياذُ بالله تعالى- يُجادِلون في الحقِّ.
وقوله تعالى: ﴿مُبِينٌ﴾: قال المُفَسِّر ﵀: بمَعنَى [بَيِّنٌ]؛ لأنَّ (أَبانَ) يَأتِي لازِمًا ومُتعَدِّيًا، فتَقول: أَبانَ الفَجْرُ. بمَعنَى: ظهَر الفَجرُ، وتَقول: بانَ الفَجرُ، فهُنا كلِمة ﴿مُبِينٌ﴾ بمَعنَى: بيِّن، هذا هو الأقرَبُ، أمَّا ﴿مُبِينٌ﴾ بمَعنَى: أَبانَ، أي: أَوضَحَ وأَظهَرَ، ففي مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]؛ لأنَّ القُرآن مُبين للحَقِّ، فتكون ﴿مُبِينٌ﴾ هناك من (أَبانَ) المُتَعدِّي، و (مُبينٌ) هنا من (أَبانَ) اللَّازِم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن الوَحْيَ آية من آيات الله ، ووَجْهُ كونه آيةً من عِدَّة وُجوهٍ:
أوَّلًا: أنه أَعجَزَ البشَر وغير البَشَر، وهذا مَبنيٌّ على أنه من عند الله تعالى.
ثانيًا: أنَّ أَحكامَه عادِلة مُصلِحة للقُلوب، والأَبدان، والأَفراد، والجماعات، في كل زمانٍ وفي كلِّ مَكانٍ، وهذا لا يُمكِن أن يُوجَد في قَوانينِ البَشَر مَهْما عظُمَت، فإنما تَكون صالحِة في نِطاق محَدود، وتَجِدُها كذلك مع كونها صالحِة في نَطاق محَدود، تَجد فيها أُمورًا ضارَّة قد تُعادِل المَصالِح التي فيها، بخِلاف آيات الله تعالى.
стр. 261
ثالثًا: ما يَشتَمِل عليه الوحيُ، أو القُرآنُ بالذات، من الأَخْبار الصادِقة، التي ليس فيها ما يُخالِف الواقِع بوجهٍ من الوُجوه، سواءٌ كانت تِلك الأَخبارُ ماضِيةً أو حاضِرةً أو مُستَقبَلة، هذه وجوهُ كَونِه من آيات الله تعالى.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ آياتِ الله بيِّناتٌ، ليس فيها خَفاءٌ وعلى هذا فما يُشكِل على بعض أهل العِلْم من أحكام الله فليس مَصدَرُه أن الوحيَ خَفِيٌّ، ولكنَّ مَصدَرُه قُصور الناظِر في الوَحيِ، أو تَقصيره، قُصوره بحيث لا يَكون عنده عِلْم، أو لا يَكون عنده فَهْم، أو تَقصيره بحيث لا يَطلُب العِلْم، ولا يَطلُب الفَهْم، وإلَّا فإن آياتِ الله تعالى بيِّناتٌ، ولا يُمكِن أن تَحدُث حادِثة إلى يوم القِيامة إلَّا وفي كتاب الله تعالى بيانُها، ولكن ليس كل أحَدٍ يَستَطيع أن يَتبَيَّنها من القُرآن.
فتَجِد الآية الواحِدة يَتلوها جماعة، وَيتفَكَّرون فيها، يَستَنْبِط أحَدُهم منها مَسائِلَ عديدةً، والآخَرُ لا يَستَنبِطُ منها إلَّا مَسالةً أو مَسأَلتين، وهذا أمرٌ ظاهِر، وكثيرًا ما تُشكِل عليه المَسألةُ، ونُراجِع كتُب العُلَماء والفُقهاء ﵏ وغيرهم ثُم عند التَّأمُّل في الكِتاب والسُّنَّة نَجِد أنها قريبة مَوْجودة؛ إمَّا داخِلة في عُموم اللَّفْظ، أو إشارة، أو إِيماء، أو ما أَشبَهَ ذلك.
وبَيان الآيات إمَّا أن يَكون بذاتها هي بيِّنة واضِحة، وإمَّا أن يَكون عن طريق السُّنَّة، تُبيِّن المُجمَل، وتُفسِّر المُشكِل، وتُقيِّد المُطلَق، وتُخصِّص العامَّ، وتَنسَخ المُحكَم - وهذا مَحَلُّ خِلافٍ بين العُلَماء ﵏، والصحيحُ أنها تَنسَخ ذلك؛ لأنَّ الكلُّ من عند الله تعالى-.
إِذَنْ: عرَفْنا مَعنَى (بيِّنات)، سَواءٌ كان بذاتِه أو ببَيان السُّنَّة قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فالرسول ﷺ بيَّن
стр. 262
القُرآن بلَفْظه ومَعناه، سَواء بيَّنه بقوله أو بفِعْله.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بيان عُتوِّ المُكذِّبين للرسول ﵊، حيثُ كانوا مع هذه الآياتِ البيِّنات يَدَّعون هذه الدَّعوةَ الباطِلة، وهي أنَّ الرسول ﵊ لا يُريد إلَّا أن يَصُدَّهم عمَّا كان يَعبُد آباؤُهم.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه لا شُبهةَ لهؤلاءِ المُكذِّبين للرسول ﷺ ، وإنما هي اعتِداء بالدَّعاوَى الباطِلة؛ لأنَّ غاية ما عِندهم أن يَقولوا: هذا ما كان عليه آباؤُنا. وهذا ليس بحُجَّة، فإن الحقَّ ما وافَق الشَّرْع، سَواءٌ كان عليه الآباءُ أم لم يَكُن.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: غِلَظ هؤلاءِ المُكذِّبين بصَوْغ الأساليب أو العِبارات الدَّالَّة على الحَطِّ من قَدْر النبىِّ ﷺ ؛ لقولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ هؤلاءِ المُكذِّبين كانوا على ضَلالٍ هُمْ وآباؤُهم، حيث كانوا يَعبُدون ما لا يَنفَعُهم ولا يَضُرُّهم؛ لأنهم يَعبُدون الأَشْجار والأَحْجار، وَيدَّعون أنها تَنفَع أو تَضُرُّ إمَّا بذاتها وإمَّا بشَفاعَتها.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنهم ادَّعَوْا أن النبيَّ ﷺ كذَب على الله في قولهم: ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ وهذه الدَّعوَى هم بأَنْفُسهم يُكذِّبونها؛ لأنهم كانوا يُسمُّون الرسول ﷺ قبلَ أن يُوحَى إليه (الأَمينَ)، وَيرَوْن أنه أعظَمُ الناس أمانةً وصِدْقًا، فما الَّذي قلَبَه عن ذلك الوَصْفِ الذي أنتُمْ تُقِرُّون به، حتى قُلْتم: إنه مُفتَرٍ على الله ؟ ! .
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: ألَّا نَستَغْرِب مَن يُجادِل بالباطِل وَيدَّعي الأقاوِيلَ الكاذِبة، فهناك أُناسٌ الآنَ إذا رفَضوا شيئًا من الأشياء صاروا يَقولون وَيتَقوَّلون على هذا
стр. 263
الذي قاله ما لم يَقُلْه، فتقولون: إنه كاذِبٌ، إنه مُتَناقِض، إنه فعَلَ كذا، إنه فعَلَ كذا. وهو بَرِيء من ذلك، فلهؤلاء السلَفُ من أُولئِك الكُفَّارِ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنْ ما جاء به النبيُّ ﷺ من الآيات من أَفصَحُ الكلام وأَبلَغُه وأَبيَنُه؛ لقولهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فهُمْ لم يَصِفوه بالسِّحْر إلَّا لأَنَّه يَأخُذ بالقُلوب، ويَجُرُّ الناس إليه جَرًّا، كما قال النبيُّ ﵊: "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا" (١).
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ مَنْ نَسَب الكذِبَ إلى رسول الله ﷺ بما أَوْحى الله تعالى إليه فهو كافِر؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ هؤلاءِ ادَّعَوْا أنَّ الوحيَ سِحْرٌ بعد أن وصَل إليهم وعرَفوه؛ لقوله : ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ وعرَفوا أنه حَقٌّ، حتى إنَّ زُعماءَهم كانوا يَتَسلَّلون لِواذًا في الليل إلى رسول الله ﵊؛ ليَسمَعوا القُرآن؛ لأنَّه آخِذٌ بمَجامِع قُلوبهم، وصاروا يُحِبُّون أن يَستَمِعوا إليه، لكن الحَمِيَّة -والعِياذُ بالله تعالى- والعَصبية مَنَعَتْهم أن يَهتَدوا بهذا القُرآنِ.
* * *
стр. 264
الآية (٤٤)
* * *
قالَ الله : ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤].
* * *
قال ﵀: [فمِن أينَ كَذَّبوك؟ ! ] قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ اختَلَف المُفسِّرون ﵏ في مَعناها فقال بعضُهم: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يُناقِض ما قُلتَ، فإذا لم يَكُن عندهم عِلْم من كُتُب يَدرُسونها، ولا عِلْم من نُذُر أَتَتْهم يُخالِفُ ما أنت عليه، فكَيْف يُكذِّبونك؟ ! وعليه: فيَكون المُرادُ بهذه الآيةِ أنَّ تَكذيبهم إيَّاكَ صادِر عن جَهْل؛ لأَنَّه تعالى يَقول: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ﴾ ولم يَقُلْ: آتَيْناهُم.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ تَدُلُّ على أنَّ ما قالوه في وَصْفك حَقٌّ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يُناقِض ما جِئْت به، حتى يَقولوا: إنك كاذِب وساحِر. فيَكون المُرادَ بالآية أنَّ هؤلاء الذين كذَّبوك لم يَستَنِدوا في تَكذيبك على عِلْم، لا مِن كُتُب، ولا من وَحْي؛ لأن الكُتُب يَدرُسونها، وَيفهَمون ما فيها، وَيعلَمون أن ما جِئْت بها مُناقِض لها، ولا من نَذير أَنذَرَهم وحذَّرَهم ممَّا جِئْت به، وقال: إنه سيَأتي كاذِب مُفتَرٍ فلا تُطيعوه، ونحن لو جاءَنا نَبيٌّ وقال: إنه نَبيٌّ من عند الله تعالى. نُكذِّبه؟ نعم؛ لأننا قد أُنذِرْنا من هؤلاءِ كما أَخبَرَنا النبيُّ ﵊،
стр. 265
لكن لمَّا جاء النبيُّ ﵊ هل هؤلاءِ المُكذِّبون له عَلِموا به وحُذِّروا منه؟ الجوابُ: لا.
وهل هناك كُتُب دَرَسها هؤلاءِ تُبيِّن أنَّ الرسول ﵊ على باطِل؟ الجوابُ: لا.
هذا وَجهٌ، وهذا هو الذي مَشَى عليه المُفَسِّر ﵀؛ ولهذا قال: [فَمِنْ أَيْنَ كَذَّبُوكَ].
والقول الثاني: إنَّ الله بعَثَ محُمَّدًا ﵊ في قومٍ أُمِّيِّين، لا يَقرَؤُون، ولم يُبعَث إليهم نبيٌّ، كما قال الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: ٢]، وقال الله : ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣]، أي: أنَّ هؤلاءِ كان الأَليقُ بهم أن يَفرَحوا برِسالتك، وأن يَقبَلوا ما جِئْتَ به؛ لأَنَّه ليس عندهم كُتُبٍ يَدرُسونها كما عند اليَهود والنَّصارى، ولم يُبعَث إليهم نَبيٌّ قَبْلَك، فكانوا في أشَدِّ الحاجة إليك، ومَن كان محُتاجًا إلى الشيء كان به أَفرَحَ، ولِخَبَره أشَدَّ تَصديقًا.
فيكون المُرادُ بهذه الجُملةِ تَوبيخَ هؤلاءِ على تَكذيبهم النبيَّ ﷺ ، وأنه كان الأليقُ بهم أَنْ يَفرَحوا بذلك وأن يُصدِّقوا؛ لانه ليس عندهم كُتُب تُدْرَس، فليس له عندهم أَثارةٌ من عِلْمٍ، ولم يُبعَث إليهم نَذير من قَبْلكَ، فكانوا في أشدِّ الحاجة إلى تَصديقك، وقَبول ما جِئْت به، فتَتَضمَّن هذه الآيةُ تَوبيخَ هَؤلاءِ على تَكذيبهم النبيَّ ﷺ .
وأيُّهما أَوْلى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾، أو ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾؟ وهل يُمكِن أن تُحمَل على المَعنيَيْن؟
стр. 266
فالجوابُ: نَنظُر في حال هؤلاءِ، إذا كانت تَصدُق على حال هؤلاءِ على الوَجْهين حمَلْناها، وقُلْنا: هؤلاءِ ما درَسوا كُتُبًا تَدُلُّ على كذِب محُمَّد ﵊، ولا أَنذَرَهم أحَدٌ منه، وكذلك هم لم يَكونوا عالمِين بالكُتُب السابِقة، ولم يُرسَل إليهم رَسولٌ.
إِذَنْ: حالهم قابِلة لهذين الوَجْهَيْن، يَعنِي: أن تَنزيلَها على الوجهين لا يَتَنافَى مع حال هؤلاءِ المُكذِّبين للرسول ﷺ ، فالوَجْهان كِلاهُما يَصدُق عليهم، وإذا كان الوَجْهانِ كِلاهما يَصدُق عليهم، فلا مانِعَ من أن نَقول: إنَّ الآيةَ يُراد بها هذا وهذا؛ لأنَّ حال الذين كذَّبوا الرسول ﵊ قابِلةٌ للوَجْهين جميعًا.
من فوائد الآية الكريمة:
على أن المَعنَى أن الله لم يُعطِ قُرَيْشًا، بَلْ والعرَب جميعًا لم يُعطِهم كتُبًا، ولم يُرسِل إليهم رَسولًا:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيانُ مِنَّةِ الله العُظْمى على العرَب بما بعَث إليهم، وهو محُمَّدٌ ﵊، ووَجهُ ذلك: أنهم كانوا أُمَّةً جاهِلةً، ليس عندهم كُتُبٌ تُدرَس، ولم يَأتِهم نَذيرٌ يُخبِرهم ويُعلِّمهم، فهُمْ أَشَدُّ الناسِ حاجةً إلى الرسول، وإذا اشتَدَّتِ الحاجة ثُم جاء ما يُزيل لك هذه الحاجةَ كان هذا أَعظَمَ منه، ففي الآية إِذَنْ: بَيان عظيم مِنَّة الله على العرَب، حيث بعَث فيهم هذا الرسولَ ﷺ .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن العرَب كانوا جاهِلين من أَجهَل الناس قبلَ بَعْثة الرسول ﷺ ، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾؛ ولهذا قال الله : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ
стр. 267
أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه ليس في العرَب رَسولٌ إلَّا محُمَّد ﷺ ، وهو كذلك، وما ذُكِر بعض المُؤرِّخين من أنه وُجِد في الجاهِلية رُسُل، منهم خالِدُ بن سِنانٍ فهذا لا أصلَ ولا صِحَّةَ له، لأن الله يَقول: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩]، وأَخبَر النبيُّ ﵊ أنه ليس بينه وبين عِيسى ﵇ رَسولٌ، وعلى هذا فإنه لم يُبعَثْ فيهم -أَيْ: في العرب- رسولٌ إلَّا محُمَّدٌ ﷺ .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ حقيقة الرِّسالة هي الإنذارُ، وكذلك البِشارة للمُخالِفين بالعُقوبة، والبِشارة هي للمُوفَّقين بالثواب والجزاء.
وفيها أيضًا -على المَعنَى الثاني-: أن هَؤلاءِ الذين كذَّبوا الرسول ﷺ ليس لدَيْهِم مُستَنَد يَستَنِدون إليه في تَكذيبهم، لأنَّهم لم يَقرَؤُوا كُتُبًا تَدُلُّ على كذِبه، ولم يُبعَث إليهم رَسولٌ تَقتَضي رِسالته أنَّ محُمَّدًا ﷺ كاذِب.
* * *
стр. 268
الآية (٤٥)
* * *
* قالَ الله : ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ: ٤٥].
* * *
قوله : ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا﴾ أي: هَؤلاءِ ﴿مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي: عُشرَهُ من القُوَّة، وطول العُمر، وكَثْرة المال، وهذا فيه تَسلِيَة للرسول ﵊، وفيه تَهديد للمُكذِّبين، ففيه مَعنَيان: التسليةُ والتَّهديدُ.
وقوله : ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مثل عادٍ وثَمودَ وفِرعونَ وأَصحابِ الأَيْكةِ وكثير، وهَؤلاءِ المُكذِّبون السابِقون أشَدُّ قوَّةً من هؤلاء وأكثَرُ أموالًا وأولادًا، قال الله : ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ [التوبة: ٦٩]، فالآياتُ في هذا تَدُلُّ على أنَّ الذين كذَّبوا الرُّسُل السابِقين كانوا أَعظَمَ من الذين كذَّبوا الرسول ﷺ في قوَّة الأَجْسام، وكَثْرة الأموال، وكَثْرة البَنين.
وهل أَغنَى ذلك عنهم شيئًا؟ لا لم يُغنِ عنهم شيئًا؛ ولهذا قال الله : ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ [إِلَيْهِمْ ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ إِنْكَارِي عَلَيْهِمْ بِالْعُقُوبَةِ وَالْإِهْلَاكِ]، يَعنِي: أن هَؤلاءِ السَّابِقين كذَّبوا رُسُل الله تعالى فماذا حصَل؟
الجوابُ: حصَل عليهم إنكار الله بالتَّعذيب والإِهْلاك، لم يُقِرَّهم
стр. 269
الله على تَكذيبهم، بل أَنكَر عليهم إنكارًا بالفِعْل، أَهلَكهم وأَبادَهم، وعلى هذا فيَكون الاستِفْهام في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ للتَّعْظيم والتَّفْخيم، أي: فما أَعظَمَ إنْكارِي عليهم! لأنَّه إنكارٌ أدَّى بهم إلى الهلاكِ؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: أي: [أَنَّهُ وَاقِعٌ مَوْقِعَهُ].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: التَّحذيرُ لمُكذِّب الرسولِ ﷺ ؟ وجهُه: أنَّ الله تعالى أَخبَر أنه كذَّب السابِقون مع أنهم أَشَدُّ قوَّةً وأكثَرُ أموالًا وأولادًا من هؤلاء المُكذِّبين للرسول ﵊.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ مَن كذَّب الرُّسُل فقد حَقَّت عليه كلِمةُ العذاب؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: شرَفُ الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام؛ لأنَّ الله تعالى أَضاف رِسالَتَهم إليه، فقال : ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ ومن المعلوم أنَّ مَرتَبة الرِّسالة أَعلَى مَراتِب البَشَر، فإن مَراتِب البَشَر أَرْبَعة: النُّبوَّة المُتضَمِّنة للرِّسالة، والصِّدِّيقيَّة، والشُّهَداء، والصالحِين، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
فأَعلى المَراتِب النُّبوَّة، ثُم الصِّدِّيقيَّة، ثُم الشَّهادة، ثُم الصَّلاح.
خِلافًا للزَّنادِقة الذين يَقولون: إن الأَوْلياء أَفضَلُ من الأنبياءِ ﵈، والأنبياء ﵈ أَفضَلُ من الرُّسُل.
стр. 270
وَيقول قائِلُهم:
مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ ... فُويقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِي (١)
يَزعُمون -قَبَّحهُم الله أنَّ الأَوْلياء أفضَلُ من الرُّسُل -والعِياذُ بالله والأَنبِياءُ ﵈، وهو كذلك عِندهم، لأن أَوْلياءَهم الطاغوتُ، والطاغوتُ يُمِلي عليهم أنه أفضَلُ من الرُّسُل والأنبياء ﵈.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيان حِكْمة الله حيث جعَل العُقوبة من جِنْس العمَل، فلمَّا كان عمَلُ هَؤلاء عظيمًا وهو تَكذيب رُسُل الله كان جَزاؤُهم عَظيمًا، يُتعَجَّب مِنه: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: ما أَعظَمَه وما أَشَدَّهُ! .
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الإِنْكار يَكون بالفِعْل كما يَكون بالقَوْل، ووجهُ ذلك: أنَّ إنكار الله تعالى عليهم ليس بالقَوْل فقَطْ، بَلْ بالفِعْل والعُقوبة، فهذا إنكارٌ بالفِعْل، وهذا مَوْجود أيضًا في أعمالنا نحن، فعندما يُخالِفُك صَبِيُّك في أَمْر من الأمور أحيانًا تُوبِّخه، تَقول: لماذا تَفعَل هذا؟ ! أَلَمْ آمُرْك أن تَتْرُكه؟ ! وأَحيانًا إذا جِئْت ووَجَدْته قد فعَلها تَضرِبه، هذا الإِنكارُ يَكون بالفِعْل، فإنكارُ الله يَكون بالقَوْل، ويَكون بالفِعْل، فعُقوبة المُجرِمين هي إنكارٌ بالفِعْل، وفي هذه الآيةِ وغيرِها من الآيات التي تُضيف الفِعْل إلى الفاعِل رَدٌّ على مَن؟ مِثْل ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾، ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وما أَشبَهَ ذلك؟ رَدٌّ على الجبْريَّة الذين يَقولون: إنَّ فِعْل العَبْد مجُبَرٌ عليه، ليس له فيه اختِيار.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: استِعْمال قياس الأَوْلى، يُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ يَعنِي:
стр. 271
إذا أخَذَ الله تعالى هؤلاءِ الأَقوياءَ الأَشِدَّاءَ الأكثَرَ أموالًا وأَوْلادًا إذا أَخَذهم الله تعالى بجُرْمهم هؤلاء الذين دُونهم من بابِ أَوْلى.
ولا شَكَّ أنَّ القِياس دليلٌ صحيحٌ، ثبَتَ اعتِبارُه بالكِتاب والسُّنَّة والعَقْل، ولكن القِياس نوعان: صحيحٌ وفاسِدٌ، فالفاسِدُ دلَّ الكِتابُ والسُّنَّة والعَقْل على عدَم اعتِباره، والصحيحُ دلَّ الكِتاب والسُّنَّة والعَقْل على اعتِباره.
مثال الفاسِد: قولُ إِبليسَ مُستَعْمِلًا قياسَ الأَوْلى لمَّا أَمَرَه الله تعالى أن يَسجُد لآدَمَ قال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]، فكيف يَكون الأخيرُ عَبْدًا لمَن دُونَه؟ ! .
ومثال قِياس المِثْليَّة: قولهُم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، هذا قياس فاسِدٌ لأَنَّه قِياسُ ما حرَّم الله تعالى على ما أَحلَّه الله .
المُهِمُّ: أن القِياس قد ثبَتَ اعتِباره بالكِتاب والسُّنَّة والعَقْل، ومَن أَنكَرَه فقد أَنكَرَ ما يَدُلُّ عليه الكِتاب والسُّنَّة، والذي يُنكَر منه هو القِياس الفاسِدُ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ تَكذيب الرُّسُل هو تكذيبٌ لله تعالى، وهو الظاهِر؛ لأنَّه قال أوَّلًا: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ولم يَذكُر المُكذَّب، ثُم قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ فدَلَّ ذلك على أن تَكذيب الرُّسُل تَكذيبٌ لله ، وهو كذلك عند التَّأمُّل؛ لأنَّ الرسول إذا جاءَك وقال: إنه رسول الله تعالى. وأَيَّده الله تعالى بالآيات، ثُم كذَّبْتَه، فقد كذَّبْتَ الله ؛ لأنَّ الآياتِ التي يُعطيها الله تعالى الرسولَ ما هي إلَّا براهِينُ تَدُلُّ على صِدْقه، فكأنَّ المُكذِّب يَقول: إنَّ هذه الآياتِ كَذِبٌ؛ لأنه يُكذِّب الرسول الذي أَيَّدَتْه.
* * *
стр. 272
الآية (٤٦)
* * *
* قالَ الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبا: ٤٦].
* * *
انظُرْ إلى إنصاف الله في مخُاطَبةِ الخَلْق! .
قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محُمَّدُ مُوجِّهًا الخِطاب إلى هؤلاءِ المُكذِّبين: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ الجُملةُ هذه فيها حَصْر وتَقديرُها: ما أَعِظُكم إلَّا بواحِدة، يَعنِي: ما أَدعوكم دُعاءَ واعِظٍ ناصِحٍ لكم إلَّا إلى واحدة فقط، فـ (أَعِظُكم) هنا مُضمَّنة معنى (أَنصَحُكم)، يَعنِي: أنا أَدعُوكم ناصِحًا لكم وواعِظًا إلى هذه الخِصْلةِ.
وقوله تعالى: ﴿بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: هي [أَنْ تَقُومُوا لله] وعلى هذا فيَكون (أن تَقوموا) في مَوْضِع جَرٍّ عَطْفَ بيانٍ على قوله : ﴿بِوَاحِدَةٍ﴾ يَعنِي: أنه بيَّن هذه الواحِدةَ بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ إلى آخِره، و (أَن تَقوموا) هنا المُراد بها: أن تَثبُتوا على الشيء، وليس المُرادُ القِيامَ ضِدَّ القُعود، فهو كقوله : ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧]، ليس المُراد أن تَقوموا لليَتامى؛ يَعنِي: أن تَقِف له وُقوفًا، وهكذا ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ ليس المُرادُ أن تَقِفوا قِيامًا، بل أن تَثبتوا وتَنظُروا في الأَمْر.
стр. 273
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: أي: [لِأَجْلِهِ] فاللَّام هنا للإِخْلاص، أي: أن تَقوموا مُخلِصين لله ، لا مُقلِّدين لآبائِكم ولا مُتعَصِّبين لآرائِكم، جَرِّدوا نِيَّاتِكم من كل شيء، إلَّا لله تعالى أن تَقوموا لله وَحْده؛ لا مُراعاةً لي، ولا مُراعاةً لآبائِكم، ولا لِحَمِيَّتكم، ولكن ﴿لِلَّهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَثْنَى﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ]، وهل المُراد حَقيقةُ التَّثنِية؟ يَعنِي: أن يَقوموا على اثنَيْن اثنَيْن، أو المُرادُ مجُرَّد الزيادة على الواحِد؟ يَعنِي: أنه مَثنَى لا يُرادُ به حقيقة الاثنَيْن؟ بل المُرادُ أن تَقوموا لله تعالى مجُتَمِعين سَواءٌ كُنْتم اثنَيْن أم ثلاثةً أم أربعةً أم خمسةً أم عشَرةً، هذا هو الظاهِر.
وقال بعضُ المُفسِّرين ﵏: المُرادُ بالمَثنَى هنا حَقيقةُ الاثنَيْن. وعلَّلوا ذلك بأن الناس إذا كثُروا اضْطَرَبَت آراؤُهم، وكَثُر الشِّجار بينهم، وفات المَقصودُ؛ لأنك الآنَ لو وضَعْت رأيًا بين عشَرةٍ كم يَأتِيك من رَأْيٍ؟
الجوابُ: عشَرة آراءٍ، وبين اثنَيْن؟ يَأتيك رَأْيان، قالوا: فالاثنان أَقرَبُ إلى الحصْر وأَقرَب إلى تَصوُّر المسألة ممَّا إذا كانوا أكثَرَ من اثنَيْن، ولكن قد يُقال: إن هذا حَقيقة.
لكن أحيانًا يَكون الثلاثة والأربعة أسَدَّ رأيًا من الاثنَيْن فقَطْ، فتُحمَل الآية على أنَّ المُرادَ بالمَثنَى مُطلَق الجَمْع، سواءٌ كانوا اثنَيْن أو أكثَرَ، والمَثنَى قد يُراد به مُطلَق الجَمْع، كما في قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٣ - ٤]، أي: كرَّةً بعد كرَّة، وليس المُرادُ حقيقةَ الاثنَيْن، وكقول الإنسان وهو يُلبِّي بالحجِّ أو العُمرة يَقول: لبَّيْك. يَعني: إِجابةً لك بعد إجابةٍ.
وقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ المُرادُ بالقِيام: الثَّباتُ على هذا الأَمْرِ، تَقوموا ثابِتِين،
стр. 274
ثُم تَتَفَكَّروا في شأن هذا الرسولِ الذي جاءَكم من عند الله تعالى، وقال: إنه رَسولُ الله تعالى.
وقوله : ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ هذا القولُ هل هو مِنْ كلام الله ؛ ليُبطِل قولهم؟ أو أنه ما يَتَفَكَّرون فيه، يَعنِي -كما قال الشارِح-: [فتَعْلَموا ما بصاحِبِكم من جِنَّة] المُفَسِّر ﵀ مَشَى على أن: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ هو مَفعولٌ لما يَقتَضِيه التَّفكُّر، والقولُ الثاني: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ أي: في شَأْنكم، وفي حالِكم، ثم استَأْنَف فقال تعال: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾، وهذا من كلام الله تعالى، وليس مَفعولًا لما يَقتَضيه التَّفكُّر وهو العِلْم.
وقوله : ﴿بِصَاحِبِكُمْ﴾ المُرادُ به محُمَّدٌ رسول الله ﷺ ، لكنه عبَّر عنه بالصاحِب المُضاف إليهم زيادةً في التَّشنيع عليهم والتَّوبيخ، كأنَّه يَقول: هذا صاحِبكم الذي تَعرِفونه، ليس رجُلًا مُنكَرًا عليكم، بل هو صاحِبكم الذين تَعرِفون عَقْله وصِدْقه وأَمانَته، فكيف تَقولون: إنَّه ساحِر، وإنَّه مَجنون، وإنه شاعِر، وإنه كاهِن، وما أَشبَهَ ذلك؟ ! ففيه إضافةٌ إليهم زيادةَ التَّشنيع عليهم، هذه واحِدة.
فيه أيضًا الإشارة إلى أنه كان يَنبَغي أن يَكونوا أوَّلَ مَن يُصدِّق به، وأَوَّلَ مَن يُناصِره؛ لأنه صاحِبهم، وصاحِب الإنسانِ مُستَحِقٌّ للنَّصْر مِنه والمُساعَدة والمُعاوَنة، فكان في الإضافة هنا فائِدتانِ:
الفائِدةُ الأُولى: زيادةُ التَّشنيع عليهم في أنهم يَصِفون صاحِبهم الذي يَعرِفونه بهذا الوصفِ.
الفائدة الثانية: أنَّه كان أَوْلى بهم وهو صاحِبهم أن يَكونوا أوَّلَ الناس تَصديقًا به، وأشَدَّ الناس مَعونةً له.
стр. 275
وقوله تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ الجارُّ والمَجرور خبَرٌ مُقدَّم، و ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر قُرِنَت به (مِن) الزائِدةُ من حيث الإعراب المُفيدةُ لمَعنًى، فمِن حيثُ المعنى الفائِدةُ منها هي المُبالَغةُ، أو التَّأكيدُ في النَّفيِ؛ لأنَّ (مِنْ) إذا دخَلَت على المَنفِيِّ أَفادَت العُموم، وصارت نَصًّا فيه.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ جُنُونٍ] فالجِنَّة هنا بمَعنَى: الجُنون، ويُمكِن أن يَكون المُرادُ به الجِنَّ الذي إذا خالَط الإنسان جُنَّ.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾: ﴿إِنْ﴾ سبَقَ لنا أنها تَأتِي في اللُّغة على أَربَعة أَوْجُهٍ، وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿إِنْ﴾ بمَعنى [مَا] وهي نافِية، ﴿هُوَ﴾ محُمَّد ﵊، الذي هو صاحِبكم ﴿إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ﴾ أي: قَبْلَ عذابٍ شديدٍ في الآخِرة إن عَصَيْتموه، يَعنِي: ما محُمَّد ﵊ إلَّا رجُلٌ من أَعقَل الناس، ومن أحَنِّ الناس على قومه؛ لأنه نَذيرٌ لكم، يُنذِركم من العَذاب الشديد القَريب لهم، عندما قال تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾، وبين يَدَيْ الشيءِ هو أن يَكون قريبًا منه، فالنبيُّ ﵊ هذه حالُه رجُل عاقِل ناصِح لقَوْمه حانٍ عليهم؛ لأنَّ الذي يُنذِرُك من العذاب يُعتَبَر محُسِنًا إليك.
ولو أن رجُلًا جاء يَصيح: أيُّها الناسُ جاءَكمُ العَدوُّ، أيُّها الناس جاءَتْكم النارُ السعيرُ، أيُّها الناسُ جاءَكُمُ الماءُ الفَيَضانُ. نَصِفُ هذا الرجُلَ بأنه ناصِح وعاقِل، وحانٍ عليكم، يُحِبُّ لكمُ السلامة من الشُّرور.
فالنبيُّ ﵊ بالنِّسْبة لنا ما هو إلَّا نذيرٌ يُنذِرنا من العذاب الشديد القريب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ والشديد بمَعنى: القَويِّ.
стр. 276
وهل المراد عذابُ الآخِرة أو يَشمَل عذاب الآخِرة والدُّنيا؟
الصحيحُ: أنه يَشَمل عذاب الآخِرة والدُّنيا، ولذلك عُذِّبَ المُكذِّبُون للرسول ﵊ في الدُّنيا قبْلَ الآخِرة.
فزُعماءُ قُرَيْشٍ وصَناديدُهم قُتِلوا في بَدْرٍ، وأُلقُوا جِيَفًا مُنتِنة في قَليبٍ من قُرَى بَدْر، ومَن بَقِيَ منهم كان آخِرُ أَمْرهم أن دُخِلَت عليهم البَلَد من أَقطارها، وأُذِلُّوا حتى كان الواحِدُ لا يَأمَن إلَّا بتَأمين؛ "مَن دخَل دارَه وأَغلَق عَلَيْه بابَه فهُوَ آمِنٌ، ومَن دَخَل المَسجِد فهو آمنٌ، ومَن دخَل دارَ أَبي سُفْيانَ فهُوَ آمِنٌ" (١)، ومَنْ لم يَكُنْ في هذا فلَيْسَ بآمِنٍ، وهذا من أَكبَرِ الذُّلِّ، أن تُستَحَلَّ بلَدُك ولا تَأمَن فيها إلَّا بتَأمين، هذا لا شَكَّ أنه ذُلٌّ وعارٌ.
وآخِرُ الأمر أن النبيَّ ﵊ هو الذي مَنَّ عليهم وقال ﷺ : "اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقَاءُ" (٢)، وهذا بلا شَكٍّ أنه عَذاب في الدُّنيا، لكن إذا أَسلَموا كان مِثلُ هذا العَذابِ كافِيًا، ومَن أَبَى وكفَر كان له العَذابُ الشديد في الآخِرة.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: دَعوةُ الإنسان المُعانِد للتَّأمُّل في الأَمْر والنَّظَر فيه، حتى لا يَتعَجَّل بالرَّدِّ لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه يَنبَغي لمَن طلَب الحقَّ أن يَكون مخُلِصًا لله تعالى، بَعيدًا عن الهَوَى، لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾.
стр. 277
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جَوازُ التَّعاوُن في طلَب الوُصول إلى الحقِّ، مِن قوله : ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الإنسان قد لا يَصِل إلى الحقِّ إلَّا بمُساعَدة غيرِه؛ لقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ فإنه إذا أَمكَن أن يَصِل إلى الحقِّ بنَفْسه فذاك، وإلَّا فاستَعان بغَيْرِه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن التَّفكير كما يَكون في الآيات الكَوْنية يَكون كذلك في الآيات الشرعية، لأنَّه هنا طُلِب منهم التَّفكُّر فيما جاء به الرسول ﵊، وفي الرسول نَفْسه أيضًا.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: انتِفاء الجُنون عن رسول الله ﷺ ، لقوله : ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بَيانُ عُتُوِّ قريشٍ الذين كذَّبوا الرسول ﵊ مع أنه صاحِبُهم الذي يَعرِفونه، وكان الأَوْلى بهم أن يُصدِّقوه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أننا إذا أَرَدْنا استِكْشاف حال الشَّخْص فإننا نَسأَل مُصاحِبَه الذي يُصاحِبه ويُلازِمه، لأنَّه أَعلَم الناس به، وقد كان بعضُ السَّلَف ﵏ إذا أَراد أن يَسأَل عن حال شخص يَسأَل المَسؤُول وَيقولُ: هل سافَرْت معه؟ فإن قال: لا. ترَك تَعديله له، وإن قال: نعَمْ. قَبِلَ تَعديلُه إيَّاه، لأن السفَر يُظهِر حقيقة الرجال، حتى قِيل: إنَّه إنما كان سفَرًا لا لأن الإنسان يُسفِر وَيبتَعِد عن البلَد، ويَخرُج إلى الفَضاء، ولكن لأنَّه يُسفِرُ عن أخلاق الرِّجال، ولا شَكَّ أن السفَر من أكبَرِ ما يَدُلُّ على خِصال الرَّجُل؛ لأنه في البلَد الناسُ كلهم له شَأْن يُغنِيه عن الآخَر، لكن في السفَر مَحَكٌّ للأَخْلاق الفاضِلة ومن عدَمها.
стр. 278
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن النبيَّ ﵊ مُنذِرٌ للناس من عذابٍ قريبٍ إذا خالَفوه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: استِعْمال الأُسلوب المُناسِب للحال، وهذا مَعروف في عِلْم البلاغة: أن يَستَعمِل الإنسان ما يُوافِق مُقتَضَى الحال، فهُنا ذَكَر الإنذار دون البِشارة؛ لأن المَقام مَقام تَخويف وإنذار؛ لأنه يُخاطِب المُكذِّبين، لكن عند وَصْف الرسول ﵊ الوَصْف المُطلَق يَقول : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، فبَدَأ بالبِشارة قبل الإِنْذار، وهذا من حيث حال النبيِّ ﷺ المُطلَقة، أمَّا في المَقامات التي تَقتَضي ذِكْر الإنذار دون غيرِه فيَستَعمِل فيها الإنذارَ دون غيرِهِ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات الجزاء وعُقوبة المُخالِفين؛ لقوله : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: استِعْمال الأَوْصاف التي تَستَلزِم المُوافَقة والمُتابَعة، من قوله : ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ﴾ فأنت عندما تُخاطِب إنسانًا لا تَأتِي له بالأَلْفاظ التي تُبعِده، بل الذي يَنبَغي أن تَأتيَ له بالألفاظ التي تُدنِيه وتُقرِّبه؛ وتُؤَلِّف قلبه.
* * *
стр. 279
الآية (٤٧)
* * *
* قالَ الله : ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ: ٤٧].
* * *
قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ [لَهُمْ] ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾: ﴿قُلْ﴾ الخِطاب معلومٌ أنه للرسول ﵊؛ لأنه هو النَّذير لهؤلاءِ.
وقوله تعالى: ﴿مَا﴾ يُحتَمَل أن تَكون شَرْطية، يَعنِي: أيُّ أجْرٍ أَسأَله منكم فهو لكم، ويُحتَمَل أن تَكون اسمًا مَوْصولًا، كأنْ يَقول: الذي سأَلْتُكم من الأجر فهو لكم. وَيكون اقتِران الفاء بالخَبَر؛ لأنَّ اسمَ الموصول يُشبِه الشَّرْط في العموم، فأُعطِيَ حُكْمه ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ﴾ على الإنذار والتَّبليغ ﴿مِنْ﴾ بَيان لـ ﴿مَا﴾، وليسَتْ زائِدةً؛ لأن ﴿مَا﴾ غيرُ نافِية.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ الأَجْر، هو ما يُعطَى في مُقابَلة عمَل أو استِيفاء نَفْع، في مُقابَلة عمَل كما لو استَأْجَرْت رجُلًا ليَعمَل لي عمَلًا، واستِيفاء نَفْع كما لو استَأْجَرْت منك بيتًا، فالأَجْر هو ما يُعطَى على عمَل أو استِيفاء مَنفَعة؛ لأن هذا العمَلَ الذي قُمْت به إن كُنْت سأَلْت عليه أجرًا وقُلت: تُعطوني مالًا أو أَعطوني كذا فهو لكم.
وقوله تعالى: ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ هذا على فَرْض أن يَكون ذلك
стр. 280
مَوْجودًا، وإلَّا فإنه غير موجود، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، فالرسولُ ﵊ ما سأَلَ من أَجْر، بل قال لهم: إن كُنْتُ سأَلْتكم أَجْرًا فهو لكم، لا تُعطُوني إيَّاه، قال: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾: (إِنْ) بمَعنَى (مَا)، ومن علامة (إِن) النافية أن يَقَع بعدها (إِلَّا)، وذلك ليس بشَرْط.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ أي: ثَوابي على تَبليغي وعلى إِنْذاري، إلَّا على الله وحده، ونِعْمَ المُثيبُ ، فإن أَجْري على الله تعالى؛ فإنه سيَجلِب الثَّواب العظيم؛ لأن عَطاء أكرَم الأكرَمين سيَكون أعظَمَ العَطاء؛ ولهذا يَجزِي الله الحسَنَة بعَشْر أمثالها إلى سَبْعِ مِئة ضِعْف إلى أضعافٍ كثيرةٍ.
ثُم الداعِي إلى الله يُؤجَر على دَعْوته سواءٌ قُبِلَت أم رُفِضت، ويُؤجَر أيضًا على ما يَناله عليه من أذًى، سَواءٌ كان الأذَى قَوْليًّا أو فِعْليًّا، وسَواءٌ كان يَعود الأذى إلى رَدِّ ما جاء به، أو يَعود الأذى إلى اتِّهام هذا الإنسانِ بما يَشدَخ كرامَته.
وكلُّ هذا قد وقَعَ للرسول ﵊، أُوذِيَ على دَعْوته وأُوذِيَ في ما يَخدِش كرامته ونزاهته، فأصحابُ الإِفْك لمَّا رمَوْا عائِشةَ ﵂ ما رَمَوْا عائِشة لأنها عائِشةُ، رمَوْها لأنها زوجُ النبيِّ ﷺ ، فالرسول ﷺ أُوذِيَ في عِرْضه وأُوذِيَ في بدَنه، وأُوذِيَ في مَهمَّته التي جاء من أَجْلها، فأَجرُه على الله .
واعلَمْ أنك كلَّما أُوذِيتَ في الدعوة إلى الله تعالى فإن ذلك زيادة أَجْرٍ لك من جِهة، وزيادةُ قوَّةٍ لدَعْوتك من جِهة أُخرى؛ لأن الإنسان إذا أُوذِيَ على شيء لا بُدَّ أن يَجِد مَن يَتَعاطَف معه كما تَقتَضِيه سُنَّة الله ، حتى الذين يَتكلَّمون بالباطِل إذا أُوذوا على باطِلهم وجَدوا مَن يَتَعاطَف معهم، فكيف مَن يَتكلَّم بالحقِّ.
стр. 281
ولهذا أنا أَدعو نَفْسي وإيَّاكم أن يَكون عِلْمنا مُنْسابًا إلى غيرنا، بمعنى أن نَنشُر العِلْم وأن نَدعوَ الناس إليه، صحيح أن حُضورنا إلى مَجلِس العِلْم وتَعلُّمَنا لا شَكَّ أن فيه فائِدة عظيمةً، وأنه مجَلِس من مَجالِس الذِّكْر، لكن يَنبَغي أن نَنشُر هذا العِلْمَ، وأنَّ نَدعوَ الناس إليه بقَدْر المُستَطاع.
وأمَّا أن نَبقَى كنُسَخ من كُتُب، الفائِدة لا تَعدو صُدورَنا، فهذا لا شَكَّ أنه ضعيف، ولا يَليق بطالِب العِلْم، وعلينا أن نَعرِف ما جرَى لأئِمَّة المسلمين وعُلَماء المسلمين ﵏ من الدعوة إلى الله ، ولَسْت بذلك أُريد أن تُكرِّسوا جُهودكم كُلَّها للدعوة، لأن الدعوة بلا عِلْم ضررُها أكثر من نَفْعها، كما يُوجِد من بعض الإِخْوة الحَريصين على الخير تَجِدهم يُضيِّعون أوقاتَهم في الزيارات إلى فُلان وإلى فُلان، وفي الخُروج، حتى إن العِلْم عندهم ليس بشيء، بل تَجِدهم يَكرَهون العِلْم والتَّعمُّق فيه، ويُريدون أن تكون دَعوَتُهم دعوةً سَطْحيَّة مُهلهَلة، أيُّ إنسان يَأتيهم يَقِفون! .
وأنا أُريد منكم أن تَكونوا عُلماءَ ربَّانين، دُعاةً إلى الخير مهما استَطَعْتم، وَيكون أَجْركم على الله ؛ لأنَّ الإنسان مَسؤُول عن عِلْمه، فإن الله ما أَعطاك العِلْم إلَّا بميثاقٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
وقوله : ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، يَعنِي: مُطَّلِع عليه، ومنه حالي معَكم، فهو مُطَّلِع عليه، مُطَّلِع على أني بلَّغْتكم وأَنذَرْتُكم، ومُطَّلِعٌ على أنَّكم كذَّبْتُموني وخالَفْتُموني، فأَجْري على الله ، وعُقوبتكم على الله ، كما قال : ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)
стр. 282
إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٦].
وهل الله شهيد على ما في نَفْس الإنسان؟
الجوابُ: نعَمْ، شهيدٌ حتى على ما لا يَطَّلِع عليه أحَدٌ، فالله تعالى شهيد عليه.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن النبيَّ ﷺ لم يَطلُب من أحَد أَجْرًا على تَبليغ الرِّسالة وإنذار الناس، من قوله: ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّنزُّل مع الخَصْم، أي: على فَرْض أني سأَلْت فهو لكم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تحريم أَخْذ الأَجْر على إبلاغ العِلْم الشَّرْعيِّ؛ ووجهُه: أنه مخُالِف لهَدْيِ النَّبيِّ ﷺ من جِهة، ومن جِهة أُخرى: أن تَبليغ الشرع واجِبٌ على الإنسان، والواجِب لا يَجوز أن يَتَّخِذ الإنسان عليه أجْرًا.
فَإنْ قِيلَ: هل يَجوز أَخْذ الأُجْرة على تَعليم القُرآن؟
فالجوابُ: أن العُلماءَ ﵏ اختَلَفوا في ذلك على قولين لاختِلاف ظواهِر النُّصوص؛ فمِنهم مَن قال: إنه جائِز؛ لقول النبيِّ ﵊: "إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ الله" (١)؛ ولأنَّ هذا الرجُلَ لا يَأخُذ أَجْرًا على قِراءة القُرآن، ولو أخَذ أَجْرًا على قِراءة القُرآن قُلْنا: هذا حرام. لكنه أَخَذ أَجْرًا على التعليم
стр. 283
والتَّعَب وتَلقين هذا الرجُلِ؛ ولذلك لو كانت المسألة واجِبةً عليه؛ بمَعنَى: لو كان يَجِب عليه أن يُعلِّم هذا الرجُلَ لكان أَخْذُ الأَجْر عليه حرامًا.
الوجه الثالث: أن النبيَّ ﷺ جعَلَه عِوَضًا في النكّاح فقال: "زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" (١)، وعِوَض النكّاح أَجْر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، فلمَّا جعَله النبيُّ ﵊ عِوَضًا في النكّاح دلَّ ذلك على جواز أَخْذ العِوَض على تعليمه؛ ولأنَّ النبيَّ ﷺ أَجاز أَخْذ قَطيع الغنَم في قِصَّة الجماعة الذين قرَؤُوا على سيِّد القوم الذي لُدِغ، وأَخَذوا عليه قطيعًا من الغَنَم فأَجازَهم النبيُّ ﷺ بذلك، لا لأنهم قرَؤُوا القُرآن، ولكن لأنهم عالجَوا هذا اللَّديغَ.
وهذا هو الصحيح، أي: أنَّه يَجوز أَخْذ الأُجْرة على تعليم القرآن، لكن إن كان تعليمُ القُرآن واجِبًا، كما في صَدْر الإسلام فإن أَخْذ الأُجرة عليه حرام.
وهل يَجوز -على القول بأن أَخْذ الأُجْرة حرام- أخْذ رَزْق من بيت المال لمُعلِّم القُرآن؟
الجوابُ: نعَمْ؛ لأنَّ هذا ليس بأُجْرة؛ ولذلك جاز للمُؤذِّن والإمامِ أن يَأخُذ من بيت المال ما يَستَعين به على أَذانه وعلى إمامته.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إخلاصُ النبيِّ ﵊ في تَبليغه ودَعْوته؛ لقوله : ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ فإنه واضِحٌ أنه إنما يُريد الأَجْر من الله تعالى، وهذا هو الإخلاصُ.
стр. 284
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: طُموحُ الرسول ﷺ وعُلُوُّ هِمَّته، حيث اختار الأَجْر الأَوْفى على الأَجْر الأَدْنى؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تهديد الخَصْم بما تَقتَضيه أسماءُ الله تعالى وصفاتُه؛ لقوله : ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فإن. في ذلك تَهديدًا لهم، يَعنِي: فسيَشهَد على تكذيبكم وعلى تَبليغه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الاستِشْهاد بإقرار الله الإنسانَ على صِدْق ما قال، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
ويُؤيِّد ذلك قوله : ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]، قال العُلَماءُ ﵏: شهادة الله تعالى لرسوله بأن ما جاءَه حَقٌ تَشمَل الشهادة القَوْلية والشهادة الفِعْلية، وهي إقرارُه على ما دعا إليه الناسَ، وعلى استِباحة أموالهم ودِمائِهم وأهلِهم إذا لم يَستَجيبوا له.
* * *
стр. 285
الآية (٤٨)
* * *
* قالَ الله : ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ: ٤٨].
* * *
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يُلْقِيهِ إِلَى أَنْبِيَائِهِ ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ مَا غَابَ عَنْ خَلْقِهِ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ].
قوله : ﴿إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ﴾ هذه جُمْلة خبَرَّية مُؤكَّدة بـ (إِنَّ) واسمِ (إِنَّ) ﴿رَبِّي﴾ وخَبَرُها جُملةُ ﴿يَقْذِفُ﴾، و ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ خبَرٌ ثانٍ؛ يَعنِي: هو أيضًا علَّام الغُيوب.
وقوله تعالى: ﴿يَقْذِفُ﴾ القَذْف هو الرَّميُ بقُوَّة.
وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالقَوْل الحقِّ، وهو الوحيُ الذي أَنزَله الله تعالى على أنبيائِه، وظاهِرُ كلام المُفَسِّر ﵀: أنَّ القَذْف هنا لازِم لا يَتعَدَّى الأنبياءَ ﵈، وأنَ المُراد به الوحيُ المُنزَّل على الرُّسُل، ولكنَّ قولَ المُفَسِّر فيه نظَرٌ، والصوابُ: أنَّ هذه الآية تُفسِّرها الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]، وأنَّ مَعنَى الآية ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ على الباطِل، وهو إشارة إلى أن حَقَّه سوف يَمحو باطِلَه وُيزهِقه ويُهلِكه، بدليل قوله فيما بعدُ: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبا: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿عَلَّامُ﴾ بصيغة المُبالَغة؛ لأنَّ الغُيوب كثيرة، فناسَب أن يُضاف