← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 150305

ذوو الاحتياجات الخاصة في ضوء القرآن والسنة

صهيب فايز عزام

Полный текст (167 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

• المطلب السادس: الإصابة بسبب ما ينتج عن الأمراض العضوية أو النفسية: إن من أسباب الإصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة، ما يتعرض له أهل العافية بعد مرض عضوي، ينتج عنه إصابة دائمة كمرض السكري. فهناك مجموعة كبيرة من المضاعفات، التي تحدث لمرضى السكري الذين يهملون العلاج، والمعروف أن مضاعفات داء السكري طويلة الأمد، هي تسارع حدوث تصلب الشرايين، أو المرض القلبي الوعائي، وارتفاع ضغط الدم، وحدوث العمى، والتهابات حوض الكلى وهبوط عمل الكلية "القصور الكلوي"، وتلف الأعصاب، وبالأخص أعصاب العين والعضو التناسلي الذكري والأطراف، وازدياد خطر حدوث التشوه الخَلْقي في أجنة الحوامل المصابات بداء السكري (١). وغير ذلك من الأمراض كتجلط الدم الذي ينتج عنه أحيانا إصابات بالأطراف أو إصابة بالدماغ. أما الجانب النفسي، فنرى فيه أن الهموم النفسية تنعكس على الأعضاء الجسمية، فكثيرا ما ينتج عن الأمراض النفسية أمراض عضوية تؤدي الى إصابات دائمة. تساهم العديد من الامراض النفسية، الناتجة عن سوء التكيف الاجتماعي والنفسي في كثير من حالات الإصابة وخاصة عيوب النطق والكلام، مثل: التأتأة والفأفأة وغيرها (٢). أما الصدمات النفسية، فالسلوك الذي يتصف بالخبل أو الخرف*، يمكن أن ينتج عنه صدمات فسيولوجية* أو سيكولوجية* عديدة، وإن كل الفئات العمرية عرضة لمثل هذه الصدمات والإضطرابات، وهي ليست قاصرة على المسنين، فهم عرضة للخرف والمرض العقلي (٣). وفي نهاية هذا المبحث يتبين أن الاصابة عند ذوي الاحتياجات الخاصة ترجع الى عدة عوامل وهي العامل الوراثي، أو إصابة الجنين أثناء الحمل أو الولادة، أو التعرض للحوادث، أو بسبب الاعتداء، أو القصاص في الجنايات، أو ما ينتج عن الأمراض العضوية أو النفسية.

стр. 37

الفصل الثالث ذوو الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم . • المبحث الأول: المصطلحات التي استخدمها القرآن الكريم للدلالة على ذوي الاحتياجات الخاصة. • المبحث الثاني: توجيه القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة. • المبحث الثالث: مواقف خلدها القرآن الكريم لأناس من ذوي الاحتياجات الخاصة. • المبحث الرابع: عناية القرآن الكريم بذوي الاحتياجات الخاصة. • المبحث الخامس: حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم.

стр. 38

ذوو الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم. إن قَدْرَ ذوي الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم رفيع، ذلك أنهم من بني آدم الذي خلقه الله بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة أن تسجد له، وجعله وذريته خلائف في الأرض، فذوو الاحتياجات الخاصة كغيرهم يحملون بين جوانبهم نفخة من روح الله، فهم مكرمون وفي الأرض مستخلفون، فالقرآن منهج حياة وفيه آيات كثيرة عنيت بذوي الاحتياجات الخاصة ببيان ذكرهم ووصفهم وما وجه لهم من آيات وما لهم من حقوق وواجبات وما ذكر بشأنهم من قصص وكرامات، وفي هذا الفصل سألقي الضوء على ذوي الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم والذي جاء في مباحث خمسة: • المبحث الاول: المصطلحات التي استخدمها القرآن الكريم للدلالة على ذوي الاحتياجات الخاصة . استخدم القرآن الكريم مصطلحات للدلالة على ذوي الاحتياجات الخاصة، فمنها ما جاء صريحا فسمي بإسمه، ومنها ما جاء كناية وعبر عنه بوصفه. أما ما جاء صريحا كمصطلح (الأعمى) و (الأعرج) كما في قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ [الفتح: ١٧]، " العمى: ذهاب البصر من العينين كلتيهما." (١) والأعرج هو من أُصيب في رجله يقال: " عرج في السلم ارتقى، وعرج ايضا أصابه شيء في رجله فمشى مشية (العرجان)، " (٢) ومصطلح (الأكمه) كما في قوله تعالى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ... (٤٩)﴾ [آل. عمران: ٤٩]، " والأكمه: الذي يولد أعمى". (٣) ومصطلحي (الأصم والأبكم) كما في قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٨)﴾ [البقرة: ١٨]، الصمم: انسداد الأذن وثقل السمع، (٤) وأما " الأبكم: الأخرس الذي لا يتكلم، " (٥) ومصطلح (الجنون)، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُون (٥)﴾ [القلم: ٥١]، الجنون: " جن الرجل: زال عقله." (٦) ومصطلح (السفه) كما في قوله

стр. 39

تعالى: ﴿ ... فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا ... ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. السفه: " السفيه: خفيف العقل، وقال مجاهد السفيه: الجاهل." (١) وأما ما كني عنه وسمي بوصفه كمصطلح (الضعفاء) كما جاء في قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٩١)﴾ [التوبة: ٩١]. جاء في معجم الوسيط: " ضعف: ضعفا هزل او مرض وذهبت قوته او صحته"، (٢) ومصطلح (أولي الضرر) كما في قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ ... (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥]، أولي الضرر: " أي غير أولي الزمانة*، وقال ابن عرفة: أي غير من به علة تضره وتقطعه عن الجهاد وهي الضرارة أيضا يقال ذلك في البصر وغيره" (٣) ومصطلح (البلاء) كما في قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ... (١٨٦)﴾ [ال. عمران: ١٨٦]، " البلاء: المحنة تنزل بالمرء ليختبر بها والغم والحزن والجهد الشديد في الأمر، " (٤) ومصطلحي (الصابرين والمصيبة) كما في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقر: ١٥٦]، "الصبر صبران: أحدهما: بدني لتحمل المشاق بالبدن والثبات عليه، وهو اما بالعقل كتعاطي الاعمال الشاقة، او بالاحتمال كالصبر على الضرب الشديد والألم العظيم. وثانيهما: الصبر النفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الشهوة ومشتهيات الطبع"، (٥) أما مصيبة فهي مفرد جمعها مصيبات ومصائب، والمصيبة هي كل مكروه يحل بالإنسان وينزل به. (٦) ومن هذه المصطلحات أيضا (ابيضت عيناه) كما في قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨)﴾ [يوسف: ٨٤]، ابيضت عيناه وهو يعقوب ﵇: " أي انقلبت الى حال البياض، قال مقاتل، لم يبصر بها ست سنين حتى كشفه الله بقميص يوسف." (٧) و (الوقر) كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان: ٧]، " الوقر: الثقل في الأذن" (٨) و (العقدة)، كقوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (٢٧)﴾ [طه: ٢٧]، " عقدة اللسان: عدم الطلاقة في الكلام" (٩)،

стр. 40

وعدم الإابانة في الكلام كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ [الزخرف: ٥٢]، " أي يبطئ في التكلم ولا يتكلم إلا بعد الجهد والمشقة." (١) ومصطلح (الضر) كما في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣]، "الضر: ما كان من سوء حال او فقر أو شدة في البدن." (٢) ومصطلح الإربة كما في قوله تعالى: ﴿ ... غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ... ﴾ [النور: ٣١]، جاء في مختار الصحاح: " ﴿غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ﴾ في الآية: هو المعتوه" (٣). وهكذا نرى أن الله قد أفرد في القرآن الكريم آيات ومصطلحات للدلالة على ذوي الاحتياجات الخاصة لبيان مكانتهم وحقوقهم وواجباتهم وبيان ما لهم وما عليهم. • المبحث الثاني: توجيه القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة إن القرآن الكريم أُنزل لهداية البشرية وإسعادها، فهو موجه لجميع الشرائح والفئات، ومن هؤلاء ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين أولاهم القرآن الكريم عناية خاصة وفي هذا المبحث نتعرف على ما وَجَّه القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة من نصائح وتوجيهات، وجاء في ستة مطالب هي: المطلب الأول: هداية القرآن الكريم الى الطريق القويم. المطلب الثاني: أسس المجتمع الإسلامي في القرآن الكريم وعلاقتها بذوي الاحتياجات الخاصة المطلب الثالث: المصيبة في الإيمان أعظم من مصائب الأبدان. المطلب الرابع: التقوى والإيمان أساس المفاضلة في القرآن الكريم. المطلب الخامس: ما أصاب ذوي الاحتياجات الخاصة فبقدر الله عزوجل. المطلب السادس: عظم أجر الصابرين عند الله تعالى.

стр. 41

• المطلب الأول: هداية القرآن الكريم الى الطريق القويم: أنزل الله سبحانه القران الكريم على نبيه ﷺ لينشر الهداية، ويسعد الخلق في الدارين، ومن هؤلاء ذوي الاحتياجات الخاصة الذين خاطبهم القرآن الكريم، كما خاطب بقية الخلق في التكاليف والواجبات، إلا ما استثنوا منه لضعفهم وعدم قدرتهم القيام بهذه الواجبات، كما أعذر الأعمى والأعرج عن الجهاد، وجعلهم متساوين في الثواب والجزاء ان هم صبروا على بلائهم وقاموا بواجباتهم، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٦]، قال ابن كثير: أي طريق النجاة والسلامة والاستقامة، وينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحقق لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة ويرشدهم إلي أقوم حالة (١). فبالقرآن نهتدي وبه نقتدي، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء: ٩]، جاء في تفسير ابن كثير " يمدح تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ وهو القرآن الكريم، بأنه يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل ويبشر المؤمنين به الذين يعملون الصالحات على مقتضاه، أن لهم جزاء كبيرا، أي يوم القيامة، وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة، أي ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذابا أليما، أي يوم القيامة." (٢) وبالقرآن يقام القسط وينشر العدل ويرفع الظلم، فيأخذ كل ذي حق حقه، الضعيف والقوي والصغير والكبير، والذكر والأنثى، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة توجه ذوي الاحتياجات الخاصة لبيان فضلهم وحقوقهم وواجباتهم، وكيفية احترامهم. • المطلب الثاني: أسس المجتمع الإسلامي في القرآن الكريم وعلاقتها بذوي الاحتياجات الخاصة: لقد بين الله في القرآن الكريم، أن المجتمع الإسلامي يقوم على عدة أسس، لتنظيمه وإسعاد أفراده في الدنيا وفلاحهم في الآخرة، وذلك من خلال التزام أفراد المجتمع بواجباتهم ومعرفة حقوقهم، ومن بينهم ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين أولاهم المجتمع الإسلامي عناية فائقة، امتثالا لأوامر القرآن وتعاليم النبي ﷺ ، ومن هذه الأسس:

стр. 42

١. المودة والرحمة: قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. قال ابن كثير: "أي يتناصرون ويتعاضدون"، (١) وعن النعمان بن البشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). (٢) فمن صفات المؤمنين المودة، التي تجعلهم يتناصرون ويتعاضدون ويشعر بعضهم بشعور بعض ومن صفاتهم أيضا الرحمة التي لا تنفك عن المودة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾ [البلد: ١٧]. قال سيد قطب: إن المسلمين يوصي بعضهم بعضا بالصبر على العبء المشترك، ويثبت بعضهم بعضا، وهذا أمر غير الصبر الفردي، وإن يكن قائما على الصبر الفردي، وهو ألا يكون الفرد عنصر تخذيل بل عنصر تثبيت، وكذلك التواصي بالمرحمة، فانه إشاعة الشعور بواجب التراحم في صفوف المسلمين عن طريق التواصي به، والتحاض عليه، واتخاذه واجبا جماعيا فرديا في الوقت ذاته يتعارف ويتعاون عليه المجتمع. (٣) كم هي السعادة التي تغمر قلوب ذوي الاحتياجات الخاصة عندما يعايشون هذه المعاني ويكونون في مجتمع مبني على التواد والتراحم، إنها لسعادة عظيمة تجعلهم لا يشعرون بنقص، ولا عُضادة لأن في المجتمع من يعوضهم عما فقدوه. ٢. التكافل والتعاون: ومن أسس المجتمع الاسلامي التي وردت في القرآن الكريم التعاون والتكافل بين افراد المجتمع، قال تعالى: ﴿ ... وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. جاء في تفسير الطبري: أي لِيُعِن بعضكم بعضا في البر والتقوى، والبر هو: العمل بما أمر الله به، والتقوى: إتقاء ما أمر الله إتقائه واجتنابه من معاصيه، ولا يعن بعضكم بعضا على الإثم والعدوان، والإثم هو: ترك ما أمركم الله بفعله، والعدوان هو: تجاوز حدّ الله لكم في دينكم. (٤)

стр. 43

إن ذوي الاحتياجات الخاصة، عندما يعيشون بين أفراد مبدأهم التعاون على البر والتقوى، فإنهم لا يشعرون بضيق ولا يحزنون لضر ألم بهم، لان في المجتمع من يسابق لتقديم الخير للغير منطلقا من أساس التكافل والتعاون. ٣. الاحترام والتقدير بين أفراد المجتمع: كما ان من الأسس التي أرساها القرآن الاحترام والتقدير بين أفراد المجتمع المسلم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١]. قال سيد قطب: " إن المجتمع الفاضل الذي يُقِيمه الإسلام بهدى القرآن، مجتمع له أدب رفيع، ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمس وهي من كرامة المجموع، ولمز أي فرد هو لمز لذات النفس لأن الجماعة كلها واحدة، كرامتها واحده. والقرآن في هذه الآية يهتف للمؤمنين بذلك النداء الحبيب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، وينهاهم أن يسخر قوم بقوم، أي رجال برجال، فلعلهم خير منهم عند الله، أو أن يسخر نساء من نساء فلعلهن خير منهن في ميزان الله. وفي التعبير إيحاء خفي بأن القيم الظاهرة التي يراها الرجال في أنفسهم، وتراها النساء في أنفسهن ليست هي القيم الحقيقية، التي يوزن بها الناس، فهناك قيم أخرى قد تكون خافية عليهم يعلمها الله ويزن بها). (١) فعندما يعيش ذوو الاحتياجات الخاصة في مجتمع الاحترام فيه متبادل، والتقدير فيه حاضرٌ، فإنهم يثقون بأنفسهم ولا يشعرون بخجل أمام الناس مما أصابهم. ٤. العدالة والمساواة: من الأمور التي يحتاجها أفراد المجتمع العدالة والمساواة لذا قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ [الرَّحمن: ٧]. جاء في تفسير الطبري، " وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾، يقول تعالى ذكره: السماء رفعها فوق الأرض، وقوله: ﴿وَوَضَعَ المِيزَانَ﴾ يقول: ووضع العدل بين خلقه في الأرض"، (٢) وقال سيد قطب ﵀: " فميزان الحق وضعه ثابت راسخ مستقرٌ، وضعه لتقدير القيم، قيم الأشخاص والأحداث والأشياء، كي لا يختل تقويمها ولا يضطرب وزنها ولا تتبع الجهل والغرض والهوى، وضعه في

стр. 44

الفطرة ووضعه في هذا المنهج الإلهي الذي جاءت به الرسالات وتضمنه القرآن"، (١) هذا عن العدالة. أما عن المساواة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. جاءفي تفسير الطبري: يأمر الله الناس أن يحذروه، فلا يخالفونه فيما أمرهم به، ولا ما نهاهم عنه. ثم وصف نفسه بأنه خلق الناس جميعا من شخص واحد، وعرّف عباده كيف كان مبدأ خلقهم من النفس الواحدة، ونبههم إلى أنهم جميعا أبناء أب واحد وأم واحدة، وحق بعضهم على بعض، وإن بَعُدَ التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم، مثل الذي يلزمهم من ذلك النسب، وأمرهم الله أن يعطف بعضهم على بعض ليتناصفوا، ولا يتظالموا وليبذل القوي منهم للضعيف حقه بالمعروف، على ما ألزمه الله، والمراد من النفس الواحدة هو ادم ﵇، ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، جاء في تفسير الطبري: خلق من النفس الواحدة زوجها وهو المخلوق الثاني المكمل لها، والمراد بالمخلوق الثاني: حواء، ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾، أي نشر من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساء كثيرات. (٢) إن ذوي الاحتياجات الخاصة، يشعرون باطمئنان عندما يسود بين أفراد المجتمع العدل والمساواة، فلا انتقاص لذواتهم، ولا هضم لحقوقهم ولا ظلم لضعفهم، بل عدل وإخاء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠]. ٥. الشورى: أمر الله بالشورى في آيات عديدة فقد أمر نبيه ﷺ ، أن يشاور أصحابه قال تعالى: ﴿ ... وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل. عمران: ١٥٩]، جاء في تفسير الواحدي: " قال قتادة: أمر الله تعالى نبيه أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحي السماء، لأنه أطيب لأنفس القوم إذا شاور بعضهم بعضا. وقال الضحاك: ما أمر الله نبيه بالمشورة إلا لما يعلم ما فيها من الفضل. (٣) فالشورى فيها خير كثير ومن هذا الخير، تطيب القلوب والوصول الى أفضل الآراء، لذا بيّن الله أن من صفات المؤمنين الشورى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣٨)﴾ [الشُّورى: ٣٨]. قال ابن كثير: " أي لا يبرمون أمراً حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها، كما قال تعالى: ﴿ ... وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾، ولهذا كان ﵇ يشاورهم في الحروب، لِيُطيب بذلك قلوبهم، وهكذا لما حضرت

стр. 45

عمر بن الخطاب ﵁ الوفاة حين طُعِنَ جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر وهم: عثمان وعلي وطلحه والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين". (١) وبما أن ذوي الاحتياجات الخاصة من أفراد المجتمع المسلم، يُأخذ برأيهم ويُسمع لقولهم إذا كانوا أهلاً للشورى، لذا نجد أن عمر بن الخطاب ﵁ قد جعل من بين الستة الذين اختارهم لتشاور في اختيار الخليفة طلحة بن عُبيد الله ﵁ والذي كانت يده مشلولة وعبد الرحمن بن عوف ﵁ الذي كان أعرجَ، فالإسلام يدعو إلى أن يكونوا ممثلين في جميع مؤسسات المجتمع. • المطلب الثالث: المصيبة في الإيمان أعظم من مصائب الأبدان: إن ما يعانيه ذوو الاحتياجات الخاصة، لا ينقص من كرامتهم ولا يحط من قيمتهم في الحياة، فان البلاء الحقيقي هو ما يصيب الإيمان لا ما يصيب الأبدان، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]، قال ابن كثير "يعنِي: لا ينتفعونَ بشيءٍ من هذه الجوارح الَّتي جعلها الله سببًا لِلهداية، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٢٦)﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢٦]، وقال تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨]، هَذَا في حقِّ المُنافقِين، وقال فِي حقِّ الكافرِين: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧١]، وَلم يَكونوا صمًّا بُكمًا عُميًا إِلا عن الهُدى، كما قال تعالى: : ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣] فإن ما ذكر في القرآن الكريم عن الحواس يبين بأن سلامتها لا تقاس بصحتها إنما بأدائها لما خلقت له، فَمَن حاسة السمع عنده سليمة هو من يسمع الحق، وَمَن حاسة البصر عنده سليمة هو مَن يرى آيات الله في الكون ودلائل قدرته في ذلك، والذي لديه نطق سليم هو من يصونه عن الفحش في القول وينطق بالحق، فليس المعاق من فقد سمعه أو بصره أو يده أو قدمه، إن المعاق من تلقى له عقلا عن الحق أضله. فالمعاق حقا وفق المفهوم القرآني هو الذي لا يسخر عقله أو حواسه لما خلقت له لتهديه الى الله تعالى، بل هو أقل شأنا من البهائم التي آتاها الله هذه الحواس، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. قال الطبري في تأويل هذه الآية: " (أَمْ تَحْسَبُ): يا محمد أن أكثر هؤلاء المشركين (يَسمعونَ) ما يتلى عليهم، فيعون (أَوْ يَعقلون) ما يعاينون من حجج الله، فيفهمون (إِنْ هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ) يقول: ما هم إلا كالبهائم التي لا تعقل ما يقال لها، ولا تفقه، بل هم من البهائم أضلّ

стр. 46

سبيلا لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفرة لا يطيعون ربهم، ولا يشكرون نعمة من أنعم عليهم، بل يكفرونها، ويعصون من خلقهم وبرأهم " (١). قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]، قال الطبري: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ): إنهم يبصرون الأشياء والأشخاص بأبصارهم، (ولكن تعمى القلوب الَّتي في الصُّدور) تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته (٢). أما الشيخ أبو بكر الجزائري فنجده يبين أهمية البصيرة فيقول: " العبرة بالبصيرة القلبية لا بالبصر، فكم من أعمى هو أبصر للحقائق وطرق النجاة من ذي بصر حاد حديد، ومن هنا كان من المفروض على العبد أن يحافظ على بصيرته أكثر من المحافظة على عينيه، وذلك بأن يتجنب مدمرات القلوب من الكذب والترهات والخرافات، والكِبْر والعُجْب والحب والبغض في غير الله". (٣) أما الشهيد سيد قطب فيعقب على الآية اذ يقول: " ويمعن في تحديد مواضع القلوب التي في الصدور زيادة في التوكيد، وزيادة في إثبات العمى لتلك القلوب مع وجه التحديد، ولو كانت هذه القلوب مبصرة لجاشت بالذكرى، وجاشت بالعَبْرَة، وجنحت إلى الإيمان خشية العاقبة الماثلة في مصارع الغابرين وهي حولهم كثير. ولكنهم بدلا من التأمل في تلك المصارع، والجنوح إلى الإيمان، والتقوى من العذاب .. راحوا يستعجلون العذاب الذي أخره الله عنهم إلى أجل معلوم." (٤) وفي موضع آخر يربط بين العمى الدنيوي والأخروي عندما يتعرض لقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢]، "أي من عمي في الدنيا عن دلائل الهدى، فهو في الآخرة أعمى عن طرق الخير، وأشد ضلالا." (٥) • المطلب الرابع: التقوى والإيمان أساس المفاضلة في القرآن الكريم: لقد كرم الله تعالى الإنسان سواء في ذلك ذوي الاحتياجات الخاصة أو غيرهم، وجعلهم في معظم المسؤوليات والجزاء متساوين، وجعل مناط التفاضل بينهم مبنيا على التقوى والإيمان، ولم يجعله بناء على الأحساب والأشكال والألوان، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. قال الإمام الطبري: " هذه الشعوب والقبائل لكم أيها الناس، ليعرف بعضكم بعضا في قرب القرابة منه وبعده، لا لفضيلة لكم في ذلك، وقربة تقربكم إلى الله، بل أكرمكم عند الله اتقاكم". (٦)

стр. 47

فميزان التفاضل عند الله هو التقوى والإيمان، لا الأشكال ولا الألوان ولا الأحساب ولا الأنساب، قال ابن كثير ﵀: " فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء ﵉ سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية وهي طاعة الله تعالى ومتابعة رسوله ﷺ ." (١) فهكذا لا بد أن يكون منهج الناس في التعامل بينهم في الحياة لكي يسعدوا في الدنيا ويفلحوا في الآخرة، أما إذا حادوا عن هذا المنهج واتبعوا المنهج الجاهلي في التقييم، فان النتيجة تقدير من لا يستحق التقدير، وهضم حقوق أصحاب المكانة العالية عند الله فتختل المعيشة في الحياة، قال سيد قطب ﵀: " فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون =-٠٨ للنهوض بجميع الاحتياجات، وليس للجنس واللون واللغة والوطن، وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله، إنما هناك ميزان واحد تتحد به القيم ويعرف به فضل الناس، وهو يزنكم عن علم وخبرة بالقيم والموازين: ان الله عليم خبير". (٢) • المطلب الخامس: ما أصاب ذوي الاحتياجات فبقدر الله : إن الله يقرر في القرآن الكريم أن كل شيء يصيب الإنسان هو بقضاء وقدر، فعندما يدرك أصحاب الاحتياجات الخاصة هذه المعاني يُسلمون أمرهم لله، ويؤمنون بقضاء الله، فالقرآن لا ينكر البلاء الذي يحل بالإنسان لكنه يُوَجِهنا الى الصبر والتحمل وانتظار الثواب والأجر بعد ذلك إن صبرنا على المصيبة. والمصيبة جمعها مصيبات ومصائب، والمصيبة هي كل مكروه يحل بالإنسان وينزل به (٣). قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد: ٢٢]. يقول الإمام الطبري في تفسيره للآية الكريمة: "ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في الأرض بجدوبها وقحوطها، وذهاب زرعها وفسادها، (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) بالأوصاب والأوجاع والأسقام، (إِلا فِي كِتَابٍ) يعني: إلا في أمّ الكتاب، (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) يقول: من قبل أن نبرأ الأنفس، يعني: من قبل أن نخلقها، يقال: قد بَرَأَ الله هذا الشيء، بمعنى خلقه فهو بارئه." (٤) فعندما ترسخ هذه المعاني في نفوس ذوي الاحتياجات الخاصة لا يجزعون لما أصابهم ولا يحزنون لما ألَمَّ بهم فتطمئن قلوبهم وتنشرح صدورهم وتسكن نفوسهم، قال تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].

стр. 48

قال الطبري: " يقول تعالى ذِكره: لَم يُصَبْ أَحدٌ من الخلقِ مُصيبةٌ ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ يَقُولُ: إِلَّا بقضاء الله وَتقديره ذلك عليه ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، يقول: ومن يُصدِّق بِالله، فيعلم أَنَّه لا أَحد تُصيبُه مُصيبةٌ إِلا بِإِذن الله بذلك يهد قلبه: يقول: يوفق الله قلبه بالتسليم لأَمره والرضا بقضائه". (١) قد يقول قائل لماذا تنزل المصائب والابتلاءات على أهل الإيمان، فنجد الإمام القرطبي يقول: "إن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم الله عن المصائب في الدنيا، فبين الله تعالى أَن ما أَصاب من مصيبة في نفس أَو مال أَو قول أَو فعلٍ، يقتضي هَمَّا أَو يوجب عقابًا عاجلا أَو آجلا فبعلم الله وقضائه". (٢) فهذه رسالة ربانية للمسلمين أنَّ كل شيء يقع إنما هو بقضاء وقدر، ومن المعلوم أنَّ المسلم لا يكتمل إيمانه إلا بتسليمه المطلق بالقضاء والقدر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: (يا غُلامُ، أَو يا غُلَيِّمُ، أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنفعُكَ اللهُ بِهنَّ؟ " فقُلتُ: بلى. فَقَالَ: " احفَظِ اللهَ يَحفَظكَ، احفَظِ اللهَ تَجِدهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّف إِلَيهِ في الرَّخاءِ، يَعرِفكَ في الشِّدَّةِ، وَإِذَا سأَلتَ، فَاسأَلِ اللهَ، وَإِذَا استَعَنتَ، فَاستَعِن بِاللهِ، قَد جَفَّ القلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَو أَنَّ الخَلقَ كُلَّهُم جَمِيعًا أَرَادُوا أَن يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ لَم يَكتُبهُ اللهُ عَلَيكَ، لَم يَقدِرُوا عَلَيهِ، وَإِن أَرَادُوا أَن يَضُرُّوك بِشَيءٍ لَم يَكتُبهُ اللهُ علَيكَ، لم يَقدرُوا عَلَيهِ، واعلَم أنَّ في الصَّبرِ على ما تَكرَهُ خَيرًا كثِيرا، وأَنَّ النَّصرَ مَع الصَّبرِ، وأَنَّ الفَرجَ مَع الكَربِ، وأَنَّ مع العُسرِ يُسرا). (٣) فما أصاب ذوي الاحتياجات الخاصة يدخل في القضاء والقدر والتسليم بذلك والصبر عليه توجيه قرآني وهدي نبوي، لأنه جزء لا يتجزأ من الإيمان مع التأكيد أن الحياة الدنيا عابرة والله وعد في الآخرة ثوابا عظيما للمؤمنين الصابرين. • المطلب السادس: عظم أجر الصابرين عند الله تعالى: إن القرآن الكريم لم يهمل المصيبة الجسدية، ولم ينكر وجودها ولم يتجاهل أثرها في نفس صاحبها، ولذلك فقد وجه المسلم الى الصبر على ما يواجهه في هذه الحياة من متاعب ومصاعب، وما ينزل به من ابتلاء يحل في جسمه او في أهله، ووعده بالأجر العظيم إن هو صبر واحتسب، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تحدثت عن الصبر والصابرين، وما وعدهم الله فيها من الأجر العظيم، فقد بشرهم الله تعالى فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦]، قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: أي بشرهم لصبرهم على الإمتحان،

стр. 49

والتزامهم بأحكام الله، وأدائهم ما أمر الله، مع ابتلاء الله لهم، حيث كانوا يقولون: ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١)، وجاء في صفوة التفاسير: "وبشر الصابرين على المصائب والبلاء بجنات النعيم ثم بين تعالى تعريف الصابرين بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي نزل بهم كرب أو بلاء أو مكروه، قالوا: ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أي استرجعوا وأقروا أنهم عبيد لله يفعل بهم ما يشاء." (٢) وفي معيّة الله للصابرين قال تعالى: ﴿ ... وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]. قال الشوكاني ﵀: " أَخبَرهُم بأَنهُ مع الصَّابرين في كل أَمرٍ يَنبَغي الصَّبر فيه، ويا حبذا هذه المعية التي لا يَغلِبُ مَن رُزقها غَالبٌ، ولا يُؤتى صاحبُها مِن جهة مِنَ الجهات، وإِن كانت كثيرةً " (٣). وعن محبة الله لهم، قال تعالى: ﴿ ... وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦]. قال الرازي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: " والمَعنى أَن مَنْ صَبرَ على تَحَمُّلِ الشدائد في طريق اللهِ ولم يُظهرِ الجزع والعَجزَ وَالهلعَ فإِن اللهَ يُحبُّهُ، ومحبَّةُ اللهِ تعالى للعَبدِ عبارة عن إِرادة إكرامه وإعزازه وتعظيمه، والحكم له بالثَّواب وَالجنةِ، وذلك نهايةُ الْمَطلوب". (٤) وأما عظم الأجر الذي أعده الله للصابرين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزُّمر: ١٠]، قال الطبري ﵀: إنما يعطي الله أهل الصبر على ما لقوا في الدنيا ثوابهم بغير حساب، (٥) وقال الأوزاعي: "ليس يوزن لهم ولا يكال لهم إنما يغرف لهم غرفا." (٦) قال الامام القرطبي: والصبر يورث الرضى بقضاء الله، وعلامة الرضا سكون القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات. فالصبر ترك الشكوى، والصبر حده ألا تعترض على التقدير، فأما إظهار البلوى على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر (٧). وفي نهاية هذا المبحث يتبين أن القرآن الكريم يهدي الى الطريق القويم، ويُعطي كل ذي حق حقه الضعيف والقوي، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة توجه ذوي الاحتياجات الخاصة لبيان فضلهم وحقوقهم وواجباتهم، وأن ما يعانيه ذوو الاحتياجات الخاصة لا ينقص من كرامتهم ولا يحط من قيمتهم، فالبلاء الحقيقي هو ما يصيب الإيمان لا ما يصيب الأبدان، فكرّم الله الانسان سواء في ذلك ذوو الاحتياجات الخاصة أو غيرهم وجعلهم في معظم المسؤوليات والجزاء

стр. 50

متساويين، وما أصاب ذوي الاحتياجات الخاصة فبقدر الله ، والتسليم بذلك والصبر عليه توجيه قرآني وهدي نبوي لأنه جزء لا يتجزأ من الإيمان، وان الله وعد الصابرين بالأجر العظيم إن هم صبروا على ما أصابهم من مصائب ومصاعب واحتسبوا الأجر والثواب عند الله.

стр. 51

• المبحث الثالث: مواقف خلدها القرآن الكريم لأناس من ذوي الاحتياجات الخاصة لقد خلد القرآن الكريم مواقف وقصصاً لأُناس من ذوي الاحتياجات الخاصة، كان لهم دورٌ عظيمٌ في خدمة الدين وتبليغ رسالة رب العالمين، فتركوا أثراً واضحاً في مجتمعاتهم، في حياتهم وبعد مماتهم، فَخلَّد الله مواقفهم وقصصهم في القرآن الكريم لما فيها من دروس وعبر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١]، ففي هذه المواقف والقصص تسلية لذوي الاحتياجات الخاصة، وتطييباً لقلوبهم ورَفعاً لهممهم وتكريما لذواتهم، وسأتناول في هذا المبحث مواقف لأنبياء ورسلاً ﵈، وبعض الصحابة الأجلاء ﵃، جاءت في أحد عشر مطلبا، وهي: المطلب الأول: موقف أيوب ﵇ وصبره على الإبتلاء في جسده. المطلب الثاني: موقف يعقوب ﵇ وصبره على الإبتلاء في بصره. المطلب الثالث: موقف شعيب ﵇ وصبره على الإبتلاء بالعمى. المطلب الرابع: موقف موسى ﵇ وصبره على الإبتلاء بعقدة اللسان. المطلب الخامس: موقف ضمرة بن العيص وصبره على الإبتلاء في بصره. المطلب السادس: موقف عمرو بن الجموح وصبره على الإبتلاء بالعرج. المطلب السابع: موقف عبد الله بن أُم مكتوم وصبره على الإبتلاء بالعمى. المطلب الثامن: موقف ثابت بن قيس وصبره على الإبتلاء بالصمم. المطلب التاسع: موقف معاذُ بْن جَبَلِ وصبره على الإبتلاء بالعرج. المطلب العاشر: موقف عبد الرحمن بن عوف وصبره على الإبتلاء بالعرج. المطلب الحادي عشر: موقف طلحة بن عبيد الله وصبره على الإبتلاء بشل يده.

стр. 52

• المطلب الأول: موقف أيوب ﵇ وصبره على الإبتلاء في جسده: لقد سجل الله موقف ايوب ﵇ في القران الكريم وكيف صبر على مانزل به من الابتلاء حتى اصبح يضرب به المثل في الصبر قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الانبياء: ٨٣] قال القرطبي ﵀: "أَي واذكر أَيُّوبَ إِذ نادى ربه، ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ أَي نالني في بدني ضر وفي مالي وأَهلي". (١) عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: (إن أيوب نبي الله ﵇ لبث في بلائه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه كان يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحدٌ من العالمين قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشف ما به، فلما راح إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع الى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق قال: وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) (سورة ص: ٤٢) فاستبطأته فبلغته، فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من بلاء فهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبيَّ الله هذا المبتلى، والله على ذلك ما رأيت أحداً كان أشبه به منك إذْ كان صحيحاً قال: فإني أنا هو، وكان له أندران أندر القمح، وأندر الشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح وأفرغت فيه الذهب حتى فاضت، وافرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاضت) (٢)، فهاهو نبي الله ايوب ﵇ يبتلى في اهله وماله ونفسه ويصبر على كل ذالك فمن ابتلي فليقتدي بأيوب ﵇ الذي صبر ورضي واحتسب. عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قلت: (يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيُبتلى الرجل على حسب دينه، فان كان دينه صُلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّةٌ ابتُليَ على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة) (٣). وقال الرازي: هذه المحن لا تكون عُقوباتٍ لأَنه تعالى وعد بها الأنبياء وأتباعهم. وهذه المِحنَ إِذا قرنها الصَّبرُ أَفادت درجةً عاليةً في الدِّين، وأن هذه المحن مِنَ اللهِ تعالى، خلافَ قولِ

стр. 53

الوثنية الذين ينسبون الأَمراضَ وغيرها إِلى شيءٍ آخر، وخلافَ قول المُنجِّمين الذين ينسبونها إِلى سعادة الكواكب ونحوستهَا (١). فلما طال المطال، واشتد الحال، وانتهى القدر المقدور، وتم الأَجل المقدر تضرع أيوب ﵇ إِلى رب العالمين وإِله المرسلين وفي هذا قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ [سورة ص: ٤١]، أي بنصب في بدني وعذاب في مالي وولدي فعند ذلك استجاب له أَرحم الراحمين، وأَمره أَن يقوم من مقامه وأَن يركض الأَرض برجله ففعل فأنبع الله تعالى عينا وأمره أن يغتسل منها فأذهبت جميع ما كان في بدنه من الأَذى وأَمره أَن يشرب منها فأذهبت جميع مَا كَانَ فِي بَاطِنِهِ من السوء وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا، ولهذا قال ﵎: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ [سورة ص: ٤٢]. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينما أَيوب يغتسل عريانا خر عليهِ جراد من ذهب فجعل أيوب ﵊ يحثو في ثوبه فناداه ربه يا أَيوب أَلم أَكن أَغنيتك عما ترى قال ﵊ بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك). (٢) قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾ [سورة. ص: ٤٣]. قال الحسن وقتادة أَحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم، وقوله : ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أَي به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته، وذكرى لأُولي الأَلباب أَي لذوي العقول ليعلموا أَن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة، وقال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [سورة. ص: ٤٤]، أَثنى الله تعالى عليه ومدحه بأَنه نعم العبد إِنه أَوَّاب أَي رجّاع منيب، ولهذا قال ﷻ : ﴿ ... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطَّلَاقِ: ٣]. (٣) إن موقف أيوب ﵇ وقصته مع البلاء، مدرسة مليئة بالدروس والعبر لذوي الاحتياجات الخاصة، فما على المسلم من أهل البلاء إلا أن يستعين بالله ويصبر، ليجد بعد ذلك اليسر والفرج من الله تعالى. ولا زال الى عصرنا هذا من يصبر على البلاء، ويقدم العطاء تلو العطاء بالرغم مما أصابه من بلاء، ومن هؤلاء الشيخ أحمد ياسين. الذي تعرض لحادث أثناء ممارسته للرياضة، نتج عنه شللٌ لأطرافه، كما كان يعاني من أمراض عديدة منها فقدان البصر في العين اليمنى، بعدما أصيب بضربه أثناء التحقيق معه على

стр. 54

يد مخابرات الاحتلال، وضعف شديد في إبصار العين اليسرى، والتهاب مزمن بالأذن وأمراض أخرى. كل هذا البلاء لم يمنعه من أن يكون مدرسا وإماما وخطيبا في المساجد، فقد كان أشهر خطيب عرفه قطاع غزة. تعرض للاعتقال عدة مرات من قبل الاحتلال، اثر نشاطه الدعوي والجهادي، وتأسيسه لحركة المقاومة الإسلامية، كان شعلة من النشاط والإيمان، لا يعرف الكلل ولا الملل من العمل وخدمة الناس، فقد لا يكون هناك مكان في فلسطين إلا ووصله الشيخ "أحمد ياسين" خلال نصف قرن من البذل والعطاء، قاد مسيرة الدعوة والجهاد لنصرة الدين والدفاع عن المسلمين لسنوات طويلة، حتى نال الشهادة بتاريخ ٢٢/ ٣/٢٠٠٤ م. (١) ما أعظم هؤلاء الضعفاء، فترى الواحد منهم ضعيف البنية لكنه قوي الإرادة، عالي الهمة، صلب العزيمة، ومن حكمة الله ، أن يُجري على أيدي الضعفاء أعمالاً يعجز عنها الأقوياء، ليعلم الجميع أن العون والتوفيق بيد الله الخالق البديع. • المطلب الثاني: موقف يعقوب ﵇ وصبره على الإبتلاء في بصره: لقد سجل القرآن الكريم ابتلاء يعقوب ﵇ في بصره، فقال الله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ [يوسف: ٨٤]. جاء في تفسير الواحدي: (ابيضت عيناه) أي انقلبت إلى حال البياض، وقوله: ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾، قال ابن عباس: من البكاء، يريد أن عينيه ابيضتا لكثرة بكائه، والحزن لما كان سببا للبكاء سمي البكاء حزنا (٢). قال ابو حيان في تفسيره البحر المحيط: وابيضاض عينيه من توالي العَبْرَة، فينقلِب سواد العين إِلى بياض كدر، قيل انه كان يدرك ادراكا ضعيفا والظاهر أَنه كان عمي لِقوله: فارْتد بصيرا. وقال: (وما يستوي الأَعمى والبصير) فقابل البصير بالأَعمى، وعلل الإبيضاض بالحزنِ، وإِنما هو من البكاء المتوالي، وهو ثمرة الحزن (٣). قال القرطبي: الحزن ليس بِمحظور، وإِنما المحظور الولولة وشق الثياب، والكلام بما لا ينبغي، (٤) وقال النبي ﷺ : (تَدمعُ العَينُ وَيحزَنُ القلبُ، ولا نقولُ إِلا ما يرضي ربَّنا، والله يا إِبراهيمُ إِنَّا بك لمحزونون) (٥).

стр. 55

وقد بين الله ذلك بقوله: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أَي مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه. (١) ان الله يبتلي ليعافي، ويأخذ ليعطي، فهو الكريم الحليم العليم الرحيم، ومن رحمة الله أنه ليس بعد العسر إلا اليسر، وليس بعد الكرب إلا الفرج، وهذا ما كان مع يعقوب ﵇. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ [يوسف: ٩٦]. قال الطبري رحمه الله تعالى: أي ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب، فرجع مبصرا بعينيه، بعدما عَمي (٢). وقال سيد قطب " فكانت مفاجأة القميص، وهو دليل على يوسف وقرب لقياه، ومفاجأة ارتداد البصر بعدما ابيضت عيناه" (٣). فهذا يدل على إكرام الله ، لمن شاء من عباده بمعافاته من البلاء، فالله بيده الأمر واليه يُرجع الأمر، فإذا عوفي العبد من البلاء فليحمد الله، وليعلم أنما هو اختبار وابتلاء، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الانسان: ٢]، وإذا بقي البلاء به، فليحمد الله وليرضى بقضاء الله وليصبر ويحتسب الاجر من الله، فالخير كل الخير في ما يختاره الله تعالى. فالإبتلاء في البصر مستمر عبر القرون والأزمان، إبتليِ به بعض الأنبياء والعلماء والأولياء ومن هؤلاء الشيخ عبد العزيز بن باز، الذي كان عالما في علوم الشريعة، ومرجع المستفتين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ولد في الرياض عام، شاء الله أن يحجب عنه ضياء البصر وهو في مطالع الصبا، حفظ القرآن عن ظهر قلب قبل أن يبدأ مرحلة البلوغ، مع سنة رسول الله ﷺ ، وبحفظه لكتاب الله باشر انطلاقه في طلب العلم، اتصل بالعديد من المشايخ يتلقى عنهم العلم. ولي القضاء وبقي فيه (١٤) سنة ونيفا، وكان مصدر خير وبركة لكل ما حوله ومن حوله، حرص على نفع الطلبة أثناء قيامه بمهمة القضاء. تخلى الشيخ عن عمله في القضاء، ليتفرغ للتدريس في المعاهد والكليات، أصبح رئيسا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكان له أثره البارز والعميق في كل تقدم أحرزته الجامعة تحت إشرافه، ولم يقتصر نشاط الشيخ العلمي عند حدود الجامعة بل امتد إلى الأقاصي البعيدة من وطن

стр. 56

الإسلام ومهاجر المسلمين، فهناك المدرسون الذين ينتدبهم باسم الجامعة للتدريس في أكثر من مدرسة وجامعة، وبخاصة في الهند وافريقية وباكستان. كان يستثمر ليله ونهاره بكل ما هو نافع ومفيد، فلا يترك وقتا يمر إلا يملأه بالطاعة والعبادة والتعلم والتعليم والفتاوى واستضافة طلبة العلم، إضافة إلى أعماله الرسمية، كان محققا لمبدأ الشورى وخطيبا جريئا بالحق، له عدة مؤلفات ومحاضرات مسجلة وفتاوى كثيرة، توفي بتاريخ ١٤/ ٤/١٩٩٩ في الرياض. (١) فالشيخ ابن باز حفظ القرآن والسنة فأصبح مرجعا للأمه، ورجل ذو همة يُحيي الله به أُمَّةٌ، ففقدان البصر لا يمنع الإنسان من أن يكون إمام هدى، وعالماً يقود الناس للخير. • المطلب الثالث: موقف شعيب ﵇ وصبره على الإبتلاء بالعمى: لقد سجل القرآن الكريم موقف شعيب وابتلائه بالعمى فقد ذكر جمهور المفسرين عند قوله تعالى ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: ٩١] أن شعيب ﵇ كان أعمى وبالرجوع الى قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١]. يتبين لنا أن من معاني الضعف العمى قال ابن كثير" يبين الله تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجِلاد في الجِهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما" (٢). جاء في كتاب الحاوي الكبير: " إن نبي الله شعيبا قد كان أعمى، وقد نبه عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ أي ضريراً ". (٣) ويظهر لنا موقف شعيب ﵇ وصبره على الإبتلاء في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾ [هود: ٩١]، جاء في تفسير الطبري: ﴿يا شعيب ما نفقه كثيرًا مما تقول﴾، أي: ما نعلم حقيقة كثير مما تقول وتخبرنا به، ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، أي ضريرًا. (٤) فبالرغم من إصابة شعيب ﵇ بالعمى، إلا أنه كان نبيا داعيا ومصلحا محاربا للفساد آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ولم يقف مستسلما أمام ما أصابه، مما دعا قومه للإنكار عليه واستغرابهم من حاله. قال القرطبي في تفسيره كان شعيب ﵇ أعمى، ولذلك قال قومه: وإِنا لنراك فينا ضعيفا، وكان يقال له: خطيب الأَنبياء لحسن مراجعته قومه، وكان قومه أَهل كفر بالله وبخس

стр. 57

للمكيال والميزان، قاال لهم كما جاء في قوله تعالى: ﴿ ... قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ... ﴾ [الاعراف: ٨٥]، أَي بيان، وهو مجيء شعيب ﵇ بالرسالة، ولم يُذكر له معجزة في القرآن، قال لهم: ﴿ ... وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٨٥)﴾ [الاعراف: ٨٥]، البخس النقص، وهو يكون في السلعة بِالتعييب والتزهيد فيها، أَو المخادعة عن القيمة، والاحتيال في التزيد في الكيل والنقصان منه، وكل ذلك من أَكل المال بالباطل، وذلك منهي عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على أَلسنة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم جميعهم، ثم قال لهم: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾، عطف على ولا تبخسوا، وهو لفظ يعم دقيق الفساد وجليله، قال ابن عباسٍ: كانت الأَرض قبل أَن يبعث الله شعيبا رسولا، يُعمل فيها بالمعاصي وتُستحل فيها المحارم وتُسفك فيها الدماء، فذلك فسادها، فلما بعث الله شعيباً ودعاهم إِلى الله صلحت الأَرض. وناداهم قائلا: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦)﴾ [الاعراف: ٨٦]، نهاهم عن القعود بالطرق والصد عن الطريق الذي يؤدي إِلى طاعة الله، وكانوا يوعِدُون العذاب مَنْ آمنَ (١). فبعد اصرارهم على فسادهم، ومعاداتهم لنبيهم، أخذوا يسخرون من شعيب ويتوعدونه بالقتل، ويقولون بأن الذي يمنعهم من ايقاع ما يعدون به مكانته في عشيرته، إلا أن الله هو الحامي والمؤيد له. قال الواحدي: فلما حذرهم شعيب ﵇ من العذاب الذي سينزل بهم ان لم يمتثلوا امر الله ورسوله، كما نزل بالاقوام الذين من قبلهم، ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾ [هود: ٩١]، ما نفقه صحة كثير مما تقول، يعنون من التوحيد والبعث وما يأمرهم به من الزكاة وترك البخس ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ أي أعمى. وفي لغة حمير تسمي الضرير ضعيفا، لأنه ضعف بذهاب بصره، قوله: ولولا رهطك: عشيرتك وقومك لرجمناك قتلناك، والرجم من شر القتلات، وكان رهط شعيب من أهل ملتهم، فلذلك أظهروا إليهم. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ أي: لست بممتنع علينا من أن نقتلك لولا ما نراعي من حق عشيرتك، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾ [هود: ٩٢]. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ الله﴾، يقول: أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكراما لرهطي، والله أولى بأن يتبع أمره، كأنه يقول: حِفظكم إياي في الله أولى منه في رهطي.

стр. 58

قوله: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾، الظهري: الشيء الذي تنساه وتغفل عنه، قال ابن عباس: يريد ألقيتموه خلف ظهوركم وامتنعتم من قتلي مخافة قومي والله أعز وأكبر من جميع خلقه. ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ عالم بأعمالكم وهو يجازيكم بها، ﴿ ... وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)﴾ [هود: ٩٣]، قال إبن عباس: ارتقبوا العذاب إني مرتقب من الله الرحمة والثواب. قوله: ﴿ ... وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ... ﴾ [هود: ٩٤]، صاح بهم جبريل صيحة فماتوا في أمكنتهم، ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ [هود: ٩٥]، ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ أي: بعدوا من رحمة الله ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. (١) فها هو شعيب ﵇ يُكلَّف بالتبليغ والإصلاح والدعوة الى الله وهو ضرير، ففي هذه المواقف رسالة لذوي الاحتياجات الخاصة ألا يكون ما أصابهم مانعا لهم من أن يكونوا عاملين فاعلين في مجتمعاتهم، فكم من صاحب بلاء كان قدوة لأهل العافية في علو همته وقوة عزيمته. ومن هؤلاء الشيخ عبد الحميد كشك، الذي ولد بمصر عام ١٩٣٣ م، وفقد نعمة البصر بسبب المرض وكان عمره (١٧) سنة، حفظ القرآن ولم يبلغ الثامنة من عمره، حصل على الشهادة الثانوية الأزهرية وشهادة كلية أصول الدين بتفوق. عمل إماما وخطيبا في عدة مساجد ما بين الأعوام ١٩٦٠ م-١٩٨٢ م، وكان خطيبا مفوها لقب بفارس المنبر، كان جريئا بالحق لا يخشى في الله لومة لائم، تعرض بعد ذلك للإعتقال والتعذيب والتنكيل عدة مرات وفصل من وظيفته، تفرغ للتأليف مابين عام ١٩٨٢ م وحتى عام ١٩٩٤ م، بلغت مؤلفاته (١١٥) مؤلف، له تفسير كامل للقرآن بعنوان (في رحاب القرآن) له (٢٠٠٠) شريط كاسيت و ٤٢٥ خطبة، له ثمانية أولاد، أربعة من الذكور وأربعة من الإناث، عمل على تحفيظهم القرآن كاملا بنفسه، يقول أحد أبنائه: هل تعلم أن والدي لم يضرب أحدا منا طوال حياته قط، لقي ربه وهو ساجد قبيل صلاة الجمعة في ٦/ ١٢/١٩٩٦ م، وهو في (٦٣) من عمره (٢). فها نحن نرى كثيراً ممن فقدوا أبصارهم ينيرون الطريق لكثير من المبصرين، وبالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين. • المطلب الرابع: موقف موسى ﵇ وصبره على الإبتلاء بعقدة اللسان: لقد ابتلى الله موسى ﵇ بعقدة في لسانه، فقال تعالى: -على لسان موسى ﵇ ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (٢٧)﴾ [طه: ٢٧]، جاء في تفسير الطبري: " أي

стр. 59

أطلق لساني بالمنطق، وكانت فيه عُجمة عن الكلام الذي كان من إلقائه الجمرة إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله" (١). لقد طلب موسى ﵇ من الله أن يحل عقدة لسانه، عندما أمره الله وقال له اذهب الى فرعون انه طغى، قال القرطبي: لما آنسه بالعصا واليد، وأَراه ما يدل على أَنه رسول، أَمره بالذهاب إِلى فرعون، وأن يدعوه، وطغى: معناه عصى وتكبر وكفر وتجبر وجاوز الحد، ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ [طه: ٢٨] لقد طلب الإِعانة لتبليغ الرسالة .. فقال موسى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: أَي وسعه ونوره بالإِيمان والنبوة، ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾، أَي سهل علي ما أَمرتني به من تبليغ الرسالة إِلى فرعون، ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ يعني العُجمة التي كانت فيه من جمرة النار التي أَطفأَها في فيه وهو طفل، قال ابن عباس: كانت في لسانه رتَّة*. (٢) فعندما أمر الله موسى ﵇ بأن يأتي فرعون ليبلغه رسالة الله ويقيم عليه الحجة، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾ [القصص: ٣٤]. قال الطبري مفسرا ما قاله موسى: رب إِني قتلت من قوم فرعون نفسا فأَخاف إن أتيتهم فلم أُبِنْ عن نفسي بحجة ﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾، لأن في لساني عقدة، ولا أبين معها ما أريد من الكلام ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ يقول: أحسن بيانا عما يريد أن يبينه ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ يقول: عونا ﴿يُصَدِّقُنِي﴾، أي: يبين لهم عني ما أخاطبهم به، فإنه يفهم ما لا يفهمون (٣). فلما جاء موسى وهارون الى فرعون وبلغاه أمر الله، أعرض فرعون واستكبر عن امر الله عندها ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥)﴾ [الزخرف: ٥١]. قال الطبري: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ من القبط، فـ ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ يعنى بقوله: ﴿مِنْ تَحْتِي﴾: من بين يدي في الجنان. كانت لهم جنات وأنهار ماء. وقوله: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ يقول: أفلا تبصرون أيها القوم ما أنا فيه من النعيم والخير، وما فيه موسى من الفقر وعِيِّ اللسان، افتخر بملكه مصر، وما قد مكَّن له من الدنيا استدراجا من الله له، وحسب أن الذي هو فيه من ذلك ناله بيده وحوله، وأن موسى إنما لم يصل إلى الذي يصفه، فنسبه من أجل ذلك إلى المهانة محتجًا على جهله قومه بأن موسى ﵇ لو كان محقًا فيما يأتي

стр. 60

به من الآيات والعبر، ولم يكن ذلك سحرا، لأكسب نفسه من الملك والنعمة، مثل الذي هو فيه، وأما قوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥)﴾ [الزخرف: ٥٣]، يقول فرعون لقومه بعد احتجاجه عليهم بملكه وسلطانه، وبيان لسانه وتمام خلقه، وفضل ما بينه وبين موسى بالصفات التي وصف بها نفسه: أنا خير أيها القوم، وصفتي هذه الصفة التي وصفت لكم ﴿مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ لا شيء له من الملك والأموال مع العلة التي في جسده، والآفة التي بلسانه، فلا يكاد من أجلها يبين كلامه؟ (١). وهكذا هم أهل الجاهلية الذين يقيّمون الناس بناء على أشكالهم وهيئاتهم، لا على إيمانهم وأخلاقهم، مبتعدين عن الميزان الإلهي الذي قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١)﴾ [الحجرات: ١٣]، ففي هذا الميزان يَعظُم موسى ﵇ الذي هو من أُولي العزم من الرسل وهو كليم الله، فان هذه المواقف من قصة موسى ﵇ تبين لذوي الاحتياجات الخاصة أن الضعف بالنطق أو الحواس أو الأعضاء، لا يضع من قدر الإنسان عند الله إن كان صاحب تقوى وإيمان، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (رُبَّ أَشعثَ أَغبرَ ذي طِمرَين تنبو عنه أَعينُ الناس لو أَقسمَ على اللهِ لأَبرَّهُ) (٢). والطِّمْرُ: الثوب الخلق، يقول رُبَّ ذِي خَلَقَين اطاع الله حتى لو سأل الله تعالى أجابه. (٣) فما أحوجنا في هذا الزمان الذي يُكَرَّم فيه الانسان ويُقدَّر بناء على منصبه وماله وصحته وجماله، أن نعود الى الميزان الإلهي الذي يعطي كل ذي حق حقه، ويضع الامور في نصابها، وبذلك تكون السعادة وترجع للأمة السيادة، عن مصعب بن سعد عن أبيه: قال نبي الله ﷺ : " (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم) " (٤). وممن نصر الله بهم الأمة في هذا العصر، مصطفى صادق الرّافعي، الذي ولد سنة ١٨٨١ م، وقد حفظ القرآن وهو دون العاشرة، وفقد حاسة السمع بسبب مرض أُصيب به، لم يُنْهِ إلا المرحة الابتدائية فقط، فأكب على مكتبة والده الحافلة، التي تجمع نوادر كتب الفقه والدين والعربية، فاستوعبها وراح يطلب المزيد، كانت علته سببا باعد بينه وبين مخالطته الناس، فكانت مكتبته هي دنياه التي يعيشها وناسها ناسه، وجوها جوه، وأهلها صحبته وخلانه وسمّاره، وقد ظل على دأبه في القراءة والإطلاع إلى آخر يوم في عمره، يقرأ كل يوم ثماني ساعات لا يكل ولا يمل، كأنه في التعليم شاد لا يرى أنه وصل إلى غاية.

стр. 61

وهو عالم بالأدب، شاعر، من كبار الكتاب، من ابرز مؤلفاته: ديوان شعر ثلاثة أجزاء، وإعجاز القرآن والبلاغة النبوية، وتحت راية القرآن، ووحي القلم. تولى الدفاع عن الإسلام في كتاباته ورد على الشبهات التي أثارها بعض الكتاب في زمانه، توفي عام ١٩٣٧ م في طنطا بمصر. (١) فإنما العلم لمن تابع، فالعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، والعلم يرفع صاحبه كما رفع مصطفى صادق الرّافعي، الذي نصر الاسلام والمسلمين رغم إصابته بالصمم، وبالمقابل كم من أناس سليمين لم يقدموا شيئاً للإسلام والمسلمين. • المطلب الخامس: موقف ضمرة بن العيص وصبره على الإبتلاء في بصره: ضمرة بن العيص صحابي من صحابة رسول الله ﷺ ، من أهل مكة لم يستطع الهجرة مع رسول الله ﷺ لضعفه وإصابته في بصره مع كبر سنه، فبقي في مكة مع من لم يستطع الهجرة من المسلمين، فلما بلغهم ما نزل من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ [النساء: ٩٧]. قالوا: هذه مرجفة حتى نزلت: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء: ٩٨]. فقال ضمرة: وإن ذَهَبَ بصري لكني أستطيع الحيلة، لي مال ورقيق، احملوني، فَحُمِل وهو مريض فأدركه الموت، وهو عند التنعيم، فدفن هناك فنزلت فيه خالصة: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]. (٢) فهذا موقف سجله الله تعالى في القرآن الكريم لضمرة، سيبقى ما بقي كتاب الله يتلى، تقديرا لموقفه الذي انتصر به على ضعفه من أجل مرضاة الله تعالى. قال الطبري: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾: ومن يُفارق أرضَ الشرك وأهلَها هربًا بدينه منها ومنهم، إلى أرض الإسلام وأهلها المؤمنين، ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، يعني: في منهاج دين الله وطريقه الذي شرعه لخلقه، وذلك الدين القَيِّم ﴿يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، يقول: يجد هذا المهاجر في سبيل الله مراغمًا كثيرًا"، أي مهاجرا، وقوله: ﴿وَسَعَةً﴾، السِّعة في أمر دينهم فقد كانوا ممنوعين بمكة، من إظهار دينهم وعبادة ربهم علانية.

стр. 62

ثم أخبر جل ثناؤه، عمن خرج مهاجرًا من أرض الشرك، فارًّا بدينه إلى الله وإلى رسوله، إن أدركته منيَّته قبل بلوغه أرضَ الإسلام ودارَ الهجرة، فقال: من كان كذلك فقد وقع أجرُه على الله، وذلك ثوابُ عمله وجزاءُ هجرته وفراق وطنه وعشيرته إلى دار الإسلام وأهل دينه. يقول جل ثناؤه: ومن يخرج مهاجرًا من داره إلى الله وإلى رسوله، فقد استوجب ثواب هجرته إن لم يبلغ دارَ هجرته باخترام المنية إيّاه قبل بلوغه إياها على ربه، وهذا ما حدث مع ضمرة بن العيص الذي كان مصاب البصر فقال: " إنيّ لذو حيلة، لي مال، ولي رقيق، فاحملوني"، فخرج وهو مريض، فأدركه الموت عند التنعيم، فدفن عند مسجد التنعيم، فنزلت فيه هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدرِكهُ الموت﴾، الآية، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، يقول: ولم يزل الله تعالى ذكره، ﴿غَفُورًا﴾ يعني: ساترًا ذنوب عبادهِ المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها ﴿رَحِيمًا﴾، بهم رفيقًا (١). ففي قصة ضمرة دروس وعبر، منها: بالرغم من ضعف جسد ضمرة إلّا أن همته عالية وإرادته قوية تقهر الصعاب، فهذه سمة لكثير من ذوي الاحتياجات الخاصة، فاستثمار طاقاتهم يعود عليهم وعلى أمتهم بالخير العظيم، فكم من طاقات هدرت وإمكانات ضاعت، والسبب عدم معرفة صفاتهم التي يتمتعون بها. • المطلب السادس: موقف عمرو بن الجموح وصبره على الإبتلاء بالعرج . عَمْرو بْن الجموح من بني سلمة، صحابي شهد العقبة، اختاره الرسول ﷺ ليكون سيد قومه (٢). عن ابن إِسحاق، قال: حدثَني والدي إِسحاقُ بن يسارٍ، عن أَشياخٍ مِنْ بني سلمة، قالوا: (كانَ عَمرو بنُ الجموح أَعرج شديد العرَجِ، وكان له أَربعةُ بنينَ شبابٌ يَغزون مع رسول الله ﷺ إِذا غزا، فلما أَراد رسول الله ﷺ أن يتوجهُ إِلى أُحدٍ، قال له بنوهُ: إِن اللهَ قد جعل لك رخصة فلو قَعَدْتَ فنحن نكفيك فقدْ وضع الله عنك الجهاد. فأتى عمرو بنُ الجموحِ رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إِن بنِيّ هؤلاء يمنَعونني أَن أَخرج معكَ، والله إِني لأرجو أَن أستشهد فأطأَ بعرجتي هذه في الجنةِ، فقال له رسول الله ﷺ : " أَما أنت فقد وضع اللهُ عنك الجهاد ". وقال لبنيه: " وما عليكم أن تَدَعوه لعل الله يرزقهُ الشهادةَ ". فخرج مع رسول الله ﷺ ، فقتل يوم أُحد شهيدا) (٣). وقد سجل الله في القرآن الكريم موقف عمرو بن الجموح، حينما سأل رسول الله ﷺ أين ينفق ماله وأين يضعه، فانزل الله تعالى قرآناً فيه جواب لما سأل.

стр. 63

قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥]. قال القرطبي: نزلت الآيةُ في عمرو بنِ الجَموحِ، وكان شَيخا كبيرا فقال: يا رسول الله، إِنَّ مالي كثيرٌ، فبماذا أتصدق، وعلى من أنفق؟ فنزلت: ﴿يسأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (١). قال ابو السعود ﵀ في تأويل قوله تعالى: ﴿يسأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، أي: من أصناف أموالِهم، ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ﴾ أي: ما أنفقتموه من خير، أي: خير كان ففيه تجويزُ الإنفاق من جميع أنواعِ الأموالِ، وأُبرِزَ في معرِض بيانِ المصرِفِ حيث قيل ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، للإيذان بأن الأهمَّ بيانُ المصارفِ المعدودة، وعن ابن عباس ﵄، أنه جاء عمْرُو بنُ الجموح وهو شيخ هرم، له مالٌ عظيم فقال يا رسول الله ماذا نُنفق من أموالنا أين نضعُها؟ فنزلت: ﴿وَالْيَتَامَى﴾، أي: المحتاجين منهم، ﴿وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، ولم يتعرضْ للسائلين والرقاب إما اكتفاء بما ذكر في المواقع الأُخَرِ، وإما بناءً على دخولهم تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ فإنه شاملٌ لكل خير واقعٍ في أي مصرِفٍ كان، ﴿فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، فيوفّي ثوابَه. ﴿ويسأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، عطفٌ على يسألونك عن الخمر ... الخ، عطفَ القصة على القصة أي أيُّ شيءٍ ينفقونه، فعمْرو بنُ الجموح سأل أولا من أيّ جنسٍ ينفق من أجناس الأموال، فلما بُيّن جوازُ الإنفاق من جميع الأجناس، سأل ثانياً من أي أصنافها نُنفِقُ أمن خيارها أم من غيرها، أو سأل عن مقدار ما يُنفقه منه، فقيل: ﴿قُلِ العفو﴾، أي: انفقوا العفو، أصلُ العفوِ في اللغة الزيادة، والعفو ما سُهل وتيسر مما فضَل من الكفاية، وكان الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعين، يكسِبون المالَ، ويُمسكون قدرَ النفقة، ويتصدقون بالفضل. (٢) ففي قصة عمرو بن الجموح، دروس وعبر منها التحدي، فعمرو بن الجموح تحدّى ما أصابه من عرج، وتحدّى أعداءه، حتى نال الشهادة ودخل الجنة، فالقمم لأهل الهمم وبقدر العَنى تُنال المنى. • المطلب السابع: موقف عبد الله بن أُم مكتوم وصبره على الإبتلاء بالعمى: هو عبد الله بن قيس بن زائدة بن الأصم، وأُمه أم مكتوم، وهو من السابقين المهاجرين، وكان ضريرًا، وقد نزل بحقه بضعة عشر آية من سورة عبس، وكان مؤذنًا لرسول الله ﷺ مع بلال، وكان النبي ﵊ يقدره ويستخلفه على المدينة، فيصلي بمن تبقى من الناس، استُشهد يوم القادسية. (٣)

стр. 64

أنزل الله تعالى بحقه قرآنا حيث قال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (١٣)﴾ [عبس: ١٣] " عن عائشة ﵂ قالت: (أنزل ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله ﷺ فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله ﷺ يعرض عنه ويقبل على الآخر فيقول له: أترى بما أقول بأسا، فيقول: لا، فنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى*﴾)." (١) قال الطبري: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾: أي قبض وجهه تكرها وأعرض، ﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾: لأنه جاءه الأعمى، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾: وما يدريك يا محمد لعل هذا الأعمى الذي عبست في وجهه يتزكى ويتطهر من ذنوبه، ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾: وما يدريك لعل هذا الأعمى يعتبر، فينفعه الاعتبار والإتعاظ، ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾: وأما هذا الأعمى الذي جاءك يسعى، وهو يخشى الله ويتقيه، فأنت عنه تتلهى وتعرض وتتغافل، وتتشاغل عنه بغيره. ﴿كَلَّا﴾: ليس الأمر كما تفعل يا محمد حيث تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدى لمن استغنى، ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ إن هذه السورة والدعوة تذكرة وعظة وعبرة (٢). وقد أوصت الآيات بوصايا جليلة تراعي حق ذوي الاحتياجات الخاصة، منها ما جاء في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ قال الصابوني في تفسير الآية: " أي لا تفعل بعد اليوم مثل ذلك، فهذه الآيات موعظة وتبصرة للخلق، يجب أن يتعظ بها ويعمل بموجبها العقلاء ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾: أي فمن شاء من عباد الله اتعظ بالقرآن الكريم، واستفاد من إرشاداته وتوجيهاته، قال المفسرون: كان رسول الله ﷺ بعد هذا العتاب، لا يعبس في وجه فقير قط، ولا يتصدى لغني أبدا، وكان الفقراء في مجلسه أمراء" (٣). ويستمر تكريم ابن ام مكتوم الذي حظي بمكانة عالية عند النبي ﷺ ، ويعلو شأنه فينزل بحقه مرة أخرى قرآن يتلى الى يوم القيامة، عن البراء ﵁ قال) لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي ﷺ أُدعو فلانا" فجاءه ومعه الدواة واللوح أو الكتف، فقال: " اكتب" ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله أنا ضرير، فنزلت مكانها ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ

стр. 65

وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥]). (١) فهذا الموقف من ابن ام مكتوم كان سببا بإكرام ذوي الاحتياجات الخاصة بجعلهم كالمجاهدين في سبيل الله تقديرا لضعفهم، فهمة عالية أبية، وقوة فَتِيَّه، لنفس زكية، تصنع الكثير وإن كان صاحبها ضريراً، وهكذا كان ابن أم مكتوم ﵁. • المطلب الثامن: موقف ثابت بن قيس وصبره على الإبتلاء بالصمم: هو ثابت بن قيس بن شماس الأَنصاريُّ أَبو مُحمد، خطيب الأَنصار ويقال له أيضا خطيب النَّبِي ﷺ ، شهد أحدا وما بعدها، كان في أذنه صمم، وقد ثبت عن الرسول ﵇ أنه بشَّره بالشَّهادة، فقُتِل يوم اليمامة شهيدا، وكانت راية الأَنصار يومئذ بيده (٢). وعنما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]. خشي انها تنطبف عليه فجلس في بيته حزينا يلوم نفسه، جاء في تفسير الطبري في تأويل الآية: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا: يا محمد، يا محمد، يا نبيّ الله، يا نبيّ الله، يا رسول الله. عن شمر بن عطية، قال: جاء ثابت بن قيس بن الشماس إلى رسول الله ﷺ وهو محزون، فقال: يا ثابت ما الذي أرى بك؟ فقال: آية قرأتها الليلة، فأخشى أن يكون قد حَبِط عملي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، وكان في أُذنه صمم، فقال: يا نبيّ الله أخشى أن أكون قد رفعت صوتي، وجهرت لك بالقول، وأن أكون قد حبط عملي، وأنا لا أشعر: فقال النبيّ ﷺ : امْشِ على الأرْضِ نَشِيطا فإنَّكَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ. (٣) و"عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، إِلَى آخر الآية، جلس ثابت بن قيسٍ في بيته، وقال: أَنا من أَهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ ، فسأَل النبي ﷺ سعد بن معاذ، فقال: يا أَبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتَكى؟ قال سعد: إِنه لجارِي، وما علمت له بشكوى، قال: فأَتاه سعد، فذكر له قول ﷺ ، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أَني من أَرفعكم صوتا على رسول للهِ ﷺ ، فأَنا من أَهل النار، فذكر ذلك سعد للنبيِّ ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : بَل هو من أَهْل الجنَّة". (٤)

стр. 66

في موقف ثابت وقصته درس وعظه، فثابت وجد في نفسه حرجاً مما نزل من القرآن الكريم، فجلس في بيته حزينا يلوم نفسه، لذا لا بد أن يُعلم أن بعض ذوي الاحتياجات الخاصة من ذوي الشخصيات الحساسة، فلا بد من معرفة هذا الأمر لمراعاتهم عند التعامل معهم. • المطلب التاسع: موقف معاذُ بْن جَبَلِ وصبره على الإبتلاء بالعرج: معاذ بن جبل صحابي جليل، شهد العقبة مع السبعين من الأَنْصَار، وشهد بدرا وعمره عشرون عاماً أو واحد وعشرون عاماً، كما شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، بَعثهُ رسول الله ﷺ إِلى اليمن مُعلِّما، وكان رجلا أَعرجَ، فصلى بالنَّاس في اليمن فبسط رجله فبسط القومُ أَرجُلهُم، فلما صلى قال: قد أَحسنتُم ولكن لا تعودوا فإِني إِنما بسطت رجلي في الصلاة لأَني اشتكيتُها، توفي في طاعون عمواس بالشَّام بناحية الأُردن، سنة ثماني عشرة في خلافة عُمر بن الخطاب (١). تميز في علم الحلال والحرام، حتى امتدحه الرسول ﷺ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ." (٢) وقد سجل القرآن موقفه حينما حاول اليهود أن يصدوه عن الإسلام إلا أنه ثبت أمام هذا التحدي قال تعالى: ﴿وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾ [آل. عمران: ٦٩]. قال البغوي، في قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمانِ وعمَّار بن ياسر، حين دعاهم اليهود إِلى دينهم، فنزلت ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ تَمَنَّتْ جماعة من أَهل الكتاب، يعني اليهود ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ عن دينكم ويردونكم إِلى الكفر، ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٣). ففي موقف معاذ وقصته درس وعظة، وهو أن معاذاً ﵃ كان فقيها عالما معلما لأهل اليمن بالرغم من اصابته بالعرج، وكذلك كثير من ذوي الاحتياجات الخاصة مؤهلين للتعلم والتعليم.

стр. 67

• المطلب العاشر: موقف عبد الرحمن بن عوف وصبره على الإبتلاء بالعرج: هو عبد الرحمن بن عوف، من قريش أَحدُ الثمانيةِ الذين بادروا إِلى الإِسلام، هاجر الهجرتين، وأَحدُ البدرِيِّينَ، وهو أحدُ العشرة المبشرين بالجنة، وَأَحَدُ الستة أَهل الشورى، له عدَّةُ أَحاديث، صلى خلفه رسول الله ﷺ ، شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . قال ابن إِسْحَاقَ: كَانَ عبد الرحمن بن عوف أَعرجَ أُصيبَ يوم أُحُد وَجُرح عِشرين جراحةً بعضها في رجله فعرج، توفي سنة اثنتين وثلاثين للهجرة (١). وقد خلَّد الله موقفه في القرآن الكريم، وذلك في موضعين: أما الموضع الأول: عندما نزل قوله تعالى: ﴿لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤] فجاء مبادرا مع عدد من الصحابة الى رسول الله ﷺ يطلب التخفيف والتيسير. قال تعالى: ﴿وإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾، جاء في تفسير الواحدي: قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس إلى النبي ﷺ ، وقالوا: (كُلفنا من العمل ما لا نطيق، إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه، وأن له الدنيا، فقال النبي ﷺ : فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوا: سمعنا وأطعنا، واشتد ذلك عليهم ومكثوا حولا، فأنزل الله تعالى الفرج والرحمة، بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ... ﴾ [البقرة: ٢٨٦] فنسخت هذه الآية ما قبلها) (٢). وهكذا نرى أن عبد الرحمن بن عوف ﵃، كان له دور في طلب التخفيف والتيسير على المسلمين. وأما الموضع الثاني: الذي سجله القرآن الكريم لعبد الرحمن بن عوف ﵃، فهو عندما أنفق نصف ماله في سبيل الله، فلمزه المنافقون، فتولى الله سبحانه الدفاع عنه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [التوبة: ٧٩]، جاء في تفسير القرطبي: " قال قَتَادةُ: " يلمزون" يعيبون، قال: وذلك أَن عبد الرحمن بن عوف تصدق بنصف ماله، وكان ماله ثمانية آلاف فتصدق منها بأَربعة آلاف، فقال قوم: ما أَعظم رياءهُ، فأَنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ " (٣).

стр. 68

في موقف عبد الرحمن وقصته درس وعظة، فالله تعالى يتولى المؤمنين، والدفاع عنهم أمام الآخرين، كما دافع عن ابن عوف ﵁ أمام المنافقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ [الحج: ٣٨]. وقد كان عبد الرحمن بن عوف ﵁، مبادرا حاضرا في كل الميادين في نصرة الاسلام والمسلمين، في الجهاد والدعوة والانفاق، وهكذا لابد أن يكون ذوو الاحتياجات الخاصة مبادرين لعمل كل ما يستطيعون القيام به. • المطلب الحادي عشر: موقف طلحة بن عبيد الله وصبره على الإبتلاء بشل يده . طلحة بن عبيد الله، صحابي يعرف بطلحة الخير، وطلحة الفياض، لكرمه، ولكثرة جُودِهِ من أوائل من دخل في الإسلام، أَسلم على يدي أَبي بكرٍ الصِّديق ﵁، وشهد المشاهِد كُلها مع رسول الله ﷺ إلا بدرا، وكانت له يوم أحد اليد البيضاء، وأبلى بالدفاع عن رسول الله ﷺ بلاء حسنا، حتى شلت يده التي وَقَى بِها رسول الله ﷺ ، واستمرت كذلك إِلى أَن مات، وهو أَحد العشرَة المشهود لهم بالجنّة، وأَحد الستة أَصحاب الشورى، وقد صحب رسول الله ﷺ ، فأَحسن صحبته حتى توفي وهو عنه راضٍ، وقد توفي في جمادى الآخرة، سنة ست وثلاثين للهجرة (١). ولقد سجل القرآن الكريم موقف طلحة بن عبيد الله ﵁، الذي نزل بشأنه قرآنا يتلى آناء الليل وأطراف النهار تقديرا له وتخليدا لموقفه، قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الأحزاب: ٢٣]. قال ابن الجوزي: قيل لعلي ﵁: حدِّثنا عن طلحة، قال: ذاك امرؤٌ نزلت فيه آية من كتاب الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾، لا حساب عليه فيما يستقبل، وهذا القدر من الآية في طلحة، وأولها في أنس، ومعنى الآية: وفوا الله بما عاهدوه عليه، فقد عاهدوا الله ليلة العقبة على الإِسلام والنصرة، وقيل أنهم قوم لم يشهدوا بدراً، فعاهدوا الله أن لا يتأخَّروا بعدها، كما أنهم عاهدوا أن لا يفرُّوا إِذا لاقَوا، فصَدَقوا. قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، أي فمنهم من قضى عهده قُتل أو عاش، ومنهم من ينتظر أن يقضيَه بقتال أو صدق لقاءٍ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، ما وعد اللهُ من نصره، أو الشهادة على ما مضى عليه أصحابه، ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾، أي: ما غيَّروا العهد الذي عاهدوا ربَّهم عليه، كما غيَّر المنافقون.

стр. 69

قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، وهم المؤمنون الذين صدقوا فيما عاهدوا الله تعالى عليه، وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ بنقض العهد إِنْ شاءَ، وهو أن يُميتَهم على نفاقهم أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ في الدنيا، فيخرجَهم من النفاق إِلى الإِيمان، فيغفر لهم (١). ففي قصة طلحة ﵁، عبرة وعظة لذوي الاحتياجات الخاصة ولغيرهم، فمن أصيب بعضو من أعضائه فليبقَ واثقا من نفسه ولا يخجل أمام الناس، لأن ذلك باختيار الله تعالى، وخير الإصابات، الإصابة في سبيل الله، كما أصيب طلحة ﵁ بيده. وفي نهاية هذا المبحث يتبين لنا ان الله يبتليك ليعافيك، ويأخذ منك ليعطيك، فيبتليك في الدنيا ليعافيك في الآخرة، ويأخذ منك ليعطيك في الدنيا والآخرة. والسعادة والشقاء في هذه الحياة لا يرتبطان بصحة الابدان وسلامة الاجسام، فالدنيا ليست دار جزاء انما هي دار ابتلاء، فقد ابتلي احب خلق الله الى الله من الانبياء والأولياء. وأن نمتثل أمر الله ونقتدي برسول الله ﷺ الذي صار يعطي هذه الفئة كل عناية وتقدير وإقبال، وأن لا يتعامل المسلمون مع ذوي الاحتياجات الخاصة بسلوك لا يتعاملون بمثله مع غيرهم مستغلين ضعفهم، فقد عاتب الله رسوله على العبوس والإعراض في وجه أعمى مع أنه لم ير ذلك. وان لا يكون المقياس بالأشكال والمظاهر إنما بصلاح القلوب والسرائر، فان الله لا ينظر الى الاشكال والمظاهر انما ينظر الى القلوب والسرائر، عن أبي هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم). (٢)

стр. 70

• المبحث الرابع: عناية القرآن الكريم بذوي الاحتياجات الخاصة . يرشد القرآن الكريم الى ضرورة العناية بذوي الاحتياجات الخاصة، فلقد اهتم بهم اهتماما عظيما يرقى الى أعظم درجات الاهتمام وأسماها، فقد حثَّ القرآن الكريم على مخالطتهم ومؤاكلتهم وكف الأذى عنهم والإحسان إليهم وتلبية مطالبهم، وبلغت العناية بهم أن أنزل الله بحقهم قرآناً يتلى ويعمل به ويتحاكم إليه، وقد جاء هذا المبحث في خمسة مطالب: المطلب الأول: دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع وعدم النفور منهم . المطلب الثاني: احترام وتقدير ذوي الاحتياجات الخاصة. المطلب الثالث: حسن معاملة ذوي الاحتياجات الخاصة وتلبية مطالبهم. المطلب الرابع: استثناء القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة من بعض التكاليف. المطلب الخامس: نزول قرآن بحق ذوي الاحتياجات الخاصة. • المطلب الأول دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع وعدم النفور منهم. وجَّه القرآن الكريم المسلمين إلى عدم النفور من ذوي الاحتياجات الخاصة بالبعد عنهم، فقد حض القرآن الكريم على مخالطتهم ومجالستهم في المأكل والمشرب، فقد كان شائعا قبل الإسلام النفور منهم، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾ [النور: ٦١]. قال القرطبي: "الآية كلها في معنى المطاعم، وكانت العرب ومن بالمدينة قبل المبعث تتجنب الأكل مع أهل الأعذار، فبعضهم كان يفعل ذلك تَقَذُراً لجولان اليد من الأعمى، ولانبساط الجلسة من الأعرج، ولرائحة المريض وعِلّاته، وهي أخلاق جاهلية وكِبْر، فنزلت الآية مؤذنة" (١). ولا زالت هذه الأخلاق الجاهلية عند بعض الناس مِمَن يزدرون ذوي الاحتياجات الخاصة فلا يخالطونهم ولا يؤاكلونهم ازدراءً وتكبراً، والبعض قد يحجر على ذوي الاحتياجات الخاصة أو يحبسهم في البيوت ولا يسمح لهم بالخروج لشعورهم بالخجل والحرج منهم أمام الناس، وقد غاب عنهم مكانة هؤلاء عند الله فقد بشرهم بالأجر العظيم وبجنات النعيم إذا هم صبروا واسترجعوا، فكثيرٌ من ذوي الاحتياجات الخاصة من يتقبل ما أصابه، ويتكيف في الحياة مع ما أصيب به، فالله يعوضه عما فقده، فهو إذا أخذ أعطى، لكن ذوي الاحتياجات الخاصة يعانون من عدم تقبل كثيرٍ من الناس لهم، أو من نظرة الآخرين لهم، فهم تارة ينظرون اليهم نظرة

стр. 71

شفقة، وتارة نظرة تُقلل من قدرهم أو قدراتهم، فبدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع تزول هذه الأمور، لأن أهل العافية يتعرفون عن قرب على خصائص ذوي الاحتياجات الخاصة، وسماتهم واحتياجاتهم، كما أن ذوي الاحتياجات الخاصة بتعاملهم مع أهل العافية يعرفون قدرهم وقدراتهم، عندها يكون الاحترام متبادلاً ويتقبل كل منهما الآخر، فهم أفراد المجتمع يُكَمِّل بعضهم بعضا، لهم حقوق وعليهم واجبات، فكل يأخذ حقوقه بأداء ما عليه من واجبات، وإن حَثَّ القرآن الكريم على مشاركتهم في المأكل والمشرب فيه دلالة على ضرورة مخالطتهم في بقية أمور الحياة، كالدمج في المؤسسات التعليمية والوظائف الإدارية وغير ذلك، فبدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع تزداد ثقتهم بأنفسهم ويتعاونون مع غيرهم في تقديم كل ما ينفع لأمتهم، وبذلك يعرف أهل العافية نعمة الله عليهم بالصحة وتقوى إرادتهم وتعلو همتهم ويوسع الله عليهم بالرزق ويمدهم بالنصر، فعن أبي الدرداء ﵃ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إبغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم). (١) فهذه الآية التي دعت لمشاركة ذوي الاحتياجات الخاصة في المأكل والمشرب، تؤكد أن الإسلام هو أول من دعا إلى دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع، وهذا المستوى السامق في التربية الخلقية لا يمكن أن تصل إليه التشريعات الأرضية. • المطلب الثاني: احترام وتقدير ذوي الاحتياجات الخاصة . يوصي القرآن الكريم إلى عدم السخرية أو الانتقاص أو التنابز بالألقاب أو الغيبة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وأولى الناس بمن أوصى بهم ذوي الاحتياجات الخاصة لأنهم الأكثر عرضة لهذا الأمر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١]. جاء في صفوة التفاسير: " أي يا معشر المؤمنين، يا من اتصفتم بالإيمان وصدَّقتم بكتاب الله، لا يهزأ جماعة بجماعة، ولا يسخر أحد من أحد، فقد يكون المسخور منه خيرا عند الله من الساخر". (٢) فقد حرم الله كل ما يخل بتكريم الإنسان، الذي جعله الله مكرماً في آدميته، من سخرية واستهزاء وهمز ولمز، وقد كان ﷺ يُربي أصحابه على هذا المنهج، فعندما ضحك بعض الصحابة من دقة ساقي ابن مسعود ﵃، علمهم كيف يقدر الرجال وبما يوزنون، " فعن زر بن حُبَيْش، عن ابن مسعود، أَنه كان يجتني سواكا من الأَراك، وكان دقيقَ الساقين، فجعلت

стр. 72

الريح تكفؤُه، فضحك القوم منه، فقال ﷺ : " ممَّ تضحكون؟ " قالوا: يا نبي الله، مِنْ دقَّة ساقيه، فقال: " والذي نفسي بيده، لهما أَثقل في الميزان من أُحد". (١) وعن أبي هريرة ﵃، أنَ رسول الله ﷺ ، قال: (رُبَّ أشعثَ، مَدفوعٍ بالأَبوابِ لو أَقسمَ على اللهِ لأَبرَّه). (٢) فقيمة الإنسان عند الله بإيمانه وليس بسلامة حواسه وأعضائه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾. جاء في صفوة التفاسير في تأويل قوله تعالى: " ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ أي لا يعيب بعضكم بعضا، أو لا يدعو بعضكم بعضا بلقب السوء، وإنما قال: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ لأن المسلمين كأنهم نفس واحدة، ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾، أي بئس أن يسمى الإنسان فاسقا بعد أن صار مؤمنا، وفي الآية دلالة على أن التنابز فسق، والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي ومن لم يتب عن اللمز والتنابز، فأولئك هم الظالمون بتعريض أنفسهم للعذاب". (٣) كما أن القرآن الكريم يوصي المسلمين بالابتعاد عن الغيبة، والغيبة هي ذكر الآخرين بما يكرهون، فذكر ذوي الاحتياجات الخاصة بما يكرهون تعد غيبة لهم، كأن يقال فلان الأقطع أو فلان الأعور ونحو ذلك، فإذا عُلِمَ أنهم لا يكرهون ذلك فلا حرج باستخدام هذه الألقاب، أو إن كان لاستخدامها حاجة، من أجل التعريف أو التوصيف ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١٢]. قال الإمام الطبري في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، أي لا يَقُلْ بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره المقولة في وجهه، ولو مرّ بك رجل أقطع، فقلت: إنه أقطع كنت قد اغتبته (٤). فالقرآن الكريم يدعو الى احترام ذوي الاحتياجات الخاصة، فتحرم غيبتهم كبقية المسلمين، وهذه دعوة للبعد عن ذكرهم بما لا يحبون، حتى وإن لم يكونوا حاضرين، وهذا هو منهج النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قالت: (ذَهبتُ أَحكِي امرأَة، أَو رجلا، عند رسول الله ﷺ ، فقال: مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ أَحَدًا، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا أَعْظَمَ ذَلِكَ). (٥)

стр. 73

وعن أَبي هريرةَ ﵃، أَنَّ النبي ﷺ ، قال: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قالوا: اللهُ ورسولُهُ أَعلم، قال: ذِكْرُكَ أَخَاك بمَايَكْرَهُ قيلَ: أفرأَيت إِن كان في أَخي ما أَقولُ؟ قال: إِنْ كانَ فيهِ ما تَقولُ، فقد اغتَبتَهُ، وإِن لَم يكُن فيه فقد بَهتَّهُ). (١) فما أحسن أن يبتعد المسلم عن الغيبة، ولا يسمح للسانه أن يخوض في أعراض المسلمين، فبذلك يحافظ على إيمانه، ويسلم الآخرون من أذيتة. قال الطبري في تأويل قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُ أحدَكُمْ أَنْ يَأكُلَ لَحمَ أَخِيهِ مَيتَاً فَكَرِهتُمُوه﴾، أي يقول تعالى ذكره للمؤمنين، أيحبّ أحدكم أيها القوم أن يأكل لحم أخيه بعد مماته، فإن لم تحبوا ذلك وكرهتموه لأن الله حرّمه عليكم، فاكرهوا غيبته حيا، كما كرهتم لحمه ميتا، فإن الله حرّم غيبته حيا، كما حرم أكل لحمه ميتا، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ أي يقول تعالى ذكره، فاتقوا الله أيها الناس، فخافوا عقوبته، ولا تتبعوا عورات من كان مسلما، أو التجسس عما ستر عنه من أمره، أو اغتيابه بما يكرهه، تريدون به شينهُ وعيبهُ؟ ، وغير ذلك من الأمور التي نهاكم عنها ربكم ﴿إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ يقول: رحيم به فلا يعذبه على ذنب تاب منه. (٢) فما أعظم هذه المعاني القرآنية، وما أجمل هذا الاحترام والتقدير الذي دعا اليه القرآن الكريم، فعندما يعيش ذوو الاحتياجات الخاصة في مجتمع الاحترام فيه متبادل، والتقدير فيه حاضرٌ، فإنهم يثقون بأنفسهم، ولا يشعرون بخجل أمام الآخرين، بل يعيشون في سعادة، لأنهم لا يشعرون بنقص مما أصابهم، فلا انتقاص لذواتهم، ولا هضم لحقوقهم، ولا ظلم لضعفهم، بل محبة وإخاء. • المطلب الثالث: حسن معاملة ذوي الاحتياجات الخاصة وتلبية مطالبهم . ومن عناية القرآن الكريم بذوي الاحتياجات الخاصة أن الله عاتب الرسول ﷺ عندما تولى عن "ابن أم مكتوم، ففي ذلك رسالة لأهل العافية، أَلَّا يتعاملوا مع ذوي الاحتياجات الخاصة بسلوك لا يتعاملون بمثله مع غيرهم مستغلين ضعفهم، فقد عاتب الله رسوله ﷺ على العبوس في وجه أعمى، مع أنه لم ير ذلك، وفي هذا إشارة إلى أن الله يحافظ على حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة ممثلين بابن ام مكتوم، فهذا يدل على أهمية البر والإحسان إليهم، فإن كان البر والإحسان مطلوبان مع جميع الناس، فإنهما يكونان أكثر طلبا مع من يحتاج اليهما مثل: ذوي الاحتياجات الخاصة، وبعد ذلك يكون الثواب المترتب على البر والإحسان معهم أكثر من غيرهم.

стр. 74

قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١)﴾ [عبس: ١١]. قال الطبري: وأما هذا الأعمى الذي جاءك يسعى، وهو يخشى الله ويتقيه، فأنت عنه تتلهى وتعرض وتتغافل، وتتشاغل عنه بغيره، ﴿كَلَّا﴾ ليس الأمر كما تفعل يا محمد، حيث تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدى لمن استغنى، ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ إن هذه السورة والدعوة تذكرة وعظة وعبرة (١). فبذلك يتبين لنا أن قضاء حوائج ذوي الاحتياجات الخاصة مقدم على قضاء حوائج الآخرين، جاء في صفوة التفاسير: " قال المفسرون: كان رسول الله ﷺ بعد هذا العتاب، لا يعبس في وجه فقير قط، ولا يتصدى لغني أبدا، وكان الفقراء في مجلسه أمراء. (٢) وبقي هذا الإحسان والعناية والاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة، عند الخلفاء والأئمة والولاة الذين التزموا تعاليم القرآن الكريم، وساروا على نهج النبي ﷺ في الدولة الإسلامية، فنجد أبا بكر قد أكد في أول خطبة له بعد البيعة، على أهمية نصرة الضعفاء فجاء في خطبته: الضعيف فيكم قوي عندي حتى أُريح* عليه حقه إن شاء الله. (٣) ونجد في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ رعاية هذه الشريحة ومعرفة قدرهم، فقد حضر عمرو بن طفيل، وكانت يده قد قطعت يوم معركة اليمامة، وبينما هم جلوس، حضر الطعام فتنحى عمرو عنه، فالتفت إليه عمر ﵁ وقال: لعلك تنحيت لمكان يدك؟ قال عمرو: أجل، قال عمر بن الخطاب: والله لا أذوق حتى تسوطه بيدك، ما في الحاضرين مَن بعضه في الجنة غيرك. (٤) ونجد أن العناية بشؤون هذه الشريحة، وقضاء حوائجها قد زاد بزيادة موارد الدولة الإسلامية واتساع رقعتها. ففي عهد عمر بن عبد العزيز: "كتب الى أمصار الشام، أن ارفعوا اليّ كل أعمى في الديوان، أو مُقعدا أو من به الفالج أو من به زمانة، تحول بينه وبين القيام الى الصلاة، فرفعوا اليه، فأمر لكل أعمى بقائد، وأمر لكل اثنين من الزمنى بخادم"، (٥) وذلك على نفقة الدولة. وفي عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك "أعطى الناس وأعطى المجذومين وقال لهم: لا تسألوا الناس، فأعطى كل مُقعد خادما وكل ضرير قائدا"، (٦) وقد انشأ الوليد بن عبد الملك مستشفاً متخصصاً لعلاج مرض الجذام*. (٧)

стр. 75

وبهذا رأينا نموذجا مشرقا وصفحات مضيئة من التاريخ الإسلامي، فحقوق كاملة ورعايةٌ حانية، لذوي الاحتياجات الخاصة من رسول الله ﷺ ، والخلفاء والمسؤولين الذين التزموا بتعاليم القران الكريم، الذي انزل لإسعاد الناس أجمعين والسير بهم ليدخلوا جنة النعيم. فالإحسان إلى ذوي الاحتياجات الخاصة، وقضاء حوائجهم هدي رباني ومنهج نبوي، يعطيهم كل عناية وتقدير واحترام. • المطلب الرابع: استثناء القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة من بعض التكاليف . إن من رحمة الله بذوي الاحتياجات الخاصة، أن استثناهم في القرآن الكريم من بعض التكاليف، تخفيفا عليهم ورحمة بهم نظراً لحالهم، أو عدم قدرتهم، أو صعوبة قيامهم بهذه التكاليف، ومع ذلك لا ينقص من أجرهم شيء، قال تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ... ﴾ [النساء: ٩٥]. قال البغوي ﵀: فهذه الآيةُ في فضل الجهادِ والحَثِّ عليهِ، فقال: لا يستوي القاعدون الَّذين هم غير أولي الضَّرر، أَي: غَيرُ أُولي الزَّمانةِ والضَّعف في البدن والبصرِ، والمجاهدون في سبيل اللهِ بأموالهم وأَنفُسهم، أي: ليس المؤمنون القاعدون عن الجهاد من غير عذر والمؤمنون المجاهدون سواء، غَيْرُ أُولي الضَّرر فإِنَّهم يساوون المجاهدين، لأن العذر أقعدهم (١). وقد أُكِدَ هذا المعنى، بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ... ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال ابن كثير: "أي لا يُكلَّف أحدا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه، ورأفته وإحسانه إليهم" (٢). ومن هذا التخفيف والاستثناء من التكاليف إسقاط الجهاد عنهم: قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ [الفتح: ١٧]. جاء في صفوة التفاسير: "أي ليس على هؤلاء إثم أو ذنب في ترك الخروج للجهاد، لما بهم من الأعذار الظاهرة، ومَن يُطِع أمر الله وأمر الرسول، يدخله جنات النعيم خالدا فيها، ومن يَنْكُل عن الجهاد بغير عذر يعذبه الله عذابا شديدا، في الدنيا بالمذلة وبالآخرة بالنار" (٣). ومن رحمة الله بذوي الاحتياجات الخاصة أن رفع عنهم الحرج، فاستثناهم من وجوب الجهاد عليهم، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
следующие страницы →