شفقة، وتارة نظرة تُقلل من قدرهم أو قدراتهم، فبدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع تزول هذه الأمور، لأن أهل العافية يتعرفون عن قرب على خصائص ذوي الاحتياجات الخاصة، وسماتهم واحتياجاتهم، كما أن ذوي الاحتياجات الخاصة بتعاملهم مع أهل العافية يعرفون قدرهم وقدراتهم، عندها يكون الاحترام متبادلاً ويتقبل كل منهما الآخر، فهم أفراد المجتمع يُكَمِّل بعضهم بعضا، لهم حقوق وعليهم واجبات، فكل يأخذ حقوقه بأداء ما عليه من واجبات، وإن حَثَّ القرآن الكريم على مشاركتهم في المأكل والمشرب فيه دلالة على ضرورة مخالطتهم في بقية أمور الحياة، كالدمج في المؤسسات التعليمية والوظائف الإدارية وغير ذلك، فبدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع تزداد ثقتهم بأنفسهم ويتعاونون مع غيرهم في تقديم كل ما ينفع لأمتهم، وبذلك يعرف أهل العافية نعمة الله عليهم بالصحة وتقوى إرادتهم وتعلو همتهم ويوسع الله عليهم بالرزق ويمدهم بالنصر، فعن أبي الدرداء ﵃ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إبغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم). (١)
فهذه الآية التي دعت لمشاركة ذوي الاحتياجات الخاصة في المأكل والمشرب، تؤكد أن الإسلام هو أول من دعا إلى دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع، وهذا المستوى السامق في التربية الخلقية لا يمكن أن تصل إليه التشريعات الأرضية.
• المطلب الثاني: احترام وتقدير ذوي الاحتياجات الخاصة .
يوصي القرآن الكريم إلى عدم السخرية أو الانتقاص أو التنابز بالألقاب أو الغيبة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وأولى الناس بمن أوصى بهم ذوي الاحتياجات الخاصة لأنهم الأكثر عرضة لهذا الأمر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
جاء في صفوة التفاسير: " أي يا معشر المؤمنين، يا من اتصفتم بالإيمان وصدَّقتم بكتاب الله، لا يهزأ جماعة بجماعة، ولا يسخر أحد من أحد، فقد يكون المسخور منه خيرا عند الله من الساخر". (٢)
فقد حرم الله كل ما يخل بتكريم الإنسان، الذي جعله الله مكرماً في آدميته، من سخرية واستهزاء وهمز ولمز، وقد كان ﷺ يُربي أصحابه على هذا المنهج، فعندما ضحك بعض الصحابة من دقة ساقي ابن مسعود ﵃، علمهم كيف يقدر الرجال وبما يوزنون، " فعن زر بن حُبَيْش، عن ابن مسعود، أَنه كان يجتني سواكا من الأَراك، وكان دقيقَ الساقين، فجعلت
стр. 72
الريح تكفؤُه، فضحك القوم منه، فقال ﷺ : " ممَّ تضحكون؟ " قالوا: يا نبي الله، مِنْ دقَّة ساقيه، فقال: " والذي نفسي بيده، لهما أَثقل في الميزان من أُحد". (١)
وعن أبي هريرة ﵃، أنَ رسول الله ﷺ ، قال: (رُبَّ أشعثَ، مَدفوعٍ بالأَبوابِ لو أَقسمَ على اللهِ لأَبرَّه). (٢) فقيمة الإنسان عند الله بإيمانه وليس بسلامة حواسه وأعضائه.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾.
جاء في صفوة التفاسير في تأويل قوله تعالى: " ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ أي لا يعيب بعضكم بعضا، أو لا يدعو بعضكم بعضا بلقب السوء، وإنما قال: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ لأن المسلمين كأنهم نفس واحدة، ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾، أي بئس أن يسمى الإنسان فاسقا بعد أن صار مؤمنا، وفي الآية دلالة على أن التنابز فسق، والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي ومن لم يتب عن اللمز والتنابز، فأولئك هم الظالمون بتعريض أنفسهم للعذاب". (٣)
كما أن القرآن الكريم يوصي المسلمين بالابتعاد عن الغيبة، والغيبة هي ذكر الآخرين بما يكرهون، فذكر ذوي الاحتياجات الخاصة بما يكرهون تعد غيبة لهم، كأن يقال فلان الأقطع أو فلان الأعور ونحو ذلك، فإذا عُلِمَ أنهم لا يكرهون ذلك فلا حرج باستخدام هذه الألقاب، أو إن كان لاستخدامها حاجة، من أجل التعريف أو التوصيف ونحو ذلك.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١٢].
قال الإمام الطبري في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، أي لا يَقُلْ بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره المقولة في وجهه، ولو مرّ بك رجل أقطع، فقلت: إنه أقطع كنت قد اغتبته (٤).
فالقرآن الكريم يدعو الى احترام ذوي الاحتياجات الخاصة، فتحرم غيبتهم كبقية المسلمين، وهذه دعوة للبعد عن ذكرهم بما لا يحبون، حتى وإن لم يكونوا حاضرين، وهذا هو منهج النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قالت: (ذَهبتُ أَحكِي امرأَة، أَو رجلا، عند رسول الله ﷺ ، فقال: مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ أَحَدًا، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا أَعْظَمَ ذَلِكَ). (٥)
стр. 73
وعن أَبي هريرةَ ﵃، أَنَّ النبي ﷺ ، قال: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قالوا: اللهُ ورسولُهُ أَعلم، قال: ذِكْرُكَ أَخَاك بمَايَكْرَهُ قيلَ: أفرأَيت إِن كان في أَخي ما أَقولُ؟ قال: إِنْ كانَ فيهِ ما تَقولُ، فقد اغتَبتَهُ، وإِن لَم يكُن فيه فقد بَهتَّهُ). (١)
فما أحسن أن يبتعد المسلم عن الغيبة، ولا يسمح للسانه أن يخوض في أعراض المسلمين، فبذلك يحافظ على إيمانه، ويسلم الآخرون من أذيتة.
قال الطبري في تأويل قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُ أحدَكُمْ أَنْ يَأكُلَ لَحمَ أَخِيهِ مَيتَاً فَكَرِهتُمُوه﴾، أي يقول تعالى ذكره للمؤمنين، أيحبّ أحدكم أيها القوم أن يأكل لحم أخيه بعد مماته، فإن لم تحبوا ذلك وكرهتموه لأن الله حرّمه عليكم، فاكرهوا غيبته حيا، كما كرهتم لحمه ميتا، فإن الله حرّم غيبته حيا، كما حرم أكل لحمه ميتا، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ أي يقول تعالى ذكره، فاتقوا الله أيها الناس، فخافوا عقوبته، ولا تتبعوا عورات من كان مسلما، أو التجسس عما ستر عنه من أمره، أو اغتيابه بما يكرهه، تريدون به شينهُ وعيبهُ؟ ، وغير ذلك من الأمور التي نهاكم عنها ربكم ﴿إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ يقول: رحيم به فلا يعذبه على ذنب تاب منه. (٢)
فما أعظم هذه المعاني القرآنية، وما أجمل هذا الاحترام والتقدير الذي دعا اليه القرآن الكريم، فعندما يعيش ذوو الاحتياجات الخاصة في مجتمع الاحترام فيه متبادل، والتقدير فيه حاضرٌ، فإنهم يثقون بأنفسهم، ولا يشعرون بخجل أمام الآخرين، بل يعيشون في سعادة، لأنهم لا يشعرون بنقص مما أصابهم، فلا انتقاص لذواتهم، ولا هضم لحقوقهم، ولا ظلم لضعفهم، بل محبة وإخاء.
• المطلب الثالث: حسن معاملة ذوي الاحتياجات الخاصة وتلبية مطالبهم .
ومن عناية القرآن الكريم بذوي الاحتياجات الخاصة أن الله عاتب الرسول ﷺ عندما تولى عن "ابن أم مكتوم، ففي ذلك رسالة لأهل العافية، أَلَّا يتعاملوا مع ذوي الاحتياجات الخاصة بسلوك لا يتعاملون بمثله مع غيرهم مستغلين ضعفهم، فقد عاتب الله رسوله ﷺ على العبوس في وجه أعمى، مع أنه لم ير ذلك، وفي هذا إشارة إلى أن الله يحافظ على حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة ممثلين بابن ام مكتوم، فهذا يدل على أهمية البر والإحسان إليهم، فإن كان البر والإحسان مطلوبان مع جميع الناس، فإنهما يكونان أكثر طلبا مع من يحتاج اليهما مثل: ذوي الاحتياجات الخاصة، وبعد ذلك يكون الثواب المترتب على البر والإحسان معهم أكثر من غيرهم.
стр. 74
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١)﴾ [عبس: ١١].
قال الطبري: وأما هذا الأعمى الذي جاءك يسعى، وهو يخشى الله ويتقيه، فأنت عنه تتلهى وتعرض وتتغافل، وتتشاغل عنه بغيره، ﴿كَلَّا﴾ ليس الأمر كما تفعل يا محمد، حيث تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدى لمن استغنى، ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ إن هذه السورة والدعوة تذكرة وعظة وعبرة (١).
فبذلك يتبين لنا أن قضاء حوائج ذوي الاحتياجات الخاصة مقدم على قضاء حوائج الآخرين، جاء في صفوة التفاسير: " قال المفسرون: كان رسول الله ﷺ بعد هذا العتاب، لا يعبس في وجه فقير قط، ولا يتصدى لغني أبدا، وكان الفقراء في مجلسه أمراء. (٢)
وبقي هذا الإحسان والعناية والاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة، عند الخلفاء والأئمة والولاة الذين التزموا تعاليم القرآن الكريم، وساروا على نهج النبي ﷺ في الدولة الإسلامية، فنجد أبا بكر قد أكد في أول خطبة له بعد البيعة، على أهمية نصرة الضعفاء فجاء في خطبته: الضعيف فيكم قوي عندي حتى أُريح* عليه حقه إن شاء الله. (٣)
ونجد في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ رعاية هذه الشريحة ومعرفة قدرهم، فقد حضر عمرو بن طفيل، وكانت يده قد قطعت يوم معركة اليمامة، وبينما هم جلوس، حضر الطعام فتنحى عمرو عنه، فالتفت إليه عمر ﵁ وقال: لعلك تنحيت لمكان يدك؟ قال عمرو: أجل، قال عمر بن الخطاب: والله لا أذوق حتى تسوطه بيدك، ما في الحاضرين مَن بعضه في الجنة غيرك. (٤)
ونجد أن العناية بشؤون هذه الشريحة، وقضاء حوائجها قد زاد بزيادة موارد الدولة الإسلامية واتساع رقعتها.
ففي عهد عمر بن عبد العزيز: "كتب الى أمصار الشام، أن ارفعوا اليّ كل أعمى في الديوان، أو مُقعدا أو من به الفالج أو من به زمانة، تحول بينه وبين القيام الى الصلاة، فرفعوا اليه، فأمر لكل أعمى بقائد، وأمر لكل اثنين من الزمنى بخادم"، (٥) وذلك على نفقة الدولة.
وفي عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك "أعطى الناس وأعطى المجذومين وقال لهم: لا تسألوا الناس، فأعطى كل مُقعد خادما وكل ضرير قائدا"، (٦) وقد انشأ الوليد بن عبد الملك مستشفاً متخصصاً لعلاج مرض الجذام*. (٧)
стр. 75
وبهذا رأينا نموذجا مشرقا وصفحات مضيئة من التاريخ الإسلامي، فحقوق كاملة ورعايةٌ حانية، لذوي الاحتياجات الخاصة من رسول الله ﷺ ، والخلفاء والمسؤولين الذين التزموا بتعاليم القران الكريم، الذي انزل لإسعاد الناس أجمعين والسير بهم ليدخلوا جنة النعيم.
فالإحسان إلى ذوي الاحتياجات الخاصة، وقضاء حوائجهم هدي رباني ومنهج نبوي، يعطيهم كل عناية وتقدير واحترام.
• المطلب الرابع: استثناء القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة من بعض التكاليف .
إن من رحمة الله بذوي الاحتياجات الخاصة، أن استثناهم في القرآن الكريم من بعض التكاليف، تخفيفا عليهم ورحمة بهم نظراً لحالهم، أو عدم قدرتهم، أو صعوبة قيامهم بهذه التكاليف، ومع ذلك لا ينقص من أجرهم شيء، قال تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ... ﴾ [النساء: ٩٥].
قال البغوي ﵀: فهذه الآيةُ في فضل الجهادِ والحَثِّ عليهِ، فقال: لا يستوي القاعدون الَّذين هم غير أولي الضَّرر، أَي: غَيرُ أُولي الزَّمانةِ والضَّعف في البدن والبصرِ، والمجاهدون في سبيل اللهِ بأموالهم وأَنفُسهم، أي: ليس المؤمنون القاعدون عن الجهاد من غير عذر والمؤمنون المجاهدون سواء، غَيْرُ أُولي الضَّرر فإِنَّهم يساوون المجاهدين، لأن العذر أقعدهم (١).
وقد أُكِدَ هذا المعنى، بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ... ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال ابن كثير: "أي لا يُكلَّف أحدا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه، ورأفته وإحسانه إليهم" (٢).
ومن هذا التخفيف والاستثناء من التكاليف إسقاط الجهاد عنهم: قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ [الفتح: ١٧].
جاء في صفوة التفاسير: "أي ليس على هؤلاء إثم أو ذنب في ترك الخروج للجهاد، لما بهم من الأعذار الظاهرة، ومَن يُطِع أمر الله وأمر الرسول، يدخله جنات النعيم خالدا فيها، ومن يَنْكُل عن الجهاد بغير عذر يعذبه الله عذابا شديدا، في الدنيا بالمذلة وبالآخرة بالنار" (٣).
ومن رحمة الله بذوي الاحتياجات الخاصة أن رفع عنهم الحرج، فاستثناهم من وجوب الجهاد عليهم، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
стр. 76
مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٩١)﴾ [التوبة: ٩١].
قال ابن كثير: " يبين الله تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجِلاد في الجِهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما" (١).
أما القرطبي فقال: وبَيَّنتْ هذه الآية أنه لا حرج على المعذورين وهم قوم عرف عذرهم، كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج، ﴿إِذَا نَصَحُوا للهِ ورسُولهِ﴾، إِذَا عرفوا الحقَّ وأَحبُّوا أَولياءَهُ وأَبغضوا أَعداءهُ (٢).
فبمعرفة ذوي الاحتياجات الخاصة للحق والتزامهم به ومحبة أوليائه وبغض أعدائه يصبحون في مرتبة المجاهدين.
قال تعالى: ﴿مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، قال ابو بكر الجزائري: "أي ليس على من أحسنوا في تخلفهم، لأنه بعذر شرعي، كما أنهم مطيعون لله ورسوله، وقلوبهم ووجوههم مع الله ورسوله وإن تخلفوا بأجسادهم للعذر، فهؤلاء ما عليهم من طريق إلى انتقاصهم أو أذيتهم بحال من الأحوال". (٣)
وبالرغم من أن الله ، قد أعفى كثيرا من ذوي الاحتياجات الخاصة من الجهاد، إلا أن كثيرا منهم بذلوا ما يستطيعون من الجُهد، لمشاركة إخوانهم من أهل العافية في الجهاد، متحدّين بذلك ما أصابهم من ضعف في أجسامهم، بهمة قوية وعزيمة ماضية ونفس سامية.
فها هو عمرو بن الجموح ﵁، يأتي يوم أُحد للنبي ﷺ يريد الجهاد فيقول: (يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى اقتل، أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة، وكانت رجله عرجاء، فقال النبي ﷺ : "نعم"). (٤)
فقاتل حتى قتل، فلم يستسلم لما اصابه، بل بذل جُهده ليحقق مراده، جاهد فاستُشهِد فدخل الجنة ﵁.
وأما ابن أم مكتوم ﵁ فكانت نفسه تتوق للجهاد " فكان يغزو ويقول: ادفعوا الي اللواء، فاني أعمى لا استطيع أن افر، واقيموني بين الصفين، وعن انس ﵁: أن عبد الله بن ام مكتوم يوم القادسية كانت معه راية سوداء عليه درع له". (٥)
стр. 77
واستمر دورهم وعطاؤهم في الجهاد عبر العصور حتى يومنا هذا، فالشيخ احمد ياسين، شيخ المجاهدين، الذي أُصيب بشلل كامل وهو من المعاصرين، قاد مسيرة الدعوة والجهاد لنصرة الدين، والدفاع عن المسلمين لسنوات طويلة، حتى نال الشهادة.
فكم لعطاء هؤلاء وثباتهم من أثر على إخوانهم من أهل العافية، إنه لأثر كبير "وأما عطاؤهم بعد ذلك وقد ترك الجرح أثرا في جسده - غالبا- من قطع رجل أو يد أو قلع عين أو غير ذلك، فيبقى له وساما وشرفا يعتز به في دنيا الناس ويوم يقوم الأشهاد، وكلما رآه الناس سألوا عن سبب جرحه , فيكون الجواب جرعة جديدة ودفعة قوية في إثارة كوامن الرجولة والغيرة وحب التضحية والفداء عند السائل! ! ". (١) ... ...
ومن التكاليف الواجبة التي استثنى الله من لا يستطيعون القيام بها فريضة الحج، لما تحتاجه من قوة وجلد وتحمل، قال تعالى: ﴿ ... وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل. عمران: ٩٧]
قال الواحدي في تفسيره: قال جمهور أهل العلم أن الاستطاعة الموجبة للحج: القوة، فمن قوي في نفسه بالركوب على الراحلة وجب عليه الحج إذا ملك الزاد والراحلة. (٢)
وكذلك خفف الله عن ذوي الاحتياجات الخاصة بأن جعل باب التيسير مفتوحا لكل أمر يفوق وسعهم ويغلب طاقتهم، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ... ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الطبري: "قال ابن عباس ﵁: هم المؤمنون، وسَّعَ الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ... ﴾ [سورةالحج: ٧٨]، وقال: ﴿ ... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [سورة البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [سورة التغابن: ١٦] "، (٣) قال الواحدي: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أي: "ما أطقتم، فلم يكلف العباد من طاعته وعبادته إلا ما استطاعوا". (٤)
• المطلب الخامس: نزول قرآن بحق ذوي الاحتياجات الخاصة .
إن من اكرام الله لذوي الاحتياجات الخاصة، أن أنزل بشأنهم قرآناً يتلى آناء الليل وأطراف النهار رِفعة لهم، وتذكيرا بقدرهم ومكانتهم عند الله ، وهذه الآيات من القرآن الكريم كان سبب نزولها ذوي الاحتياجات الخاصة، إمّا إجابة لسؤال سألوه، أو تخفيفا لتكليف لا يطيقونه، أو بشرى لهم لعمل عملوه، أو حفاظا لحق لهم لم يعرفوه، وهذه الآيات هي:
стр. 78
١ ـ ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله سؤال معاذ بن جبل الذي كان أعرجَ حيث قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ... ﴾ [البقرة: ١٨٩].
" نزلت في معاذ بن جبلٍ وثعلبة بن عُثْمَة وهما رجلان من الأنصارِ، قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو فيطلعُ دقيقا مثل الخيط، ثم يزيدُ حتى يعظُمَ ويستويَ ويستدير، ثمّ لا يزال ينتقص ويدقُّ حتى يكون كما كان، لا يكون على حالٍ واحدةٍ فنزلت هذه الآية" (١).
يستفاد من الآية:
- سؤال ذوي الاحتياجات الخاصة عن ما ينفعهم ويتركون السؤال عما لا يعنيهم.
- أهمية معرفة الشهور القمرية إذ بها تعرف كثير من العبادات.
٢ ـ ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله سؤال عمرو بن الجموح الذي كان أعرجَ ، حيث قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥].
" قال ابنُ عبَّاس: نزلت في عَمرو بن الجموح الأَنصاريِّ، وكان شيخا كبيرا ذا مالٍ كثيرٍ فقال: يا رسول الله، بماذا نتصدَّقُ؟ وعلى مَنْ نُنفق؟ فنزلت هذه الآية" (٢).
يستفاد من الآية:
- السؤال طريق العلم والمعرفة.
- أفضل ما يقدم من اعمال الخير فللوالدين ثم للأقربين.
- ذوو الاحتياجات الخاصة قد يكونون من أصحاب رؤوس الأموال كما كان عمرو بن الجموح.
٣ ـ ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله عبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل (كانا أعرجين) ، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ... ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
"قال المفسِّرون: لمَّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤]، جَاءَ أَبو بكر، وعمرُ، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذُ بن جبل، وناس مِنَ الأَنصار إلى النبي ﷺ ، فجثوا على الرُّكبِ، وقالوا: (يا رسول الله، والله ما نزلت آيةٌ أَشدُّ علينا من هذه الآية، إِنَّ أَحدنا ليُحِدِّثُ نفسهُ بما لا يحبُّ أَنْ يَثبُتَ في قلبهِ وأَنَّ له الدُّنيا بما فيها، وإِنا
стр. 79
لمأخوذون بما نحدِّثُ به أنفسنا، هلكنا والله، فقال النبي ﷺ : هكذا أُنزلت، فقالوا: هلَكنا وكُلِّفنا مِنَ العمل ما لا نُطيق، قال: فلعلَّكُم تقولون كما قالت بنو إِسرائيل لموسى: سمعنا وعصينَا، قولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوا: سمعنا وأطعنا، واشتدَّ ذلك عليهم فمكثوا بذلك حولا، فأَنزل الله تعالى الفرج والرَّاحةَ بقولهِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فنسخت هذه الآية ما قبلهَا)، (١) قال النبي ﷺ : (إِنَّ اللهَ قَدْ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ مَا لَمْ يَعْمَلُوا أَوْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ). (٢)
يستفاد من الآية:
- عفو الله عن العبد إذا هم بالذنب ما لم يعمله.
- مشروعية المطالبة بالتخفيف عند المشقة.
- رفع الضيق والحرج عنا مكرمة ربانية.
- بالطلب والسعي تحقق الانجازات.
٤ ـ ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله ابن أم مكتوم الذي كان أعمى ، قوله تعالى: ﴿ ... غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ ... ﴾ [النساء: ٩٥].
"عن البراء ﵃ قال: (لما نزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ زيدًا فجاءه بكتف فكتبها وشكى ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غير أولي الضرر) ". (٣)
يستفاد من الآية:
- تخفيف الله على أصحاب الاحتياجات وعدم تكليفهم ما لا يطيقون.
- المساواة بين أولي الضرر والمجاهدين في سبيل الله في الأجر.
- الاستماع لمطالب ذوي الاحتياجات الخاصة كما استمع الرسول ﷺ لشكوى ابن أم مكتوم.
كما نزل في حق ابن أم مكتوم بضعة عشر آية من سورة عبس: "عن عائشة ﵂ قالت: (أنزل ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله ﷺ فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله ﷺ يعرض عنه
стр. 80
ويقبل على الآخر فيقول له: أترى بما أقول بأسا، فيقول: لا، فنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى*﴾) (١).
يستفاد من الآية:
- الابتعاد عن كل سلوك أو اشارة تؤذي ذوي الاحتياجات الخاصة.
- الدفاع عن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة والمطالبة بها كما وجهنا القرآن الكريم.
٥ ـ ما نزل من قرآن واستثني منه الضعفاء ، قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء: ٩٨].
عن ابن عباس، أن ناساً من المسلمين، كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ ، يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقلته، أو يضرب فيقتل فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ... ﴾ [النساء: ٩٧]، ثم استثنى الله المستضعفين فأنزل: ﴿إلَّا المُستَضعَفِينَ﴾. (٢)
يستفاد من الآية:
أن الأعمال التي لا يستطيع ذوو الاحتياجات الخاصة أن يقوموا بها، تسقط عنهم كما سقط عنهم واجب الجهاد.
٦ ـ ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله ضمرة بن العيص المصاب في بصره .
قال تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠٠].
"عن سعيد بن جبير، عن أبي ضمرة بن العيص الزُّرَقي الذي كان مصاب البصر، وكان بمكة، فلما نزلت: ﴿إلَّا المُستَضعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلدَان لَا يَستَطيعونَ حيلَةً وَلَا يَهتَدونَ سَبيلا﴾، فقلت: إنني لغني، وإني لذو حيلة، قال: فتجهز يريد النَّبِيِّ ﷺ ، فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله﴾ " (٣).
стр. 81
يستفاد من الآية:
أنه من عزم على فعل شيء من الطاعات ثم حال بينه وبين الفعل حائل أعطي أجرا كاملا غير منقوص.
٧. ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله عبد الرحمن بن عوف الذي كان أعرجَ ، حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [التوبه: ٧٩].
"قال قتادة، وغيره: حثَّ رسول الله ﷺ على الصَّدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعةِ آلاف درهم، وقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها فاجعلها في سبيل الله، وأَمسكتُ نصفها لعيالي، فقال رسول الله ﷺ : بارك اللهُ لك فيما أعطيتَ وفيما أَمسكت - فَبَارَكَ اللهُ فِي مَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وتصدق يومئذ عاصم بن عديِّ بن العجلان بمائة وَسْقٍ مِنْ تَمر، وجاء أَبو عُقَيل الأَنصاريُّ بصاع من تَمرٍ وقال: يا رسول الله بِتُّ ليلتِي أَجُرُّ بالجرِيرِ الماء حتى نِلتُ صاعين مِن تَمرٍ، فأَمسكتُ أَحدهُما لأَهلي وأَتيتُكَ بالآخرِ، فأَمرهُ رسول الله ﷺ ، أَن يَنثُرهُ في الصَّدقات، فَلمزَهُم المُنافقون وقالوا: ما أَعطَى عبد الرحمن وعاصمٌ إِلا رياءً، وإِنْ كان الله ورسولهُ غنيّينِ عن صاعِ أَبي عُقيل، ولكنَّه أَحبَّ أَن يذكر نفسه. فأَنزل الله تعالى هذه الآية" (١).
يستفاد من الآية:
- حُرْمَةُ اللمز والطعن والسخرية بالآخرين.
- مكانة الأولياء عند الله تعالى عظيمة، ولا يجوز السخرية من نفقتهم وان كانت يسيرة، وقد سَخِر الله ممن سَخِر من نفقة أوليائه.
٨ ـ ما نزل من القرآن الكريم بحق الضعفاء ، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٩١)﴾ التوبة: ٩١].
" قال السُّدِّيُّ: جاء المِقدادُ بن الأَسود إِلى رسول الله ﷺ ، وكان عظيما سمينا، فشكا إِليه وسأَله أَن يأْذَن له، فنزلت فيه: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ... ﴾ [التوبه: ٤١]، فلما نزلت هذهِ الآية اشتَدَّ شَأنُها على الناسِ، فنسخها الله تعالى وأَنزل: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضى﴾ " (٢).
يستفاد من الآية:
أن أصحاب الأعذار ينصرون دين الله بقدر ما يستطيعون ولا يُكلَفون ما لا يُطيقون.
стр. 82
٩ ـ ما نزل من القرآن الكريم دعما لذوي الاحتياجات الخاصة ، قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ... ﴾ [النور: ٦١].
" قال سعيد بن جُبَير والضَّحاكُ: كان العُرجانُ والعُميانُ يتنزَّهون عن مؤاكلة الأَصحَّاء، لأَن الناس يتقذرونهم، ويكرهونَ مؤاكلتهُم، وكان أَهل المدينة لا يُخالطُهم في طعامهم أَعمى ولا أَعرج ولا مرِيض، تَقذُّرا، فأَنزل الله تعالى هذه الآيةَ. (١)
وفي رواية عن عائشة ﵂، قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله ﷺ ، فيدفعون مفاتيحهم إلى ضمناهم* ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما أحببتم، فكانوا يقولون إنه لا يحل لنا أنهم أذنوا من غير طيب نفس، فأنزل الله هذه الآية (٢).
يستفاد من الآية:
- دعوة ذوي الاحتياجات الخاصة وأهل العافية للأكل معا يدل على أهمية الدمج في المجتمع.
- استثمار طاقات وإمكانات ذوي الاحتياجات الخاصة فقد كان الصحابة يستثمرونها فيدفعون اليهم مفاتيح بيوتهم.
١٠ ـ ما نزل من قرآن وكان سبب نزوله طلحة بن عبيد الله الذي كانت يده مشلولة ، قال تَعَالَى: ﴿ ... فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الأحزاب: ٢٣]، " نزلت في طَلحة بن عُبَيْدِ الله، ثبت مع رسول الله ﷺ يوم أُحُد حتى أُصيبتْ يدُه". (٣)
يستفاد من الآية:
ثناء الله على المؤمنين الصادقين لمواقفهم المشرفة ووفائهم بعهودهم يدل على أهمية قدر ذوي الاحتياجات الخاصة وأهمية الثناء عليهم بما هم أهله.
١١ ـ ما نزل من قرآن لرفع الحرج عن ذوي الاحتياجات الخاصة ، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ [الفتح: ١٧].
стр. 83
"عذر الله أهل الأعذار من العرج والعمى والمرض جملة ورفع الحرج عنهم والضيق والمأثم، وهذا حكم هؤلاء المعاذير في كل جهاد إلى يوم القيامة" (١).
يستفاد من الآية:
- الرحمة بكل ضعيف والرحمة بكل من هو بحاجه الى مساعدة الأقوياء.
- مراعاة قدرات ذوي الاحتياجات الخاصة وعدم إرهاقهم بما يفوق قدراتهم.
١٢ ـ ما نزل من قرآن وخشي ثابت بن قيس بن شمَّاس الذي كان في أذنه وقر أنه قد نزل من أجله، قَال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢].
"عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، إِلَى آخر الآية، جلس ثابت بن قيسٍ في بيته، وقال: أَنا من أَهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ ، فسأَل النبي ﷺ سعد بن معاذ، فقال: يا أَبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتَكى؟ قال سعد: إِنه لجارِي، وما علمت له بشكوى، قال: فأَتاه سعد، فذكر له قول ﷺ ، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أَني من أَرفعكم صوتا على رسول للهِ ﷺ ، فأَنا من أَهل النار، فذكر ذلك سعد للنبيِّ ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : بَل هو من أَهْل الجنَّة". (٢)
يستفاد من الآية:
* دعوة ذوي الاحتياجات الخاصة للتحلي بكل خلق وأدب رفيع.
* عتاب الله لثابت عتاب محبة فقد وصفه بأنه من أهل الإيمان.
* ان نخفض أصواتنا عندما يذكر النبي ﷺ وسماع أحاديثه وعند زيارة قبره.
وفي نهاية هذا المبحث نخلص الى:
- أن الدعوة القرآنية لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع سبقت التشريعات الأرضية.
- أن السخرية من شكل الإنسان فيه خطر على الإيمان.
- أن العناية بذوي الاحتياجات الخاصة مقدم على العناية بالآخرين.
- أن مراعاة قدرات ذوي الاحتياجات الخاصة مطلب قرآني.
- أن نزول قرآن بحق ذوي الاحتياجات الخاصة دلالة على مكانتهم عند الله تعالى.
стр. 84
• المبحث الخامس: حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم .
إن من الحقائق التي أكدها القرآن الكريم، أن الله ساوى بين الناس في الحقوق والواجبات، وجعل مناط التفضيل بينهم هو تقوى الله ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]، فذوو الاحتياجات الخاصة متساوون مع غيرهم في الحقوق والواجبات، إلا فيما استثناهم الله تعالى منه تخفيفا عليهم، كإسقاط فرض الجهاد عنهم، فهذه من حقوقهم التي جاءت في القرآن الكريم وهذا يدل على مكانتهم عند الله ، بينما لم تكن لهم مكانة أو حقوق قبل الإسلام، بل كانوا يُقتلون، وفي العصر الحالي لم يُعتَرف بحقوقهم عند غير المسلمين، إلا في منتصف القرن العشرين، وهي حقوق انتُزِعت انتزاعا وليست كاملة، وفي هذا المبحث أُبرِز بعض الحقوق لذوي الاحتياجات الخاصة، التي قد يظن البعض أنها ليست من حقهم أو يظن آخرون أنهم ليسوا بحاجة لها، وجاءت في ثمانية مطالب:
المطلب الأول: حقهم في الحياة.
المطلب الثاني: حقهم في الكرامة.
المطلب الثالث: حقهم في الحرية.
المطلب الرابع: حقهم في التعلم والتعليم.
المطلب الخامس: حقهم في الكسب والتصرف والتملك.
المطلب السادس: حقهم في العمل.
المطلب السابع: حقهم المالي من مصارف الزكاة.
المطلب الثامن: حقهم في الزواج والإنجاب.
стр. 85
• المطلب الأول: حقهم في الحياة:
إن من حق ذوي الاحتياجات الخاصة أن يعيشوا في الحياة آمنين مطمئنين، فهذا حقٌ لكل إنسان سواء من أهل العافية أو من ذوي الاحتياجات الخاصة على حد سواء، كونهم يحملون بين جوانبهم نفخة من روح الله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ... ﴾ [الاسراء: ٣٣]، وجعل الله حرمة فرد واحد من الناس كحرمة سائر البشر، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ [المائدة: ٣٢]، فهذه قيمة الحياة للإنسان في القرآن الكريم، سواء كان من ذوي الاحتياجات الخاصة أم غيرهم، ولو ألقينا نظرة سريعة على ذوي الاحتياجات الخاصة قبل الاسلام لرأينا أنه لا قيمة لهم ولا لحياتهم، فعند الفراعنة قام منفتاح الأول (حوالي ١٢٠٠ ق. م) بعزل آلاف المجذومين من بني إسرائيل في محاجر طرة، ثم أسكنهم بعد ذلك في مدينة تانيس بشمال شرق الدلتا، وكانت المدينة خالية بعد طرد الهكسوس منها، وعند النظر الى اليونان ونسقهم الاجتماعي، فهناك أسلوب أخر شاذ، يساير فلسفاتهم وقتذاك في النظر الى الحياة، فقوانينهم كانت تسمح بالتخلص ممن بهم نقص جسمي، وقد أعلن "أفلاطون" و"أرسططاليس" موافقتهما على هذا العمل، وكانت السلال تباع علنا في أسواق إسبرطة وأثينا، ليوضع فيها الصغار المشوهين خارج المدينة إهلاكا لهم، وفي روما ظل الناس أجيالا عديدة يغرقون الأطفال غير مكتملي النمو. (١)
فحياة الانسان في ظل القرآن الكريم لها قدسية، لا يجوز التعدي عليها إلا بحق فلا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه، قال تعالى: ﴿ ... وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، كما يحرم على غيره ان يعتدي عليه، قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، فالآيات القرآنية تنص على حفظ النفس البشرية، فلا يجوز إزهاق أي نفس للتخلص منها بحجة أن فيها نقصاً أو ضعفاً أو جذاماً أو جنوناً، فلا يحق لأحد أن يقتل أحدا إلا بحكم شرعي.
فعن عبد اللهِ بن مسعود ﵁، قَالَ: قال رسول الله ﷺ : (لا يحلُّ دمُ امرئ مُسلم، يشهدُ أَن لا إِله إِلا اللهُ وأَنِّي رسول الله، إِلَّا بإحدى ثلاث: النَّفسُ بالنَّفس، والثيِّبُ الزاني، والمارقُ من الدِّين التارك للجماعة) (٢).
стр. 86
• المطلب الثاني: حقهم في الكرامة الانسانية.
إن تكريم الله للإنسان يشمل ذوي الاحتياجات الخاصة وأهل العافية على حد سواء، فهم متساوون في هذه الكرامة.
وإن ما يعانيه ذوو الاحتياجات الخاصة لا يُنقص من كرامتهم ولا يحط من قيمتهم في الحياة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الاسراء: ٧٠]، قال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ أي: فضَّلناهم، و ﴿كرَّمنا﴾ أشد مبالغة من ﴿أكرمنا﴾، وأما قوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾، أي فُضِّلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة: جبريل، وميكائيل، وإِسرافيل، ومَلَك الموت، وأشباههم، فعلى هذا يكون المراد: المؤمنين منهم، ويكون تفضيلهم بالإِيمان، وفُضِّلوا بالعقل، وفُضِّلوا بالنطق والتمييز، وفُضِّلوا بأن جُعِل نبينا محمّدٌ ﷺ منهم، وبتسليطهم على غيرهم من الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم. (١)
فذوو الاحتياجات الخاصة في الكرامة والتفضيل، لا يختلفون عن غيرهم من أهل العافية، فهم كغيرهم من أُمة الرسول ﷺ ومن أهل الإيمان، وكثير منهم كُرِّم بالعقل والنطق والتمييز فهم مِمَّنْ سُخِّر لهم الخَلق، فالهدي الرباني في التوجيه القرآني يؤكد على حق ذوي الاحتياجات الخاصة في العيش بكرامة.
• المطلب الثالث: حقهم في الحرية:
ومن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة الحرية، ومنها حرية الذات أي لا يكون أحد من ذوي الاحتياجات الخاصة عبدا لغيره.
وحرية الرأي بأن يكون حراً في إبداء رأيه وأن تكون كلمته مسموعة وهذا ما يعرف في زماننا بحرية الرأي والتعبير، فقد أكد القرآن الكريم على هذا الحق في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣٨)﴾ [الشورى: ٣٨]، قال الزجاج ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾: "أي لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه" (٢).
فدلت هذه الآية على إعطاء الحرية في التعبير وتبادل الآراء من خلال التشاور، وقال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل. عمران: ١٥٩]، قال ابن الجوزي في قوله تعالى ﴿وَشاوِرهُم فِي الأَمر﴾: أي"استخرج آراءهم،
стр. 87
واعلم ما عندهم" (١)،
ولم يفرق في ذلك بين أهل العافية أو ذوي الاحتياجات الخاصة، فالكل له حق في ابداء رأيه، وهذا ما كان يفعله رسول الله ﷺ مع أصحابه حينما كان يستشيرهم ويستخرج آراءهم، فهو القائل يوم بدر أشيروا علي أيها الناس، كما كان رسول الله ﷺ يسمتع لذوي الاحتياجات الخاصة ويسمح لهم بإبداء آرائهم، لذا لم يتردد ابن أم مكتوم في ابداء رأيه عندما لم يستثنِ أولي الضرر من مرتبة القاعدين ويلحقوا بمرتبة المجاهدين، فاستمع الرسول ﷺ لرأيه فقد جاء في الحديث ان زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ قال: " انَّ الرسول ﷺ أَمْلَى عَلَيْ: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥]، " قال: فجاءَه ابنُ أُم مكتوم وهو يملّها عليَّ، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان رجلا أَعمى - فأنزلَ اللهُ ﵎ على رسوله ﷺ ، وفخذُهُ على فخِذِي، فثقُلتْ علي حتى خفتُ أن تَرُضَّ فخِذِي، ثم سُرِّيَ عنه، فأَنزل اللهُ : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ". (٢)
فهذا هو منهج رسول الله ﷺ في إعطاء الحرية للآخرين ليعبروا عن آرائهم، فعَنْ أَبِي هريرة ﵁: (أَن رسول الله ﷺ انصرف مِنَ اثنتينِ، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين قال: أَقَصُرت الصلاة يا رسول الله، أَم نسيت؟ فقال: أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟ ، فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلّى ركعتين أُخريينِ، ثم سلم، ثم كبر، ثمّ سجد مثل سجوده أَو أَطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده، ثم رفعَ). (٣)
ومن الحرية حرية اتخاذ القرار، بأن يكون كل واحد من ذوي الاحتياجات الخاصة حراً في اختياره وفي قراره، فلا يُكره على أمر لا يريده تحت سيف الضعف وحاجته للآخرين في بعض الأمور، فلا بد من اعطائهم الحرية في المشاركة في اتخاذ القرارات المناسبة وخاصة فيما يخصهم من أمور يحتاجون اليها في حياتهم، فنرى كثيراً من القرارات التي اتخذت من أجل تنظيم أمورهم وشؤونهم قد اتخذت من غيرهم، وقد أكد الله على حرية اتخاذ القرار في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿ ... فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل. عمران: ١٥٩]، "أى: إذا عزمت عقب المشاورة على إمضاء شئ واطمأنت به نفسك ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ فى فعل ذلك". (٤)
стр. 88
فهذه الآية وان كانت موجهة لرسول الله ﷺ إلا أنها عامة لكل المسلمين، فيا صاحب الحاجة الخاصة إذا عزمت واتخذت قرارا فتوكل على الله، فهكذا كان منهج الرسول ﵇ مع أصحابه يعطيهم الحرية في اتخاذ القرار دون ضغط أو اكراه.
فقد أتى عمرو بن الجموح الى رَسُول الله ﷺ يوم أحد فَقَالَ: (يا رَسُول الله، إن بَنيَّ يريدون أن يحبسوني عَن هذا الوجه والخروج معك فِيهِ، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة! فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أَما أنت فقد عذرك الله، ولا جهاد عليك، وقَالَ لبنيه: لا عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة، فأخذ سلاحه وولى، وقَالَ: اللهم أرزقني الشهادة، ولا تردني إِلَى أهلي خائبا، فلما قتل يوم أحد، قال رَسُول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لقد رأَيته يطأ في الجنة بعرجته). (١)
مما سبق نرى كيف كان رَسُول الله ﷺ ، يعطي الحرية لذوي الاحتياجات الخاصة باتخاذ القرار، بل كان يوجههم ويشجعهم على ذلك.
عَنْ مُعَاذٍ: أَنَّ النبي ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: (كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُول الله، قَالَ: "فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ الله؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، لَا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُول الله ﷺ صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: الحمدُ لله الذي وفَّق رَسولَ رَسولِ اللهِ لما يُرضي رَسولَ الله). (٢)
فنرى من هذا الحديث ان سر فهم معاذ بن جبل في كيفية القضاء، بأنه سيتخذ القرار المناسب ان احتاج اليه وذلك في قوله اجتهد رأيي ولا آلو.
ومن الحرية حرية التنقل في الذهاب والإياب، أي أن تكون حركة تنقل ذوي الاحتياجات الخاصة ميسرة من بيوتهم الى حيث يريدون ويحتاجون، فلا بد من تذليل الصعاب في الطرق ومداخل المؤسسات ليسهل عليهم التنقل، فكثير من المؤسسات في بلاد المسلمين كالمدارس والجامعات والمستشفيات وحتى المساجد، لا تكون مهيأة في مداخلها لذوي الاحتياجات الخاصة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥].
قال النسفي ﵀: في قوله تعالى: ﴿هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً﴾ لينة سهلة مذللة لا تمنع المشي فيها ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ جبالها أو طرقها (٣).
ومما يحد من حرية حركة ذوي الاحتياجات الخاصة، إيقاف السيارات على الأرصفة وجوانب الطرق، أو وضع البضاعة أمام المتاجر والمحلات، ناسين أو متناسين أن هذا حق عام لا
стр. 89
يجوز التعدي عليه، وأن رَسُول الله ﷺ حثنا على إزالة كل ما يؤذي المارة، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ) (١).
فالله جعل الأرض سهلة للتنقل فيها، فلا بد من إزالة الحواجز أو المعيقات المادية أو المعنوية من أمام ذوي الاحتياجات الخاصة، والمعيقات المعنوية هي نظرة الآخرين لذوي الاحتياجات الخاصة عندما يتنقلون أو يسافرون، وهذه النظرة إما أن تكون نظرة شفقة لذوي الاحتياجات الخاصة فهي نظرة تؤلمهم وتحد من حركتهم، أو تكون نظرة تساؤلية فيها استنكار لخروجهم من بيوتهم وتحركاتهم في قضاء حوائجهم أو أسفارهم، لماذا يَخرجون؟ ولماذا يَتعبون؟ أليس من الواجب أن يجلسوا في بيوتهم؟ فهذه نظرة تقلقهم وتحد من حريتهم في التنقل، فتحبطهم وتضعف الثقة في نفوسهم.
فعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵃، عن النبيِّ ﷺ قال: (إياكم والجلوسَ على الطرُقات)، فقالوا: ما لنا بُدٌّ، إنما هي مجالسنا نتحدّثُ فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غضُّ البصر، وكفُّ الأَذى، وردُّ السلام، وأمرٌ بالمعروف، ونهيٌ عن المُنكَر). (٢)
ومن الحرية الحق في اختيار العمل أو الوظيفة أو قبول ذلك بحرية، ويعني ذلك الحق لكل واحد من ذوي الاحتياجات الخاصة في اختيار العمل الذي يتناسب مع ميوله ورغباته وقدراته، من أجل تحقيق ذاته، وهذا ما يعرف بحرية العمل، فلا يجبر ولا يكره على عمل لا يريده، لذلك لابد من توافر فرص العمل، حتى يمكن لذوي الاحتياجات الخاصة، أن يختاروا من بينها ما يناسبهم لكسب رزقهم كغيرهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾ [الأعراف: ١٠].
قال البغوي: "المراد مِنَ التمْكين التمليكُ والقُدرةُ، وجعلنا لكم فيها معايش، أَي: أَسبابا تعيشون بها أَيام حياتكُم مِنَ التِّجارات والمكاسب والمآكل والمُشارِبِ". (٣)
ففي هذا التمليك وأسباب المعيشة التي سخرها الله تعالى للخلق من وظائف وأعمال، فرص أمام ذوي الاحتياجات الخاصة لاختيار ما يناسبهم كغيرهم من أهل العافية.
стр. 90
• المطلب الرابع: حقهم في التعلم والتعليم
إن من حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، التي جاءت في القرآن الكريم حق التعلم والتعليم بالمفهوم الواسع، الذي يبدأ بالعلم الشرعي، وينتقل الى بقية العلوم التي يحتاجها الإنسان، فأول ما نزل من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٥]، فالعلم في التصور القرآني، لم يقتصر على مجال معين، وإنما اتسع باتساع آفاق الكون المختلفة، وحق ذوي الاحتياجات الخاصة في التعلم أُكِّد في القرآن الكريم. (فعن عائشة ﵂ قالت: أنزل ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رَسُول الله ﷺ فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رَسُول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين، فجعل رَسُول الله ﷺ يعرض عنه ويقبل على الآخر فيقول له: أترى بما أقول بأسا، فيقول: لا، فنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى*﴾). (١)
وفي هذا الموقف كان ابن أم مكتوم حريصاً على التعلم من رَسُول الله ﷺ ليزكي نفسه قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١)﴾ [عبس: ١١]، قال ابن كثير: أَيْ: هذه السُّورةُ، توصي بالمساواة بينَ النَّاسِ فِي إبلاغ العلم بين شرِيفهم وضعيفهم (٢).
فمن حق ذوي الاحتياجات الخاصة، أن تُهيأ لهم الأسباب والظروف المناسبة، لكي ينالوا حقهم في التعلم والتعليم وينالوا المكانة العالية التي قال الله عنها: ﴿ ... يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١]، فينفعوا أنفسهم وينفعوا أمتهم، فكم من الأَئِمة والعلماء الذين نفع الله بهم خلقا كثيرا هم من ذوي الاحتياجات الخاصة، فمن هؤلاء: أبو عبد الرحمن السُّلَمي مُقرئ الكوفة الذي كان أعمى وُلِد في حياة النبي ﷺ وعَرضَ القراءة على عثمان وعلي وابن مسعود ﵃ وغيرهم، وحدَّث عن عمر وعثمان ﵄. وأخذ عنه القراءة عَرضَا خلق كثير منهم الحسن والحسين ﵄، وعاصم بن أبي النجود. أَقرأ الناس في المسجد الأعظم أربعين سنة، وكان إماما في المسجد، قال أبو حصين: كنا نذهب بأبي عبد الرحمن من مجلسه وكان أعمى. كان ثقة، كبير القدر، وحديثه مخرج في الكتب الستة، توفي في سنة ٧٣ أو ٧٤ من الهجرة ﵀. (٣) ومنهم عبد الرحمن بن هرمز الأعرج الذي أخذ القراءة عَرْضَاً عن أبي هريرة، وكان يكتب المصاحف، وكان الأعرج أحد من برز في القرآن والسنة، قالوا هو أول من وضع العربية بالمدينة، أخذ عن أبي الأسود، وله خبرة بأنساب قريش،
стр. 91
وافر العلم مع الثقة والأمانة، اتفق انه خرج إلى الإسكندرية فأدركه أجله بها في سنة ١١٧ للهجرة. (١)
• المطلب الخامس: حقهم في الكسب والتصرف والتملك .
ومن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة حق الكسب والتصرف، كغيرهم من أهل العافية ما داموا أهلاً للتصرف، والمؤهل للتصرف: هو الحر البالغ العاقل الرشيد، فما دام ذوو الاحتياجات الخاصة كذلك، فلهم حق الكسب والتصرف في البيع والشراء وسائر المعاملات المشروعة، أما من كان يحول بينه وبين التصرف شيئٌ ما، كَعِيٍّ في حواسه، أو خرس في لسانه، أو من كان به جنون أو سفه، فإنه ينوب عنه وليه، أو يستعين بغيره من أهل المعرفة والاختصاص، قال تعالى: ﴿ ... فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ... ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال ابن الجوزي ﵀: المراد بالسفيه هاهنا أنه الجاهل بالأموال، والجاهل بالإملاء، أو الصبي والمرأة، أو المبذر. والمراد بالضعيف: أنه العاجز والأخرس ومن به حمق، قاله ابن عباس وابن جبير (٢).
قال الواحدي في قوله تعالى: ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ﴾ أي لخرس أو عِيٍّ أو جهل بما له وعليه، ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أي: ولي السفيه أو العاجز أو الطفل (٣).
فبتمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من حق الكسب والتصرف، يصيرون فاعلين ومنتجين ولجهدهم وأوقاتهم مستثمرين وبأموالهم منتفعين، وبهذا لا يكونون عالة على الآخرين لأنهم ينالون حق التملك.
فإن من حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة حق التملك بالطرق المشروعة كما لغيرهم، كالتملك بالكسب أو الهبات أو الأعطيات أو التملك بالميراث، قال تعالى: ﴿ ... لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ... ﴾ [النساء: ٣٢]. قال القرطبي: " كانت الوراثة في الجاهلية بالرجولية والقوة، وكانوا يورثون الرجال دون النساء، فأَبطلَ اللهُ ذلك بهذه الآية" (٤).
فالرجال والنساء لهم حق في الميراث سواء كانوا من ذوي الاحتياجات الخاصة أو من غيرهم، قال تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧].
قال ابن عاشور رحمه الله تعالى: كانوا قبل الاسلام قد اعتادوا إيثار الأقوياء والأَشدَّاء بالأَموال، وحرمان الضُّعفاء، وإِبقاءَهُم عالةً على أَشدَّائهم حتَّى يكونوا في مقادتهِم، فكان أُولئك
стр. 92
لضعفهم يصبرون على الحرمانِ، ويقنعون بالعيش في ظلال أَقاربهم، لِأَنهم إِن نازعوهم طردوهم وحرموهم، فصاروا عالةً على الناس (١).
مما سبق نجد أن القرآن الكريم أبطل تلك العادات الجاهلية المجحفة في حق الضعفاء، فأنصفهم وورثهم وملكهم، فالتملك حق من حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة كالكسب والتصرف ليلبوا مطالبهم ويحققوا ما يريدون في معيشتهم.
• المطلب السادس: حقهم في العمل .
والحق في العمل أيضا من حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، فهم كغيرهم من أفراد المجتمع بحاجة الى توفير فرص عمل لهم، فلا بد أن يكون لهم دور في بناء هذا المجتمع وإعماره، وهم أصحاب طاقات وإمكانات فلا بد أن تستثمر بما يعود بالنفع والخير عليهم وعلى غيرهم، وأن الله دعا الجميع للعمل الأخروي والدنيوي، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ [التوبة: ١٠٥]، قال فخر الرازي ﵀: في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ " ثبتَ أَن هذه اللَّفظَة الواحدَة جَامِعةٌ لجميعِ ما يَحتاجُ المَرءُ إليهِ في دينهِ ودُنياهُ ومعاشِهِ ومعادِهِ" (٢).
وجاء في تفسير المراغي: ﴿وَقُل اعمَلوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُم وَرَسُولُه وَالمُؤمِنُون﴾ أي وقل لهم أيها الرسول اعملوا لدنياكم وآخرتكم، لأنفسكم وأمتكم، فالعمل هو مناط السعادة، لا الإعتذار عن التقصير، وسيرى الله عملكم خيرا كان أو شرا، وسيراه رسوله والمؤمنون ويزنونه بميزان الإيمان الذي يفرق بين الإخلاص والنفاق، وهم شهداء على الناس (٣).
فالقرآن الكريم يحث على العمل والجد والاجتهاد، فالذي يعمل ينفع نفسه وينفع غيره، وذوو الاحتياجات الخاصة ينتفعون بالعمل من عدة نواحي، منها ملء فراغهم بما هو نافع ومفيد، ومنها المحافظة على صحة أبدانهم فترك الحركة يضمر العضلات ويضعف الأبدان، ومنها المحافظة على صحة نفوسهم فبخروجهم للعمل يعيشون أجواء مختلفة بعيدة عن جو الإصابة، كما أنهم بالعمل ينتجون ويكسبون فبذلك لغيرهم لا يحتاجون.
عن المِقدامِ بن معد يكرب ﵁، عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (ما أَكلَ أَحدٌ طعاما قطُّ، خيرا مِنْ أَن يأكُلَ مِنْ عملِ يده، وإِنَّ نبي اللهِ داوُد ﵇، كان يأكلُ مِنْ عمل يَدِهِ) (٤). فداود ﵇ وبقية الأنبياء كانوا يعملون، ومنهم موسى ﵇ الذي عمل برعي الأغنام عشر سنين، فذوو
стр. 93
الاحتياجات الخاصة لا يمنعهم ما أصابهم من العمل فهم أصحاب همة وارادة، وإن رَسُول الله ﷺ قد استعمل ابن أم مكتوم على المدينة المنورة.
"قال ابن عباس ﵁: "أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على الصلاة وغيرها من أمر المدينة" (١)، "وقال قتادة: "استخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم مرتين على المدينة وكان أعمى، وعن الشعبي أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة في غزوة بدر". (٢) وأي عمل أعظم من هذا العمل الإداري، فابن أم مكتوم الأعمى نائبا لرَسُول الله ﷺ .
• المطلب السابع: حقهم المالي من مصارف الزكاة .
ومن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة التي وردت في القرآن الكريم الحق المالي، وقد ورد هذا الحق في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ... ﴾ [التوبة: ٦٠] واذا رجعنا الى معاجم اللغة العربية للتعرف على معنى الفقراء والمساكين نجد انهم هم المحتاجون وهم الزمنى الضعاف الذين لا يقدرون على الكسب لقلة حركتهم، جاء في معجم لسان العرب: الفقر والفُقر: ضِدُّ الغنى، مثل الضعف والضعف. والفقر: الحاجة. قال خالد بن يزيد: كأن الفقير إِنما سُمِّي فقيرا لزمانةٍ تصيبُه معَ حاجة شديدة تمنعه الزمانةُ مِنَ التَّقلب في الكسب على نفسه فهذا هو الفقير، وقيل الفقير الذي لا شيء له، والمسكينُ الذي له بعض ما يكفيه.
ورُويَ عن الشافعي، رحمه الله تعالى، أَنه قال: الفقراء الزمنى الضعاف الذين لا حرفة لهم، وأَهل الحرفة الضعيفة التي لا تقع حرفتهم مِنْ حاجتهُم موقعا، والمساكين: ممن له حرفة تقع موقعا ولا تغنيه وعياله.
والفِقْرة والفَقْرة والفَقَارة، بالفتح: واحدة فَقَار الظهر، وهو ما انتضد من عظام الصلب مِنْ لَدُن الكاهل إِلى العجب. الفقير المكسور الفقار؛ يُضرَبُ مثلا لكل ضعيفٍ لا ينفُذ في الأُمور، والفاقِرةُ: الدَّاهِيَةُ الْكَاسِرَةُ للفَقَار (٣).
قال الأنباري في كتابه الزاهر: "المسكين، معناه في كلام العرب: الذي سكَّنه الفقر، أي قلل حركته". (٤)
وجاء في كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر: المسكين، بمعنى الخُضوع، وقلَّة المالِ، والحَال السَّيئة، واسْتَكَانَ إِذا خضع، والمسكين هو الذي له بعض الشاء، وقد تقع المَسكَنةُ على الضَّعف.
стр. 94
وفي حديث الخروج إلى الصلاة "فَليَأت وعليه السَّكينة" وفي حديث زيد بن ثابت قال: كنتُ إِلى جنب رَسُول الله ﷺ فغشيته السَّكينة يريد ما كان يعرض له مِنَ السُّكون والغَيبة عند نزول الوحى. (١)
ومما سبق من التعريفات، نرى أن الفقراء والمساكين هم الذين لا يستطيعون ان يقوموا بأمورهم بسبب ما أصابهم في أجسامهم، فسَكَّنهم وقلَّل حركتهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠]، قال السيوطي ﵀: قال قَتَادَة: الفقير الذي به زمانة، والمسكين المحتاج الَّذي ليسَ به زمانة.
ومر عمر بن الخطاب برجُل من أهل الكتاب مطروح على باب فقال: إستكدوني* وأخذُوا مني الجزية حتى كف بصري فليسَ أحد يعود علي بشيء، فَقَالَ عمر: مَا أنصفنا إِذا ثَمَّ، قَالَ: هذا من الذين قال الله فيهم ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين﴾ ثُمَّ أَمر لَهُ أَن يرزق ويجري عليه (٢).
فان الله بذلك جعل من هذه المصارف الثمانية للزكاة، مصرفين لذوي الاحتياجات الخاصة، وهم الفقراء والمساكين، وقد يشتركون في المصارف المتبقية ان كانوا من أهلها، جاء في تفسير المنار: ولكنَّ ذِكْرَ الفقير في مُقابلة الغنيِّ أَو إطلاق ذكرِهِ، يدُل على المُحتاج في معيشتهِ إلى مواساة غيره، لعدم وُجود ما يكفيه بحسب حاله، ويطلقُ الفقيرُ في اللغة على الكسير الفَقَارِ ومَنْ يشتكي فَقَارَهُ - وهي عظام الظهرِ المَنضودةُ مِنْ لدن الكاهل إلى عجب الذَّنب في الصُّلب - وهذا هو المَعنى الأَصلِيُّ، والمعنى الأَولُ مأخوذٌ منهُ، كما قيل: ومنهُ الفَاقِرَةُ وهي الدَّاهيةُ أو المصيبةُ التي تكسر فَقَارَ الظهرِ.
وأما المِسكينُ فمأخوذٌ مِنْ مادّة السكون المراد به قلة الحركة والاضطراب الحسي مِنَ الضعف والعجز، أو النفسي مِنَ القناعة والصبرِ، وإِنَّما يطلقُ على الفقير إذا كان الفقرُ سبب سكونه (٣).
إن الله ، خص ذوي الاحتياجات الخاصة بالحق المالي لأنهم يحتاجون له، فهم بحاجة الى النفقة والعلاج والأجهزة التي تساعدهم، والمعدات التي تعوضهم عما فقدوه، فاستحقوا ذلك لأنهم لا يستطيعون أن يتحركوا في الأرض كغيرهم قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ ... ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، قال الواحدي: قال سعيد بن المسيب: هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رَسُول الله ﷺ وصاروا زمني، فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض (٤).
стр. 95
• المطلب الثامن: حقهم في الزواج والانجاب:
ومن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، حقهم في الزواج والإنجاب إن كانوا مهيئين ومؤهلين لذلك، فقد يكونون أحوج لذلك من غيرهم، فبزواجهم يجدون من يقف الى جانبهم، ويعينهم في بعض حوائجهم ويؤازرهم ويساندهم.
قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢]، قال الطبري: يقول تعالى ذكره: وزوّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له، من أحرار رجالكم ونسائكم، ومن أهل الصلاح من عبيدكم ومماليككم، والأيم من لا زوج له أو لا زوج لها (١).
ولم يفرق بأمره بتزويج الأيامى بين ذوي الاحتياجات الخاصة أو غيرهم من أهل العافية، وقد يقول قائل بزواج ذوي الاحتياجات الخاصة يحتاجون الى النفقة والمال لأنهم يصيرون أصحاب عيال؟ فللإجابة عن هذا التساؤل ذكرنا سابقا ان من حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة توفير وظائف وأعمال مناسبة لهم ليكتسبوا منها أرزاقهم كما ان من حقوقهم الحق المالي من مصارف الزكاة، وقد بين الله أن الزواج مصدر من مصادر الرزق والغنى.
جاء في جامع البيان في تأويل القرآن: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾: أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وقال عبد الله بن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
وقوله: ﴿وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ يقول جلّ ثناؤه: والله واسع الفضل جواد بعطاياه، فزوّجوا إماءكم، فإن الله واسع يوسع عليهم من فضله، إن كانوا فقراء، ﴿عَلِيمٌ﴾، يقول: هو ذو علم بالفقير منهم والغنيّ، لا يخفى عليه حال خلقه في شيء وتدبيرهم. (٢)
في نهاية هذا المبحث يتبين لنا مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة في القرآن الكريم فقد أوصى الله بهم وأكد على حقوقهم كحقهم في الحياة، والكرامة الانسانية والحرية، والتعلم والتعليم، والكسب والتصرف والتملك، والعمل، وحقهم المالي من مصارف الزكاة، والزواج والإنجاب، فما أعظم هذا القرآن الذي عُني بحقوق الإنسان، سواء ذوي الاحتياجات الخاصة أو غيرهم.
стр. 96
الفصل الرابع
ذوو الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
• المبحث الأول- مكانة ذوو الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية.
• المبحث الثاني- توجيه السنة لذوي الاحتياجات الخاصة.
• المبحث الثالث- شخصيات من ذوي الاحتياجات الخاصة خلدتها السنة النبوية.
стр. 97
الفصل الرابع: ذوو الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية.
لقد أرسل الله نبي الهدى محمداً ﷺ رحمة للعالمين، ليشرح به الصدور ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، كما وإن هداية الخلق إلى الطريق المستقيم من أعظم مهام الرسول الكريم محمد ﵊ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٥)﴾ [الشورى: ٥٢]، فلم يرسله الله إلا هدى ورحمة ليرشد الناس إلى الحق المبين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الانبياء: ١٠٧]، فكان حقا عليه أن يدُل أمته إلى خير ما ينفعهم ويصلحهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة.
ولما كان الجنس الانساني فيه الصحيح والضعيف، وفيه المعافى وفيه المبتلى، فإننا نجد في السنة النبوية مواقف وأحاديث كثيرة، تبين عناية النبي ورحمته ﷺ بذوي الاحتياجات الخاصة، وتبين فضلهم ومكانتهم وما أعده الله لهم وما وُجِّه لهم لمعرفة مالهم وما عليهم وإظهار دورهم وعنايتهم في نشر السنة خدمة لدين الله، وقد جاء هذا الحديث من السُنَّة النبوية عن ذوي الاحتياجات الخاصة، ضمن المباحث الثلاثة الآتية:
• المبحث الأول: مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية .
لقد بلغت مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية مكانة عالية، نالوا فيها التقدير والاحترام ونالوا حقوقهم كاملة غير منقوصة، وفي هذا المبحث أبين مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة عند رسول الله ﷺ ، والذي جاء في أربعة مطالب:
المطلب الأول: عناية الرسول ﷺ بذوي الاحتياجات الخاصة.
المطلب الثاني: مراعاة الرسول ﷺ لقدرات الضعفاء.
المطلب الثالث: رحمة النبي ﷺ بذوي الاحتياجات الخاصة.
المطلب الرابع: الرسول ﷺ يوصي بذوي الاحتياجات الخاصة.
стр. 98
• المطلب الأول: عناية الرسول ﷺ بذوي الاحتياجات الخاصة.
لقد بلغت عناية الرسول بذوي الاحتياجات الخاصة عناية كبيرة فاقت كل وصف، فأدناهم وقربهم منه وكان يثني عليهم بما هم أهله، فاختار منهم المؤذن والإمام والوالي، وأوصى بهم وحث على ضرورة مراعاة قدراتهم، وبين أهمية رحمتهم، وأكد على أثرهم بالنصر على الأعداء، والرزق بالحياة.
١. الضعفاء من اسباب الرزق والنصر .
عن مصعب بن سعد، قال: رأَى سعد ﵁، أَن له فضلا على مَنْ دونه، فقال النَبي ﷺ : (هَل تُنصرون وتُرزقون إِلا بضعفائكُم). (١)
جاء في عمدة القاري شرح صحيح البخاري " إِنَّه ﷺ أخبر بأَنهُم لا ينصرون إلا بالضعفاء والصالحين في كل شيء، عملا بإِطلاق الكلام، ولكن أهم ذلك وأقواه أَن يكون فِي الْحَرْب يستعينون بدعائهم ويتبركون بهم". (٢)
فالعناية بالضعفاء طريق النصر على الأعداء وسبب من أسباب الرزق لذا كان يقول لأصحابه اطلبوا لي ضعفاءكم، فعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إبغوني الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم)، (٣) فغالبا ما تكون عبادة الضعفاء أكثر إخلاصا ودعاؤهم أكثر استجابة لقربهم وتعلقهم بربهم.
عن مصعب بن سعد، عن أَبيه، أَنه ظن أَن له فضلا على مَنْ دونه مِنْ أَصحاب النبي ﷺ ، فقال نبي الله ﷺ : (إِنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهِم). (٤)
فالاستنصار بالضعفاء منهج نبوي، فإذا حرص المسلمون على رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة ومرافقتهم في الشدائد والنوازل، فسينالون من بركتهم من نصر ورزق، ذلك لقربهم من ربهم، فالضعيف يتبرأ مِنْ حَولِهِ وقُوته ويعتمد على الله تعالى.
قال ابن بطال: "وتأويل ذلك أن عبادَهُ الضعفاء ودعاءهم أشد إخلاصًا وأكثر خشوعًا، لخلاء قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا وزينتها، وصفاء ضمائرهم مما يقطعهم عن الله، فجعلوا همهم واحدًا، فزَكت أعمالهم، وأُجيب دعاؤهم". (٥)
стр. 99
من فقه الأحاديث:
أ. عندما فهم الصحابة والسلف الصالح معنى هذه الأحاديث، قدّروا الضعفاء واحترموهم فَوَسَّع الله عليهم بالرزق وأمدّهم بالنصر، وعندما غابت هذه المعاني عن المسلمين، شحّ الرزق وقلت البركة وغاب النصر.
ب. ميزان الرسول ﵇ في تقييم الإنسان، قوة الإيمان والقرب من الرحمن.
٢. النبي ﷺ يختار ابن أم مكتوم ﵁ مؤذنا وهو أعمى .
(عن عائشة ﵂ قالت: كان ابن أم مكتوم يؤذن لرسول الله وهو أعمى). (١)
فالرسول ﷺ يختار ابن أم مكتوم ليؤذن وليعلن دخول وقت الصلاة، ليجتمع الناس ليصلّوا وليؤدوا هذه الشعيرة التي هي عمود الدين فهو مؤتمن عليها، بل كان يؤذن في رمضان ليمسك الناس عن الطعام والشراب ليصوموا لله تعالى، فعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم). (٢)
من فقه الحديثين:
أ. أن يتنافس ذوو الاحتياجات الخاصة مع غيرهم على بعض الأعمال، وأن تتساوى فرصهم مع غيرهم عند إتقان العمل.
ب. أن يتقن ذوو الاحتياجات الخاصة الأعمال التي تعلموها، وأن يتميزوا بها حتى يثبتوا جدارتهم، فيتم اختيارهم ولا يبقوا مهمشين.
٣. النبي ﷺ يلبي دعوة ضرير إكراما له .
عن عِتْبَانَ بن مالك أَنه أَتى رسول الله ﷺ ، فقال: (يا رسول الله قد أَنكرت بصري، وأَنا أُصلي لقومي فإذا كانت الأَمطار سال الوادي الَّذي بيني وبينهم، فلم أَستطع أَن آتي مَسجدَهُم فأُصلي بهم، ووددت يا رسول الله أَنك تأتيني فتصلي في بيتي، فأتَّخِذَهُ مُصلى، قال: فقال له رسول الله ﷺ : "سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ" قال عِتْبَان: فغدا رسول الله ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: "أَين تُحب أَن أُصلي مِنْ بيتك" قال: فأشرت له إِلى ناحيةٍ من البيت، فقام رسول الله ﷺ فكبر، فقُمنا فَصَفَّنَا فصلى ركعتين ثم سلم). (٣)
فالرسول ﵇ جاء لبيت عِتْبَان ﵁ مصطحبا أبا بكر وعمر ﵄ ليلبي له طلبه، وفي ذلك إقرارٌ من النبي ﷺ وتأكيدٌ لإمامة عِتْبَان، وقد كان ابن أم مكتوم يؤم الناس في
стр. 100
المدينة عند غياب النبي ﷺ ، فإن إمامة الأعمى تكون أكثر خشوعا لحضور قلبه وبعده عن رؤية الملهيات.
فعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (استخلف ابن أم مكتوم يؤمُّ الناس وهو أَعمى). (١)
جاء في نيل ألأوطار"قد صرح أَبو إِسحاق المروزي والغزاليُّ بأَن إمامة الأَعمى أَفضل مِنْ إمامة البصير لأَنه أَكثر خشوعا مِنْ البصير لما في البصير من شُغْلِ القلب بالمبصرات". (٢)
من فقه الحديث:
أ. لا تكن ممن يُلبّي دعوة أصحاب المناصب الأقوياء ولا يُلبّي دعوة الضعفاء.
ب. بالطلب والسعي تحقق الانجازات.
ج. إفراد ذوي الاحتياجات الخاصة بميزة عن غيرهم إكراما لهم.
د. أن إمامة الأعمى تكون أكثر خشوعا لحضور قلبه وبعده عن رؤية الملهيات.
٤. الرسول ﷺ يوجه المسلمين لاختيار الأمراء الأَكْفاء وإن كانوا من ذوي الاحتياجات الخاصة .
عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سيدكم يا بني سلمة؟ قلنا: جد بن قيس، على أنَّا نُبَخِّلَهُ، قال: وأَي داء أَدوى مِنَ البخل، بل سيدكُم: عمرو بن الجموح). (٣) وكان عمرو بن الجموح أعرج.
بهذا التوجيه يعطي النبي ﷺ لذوي الاحتياجات الخاصة الحق بتبوء الإدارات العامة، إذا كانوا أَكْفاء، بل إن النبي ﷺ اختار ابن أم مكتوم نائبا له على المدينة مرات عديدة.
فعَنْ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ). (٤)
من فقه الحديثين:
أ. المكانة العالية لذوي الاحتياجات الخاصة عند رسول الله ﷺ وثقته بهم وبقدراتهم.
ب. قدرة ذوي الاحتياجات الخاصة على إدارة كثير من الأمور إن وكلت اليهم.
ج. توكيل المهام والمسؤوليات لذوي الاحتياجات الخاصة يقوي الثقة بأنفسهم.
د. تبوء المقاعد الإدارية يحتاج إلى تعلم ودُربة وكفاءة.
هـ. من حق ذوي الاحتياجات الخاصة أن يتقلدوا الوظائف الرفيعة.
стр. 101
٥. الرسول ﷺ يساوي بين دماء الضعفاء والأقوياء .
عن عليّ ﵁، أَن النبي ﷺ قَالَ: (الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ). (١)
قال ابن بطال: قد ساوى رسول الله ﷺ بين الناس جميعًا، فقال: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، فساوى بين الجميع في الدماء، فوجب أن يكون حكمهم فيما دون الدماء سواء. (٢)
قال البغوي: وقوله يسعى بذمتهم أدناهم، يريد أن العبد ومن كان في معناه من الطبقة الدنيا كالنساء والضعفاء الذين لا جهاد عليهم إذا أجاروا كافراً أمضي جوارهم ولم تخفر ذمتهم.
وقوله وهم يد على من سواهم، فإن معنى اليد المعاونة والمظاهرة إذا استنفروا وجب عليهم النفير، وإذا استنجدوا، أنجدوا ولم يتخلفوا ولم يتخاذلوا. (٣)
من فقه الحديث:
أ. ذوو الاحتياجات الخاصة وأهل العافية قيمة حياتهم متساوية.
ب. دية الواحد من ذوي الاحتياجات الخاصة كدية الواحد من أهل العافية.
ج. لذوي الاحتياجات الخاصة حق اتخاذ القرار كغيرهم قال رسول الله ﷺ ويسعى بذمتهم أدناهم.
٦. قرب النبي ﷺ من ذوي الاحتياجات الخاصة .
عَن أَنسٍ ﵁: (أَن امرأَةً كان في عقلها شيءٌ، فقالت: يا رسول الله إِن لي إِليك حاجة، فقال: يا أُمَّ فُلان انظُري أَيَّ السِّكَكِ شِئتِ، حتى أَقضي لك حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها). (٤)
قال النووي: بروزه ﷺ للناس وقربِهِ منهم، ليصل أَهل الحقوق إِلى حقوقهم، ويرشد مسترشدهم ليشاهدوا أَفعاله، وحركاته فيقتدى بها، وهكذا ينبغي لولاة الأُمور، وفيها صبره ﷺ على المشقة في نفسه لمصلحة المسلمين، وإِجابته مَنْ سأَله حاجةً، وبيان تواضُعِه بوقوفه مع المرأَة الضعيفة "خَلَا معها في بَعضِ الطرق" أَي وقف معها في طريق مسلوك ليقضي حاجتها، ويفتيها في الخلوة، ولم يكن ذلك مِنَ الخَلوةِ بالأَجنبيّة فإِن هذا كان في ممر الناس ومشاهدتهم إِياه وإِياها، لكن لا يسمعون كلامها لأَن مسأَلتها مما لا يظهره واللهُ أَعلم. (٥)
стр. 102
من فقه الحديث:
أ. حق ذوي الاحتياجات الخاصة في الحرية والتعبير.
ب. الاستماع لمطالب ذوي الاحتياجات الخاصة كما استمع الرسول ﷺ للمرأة التي في عقلها شيء.
ج. تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من لقاء المسؤولين لعرض قضاياهم.
٧. توجيه الرسول ﷺ لذوي الاحتياجات الخاصة لما هو خير لهم .
عن عثمان بن حُنَيْف ﵁: (أَن رجلا ضرير البصر أَتى النبي ﷺ فقال: ادعُ اللهَ أَن يُعافيني قال: "إِن شئت دعوتُ، وإِن شِئتَ صبرت فهو خيرٌ لك"، قال: فادعه، قال: فأَمره أَن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاءِ: "اللهمَّ إني أَسألك وأتوجهُ إِليك بنبيك محمد نبي الرحمةِ، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فَشَفِّعهُ فيَّ). (١)
جاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: أن رجلا ضرير البصرِ، أَي: ضعيف النظرِ، أَو أَعمى "أَتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أَن يعافيني" أَي: مِنْ ضرري في نظري فقال رسول الله ﷺ : "إِنْ شِئْتَ" أَيْ: اخترتَ الدُّعاء، "دَعَوْتُ" أَيْ: لَكَ "وَإِن شِئتَ" أَي: أَردتَ الصبر والرِّضا "صَبَرْتَ فَهُوَ" أَيْ: الصَّبر "خيرٌ لك"، فإِن اللهَ تعالى قال: إِذا ابتَلَيتُ عَبدي بِحبيبَتَيه ثُم صبر عَوضته مِنهُما الجنةَ، قَالَ له الرَّجُلُ: فَادْعُهُ، أَيِ: ادْعُ اللهَ أَو اسأَل العافية.
فان قيل كيف اختار الدعاء على الصبر وقد بين له الرسول ﷺ فجواب ذلك أن مَنْ خُيِّرَ بين أَمرين فاختارَ المفضولَ منهُما لا حرج عليه، على أَن يحتمل أَن ذلك الرجل ظنَّ أَن في عَوْدِ بصره إِليه مصالح دينية يفوق ثوابها ثواب الصَّبر.
وقال له الرسول ﷺ صَلِّ ركعتين وادعُ بهذا الدعاء: (اللهم إِني أَسأَلُك) أَي: أَطلُبُكَ مَقصودي أَدعوكَ (وأَتوجهُ إِليك بنبيك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ إِنِّي تَوَجَّهْتُ) أي: وأتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضي لي، (اللهم فشفِّعْهُ) أَي: اقبل شفاعتي (في) أَي: في حقي، وقولهُ: إِني توجهت بك بعد قوله: إِني أَتوجهُ إِليك فيه معنى قولهِ: ﴿ ... مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، سأل اللهَ بطريق الخطاب، ثم توسل بالنبي ﷺ على طريقة الخطاب، ثم ذكر إِلى خطاب الله طالبا منه أَن يَقبلَ شفاعةَ النبي ﷺ في حقِّه. (٢)
من فقه الحديث:
أ. مشروعية طلب العافية من البلاء فهذا لا يتنافى مع الإيمان بالقضاء.
стр. 103
ب. لا حرج على الإنسان أن يختار الأمر المفضول مع وجود الأفضل.
ج. اذا صبر الإنسان على البلاء ورضي فهذا خير له من العافية لما لذلك من أجر عظيم.
د. الاستعانة على البلاء بالصبر والصلاة.
وفي نهاية هذا المطلب يتبين لنا كم بلغت عناية الرسول ﷺ بذوي الاحتياجات الخاصة، فقد كان يدنيهم ويقول بأنهم من أسباب النصر والرزق ويزورهم ويعطيهم من أوقاته ويوليهم، فكل هذا يدل على مكانتهم عند رسول الله ﷺ .
• المطلب الثاني: مراعاة الرسول ﷺ لقدرات الضعفاء .
لقد راعى الرسول ﷺ قدرات الضعفاء وأوصى المسلمين بذلك في جميع الأحوال والمجالات حتى في العبادة التي تكون بين العبد وربه، نظرا لما لحق بهم من ضعف نتيجة لما أصابهم في حواسهم أو أعضائهم أو قدراتهم أو عقولهم، ومن هذه المراعاة:
١. الأوامر والتكاليف تؤدى بقدر الاستطاعة .
عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رسول الله ﷺ : (إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ). (١)
قال ابن رجب: وفي قوله ﵇: " إِذا أَمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" دليلٌ على أَن مَنْ عجز عن فعل المأمور به كلهِ، وقدر على بعضه، فإِنه يأتي بما أَمكنهُ منه، وهذا مطَّرِد في مسائل: منها الطهارة، فإِذا قدر على بعضها، وعجز عن الباقي: إِما لعدم الماء، أَو لمرض في بعض أَعضائه دون بعضٍ، فإِنه يأتي مِنْ ذلك بما قدر عليه، ويتيمم للباقي، سواءً في ذلك الوضوء والغُسلُ على المشهُور. ومنها الصلاةُ، فمن عجز عن فعل الفريضة قائما صلى قاعدا، فإِن عجز صلى مضطجعًا، ولو عجز عن ذلك كله، أَومأَ بطرفه، وصلى بنيته، ولم تسقط عنه الصلاة على المشهور. (٢)
من فقه الحديث:
أ. تخفيف النبي ﷺ على المسلمين وعدم تكليفهم مالا يطيقون.
ب. مراعاة قدرات ذوي الاحتياجات الخاصة وعدم ارهاقهم بما يفوق قدراتهم.
стр. 104
٢. مراعاة قدرات الضعفاء في الصلاة .
" عن عمران بن حُصَين ﵁ قال: كان بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: (صَلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) ". (١)
من فقه الحديث:
أصحاب ألأعذار الشرعية ينالون أجرهم كاملاً بالأمور التي لم يقدروا عليها لما قام بهم من أعذار.
٣. النبي يوصي الأئمة بالتجوز في الصلاة مراعاة لقدرات الضعفاء .
"عن ابن مسعود ﵁ قال: (قال رجل يا رسول الله إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يُطيل بنا فلان فيها، فغضب رسول الله ﷺ ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبا منه يومئذ، ثم قال: يا أيها الناس، إن منكم مُنَفِّرين، فمن أمَّ الناس فليتجوز، فانَّ خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة) ". (٢)
قال ابن عثيمين: "فان فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة أي في المأمومين ضعيف البُنيَة، وضعيف القوة، وفيهم مريض، وفيهم ذو حاجة، قد وعد أحداً يذهب إليه، أو ينتظر أحداً، أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز للإمام أن يثقل بالناس أكثر مما جاءت به السنة". (٣)
من فقه الحديث:
أ. رفع الضيق والحرج عن المسلمين هديٌ نبوي.
ب. الأخذ بعين الاعتبار مراعاة قدرات الضعفاء عند اتخاذ القرارات.
ج. مشروعية المطالبة بالتخفيف عند المشقة.
٤. امتناع النبي ﷺ عن تأخير صلاة العشاء رحمة بالضعفاء .
عن أَبي سعيد الخُدرِي، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة المغرِب، ثم لم يخرج إِلينا حتى ذهب شطر الليل فخرج فصلى بهم، ثم قال: (إِنَّ النَّاسَ قَد صَلَّوا، وناموا، وَأَنتُم لم تزالوا في صلاةٍ ما انتظَرتم الصَّلاة، ولولا ضعف الضعِيفِ، وسقم السقيم لأَمرت بهذه الصلاة أَن تُؤَخَّرُ إِلى شطر اللَّيل). (٤)
стр. 105
جاء في فتح الباري لابن حجر: ويستدِل من هذا الحديث على فضل تأخير صلاة العشاءِ ولا يُعارضُ ذلكَ فضيلةَ أَول الوقت لما في الانتظار مِنَ الفضل لكن لا يصلح ذلك الآن لِلأئمة لأَنه ﷺ أَمر بالتخْفيف، وقال إِن فيهم الضّعيف وذا الحاجة فترك التطويل علَيهِم في الانْتظار أَولى. (١)
من فقه الحديث:
أ. رأفة النبي ﷺ بالضعفاء وأصحاب الاحتياجات.
ب. التوقف والامتناع عن أعمال تسبب مشقة لذوي الاحتياجات الخاصة وان كانت أعمالا فاضلة.
٥. النبي ﷺ يلبي دعوة ضرير لييسر عليه أداء صلاة الجماعة:
عن عِتْبَان بن مالك أَنه أَتى رسول الله ﷺ ، فقال: (يا رسول الله قد أنكرت بصرِي، وأَنا أُصلي لقومي فإِذا كانت الأَمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، لم أَستطع أَن آتي مسجدهم فأُصلي بهِم، ووددتُ يا رسول الله أَنك تأتيني فتصلّي في بيتِي، فأَتخِذه مصلى، قال: فقال له رسول الله ﷺ : "سأَفعل إِن شاء اللهُ" قال عِتبانُ: فغدا رسول الله ﷺ وأَبو بكر حين ارتفع النهارُ، فَاستأذن رسول الله ﷺ فأَذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثُم قال ﷺ : "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ" قال: فأشرت له إِلى ناحية من البيت، فقام رسول الله ﷺ فكبر، فقمنا فصَفَّنا فصلى ركعتين ثم سلم، قال وحبسناه على خزِيرة صنعناها له، قال: فثاب في البيت، رجال من أَهل الدار ذوو عدد). (٢)
قال النووي: لم يجلس في الدار ولا في غيرها، حتى دخل البيت مبادرا الى قضاء حاجتي التي طلبتها وجاء بسببها، وهي الصلاة في بيتي، فثاب رجال من أهل الدار أي: اجتمعوا، قوله وحبسناه على خزيرة، والخزِيرة لحم يقطع صغارا ثمّ يصب عليه ماءً كثيراً فإذا نضج ذَرَّ عَلَيْهِ دَقِيقٌ، وَيستفاد من الحديث سقوط الجماعة للعُذر، وفيه استصحابُ الإِمام والعالم ونحوهما بعض أصحابه في ذهابه، وَفِيهِ الابتداء في الأمور بأهمها لأنه ﷺ جاء لِلصلاة فلم يجلس حتى صلى، وفيهِ جواز صلاة النفل جماعة. (٣)
стр. 106
من فقه الحديث:
أ. ضرورة عناية المسؤولين بذوي الاحتياجات الخاصة وقضاء حوائجهم والقدوة في ذلك رسول الله ﷺ .
ب. مشروعية عرض المشكلات على المسئولين لحلها.
ج. أن يقوم ذوو الاحتياجات الخاصة بعمل ما يتقنونه ليكونوا فاعلين في المجتمع كما فعل عِتْبَان.
د. إستشارة المسؤولين لذوي الاحتياجات الخاصة في ما يخصهم، فقد قال رسول الله ﷺ لعِتْبَان أين تحب أن أُصلي من بيتك.
٦. إعفاء ذوي الاحتياجات الخاصة من وجوب الجهاد .
"عن البراء ﵁ قال: (لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي ﷺ : أُدعو فلانا فجاءه ومعه الدواة واللوح أو الكتف، فقال: اكتب ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، وخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله أنا ضرير، فنزلت مكانها: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ... ﴾ [النساء: ٩٥]). (١)
"وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ (رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة فقال: إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، قالوا يا رسول الله: وهم بالمدينة، قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر) ". (٢)
من فقه الحديث:
أ. المساواة بين أصحاب الأعذار والمجاهدين في سبيل الله في الأجر.
ب. الأعمال التي لا يستطيع ذوو الاحتياجات الخاصة أن يقوموا بها تسقط عنهم كما سقط عنهم واجب الجهاد.
ج. إكرام ذوي الاحتياجات الخاصة بجعلهم كالمجاهدين في سبيل الله تقديرا لضعفهم.
د. أي مجتمع يوجد فيه من ذوي الاحتياجات الخاصة لا بد أن توضع لهم قواعد تراعي احتياجاتهم وقدراتهم حتى لا يُكَلًفُوا فوق طاقتهم.
٧. العقل مناط التكليف:
"عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (رُفعَ القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المُبتلى حتى يبرأ، وعن الصَّبيِّ حتى يكبر) " (٣)
стр. 107
وعن عائشة، عن النبي ﷺ ، قَالَ: (رُفِع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقِظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق). (١)
من فقه الحديثين:
أ. غير العاقل رفع عنه القلم لذا فهو من أهل الجنة.
ب. المجنون غير مكلف، إذاً العاقل مكلف فليحرص على أن يرشده عقله إلى خيري الدنيا والآخرة.
ج. احترام من فقدوا عقولهم بإبعادهم عن أيدي العابثين والمستهزئين، وذلك بإيوائهم في بيوتهم أو مراكز تليق بهم وتحفظ لهم كرامتهم.
وفي نهاية هذا المطلب يتبين لنا رحمة النبي ﵊ بالضعفاء، إذ راعى قدراتهم في جميع مجالات الحياة، حتى في العبادات التي تكون بين العبد وربه، وقد وضع فقهاء المسلمين قواعد فقهية لتحقيق هذا الأمر، ومن هذه القواعد: "الضرورات تبيح المحذورات، الضرورات تقدر بقدرها، المشقة تجلب التيسير"، (٢) وغيرها من القواعد والمسائل الفقهية.
• المطلب الثالث: رحمة النبي ﷺ بذوي الاحتياجات الخاصة .
لقد جاء رسول الله ﷺ رحمة للعالمين، حيث قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ومن هؤلاء ذوو الاحتياجات الخاصة الذين يحتاجون للرحمة والعطف أكثر من غيرهم، نظراً لما أصابهم ولحق بهم، وفي هذا المطلب جمعت أحاديث ومواقف لرسول الله ﷺ ترشدنا وتبين لنا ضرورة الرحمة بالضعفاء، وهي:
١. فضل من يرحم الضعفاء .
عن سعد بن عُباده ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء)، (٣)
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (الرَّاحمونَ يَرحمهُمُ الرحمَنُ، ارحَمُوا أَهل الأَرضِ يَرحَمكُم أَهلُ السماءِ). (٤)
стр. 108
جاء في التنوير شرح الجامع الصغير: "الراحمون" أي: ذوو الرحمة من عباد الله، لمن في الأرض من حيوان، وآدمي وغيره بالإحسان وكف الظلم والتوجع والسعي في إصلاح حالهم. "يرحمهم الرحمن ﵎" أي: يتفضل عليهم بعفوه وغفرانه وبره وإحسانه جزاءً وفاقاً، "ارحموا من في الأرض" كل من في الأرض، "يرحمكم من في السماء" يرحمكم أهل السماء، إن كان لك شوقٌ إلى رحمة الله، فكن رحيماً لنفسك ولغيرك ولا تستبد بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذليل بجاهك، والفقير بمالك، والضعيف بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك ودَفعِ غضبك، فأقرب الناس من الله رحمةً أرحمهم لخلقه، فكل ما يفعله من خيرٍ دق أو جل فهو صادر عن صفة الرحمة. (١)
من فقه الحديثين:
الرحمة بكل ضعيف، والرحمة بكل من هو بحاجة إلى مساعدةِ القوي، ومن ولّاه الله أمر المسلمين شيئاً، ورحمة الكبير بالصغير، ومن أكثر الناس حاجة إلى الرحمة بهم ذوي الاحتياجات الخاصة، فهم سببٌ لنيل رحمة الله تعالى التي بها يدخل أهل الجنة جنة الخلد.
٢. أهمية التراحم بين أهل العافية وذوي الاحتياجات الخاصة:
عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). (٢)
قال ابن عثيمين: " فأنت إذا أحسست بألم في طرف شيء من أعضائك، فإن هذا الألم يسري على جميع البدن، كذلك ينبغي أن تكون للمسلمين هكذا، إذا اشتكى أحد من المسلمين فكأنما الأمر يرجع إليك أنت". (٣)
من فقه الحديث:
بما أن ذوي الاحتياجات الخاصة أعضاء من جماعة المسلمين، فمن يشعر بشعورهم ويقف إلى جانبهم يتَّصف بالمودة والرحمة والعطف، وهذه من صفات المؤمن.
стр. 109
٣. الرسول يحذر من ظلم الضعفاء .
"عن جابر قال: لما رجعت مهاجرة الحبشة إِلى رسول الله ﷺ ، قال: (أَلا تحدثوني بأَعجب ما رأَيتُم بأَرض الحبشة؟ " قال فِتية منهُم: بلى يا رسول الله، بينما نحن جلوس مرت علينا عجوز مِنْ عجائزِهم، تحملُ على رأسها قُلَّةٌ مِنْ ماء، فمرت بفتى منهم، فجعل إِحدى يديه بَين كتِفَيها، ثمّ دفعها على ركبتيها، فانكسرت قلّتها، فلَما ارتفعت التفتت إِليه، ثمّ قالت: ستعلم يا غُدَرْ إِذا وضع الله الكرسي، وجمع الأَولين والآخرِين، وتكلمت الأَيدي والأَرجلُ بما كانوا يَكسبون، فسوف تَعلمُ أَمري وأَمركَ عِندهُ غدا، فقال رسول الله ﷺ : صدَقَت، ثُم صدقَت، كَيف يُقدس اللهُ قَوما لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم) ". (١)
"وعن ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى لا يقدس أمة لا يعطون الضعيف منهم حقه) ". (٢)
جاء في كتاب التنوير شرح الجامع الصغير "إن الله تعالى لا يقدس" لا يطهرها عن أدناس الذنوب ولا يعظمها ولا يرفع لها شأناً "أمة" هي الجيل من كل حي "لا يعطون الضعيف" الذي لا ظهر له ولا قوة ولا معين ولا ناصر "منهم حقه" ما هو له عند القوي. (٣)
من فقه الحديثين:
أ. عندما يُعطَى ذوو الاحتياجات الخاصة حقهم، يقدس الله تعالى الأمَّة ويعلي شأنها.
ب. نصرة الضعفاء سبب لمغفرة الذنوب.
ج. من أسباب الهوان ظلم الضعفاء.
٤. من الرحمة بذوي الاحتياجات الخاصة عدم غيبتهم:
عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلا قام عند رسول الله ﷺ ، فرأوا في قيامه عجزا، فقالوا: ما أعجز فلانا، فقال رسول الله ﷺ : أكَلْتُم أخاكُمْ واغَتَبْتُمُوه)، (٤) جاء في شرح صحيح البخاري لابن بطال: وإنما يكون ذلك غيبة من قائله إذا قاله على وجه الذم والعيب للمقول فيه، وهو له كاره، وعن مثل هذا ورد النهى، وأما إذا قاله على وجه التعريف والتميز له من سائر الناس، فإن ذلك بعيد من
стр. 110
معنى الغيبة. سئل ابن المبارك عن الرجل يقول: حميد الطويل، وسليمان الأعمش، وحميد الأعرج، ومروان الأصفر، فقال عبد الله: إذا أراد صفته ولم يرد غيبته فلا باس به. (١)
من فقه الحديث:
أ. حرمة الغيبة وهي ذكرك أخاك بما يكره.
ب. إن عُلِم أن ذوي الاحتياجات الخاصة لا يكرهون ذكرهم بما أصيبوا به فلا تُعَّدُ غِيْبَهً.
ج. البعد عن ذكر ذوي الاحتياجات الخاصة بما لا يحبون، وإن لم يكونوا حاضرين فهذا منهج النبي الكريم.
٥. الرسول يوصي الأقوياء بأن يرحموا الضعفاء .
عن عمر بن الخطاب ﵁، أَن النبي ﷺ قال له: (يا عمر، إِنك رجل قوِي، لا تزاحم على الحجر فتؤذِي الضعيف، إِنْ وجَدتَ خَلوَةً فاستَلِمهُ، وإِلا فاستَقبلهُ فهلل وكبر). (٢)
من فقه الحديث:
ا. تمكين الضعفاء من الوصول إلى الأماكن التي يحرص عليها الناس لشرفها كالحجر الأسود.
ب. تقديم الضعفاء وجعل حق الأولوية لهم عند وجود أمر يصطف الناس له، أو زحام يسبب لهم مشقة.
في نهاية هذا المطلب، يتبين لنا أن المودة والرحمة من صفات المؤمن، فلا بد من البعد عن الشدة والغلظة، فمن أسباب الهوان ظلم الضعفاء، فلقد حث الرسول ﷺ على الرحمة بالضعفاء فهم سبب لمغفرة الذنوب ونيل رحمة الله ، فان كان لك شوقٌ لرحمة الله سبحانه فكن رحيما بنفسك وبغيرك، فأقرب الناس من الله رحمة أرحمهم بخلقه.