← Тафсир

Тафсир · id 150304

تفسير العثيمين: سبأ

ابن عثيمين

Полный текст (315 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥]، يَعنِي: مُضطَرِبٍ مخُتَلِفٍ. فكلُّ مَن كذَّب بالحَقِّ فإنه لا يَزداد إلَاّ ضلالًا، حتى لو جاءَتْه الآياتُ البَيِّنات الظاهِرات فإنه لا يَنتَفِع بذلك، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥] مع أنها آياتٌ بيِّناتٌ واضِحاتٌ. * * *

стр. 72

الآية (٩) * قالَ الله : ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: ٩]. * * * وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَفَلَمْ يَرَوْا﴾ يَنْظُرُوا ﴿إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وَمَا فَوْقَهُمْ وَمَا تَحْتَهُمْ ﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾] إلخ؛ الاستِفْهام هنا للتهديد يَعنِي أنَّ الله تعالى هدَّد هؤلاء الذين كذَّبوا النبيَّ ﵊ في قوله: إنهم سيُعادُون. هدَّدهم بأَحَد أمرين: بالخَسْف أو إِسْقاط الكِسَف، أيِ: القِطَع من العَذاب من فوقهم، وإنما ذكَر الفَوْقَ والتَّحتَ؛ لأنه لا يُمكِن الفِرار منهما، أمَّا اليمين والشِّمال والخَلْف والأَمام فيُمكِن الفِرار؛ فلو جاءَك عَدُوٌّ من الخَلْف أَمكَنَك أن تَفِرَّ إلى الأَمام، ولو جاءَك من الأَمام أَمكَنَك أن تَفِرَّ إلى الخَلْف، لكن إذا جاء من أَسفَلَ إلى أين تَذهَب؟ ! تَقفِز ما تَستَطيع، وإذا جاءَك من فَوقُ أين تَذهَب؟ ! لا تَستَطيع؛ لهذا هدَّدَهم الله تعالى بأَمْرين لا يُمكِنُهم الفِرارُ منهما. وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿يَرَوْا﴾ فسَّرَها بمَعنَى: [يَنْظروا]، والأَوْلى أن تَكون شامِلةً للرُّؤْية البَصَريَّة التي بمَعنَى النَّظَرِ، والرُّؤية القَلْبية التي بمَعنى العِلْم والتَّفكُّر،

стр. 73

يَعنِي: أن الله يَحُثُّهم على أن يَتَفَكَّروا حَثًّا يُراد به التَّهديدُ، فالرُّؤيةُ هنا شامِلة لرُؤْية النَّظَر بالعَيْن ورُؤْية القَلْب بالتَّفكُّر. وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ مَا فَوْقَهُمْ وَمَا تَحْتَهُمْ]، أيُّهما الذي بين الأَيدي على كلام المُفَسِّر ﵀ بِناءً على أنه لَفٌّ ونَشْرٌ مُرتَّب؛ يَكون ما فَوقَهم هو الذي بين أَيْديهم وما خَلْفهم هو الذي تَحتَهم. وَلَكِنْ قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: إنَّ هذا صَرْفٌ للكلام عن ظاهِرِه بلا دَليلٍ، بل نَقول: ما بين أَيْديهم، أي: ما أَمامَهم وما خَلْفَهم ما وراء ظُهورِهم. فيَحتَمِل أنَّ المُراد بما بين أيديهم أمامَهم من الزَّمَن، ويَحتَمِل أن يَكون المُراد ما بين أَيْديهم أيِ: المَكان، وكذلك نَقول فيما خَلْفَهم. فقد يَكون ما بين اليَدِ هو ما أَمامَك من الزمان وما خَلْفك ما خَلَّفْتَه من الزمان، كما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: ما بين أيديهم ما يُستَقبَل، وما خَلْفَهم ما مَضَى، وقد يَكون المُراد به المَكانُ، كما تَقول: مرَرْتُ بين يَدَيِ المُصلِّي. أي: أَمامَه، وتَقول: المأمومُ يَقِف خَلْف الإِمام. أي: وراءَه في المَكان. وأمَّا في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ نَقول فيها: يَحتَمِل أن يَكون المُراد فيها المكان، ويَحتَمِل أن يَكون المُراد الزمان، والمُراد أن يَتَفَكَّروا في الأمر: هل نَجا أحدٌ من عذاب الله؟ انظُرْ ما بين يَدَيْك في المَكان، أو ما بين يَدَيْك في الزمان، وما خَلْفك من المكان أو الزمان: هل نَجا أَحَد من عذاب الله؟ والجوابُ: لا، لم يَنْجُ، إِذَنْ: هم أيضًا لا يَنْجُون من عذاب الله تعالى.

стр. 74

وإعراب قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: اختَلَف فيه عُلَماءُ النَّحْو ﵏ هو: أن النَّحْويِّين اختَلَفوا في إعراب الجُمْلة إذا كانت مُصدَّرةً بهَمزة الاستِفهام وبعدها حرفُ عَطْفٍ، فقيل: إنَّ الهَمْزة -يَعنِي: هَمزة الاستِفْهام- داخِلة على شيء مُقدَّر بحسب السِّياق، وقيل: إنَّ الهَمْزة داخِلةٌ على الجُمْلة المَوجودة بدون تَقدير، وأنَّ حَرْف العَطْف كان من حَقِّه أن يَتقَدَّم على الهَمزة؛ لكنها قُدِّمَتْ عليها لأنَّ لها الصَّدارةَ. فعلى الوجهِ الأَوَّل يَكون التَّقديرُ في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أَغَفَلوا أو أَأَعْرَضوا وما أَشبَهَ ذلك. وأمَّا على الثاني فلا حاجةَ إلى هذا التَّقديرِ، بل نَقول: إن (الهمزة) للاستِفْهام والفاء حَرْف عَطْف وتَأخَّرت عن الهَمْزة؛ لأنَّ لها الصَّدارة. والثاني أَحسَنُ؛ لأنَّ كوننا نَقول: إنَّ الهمزةَ داخِلة على هذه الجُملةِ نَفْسِها أَوْلى، وذلك لأنَّ القول الأوَّلَ قد يُعوِزك تَقديرَ المَحذوف -يَعنِي: بمَعنى أنه يَصعُب عليك أن تُقدّر المَحذوف-، أمَّا هذا فبِناءً على أن الجُملة هذه مَعطوفة على ما سبَق، لكن لا تَحتاج إلى تَقدير فلا تَتْعَب فيه. وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ الجُمْلة هنا شَرْطية، وفِعل الشَّرْط فيها وجوابُه مُضارع مجَزوم ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ﴾، وقوله: ﴿أَوْ نُسْقِطْ﴾ مَعطوفة على ﴿نَخْسِفْ﴾، أو إن نَشَأْ نُسقِطْ عليهم كِسَفًا، قال المُفَسِّر ﵀: [بِسُكُونِ السِّينِ وَفَتْحِهَا: قِطْعَةٌ] يَعنِي: أن فيها قِراءَتَيْن سَبْعيّتَيْن: بسُكون السِّين (كِسْفًا) أو (كِسَفًا) بفَتْح السِّين، ويَجوز القِراءة بهما جميعًا. وقد سبَقَ أن ذكَرْنا أن القِراءاتِ إذا تَعدَّدت فالأفضل أن يُقرَأ بهذا تارةً

стр. 75

وبهذا تارةً؛ لأنها كُلُّها حَقٌّ، وكونه يُلتَزَم قِراءة واحِدة فهذا فيه قُصور؛ إلَاّ أن القِراءاتِ التي لم تَتيقَّن أنها ثابِتة فلا يَجوز لك أن تَقرَأ بها؛ لأنه يَجِب أن تَقرَأ بما ثبَتَ عِنْدك. وقوله تعالى: ﴿نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [وفي قِراءة: في الأَفْعال الثلاثة بالياء] والأفعال الثلاثة (يَشَأْ)، (يَخْسِفْ)، و (يُسْقِطْ)، بالياء فيُقال: (إِنْ يَشَأْ يَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كسَفًا مِنَ السَّمَاءِ) والفاعِل في الضمائر هنا يَعود على الله، أمَّا على قراءة النُّون: (إِنْ نَشَأْ) فالأَمْر ظاهِرٌ؛ لأنَّ الضمير فيها ضمير المُتكلّم، لكن على قِراءة الياء الضميرُ فيها ضَميرُ الغائِب، وضميرُ الغائِب لا بُدَّ فيه من مَرجع يَرجِع إليه إمَّا سابِق وإمَّا لاحِق، فأَيْنَ مَرجِعُ الضمير ﴿إِنْ نَشَأْ﴾؟ الجوابُ: يُقال: إنه مَعلوم من السِّياق، كما في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، مَن الذي خَلَقه؟ الله تعالى، فهُنا يَعلَم كلُّ أَحَدٍ أنه لا يَستَطيع أحَدٌ من البَشَر -ولا من غير البَشَر- أن يَخسِف الأرض بالناس، أو يُسقِط عليهم قِطَعًا من العذاب، فيَكون مَرجِع الضمير مَعلومًا بالسّياق. قوله المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المَرْئِيِّ ﴿لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ رَاجع إِلَى رَبّهِ، تَدُلُّ عَلَى قُدْرَةِ الله عَلَى الْبَعْثِ وَمَا يَشَاءُ]، يَعنِي: إنَّ الآية تَدُلُّ على البَعْث، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما بين أيديهم من السماء والأَرْض، يَعنِي: يَشمَل كلَّ ما سبَقَ، وكلَّ ما مَضَى، وكلَّ ما أَمامَهم مِن مَكان، وكلَّ ما كان خَلْفَهم، ومن ذلك أننا نرَى الآيةَ في السَّماء يَنزِل المَطَر من السَّماء على الأَرْض الهامِدة اليابِسة فتَرجِع مخُضَرَّة حَيَّة؛ أَفَلا يَكون في ذلك دليلٌ على إمكان إعادة الخَلْق؟

стр. 76

الجوابُ: بلى؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أيِ: المَنظور من ما بين أيدينا وما خَلْفَنا من السَّماء والأَرْض ﴿لَآيَةً﴾ أي: علامة على قُدْرة الله وعلى عِلْمه وحِكْمته، لكنَّ هذه الآيةَ ليسَت آيةً عامَّة لأَحَدٍ، بل: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. وقوله : ﴿عَبْدٍ﴾ مَأخوذ من العُبودية وهي التَّذلُّل، وقد سبَق لنا أن التَّذلُّل نَوعانِ: تَذلُّل للأَمْر الشَّرْعيِّ، وتَذلُّل للأَمْر الكَوْنيِّ، وأَيُّهما المَحمودُ المُثابُ عليه؟ الجوابُ: التَّذلُّل للأَمْر الشَّرْعيِّ، أمَّا التَّذلُّل للأَمْر الكَوْنيِّ فإنَّ هذا لا طاقةَ للإنسان به، ولا يُحمَد عليه، فكَوْن الإنسان يَذِلُّ لأَمْر الله تعالى الكونيِّ من مرَض أو فَقْر أو موت أَهْل أو ما أَشبَهَ ذلك، هل يُحمَد عليه؟ الجوابُ: لا يُحمَد عليه؛ لأنه ليس من فِعْله، لكن كونه يَذِلُّ لأَمْر الله تعالى الشَّرعيِّ فيَقوم بشَرْع الله هذا هو الذي يُحمَد عليه، هنا المُراد بـ (العَبْد) المُتذَلِّل للأَمْر الشَّرْعيِّ، بدليل قوله تعالى: ﴿مُنِيبٍ﴾ أي: راجِع إلى الله من مَعصيته إلى طاعته، فيَشمَل القائِم بالعِبادة ولو بِدون أن يُذنِب، وَيشمَل التائِبَ من الذَّنْب. فإنَّ الرجُل إذا قام يُصلِّي يَتعَبَّد لله يُقال: إنه أَناب إلى الله تعالى. وإذا أَذنَبَ ثُم استَغْفَر وعاد يُقال: إنه أَناب إلى الله تعالى. أيضًا، فالإنابة هُنا تَشمَل الإنابة من ذَنْب فعَلَه فتكون بمَعنَى التوبة، وتَشمَل الإنابةُ إلى الله تعالى القِيامَ بطاعَته فتكون أَشمَلَ وأَعَمَّ.

стр. 77

من فوائد الآية الكريمة: الفائِدةُ الأُوْلَى: وجوبُ النَّظَر والاعتِبار في ما حصَل من الآيات في السَّماء والأرض؛ لقَوْله : ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأنَّ هذا الاستِفهامَ للتَّوْبيخ ولا يُوبَّخوا إلَاّ على تَرْك واجِب. الفائِدةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ في السَّمواتِ والأرض آياتٍ، لكنَّها للعَبْد المُنيب إلى الله تعالى، وأمَّا مَن لا يُريد الإنابة إلى ربِّه فإنه لا يَنتَفِع بهذه الآياتِ، حتى ولو رآها ونظَرَ فيها وفكَّر فإنه لا يَنتَفِع. الفائِدةُ الثَّالِثَةُ: إثبات المَشيئة لله؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾. الفائِدةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ ما يَحصُل من الخَسْف والزَّلازِل والنَّوازِل فإنه بإِذْن الله، عُقوبةً للعِباد واعتِبارًا، خِلافًا لمَن قال: إن هذه أُمورٌ طَبيعيَّة لا تَدُلُّ على غضَب الله ولا على إِنْذاره، كما هو رأيُ مَن لا يُؤمِن بالله تعالى، فالخَسْف في الأرض عُقوبةٌ، وما يَأتي من الصواعِقِ والكوارِث الأُفْقيَّة؛ فهي أيضًا عُقوبة؛ ولهذا قال : ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. الفائِدةُ الخَامِسَةُ: أن الله محُيطٌ بالعِباد، لا يُمكِنهم الفِرار من قَضائه وقَدَره، وأنَّه تعالى محُيطٌ بكُلِّ شيءٍ، لا مَفَرَّ للعِباد منه؛ لقوله تعالى: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. الفائِدةُ السَّادِسةُ: أنَّ الله يَمُنُّ على العَبْد بظُهور الآيات له؛ حتى يَتبيَّن له الحَقُّ؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾، وإذا مَنَّ الله على العَبْد بالنَّظَر في آياته والتَّدبُّر ازداد بذلك إيمانًا بالله، وإيمانًا بما تَقتَضيه هذه الآياتُ من صِفاته؛

стр. 78

فإنَّ كلَّ آيَة تَدُلُّ على صِفة مُعيَّنة من صِفات الله تعالى. فإنْزال المَطَر مَثَلًا يَدُلُّ على القُدْرة والعِلْم والرَّحْمة، وكونه في وَقْت مُناسِب يَدُلُّ على الحِكْمة، وكل شيء مِمَّا يَقَع في السماء والأَرْض فإنه يَدُلُّ على صِفة من صِفات الله تعالى تُناسِبه. الفائِدةُ السَّابِعَةُ: أن في السَّماء والأرض آياتٍ عَظيمةً لمَن نَظَرَ وتَدَبَّر، وهذا أَثبَتَهُ الله تعالى في القُرآن في مَواضِعَ كَثيرةٍ، كما في قوله : ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]. والآياتُ في هذا المَعنَى كثيرةٌ، فكُلُّ مَن تَدبَّر ما في السماء وما في الأرض وما بينهما؛ تَبيَّن له من آيات الله ما يُقوِّي إيمانه وَيزيدُه طَمَعًا في فَضْل الله تعالى وخَوْفًا من عِقابه. * * *

стр. 79

الآية (١٠، ١١) * * * * قالَ الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]. * * * الواو حَرْف عَطْف، ويَجوز أن تَكون للاستِئْناف واللَّام مُوطِئة للقَسَم، و (قد) للتَّحقيق، ومثْلُ هذا التَّركيبِ يَأتي في القُرآن كثيرًا، ويُقال فيه: إنَّ الجُمْلة مُؤكَّدةٌ بثلاثة مُؤكِّدات: القَسَم المُقدَّر، واللَّام، و (قَدْ)، فتَقدير هذه الجُملةِ: "والله لَقَدْ آتَيْنا داود مِنَّا فَضْلًا". وهل يَجوز أن تُحذَف اللَّام؟ الجوابُ: نَعَمْ يَجوز، قال الله : ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ١ - ٥]، إلى أن قال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]، هذا جوابُ القَسَم، ويَجوز في (قد أفلَحَ مَن زكَّاها) في غير القُرآن أن نَقول: لقَدْ أَفلَحَ. وهل يَجوز أن تُحذَف اللَّام و (قَدْ)؟ الجوابُ: نعَمْ يَجوز، كقَوْله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ١ - ٤]، فـ (قُتِلَ) هذا جوابُ القَسَم

стр. 80

ليس فيه (قَدْ) ولا اللَّام. فصار جوابُ القَسَم إذا كان فِعْلًا ماضِيًا جاز فيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ: أن يَقتَرِن باللَّام و (قَدْ)، أن يَقتَرِن بـ (قد)، أن تُحذَف منه اللَّام و (قَدْ)، لكن لا تُحذَف اللَّام ولا تُحذَف (قد) في الغالِب إلَاّ إذا طال القَسَم، أمَّا إذا لم يَطُلْ فإنها لا تُحذَف، فإن قُلْتَ: (والله لَقَدْ قام زيدٌ)، فهذا صحيح، وهذا هو الأصل، (والله قَدْ قام زيدٌ)، هذا أيضًا صحيح حَذَفْنا اللَّامَ، و (الله قامَ زيدٌ) هذا أيضًا صحيح حذَفْنا منه اللَّامَ و (قَدْ). وقوله تعالى: ﴿آتَيْنَا﴾ بمَعنَى: أَعطَيْنا، وهي تَنصِب مَفعولين ليس أَصلُهما المُبتَدَأ والخَبر، وكُلُّ فِعْل يَنصِب مَفعولين ليس أَصلُهما المُبتَدَأَ والخَبرَ يُسمَّى مِن (بابِ أَعطَى وكَسَا)، فهُنا: ﴿آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾، ﴿دَاوُودَ﴾ المَفعول الأَوَّل، و ﴿فَضْلًا﴾ المَفعولُ الثاني، ولا يُمكِن أن يَكون هذا مُبتَدَأً وخَبَرًا؛ فلو قُلْتَ: (داودُ فَضْلٌ) فإنه لا يَصلُح، ويُقال: (أتَيْنا) ولكنها يَختَلِف مَعناها عن مَعنَى ﴿آتَيْنَا﴾، بل مَعنَى ﴿آتَيْنَا﴾: جِئْنا، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] أي: جاء أَمْر الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿دَاوُودَ﴾ هو أَحَدُ أَنبياءِ بَني إِسرائيلَ ﵈، وهو بعدَ مُوسى قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، وفي القِصَّة أن دَاودَ كان مِنهم، إِذَنْ فهو بعد مُوسى، وهو نَبيٌّ من الأَنْبياء، وقد أَنكَرَتِ اليَهود -لَعْنةُ الله عليهم- كَوْنَه نَبِيًّا، ووَصَفوه بأنه مَلِك، وقد كذَبوا في ذلك، فإنه كان نَبِيًّا من أنبياء الله تعالى الذين يَجِب علينا أن نُؤمِن بهم، ولا يَتِمُّ إيمانُنا إلَاّ بالإيمان بهم؛ لأنَّ أَرْكان الإيمان كما نَعلَم:

стр. 81

الإيمانُ بالله تعالى، ومَلائِكَته، وكُتُبه، ورُسُله، وهو أيضًا رسولٌ؛ لأن كلَّ نَبيٍّ ذُكِر في القُرآن فهو رَسولٌ. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾: ﴿مِنَّا﴾ بدَأَ بالجِهة قبلَ الفَضْل؛ ليَتبَيَّن عِظَم ذلك الفَضلِ؛ لأن الشيءَ إذا نُسِب إلى جِهة عظيمة كان عَظيمًا كما في قوله في الحديث الصحيح: "وَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْني" (١) قال: "مِنْ عِنْدِكَ" فأَضافَها إلى الله تعالى؛ حتى يَتبيَّن في ذلك عِظمُها. قوله : ﴿آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [نبوَّةً وَكِتَابًا]، وهذا الذي فَسَّر المُفَسِّر ﵀ به مِن باب التَّمثيل، فإن الله أَعطاه النُّبوَّة والرِّسالة أيضًا، وأَعْطاه الكِتاب قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]، وهل أَعطاه شيئًا آخَرَ غيرَ هذا؟ نَعَمْ؛ ولهذا نكَّر كلِمة (فَضْل)، جاءَت مُنكَّرة؛ لتَشمَل كُلَّ ما أُعطِيَه من فَضْلٍ؛ سواءٌ كان ذلك دِينِيًّا أو دُنيوِيًّا. وكان داودُ ﵊ من أَحسَن الناس صوتًا وتَرنُّمًا بالذِّكْر، حتى إن الله أمَرَ الجِبال أَمْرًا إمَّا كَوْنيًّا وإمَّا شَرْعيّا؛ فقال تعالى لها: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (أوَّبَ) بمَعنَى: (رجَّع)، ومنها (الأوَّاب) أيِ: (الرجَّاع) إلى الله تعالى، ومنْه (آبَ، يَؤُوبُ، أَوْبًا) بمَعنَى: (رَجَع)، فـ (أَوِّبِي مَعَهُ) أي: رَجِّعي معه، والتَّرجيع مَعناه: أنَّ تُردِّد الصوت الذي يَقوله، فمَثَلًا: إذا قَرَأ سمِعْتَ كأنَّ الجِبال التي حولَه كلها تَقرَأ بقِراءته. وهذا غَيرُ ما نَسمَعه نحن من الصَّدَى الذي يَحصُل لكل إنسان؛ لأنَّ هذا الصَّدَى الذي يَحصُل لكل إنسان إذا كانت قد أَحاطَتْ به الجِبال هذا أَمْر طَبيعيٌّ،

стр. 82

لكن هذا الذي أُوتيَه داودُ ﵇ فوقَ ذلك، فكانت الجِبال تُرجِّعُ معه؛ وذلك لحُسْن صَوْتِه، ونَغَماته؛ حتى إنَّ الجبال تُرجِّع معه بأَمْر الله . ﴿وَالطَّيْرَ﴾ الطَّير يَقول: [بِالنَّصْبِ؛ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ الجبَالِ]، لأنَّ (يَا جِبَالُ) هذه مُنادَى مَبنِيٌّ على الضَّمِّ في مَحَلِّ نَصب، وإنما بُنِيَ على الضَّمِّ وهو نَكِرة؛ لأنه مَقصود، والنَّكرة المَقصودة بمَعنَى العَلَم، فلهذا بُنِيَت على الضَّمِّ. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ لو عُطِفَت على اللَّفْظ ﴿يَاجِبَالُ﴾ لكانت مَرفوعةَ مَبنِيَّةَ على الضَّمِّ؛ لكنها عُطِفت على مَحَلِّ الجِبال وهو النَّصْب، يَعنِي: وكذلك أَمَرَ الله تعالى الطَّيْر بأن تُرجِّع معه، فكانت الطيور في جَوِّ السماء تَقِف عند سَماع قِراءة داودَ ﵊ فتُرجِّع معه. وأنت إذا تَصوَّرْتَ هذا الأمرَ وأنَّ رجُلًا يَقرَأ الزبورَ بتِلْك القِراءةِ والنَّغَماتِ الجميلةِ ثُم الطُّيورُ من فوقُ تُسبِّح والجِبال؛ لا شكَّ أنه مَشهَد عَظيم ورَهيب، فكل شيء يَقرَأ بقِراءة هذا الرجُلِ بأَمْر الله! . وقوله ﵀: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [فَكَانَ في يَدِهِ كَالْعَجِينِ] أي: جَعَلْناه لَيِّنًا بيَدِه حتى إنه كالعَجين في يَدِ أَحَدِنا، وهل المُرادُ أن الله تعالى أَلانَه له بالوسائِل التي تُلَيِّنُ الحديدَ سُخِّرت له وهُيِّئَت له، أو أن الله تعالى أَلانَ له الحديد بغَيْر السبب المَعلوم؟ الجوابُ: يَرَى بعض الناس أنه الأَوَّل؛ وأنَّ المُراد بقَوْله : ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أي: يَسَّرْنا له الأسباب التي تُلين ذلك الحديدَ؛ لأنَّ تَيسير الأسباب لا شَكَّ أنَّه من نِعْمة الله ، أرَأَيْتَ لو أنَّك تُريد أن تُعكِف سِيخًا من الحديد وعندك نارٌ ضَعيفة فإنك تَتعَبُ في ذلك، لكن لو كان عِندك نارٌ قوِيَّة جِدًّا

стр. 83

كان في خِلال دقائِقَ قليلةٍ يَلين هذا الحديدُ كما تَشاءُ. فيَرَى بعضُ العُلَماءِ ﵏ أنَّ المُراد من تَلْيِين الحديد لداوُدَ ﵇ تَيسير الأسباب التي يُسرِع بها لِينه. ولكن بعض أهل العِلْم ﵏ يَقول: إن الله تعالى أَلانَ له الحديدَ بغير سبَبٍ، بل بقُدْرة الله، وجعَلَ الله تعالى ذلك آيةً له؛ كما جعَلَ الله عصا مُوسى إذا نزَلَتْ في الأرض كانت حيَّةً، وإذا رَفَعها صارت عَصًا في آنٍ واحِدٍ وفي لحظة واحِدة، فالله تعالى على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، والذي جعَل الحديد صُلْبًا قادِرٌ على أن يَجعَله لَيِّنًا. وعندي أن هذا أقربُ إلى المعنى، أوَّلاً: لأنَّ الله قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ﴾ فجَعَل التَّليين مُضافًا إليه؛ إشارةً إلى أن لينَ هذا الحديدِ بمُجرَّد القُدْرة، وكونُنا نَقولُ: إن هذا بأسبابٍ عادِية لكنها يُسِّرَت له. هذا خِلاف ظاهِر الآية، ثُم لو قُلْنا بهذا القولِ هل تَكون هذه آيةً له؟ الجوابُ: لا؛ لأن كل مَن تَيسَّر له أسبابُ إِلانةِ الحديد أَلانَ الله له الحديدَ. فأَلانَ الله تعالى له الحديدَ حتى صار بيَدِه مِثْلَ العَجين يَقدِر على أن يُدوِّره، على أن يَجعَله دقيقًا، على أن يَجعَله غَليظًا حَسْبما يُريد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾، هذه هي الحِكْمة من كون الله تعالى أَلانَ له الحديدَ أن يَعمَل منه الدُّروع للمُجاهِدين في سبيل الله تعالى. وقول المُفَسِّر ﵀: [وَقُلْنَا ﴿أَنِ اعْمَلْ﴾] أمَّا ﴿أَنِ﴾ مَصدرية عُرِف عامِلُها، والتَّقديرُ: [وَقُلْنَا] ﴿أَنِ اعْمَلْ﴾] أي: بـ (أَنِ اعْمَلْ) أَيْ: بالعمَل، ويُحتَمَل أن تَكون (أَنْ) تَفسيريةً؛ وأن نُقدِّر المحذوف بـ (أَوْحَيْنا) و (أَوْحَيْنا إليه أنِ اعْمَلْ)؛ لأنَّ (أَن)

стр. 84

التَّفسيرية هي التي سبَقَها مَعنَى القَوْل دون حُروفه. وهذا أقرَبُ من تَقدير المُفَسِّر ﵀، (وأَنِ اعْمَلْ) أي: وأَوْحَيْنا إليه أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ. واعْمَلْ بمَعنَى: اصْنَعْ، قال ﵀: [مِنْهُ] أيْ: مِنَ الحَديد ﴿سَابِغَاتٍ﴾ فسرَها المُفَسِّر ﵀: [دُرُوعًا كَوَامِلَ يجرُّهَا لَابِسُهَا عَلَى الْأَرْضِ]، وأَفادَنا بقَولِه: دُروعًا. أَفادَنا بأنَّ ﴿سَابِغَاتٍ﴾ صِفة لمَوصوفٍ مَحذوفٍ، وهذا المَحذوفُ تَقديرُه: دُروعًا، وحَذْفُ المَوْصوفِ جائزٌ، قال ابنُ مالِك ﵀ (١): وَمَا مِنَ المَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ... يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفي النَّعْتِ يَقِلّ والسابغُ من كُل شَيْء هو الكامِل الضافي التَّامُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]، أَيْ: أَتمَها وأَكمَلها، ومنه: إِسْباغُ الوضوء أي: إِتمْامه وإِكْماله. فهذه الدُّروعُ السابِغاتُ؛ يَعنِي: الوافِيات الكوامِل التي تمَنَع لابِسَها مِن أن يَنالَه أَذًى، وأمَّا قول المُفَسِّر ﵀: [يجرُّها لابِسُها على الأَرْض] ففي هذا نظَرٌ؛ لأنه ليس هناك حاجة إلى أن يجرَّها على الأرض؛ ولأَنَّها إذا بلَغَتْ إلى هذا المُستَوى فرُبَّما تُعيق من الكَرِّ والفَرِّ، والمَعروف أن الدُّروع تَصِل إلى الرُّكْبة فقَطْ، هذا غايَتُها؛ لأنها حَديد، وإذا لبِسَ الإِنْسان حَديدًا يَصِل إلى الأرض فإنه سيَكون مُكبَّلًا بالأَغْلال، فالواجِب أن نَقول: "سابِغاتٍ أَيْ: كامِلات، ليس فيها نَقْص". وكَمال كل شَيْءٍ بحَسَبه.

стр. 85

وقوله ﵀: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: [نَسْجُ الدُّرُوعِ قِيلَ لِصَانِعِهَا: (سَرَّادٌ) أَيِ: اجْعَلْهُ بِحَيْثُ تَتَنَاسَبُ حِلَقُهُ]، ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ السَّرْد مَعناه: نَسْج الدُّروع، كما يُنسَج الثَّوْب من القُطْن ومن الصُّوف: يُنسَج الدِّرع من الحَديد. ومَعنى (تَقدير السَّرْد) أَيِ: اجْعَلْ هذا السَّرْدَ أيِ: النَّسْج مُقدَّرًا مُتَناسِبًا، من التَّقدير وهو: أن تَجعَل الحلقاتِ مُتَناسِبةً ما تَأتي بحَلقة كبيرة وحَلقة صغيرة، ومنها ألَّا تَجعَل الحلقاتِ ضيِّقةً؛ لأنه إذا كانت ضَيِّقةً وقَفَ الدِّرْع ولم يَكُن سَهْلَ الحرَكة، ولا تَجعَلْها واسِعة جِدًّا؛ لأنك إذا جعَلْتَها واسِعةً جِدًّا لا تَقِي، ثُم هي تَكبَر إذا جعَلْتها واسِعة جِدًّا كَبُرت وآذَتِ اللَّابِس، ولكِنِ اجْعَلْها مُقدَّرة مُتَناسِبة. والدُّروع عِبارةٌ عن قُمُصٍ من حديد، قميصٌ تَلبَسه كما تَلبَس الثَّوْب، إلَاّ أنَّه لا يَصِلُ كُمُّه إلى الكَفِّ، كُمُّه إلى العَضُد فقَطْ، وهذه الدِّرْعُ مَنسوجة مِنْ حِلَق حَديدٍ صغيرةٍ مَشبوكة بعضُها ببعض، مُداخَلة بَعضُها في بعض حتى يَتِمَّ النَّسْج، وهي مَوْجودة وتُوجَد عند مُتحَف أهل البَلَد، وأمَّا ما يُمسَك باليد حتى يُتَّقى به الرُّمْحُ فهذا يُسمَّى تُرسًا. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ مَعنَى التَّقدير في السَّرْد: أن تَكون الحَلقات مُتَناسِبة، وألَّا تَكون ضَيِّقة ولا واسِعة؛ لأنها إذا لم تَتَناسَب فإنها تُؤذِي، تَكون واحِدةٌ صغيرةً وواحِدة كبيرةً، وإذا كانت واسِعة فإنها تُؤذِي وقد لا تَقِي السِّهام، وإذا كانت ضيِّقة فإنها لا تَتَحرَّك كما يَنبَغي وَيثقل على اللَّابِس. وقوله المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاعْمَلُوا﴾ أَيْ: آلَ دَاوُدَ مَعَهُ ﴿صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَأُجَازَيكُمْ بِهِ] لمَّا بيَّن الله بما منَّ به على داودَ ﵇ مِن تعليم صَنْعة الدُّروع

стр. 86

وتَلْيِين الحديد له، وتَوْجيهه كيف يَصنَع هذه الدُّروعَ قال تعالى: ﴿وَاعْمَلُوا﴾ [أيْ: آلَ دَاوُدَ مَعَهُ]. وقوله تعالى: ﴿وَاعْمَلُوا﴾ كيف عَدَل عن ضَمير المُفرَد: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ إلى ضَمير الجمْع ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾؛ لأنَّ تَقدير السَّرْدِ خاصٌّ بداوُدَ ﵇، والعمَلُ الصالِحُ عامٌّ له ولغيره، فوجَّهَ الخِطاب إلى جميع آل داوُدَ ﵇ قال : ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. وقوله تعالى: ﴿صَالِحًا﴾ هو صِفة لمَوْصوف مَحذوف، والتَّقديرُ: عمَلًا صالِحًا، والعمَلُ الصالِح ما جمَع وَصْفين: الإخلاص لله تعالى، المُوافَقة لشَريعته، فلا بُدَّ فيه من هَذَيْن الشَّرْطين، فإن فُقِد الإخلاصُ فليس بصالِحٍ لوُجود الشِّرْك؛ وقد قال الله في الحديث القُدسيِّ: "أنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي ترَكته وَشِرْكَهُ" (١). والشَّرْطُ الثاني: المُوافَقة لشريعة الله تعالى، فإن لم يُوافِقْ شَريعة الله تعالى فإنه ليس بصالِح ولا يُقبَل؛ والدليل قوله ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (٢)، وقوله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فلا بُدَّ لقَبول العمَل الصالِح من هَذين الشَّرْطين. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هذه الآيةُ فيها تَقديمٌ وتَأخيرٌ، فقوله تعالى: ﴿بَصِيرٌ﴾ هو المُؤخَّر، والمُقدَّم المَعمول، فإن قُلْتَ: من القَواعِد المُقرَّرة أنَّ

стр. 87

تَقديم المَعمول يَدُلُّ على الحَصْر، فصار الله تعالى بَصيرًا بما يَعمَلون من دون غيرهِ، مع أنه بَصير بكُلِّ شيءٍ، فما هو السبَبُ؟ الجوابُ: السبَب في ذلك: التقديمُ، حيث جاء بصيغة الحَصْر للرَّدْع عن المُخالَفة، كأنَّه لو لم يَكُن الله تعالى بَصيرًا بالشيء لكان بَصيرًا بأعمالكم، فلمَّا كان الإنسان قد يَقول: إن الله تعالى لا يُبصِر عمَلي، جعَل الله تعالى الصِّيغة دالَّةً بظاهِرها على الحصْر؛ حتى لا يَدَّعيَ مُدَّعٍ أنَّ الله تعالى ليس عالمًا بعمَله، هذا من وَجهٍ، ومن جِهة أُخرى لمُناسبة فواصِل الآيات. من فوائد الآيتين الكريمتين: الفائِدةُ الأُوْلَى: بيان مِنَّة الله على داوُدَ ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾. الفائِدةُ الثَّانِيَةُ: عِناية الله تعالى ببَيان هذا الفَضْلِ، حيث أكَّده بالقَسَم واللَّام و (قَدْ). الفائِدةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ هذا الفَضْلَ فَضْلٌ عظيمٌ؛ لأنَّ الله تعالى أَضافَه إليه بقوله: ﴿مِنَّا فَضْلًا﴾، والمُضاف إلى العظيم يَكون عظيمًا، ونَظيرُ ذلك الدُّعاءُ الذي علَّمه النبيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ ﵁: "رَبِّ اغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ" (١). الفائِدةُ الرَّابِعَةُ: تَوجيهُ الخِطاب إلى الجَماد من الله ؛ لقوله تَعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾.

стр. 88

الفائِدةُ الخَامِسَةُ: أن الجَماد يُحِسُّ بخِطاب الله ، ووَجْهُ ذلك: لولا أنه يُحِسُّ لكان تَوْجيهُ الخِطاب إليه عبَثًا؛ والله مُنزَّهٌ عن العَبَث في أَقْواله وأَفْعاله، ويَدُلُّ على أنه يُحِسُّ بذلك أنها أَوَّبَتْ معه ورجَّعت. الفائِدةُ السَّادِسةُ: أن من فَضائِل داوُدَ ﵇ أنَّ الله تعالى أَمَر الجِبال أن تُسبِّح معه، بأن تُرجِّعَ معه التَّسبيح وقِراءة الزَّبور هي والطيرُ. وهلِ الأَمْرُ في قوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أَمْرٌ كونيٌّ أو أمرٌ شَرْعيٌّ؟ الجوابُ: أنه يَحتَمِل المَعنيَيْن فإذا نظَرْت إلى أنها مَأمورةٌ بعِبادةٍ قُلْتَ: إن هذا أمرٌ شَرْعيٌّ. وإذا نظَرْت إلى أن هذه الجِبالَ لو فُرِض أنها عصَتْ هل تُعاقَبُ؟ الجوابُ: الله تعالى أَعلَمُ، ربما تُعاقَب وربما لا تُعاقَب؛ لأنّه ليس لها عَقْلٌ تُدرِك به كما يُدرِك بنو آدَمَ، قُلْت: إنه أَمْر كَوْنيٌّ، وللتَّخَلُّص من هَذَيْن الاحتِمالَيْن نَقول: إنَّ الله تعالى أمَرَ الجِبال أن تُرجع معه. ولا نَقول: أَمْرًا كونِيًّا ولا أَمْرًا شَرْعيًّا. الفائِدةُ السَّابِعَةُ: ظُهور آية الله في تمَام القُدْرة، حيث أَلانَ الحَديد لداوُدَ ﵇؛ لقوله : ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ وهذه الإِلانةُ ليس لها سَبَب حِسِّيٌّ معلوم، لأنه لو كانت بالأسباب المَعْروفة لم يَكُن فَرْقٌ بين داوُدَ ﵇ وغيره، هذا هو الصحيح، وإن كان بعضُ العُلَماء ﵏ يَقول: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ﴾ أي: هَيَّئْنا له الأسباب التي يَلين بها الحديدُ، ولكننا هَيَّئْنا له أسبابًا عظيمة قوِيَّة لا تَحصُل لغيره. الفائِدةُ الثَّامِنةُ: أنَّ الحديد بطَبيعته قاسٍ، وهو كذلك، ولولا أن الله تعالى يُلينه بما جعَلَ من الأَسْباب ما انتَفَع الناس به، وهل هو أَقسَى أَمِ الحِجارة؟ الجوابُ: الحِجارةُ؛ ولهذا لا تَلين الحِجارةُ بالنار، والحديدُ يَلين بالنار.

стр. 89

قال العُلَماء ﵏: فدَلَّ ذلك على أن الحِجارة أقسَى، ولمَّا شَبَّه الله تعالى القُلوب القاسِيةَ قال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]. الفائِدةُ التَّاسِعَةُ: في قوله : ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أنَّ الله مَنَّ على داوُدَ ﵇، وعلى غيره بتَعليمه هذه الصَّنْعةَ، وهي صَنْعة الدُّروع كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وهذا التَّعليمُ الذي علَّمه الله تعالى داوُدَ ﵇ بَقِيَ إلى يَوْمنا هذا، وهذا كما عَلَّم الله تعالى نُوحًا ﵇ صُنْع السَّفينة؛ وأَشار الله تعالى إلى مَوادِّ بِنائها في قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]، أي: مَساميرَ. الفائِدةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّه يَنبَغي لمَن صَنَع شيئًا أن يُكمّله؛ لقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾، ولا يَنقُص منه شيئًا. وَينبَغي لمَن صَنَع شيئًا أن يُتقِنَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أَيْ: إِكْمالًا وإِتْقانًا. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنه يَجِب على مَن أَنعَم الله تعالى عليه نِعمةً أن يَقوم بشُكْرها بالعمَل الصالِح؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. الفائِدةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ: أنَّ الله تعالى إذا أَنعَمَ على شَخْص من القَبيلة بنِعْمة فإنه إنعامٌ على القَبيلة كلها، ووجهُ ذلك: قوله تعالى: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ فوجَّهَ الخِطاب إلى آل داوُدَ ﵇ كلهم، مع أن الفَضْل خاصٌّ بداوُدَ ﵇؛ ولهذا إذا نبَغَ نابِغة في قبيلةٍ من القبائل فإنَّه يَرفَع قَدْر هذه القَبيلةِ كلّها، كما أن العَكْس بالعَكْس إذا سَفُل أحَدٌ من القبيلة عُيِّرتِ القَبيلة به كلُّها، وهذا أمر معلوم.

стр. 90

الفائِدةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ: التحذير من المُخالَفة؛ لقوله : ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. الفائِدةُ الرَّابِعَةُ عَشْرَةَ: أنَّ الله تعالى بَصيرٌ بكل ما نَعمَل؛ من خيرٍ وشَرٍّ وقليلٍ وكثيرٍ وظاهِرٍ وباطِنٍ، حتى أَعْمال القلوب يَعلَمها، قال الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، انتَبِهْ لا تُضمِرْ في قلبك شيئًا يُغضِبُ الله ، فإنَّك إذا فعَلْتَ فإن الله تعالى سَوْف يَعلَمه، ولا يَخفَى عليه شيء، قال تعالى: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. * * *

стр. 91

الآية (١٢) * قالَ الله : ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢]. * * * وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿و﴾ [وَسَخَّرْنَا] ﴿لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾، وإنما قَدَّر: [وَسَخَّرْنَا]؛ لأنَّ (الرِّيحَ) مَنصوبةٌ، فلاُ بدَّ من تقدير عامِلٍ يَتِمُّ به النَّصْب، وهنا نُقدِّر ما يُناسِب وهو (سَخَّرْنا له) كما جاء ذلك في آية أُخرى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿لِسُلَيْمَانَ﴾ هو ابن داوُدَ ﵉، وقد آتاهُ الله تعالى الرِّسالة والمُلْك مُلْكًا عظيمًا لا يَنبَغي لأحَدٍ من بَعْده؛ لأنَّ الله تعالى سخَّر له الإِنْس والجِنَّ. وقوله تعالى: ﴿الرِّيحَ﴾ هي الهَواء، سَخَّرَها الله تعالى له؛ أي: ذَلَّلَها بحيث تَجرِي بأَمْره يَأمُرها فتَتَّجِه إلى الشَّمال إذا كان يُريد ناحية الشَّمال، وَيأمُرها فتَتَّجِه إلى الجنوب إذا كان يُريد ناحية الجنوب، وَيأمُرها أن تَذهَب شَرْقًا فتَذهَب، وأن تَذهَب غَرْبًا فتَذْهَب، وأن تُسرِع فتُسرِع، وأن تُبطِئ فتُبطِئ؛ تَجرِي بأَمْره. ولا يُقال: إن هذا يَدُلُّ على أنَّ سُلَيْمانَ ﵇ مُشارِك لله تعالى في الخَلْق؛ لأنه لا أَحَدَ يَستَطيع أن يُصرِّف الهَواء، لوِ اجتَمَع الخَلْق كلُّهم على أن يُصرِّفوا الهَواء

стр. 92

ما استَطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وسُلَيمانُ ﵇ يَستَطيع ذلك، فلا يُقال: إنه شَريك لله تعالى؛ لأن الذي سخَّر الريح له هو الله تعالى. ولهذا لا نَقول: إنَّ عِيسى ﵇ شَريك مع الله تعالى في الخَلْق، حيث قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]؛ لأنَّ قُدرة هَؤلاء الخَلْقِ على ما يَقدِرون عليه ممَّا لا يَقدِرُ عليه غيرهم من المَخلوقين إنما كانت بأَمْر الله، فهم لم يَستَقِلُّوا بذلك، ولكن الله تعالى أَعطاهم قُدرةً، كما أن الله تعالى يَمُنُّ على بعض العِباد بقُدْرةٍ هائِلةٍ في الحِفظِ أو في الفَهمِ أو في قُوَّة السَّمْع أو البَصَر أو البَدَن أو غير ذلك، فالرّيحُ هي الهواء سُخِّرت لسُلَيْمانَ ﵇. وقول المُفَسّر ﵀: ﴿الرِّيحَ﴾، وفي قراءة: [وَقِرَاءَةُ الرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ: تَسْخِيرِ] تَركيب المُفَسِّر ﵀ هنا لبَيان القِراءة الثاني غريب، ما كان مَعهودًا منه، وكان الأَوْلى أن يَقول: وفي قِراءةٍ بالرَّفْعِ على تَقدير تَسخير. هذا هو الأَوْلى؛ لأن قوله: وقِراءَةُ الرَّفْعِ. لم نَستَفِدْ: هل هذه القِرْاءةُ سَبْعيَّة أو شاذَّة؛ لأن المَعهود أنه يَقول في السَّبْعية: وفي قراءة. وفي الشاذِّ يَقول: قُرِئ. وهنا يَقول: وقِرَاءَةُ الرَّفْعِ. ما نَدرِي! لكن على كلِّ حال القِراءةُ سَبْعيَّة، ففيها قِراءَة: (وَلِسُلَيُمَانَ الرِّيحُ غُدُوُّهَا شَهْرًا). وقوله تعالى: ﴿الرِّيحَ﴾ إعرابُها على هذه القِراءةِ. نَقول: إنها مُبتَدَأ مُؤخَّر، وأَصْل الكلام: تَسخيرُ الريح؛ فحُذِف المُضاف وأُقيم المُضاف إليه مَقامَه، وابنُ مالِكٍ ﵀ يَقولُ (١): وَمَا يَلي المُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا ... عَنْهُ في الِاعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا

стр. 93

أي: (لِسُلَيْمانَ تَسخيرُ الريح). وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: (لِسُلَيْمانَ الريحُ) أن (الريحُ) مُبتَدَأ بدون تَقدير. لم يَكُن بعيدًا، وَيكون مَعنَى كونِ الريح له أنها مُسخَّرة له، فيَكون له التَّصرُّف فيها. وقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾ أي: [مَسيرها من الغُدوَة، بمَعنَى: الصَّباح إلى الزوال شَهْرٌ]، و ﴿وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾، [سَيْرها من الزوال إلى الغُروب شَهْر]؛ أي: مَسيرة شهر. الريح سخَّرها الله تعالى له إذا سارَت به من الصباح إلى الزوال فهي مَسيرة شهر؛ بسَيْر الإِبِل، وعلى هذا فإنها تَكون سَريعة، رواحُها شَهْر فيَستَطيع أن يَذهَب إلى مكانٍ مَسيرتُه شَهْرٌ وَيرجع إلى بلَدِه في نفس اليوم؛ لأنَّ غُدُوَّها شَهْر ورَواحَها شَهْر، ومع ذلك فقَدْ وصَفَها الله تعالى بأنها عاصِفة، ولكنها غير مُؤثّرة: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ [الأنبياء: ٨١]، وقوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]، فهي سريعة لكنها غير مُزعِجة، لكن كيف يَطير في الريح؟ قال العُلَماءُ ﵏: إنه يَضَع بساطًا عادِيًّا ويَجلِس هو وحاشِيَته عليه، ثُمَّ يَأمُر الريح فتَطير بهم؛ بهذا البساطِ، والله على كل شيء قديرٌ، والعادةُ أنه إذا كان الإنسان مع حاشِيَته على بساطٍ وَيرتَفِع أنه يَسقُط، هذه العادةُ، ولكن الله على كل شيء قديرٌ. هل يُمكِن أن نَقول: إن قانون الطَّيَران بالطائِرات الحديثة مَبنِيٌّ على هذا؟ الجوابُ: نعَمْ قانون الطَّيَران مَبنِيٌّ على هذا، مَبنِيٌّ على الهَواء الذي تُولِّده هذه المُولِّداتُ، فهذه الطائِراتُ لا يَحمِلها إلَاّ الهواءُ، وهي حديد، وثَقيلة وعليها أُناس وعليها عَفْش، ونفس المَراوِحِ هذه والاندِفاع هذا فيه هواء شديد؛ ولذلك انظُرْ

стр. 94

كيف تَنضَبِط إذا نزَلَتْ إلى الأرض بسبب الهَواء في مُؤخَّرها عند (الشُّكمان) فيها حديدة تَنعَكِس حتى تَرُدَّ الهواء؛ حتى لا تَندَفِع الطائِرة. وقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ هل هي في سُرْعة الطائِرة؟ الجوابُ: لا هي أقَلُّ من الطائِرة؛ لأنَّ الطائِرة تَذهَب مَسيرةَ شَهْر بأَقَلَّ من الغُدُوِّ، ولكنها أسرَعُ من السيَّارة بلا شَكٍّ، يَبقَى علينا هذا المُرور السَّريع عادةً إذا لم يَكُن هناك حِجاب يَمنَع من عَصْفِ الهَواء؛ أن الهَواء يَعصِف بالراكِب حتى يَسقُط؟ لأنها دونَ الطائِرة وفوقَ السيَّارة في سُرْعتها، وبعض السيَّارات يَعصِف الهَواء فيها بالإنسان ويُقلِقه، لكنَّ الله تعالى بيَّن في آياتٍ أُخرى أن هذه الرِّيحَ تَكون رُخاءً ما فيها إِزْعاج ولا فيها قلَقٌ. قال الله تعالى أيضًا ممَّا مَن الله تعالى به على سُلَيْمانَ ﵇: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ أي: أَذَبْنا له ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ أيِ: النُّحاس، هذا أيضًا قد يَكون أبلَغَ ممَّا أُوتيَه داوُدُ ﵇؛ لأنَّ داود ﵇ قال الله : ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾، أمَّا هذا فأَسَالَ الله تعالى له عَيْن القِطْر؛ يَعنِي: فجَّر له عَيْنًا من النُّحاس تَسيل كما يَسيل الماء مع إنها نُحاس، وهذا دليل على كَمال قُدرةِ الله؛ لأنَّ المَعروف أن النُّحاس مَعدِنٌ جامِد فجعَلَه الله لسُلَيْمانَ ﵇ عَيْنًا سائِلة كأنها الماء؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾. وقوله: ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ يَدفَع ما قيل: إنَّ سُلَيْمانَ ﵇ كان يُذيب النُّحاسَ فيَسيل، كما أن الرَّصاص إذا أَذَبْناه يَصير سائِلًا، كالزِّئْبَق. فنَقول: لا، بل إن الله تعالى يَقول: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ فجعَل هذا عَيْنًا يَندَفِع من الأسفَلِ وَيسيل، ونحن نَعلَم أنَّ الله خالِقُ الأشياءِ جامِدِها

стр. 95

ومائِعِها، وأنَّه قادِر على أن يَجعَل الجامِد مائِعًا والمائِع جامِدًا، وهذا الماءُ المائِعُ المُتدَفِّق الجارِي لمَّا ضرَب مُوسى ﵇ بعَصاهُ البَحْر انفَلَق فكان كل فِرْق كالطَّوْد العظيم، كالجبَل العظيم، وهو ماءٌ سائِل ضرَبه مرَّة واحِدة فقَطْ فتَفرَّق البَحْر وصار اثنَيْ عشَرَ طريقًا، كلُّ طريق بينَه وبين الطريق الآخَرَ مِثْلُ الجبَل من الماء، وهذا فَوْق الأمر الطبيعيِّ؛ لأنَّ خالِق الأشياء قادِر على كل شيء . وقول المُفَسِّر ﵀: [فَأُجْرِيَتْ لَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَاليهِنَّ كَجَرْيِ المَاءِ] هذا التَّقديرُ يَحتاج إلى تَوْقيف، يَعنِي: أنَّ الله تعالى أَجْراها له ثلاثةَ أيَّام فقَطْ قد نَقول: إن الله تعالى أَسَال له عَيْن القِطْر يَتَصرَّف فيها كما يَشاءُ, وهذا يَقتَضِي أن تَكون هذه الإِسالةُ مُستَمِرَّةً حيثُما أَرادَها وجَدَها، وهذا هو الأقرَبُ، ولا يُمكِن أن نُحدِّدها بثلاثة أيَّام إلَاّ بدليل من الشَّرْع، إمَّا من الكِتاب أو من السُّنَّة، وليس في الكِتاب تَحديد، وكذلك ليس في السُّنَّة، فالأَوْلى أن نَجعَلها على ظاهِرها. قال المُفَسِّر ﵀: [وَعَمَلُ النَّاسِ إِلَى اليَوْمِ مِمَّا أُعْطِيَ سُلَيمانُ] يَعنِي: أن انتِفاع الناس بهذا النُّحاسِ وتَذويبه حتى يَكون كالماء هذا أثَرُه من عمَل سُلَيمانَ ﵇، يَعنِي: أن النُّحَاس إنما ذاب من وقت سُلَيْمانَ ﵇ إلى اليَوْم، وقد قِيل: إن النُّحَاس من قَبْلُ كان لا يَذوب أَبدًا, ولكنه في عَهْد سُلَيْمانَ ﵇ ذابَ وصارَ مُستَمِرَّ الذَّوَبان. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: ﴿مِنْ﴾ للتَّبْعيض، و ﴿الْجِنِّ﴾ عالَم غَيْبِيٌّ مُستَترٌ عن الأَعْيُن؛ ولهذا جاء بلَفْظ الجِنِّ، وأَصْل هذه المادَّةِ -الجِيمُ والنُّون- الاستِتار؛ ومنه سُمِّيَت الجُنَّة التُّرْس الذي يَستَتِر به الإنسان، وسُمِّيَتِ الجنَّة للبُستان الكثير الأشجار؛ لأنه يَجِنُّ مَن فيه، أي: يُغطِّيه، وسُمِّيَت

стр. 96

الجنَّة أيضًا لهذا السبَبِ، وسُمَّيَ الجَنين، لأنه مُستَتِر، فهذه المادَّةُ - الجيم والنون - كلُّها تَدُلُّ على الخَفاء والاستِتار. فالجِنُّ إِذَنْ عالَم غَيْبِيٌّ ليسوا بظاهِرين، لكنهم قَد يُرَوْن، هذا العالِم مِنهم صالِح ومِنهم دون ذلك، ومنهم مُسلِم ومنهم كافِر، كما في سورة الجِنَّ، يَأْكُلون وَيشْرَبون وَيتَقَيَّئون وَيبُولون؛ كما جاء في الحديث عن النبيِّ ﷺ ، وهؤلاءِ الجِنُّ قد يَظهَرون أمام الناس ويُشاهَدُون، إمَّا بصُورِهم التي هم عليها وإمَّا بتَصَوُّرات ثانية، وإمَّا على صورة القِطَط، أو على صورة الدَّوابَّ كما جاء في الحديث الصحيح في النَّهْيِ عن قَتْل الجِنَّانِ التي تَكون في البيوتِ (١)؛ لأنَّ بعضَها قد يَكون من الجِنِّ ورُبَّما يَتَلبَّسون بالإنسان؛ أي: يَدخُلون في جَوْفه حتى يَكون كاللِّباس لهم، فيَصرَعونه وَيُؤذُونَه. وقد أَشار الله بقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، يَعنِي: مثل المَصروع الذي صَرَعه الشَّيْطان، وهذا الصرعُ؛ أي: صرَع الجِنِّيَّ للإِنْسيِّ لا يُنكِره إلَّا المَلاحِدة، كما قال ابنُ القَيِّم ﵀ في زاد المَعاد (٢): إنهم لم يَصِلوا إلى هذا النَّوْعِ من الصرَعِ فجعَلوا يُنكِرونه ويُحيلون جميع أنواع الصَّرَع إلى صرَع الأعصاب والمُخِّ وما أَشبَهَ ذلك، وصرَعُ الجِنِّ للإِنْس مَعلوم بالمُشاهَدة أيضًا، فلا يُنكِره إلَّا مُكابِر، لأنه شُوهِد مَنْ يُصرَع ويُخاطَبُ الجِنِّيُّ الذي صرَعه مُخاطَبةً صَريحةً واضِحة، وجرَى ذلك على يَدِ أئِمَّة الإسلام كالإمام أحمدَ وشيخِ الإسلام ابنِ تيميَّةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وغيرهم إلى يَوْمِنا هذا.

стр. 97

جِيءَ مرَّةً بمَصروع إلى شيخِ الإسلام ابن تيميَّةَ ﵀ فوَعَظ الجِنِّيَ الذي صرَعه ونَصَحه وقال له: اخْرُجْ. فقال: إني لا أَخرُج، إني أُحِبُّه وكانت امرأةً التي صرَعَتْه، قالت: إني أُحِبُّه. فقال شيخُ الإسلامِ ﵀: لكنه لا يُحِبُّكِ. فقالَتْ: إني أُريد أن أَحُجَّ به - بأَنْ تَحمِله إلى مَكَّةَ - فقال: إنه لا يُريد أن يَحُجَّ معَكِ. ثُم وعَظَها فلَمْ تَتَّعِظْ، ثُم ضرَبَها شيخُ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ ﵀، جعَل يَضرِبها على رقَبةِ هذا المَصروع؛ يَقول: حتى تَعِبَت يَدي مِن الضَّرْب. فقالت: أنا أَخرُج كرامةً للشَّيْخ. فقال: لا تَخرُجي كرامةً لي، اخْرُجي طاعةً لله تعالى ورسوله ﵊. فخَرَجت على ألَّا تَعود، فأَفاق الرجُلُ، فلمَّا أَفاق قال: ما الذي جاء بي إلى حَضْرة الشيخِ؛ يَعنِي: شيخَ الإسلام ابنَ تيميَّةَ ﵀، فقِيلَ له: "إنه قد فعَل كذا وكذا. فقال: والله ما أَحْسَسْتُ بشيء من هذا، لا أنّي خاطَبْته ولا أنه ضرَبَني. وهذه القِصَّةُ ذكَرَها ابنُ القَيَّم ﵀ في زاد المعاد (١) عن شيخه، وابنُ القَيِّمِ ثِقَة، وشيخ الإسلام كذلك ثِقَة، وقد ورَدَ مِثْلُ ذلك عن الإمامِ أحمدَ (٢) ﵀. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يَتَلبَّس الجِنِّيُّ الذَّكَر بالإِنْسيِّ الذَّكَر، والعكسُ، أم أنه فقَطْ يَتَلبَّس الرجُلَ امرأةٌ والعَكسُ المرأةُ يَتَلبَّس بها رجُل من الجِنِّ؟ فالجوابُ: قد يَتَلبَّس بالرجُل رجُلٌ، وَيكون مَثَلاً مُولَعًا به لسبَب من الأسباب، وكذلك العكسُ. إِذَنِ: الجِنُّ نَقول في تَعريفهم: عالَمٌ غَيْبيٌّ مُستَتِرون عن الإنس، وربَّما يَظهَرون، ومِنْهم صالِح، ومِنْهم دون ذلك، ومِنْهم قاسِط، ومنهم مُسلِم، وَيأكُلون وَيشرَبون

стр. 98

وَيبولون وَيتَقَيَّئون، كل هذا ثبَت في القُرآن وفي السُّنَّة. وقوله : ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ﴿مِنَ﴾ بمَعنَى: الذي، ﴿يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فهي اسْمٌ مَوْصولٌ، وما مَحلُّها من الإعراب؟ الجوابُ: يُحتَمَل أَنْ يَكون مَحَلُّها الرفعَ على أنها مُبتَدَأ مُؤخَّر، وخبَرُه ﴿وَمِنَ الْجِنِّ﴾، ويُحتَمَل أنها في مَحَلِّ نَصْب؛ يَعنِي: وسَخَّرْنا له من الجِنِّ مَن يَعمَل بين يديه، وأيُّهما أَوْلى؟ سبَق وأن ذكَرْنا قاعِدة؛ أنه إذا دار الأَمْر بين التَّقدير وعدَم التَّقدير فعدَمُ التَّقدير أَؤلى؛ لأنه الأَصْل، والأَصْل أن الكلام لم يُحذَفْ منه شيءٌ، وعلى هذا فنَقول: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ﴾ جارٌّ ومجَرور خَبَرٌ مُقدَّم، و ﴿مَنْ يَعْمَلُ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر. وقوله تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يَعنِي: يَدَيْ سُلَيْمانَ ﵇، يَعنِي: أمامَه، لكن ﴿بِإِذْنِ﴾ [بِأَمْرِ] ﴿رَبِّهِ﴾، والإِذْنُ هنا كَوْنيٌّ، يَعنِي: أنَّ الله تعالى سخَّر الجِنَّ ليَعمَلوا بين يدَيْ سُلَيْمانَ عَلَيْةِ السَّلَامُ بإِذْنه، بأَمْره الكونيِّ، قد يُقال: إنه إِذْنٌ شَرْعيٌّ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿وَمَنْ يَزِغْ﴾ [يَعْدِلُ] وقِيل: يَمِلْ، أي: يَميل، وهذا أَقرَبُ، ومنه: زاغَتِ الشمسُ، أي: مالَت عن وسَطِ السَّماء، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ﴾ يَعنِي: مَن يَمِلْ ﴿عَنْ أَمْرِنَا﴾ [لَهُ بِطَاعَتِهِ لَهُ] أَيْ: للجِنَّ [بِطَاعَتِهِ] أي: بطاعة سُلَيْمانَ ﵇ ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ النار في الآخِرة، ﴿نُذِقْهُ﴾ ما الذي جَزَمها؟ ﴿مِنْ﴾؛ لأنها جوابُ الشَّرْط، وفِعْل الشَّرْط ﴿يَزِغْ﴾. وقوله تعالى: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: نُعذِّبه بالنار حتى يَذوق عَذابها، وهل هذه نارُ الدُّنيا أو الآخِرة؟ قال المُفَسِّر ﵀: [فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يَضْرِبَهُ مَلَكٌ بِسَوْطٍ مِنْهَا ضرْبَةً تُحْرِقُهُ].

стр. 99

والله أعلم هل عذابه في الدُّنْيا بواسِطة المَلَك، أو أن سُلَيْمانَ ﵇ أُذِنَ له بتَعذيبهم في النار. إِذن فالذي يَزِيغ من الجِنَّ عن أَمْر الله بطاعته سُلَيْمانَ ﵇ هذا يُعذَّب بالنار، إمَّا في الدُّنْيا وإمَّا في الآخِرة، ولكن إذا قُلْنا: إنه في الدُّنيا، فإنه لا يَتَعيَّن أن يَكون الأمر كما قال المُفَسَّر ﵀: إنه مَلَك يَضرِبه بسَوْط منها حتى يُحرِقَه. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: أنَّ طاعة الجِنِّ لسُلَيْمانَ ﵇ بأَمْر الله الكَوْنيَّ فهل هذه تُعتَبَر لهم عِبادة لله ؟ فالجوابُ: بلى؛ ولهذا قُلْنا: فيه احتِمالُ إِذْنٍ شَرْعيٍّ، ويُؤَيِّده قوله تعالى: ﴿عَنْ أَمْرِنَا﴾، وهذا أَرجَحُ، لكنه لا يَمنَع الأوَّل. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل يَدخُل الجِنُّ الجَنَّة؟ وماذا يَستَفيدون منها؟ فالجوابُ: أن الله تعالى يَقول في آخِر سورة الرحمنِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٤٧]؛ فالخِطاب في ﴿رَبِّكُمَا﴾ يَعود للجِنِّ والإِنْس، فإذا كان الجِنُّ لا يَستَفيد من هاتين الجَنَتَّيْنِ فما فائِدة خِطابهم في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؟ ! ثُمَّ إنه قال في نَفْس الآيات: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]؛ وهذا أيضًا يَدُلُّ على أنهم يَدْخُلون الجَنَّة، وهذا هو الصحيح الذي عليه جُمهورُ العُلَماء ﵀، أمَّا دُخول الكافِر منهم النارَ فإنه بالاتِّفاق؛ لأن الله تعالى نَصَّ عليه في القُرآن، وأمَّا دُخول المُؤمِن منهم الجَنَّة فهذا هو الصحيح الذي عليه جُمهورُ أهل العِلْم. وأمَّا قول الله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ

стр. 100

وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]، لا يَمنَع من دُخولهم الجَنَّة، لأنه لم يَقُلْ: ويُدخِلْكم الجَنَّة. وليس فيها دليلٌ على أنَّ دُخولهم الجَنَّة مَمنوع؛ لأن مَن أُجير من العذاب الأليم فليس هناك في دار الآخِرة إلَّا دارانِ؛ إمَّا نار وإمَّا جَنَّة، وعندنا آيات كثيرةٌ تَدُلُّ على أنَّ مَنْ آمَن وعَمِل صالِحًا فله جَنَّاتُ الَمأْوى. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ الله تعالى قد يُسخِّر بعض الأُمور الكَوْنية لبعض عِباده آيةً له؛ لأن الريح لا أحَدَ يَستَطيع أن يُصرِّفها كما يَشاءُ، وسُلَيْمانُ ﵇ سُخِّرَت له تَجرِي بأَمْره، فيُستَفاد من هذا أن الله تعالى قد يُسخِّر بعض الأُمور الكونية آيةً لبَعض عِباده كهذا، وهل يُمكِن أن يَأتيَ مِثْلُ ذلك لغير الرُّسُلِ؟ الجوابُ: الظاهِر أنه لا يُمكِن، وما ذُكِر عن بعض الخُلَفاء أنَّ الله سخَّر له الريح يَأمُرها كما يَشاءُ وتَنقُل جُنْده فإن هذا في صِحَّتِه نظَرٌ، والظاهِر أنَّ مِثْلَ آياتِ الأنبياء ﵇ لا تَكون كَرامةً للأَوْلياء، صحيح أن بعض آيات الأنبياء ﵇ تَكون كرامةً لبعض لأَوْلياء، أمَّا الآياتُ الكبيرة كهذه فالظاهِرُ -والله أَعلَمُ- أنها لا تَكون. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ للريح سُرْعةً عظيمةً، كما قال تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات وُجود الجِنِّ، وهذا ثابِت بالكِتاب والسُّنَّة وإِجْماع المُسلِمين؛ ولهذا مَنْ أَنكَر وُجود الجِنِّ فقَدْ كذَّب القُرآن ويُحكَم بكُفْره. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الجِنَّ يَعمَلون للإِنْس؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ

стр. 101

يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، ولا شكَّ أن عمَلَهم بين يَدَيْه آيةٌ له دالَّةٌ على نُبوته ورِسالته، لكن هل يَعمَلون لغير الأنبياء ﵇؛ يَقول شَيْخُ الإسلامِ (١) ﵀: نعَمْ، إنهم يَعمَلون لغير الأنبياء ﵇، وعمَلُهم لغَيْر الأنبياء ﵇ له سبَبٌ، إمَّا أن يَكون سبَبُه الشِّرْك، بمَعنَى: أنَّ الجِنَّ تَأمُره أن يُشرِك فيَعبُدهم، أو تَأمُره أن يُشرِك فيَعبُد مَن يُعظِّمونه، هذا واحِد، وقد يَكون سبَبُه أنهم يَعشَقون هذا الإنسانَ فيُحِبُّونه حُبًّا؛ يَعنِي: ليس لله تعالى، لكن مَثَلاً لجَمال صُورته أو ما أَشبَهَ ذلك، ومن أسباب ذلك أنهم يَعمَلون له مَحبَّةً لله تعالى؛ لكونهم صالحِين فأَحَبُّوا هذا الرجُلَ الصالِحَ فعمِلوا له، فعمَلُهم له يَقول شيخُ الإسلامِ (٢) ﵀: إن عمِلوا له أمرًا مُحرَّمًا كان ذلك حَرامًا، مثل أن يَستَخدِمهم في أَذِيَّة المُسلِمين، أو في الاعْتِداء على شخص مُعيَّن يُروِّعونه أو يُنفَّرون إِبِلَه، أو ما أَشبَهَ ذلك، فهذا حرام، فإذا استَعان بهم بطريق المَعصية أو من أَجْل المَعْصية كان ذلك حرامًا بلا شَكًّ، أمَّا إذا استَعان بهم في الأَمْر المُباح فإن هذا لا بأسَ به إذا خلا عن شِرْكٍ وعن عُدوان على الغير. فإن قُلْتَ: إن القول بإِباحة الاستِعانة بهم في غير المَعْصية يُشكِل عليه قولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ [الأنعام: ١٢٨]، فإنَّ ظاهِر هذا أنه لا يَجوز أن يَستَمتِع الجِنُّ بالإِنْس؛ ولا الإِنْس بالجِنِّ؟

стр. 102

فالجوابُ: قد ذكَرَ ﵀ في كِتاب النُّبوات (١) أو في كِتاب إيضاح الدَّلالة على عموم الرَّسالة ذكَرَ أَشْياءَ واضِحةً عن السلَف بأنهم رُبَّما يَنْتَفِعون بالجِنَّ في الإِخْبار عن الأشياءِ البَعيدة، والأَمْر الواقِع شاهِدٌ بذلك، فإننا نَسمَع قضايا عن بعض الناس أن الجِنَّ تُعينهم على ما يُريد معَ صلاحِهم وعدَم شِرْكهم وعدَم مَعصيتهم. فَإنْ قِيلَ: هل يُمكِن أن يَعتَدِيَ الجِنَّيُّ على الإِنْسيُّ؟ فالجوابُ: نعَمْ يُمكِن. وهل يُمكِن أن يَعتَدِيَ الإِنْسيُّ على الجِنَّيُّ؟ فالجوابُ: نعَمْ يُمكِن. أمَّا الأوَّلُ فظاهِر كثيرًا أن الجِنَّ يَعتَدون على الإنس، أحيانًا يُروِّعونهم في الطُّرُقات، بل ورُبَّما في البُيوت، وأحيانًا يُفسِدون عليهم شُؤُونهم، وأحيانًا يَرمُونهم بالحِجارة، وأحيانًا يُؤذُونهم بالأصوات، وهذا شيء لا يَحتاج إلى طلَب الدَّليل؛ لأنه أَمْرٌ واقِع مُشاهَد. وكذلك الإنس رُبَّما يَعتَدون على الجِنِّ؛ فلو أنَّ أحَدًا استَجْمَر بعَظْمٍ أو برَوث لكان مُعتَديًا على الجِنّ؛ لأنَّ العَظْم طعامُ الجِنَّ، والروث طعام دَوابِّهم، فيَكون في هذا عُدوان من الإِنْس على الجِنِّ. فَإنْ قِيلَ: هل يُمكِن أن يَدخُل الجِنِّيُّ في بدَن الإِنْسِيَّ؟ فالجوابُ: نعَمْ، ولا يَحتاج إلى طلَب الدَّليل؛ لأن هذا أَمْر واقِع محَسوس

стр. 103

ثبَتَتْ به الأَخبارُ وتَواتَرت، وشاهَدَهُ الناس، وقد ذكَرْنا أن الإمام أحمدَ وشيخَ الإسلام ابنَ تيميَّةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُؤتَى إليهم بالمَصروع فيُخاطِبونه، ويَكون الخِطاب على مَنْ صرَعه، وَيضرِبونه أيضًا ويَكون الضَّرْب على مَن صرَعه، أي: على الصارع لا على المَصروع. وفي القُرآن ما يُشير إلى ذلك في قوله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والمَسُّ مَعناه: الصَّرْع؛ ولهذا يُقال: (بِهِ مَسٌّ من الجِنِّ)، أي: صَرع، والذي يَتَخبَّطه الشَّيْطان من المَسَّ؛ يَعنِي: يَكون مُخبَّلًا لا يُحِسُّ ولا يَعرِف؛ قال أهل العِلْم ﵏: إنَّ هؤلاءِ يَقومون مِن قُبورهم كمِثْل المَجانين الذين أَصابَتْهمُ الشَّياطينُ. وأمَّا إنكار بعض الناس لهذا فقد قال ابنُ القَيَّم ﵀: إن هؤلاءِ الفَلاسِفةِ الذين أَنكَروا ذلك لا يَعلَمون من الشَّرْع كما يَعلَمه أهلُ الشَّرْع، فهم يُنكِرون ما غاب عنهم، ولا يُقِرُّون إلَّا بالشيء المَحسوس، وأَنكَر عليهم إنكارًا عظيمًا في (زاد المعاد) (١). الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الجِنَّ قَد يُشاهَدون، مِن مَفهوم الآية مِن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فإن الظاهِر أنهم يُشاهَدون، وهم يَعمَلون بين يدَيْ سُليمانَ ﵇ يَعنِي: أَمامَه. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الجِنَّ مُكلَّفون؛ بمَعنَى أنهم إذا خالَفوا عُذِّبوا، ومن تمَام عَدْل الله تعالى أنهم إذا وافَقوا نُعِّموا، أمَّا كَوْنهم يُعذَّبون إذا خالَفوا فهذا أَمْر مُتَّفَق عليه بين العُلَماء ﵏، وأمَّا كافِرهم فيَدخُل النار، وأمَّا دُخول مُؤمِنُهم الجَنَّة؛

стр. 104

ففيه خِلاف بين العُلماء ﵏، والصوابُ: أنهم يَدخُلون الجَنَّة؛ لقوله تعالى في سورة الرحمن وهو يُخاطِب الجِنَّ والإِنْسَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٤٧]، فيَكون هؤلاء الجِنُّ إذا خافوا الله تعالى فلَهُمُ الجَنَّةُ، وقال في أثناء ذلك أيضًا: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]، وكلِمة (ولا جانٌّ) لا تَتَناسَب مع الإِنْس وإنَّما تَتَناسَب مع الجِنِّ، وهذا هو القولُ الحَقُّ المُتعَيِّن. ولا يُعارِض ذلك قولُه تعالى عن الجِنِّ الذين صرَفهم الله تعالى إلى النبيِّ ﷺ يَستَمِعون القُرآن حين ولَّوْا إلى قَوْمهم مُنذِرين؛ قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠ - ٣١]، فيُقال: إن الله تعالى إذا أَجارهم من العَذاب الأليم فلازِم ذلك أن يُدخِلهم الجَنَّة؛ لأن الآخِرة ليس فيها إلَّا دارانِ هما الجَنَّة أو النار، فمَن نَجا من النار دخَل الجَنَّة ولا بُدَّ، فالجِنُّ مُكلَّفون، لكن هل تَكليفهم كتَكليف الإنس؟ بمَعنَى: أن صَلاتَهم كصلاتِنا وصِيامهم كصيامنا وحَجَّهم كحَجِّنا أو يَختَلِفون عنَّا؟ الجوابُ: في هذا احتِمالانِ: الاحتِمال الأوَّلُ: أن يَكون ما كُلِّفوا به مُساوٍ لما كُلِّفنا به من كل وَجْهٍ، ما دام الرسول ﷺ مَبعوثًا للجِنِّ والإِنْس، ولم يَأْتِ القُرآن ولا السُّنَّة بالتَّفريق بين أحكام الإِنْس والجِنِّ، فالواجِب إِجْراؤُها على ما هي عليه، وأن تَكون هذه الأحكامُ ثابِتةً في حقِّ الإِنْس والجِنِّ على حدٍّ سواءٍ. والاحتِمال الثاني: أن تَكون الواجِباتُ بالنِّسبة للجِنِّ مُوافِقةً لما هُمْ عليه مُناسِبةً

стр. 105

لهم، فلا يَلزَم على هذا أن يَكونوا مُساوِين للإنس؛ لأن الله يَشرَع الأحكام مُناسِبةً لمَن شُرِعت له، فهذا المَريضُ مَثَلًا هل عليه صَوْمٌ؟ إذا كان المَريض لا يُرجَى زَوالُ مَرَضِه ففَرْضه الإطعام، والفقير ليس عليه زكاة وليس عليه حَجٌّ. فلمَّا كان اختِلاف الشرائِع ظاهِرًا بالنِّسبة للإِنْس لاختِلاف أحوالهم فإنه يَلزَم أن تَكون الشرائِع أيضًا مخُتَلِفة في الجِنِّ عن الإِنْس؛ لأنَّ الجِنَّ لا شَكَّ كما قال شيخُ الإسلام (١) ﵀: مخُالِفون للإِنْس في الحَدِّ والحقيقة، وحقيقتهم ليست كحقيقة البَشَر وحدُّهم وحُدودهم وطاقاتُهم ليسَتْ كحُدود وطاقات البَشَر، فإذا كانوا مخُالِفين للبَشَر في الحَدِّ والحقيقة لزِمَ أن يَكونوا مخُالِفين لهم في الأحكام الشرعية، وهذا فيما يُمكِن الاختِلاف فيه. أمَّا ما لا يُمكِن كالتوحيد وأَصْل الرّسالة وما أَشبَهَ ذلك فهذا أَمْرٌ نَعلَم عِلْم اليْقين أن الجِنَّ مُساوُون للإِنْس في تلكَ الأحكامِ، لكن الكلامَ على المَسائِلِ الفَرْعية التي يَختَلِف فيها المُخاطَبون لاختِلاف أحوالهم. فالمَسألةُ فيها احتِمالان، ولكن شَيْخ الإسلام (٢) ﵀ جزَمَ بأن الأحكام التي كُلِّف بها الجِنُّ تُخالِف الأحكام التي كُلَّف بها الإنسُ، وأنهم مُكلَّفون بالجُمْلة بدون أن يُساوُوا الإِنْس، والعِلْم عند الله تعالى.

стр. 106

الآية (١٣) * * * * قالَ الله : ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣]. * * * قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾ أي: لِسُليمانَ ﵇، وهذا كالتفصيل لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كأنه قيل: ماذا يَعمَلون؟ ففَصَّل فقال تعالى: * ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾: ﴿مِنْ﴾ بَيانِيَّة مُبَيِّنة للإِبْهام في الِاسْم المَوْصول، وهو قوله تعالى: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ يَعنِي ﴿مَا﴾ اسْمٌ مَوْصول، ومَعلومٌ أن الِاسْم المَوْصول من الأَسْماء المُبهَمة. فقوله: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [أَبْنِيَةٍ مُرْتَفِعَةٍ يُصْعَدُ إِلَيْهَا بِدَرَجٍ]، فالمَحاريبُ: عِبارة عن أَبنِية مُرتَفعة ذاتِ أسوار مَنيعة قال الله تعالى في داوُدَ ﵇: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص: ٢١]، وأمَّا محِراب المَسجِد فيُسمَّى طاقًا. وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ [جَمْعُ تِمْثَالٍ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ مَثَّلْتَهُ بِشَيْءٍ أَيْ: صُوَرٌ مِنْ نُحَاسٍ وَزُجَاجٍ وَرُخَامٍ وَلَمْ يَكُنِ اتِّخَاذُ الصّوَرِ حَرَامًا فِي شَرِيعَتِهِ]، التَّماثيلُ: جَمْع تِمْثال وهو ما صُوِّر على مِثال شيءٍ آخَرَ، فكُلُّ ما صُوِّر على مِثال شيءٍ آخَرَ؛ فإنه يُقال: تِمْثال له.

стр. 107

وعلى هذا فيُمكِن أنَّ نَقول لمَنْ صَوَّر صُورة شَجْرةٍ ونَحَتَها من جِسْم نَقول له: إنَّ هذا تِمْثال للشَّجَرة، وكذلك نَقول لمَن نَحَتَ خَشَبًا أو حَجَرًا على صورة حَيوان نَقول: إن هذا تِمْثالٌ. والمُفَسِّر ﵀ جزَم بأن المُراد بالتَّماثيل ما كان تِمْثالًا لحَيَوان؛ ولهذا قال: أَوْ صُوَرًا. وكلّ شَيْء مَثَّلْتَه بشيءٍ هذا أَصْلُ التّمثال أو صُوَر النُّحاس وزُجاج ورُخام، والنّحاس مَعروف، والزُّجاج أيضًا مَعروف، والرّخام. وأما قوله ﵀: [وَلَمْ يَكُنِ اتِّخَاذُ الصّوَرِ حَرَامًا فِي شَرِيعَتِهِ] فهذا مَبنِيٌّ على أن المُراد بالتَّماثيل تمَاثيلُ ما يَحرُم تَصويره كالحَيوان من إنسان وغيره، ولكن نَقول: إنَّ هذا لا يَلزَم أن يَكون المُراد بالتَّماثيل هي صُوَر الحَيوان، فمن الجائِز أن يَنحِتوا له مِمَّا ذُكِر من النُّحاس والزُّجاج والرُّخام، كأن يَنحِتوا له أشياءَ على صُوَر شجَر، ويُقال: إنَّ هذا تِمْثال. ويُوجَد الآنَ مُجَسَّمات يَجعَلونها على صُورة نَخْلة، وعلى صورة سَيْف، وعلى صورة قَصْر، وما أَشبَه ذلك، نَقول: هذا تِمْثال. ويُوجَد أيضًا مجُسَّمات على صورة حَيوان؛ أسَد أو جَمَل أو بَقَر أو ما أَشبَه ذلك هذا أيضًا تِمْثال. فنَقول: إن كان قوله تعالى: ﴿مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ إنه عامٌّ لتِمْثال الحَيوان والأشجار وغيرها فنَحتاج حينئذٍ أنَّ نُجيب بما أَجاب به المُفَسِّر؛ وهو أن الصُّوَر في شَريعتهم ليست حرامًا، ولكنً ما دامَ الأمر غير لازِمٍ، إِذْ مِنَ المُمكِن أن تَكون التماثيلُ التي يَأمُرهم بها تَماثيلَ أَشياءَ يَجوز تَصويرها فلا حاجةَ إلى هذا الجوابِ. وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجِفَانٍ﴾ جَمْعُ جَفْنَة ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جَمْعُ جَابِيَةٍ وَهِيَ

стр. 108

حَوْضٌ كَبِيرٌ] والجَفْنة: هي الصَّحْفة التي يُوضَع فيها الطعام، ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جَمعْ جابِية، والجابِية: هي الحَوْض الكبير، ومنه البِرْكَةُ تُسمَّى جابِية، حتى الآنَ يُسمُّون البِرَك الجوابيَ، وهل الجِفان على ما تَقتَضيه الآية الكريمة جِفانٌ كبيرة واسِعة؟ يَقول المُفَسِّر ﵀ مُبيِّنًا سَعَتَها: [يَجْتَمِعُ عَلَى الْجَفْنَةِ أَلْفُ رَجُلٍ يَأْكُلُونَ مِنْهَا]، وهذا قد يَكون واقِعًا وقد يَكون الأمر أَكبَرَ من هذا، وقد يَكون دونَ هذا. المُهِمُّ: أنَّ هذه الجِفانَ بسَعَتها وكِبَرِها مِثلُ الجوابي وهي الأحواض الكبيرة، يَعنِي: البِرَك. وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ثَابِتَاتٍ لها قَوَائِمُ لَا تَتَحَرَّكُ عَنْ أَمَاكِنِهَا، تُتَّخَذُ مِنَ الْجِبَالِ بِالْيَمَنِ يُصْعَدُ إِلَيْهَا بِالسَّلَالِمِ]. قوله تعالى: ﴿وَقُدُورٍ﴾ جَمْع قِدْر، وهو ما يُطبَخ فيه الطعام. قوله تعالى: ﴿رَاسِيَاتٍ﴾ قال العُلَماء ﵀: الراسِي الثابِت، وإنما كانت راسِيةً في الأرض لكِبَرها، فهي لكِبَرها لا يَستَطيعُ أحَدٌ أن يَتَناوَلها ويَقلِبَها، والعادةُ أن القُدور مَنقولةٌ مَقلّبة، لكنَّ هذه لكِبَرها وسَعَتها راسِية لا تَتَحرَّك. وقول المُفَسِّر ﵀: [لها قَوَائِمُ] المُراد به: المَناصِب التي تُنصَب عليها يَعني: أَرجُلاً، يَقول ﵀: [تُتَّخَذُ مِنَ الْجِبَالِ بِالْيَمَنِ]، وهذا ليس بلازِم أنها مُتَّخَذة من الجِبال، وإن كانت القُدور قد تُتَّخَذ من النُّحاس والحَديد، وكذلك من الأَحْجار يُمكِن أن تُنحَت وتَكونَ قِدْرًا، ومُمكِنٌ أن تُجعَل طينًا يُتَّخَذ منه الفَخَّار؛ ولكن ليس بلازِم، يَعنِي: تُتَّخَذ من الحديد والنُّحَاس ومن الأحجار ومن غير ذلك. قال المُفَسِّر ﵀: [وَقُلْنَا: ﴿اعْمَلُوا﴾ يَا ﴿آلَ دَاوُودَ﴾ بِطَاعَةِ الله ﴿شُكْرًا﴾ لَهُ

стр. 109

عَلَى مَا آتًاكُمْ] أَفادَ المُفَسِّر ﵀ أن ﴿اعْمَلُوا﴾ جُملة في مَحَلَّ نَصْب لقولٍ مَحذوف التقديرُ: [قُلْنَا: ] ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ﴾، وأمَّا ﴿آلَ دَاوُودَ﴾ فهي مَنصوبة بـ (يا) النِّداء المَحذوفة؛ أي: يا آل داودَ، وآل داودَ هنا ذُرِّيَّتُه وقَرابتُه؛ لأنَّ الله تعالى أَنعَمَ على هذه القَبيلةِ؛ قبيلة داودَ ﵇ بنِعَمٍ عَظيمة، أَنعَمَ على أبيهم وعلى ابنِهِ سُلَيْمانَ ﵇. وقوله: ﴿شُكْرًا﴾ أَفادَنا بتَقدير الشُّكْر لله تعالى على أن ﴿شُكْرًا﴾ مَفعولٌ مِنْ أَجْله وأنَّ مَفعول ﴿اعْمَلُوا﴾ محَذوف، تَقديرُه: بطاعة الله تعالى؛ يَعنِي: اعمَلوا بطاعة الله تعالى لأَجْل الشُّكْر لله تعالى، ويحتَمل أن تَكون ﴿شُكْرًا﴾ مَفعولًا به لـ ﴿اعْمَلُوا﴾؛ يَعنِي: اعمَلوا الشُّكْر، والشُّكْر هو: الطاعة، ولكن هذا الوَجْهَ نَسلَم فيه من التَّقدير، أمَّا على الوَجْه الأَّوْل فإنه لا بُدَّ أن نُقدِّر مَفعول: ﴿اعْمَلُوا﴾. والشُّكْر عرَّفه العُلَماء ﵀ بأنه: القِيام بطاعة المُنعِم في القَلْب واللِّسان والجوارِح، أمَّا في القَلْب فأن تَعتَقِد بأن ما بِكَ من نِعمة فهي مِن الله تعالى، وأمَّا في اللِّسان بأن تُثنِيَ على الله تعالى بالنِّعمة، لا تَذكُر النِّعمة افتِخارًا بها على الناس، وأمَّا الجوارِح فأَنْ تَكون بطاعة الله فيما يَختَصُّ بتِلكَ النِّعْمةِ أو بطاعته على سبيل العُموم. والفَرْق بين هذا وهذا؛ إذا قُلْنا: أن تَقوم بطاعة الله فيما يَختَصُّ بهذه النَّعْمةِ، فإذا أَنعَمَ الله تعالى عليكَ بمال فشُكرُهُ الزكاةُ والإنفاق، وما أَشبَهَ ذلك، فإذا عَصَيْت الله تعالى في غير ذلك لا يُقال: إنك لم تَقُمْ بشُكْر المال. أمَّا إذا قُلْنا: إن الشُّكْر هو أن تَقوم بطاعة الله تعالى فيما يَختَصُّ بهذه النَّعْمةِ وفي غيره؛ فإن الإنسان إذا أَنعَم عليه بمالٍ وقام بحَقَّه على الوَجْه الكامِل، ولكنه يَعصِي الله في أُمورٍ أخرى يُقال: إن هذا ليس بشاكِرٍ.

стр. 110

ولكن قد نَقول: إن الشُّكْر نَوْعان: شُكْر مُطلَق؛ وهو الذي يَقوم بطاعة المُنعِم فيما أَنعَم به عليه فيه وفي غيره، وشُكْر خاصّ مُقيَّد لهذه النَّعْمة المُعيَّنة؛ فيَكون هذا الشاكِرُ إذا قام بما يَجِب عليه في هذه النَّعْمةِ المُعيَّنة شاكِرًا، لكنه لا يُعطَى وَصْف الشَّكور، ونَظيرُ ذلك ما سبَقَ لنا في التَّوبة، أنَّ التَّوْبة تَصِحُّ من الذَّنْب مع الإصرار على غيره، لكن لا يَستَحِقُ التائِبُ وَصْف التَّوْبة المُطلَق. قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ العامِل بطاعَتي شُكرًا لنِعْمتي، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ﴾ خبَرٌ مُقدَّم، و ﴿الشَّكُورُ﴾ هو مُبتَدَأ مُؤخَّر؛ لأن المَقصود الإِخْبار عن ﴿الشَّكُورُ﴾ بأنه قليل، ويَكون تَقديرُ الآية: والشَّكورُ من عِبادي قليل. وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ﴾ هو مُتعَلِّق بما بعده فلمَّا قُدِّم عليه صار في مَوضِع نَصْبٍ على الحال؛ يَعنِي: ﴿الشَّكُورُ﴾ حال كونه من عباده ﴿وَقَلِيلٌ﴾ وتَعليل ذلك أن أكثَرَ بَني آدَمَ غيرُ شَكور، بل هم ضالُّون، فبَنو آدَمَ يَكون منهم تِسْعُ مئة وتسعةٌ وتِسعون في النَّار وواحِدٌ في الجنَّة، ولا شَكَّ أن واحِدًا إذا نُسِب إلى المِئة يَكون قليلًا. وقوله : ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ المُراد بالعُبودية هنا: العامَّة الشامِلة للكافِرين والمُؤمِنين. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: مِن قوله : ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ أنَّ الله عَزوَجلَّ سخَر الجِنَّ لسُلَيْمانَ ﵇ يَعمَلون له ما يَشاءُ، وهذا لا يَتَأتَّى لأحَدٍ من البَشَر، نعَمْ رُبَّما تَعمَل الجِنُّ لبعض البشَر أَشياءً، لكن لا تَكون قائِمةً بما شاء.
следующие страницы →