← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهكذا رواه (أحمد) (١) والنسائي في (كتاب) (٢) "فضائل القرآن" من حديث موسى بن علي، عن أبيه به، ومن حديث عبد الله بن المبارك عن قباث بن رزين، عن علي بن رباح، عن عقبة. وفي بعض ألفاظه: خرج علينا ونحن نقرأ القرآن فسلم علينا وذكر الحديث. ففيه دلالة على السلام على القارئ. (ثم قال) (٣) أبو عبيد (٤): حدثنا أبو اليمان عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن (المهاصر) (٥) بن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أهل القرآن لا توسدوا القرآن واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار، وتغنوه وتقنوه واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون". وهذا مرسل. ثم قال أبو عبيد: قوله: "تغنوه"؛ أي: اجعلوه غناءكم من الفقر ولا تعدوا الإقلال معه فقرًا. وقوله: "وتقنوه" يقول: اقتنوه كما تقتنوا الأموال، اجعلوه مالكم. وقال أبو عبيد (٦): حدثني هشام بن عمار، عن علي بن حمزة، عن الأوزاعي قال: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن فضالة بن عبيد، عن النبي ﷺ قال: "الله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته". قال أبو عبيد: هذا الحديث بعضهم يزيد في إسناده. يقول: "عن إسماعيل بن عبيد الله، عن مولى فضالة، عن فضالة". وهكذا رواه ابن ماجه، عن راشد بن سعيد بن أبي راشد، عن الوليد، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن ميسرة مولى فضالة، عن فضالة، عن النبي ﷺ "لله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته".

стр. 142

قال أبو عبيد: يعني الاستماع. وقوله في الحديث الآخر: "ما أذن الله لشيء"؛ أي: ما استمع. وقال أبو القاسم البغوي (١): حدثنا محمد بن حميد، حدّثنا سلمة بن الفضل، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة، حدثنا القاسم بن محمد، حدثني السائب قال: قال لي سعد: يا بن أخي هل قرأت القرآن؟ قلت: نعم، قال: غن به فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "غنوا بالقرآن، ليس منا من لم يغن بالقرآن، وابكوا فإن لم تقدروا على البكاء فتباكوا". وقد روى أبو داود من حديث الليث (وعمرو بن دينار كلاهما) (٢) عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (٣). (٤) [ورواه ابن ماجه (٥) من حديث ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن بن السائب، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ ] (٦): "إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه، فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا". (٧) (وقال أحمد (٨): حدثنا وكيع، حدّثنا سعيد بن حسان المخزومي، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". قال وكيع: يعني يستغنى به. ورواه أحمد (٩) أيضًا عن حجاج وأبي النضر، كلاهما عن الليث بن سعد. وعن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار كلاهما عن عبد الله بن أبي مليكة به) (١٠) وفي هذا الحديث كلام طويل يتعلق بسنده، ليس هذا موضعه. والله أعلم.

стр. 143

وقال أبو داود (١): حدثنا عبد الأعلى بن حماد، حدّثنا عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبيد الله بن أبي زيد: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته، فدخلنا عليه، فإذا رجل رث البيت، رث الهيئة، فانتسبنا له، فقال: تجار كسبة (تجار كسبة) (٢) فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت، قال: يحسنه ما استطاع. تفرد به أبو داود، فقد فهم من هذا أن السلف ﵃ إنما فهموا من التغني بالقرآن إنما هو تحسين الصوت به وتحزينه، كما قاله الأئمة ﵏. ويدل على ذلك أيضًا ما رواه أبو داود (٣) حيث قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم". وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث شعبة، عن طلحة وهو ابن مصرف، به. وأخرجه النسائي من طرق أخرى عن طلحة وهذا إسناد جيد. وقد وثق النسائي وابن حبان عبد الرحمن بن عوسجة هذا. ونقل الأزدي عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: سألت عنه بالمدينة فلم أرهم يحمدونه. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (٤): حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث "زينوا القرآن بأصواتكم". قال أبو عبيد: وإنما كره أيوب فيما نرى أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدث به. (قلت): ثم إن شعبة ﵀، روى الحديث متوكلًا على الله كما روي له، ولو ترك كل حديث يتأوله مبطل لترك من السنة شيء كثير، بل قد تطرقوا إلى تأويل آيات كثيرة من القرآن وحملوها

стр. 144

على غير محاملها الشرعية المرادة، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والمراد من تحسين الصوت بالقرآن: تطريبه وتحزينه والتخشع به، كما رواه الحافظ الكبير بقي بن مخلد ﵀ حيث قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم [حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدّثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبي بردة بن أبي موسى] (١)، عن أبيه، قال: قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: "يا أبا موسى لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة" قلت: أما والله لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرتها لك تحبيرًا. ورواه مسلم (٢) من حديث طلحة به. وزاد "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود" وسيأتي هذا في بابه حيث يذكره البخاري. والغرض أن أبا موسى قال: لو أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرًا، فدل على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى - كما قال- ﵇: قد أعطي صوتًا حسنًا، كما سأذكره إن شاء الله مع خشية تامة ورقة أهل اليمن (الموصوفة) (٣) فدل على أن هذا من الأمور الشرعية. قال أبو عبيد (٤): وحدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده. قال أبو عبيد (٥): (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال) (٦): حدّثنا سليمان التيمي أو نبئت عنه، حدّثنا أبو عثمان النهدي قال: كان أبو موسى يصلي بنا، فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنج (٧) قط ولا بربط (٨) قط ولا شيئًا قط أحسن من صوته.

стр. 145

وقال ابن ماجه (١): حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة قالت: أبطأت على رسول الله ﷺ ليلةً بعد العشاء، ثم جئت فقال: "أين كنت؟ " قلت: كنت أسمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد، قالت: فقام فقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إلي فقال: "هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا". إسناد جيد. وفي "الصحيحين" (٢) عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءةً منه. وفي بعض ألفاظه: فلما سمعته قرأ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور] خلت أن فؤادي قد انصدع. وكان جبير لما سمع هذا بعد مشركًا على دين قومه وإنما كان قدم في فداء الأسارى بعد بدر، وناهيك بمن تؤثر قراءته في المشرك المصر على الكفر، فكان هذا سبب هدايته، ولهذا كان أحسن القراءات ما كان عن خشوع من القلب كما: قال أبو عبيد (٣): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث، عن طاوس قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله.

стр. 146

(١) [وحدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله] (١). وحدثنا قبيصة (٢)، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، وعن الحسن بن مسلم، عن طاوس قال: سئل رسول الله ﷺ أي الناس أحسن صوتًا بالقرآن؟ فقال: "الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله". وقد روي هذا متصلًا من وجه آخر. فقال ابن ماجه (٣): حدثنا بشر بن معاذ الضرير، حدّثنا عبد الله بن جعفر المديني، حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله". ولكن عبد الله بن جعفر هذا - وهو والد علي ابن المديني - وشيخه ضعيفان والله أعلم. والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة. فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب. وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك كما قال الإمام العلم أبو عبيد (٤) القاسم بن سلام ﵀: حدثنا نعيم بن حماد، عن بقية بن الوليد، عن حصين بن مالك الفزاري قال: سمعت شيخًا يكنى أبا محمد يحدث عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجئ قوم من بعدي يرجعون

стр. 147

بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم". وحدثنا (١) يزيد، عن شريك، عن أبي اليقظان عثمان بن عمير، عن زاذان أبي عمر، عن عليم قال: كنا على سطح ومعنا رجل من أصحاب النبي ﷺ قال يزيد: لا أعلمه إلا قال: عابس الغفاري - فرأى الناس يخرجون في الطاعون قال: ما هؤلاء؟ قال: يفرون من الطاعون فقال: يا طاعون خذني، فقالوا: أتتمنى الموت وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يتمنين أحدكم الموت"؟ فقال: إني أبادر خصالًا، سمعت رسول الله ﷺ يتخوفهن على أمته: بيع الحكم، والاستخفاف بالدم وقطيعة الرحم وقوم يتخذون القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناءً، وذكر خلتين آخرتين. وحدثنا يعقوب بن (٢) إبراهيم، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن زاذان، عن عابس الغفاري، عن النبي ﷺ مثل ذلك أو نحوه. وحدثنا (٣) يعقوب، عن إبراهيم، عن الأعمش، عن رجل، عن أنس أنه سمع رجلًا يقرأ القرآن بهذه الألحان التي أحدث الناس فأنكر ذلك ونهى عنه. وهذه طرق حسنة (٤) في باب الترهيب. وهذا يدل على أنه محذور كبير وهو قراءة القرآن بالألحان التي يسلك بها مذاهب الغناء، وقد نص الأئمة ﵏ على النهي عنه، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفًا أو ينقص حرفًا فقد اتفق العلماء على تحريمه، والله أعلم.

стр. 148

وقال الحافظ أبو بكر البزار (١): حدّثنا محمد بن معمر، حدّثنا روح، حدّثنا عبيد الله بن الأخنس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". ثم قال: " (وإنما) (٢) ذكرناه؛ لأنهم اختلفوا على ابن أبي مليكة فيه فرواه عبد الجبار بن الورد عنه، عن ابن أبي مليكة، عن أبي لبابة ورواه عمرو بن دينار، والليث عنه، عن ابن أبي نهيك، عن سعد، ورواه عسل بن سفيان عنه عن عائشة، ورواه نافع مولى ابن عمر عنه عن ابن الزبير". اغتباط صاحب القرآن حدثنا (٣) أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، حدثني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب (فقام به) (٤) آناء (الليل) (٥) ورجل أعطاه الله مالًا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار". انفرد به البخاري من هذا الوجه، واتفقا على إخراجه من رواية سفيان، عن الزهري. ثم قال البخاري (٦): حدّثنا علي بن إبراهيم، حدّثنا روح، حدّثنا شعبة، عن سليمان قال: سمعت ذكوان، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل (وآناء) (٧) النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل؛ ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل". ومضمون هذين الحديثين أن صاحب القرآن في غبطة، وهي حسن الحال، فينبغي أن يكون شديد الاغتباط بما هو فيه، ويستحب تغبيطه بذلك، يقال: غبطه يغبطه (بكسر الباء) (٨) غبطًا: إذا تمنى مثل ما هو فيه من النعمة، وهذا بخلاف الحسد المذموم، وهو تمني زوال نعمة المحسود عنه سواء حصلت لذلك الحاسد أو لا، وهذا مذموم شرعًا مهلك، وهو أول معاصي إبليس حين حسد آدم ما منحه الله تعالى من الكرامة والاحترام والإعظام.

стр. 149

والحسد الشرعي الممدوح هو تمني حال مثل ذاك الذي هو على حالة سارة، ولهذا قال ﵇: "لا حسد إلا في اثنتين" فذكر النعمة القاصرة وهو تلاوة القرآن آناء الليل والنهار والنعمة المتعدية، وهي إنفاق المال بالليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ [فاطر]. (١) [وقد روي نحو هذا من وجه آخر. فقال عبد الله (٢) ابن الإمام أحمد: وجدت في كتاب أبي بخط يده]: [كتب إلي أبو توبة الربيع بن نافع، فكان في كتابه: حدثنا الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، عن سليمان بن موسى، عن كثير بن مرة، عن يزيد بن الأخنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنافس بينكم إلا في اثنتين: رجل أعطاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ويتبع ما فيه فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانًا، فأقوم به كما يقوم به؛ ورجل أعطاه الله مالًا فهو ينفق ويتصدق، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانًا فأتصدق به"] (١). وقريب من هذا ما قال الإمام أحمد (٣): حدثنا عبد الله بن نمير، حدّثنا عبادة بن مسلم، حدثني يونس بن خباب، عن سعيد أبي البختري الطائي، عن أبي كبشة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، فأما الثلاث التي أقسم عليهن فإنه ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم أحد مظلمةً فيصبر عليها إلا زاده الله بها عزًا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر - وأما الذي أحدثكم حديثًا فاحفظوه فإنه قال - إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه ويصل رحمه ويعلم (لله) (٤) فيه حقه - قال - فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو يقول: لو كان لي مال عملت بعمل فلان - قال:- فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقى فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل، وعبد

стр. 150

لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو كان لي مالك لفعلت بعمل فلان - قال:- هي نيته فوزرهما فيه سواء". وقال أيضًا (١): حدّثنا وكيع، حدّثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي كبشة الأنماري قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا، فهو يعمل به (في) (٢) ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل - قال: قال رسول الله - فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علمًا، فهو يخبط فيه ينفقه في غير حقه؛ ورجل لم يؤته الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل - قال: قال رسول الله - فهما في الوزر سواء". إسناد صحيح، (ولله الحمد والمنة) (٣). خيركم من تعلم القرآن وعلمه حدثنا (٤) حجاج بن منهال، حدّثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مرثد، سمعت سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان بن عفان ﵁، عن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان ﵁ حتى كان الحجاج، قال: وذلك الذي أقعدني مقعدي هذا. وقد أخرج الجماعة هذا الحديث سوى مسلم من رواية شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن وهو عبد الله بن حبيب السلمي ﵀. وحدثنا (٥) أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه". وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق، عن سفيان، عن علقمة، عن أبي عبد الرحمن من غير ذكر "سعد بن عبيدة"، كما رواه شعبة ولم يختلف عليه فيه. وهذا المقام مما حكم لسفيان الثوري فيه على شعبة. وخطأ بندار يحيى (٦) بن سعيد في روايته

стр. 151

ذلك عن سفيان، عن علقمة، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، وقال: رواه الجماعة من أصحاب سفيان عنه بإسقاط "سعد بن عبيدة" ورواية سفيان أصح. وفي هذا المقام المتعلِّق بصناعة الإسناد طول لولا الملالة لذكرناه. وفيما ذكر كفاية وإرشاد إلى ما ترك، والله أعلم. والغرض أنه ﵊ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" وهذه صفات المؤمنين المتبعين للرسل وهم الكمل في أنفسهم المكملون لغيرهم، وذلك جمع بين النفع القاصر والمتعدي، وهذا بخلاف صفة الكفار الجبارين الذين لا ينفعون ولا يتركون أحدًا ممن أمكنهم أن ينتفع، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]، وكما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] في أصح قولي المفسرين في هذا هو أنهم ينهون الناس عن اتباع القرآن مع نأيهم وبعدهم عنه أيضًا، فجمعوا بين التكذيب والصد، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الأنعام: ١٥٧] فهذا شأن شرار الكفار، كما أن شأن الأخيار الأبرار أن يتكمل في نفسه، وأن يسعى في تكميل غيره كما قال ﵇: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت] فجمع بين الدعوة إلى الله سواء كان بالأذان أو بغيره من أنواع الدعوة إلى الله تعالى من تعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك مما يبتغى به وجه الله، وعمل هو في نفسه صالحًا، وقال قولًا صالحًا أيضًا فلا أحد أحسن حالًا من هذا. وقد كان أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي أحد أئمة الإسلام ومشايخهم ممن رغب في هذا المقام فقعد يعلم الناس من إمارة عثمان إلى أيام الحجاج. [قالوا: وكان مقدار ذلك الذي مكث يعلم فيه القرآن سبعين سنة] (١)، ﵀ (وأثابه) (٢)، وآتاه ما طلبه ورامه آمين. (٣) [ثم قال البخاري (٣): حدثنا عمرو بن عون، حدّثنا حماد، عن أبي] (٤). [حازم عن سهل بن سعد قال: أتت النبي ﷺ امرأة فقالت: إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله، فقال: "ما لي في النساء من حاجة" فقال رجل: زوجنيها؟ قال: "أعطها ثوبًا" قال: لا أجد، قال: "أعطها ولو خاتمًا من حديد" فاعتل له، فقال: "ما معك من القرآن؟ " قال: كذا وكذا، قال: "قد زوجتكها بما معك من القرآن؟ ". وهذا الحديث متفق على صحة إخراجه من طرق عديدة. والغرض منه الذي قصده البخاري أن هذا الرجل تعلم الذي تعلمه من القرآن، وأمره النبي ﷺ ] (٥).

стр. 152

[أن يعلم تلك المرأة ويكون ذلك صداقًا لها على ذلك، وهذا فيه نزاع بين العلماء: هل يجوز أن يجعل (مثل هذا) (١) صداقًا؟ أو هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟ وهل هذا كان خاصًا بذلك الرجل؟ وما معنى قوله ﵇: "زوجتكها بما معك من القرآن" أي: بسبب ما معك، كما قاله أحمد بن حنبل: نكرمك بذلك أو بعوض ما معك، وهذا أقوى لقوله في "صحيح مسلم" "فعلمها" وهذا هو الذي أراده البخاري ههنا، وتحرير باقي الخلاف مذكور في باب النكاح والإجارات، وبالله المستعان] (٢). القراءة عن ظهر قلب إنما (أفرد) (٣) البخاري في هذه الترجمة حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد الحديث الذي تقدم الآن، وفيه أنه ﵇ قال للرجل: "فما معك من القرآن؟ " قال: معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا لسور عدها، قال: "أتقرأهن عن ظهر قلب؟ " قال: نعم، قال: "اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن". وهذه الترجمة من البخاري ﵀ مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل، والله أعلم. ولكن الذي صرح به كثيرون من العلماء أن قراءة القرآن من المصحف أفضل؛ لأنه يشتمل على التلاوة والنظر في المصحف، وهو عبادة كما صرح به غير واحد من السلف، وكرهوا أن يمضي على الرجل يوم لا ينظر في مصحفه. واستدلوا على أفضلية التلاوة في المصحف بما رواه الإمام (العلم) (٤) أبو عبيد ﵀ في كتابه (فضائل القرآن) (٥): حدثنا نعيم بن حماد، عن بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن (سليمان بن سليم) (٦)، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : "فضل قراءة القرآن نظرًا على من يقرؤه ظهرًا كفضل الفريضة على النافلة". وهذا الإسناد فيه ضعف، فإن معاوية بن يحيى هذا هو الصدفي أو الأطرابلسي وأيًا ما كان فهو ضعيف. وقال الثوري (٧)، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أديموا النظر في المصحف. وقال حماد (٨) بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس، عن عمر

стр. 153

أنه كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه. وقال حماد (١) أيضًا، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن مسعود أنه كان إذا اجتمع إليه إخوانه نشروا المصحف (فقرأوا) (٢) وفسر لهم. إسناد صحيح. وقال حماد بن سلمة (٣)، عن حجاج بن أرطاة، عن ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر، قال: إذا رجع أحدكم من سوقه فلينشر المصحف وليقرأ. وقال الأعمش (٤)، عن خيثمة: دخلت على ابن عمر وهو يقرأ في المصحف فقال: هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة. فهذه الآثار تدل على أن هذا أمر مطلوب لئلا يعطل المصحف فلا يقرأ منه ولعله قد يقع لبعض الحفظة نسيان فيستذكر منه، أو تحريف كلمة أو آية أو تقديم أو تأخير فالاستثبات أولى والرجوع إلى المصحف أثبت من أفواه الرجال. فأما تلقين القرآن فمن فم الملقن أحسن؛ لأن الكتابة لا تدل على الأداء كما أن المشاهد من كثير ممن يحفظ من الكتابة فقط يكثر تصحيفه وغلطه، وإذا أدَّى الحال إلى هذا منع منه إذا وجد شيخًا يوقفه على ألفاظ القرآن. فأما عند العجز عمن يلقن فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فيجوز عند الضرورة ما لا يجوز عند الرفاهية، فإذا قرأ في المصحف والحالة هذه فلا حرج عليه، ولو فرض أنه قد يحرف بعض الكلمات عن لفظها على لغته ولفظه، فقد: قال الإمام أبو عبيد (٥): حدثني هشام بن إسماعيل الدمشقي عن محمد بن شعيب، عن الأوزاعي أن رجلًا صحبهم في سفر، قال: فحدثنا حديثًا ما أعلمه إلا رفعه إلى رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا قرأ فحرف أو أخطأ، كتبه الملك كما أنزل". وحدثنا حفص بن غياث، عن الشيباني عن بكر بن الأخنس قال: كان يقال إذا قرأ الأعجمي والذي لا يقيم القرآن كتبه الملك كما أنزل. وقال بعض العلماء: المدار في هذه المسألة على الخشوع، فإن (كان) (٦) الخشوع أكثر عند

стр. 154

القراءة عن ظهر قلب؛ فهو أفضلُ وإن كان عند النظر في المصحف أكثر فهو أفضل. فإن استويا فالقراءة نظرًا أولى؛ لأنها أثبت، وتمتاز بالنظر إلى المصحف. قال الشيخ أبو زكريا النواوي ﵀ في "التبيان": والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل. تنبيه: إن كان البخاري ﵀ أراد بذكره حديث سهل الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل منها في المصحف ففيه نظر: لأنها (١) قضية عين، فيحتمل أن ذلك الرجل كان لا يحسن الكتابة ويعلم ذلك رسول الله ﷺ منه، فلا يدل على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل مطلقًا في حق من يحسن ومن لا يحسن، إذ لو دل على هذا لكان ذكر حال رسول الله ﷺ وتلاوته عن ظهر قلب - لأنه أمي لا يدرك الكتابة - أولى من ذكر هذا الحديث بمفرده. الثاني: أن سياق الحديث إنما هو لأجل استثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب ليمكنه تعليمها لزوجته، وليس المراد ههنا أن هذا أفضل من التلاوة نظرًا ولا عدمه، والله أعلم. استذكار القرآن وتعاهده حدثنا (٢) عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت". هكذا رواه مسلم والنسائي من حديث مالك به. وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه بالليل والنهار كمثل رجل له إبل، فإن عقلها حفظها وإن أطلق عقالها ذهبت، فكذلك صاحب القرآن". أخرجاه، قاله ابن الجوزي في "جامع المسانيد" وإنما هو من أفراد مسلم من حديث عبد الرزاق به. حدثنا (٤) محمد بن عرعرة، حدّثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : "بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت بل نسي، واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم". تابعه (٤) بشر هو ابن محمد السختياني، عن ابن المبارك، عن شعبة.

стр. 155

وقد رواه الترمذي، عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي من رواية شعبة. وحدثنا (١) عثمان (حدّثنا) (٢) جرير، عن منصور مثله. وتابعه (٣) ابن جريج، عن عبدة، عن شقيق قال: سمعت عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ . وهكذا أسنده مسلم من حديث ابن جريج به. ورواه النسائي في "اليوم والليلة" من حديث محمد بن جحادة، عن عبدة وهو ابن أبي لبابة به. وهكذا رواه مسلم، عن عثمان وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم، عن جرير به. وستأتي رواية البخاري له عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري، عن منصور به. والنسائي من رواية ابن عيينة، عن منصور به. فقد رواه هؤلاء عن منصور به مرفوعًا في رواية هؤلاء كلهم. وقد رواه النسائي (٤) عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله موقوفًا. وهذا غريب. وفي "مسند أبي يعلى" (٥) "فإنما هو نسي" بالتخفيف. حدثنا (٦) محمد بن العلاء، حدثنا أبو أُسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده (لهو) (٧) أشد تفصيًا من الإبل في عقلها". وهكذا رواه مسلم، عن أبي كريب محمد بن العلاء وعبد الله بن براد الأشعري، كلاهما عن أبي أسامة حماد بن أسامة به. وقال الإمام أحمد (٨): حدثنا علي بن إسحاق، أنا عبد الله بن المبارك، حدّثنا موسى بن

стр. 156

علي، سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله ﷺ : "تعلموا كتاب الله وتعاهدوه وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من المخاض في العقل". ومضمون هذه الأحاديث الترغيب في كثرة تلاوة القرآن واستذكاره وتعاهده لئلا يعرضه حافظه للنسيان، فإن ذلك خطأ كبير نسأل الله العافية منه. فإنه قال الإمام أحمد (١): حدثنا خلف بن الوليد، حدّثنا خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه من ذلك الغل إلا العدل (وما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم يلقاه، وهو أجذم) " (٢). وهكذا رواه جرير بن (٣) عبد الحميد ومحمد (٤) بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، كما رواه خالد بن عبد الله. وقد أخرجه أبو داود (٥)، عن محمد بن العلاء، عن (ابن إدريس) (٦)، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن سعد بن عبادة، عن النبي ﷺ بقصة نسيان القرآن، ولم يذكر الرجل المبهم. وكذا رواه أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، وقد رواه شعبة، عن زيد، فوهم (٧) في إسناده. ورواه وكيع، عن أصحابه، عن يزيد (عن) (٨) عيسى بن فائد، عن النبي ﷺ ، مرسلًا. وقد رواه الإمام (٩) أحمد في "مسند عبادة بن الصامت" فقال: حدثنا عبد الصمد، حدّثنا عبد العزيز بن مسلم، حدّثنا يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت قال:

стр. 157

قال رسول الله ﷺ : "ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه منها إلَّا عدله، وما من رجل تعلم القرآن ثم نسيه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم". وكذا رواه أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد. ففيه اختلاف لكن هذا في باب الترهيب مقبول (١)، والله أعلم. لا سيما إن كان له شاهد من وجه آخر، كما: قال أبو عبيد (٢): حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: حدثت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة والبعرة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أكبر من آية أو سورة من كتاب الله أوتيها رجل فنسيها". قال ابن (٣) جريج: وحدثت عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكبر (ذنب) (٤) توافي به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها". وقد روى أبو داود والترمذي وأبو يعلى والبزار وغيرهم من حديث ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها". قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به البخاري فاستغربه.

стр. 158

وحكى البخاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أنه أنكر سماع المطلب من أنس بن مالك. (قلت): وقد رواه محمد بن يزيد الأدمي، عن ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ به، فالله أعلم. وقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه]. وهذا الذي قاله هذا وإن لم يكن هو المراد جميعه فهو بعضه، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبير وتفريط شديد نعوذ بالله منه. ولهذا قال ﵇: "تعاهدوا القرآن" وفي لفظ: "استذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم". التفصي: التخلص، يقال: تفصى فلان من البلية إذا تخلص منها، ومنه: تفصى النوى من الثمرة إذا تخلص منها؛ أي: إن القرآن أشد تفلتًا من الصدور من النعم إذا أرسلت من غير عقال. وقال أبو عبيد (١): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله - يعني: ابن مسعود - إني لأمقت القارئ أن أراه سمينًا نسيًّا للقرآن. وحدثنا (٢) عبد الله بن المبارك، عن عبد العزيز بن أبي روَّاد قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: ما من أحد تعلم القرآن (ثم) (٣) نسيه إلا بذنب يحدثه؛ لأنه الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب. ولهذا قال إسحاق بن راهويه وغيره: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يومًا لا يقرأ فيها القرآن، كما أنه يكره له أن يقرأه في أقل من ثلاثة أيام، كما سيأتي هذا حيث يذكره البخاري بعد هذا، وكان الأليق أن يتبعه هذا الباب، ولكن ذكر بعد هذا قوله: القراءة على الدابة حدثنا (٤) حجاج، حدّثنا شعبة، أخبرني أبو إياس قال: سمعت عبد الله بن مغفل ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح.

стр. 159

وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن شعبة، عن أبي إياس وهو معاوية بن قرة به. وهذا أيضًا له تعلق بما تقدم من تعاهد القرآن وتلاوته سفرًا وحضرًا، ولا يكره ذلك عند أكثر العلماء إذا لم يتله القارئ في الطريق، وقد نقله ابن أبي داود، عن أبي الدرداء أنه كان يقرأ في الطريق، وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أذن في ذلك، وعن الإمام مالك أنه كره ذلك. كما قال ابن أبي داود: وحدثني أبو الربيع، أخبرنا ابن وهب قال: سألت مالكًا عن الرجل يصلي من آخر الليل، فيخرج إلى المسجد وقد بقي من السورة التي كان يقرأ منها شيء فقال: ما أعلم القراءة تكون في الطريق. وقال الشعبي: تكره قراءة القرآن في ثلاثة مواطن: في الحمام، وفي الحشوش، وفي بيت الرحى وهي تدور. وخالفه في القراءة في الحمام كثير من السلف أنها لا تكره، وهو مذهب مالك والشافعي وإبراهيم النخعي وغيرهم. وروى ابن أبي داود، عن علي بن أبي طالب أنه كره ذلك، ونقله ابن المنذر، عن أبي وائل شقيق بن سلمة والشعبي والحسن البصري ومكحول وقبيصة بن ذؤيب وهو رواية عن إبراهيم النخعي، ويحكى عن أبي حنيفة، ﵏: أن القراءة في الحمام تكره. وأما القراءة في الحش فكراهتها ظاهرة ولو قيل بتحريم ذلك صيانةً لشرف القرآن لكان مذهبًا. وأما القراءة في بيت الرحى وهي تدور فلئلا يعلو غير القرآن عليه، والحق يعلو ولا يعلى، والله أعلم. (تعلم الصبيان القرآن) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم. قال: وقال ابن عباس: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم. حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا هشيم أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمعت المحكم في عهد النبي ﷺ فقلت له: وما المحكم؟ قال: المفصل. انفرد بإخراجه البخاري (١)، وفيه دلالة على جواز تعلم الصبيان القرآن؛ لأن ابن عباس أخبر عن سنه حين موت رسول الله ﷺ وقد كان جمع المفصل وهو من الحجرات، كما تقدم ذلك، وعمره إذ ذاك عشر سنين. وقد روى (٢) البخاري أنه قال: توفي رسول الله ﷺ وأنا مختون، وكانوا لا يختنون حتى

стр. 160

يحتلم، فيحتمل أنه احتلم لعشر سنين جمعًا بين هذه الرواية وتلك ويحتمل أنه تجوز في هذه الرواية بذكر العشر وترك ما زاد عليها من الكسر، والله أعلم. وعلى كل تقدير ففيه دلالة على جواز تعليم القرآن في الصبا، وهو ظاهر بل قد يكون مستحبًا أو واجبًا؛ لأن الصبي إذا تعلم القرآن بلغ وهو يعرف ما يصلي به، وحفظه في الصغر أولى من حفظه كبيرًا وأشد علوقًا بخاطره، وأرسخ وأثبت كما هو المعهود من حال الناس. وقد استحب بعض (١) السلف أن يترك الصبي في ابتداء عمره قليلًا للعب، ثم توفر همته على القراءة لئلا يلزم أولًا بالقراءة فيملها ويعدل عنها إلى اللعب. وكره (٢) بعضهم تعليمه القرآن وهو لا يعقل ما يقال له، ولكن يترك حتى إذا عقل وميز علم قليلًا قليلًا بحسب همته ونهمته وحفظه وجودة ذهنه. واستحب (٣) عمر بن الخطاب ﵁ أن يلقن خمس آيات خمس آيات. رويناه عنه بسند جيد. نسيان القرآن وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا؟ وقول الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. حدثنا (٤) الربيع بن يحيى، حدّثنا زائدة، حدّثنا هشام (عن) (٥) عروة، عن عائشة قالت: لقد سمع النبي ﷺ رجلًا يقرأ في المسجد فقال: " (يرحمه) (٦) الله لقد أذكرني آية كذا وكذا من سورة كذا". انفرد به. وحدثنا (٧) محمد بن عبيد بن ميمون، حدّثنا عيسى بن يونس، عن هشام وقال: "أسقطتهن من سورة كذا وكذا". انفرد به أيضًا.

стр. 161

تابعه علي (١) بن مسهر (٢) وعبدة، عن هشام وقد أسندهما البخاري في موضع آخر ومسلم معه في عبدة. حدثنا أحمد (١) بن أبي رجاء، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يقرأ في سورة بالليل، فقال: "يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا (آيةً) (٣) كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا". ورواه مسلم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة. الحديث الثاني (٤): حدثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت كيت وكيت بل هو نسي". ورواه مسلم والنسائي من حديث منصور به، وقد تقدم. وفي "مسند أبي يعلى": "فإنما هو نسي" بالتخفيف. هذا لفظه. وفي هذا الحديث والذي قبله دليل على أن حصول النسيان للشخص ليس بنقص له (إذا كان) (٥) بعد الاجتهاد والحرص. وفي حديث ابن مسعود أدب في التعبير عن حصول ذلك، فلا يقول: نسيت كذا، فإن النسيان ليس من فعل العبد، وقد تصدر عنه أسبابه من التناسي والتغافل والتهاون المفضي إلى ذلك، فأما النسيان نفسه فليس بفعله، ولهذا قال: بل هو نسي، مبني لما لم يسم فاعله، وأدب أيضًا في ترك إضافة ذلك إلى الله تعالى، وقد أسند النسيان إلى العبد في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] وهو - والله أعلم - من باب المجاز الشائع بذكر المسبب وإرادة السبب؛ لأن النسيان إنما يكون عن سبب قد يكون ذنبًا، كما تقدم عن الضحاك بن مزاحم، فأمر الله تعالى بذكره ليذهب الشيطان عن القلب كما يذهب عند النداء بالأذان، والحسنة تذهب السيئة، فإذا زال السبب للنسيان انزاح فحصل الذكر للشيء بسبب ذكر الله تعالى، والله أعلم. من لم ير بأسًا أن يقول: سورة البقرة وسورة كذا وكذا. حدثنا (٦) عمر بن حفص بن غياث، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، حدثني إبراهيم، عن علقمة وعبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه". وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة من حديث عبد الرحمن بن يزيد.

стр. 162

وصاحبا الصحيح (١) والنسائي وابن ماجه من حديث علقمة، كلاهما عن أبي مسعود (عقبة) (٢) بن عمرو الأنصاري البدري. الحديث الثاني: (٣) ما رواه من حديث الزهري عن عروة، عن المسور وعبد الرحمن بن عبد القارئ، كلاهما عن عمر قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان وذكر الحديث بطوله كما تقدم وكما سيأتي. الحديث الثالث: ما رواه من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، سمع رسول الله ﷺ قارئًا يقرأ من الليل في المسجد فقال: (يرحمه) (٤) الله (لقد) (٥) أذكرني كذا وكذا آيةً، كنت أسقطتهن من سورة كذا وكذا. وهكذا في "الصحيحين" (٦) عن ابن مسعود أنه كان يرمى الجمرة من الوادي ويقول: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. وكره بعض السلف ذلك، ولم يروا أن يقال إلا السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، كما جاء وتقدم من رواية يزيد (٧) الفارسي، عن ابن عباس، عن عثمان أنه قال: إذا نزل من القرآن شيء يقول رسول الله ﷺ : "اجعلوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا". ولا شك أن هذا أحوط وأولى، ولكن قد صحت الأحاديث بالرخصة في الآخرة، وعليه عمل الناس اليوم في ترجمة السور في مصاحفهم وبالله التوفيق. الترتيل في القراءة وقوله : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. وقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] وما يكره أن يهذ كهذ الشعر. (يفرق) (٨): يفصل، قال ابن عباس: ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ فصلناه. حدثنا (٩) أبو النعمان، حدّثنا مهدي بن ميمون، حدّثنا واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: غدونا على عبد الله فقال رجل: قرأت المفصل البارحة، فقال: هذا كهذ الشعر؟ إنا قد سمعنا القراءة وإني لأحفظ القراءات اللاتي كان يقرأ بهن النبي ﷺ ثماني عشرة سورةً من المفصل، وسورتين من آل حم. ورواه مسلم، عن شيبان بن فروخ، عن مهدي بن ميمون، عن واصل وهو ابن حيان الأحدب، عن أبي وائل، عن شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود به.

стр. 163

وقال الإمام (١) أحمد: حدثنا قتيبة، حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن زياد بن نعيم، عن مسلم بن مخراق، عن عائشة أنه ذكر لها أن ناسًا يقرؤون القرآن في الليل مرةً أو مرتين، فقالت: أولئك قرأوا ولم يقرأوا، كنت أقوم مع النبي ﷺ ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآيةٍ فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب إليه. الحديث الثاني: حدثنا (٢) قتيبة، حدّثنا جرير، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة] كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه. وذكر تمام الحديث كما سيأتي وهو متفق عليه. وفيه وفي الذي قبله دليل على استحباب ترتيل القراءة والترسل فيها من غير هذرمة ولا (سرعة) (٣) مفرطة بل بتأمل وتفكر. قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص]. وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها". وقال أبو عبيد (٥): حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: قرأ علقمة على عبد الله فكأنه عجل، فقال عبد الله: فداك أبي وأمي، رتل فإنه زين القرآن.

стр. 164

قال: وكان علقمة حسن الصوت بالقرآن. وحدثنا (١) إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن (أبي جمرة) (٢) قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول. وحدثنا (٣) حجاج، عن شعبة وحماد بن سلمة، عن أبي (جمرة) (٤)، عن ابن عباس نحو ذلك، إلا أن في حديث حماد: "أحب إلي من أن أقرأ القرآن أجمع هذرمةً". ثم قال البخاري ﵀: مد القراءة حدثنا (٥) مسلم بن إبراهيم، حدّثنا جرير بن حازم الأزدي، حدّثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك، عن قراءة النبي ﷺ فقال: كان يمد مدًا. وهكذا رواه أهل السنن من حديث جرير بن حازم به. حدثنا عمرو بن عاصم، حدّثنا همام، عن قتادة قال: سئل أنس بن مالك: كيف كان قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: كانت مدًا ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم. انفرد به البخاري (٦) من هذا الوجه.

стр. 165

وفي معناه الحديث الذي رواه الإمام أبو عبيد (١). حدثنا أحمد بن عثمان، عن عبد الله بن المبارك، عن الليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك، عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ مفسرةً حرفًا حرفًا. وهكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل، عن يحيى بن إسحاق، وأبو داود، عن يزيد بن خالد الرملي والترمذي والنسائي، كلاهما عن قتيبة كلهم عن الليث بن سعد به. وقال الترمذي: "حسن صحيح". ثم قال أبو عبيد (٢): وحدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة]. وهكذا رواه أبو داود من حديث ابن جريج. وقال الترمذي: "غريب وليس إسناده بمتصل". يعني أن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة لم يسمعه من أم سلمة إنما رواه عن يعلى بن مملك كما تقدم، والله تعالى أعلم. الترجيع حدثنا (٣) آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، حدثنا أبو إياس قال: سمعت عبد الله بن مغفل قال: رأيت النبي ﷺ وهو على ناقته - أو جمله - يسير به وهو يقرأ سورة الفتح - أو من سورة الفتح - قراءةً لينةً وهو يرجع. وقد تقدم هذا الحديث في القراءة على الدابة، وأنه من المتفق عليه، وفيه أن ذلك كان يوم الفتح. وأما الترجيع فهو الترديد في الصوت، كما جاء أيضًا في البخاري أنه جعل يقول: آاآ وكأن ذلك صدر من حركة الدابة تحته، فدل على جواز التلاوة عليه وإن أفضى إلى ذلك. ولا يكون ذلك من باب الزيادة في الحروف بل ذلك مغتفر للحاجة كما يصلي على الدابة حيث توجهت به مع إمكان تأخير ذلك، والصلاة إلى القبلة، والله أعلم.

стр. 166

حسن الصوت بالقراءة حدثنا (١) محمد بن خلف أبو بكر، حدثنا (أبو) (٢) يحيى الحماني، حدّثنا (بريد) (٣) بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود". وهكذا رواه الترمذي، عن موسى بن عبد الرحمن الكندي، عن أبي يحيى الحماني واسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن، وقال: "حسن صحيح". وقد رواه مسلم من حديث طلحة (بن يحيى بن طلحة) (٤)، عن أبي بردة، عن أبي موسى وفيه قصة. وقد تقدم الكلام على تحسين الصوت عند قول البخاري: من لم يتغن بالقرآن، وذكرت هناك أحكامًا أغنى عن إعادتها ههنا، والله تعالى أعلم. من أحب أن يسمع القراءة من غيره حدثنا (٥) عمر بن حفص بن غياث، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله قال: قال لي النبي ﷺ : "اقرأ علي القرآن" قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري". وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن الأعمش، وله طرق يطول بسطها، وقد تقدم فيما رواه مسلم من حديث طلحة (بن يحيى بن طلحة) (٦) عن أبي بردة، عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال له: "يا أبا موسى لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة" فقال: أما والله لو أعلم أنك تستمع قراءتي لحبرتها لك تحبيرًا (٧). وقال الزهري، عن أبي سلمة: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكّرنا ربنا يا أبا موسى (٧)، فيقرأ عنده. وقال أبو عثمان النهدي: كان أبو موسى يصلي بنا فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنج قط ولا بربط قط ولا شيئًا قذ أحسن من صوته (٧). قول المقرئ للقارئ: حسبك حدثنا (٨) محمد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ علي" فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال:

стр. 167

"نعم" فقرأت عليه سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء] قال: "حسبك الآن" فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه من رواية الأعمش به. ووجه الدلالة ظاهر. وكذا الحديث الآخر: "اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا" (١). في كم يقرأ القرآن؟ وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ حدثنا (٢) علي، حدثنا سفيان قال: قال لي ابن شبرمة: نظرت كم يكفي الرجل من القرآن؟ فلم أجد سورةً أقل من ثلاث آيات. فقلت: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات. قال سفيان (٣): أخبرنا منصورٌ عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد أخبره علقمة، عن أبي مسعود فلقيته وهو يطوف بالبيت، فذكر النبي ﷺ أن: "من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه". وقد تقدم أن هذا الحديث متفق عليه. وقد جمع البخاري فيما بين عبد الرحمن بن يزيد وعلقمة، عن أبي مسعود، وهو صحيح؛ لأن عبد الرحمن سمعه أولًا من علقمة، ثم لقي أبا مسعود وهو يطوف فسمعه منه. وعلي هذا هو ابن المديني وشيخه: سفيان بن عيينة، وما قاله عبد الله بن (شبرمة) (٤) فقيه الكوفة في زمانه استنباط حسن. وقد جاء في حديث في "السنن" (٥): "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات" ولكن هذا الحديث أعني حديث أبي مسعود أصح وأشهر وأخص، ولكن وجه مناسبته للترجمة التي ذكرها البخاري (٦) فيه نظر، والله أعلم.

стр. 168

والحديث الثاني أظهر في المناسبة وهو قوله: حدثنا (١) موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: أنكحني أبي امرأةً ذات حسب، فكان يتعاهد كنته فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشًا ولم يفتش لنا كنفًا منذ أتيناه. فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ فقال: "القني به" فلقيته بعد فقال: "كيف تصوم؟ " قال: كل يوم. قال: "كيف تختم؟ ". قال: كل ليلة، قال: "صم كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر" قال: قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم ثلاثة أيام في الجمعة" قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: "أفطر يومين وصم يومًا" قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم، أفضل الصوم صوم داود: صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرةً" فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ وذلك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرأ يعرضه بالنهار ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا وأحصى وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئًا فارق عليه النبي ﷺ . وقال (٢) بعضهم: في ثلاث وفي خمس وأكثرهم على سبع. وقد رواه في "الصوم" (٣)، والنسائي أيضًا عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن مغيرة، والنسائي من حديث حصين، كلاهما عن مجاهد به. ثم روى البخاري (٤) ومسلم وأبو داود من حديث يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن مولى (بني زهرة) (٥)، عن أبي سلمة قال: وأحسبني سمعت أنا من أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ : "اقرأ القرآن في شهر" قلت: إني أجد قوةً، قال: "فاقرأ في سبع، ولا تزد على ذلك". فهذا السياق ظاهره يقتضي المنع من قراءة القرآن في أقل من سبع. وهكذا الحديث الذي رواه أبو عبيد (٦). حدثنا حجاج وعمر بن طارق ويحيى بن بكير كلهم عن ابن لهيعة، عن حبان بن واسع، عن

стр. 169

أبيه، عن قيس بن صعصعة أنه قال للنبي ﷺ : يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ قال: "في كل خمس عشرة" قال: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: "ففي كل جمعة". وحدثنا (١) حجاج، عن شعبة، عن محمد بن ذكوان - رجل من أهل الكوفة - قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يقول: كان عبد الله بن مسعود يقرأ القرآن في غير رمضان من الجمعة إلى الجمعة. وعن (٢) حجاج، عن شعبة، عن أيوب، سمعت أبا قلابة، عن (أبي المهلب) (٣) قال: كان أُبي بن كعب يختم القرآن في كل ثمان، وكان (٤) تميم الداري يختمه في كل سبع. وحدثنا (٥) هشيم، عن الأعمش، عن إبراهيم (٦) [أنه كان يقرأ القرآن في كل سبع. حدثنا (٧) جرير، عن منصور، عن إبراهيم)] (٦) قال: كان الأسود يختم القرآن في كل ست. وكان علقمة يختمه في كل خمس، فلو تركنا ومجرد هذا لكان الأمر في ذلك جليًا، ولكن دلت أحاديث أخر على جواز قراءته فيما دون ذلك، كما:

стр. 170

رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١)، حدثنا حسن، حدّثنا ابن لهيعة، حدثنا حبان بن واسع، عن أبيه، عن سعد بن المنذر الأنصاري أنه قال: يا رسول الله أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال: "نعم" قال: فكان يقرؤه حتى توفي. وهذا إسناد جيد قوي (حسن (٢)، فإن) حسن (ابن (٣) موسى) الأشيب ثقة متفق على جلالته، روى له الجماعة وابن لهيعة، إنما يخشى من تدليسه أو سوء حفظه، وقد صرح ههنا بالسماع، وهو من أئمة العلماء بالديار المصرية في زمانه، وشيخه حبان بن واسع بن حبان وأبوه كلاهما من رجال مسلم، والصحابي لم يخرج له أحد من أهل الكتب الستة، وهذا على شرط كثير منهم، والله أعلم. وقد رواه أبو عبيد ﵀، عن ابن بكير، عن ابن لهيعة، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن سعد بن المنذر الأنصاري أنه قال: يا رسول الله أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال: "نعم إن استطعت" قال: فكان يقرؤه كذلك حتى توفي. حديث آخر: قال أبو عبيد (٤): حدثنا يزيد، عن همام، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث". وهكذا أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة من حديث قتادة به. وقال الترمذي: "حسن صحيح". حديث آخر: قال أبو (٥) عبيد، حدثنا يوسف بن الغرق (٦)، عن الطيب بن سلمان قال: حدثتنا عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ لا يختم القرآن في أقل من ثلاث.

стр. 171

هذا حديث غريب جدًا وفيه ضعف، فإن الطيب بن سلمان هذا بصري ضعفه الدارقطني وليس هو بذاك المشهور، والله أعلم. وقد كره غير واحد من السلف قراءة القرآن في أقل من ثلاث، كما هو مذهب (أبي عبيد) (١) وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الخلف أيضًا. قال أبو عبيد (٢)، حدثنا يزيد، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أبي العالية، عن معاذ بن جبل أنه كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث. صحيح. وحدثنا (٣) يزيد، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة قال عبد الله: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز. وحدثنا (٤) حجاج، عن شعبة، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله مثله (سواء) (٥). وحدثنا حجاج (٦)، عن شعبة، عن محمد بن ذكوان، عن (عبد الرحمن بن) (٧) عبد الله بن مسعود، عن أبيه أنه كان يقرأ القرآن في رمضان في ثلاث. إسناد صحيح. [وفي "المسند" (٨) عن عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا: "اقرأوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به"] (٩).

стр. 172

(١) [فقوله: "لا تغلوا فيه"؛ أي: لا تبالغوا في تلاوته بسرعة في أقصر مدة، فإن ذلك ينافي التدبر غالبًا، ولهذا قابله بقوله: "ولا تجفوا عنه"؛ أي: لا تتركوا تلاوته] (١). فَصْلٌ وقد ترخص جماعات من السلف في تلاوة القرآن في أقل من ذلك، منهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁. قال أبو عبيد (٢) ﵀: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن خصيفة، عن السائب بن يزيد أن رجلًا سأل عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن صلاة طلحة بن عبيد الله فقال: إن شئت أخبرتك عن صلاة عثمان ﵁، فقال: نعم، قال: قلت: لأغلبن الليلة على الحجر فقمت، فلما قمت إذا أنا برجل مقنع يزحمني، فنظرت فإذا عثمان بن عفان ﵁، فتأخرت عنه فصلى، فإذا هو يسجد سجود القرآن حتى إذا قلت: هذه هوادي الفجر أوتر بركعة لم يصل غيرها. وهذا إسناد صحيح. ثم قال (٣): حدثنا هشيم، أنا منصور، عن ابن سيرين قال: قالت نائلة بنت الفرافصة الكلبية حيث دخلوا على عثمان ليقتلوه: إن تقتلوه أو تدعوه فقد كان يحيي الليل كله بركعة يجمع فيها القرآن. وهذا حسن. وقال (٤) أيضًا: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم بن سليمان، عن ابن سيرين أن تميمًا الداري قرأ القرآن في ركعة. حدثنا (٥) حجاج، عن شعبة، عن حماد، عن سعيد بن جبير أنه قال: قرأت القرآن في ركعة في البيت؛ يعني: الكعبة.

стр. 173

وحدثنا (١) جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ القرآن في ليلة، طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام فصلى عنده [فقرأ بالطول، ثم طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام فصلى عنده] (٢)، فقرأ بالمئين، ثم طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام. فصلى عنده فقرأ بالمثاني، ثم طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام. فصلى عنده فقرأ بالمثاني، ثم طاف بالبيت أسبوعًا ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بقية القرآن. وهذه كلها أسانيد صحيحة. ومن أغرب ما ههنا ما رواه أبو (٣) عبيد ﵀، حدثنا سعيد بن غفير، عن بكر بن مضر أن سليم بن عتر التجيبي كان يقرأ القرآن في ليلة ثلاث مرات، ويجامع ثلاث مرات، قال: فلما مات قالت امرأته: رحمك الله إن كنت لترضى ربك وترضي أهلك، قالوا: وكيف ذلك؟ قالت: كان يقوم من الليل فيختم بالقرآن، ثم يلم بأهله، ثم يغتسل ويعود فيقرأ حتى يختم، ثم يلم بأهله، ثم يغتسل ويعود فيقرأ حتى يختم، ثم يلم بأهله، ثم يغتسل ويخرج إلى صلاة الصبح. قلت: كان سليم بن عتر تابعيًا جليلًا ثقةً نبيلًا وكان قاضيًا بمصر أيام معاوية وقاصها. قال أبو حاتم (٤): روى عن أبي الدرداء وعنه ابن زحر. ثم قال: حدثني محمد بن عوف، عن أبي صالح كاتب الليث، حدثني حرملة بن عمران، عن كعب بن علقمة قال: كان سليم بن عتر من خير التابعين. وذكره ابن يونس في "تاريخ مصر". وقال: روى ابن أبي داود، عن مجاهد أنه كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء. وعن منصور (٥) قال: كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان. وعن إبراهيم بن سعد قال: كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن. قلت: وروي عن منصور (٦) بن زاذان أنه كان يختم فيما بين الظهر والعصر، ويختم أخرى فيما بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرونها قليلًا.

стр. 174

وعن الإمام الشافعي ﵀ أنه كان يختم في اليوم والليلة من شهر رمضان ختمتين وفي غيره ختمة. وعن أبي عبد الله البخاري صاحب "الصحيح" أنه كان يختم في الليلة ويومها من رمضان ختمةً. ومن غريب هذا وبديعه ما ذكره الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي قال: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول: كان ابن الكاتب يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات. وهذا نادر جدًا، فهذا وأمثاله من الصحيح عن السلف محمول إما على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدم، أو أنهم كانوا يفهمون ويتفكرون فيما يقرؤونه (مع) (١) هذه السرعة، والله أعلم. قال الشيخ أبو زكريا النواوي في كتابه "التبيان" (٢) بعد ذكر طرف مما تقدم: والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له كمال فهم ما يقرؤه وكذا من كان مشغولًا بنشر العلم وغيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة. ثم قال البخاري (٣) ﵀: البكاء عند قراءة القرآن وأورد فيه من رواية الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرأ علي" قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "إني أشتهي أن أسمعه من غيري" قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ قال لي: "كف أو أمسك" (فرأيت) (٤) عينيه تذرفان. وهذا من المتفق عليه كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله. من (٥) راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فخر به حدثنا (٦) محمد بن كثير، أنا سفيان، حدّثنا الأعمش، عن خيثمة، عن سويد بن غفلة، عن علي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان

стр. 175

سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة". وقد روى في موضعين آخرين، ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن الأعمش به. حدثنا (١) عبد الله بن يوسف، حدّثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئًا، وينظر في القدح فلا يرى شيئًا، وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق". ورواه في موضع آخر ومسلم أيضًا والنسائي من طرق عن الزهري، عن أبي سلمة به. وابن ماجه من رواية محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة به. حدثنا (٢) مسدد بن مسرهد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي موسى ﵄، عن النبي ﷺ قال: "المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به، كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مر - أو خبيث - وريحها مر". ورواه في "مواضع أخر" مع بقية الجماعة من طرق عن قتادة به. ومضمون هذه الأحاديث التحذير من المراءاة بتلاوة القرآن التي هي من أعظم القرب، كما جاء في الحديث (٣): "واعلم أنك لن تتقرب إلى الله بأعظم مما خرج منه" يعني القرآن. والمذكورون في حديث علي وأبي سعيد هم الخوارج وهم الذين لا يجاوز إيمانهم حناجرهم. وقد قال في الرواية الأخرى: "يحقر أحدكم قراءته مع قراءتهم، وصلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم". ومع هذا أمر بقتلهم؛ لأنهم مراءون في أعمالهم في نفس الأمر وإن كان بعضهم قد لا يقصد ذلك إلا أنهم أسسوا أعمالهم على اعتقاد غير صالح، فكانوا في ذلك كالمذمومين في قوله:

стр. 176

﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)﴾ [التوبة]. وقد اختلف العلماء في تكفير الخوارج وتفسيقهم ورد رواياتهم، كما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله (تعالى) (١) (٢). والمنافق المشبه بالريحانة (التي) (٣) لها ريح ظاهر وطعمها مر: هو المرائي بتلاوته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء]. ثم قال البخاري: اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم حدثنا (٤) أبو النعمان (محمد بن الفضل عارم) (٥)، حدّثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن جندب بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: "اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه". حدثنا عمرو بن علي (بن بحر الفلاس) (٦)، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا سلام بن أبي مطيع، عن أبي عمران الجوني، عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا" (٧) [عنه]. تابعه الحارث بن عبيد وسعيد بن زيد، عن أبي عمران ولم يرفعه حماد بن سلمة وأبان. وقال غندر، عن شعبة، عن أبي عمران قال: سمعت جندبًا قوله. وقال ابن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر قوله، وجندب أكثر وأصح. وقد رواه في مواضع أخر ومسلم، كلاهما عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد، عن همام، عن أبي عمران به.

стр. 177

ومسلم أيضًا عن يحيى بن يحيى، عن الحارث بن عبيد أبي قدامة، عن أبي عمران (به) (١). ورواه مسلم أيضًا عن أحمد بن سعيد بن حبان بن هلال، عن أبان العطار، عن أبي عمران به مرفوعًا. وقد حكى البخاري أن أبان وحماد بن سلمة لم يرفعاه، فالله أعلم. ورواه النسائي والطبراني من حديث مسلم بن إبراهيم، عن هارون بن موسى الأعور النحوي، عن أبي عمران به. ورواه النسائي أيضًا من طرق عن سفيان، عن الحجاج بن قرافصة، عن أبي عمران به مرفوعًا. وفي رواية: عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، عن أبيه، عن سفيان، عن حجاج، عن أبي عمران، عن جندب موقوفًا. ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن إسحاق بن الأزرق، عن عبد الله بن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر قوله. قال أبو بكر بن أبي داود: لم يخطئ ابن عون في حديث قط إلا في هذا، والصواب عن جندب. [(ورواه الطبراني عن علي بن عبد العزيز، عن مسلم بن إبراهيم وسعيد بن منصور قالا: حدّثنا الحارث بن عبيد، عن أبي عمران، عن جندب مرفوعًا)] (٢). فهذا ما تيسر من ذكر طرق هذا الحديث على سبيل الاختصار. والصحيح منها ما أرشد إليه شيخ هذه الصناعة أبو عبد الله البخاري من الأكثر والأصح أنه (عن) (٣) جندب بن عبد الله مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ . ومعنى الحديث أنه ﵇ أرشد (وحض) (٣) أمته على تلاوة القرآن إذا كانت القلوب مجتمعةً على تلاوته (متفكرةً) (٤) متدبرةً له لا في حال شغلها وملالها، فإنه لا يحصل المقصود من التلاوة بذلك. كما ثبت في الحديث (٥) أنه قال ﵇: "اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا". وقال (٦): "أحب الأعمال إلى الله ما دام عليه صاحبه". وفى اللفظ الآخر: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل". ثم قال البخاري (٧): حدثنا سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن

стр. 178

النزال بن سبرة، عن عبد الله - هو ابن مسعود - أنه سمع رجلًا يقرأ آيةً (سمع) (١) النبي ﷺ (قرأ) (٢) خلافها، فأخذت بيده فانطلقت إلى النبي ﷺ فقال: "كلاكما محسن فاقرآ - أكبر علمي قال - فإن من قبلكم اختلفوا فيه فأهلكهم (الله ) (٣). وأخرجه النسائي من رواية شعبة به. وهذا في معنى الحديث الذي تقدمه، وأنه ينهى عن الاختلاف في القراءة والمنازعة في ذلك والمراء فيه، كما تقدم في النهي عن ذلك، والله أعلم. وقريب من هذا ما رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "مسند أبيه" (٤)، حدثنا أبو محمد سعيد بن محمد الجرمي، حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن الأعمش، عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: قال عبد الله بن مسعود: تمارينا في سورة من القرآن فقلنا: خمس وثلاثون آية، ست وثلاثون آية، قال: فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فوجدنا عليًا يناجيه، فقلنا له: اختلفنا في القراءة فاحمر وجه رسول الله ﷺ فقال عليّ: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرءوا كما علمتم. وهذا آخر ما أورده البخاري ﵀ في "كتاب فضائل القرآن"، ولله الحمد والمنة. كتاب الجامع لأحاديث شتى تتعلق بتلاوة القرآن وفضائله وفضل أهله فَصْلٌ قال (٥) أحمد: حدثنا معاوية بن هشام، حدّثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال نبي الله ﷺ : "يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: (اقرأ) (٦) واصعد، فيقرأ ويصعد بكل آية درجةً حتى يقرأ آخر شيء معه".

стр. 179

وقال (١) أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثني بشير بن أبي عمرو الخولاني أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون خلف من بعد الستين سنةً، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق، وفاجر" قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به. وقال (٢) أحمد: حدّثنا حجاج، حدّثنا ليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي الخطاب، عن أبي سعيد أنه قال: إن رسول الله عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة، فقال: "ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس؟ إن (من) (٣) خير الناس رجلًا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلًا فاجرًا (جريئًا) (٤) يقرأ كتاب الله ولا يرعوى إلى شيء منه". وقال الحافظ أبو بكر (٥) البزار: حدثنا محمد بن عمر بن هياج الكوفي، حدّثنا الحسين بن (عبد الأول) (٦)، حدّثنا محمد بن الحسن الهمداني، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد

стр. 180

قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: من شغله قراءة القرآن عن دعائي أعطيته أفضل ثواب السائلين" وقال رسول الله ﷺ : "إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه". ثم قال: تفرد به محمد بن الحسن ولم يتابع عليه. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثني عبد الرحمن بن بديل بن ميسرة، حدثني أبي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله أهلين من الناس" قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته". وقال أبو القاسم (٢) الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدّثنا خالد بن خداش، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت (أن) (٣) أنس بن مالك ﵁ كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده فدعا لهم. وقال الحافظ (٤) أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثنا محمد بن عباد
следующие страницы →