← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)﴾ [التوبة]. وقد اختلف العلماء في تكفير الخوارج وتفسيقهم ورد رواياتهم، كما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله (تعالى) (١) (٢). والمنافق المشبه بالريحانة (التي) (٣) لها ريح ظاهر وطعمها مر: هو المرائي بتلاوته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء]. ثم قال البخاري: اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم حدثنا (٤) أبو النعمان (محمد بن الفضل عارم) (٥)، حدّثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن جندب بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: "اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه". حدثنا عمرو بن علي (بن بحر الفلاس) (٦)، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا سلام بن أبي مطيع، عن أبي عمران الجوني، عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا" (٧) [عنه]. تابعه الحارث بن عبيد وسعيد بن زيد، عن أبي عمران ولم يرفعه حماد بن سلمة وأبان. وقال غندر، عن شعبة، عن أبي عمران قال: سمعت جندبًا قوله. وقال ابن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر قوله، وجندب أكثر وأصح. وقد رواه في مواضع أخر ومسلم، كلاهما عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد، عن همام، عن أبي عمران به.

стр. 177

ومسلم أيضًا عن يحيى بن يحيى، عن الحارث بن عبيد أبي قدامة، عن أبي عمران (به) (١). ورواه مسلم أيضًا عن أحمد بن سعيد بن حبان بن هلال، عن أبان العطار، عن أبي عمران به مرفوعًا. وقد حكى البخاري أن أبان وحماد بن سلمة لم يرفعاه، فالله أعلم. ورواه النسائي والطبراني من حديث مسلم بن إبراهيم، عن هارون بن موسى الأعور النحوي، عن أبي عمران به. ورواه النسائي أيضًا من طرق عن سفيان، عن الحجاج بن قرافصة، عن أبي عمران به مرفوعًا. وفي رواية: عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، عن أبيه، عن سفيان، عن حجاج، عن أبي عمران، عن جندب موقوفًا. ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن إسحاق بن الأزرق، عن عبد الله بن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر قوله. قال أبو بكر بن أبي داود: لم يخطئ ابن عون في حديث قط إلا في هذا، والصواب عن جندب. [(ورواه الطبراني عن علي بن عبد العزيز، عن مسلم بن إبراهيم وسعيد بن منصور قالا: حدّثنا الحارث بن عبيد، عن أبي عمران، عن جندب مرفوعًا)] (٢). فهذا ما تيسر من ذكر طرق هذا الحديث على سبيل الاختصار. والصحيح منها ما أرشد إليه شيخ هذه الصناعة أبو عبد الله البخاري من الأكثر والأصح أنه (عن) (٣) جندب بن عبد الله مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ . ومعنى الحديث أنه ﵇ أرشد (وحض) (٣) أمته على تلاوة القرآن إذا كانت القلوب مجتمعةً على تلاوته (متفكرةً) (٤) متدبرةً له لا في حال شغلها وملالها، فإنه لا يحصل المقصود من التلاوة بذلك. كما ثبت في الحديث (٥) أنه قال ﵇: "اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا". وقال (٦): "أحب الأعمال إلى الله ما دام عليه صاحبه". وفى اللفظ الآخر: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل". ثم قال البخاري (٧): حدثنا سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن

стр. 178

النزال بن سبرة، عن عبد الله - هو ابن مسعود - أنه سمع رجلًا يقرأ آيةً (سمع) (١) النبي ﷺ (قرأ) (٢) خلافها، فأخذت بيده فانطلقت إلى النبي ﷺ فقال: "كلاكما محسن فاقرآ - أكبر علمي قال - فإن من قبلكم اختلفوا فيه فأهلكهم (الله ) (٣). وأخرجه النسائي من رواية شعبة به. وهذا في معنى الحديث الذي تقدمه، وأنه ينهى عن الاختلاف في القراءة والمنازعة في ذلك والمراء فيه، كما تقدم في النهي عن ذلك، والله أعلم. وقريب من هذا ما رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "مسند أبيه" (٤)، حدثنا أبو محمد سعيد بن محمد الجرمي، حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن الأعمش، عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: قال عبد الله بن مسعود: تمارينا في سورة من القرآن فقلنا: خمس وثلاثون آية، ست وثلاثون آية، قال: فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فوجدنا عليًا يناجيه، فقلنا له: اختلفنا في القراءة فاحمر وجه رسول الله ﷺ فقال عليّ: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرءوا كما علمتم. وهذا آخر ما أورده البخاري ﵀ في "كتاب فضائل القرآن"، ولله الحمد والمنة. كتاب الجامع لأحاديث شتى تتعلق بتلاوة القرآن وفضائله وفضل أهله فَصْلٌ قال (٥) أحمد: حدثنا معاوية بن هشام، حدّثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال نبي الله ﷺ : "يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: (اقرأ) (٦) واصعد، فيقرأ ويصعد بكل آية درجةً حتى يقرأ آخر شيء معه".

стр. 179

وقال (١) أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثني بشير بن أبي عمرو الخولاني أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون خلف من بعد الستين سنةً، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق، وفاجر" قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به. وقال (٢) أحمد: حدّثنا حجاج، حدّثنا ليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي الخطاب، عن أبي سعيد أنه قال: إن رسول الله عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة، فقال: "ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس؟ إن (من) (٣) خير الناس رجلًا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلًا فاجرًا (جريئًا) (٤) يقرأ كتاب الله ولا يرعوى إلى شيء منه". وقال الحافظ أبو بكر (٥) البزار: حدثنا محمد بن عمر بن هياج الكوفي، حدّثنا الحسين بن (عبد الأول) (٦)، حدّثنا محمد بن الحسن الهمداني، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد

стр. 180

قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: من شغله قراءة القرآن عن دعائي أعطيته أفضل ثواب السائلين" وقال رسول الله ﷺ : "إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه". ثم قال: تفرد به محمد بن الحسن ولم يتابع عليه. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثني عبد الرحمن بن بديل بن ميسرة، حدثني أبي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله أهلين من الناس" قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته". وقال أبو القاسم (٢) الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدّثنا خالد بن خداش، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت (أن) (٣) أنس بن مالك ﵁ كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده فدعا لهم. وقال الحافظ (٤) أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثنا محمد بن عباد

стр. 181

المكي، حدّثنا حاتم بن إسماعيل، عن شريك، عن الأعمش، عن يزيد بن أبان، عن الحسن، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "القرآن غنى لا فقر بعده ولا غنى دونه". وقال الحافظ أبو بكر (١) البزار: حدثنا سلمة بن شبيب، حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا عبد الله بن المحرر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل شيء حلية، وحلية القرآن الصوت الحسن". ابن المحرر ضعيف. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا حسن، حدّثنا ابن لهيعة، حدّثنا بكر بن سوادة، عن وفاء الخولاني، عن أنس بن مالك قال: بينما نحن (نقرأ) (٣) فينا العربي والعجمي والأسود والأبيض إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "أنتم في خير تقرءون كتاب الله وفيكم رسول الله، وسيأتي على الناس زمان يثقفونه كما يثقف القدح يتعجلون أجورهم ولا يتأجلونها". وقال الحافظ أبو بكر (٤) البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدّثنا عبد الله بن الجهم، حدّثنا عمرو بن أبي قيس، عن عبد ربه بن عبد الله، عن عمر بن نبهان، عن الحسن، عن أنس أن النبي ﷺ قال: "إن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يكثر خيره، والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يقل خيره".

стр. 182

وقال الحافظ أبو يعلى (١): حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا أبو عبيدة، (عن محتسب) (٢)، حدثني يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قعد أبو موسى في بيت واجتمع إليه ناس، فأنشأ يقرأ عليهم القرآن قال: فأتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله ألا أعجبك من أبي موسى أنه قعد في بيت فاجتمع إليه ناس، فأنشأ يقرأ عليهم القرآن قال: فقال رسول الله ﷺ : "أتستطيع أن تقعدني حيث لا يراني منهم أحد؟ " قال: نعم، قال: فخرج رسول الله ﷺ فأقعده الرجل حيث لا يراه منهم أحد، فسمع قراءة أبي موسى فقال: "إنه ليقرأ على مزمار من مزامير داود ﵇". هذا حديث غريب، ويزيد الرقاشي ضعيف. وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا مصعب بن سلام، حدّثنا جعفر هو ابن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أفضل الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" ثم يرفع صوته وتحمر وجنتاه ويشتد غضبه إذا ذكر الساعة [كأنه منذر جيش، قال: ثم يقول: "أتتكم الساعة، بعثت أنا والساعة هكذا] (٤) - وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى - صبحتكم الساعة ومستكم، من ترك مالًا فلأهله ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليّ وعلي". وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا عبد الوهاب - يعني ابن عطاء - أنا أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، فإذا قوم يقرءون القرآن قال: "اقرءوا القرآن وابتغوا به الله من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه". وقال أحمد أيضًا (٦): حدثنا خلف بن الوليد، حدّثنا خالد، عن حميد الأعرج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا العجمي والأعرابي قال: فاستمع، قال: فقال: "اقرءوا فكل حسن، وسيأتي قوم يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه".

стр. 183

وقال أبو بكر (١) البزار: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدّثنا عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، عن المعلى الكندي، عن عبد الله بن مسعود قال: إن هذا القرآن شافع مشفع، من اتبعه قاده إلى الجنة، ومن تركه أو أعرض عنه - أو كلمة نحوها - زخَّ في قفاه إلى النار. وحدثنا (٢) أبو كريب، حدّثنا عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن عبد الله، عن النبي ﷺ بنحوه. وقال الحافظ أبو يعلى (٣): حدّثنا أحمد بن عبد العزيز بن مروان أبو صخر، حدثني (بكر) (٤) بن يونس، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن يحيى بن (أبي) (٥) كثير اليمامي، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ ألف آية كتب (الله) (٦) له قنطارًا، والقنطار مائة رطل، والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية ستة دنانير، والدينار أربعة وعشرون قيراطًا، والقيراط مثل أحد، ومن قرأ ثلاثمائة قال الله لملائكته: نصب عبدي (لي) (٧) أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت له، ومن بلغه عن الله فضيلة فعمل بها إيمانًا (به) (٨) ورجاء ثوابه أعطاه الله ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك، وإن لم يكن ذلك كذلك".

стр. 184

وقال أحمد (١): حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب". قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه. وقال الطبراني (٢): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثني أبي قال: وجدت في كتاب أبي بخطه عن عمران بن أبي عمران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة، ووقاه سوء الحساب يوم القيامة، وذلك أن الله يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] ". وقال الطبراني (٣): حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدّثنا أبي، حدّثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحسن الناس قراءة من قرأ القرآن يتحزن به". وقال أيضًا (٤): حدثنا أبو يزيد القراطيسي، حدّثنا نعيم بن حماد، حدّثنا عبد الله بن سليمان، عن سعيد أبي سعد البقال، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أحسنوا الأصوات بالقرآن".

стр. 185

وروى أيضًا (١) بسنده إلى الضحاك، عن ابن عباس مرفوعًا: "أشراف أمتي حملة القرآن". وقال الطبراني (٢): حدّثنا معاذ بن المثنى، حدّثنا إبراهيم بن أبي سويد الذارع، حدّثنا صالح المري، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال: "الحال المرتحل" قال: يا رسول الله ما الحال المرتحل؟ قال: "صاحب القرآن يضرب في أوله حتى يبلغ آخره، وفي آخره حتى يبلغ أوله". ذكر الدعاء المأثور لتحفظ القرآن وطرد النسيان: قال أبو القاسم الطبراني (٣) في "معجمه الكبير": حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدّثنا هشام بن عمار، حدّثنا محمد بن إبراهيم القرشي، حدثني أبو صالح وعكرمة، عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب: يا رسول الله القرآن يتفلت من صدري، فقال النبي ﷺ : "أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع من علمته؟ - قال: نعم بأبي أنت وأمي قال:- صل ليلة الجمعة أربع ركعات تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب ويس، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وبحم الدخان. وفي الثالثة بفاتحة الكتاب وبحم تنزيل السجدة، وفي الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل، فإذا فرغت من التشهد، فاحمد الله وأثن عليه وصل على النبيين واستغفر للمؤمنين، ثم قل: اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتني، وارحمني من أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، اللهم بديع السماوات والأرض ذا الجلال والإكرام، والعزة التي لا ترام، أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حب كتابك كما علمتني وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني، وأسألك أن تنور بالكتاب بصري، وتطلق به لساني، وتفرج به عن قلبي، وتشرح به صدري، وتستعمل به بدني، وتقويني على ذلك

стр. 186

وتعينني عليه، فإنه لا يعينني على الخير غيرك، ولا يوفق له إلا أنت، فافعل ذلك ثلاث جمع أو خمسًا أو سبعًا تحفظه بإذن الله وما أخطأ مؤمنًا قط" فأتى النبي ﷺ بعد ذلك بسبع جمع فأخبره بحفظ القرآن والحديث، فقال النبي ﷺ : "مؤمن ورب الكعبة، علم أبا الحسن علم أبا الحسن". هذا سياق الطبراني. وقال أبو عيسى الترمذي (١) في "كتاب الدعوات" من "جامعه": حدثنا أحمد بن الحسن، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه علي بن أبي طالب فقال: بأبي أنت وأمي، تفلت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه؟ فقال له رسول الله ﷺ : "يا أبا الحسن، أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وتنفع بهن من علمته ويثبت ما تعلمت في صدرك؟ - قال: أجل يا رسول الله فعلمني، قال:- إذا كانت ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب، وقال أخي يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة، فإن لم تستطع فقم في وسطها، فإن لم تستطع فقم في أولها فصل أربع ركعات، تقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان، وفي الثالثة بفاتحة الكتاب وألم تنزيل السجدة، وفي الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل، فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله وأحسن الثناء على الله، وصل عليّ وأحسن وعلى سائر النبيين، واستغفر للمؤمنين

стр. 187

والمؤمنات ولإخوانك الذين سبقوك بالإيمان، ثم قل في آخر ذلك: اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتني، وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، اللهم بديع السماوات والأرض ذا الجلال والإكرام، والعزة التي لا ترام، أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تنور بكتابك بصري، وأن تطلق به لساني، وأن تفرج به عن قلبي، وأن تشرح به صدري، وأن تغسل به بدني، فإنه لا يعينني على الخير غيرك ولا يؤتيه إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يا أبا الحسن تفعل ذلك ثلاث جمع أو خمسًا أو سبعًا تجاب بإذن الله والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمنًا قط" قال ابن عباس: فوالله ما لبث علي إلا خمسًا أو سبعًا حتى جاء رسول الله ﷺ في المجلس فقال: يا رسول الله، والله إني كنت فيما خلا لا آخذ إلا أربع آيات أو نحوهن فإذا قرأتهن على نفسي تفلتن، وأنا أتعلم اليوم أربعين آية أو نحوها فإذا قرأتها على نفسي فكأنما كتاب الله بين عيني، ولقد كنت أسمع الحديث فإذا رددته تفلت؛ وأنا اليوم أسمع الأحاديث فإذا تحدثت بها لم أخرم منها حرفًا. فقال له رسول الله ﷺ عند ذلك "مؤمن ورب الكعبة أبا الحسن". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم. كذا قال. وقد تقدم من غير طريقة. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق الوليد، ثم قال: على شرط الشيخين، ولا شك أن سنده من الوليد على شرط الشيخين حيث صرح الوليد بالسماع من ابن جريج فالله أعلم فإنه من البين غرابته بل نكارته والله أعلم. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع، حدّثنا العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل القرآن مثل الإبل المعقلة إن تعاهدها صاحبها أمسكها، وإن تركها ذهبت". ورواه أيضًا (٢) عن محمد بن عبيد ويحيى بن سعيد، عن عبيد الله العمري به. ورواه أيضًا (٣) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بنحوه. وقال البزار (٤): حدثنا محمد بن معمر، حدّثنا حميد بن حماد بن أبي الخوار، حدّثنا مسعر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سئل رسول الله: أي الناس أحسن قراءة؟ قال: "من إذا سمعته يقرأ رؤيت أنه يخشى الله ". قال الإمام أحمد (٥): حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن

стр. 188

عمرو، عن النبي ﷺ قال: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها". وقال أحمد (١): حدثنا حسن، حدّثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أقرأ القرآن فلا أجد قلبي يعقل عليه، فقال رسول الله ﷺ : "إن قلبك حشى الإيمان وإن العبد يعطى الإيمان قبل القرآن". وبهذا الإسناد (٢) أن رجلًا جاء بابن له فقال: يا رسول الله إن ابني يقرأ المصحف بالنهار، ويبيت بالليل، فقال رسول الله ﷺ : "ما تنقم؟ إن ابنك يظل ذاكرًا ويبيت سالمًا". وقال أحمد (٣): حدثنا موسى بن داود، حدّثنا ابن لهيعة، عن حيي، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه - قال:- فيشفعان". وقال أحمد (٤):. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 189

حدثنا حسن، حدّثنا ابن لهيعة (حدّثنا دراج) (١)، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أكثر منافقي أمتي قراؤها". وقال أحمد (٢): حدثنا وكيع، حدثني همام، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه". ورواه أيضًا (٢) عن غندر، عن شعبة، عن قتادة به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال أبو القاسم الطبراني (٣): حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه، حدّثنا أبي، حدّثنا عيسى بن يُونس ويحيى بن أبي الحجاج التميمي، عن إسماعيل بن رافع، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ القرآن فكأنما استدرجت النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه. ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدًا أعطى أفضل مما أعطى، فقد

стр. 190

عظم ما صغر الله وصغر ما عظم الله، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يسفه فيمن يسفه، أو يغضب فيمن يغضب، أو يحتد فيمن يحتد، ولكن يعفو ويصفح لفضل القرآن". وقال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو سعيد مولى بن هاشم، حدّثنا عباد بن ميسرة، عن الحسن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة". وقال البزار (٢): حدثنا محمد بن حرب، حدّثنا يحيى بن المتوكل، حدّثنا عنبسة بن مهران، عن الزهري، عن (سعيد) (٣) وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "مراء في القرآن (٤) كفر". ثم قال عنبسة: هذا ليس بالقوي، وعنده في إسناد آخر. وقال الحافظ (٥) أبو يعلى: حدّثنا أبو بكر (حدّثنا ابن) (٦) إدريس، حدّثنا المقبري، عن

стр. 191

جده، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه". وقال الطبراني (١): حدثنا موسى بن خازم الأصبهاني، حدّثنا محمد بن بكير الحضرمي، حدّثنا إسماعيل بن (عياش) (٢)، عن يحيى بن الحارث (الذماري) (٣)، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن فضالة بن عبيد وتميم الداري، عن النبي ﷺ قال: "من قرأ عشر آيات في ليلة، كتب له قنطار، والقنطار خير من الدنيا وما فيها، فإذا كان يوم القيامة يقول ربك : اقرأ وارق بكل آية درجة حتى ينتهي إلى آخر آية معه، يقول ربك: اقبض، فيقول العبد بيده: يا رب أنت أعلم، فيقول: بهذه الخلد وبهذه النعيم" (٤). [وروى الحافظ (٥) ابن عساكر في ترجمة: "معقس بن عمران بن حطان" قال: دخلت مع أبي على أم الدرداء ﵂، فسألها أبي: ما فضل من قرأ القرآن على من لم يقرأ؟ قالت: حدثتني عائشة قالت: جعلت درج الجنة على عدد آي القرآن فمن قرأ ثلث القرآن ثم دخل الجنة كان على الثلث من درجها، ومن قرأ نصف القرآن كان على النصف من درجها، ومن قرأ كله كان في عليين، لم يكن فوقه إلا نبي أو صديق أو شهيد" (٦). وقال الطبراني (٧): حدثنا مسعدة بن سعد العطار المكي، حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي،

стр. 192

حدّثنا إسحاق بن إبراهيم مولى جميع بن حارثة الأنصاري، حدثني عبد الله بن ماهان الأزدي، حدثني فايد مولى عبيد الله بن أبي رافع، حدثتني سكينة بنت الحسين بن علي، عن أبيها قال: قال رسول الله ﷺ : "حملة القرآن عرفاء أهل الجنة يوم القيامة". وروى الطبراني (١) من حديث بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن المهاصر بن حبيب، عن عبيدة المليكي، عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: "يا أهل القرآن! لا توسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته من آناء الليل والنهار، وتغنوه وتقنوه، واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون، ولا تستعجلوا ثوابه، فإن له ثوابًا". وفي حديث عقبة (٢) بن عامر نحوه كما تقدم. وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا أبو سعيد، حدّثنا ابن لهيعة، عن مشرح، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن القرآن جعل في إهاب، ثم ألقي في النار ما احترق". تفرد به. قيل: معناه: أن الجسد الذي يقرأ القرآن لا تمسه النار. وفي "سنن ابن ماجه" (٤) من طريق المغيرة بن نهيك، عن عقبة بن عامر مرفوعًا: "من تعلم القرآن ثم تركه، فقد عصاني". وفي حديث رواه "أبو يعلى" (٥). . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 193

من طريق ليث، عن مجاهد، عن (أبي) (١) سعيد مرفوعًا: "عليك بتقوى الله فإنها رأس كل خير، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه نور لك في الأرض، وذكر لك في السماء، واخزن لسانك إلا من خير، فإنك بذلك تغلب الشيطان". وهذا ذكر آثار مرويةٍ عن ابن أم عبد: عبد الله بن مسعود أحد قراء القرآن من الصحابة المأمور بالتلاوة على نحوهم. روى الطبراني (٢)، عن الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق قال: قال ابن مسعود: "كل آية خير مما في السماء والأرض". ومن طريق شعبة (٣)، عن أبي إسحاق، عن مرَّة، قال ابن مسعود: "من أراد العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين". ومن طريق سفيان (٤) وشعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله؛ قال: "إن هذا القرآن ليس فيه حرف إلا له حد، ولكل حد مطلع". ومن حديث (٥) الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سيار أبي الحكم، عن ابن مسعود،

стр. 194

قال: "أعربوا هذا القرآن، فإنه عربي، وسيجيء قوم يثقفونه، وليسوا بخياركم". والثوريّ (١)، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود، قال: "أديموا النظر في المصحف، وإذا اختلفتم في "ياء" و"تاء" فاجعلوها "ياءً"، "ذكِّروا القرآن، فإنه مذكر". وقال عبد الرزاق (٢)، عن إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن شداد بن معقل، سمعت ابن مسعود يقول: "إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما يبقى من دينكم الصلاة، وليصلين قوم لا خلاق لهم، ولينزعن القرآن من بين أظهركم". قالوا: يا أبا عبد الرحمن! ألسنا نقرأ القرآن وقد أثبتناه في مصاحفنا؟! قال: يُسرى على القرآن ليلًا، فيذهب به من أجواف الرجال، فلا يبقى في الأرض منه شيء، ويصبح الناس نفرًا كالبهائم، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦)﴾ [الإسراء]. وقال الطبراني (٣): حدثنا علي بن عبد العزيز، حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا شعبة، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه، قال: "من قرأ القرآن في أقل من ثلاث، فهو راجز". وقال هشام (٤)، عن الحسن أنه بلغه عن ابن مسعود مثل ذلك.

стр. 195

ومن طريق الأعمش (١)، عن أبي وائل، قال: كان عبد الله بن مسعود يقل الصوم، فيقال له في ذلك، فيقول: "إني إذا صمت ضعفت عن القرآن والصلاة، والقراءة والصلاة أحب إلي".

стр. 196

مقدمة مفيدة تذكر في أول التفسير قبل الفاتحة (١) قال أبو بكر بن الأنباري: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا همام، عن قتادة؛ قال: نزل في المدينة من القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وبراءة، والرعد، والنحل، والحج، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات، والرحمن، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن والطلاق و ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: ١] إلى رأس العشر، ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة]، و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر] هؤلاء السور نزلت بالمدينة، وسائر السور بمكة. فأما عدد آيات القرآن العظيم فستة آلاف آيةً؛ ثم اختلف فيما زاد على ذلك على أقوال؛ فمنهم من لم يزد على ذلك، ومنهم من قال: ومائتا [آية وأربع آيات. وقيل: وأربع عشرة آيةً. وقيل: ومائتان وتسع عشرة آيةً. وقيل: ومائتان وخمس وعشرون آيةً، أو ست وعشرون آيةً. وقيل: ومائتا آية] (٢) وست وثلاثون آيةً، حكى ذلك أبو عمرو الداني في كتابه "البيان". وأما كلماته فقال الفضل بن شاذان، عن عطاء بن يسار: سبع وسبعون ألف كلمةً وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمةً. وأما حروفه (٣) فقال عبد الله بن كثير، عن مجاهد: هذا ما أحصينا من القرآن، وهو ثلاثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف ومائة وثمانون حرفًا. وقال الفضل (٤)، عن عطاء بن يسار: ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألفًا وخمسة عشر حرفًا.

стр. 197

وقال سلام أبو محمد الحماني (١): إن الحجاج جمع القراء والحفاظ والكتاب؛ فقال: أخبروني عن القرآن كله؛ كم من حرف هو؟ قال: فحسبنا فأجمعوا أنه ثلاثمائة ألف وأربعون ألفًا وسبعمائة وأربعون حرفًا. قال: فأخبروني عن نصفه فإذا هو إلى الفاء من قوله في الكهف: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [الآية: ١٩] وثلثه الأول عند رأس مائة آية من براءة والثاني على رأس مائة أو إحدى ومائة من الشعراء، والثالث إلى آخره. وسبعه الأول إلى الدال من (٢) قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ﴾ [النساء: ٥٥] والسُّبُع الثاني إلى التاء من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿(أُوْلَئِكَ) (٣) حَبِطَتْ﴾ [الآية: ١٤٧] والثالث إلى الألف الثانية من قوله (تعالى) (٣) في الرعد (٤): ﴿أُكُلُهَا﴾ [الرعد: ٣٥]. والرابع إلى الألف من قوله في (الحج) (٥): ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الآية: ٣٤]. والخامس إلى الهاء من قوله في الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الآية: ٣٦]. والسادس إلى الواو من قوله (تعالى) (٦) في الفتح: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الآية: ٦]. والسابع إلى آخر القرآن. قال سلام أبو محمد: عملنا ذلك في أربعة أشهر؛ قالوا: وكان الحجاج يقرأ في كل ليلة ربع القرآن؛ فالأول إلى آخر الأنعام، والثاني إلى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ من سورة الكهف، والثالث إلى آخر الزمر، والرابع إلى آخر القرآن. وقد ذكر (٧) الشيخ أبو عمرو الداني في كتابه (البيان) خلافًا في هذا كله. فالله أعلم. وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وغيرها، وقد ذكرنا فيما تقدم الحديث الوارد في تحزيب الصحابة للقرآن؛ والحديث في "مسند (الإمام) (٨) أحمد"، و"سنن أبي داود" و"ابن ماجه"، و (غيرهم) (٩)؛ عن أوس بن حذيفة أنه سأل أصحاب رسول الله ﷺ في حياته: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث (١٠) عشرة، وحزب المفضل [من ﴿ق﴾] (١١) حتى تختم. فصل (١٢) واختلف في معنى السورة مم هي مشتقة؛ فقيل: من الإبانة والارتفاع؛ قال النابغة: ألم ترى أن الله أعطاك سورةً … ترى كل ملك دونها يتذبذب فكأن القارئ ينتقل بها من منزلة إلى منزلة. وقيل: لشرفها وارتفاعها كسور البلد. وقيل:

стр. 198

سميت سورة لكونها قطعةً من القرآن وجزءًا منه مأخوذ من أسآر الإناء وهو البقية. وعلى هذا فيكون أصلها مهموزًا؛ وإنما (خففت) (١)، فأبدلت الهمزة واوًا لانضمام ما قبلها. وقيل: لتمامها وكمالها؛ لأن العرب يسمون الناقة التامة سورةً. قلت: ويحتمل أن يكون من الجمع والإحاطة لآياتها، كما يسمى سور البلد، لإحاطته بمنازله ودوره، (والله أعلم) (٢). وجمع السورة: سور -بفتح الواو-، وقد يجمع على سُوْرات وسُوَرات. وأما الآية فمن العلامة على انقطاع الكلام الذي قبلها عن الذي بعدها، (وانفصالها) (٣)؛ أي: هي بائنة (من) (٤) أختها ومنفردة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. وقال النابغة: توهمت آيات لها فعرفتها … لستة أعوام وذا العام سابع قيل: لأنها جماعة حروف من القرآن وطائفة منه، كما يقال: خرج القوم بآياتهم؛ أي: بجماعاتهم؛ وقال الشاعر: خرجنا من النقبين لا حي مثلنا … بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا وقيل: سميت آية؛ لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها؛ قال سيبويه: وأصلها أيية مثل أكمة وشجرة، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فصارت آية بهمزة بعدها مدة. وقال الكسائي: أصلها آيية، على وزن آمنة، فقلبت ألفًا، ثم حذفت لالتباسها. وقال الفراء: أصلها أييّة بتشديد الياء الأولى، فقلبت ألفًا كراهية (التشديد) (٥)، فصارت آية. وجمعها آيٌ، وآياي، وآيات. وأما الكلمة فهي (اللفظه الواحده) (٦) وقد يكون على حرفين مثل: ما، ولا، (ولك) (٧) (ونحو ذلك) (٨). وقد يكون أكثر، وأكثر ما تكون عشرة أحرف مثل: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ [النور: ٥٥]، و ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: ٢٨]، ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢]. وقد تكون الكلمة الواحدة آية مثل: ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾ ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾ وكذلك ﴿الم (١)﴾ و ﴿طه (٢)﴾ و ﴿يس (١)﴾ و ﴿حم (١)﴾ في قول الكوفيين: و ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ عندهم كلمتان. وغيرهم لا يسمى هذه آيات؛ بل يقول: هذه فواتح السور. وقال أبو عمرو الداني: لا أعلم كلمةً هي وحدها آية إلا قوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ بسورة [الآية: ٦٤].

стр. 199

فصل (١) قال القرطبي (٢): أجمعوا على أنه ليس في القرآن شيء من (التراكيب) (٣) الأعجمية، وأجمعوا أن فيه أعلامًا من الأعجمية؛ كإبراهيم، ونوح، ولوط. واختلفوا: هل فيه شيء من غير ذلك بالأعجمية؟ فأنكر ذلك الباقلاني، (والطبري) (٤)؛ وقالا: ما وقع فيه (مما) (٥) يوافق الأعجمية فهو من باب ما توافقت فيه اللغات (١).

стр. 200

سُورَةُ الفَاتِحَةِ (١) (بسم الله الرحمن الرحيم) (٢) [يقال لها: الفاتحة؛ أي: فاتحة الكتاب خطًّا، وبها (تفتتح) (٣) القراءة في (الصلاة) (٤) ويقال لها أيضًا: أم الكتاب عند الجمهور؛ (وكره) (٥) أنس، والحسن، وابن سيرين كرها؛ (تسميتها) (٦) بذلك؛ قال الحسن، وابن سيرين: إنما ذلك اللوح المحفوظ. وقال الحسن: الآيات المحكمات هن أم الكتاب، و (كذا كرها) (٧) أيضًا أن يقال لها: أم القرآن. وقد ثبت في (الحديث) (٨) عند الترمذي (٩)، وصححه عن أبي] (١٠) (١١) [هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " (الحمد لله رب العالمين) (١٢) أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني" (ويقال لها: السبع المثاني) (١٣) والقرآن العظيم (١١). ويقال لها: "الحمد" و (يقال لها) (١٤): "الصلاة"؛ لقوله ( ﷺ ) (١٥) عن ربه (١٦): "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي. . ." الحديث؛ فسميت الفاتحة صلاةً؛ لأنها شرط فيها] (١٠).

стр. 201

[ويقال لها: "الشفاء" لما رواه الدارمي (١)، عن أبي سعيد، مرفوعًا:] (٢) ["فاتحة الكتاب شفاء من كل سم". ويقال لها: "الرقية" لحديث أبي سعيد (في) (٣) "الصحيح" (٤) حين رقى بها الرجل السليم، فقال له رسول الله ﷺ : "وما يدريك أنها رقية؟ ". وروى الشعبي (٥)، عن ابن عباس أنه سماها "أساس القرآن"؛ قال: (وأساسها) (٦) بسم الله الرحمن الرحيم. وسماها سفيان بن عيينة "بالواقية" (٧). وسماها يحيى (٨) بن أبي كثير "الكافية"؛ لأنها تكفي عما عداها، ولا يكفي ما سواها عنها، كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة (٩): "أم القرآن عوض من غيرها، وليس غيرها] (٢)

стр. 202

[(عوضًا) (١) منها" ويقال لها: سورة الصلاة، والكنز؛ ذكرهما الزمخشري (٢) في كشافه] (٣) وهي مكية؛ (قاله ابن عباس، وقتادة وأبو العالية) (٤)، وقيل: مدنية؛ (قاله أبو هريرة، ومجاهد، وعطاء بن يسار، والزهري) (٤). ويقال: نزلت مرتين؛ مرةً بمكة، ومرةً بالمدينة. والأول أشبه، (٥) (لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]) (والله تعالى أعلم) (٦). (وحكى أبو الليث السمرقندي أن نصفها نزل بمكة، ونصفها الآخر نزل بالمدينة؛ وهو غريب جدًّا، نقله القرطبي (٧) عنه) (٦). وهي سبع آيات بلا خلاف [(وقال عمرو بن عبيد: ثمانٍ. وقال حسين الجعفي: ستة. وهذان (القولان) (٨) شاذان) (٩). وإنما اختلفوا في البسملة؛ هل هي آية مستقلة من أولها كما هو (المشهور) (١٠) عن جمهور قراء الكوفة، وقول جماعة من الصحابة والتابعين، وخلق من الخلف. أو بعض آية، (أو لا) (١١) تعد من أولها بالكلية، كما هو قول أهل المدينة من القراء والفقهاء؟ على ثلاثة أقوال، كما سيأتي تقريرها في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة. قالوا: وكلماتها خمس وعشرون كلمة، وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفًا. قال البخاري في أول "كتاب التفسير" (١٢): وسميت أم الكتاب؛ لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة. وقيل: إنما سميت بذلك لرجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمنته. قال ابن جرير (١٣): والعرب تسمى كل جامع أمرًا -أو مقدم لأمر، إذا كانت له توابع تتبعه هو لها إمام جامع- "أُمًّا"؛ فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ: "أم الرأس"، ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها "أمًّا"؛ واستشهد بقول ذي الرمة:

стр. 203

على رأسه أم لنا نقتدي بها … جماع أمور ليس نعصي لها أمرًا يعني: الرمح. قال: وسميت مكة أم القرى؛ لتقدمها أمام جميعها، وجمعها ما سواها. وقيل: لأن الأرض دحيت (منها) (١). ويقال لها أيضًا: الفاتحة؛ لأنها تفتتح بها القراءة، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام، وصح تسميتها بالسبع المثاني؛ قالوا: لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعةٍ، وإن كان للمثاني معنى آخر غير هذا كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله (تعالى) (٢). قال الإمام أحمد (٣): حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا ابن أبي ذئب، وهاشم بن هاشم، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال في أم القرآن: "هي أم القرآن وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم". ثم رواه (٤) عن إسماعيل بن عمر، عن ابن أبي ذئب، به. وقال أبو جعفر (٥) محمد بن جرير الطبري: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ؛ قال: "هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني". وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في "تفسيره": حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، حدثنا محمد بن غالب بن (حرب) (٦)، حدثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي، حدثنا المعافى بن عمران، عن عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، عن المقبري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "الحمد لله رب العالمين سبع آيات: بسم الله الرحمن الرحيم إحداهن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم؛ وهي أم الكتاب، (وفاتحة الكتاب) " (٧). وقد رواه الدارقطني (٨) أيضًا عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه أو مثله؛ وقال: "كلهم ثقات".

стр. 204

وروى البيهقي (١) عن علي، وابن عباس، وأبي هريرة؛ أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] بالفاتحة، وأن البسملة هي الآية السابعة منها وسيأتي تمام هذا عند البسملة. [وقد روى الأعمش (٢)، عن إبراهيم؛ قال: قيل لابن مسعود:] (٣) (٤) [لم لم تكتب الفاتحة في مصحفك؟ فقال: لو كتبتها لكتبتها في أول كل سورة. قال أبو بكر بن داود: يعني حيث يقرأ في الصلاة، قال: واكتفيت بحفظ المسلمين لها عن كتابتها. وقد قيل: إن الفاتحة أول شيء أنزل من القرآن، كما ورد في حديث رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٥)، ونقله الباقلاني أحد أقوال ثلاثة. (هذا أحدها) (٦)؛ وقيل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر] كما في حديث جابر في "الصحيح" (٧). وقيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق] وهذا هو الصحيح (٨) كما سيأتي تقريره في موضعه، والله المستعان] (٤).

стр. 205

ذكر ما ورد في فضل الفاتحة: قال الإمام أحمد (١) (بن محمد بن حنبل) (٢) رحمه الله تعالى في "مسنده": "حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى (﵁) (٣) قال: كنت أصلي، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه حتى صليت؛ قال: (وأتيته) (٤) فقال: "ما منعك أن تأتيني"؟ قال: قلت: يا رسول الله؛ إني كنت أصلي. قال: "ألم يقل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] "، ثم قال: "لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد"؛ قال: (٢/ ٤٣/ ٢)؛ فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله؛ إنك قلت: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن. قال: "نعم، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته" وهكذا رواه البخاري عن مسدد وعلي ابن المديني، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان، به. ورواه في موضع آخر من "التفسير" وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من طرق عن شعبة، به. ورواه الواقدي (٥)، عن محمد بن معاذ الأنصاري، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى، عن أُبي بن كعب، فذكر نحوه. وقد وقع في "الموطأ" (٦) للإمام مالك (بن أنس) (٧) (﵀) (٨) ما ينبغي التنبيه عليه؛ فإنه رواه مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي أن أبا سعيد مولى (عامر) (٩) بن كريز، أخبرهم أن رسول الله ﷺ نادى أُبي بن كعب وهو يصلي في المسجد، فلما فرغ من صلاته لحقه؛ فوضع النبي ﷺ يده على يدي وهو يريد أن يخرج من باب المسجد، ثم قال ( ﷺ ) (٧): "إني لأرجو أن لا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في (القرآن) (١٠) مثلها". قال أُبي (﵁) (٧): فجعلت أُبطئُ في المشي رجاء ذلك؛ ثم قلت: يا رسول الله،

стр. 206

(السورة) (١) التي وعدتني؟ قال: "كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ " قال: فقرأت عليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ حتى أتيت على آخرها؛ فقال رسول الله ﷺ : "هي هذه السورة، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيت". فأبو سعيد هذا ليس بأبي سعيد بن المعلى كما اعتقده ابن (٢) الأثير في "جامع الأصول" ومن تبعه؛ فإن ابن المعلى صحابي أنصاري، وهذا تابعي من موالي خزاعة، وذاك الحديث متصل صحيح، وهذا ظاهره أنه منقطع إن لم يكن سمعه أبو سعيد هذا من أُبي بن كعب؛ فإن كان قد سمعه منه فهو على شرط (٣) مسلم. والله أعلم. على أنه قد روى عن أُبي بن كعب من غير وجه، كما قال الإمام أحمد (٤): حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: خرج رسول الله ﷺ على أُبي بن كعب وهو يصلي؛ فقال، يا أُبي. فالتفتَ ثم لم يجبه؛ ثم (صلى) (٥) أُبي، فخفف ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ ، فقال: السلام عليك أي رسول الله. [(فقال: "وعليك السلام. ما منعك أي أُبي (إذ) (٦) دعوتك أن تجيبني؟ " فقال: أي رسول الله؛ إني)] (٧) كنت في الصلاة. قال: "أولست تجد فيما أوحى الله تعالى إليّ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] " قال: بلى يا رسول الله؛ لا أعود، قال: "أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ " قلت: نعم أي رسول الله. قال رسول الله ﷺ : "إني لأرجو ألا أخرج من هذا الباب حتى تعلمها". قال: فأخذ رسول الله ﷺ بيدي يحدثني وأنا (أتبطأ) (٨) مخافة أن يبلغ قبل أن يقضى

стр. 207

الحديث. فلما دنونا من الباب قلت: أي رسول الله؛ ما السورة التي وعدتني؟ قال: "ما تقرأ في الصلاة؟ " قال: فقرأت عليه أم القرآن. قال: "والذي نفسي بيده! ما (أنزل الله) (١) في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؛ إنها السبع المثاني". ورواه الترمذي، عن قتيبة، عن الدراوردي، عن العلاء، (عن أبيه) (٢)، عن أبي هريرة (﵁) (٣). . . فذكره. وعنده: "أنها من السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيته". ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن أنس (٤) بن مالك. ورواه عبد (٥) الله ابن الإمام أحمد، عن إسماعيل (أبي معمر) (٦)، عن أبي أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أُبي بن كعب فذكره مطولًا بنحوه أو (قريب) (٧) منه.

стр. 208

وقد رواه الترمذي والنسائي جميعًا عن أبي عمار حسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أُبي بن كعب؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي نصفين". هذا لفظ النسائي. وقال الترمذي: " (حديث) (١) حسن غريب". وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا هاشم -يعني ابن البريد، حدثنا عبد الله بن محمد (بن) (٣) عقيل، عن (ابن) (٤) جابر؛ قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وقد أهراق الماء فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليّ (قال) (٥): فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد (علي) (٦). قال: فانطلق رسول الله ﷺ يمشي وأنا خلفه حتى دخل رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلست كئيبًا حزينًا، فخرج علي رسول الله ﷺ (و) (٧) قد تطهر، فقال: "عليك السلام ورحمة (٨) الله؛ وعليك السلام ورحمة الله"؛ ثم قال: "ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر (بأخير) (٩) سورة في القرآن؟ " قلت: بلى يا رسول الله قال: "اقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ حتى تختمها". هذا إسناد جيد، وابن عقيل (١٠) هذا يحتج به الأئمة الكبار، وعبد الله بن جابر هذا (هو) (١١) الصحابي ذكر ابن الجوزي أنه هو العبدي. والله أعلم. ويقال: إنه عبد الله بن جابر الأنصاري (١٢) البياضي فيما ذكره الحافظ ابن عساكرٍ.

стр. 209

[واستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض، كما هو المحكي عن كثير من العلماء؛ منهم إسحاق بن] (١) [راهويه، وأبو بكر بن العربي، وابن (٢) الحصار من المالكية. وذهبت طائفة أخرى إلى أنه لا تفاضل في ذلك؛ لأن الجميع كلام الله، ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه، وإن كان الجميع فاضلًا. نقله القرطبي عن الأشعري، وأبي بكر الباقلاني، وأبي حاتم (ابن حبان) (٣) البستي، ويحيى بن يحيى، وروايةً عن الإمام مالك (أيضًا) (٤)] (٢). حديث آخر: قال البخاري في "فضائل القرآن" (٥): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا وهب، حدثنا هشام، عن محمد، عن معبد، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: كنا في مسير لنا، فنزلنا فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم، وإن نفرنا غيب، فهل (منكم) (٦) راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأْبِنُهُ (٧) برقية، فرقاه فبرأ؛ فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنًا؛ فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقيةً؟ أو كنت ترقى؟ قال: لا ما رقيت إلا بأم الكتاب. قلنا: لا تحدثوا شيئًا حتى نأتي (أو) (٨) نسأل رسول الله ﷺ . (فلما قدمنا إلى المدينة ذكرناه للنبي ﷺ ) (٩) فقال: "وما كان يدريه أنها رقية؟، اقسموا واضربوا لي بسهم". وقال أبو معمر (١٠): حدثنا عبد الوارث، حدثنا هشام، حدثنا محمد بن سيرين، حدثني معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري بهذا.

стр. 210

وهكذا رواه مسلم، وأبو داود، من رواية هشام - وهو ابن حسان، عن ابن سيرين، به. وفي بعض روايات "مسلم" (١) لهذا الحديث أن أبا سعيد الخدري هو الذي رقى ذلك السليم؛ يعني: اللديغ؛ يسمونه بذلك تفاؤلًا. حديث آخر: روى "مسلم" (٢) في "صحيحه"، والنسائي في "سننه"، من حديث أبي الأحوص سلام بن سليم، عن عمار بن رزيق، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: بينا رسول الله ﷺ وعنده جبرائيل إذ سمع نقيضًا (٣) فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط. قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي ﷺ فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفًا منها إلا أوتيته. وهذا لفظ النسائي ولمسلم نحوه. حديث آخر: قال مسلم (٤): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -هو ابن راهويه، حدثنا سفيان بن عيينة، عن العلاء- يعني ابن عبد الرحمن بن يعقوب (الحرقي) (٥)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداع -ثلاثًا- غير تمام". فقيل لأبي هريرة: إنا نكون (وراء) (٦) الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ " (قال) (٧): مجدني عبدي.

стр. 211

وقال مرةً: فوض إلي عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) (١)﴾ (قال) (٢): هذا لعبدي ولعبدي ما سأل". وهكذا رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، وقد روياه (٣) أيضًا عن قتيبة، عن مالك، عن العلاء، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة، (به) (٤). وفي هذا السياق: "فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل". (وهكذا) (٥) رواه ابن إسحاق (٦) عن العلاء. وقد رواه (مسلم) (٧) من حديث ابن جريج، عن العلاء، عن أبي السائب هكذا. ورواه أيضًا (٨) من حديث ابن أبي أويس، عن العلاء، عن أبيه وأبي السائب، كلاهما عن أبي هريرة. وقال الترمذي (٩): "هذا حديث حسن. وسألت أبا زرعة عنه، فقال: كلا الحديثين صحيح: من قال: عن العلاء، عن أبيه، وعن العلاء، عن أبي السائب". وقد روى هذا الحديث عبد (١٠) الله ابن الإمام أحمد من حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أُبي بن كعب مطولًا. وقال ابن جرير (١١): حدثنا صالح بن مسمار المروزي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عنبسة بن

стр. 212

سعيد، عن مطرف بن طريف، عن (سعد) (١) بن إسحاق (بن) (٢) كعب بن عجرة، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، وله ما سأل؛ فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ قال: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ قال: أثنى علي عبدي ثم قال: هذا لي وله ما بقي". وهذا غريب من هذا الوجه. (ثم) (٣) الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث مما يختص بالفاتحة من وجوه: أحدها - أنه قد أطلق فيه لفظ الصلاة، والمراد القراءة؛ (كقوله) (٤) تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] أي: بقراءتك، كما جاء مصرحًا به في "الصحيح" (٥)، عن ابن عباس. وهكذا قال في هذا الحديث: "قسمت الصلاة بينى وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل". ثم بين تفصيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة؛ فدل على (عظمة) (٦) القراءة في الصلاة، وأنها من أكبر أركانها إذ أطلقت العبادة وأريد بها جزء واحد منها؛ وهو القراءة، كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، والمراد: صلاة الفجر، كما جاء مصرحًا به في "الصحيحين" (٧): (إنه) (٨) يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار. فدل هذا كله على أنه لا بدّ من القراءة في الصلاة، وهو اتفاق من العلماء، ولكن اختلفوا في مسألة نذكرها في: الوجه الأول: وذلك أنه هل يتعين للقراءة في الصلاة (فاتحة) (٩) الكتاب أم تجزئ هي (و) (١٠) غيرها؟ على قولين مشهورين؛ فعند أبي حنيفة ومن وافقه من أصحابه وغيرهم؛ أنها لا تتعين، بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة. واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ

стр. 213

مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وبما ثبت في "الصحيحين" (١) من حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته - أن رسول الله ﷺ قال له: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"؛ قالوا: فأمره بقراءة ما تيسر، ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها، فدل على ما قلنا. والقول الثاني: أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، ولا تجزئ الصلاة بدونها؛ وهو قول بقية الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم، وجمهور العلماء. واحتجوا على ذلك بهذا الحديث المذكور حيث قال صلوات الله وسلامه عليه: "من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" (٢). والخداج: هو الناقص، كما فسر به في الحديث "غير تمام". واحتجوا أيضًا بما ثبت في "الصحيحين" (٣) من حديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". وفي "صحيح ابن خزيمة" (٤)، وابن حبان، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن". والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ووجه المناظرة ههنا يطول ذكره. وقد أشرنا إلى مأخذهم في ذلك ﵏. ثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم أنه تجب قراءتها في كل ركعةٍ. وقال آخرون: إنما تجب قراءتها في معظم الركعات. وقال الحسن، وأكثر البصريين: إنما تجب قراءتها في ركعة (واحدة) (٥) (من الصلاة) (٦) أخذًا بمطلق الحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". (٧) (وقال أبو حنيفة (وأصحابه) (٨)، والثوري، والأوزاعي: لا تتعين قراءتها؛ بل لو قرأ بغيرها أجزأه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] (كما تقدم) (٩)، والله أعلم) (١٠).

стр. 214

وقد روى ابن (١) ماجه، من حديث أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها". وفي صحة هذا نظر. وموضع تحرير هذا كله في "كتاب الأحكام الكبير" (٢). والله أعلم. والوجه الثالث: هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: أنه تجب عليه قراءتها، كما تجب على إمامه، لعموم الأحاديث المتقدمة. والثاني: لا تجب على المأموم قراءة بالكلية (لا الفاتحة) (٣) ولا غيرها، لا في الصلاة الجهرية ولا في الصلاة السرية، لما رواه الإمام أحمد بن (٤) حنبل في "مسنده"، عن جابر بن

стр. 215

عبد الله، عن النبي ﷺ أنه قال: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة". ولكن إسناده (١) ضعيف. ورواه (٢) مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر من كلامه؛ وقد روي هذا الحديث من طرق، ولا يصح شيء منها عن النبي ﷺ ، والله أعلم. والقول الثالث: أنه تجب القراءة على المأموم في السرية لما تقدم، ولا يجب ذلك في الجهرية، لما ثبت في "صحيح (٣) مسلم"، عن أبي موسى الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا؛ وإذا قرأ فأنصتوا. . ." وذكر بقية الحديث. وهكذا رواه بقية "أهل السنن" (٤): أبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة،
следующие страницы →