← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

اليهود، فقال: "إنهم لن يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله (١) (ولها) وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين". ورواه ابن ماجه، ولفظه: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين". "وله" (٢) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول آمين، فأكثروا من قول آمين". وفي إسناده طلحة بن عمرو، وهو ضعيف. وروى ابن مردويه (٣)، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "آمين خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين". وعن أنس (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت آمين في الصلاة، وعند الدعاء، لم يعط أحد

стр. 282

قبلي إلا أن يكون موسى؛ كان موسى يدعو وهارون يؤمن، فاختموا الدعاء بآمين؛ فإن الله يستجيبه لكم". قلت: ومن هنا نزع بعضهم (١) في الدلالة بهذه الآية الكريمة؛ وهي قوله تعالي: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [يونس] فذكر الدعاء عن موسى وحده، ومن سياق الكلام ما يدل على أن هارون أمن، فنزل منزلة من دعا؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ فدل ذلك على أن من أمن على دعاء فكأنما قاله؛ فلهذا قال من قال: إن المأموم لا يقرأ؛ لأن تأمينه على قراءة الفاتحة بمنزلة قراءتها؛ ولهذا جاء في الحديث: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة [رواه أحمد في "مسنده"] (٢). وكان بلال يقول: "لا تسبقني بآمين (يا رسول الله) (٣) ". فدل هذا المنزع على أن المأموم لا قراءة عليه في الجهرية. والله أعلم. ولهذا قال ابن مردويه (٤): حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا عبد الله بن محمد بن سلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن (ليث بن أبي سليم) (٥)، عن كعب، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، آمين، فوافق "آمين" أهل الأرض "آمين" أهل السماء غفر الله للعبد ما تقدم من ذنبه ومثل من لا يقول: آمين كمثل رجل غزا مع قوم، فاقترعوا، فخرجت سهامهم ولم يخرج سهمه، فقال: لم لم يخرج سهمي؟ فقيل: إنك لم تقل: آمين (٦) ". * * *

стр. 283

(رب يسر وأعن يا كريم) (١) تفسير سُورَةُ البَقَرَة ذكر ما ورد في فضلها: قال الإمام أحمد (٢): حدثنا عارم، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار. أن رسول الله ﷺ قال: "البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آيةٍ منها ثمانون ملكًا، واستخرجت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ من تحت العرش، فوصلت بها، أو فوصلت بسورة البقرة، و ﴿يس (١)﴾ [يس] قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم". انفرد به أحمد. وقد رواه أحمد (٣) أيضًا -عن عارم، عن عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي

стр. 284

عثمان -وليس بالنهدي- عن أبيه، عن معقل بن يسارٍ؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرؤوها على موتاكم" - يعني: يس. فقد تبيَّنا بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى. وقد أخرج هذا الحديث على هذه الصفة في الرواية الثانية أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وقد روى الترمذي (١) من حديث حكيم بن جبير، وفيه ضعف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آيِ القرآن: آية الكرسي". وفي "مسند أحمد" (٢)، و"صحيح مسلم"؛ والترمذي، والنسائي، من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا؛ فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان". وقال الترمذي: "حسن صحيح". وقال أبو عبيد (٣) القاسم بن سلام: حدثني ابن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي

стр. 285

حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان يخرج من البيت إذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه". سنان بن سعد، ويقال بالعكس، وثقه ابن معين، واستنكر حديثه: أحمد بن حنبل وغيره. وقال أبو عبيد (١): حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله -يعني: ابن مسعود- ﵁؛ قال: إن الشيطان يفر من البيت يسمع فيه سورة البقرة. ورواه النسائي في "اليوم والليلة". وأخرجه الحاكم في "مستدركه" من حديث شعبةَ؛ ثم قال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". وقال ابن مردويه (٢): حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا أيوب بن

стр. 286

سليمان بن بلال، حدثني أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن عجلان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ألفين أحدكم يضع إحدى رجليه على الأخرى يتغنى ويدع سورة البقرة يقرؤها؛ فإن الشيطان ينفر من البيت تقرأ فيه سورة البقرة، وإن أصفر البيوت الجوف الصفر من كتاب الله". وهكذا رواه النسائي في "اليوم والليلة" عن محمد بن نصر، عن أيوب بن سليمان، به. [وروى الدارمي في "مسنده" (١)، عن ابن مسعود؛ قال: "ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان، وله ضراط". وقال (٢): "إن لكل شيء سنامًا، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإن لكل شيء لبابًا وإن لباب القرآن المفصل". وروى أيضًا (٣) من طريق الشعبي؛ قال: قال عبد الله بن مسعود:] (٤) ["من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة، أربع من أولها وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاثُ آيات من آخرها" - وفي رواية: "لم يقربه ولا أهله يومئذٍ شيطان، ولا شيء يكرهه ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق"] (٥). وعن سهل بن سعد؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل شيء سنامًا، وإن سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها في بيته ليلةً لم يدخله (شيطان) (٦) ثلاث ليالٍ، ومن قرأها في بيته نهارًا لم يدخله (شيطان) (٦) ثلاثة أيام". رواه أبو القاسم الطبراني (٧)،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 287

وأبو حاتم بن حبان في "صحيحه"، [وابن مردويه من حديث الأزرق بن علي، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا خالد بن سعيد (المدني) (١) عن أبي حازم، عن سهل، به. وعند ابن حبان: خالد بن سعيد (المديني) (٢)] (٣). وقد روى الترمذي (٤)، والنسائي، وابن ماجه، من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة (﵁) (٥)؛ قال: "بعث رسول الله ﷺ بعثًا وهم ذوو عدد فاستقرأهم؛ فاستقرأ كل واحد منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنًّا، فقال: ما معك يا فلان؟ فقال: معي كذا وكذا وسورة البقرة. فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم. قال: اذهب فأنت أميرهم". فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا أني خشيت أن لا أقوم بها. فقال رسول الله ﷺ : "تعلموا القرآن، واقرءوه؛ فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشوٍّ مسكًا يفوح ريحه في كل مكان. ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكي على مسك". هذا لفظ رواية الترمذي. ثم قال: "هذا حديث حسن". ثم رواه من حديث الليث، عن سعيد، عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلًا. فالله أعلم (٦). قال البخاري (٧): وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن حضير ﵁، قال: بينما هو يقرأ (من) (٨) الليل سورة البقرة -وفرسه مربوطة عنده- إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت [فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت] (٩)، ثم قرأ فجالت الفرس

стр. 288

فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبه، فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال: "اقرأ يا ابن حضير". قال: (فأشفقت) (١) يا رسول الله (على يحيى) (٢)، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي وانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها. قال: "وتدري ما ذاك؟ " قال: لا. قال: "تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم". وهكذا رواه الإمام العالم أبو عبيد (٣) القاسم بن سلام في كتاب "فضائل القرآن" عن عبد الله بن صالح، ويحيى بن بكير عن الليث، به. وقد روى من وجه آخر عن أسيد بن حضير كما تقدم. والله أعلم. وقد وقع نحو من هذا لثابت بن قيس بن (شماس) (٤) ﵁؛ وذلك فيما رواه أبو عبيد (٥): حدثنا عباد بن عباد، عن جرير بن حازم، عن (عمه) (٦) جرير بن يزيد - أن أشياخ أهل المدينة حدثوه أن رسول الله ﷺ قيل له: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح. قال: "فلعله قرأ سورة البقرة". قال: (فسئل ثابت) (٧)، فقال: قرأت سورة البقرة". وهذا إسناد جيد إلا أن فيه إبهامًا، ثم هو مرسل. والله أعلم. ذكر ما ورد في فضلها مع آل عمران: قال الإمام أحمد (٨): حدثنا أبو نعيم، حدثنا بشير بن مهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة، عن

стр. 289

أبيه؛ قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فسمعته يقول: "تعلموا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة". قال: ثم سكت ساعة، ثم قال: "تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف؛ وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بِمَ كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها؛ فهو في صعود ما دام يقرأ هذَّا كان أو ترتيلًا". وروى ابن ماجه، من حديث بشير بن المهاجر بعضه. وهذا إسناد (حسن) (١) على شرط مسلم؛ (٢) [فإن بشيرًا هذا (أخرج) (٣) له مسلم] (٢)، ووثقه ابن معين. وقال النسائي: ما به بأس، إلا أن الإمام أحمد قال فيه: "هو منكر الحديث، قد اعتبرت أحاديثه فإذا هي (تجيئ) (٤) بالعجب". وقال البخاري: "يخالف في بعض حديثه". وقال أبو حاتم الرازي: "يكتب حديثه ولا يحتج به". وقال ابن عدي: "روى ما لا يتابع عليه". وقال الدارقطني: "ليس بالقوى". قلت: ولكن لبعضه (٥) شواهد؛ فمن ذلك حديث أبي أُمامة الباهلي: قال الإمام أحمد (٦):

стр. 290

حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام، عن أبي أُمامة؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرءوا القرآن فإنه شافع (لأصحابه) (١) يوم القيامة، اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، يحاجان عن (أهلهما) (٢). ثم قال: اقرءوا البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة". وقد رواه مسلم (٣) في "الصلاة" من حديث معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده [أبي سلام ممطور الحبشي، عن أبي أُمامة صدي بن عجلان الباهلي، به. الزهراوان: المنيرتان] (٤). والغياية: ما أظلك من فوقك. والفرق: القطعة من الشيء. والصواف: المصطفة المتضامة. والبطلة: السحرة. ومعنى لا تستطيعها؛ أي: لا يمكنهم حفظها. وقيل لا تستطيع النفوذ في قارئها. والله أعلم. ومن ذلك: حديث النواس بن سمعان، قال الإمام أحمد (٥): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير؛ قال: سمعت النواس بن سمعان الكلابي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمهم سورة البقرة وآل عمران". وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد؛ قال: "كأنهما غمامتان، أو ظلتان سوداوان بينهما (شرق) (٦) أو كأنهما فرقان من طير (صواف) (٧) يحاجان عن صاحبهما". ورواه مسلم، عن إسحاق بن منصور، عن يزيد بن عبد ربه، به. والترمذي من حديث الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، به. وقال: "حسن غريب" (٨).

стр. 291

وقال أبو عبيد (١): حدثنا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير؛ قال: قال حماد: أحسبه عن أبي منيب، عن عمه - أن رجلًا قرأ البقرة وآل عمران، فلما قضى صلاته قال له كعب: أقرأت البقرة وآل عمران؟ قال: نعم. قال: فوالذي نفسي بيده، إن فيهما اسم الله الذي إذا دعي به (استجاب) (٢). قال: فأخبرني به. قال: لا، والله لا أخبرك به، ولو أخبرتك به لأوشكت أن تدعوه بدعوة أهلكُ فيها أنا وأنت. وحدثنا (٣) عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر - أنه سمع أبا أُمامة يقول: إن أخًا لكم أُرى في المنام أن الناس يسلكون في صدع جبل وعر طويل، وعلى رأسى الجبل شجرتان خضراوان يهتفان: هل فيكم (من) (٤) يقرأ سورة البقرة؟ وهل فيكم (من) (٢) يقرأ سورة آل عمران؟ قال: فإذا قال الرجل نعم دنتا منه بأعذاقهما حتى يتعلق بهما فتخطران به الجبل. وحدثنا (٥) عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي عمران -أنه سمع أم الدرداء- تقول: إن رجلًا ممن قرأ القرآن أغار على جار له فقتله، وإنه أُقيد (منه) (٦) فقتل؛ فما زال القرآن ينسل منه سورةً سورةً حتى بقيت البقرة وآل عمران جمعة؛ ثم إن آل عمران انسلت منه وأقامت البقرة جمعة؛ فقيل لها: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ [ق] قال: فخرجت كأنها السحابة العظيمة. قال أبو عبيد: أراه يعني أنهما كانتا معه في قبره تدفعان عنه وتؤنسانه، فكانتا من آخر ما بقي معه من القرآن. وقال أيضًا (٧): حدثنا (أبو مسهر) (٨) الغساني، عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي - أن يزيد بن الأسود الجرشي كان يحدث أنه من قرأ البقرة وآل عمران في يوم برئ من النفاق حتى يمسي، ومن قرأهما في ليلة برئ من النفاق حتى يصبح. قال: فكان يقرؤهما كل يوم وليلة سوى جزئه.

стр. 292

وحدثنا (١) يزيد عن (وقاء) (٢) بن إياس، عن سعيد بن جبير؛ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: من قرأ البقرة وآل عمران في ليلة كان -أو كتب- من القانتين. فيه انقطاع، ولكن ثبت في "الصحيحين" (٣) أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في ركعة واحدة. ذكر ما ورد في فضل السبع الطول: قال أبو عبيد (٤): حدثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي، عن محمد بن شعيب، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ ؛ قال: "أعطيت السبع الطِّوَل مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل". هذا حديث غريب (٥). وسعيد بن بشير فيه لين.

стр. 293

وقد رواه أبو عبيد (١) عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن سعيد بن أبي هلال؛ قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ -قال:. . . فذكره. والله أعلم. ثم قال (٢): حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن حبيب بن هند الأسلمي، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ؛ قال: "من أخذ السبع فهو حبر". وهذا أيضًا غريب. وحبيب بن هند بن أسماء بن (هند) (٣) بن حارثة الأسلمي. وروى عنه عمرو بن (أبي) (٤) عمرو، وعبد الله بن أبي بكرة، وذكره أبو حاتم الرازي ولم يذكر فيه جرحًا. فالله أعلم. وقد رواه الإمام أحمد، عن سليمان بن داود، وحسين؛ كلاهما عن إسماعيل بن جعفر، به. ورواه أيضًا عن أبي سعيد، عن سليمان بن بلال، عن حبيب بن هند، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: "من أخذ السبع الأول من القرآن فهو حبر". قال أحمد (٥): وحدثنا حسين، حدثنا ابن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (مثله) (٦) قال عبد الله بن أحمد: وهذا أرى فيه: "عن أبيه عن الأعرج"، ولكن كذا كان في الكتاب، فلا أدري أغفله أبي أو كذا هو مرسل؟ [وروى الترمذي (٧)، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ بعث بعثًا وهم ذوو عدد وقدَّم عليهم أحدثهم سنًّا لحفظه سورة البقرة؛ وقال له: "اذهب فأنت أميرهم". وصححه الترمذي] (٨).

стр. 294

ثم قال أبو عبيد (١): حدثنا هشيم، أنبأنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير - في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] قال: هي السبع الطول: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس. قال: وقال مجاهد: هي السبع الطول. وهكذا قال مكحول، وعطية بن قيس، وأبو محمد (الفارسي) (٢)، وشداد بن أوس، ويحيى بن الحارث الذماري في تفسير الآية بذلك وفي تعدادها وأن يونس هي السابعة. فصل والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف؛ (٣) [وهي من أوائل ما نزل بها، لكن قوله تعالى فيها: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ. . .﴾ الآية [البقرة: ٢٨١] يقال: إنها آخر ما نزل من القرآن. ويحتمل أن تكون منها؛ وكذلك آيات الربا من (أواخر) (٤) ما نزل؛ وكان خالد بن معدان يسمى البقرة فسطاط القرآن] (٣). قال بعض العلماء: وهي مشتملة على ألف خبر، وألف أمر، وألف نهى. وقال العادون: آياتها مائتان وثمانون وسبع آيات. وكلماتها ستة آلاف كلمة (ومائة) (٥) وإحدى وعشرون كلمةً. وحروفها خمسة وعشرون ألفًا وخمسمائة - حرف فالله أعلم. قال ابن جريج (٦)، عن عطاء، عن ابن عباس: نزلت بالمدينة سورة البقرة. وقال خصيف (٧)، عن مجاهد، عن عبد الله بن الزبير؛ قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة. وقال الواقدي (٨): حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه؛ قال: نزلت البقرة بالمدينة. وهكذا قال غير واحد من الأئمة والعلماء والمفسرين؛ ولا خلاف فيه. وقال ابن مردويه (٩): حدثنا محمد بن معمر، حدثنا الحسن بن علي بن الوليد

стр. 295

(الفارسي) (١)، حدثنا خلف بن هشام؛ وحدثنا (عُبيس) (٢) بن ميمون، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقولوا سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء، وكذا القرآن كله؛ ولكن قولوا: السورة التي يذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران؛ وكذا القرآن كله". هذا حديث غريب لا يصح رفعه (عبيس) (٣) بن ميمون هذا (هو) (٤) (أبو) (٥) سلمة الخواص، وهو ضعيف الرواية لا يحتج به. وقد ثبت في ("الصحيح") (٦)، عن ابن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه؛ ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. أخرجاه. وروى ابن مردويه (٧). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 296

من حديث شعبة، عن عقيل بن طلحة، عن عتبة بن (فرقد) (١) قال: رأى النَّبِيّ ﷺ في أصحابه تأخرًا، فقال: "يا أصحاب سورة البقرة". وأظن هذا كان يوم حنين (حين) (٢) ولّوا مدبرين أمر العباس، فناداهم: ["يا أصحاب الشجرة"؛ يعني: أهل بيعة الرضوان. وفي رواية] (٣): "يا أصحاب (سورة) (٤) البقرة" (ينشطهم) (٥) بذلك؛ فجعلوا يقبلون من كل وجه. وكذلك يوم اليمامة (٦) مع أصحاب مسيلمة جعل الصحابة يفرون لكثافة (جيش) (٧) بني حنيفة؛ فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون: يا أصحاب سورة البقرة، حتَّى فتح الله عليهم، رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١)﴾ قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور؛ فمنهم من قال: هي مما استأثر الله بعلمه، فردوا علمها إلى الله، ولم يفسروها [حكاه القرطبي في "تفسيره" (٨)، عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود ﵃ (أجمعين) (٩)؛ وقاله عامر الشعبي، وسفيان الثوري، والربيع بن خثيم. واختاره أبو حاتم بن حبان] (١٠). ومنهم من فسرها؛ واختلف هؤلاء في معناها؛ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما هي أسماء السور [قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في "تفسيره" (١١): وعليه إطباق الأكثر، ونقل عن سِيْبَويَه أنه نص عليه] (١٠). ويعتضد (هذا) (١٢) بما ورد في "الصحيحين" (١٣) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم (١)﴾ و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.

стр. 297

وقال سفيان (١) الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال: ﴿الم (١)﴾ و ﴿حم (١)﴾ و ﴿المص (١)﴾ و ﴿ص﴾ فواتح افتتح الله بها القرآن. وكذا قال غيره (٢) عن مجاهد. وقال مجاهد (٣) - في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عنه أنه قال -: ﴿الم (١)﴾ اسم من أسماء القرآن. وهكذا قال قتادة (٤)، وزيد بن أسلم (٥): ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن (٥) بن زيد (بن أسلم) (٦): إنه اسم من أسماء السور؛ فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون ﴿المص (١)﴾ اسمًا للقرآن كله؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت ﴿المص (١)﴾ أنما ذلك عبارة (عن) (٧) سورة الأعراف لا لمجموع القرآن. واللّه أعلم. وقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى؛ (قال) (٨) الشعبي (٩): فواتح السور من أسماء الله (تعالى) (١٠) وكذلك قال سالم بن عبد الله، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي (١١) الكبير.

стр. 298

وقال شعبة، عن السدي: بلغني أن ابن عباس قال: ﴿الم (١)﴾ اسم من أسماء الله (تعالى) (١) الأعظم؛ هكذا رواه ابن أبي حاتم (٢)، من حديث شعبة. ورواه ابن جرير (٣)، عن بندار، عن ابن مهدي، عن شعبة؛ قال: سألت السدي عن ﴿حم (١)﴾ [غافر: ١] و ﴿طس﴾ [النمل: ١] و ﴿الم (١)﴾ فقال: قال ابن عَبَّاس: هي اسم الله الأعظم. وقال ابن جرير (٤): وحدثنا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا أبو النعمان، حَدَّثَنَا شعبة، عن إسماعيل السدي، عن مرة الهمداني؛ قال: قال عبد الله … فذكر نحوه. [وَحُكِىَ مثله عن علي، وابن عباس] (٥). وقال علي بن أبي طلحة (٦)، عن ابن عباس: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى.

стр. 299

وروى ابن أبي حاتم، وابن جرير (١)، من حديث ابن عُلية، عن خالد الحذاء، عن عكرمة - أنه قال: ﴿الم (١)﴾ قسمٌ. ورَويا (٢) أيضًا من حديث شريك بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: ﴿الم (١)﴾ قال: أنا الله أعلم. وكذا قال سعيد بن جبير (٣). وقال السدي (٤)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ ﴿الم (١)﴾ قال: أما ﴿الم (١)﴾ فهي حروف استفتحت من حروف هجاء (اسم) (٥) الله تعالى. وقال أبو جعفر (٦) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿الم (١)﴾ - قال: هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفًا: دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم. قال عيسى بن مريم ﵇، وعجب؛ فقال: وأعجب أنهم ينطقون بأسمائه، ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون به؟ فالألف مفتاح (اسمه) (٧) "الله"، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، فالألف آلاء الله، واللام لطف الله، والميم مجد الله، والألف سنة، واللام (ثلاثون) (٨)

стр. 300

سنة، والميم أربعون (سنة) (١). هذا لفظ ابن أبي حاتم. ونحوه رواه ابن جرير؛ ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال، ويوفق بينها، وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخَر، وأن الجمع ممكن؛ فهي أسماء للسور، ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور؛ فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته؛ كما افتتح سورًا كثيرةً بتحميده وتسبيحه وتعظيمه؛ قال: ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله، وعلى صفة من صفاته، وعلى مدة؛ وغير ذلك؛ كما ذكره الربيع بن أنس، عن أبي العالية؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على (معان) (٢) كثيرة؛ كلفظة "الأمة"؛ فإنها تطلق ويراد به الدين؛ كقوله (تعالى) (٣): ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] وتطلق ويراد بها الرجل المطيع للّه؛ كقوله (تعالى) (٢): ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ [النحل] وتطلق ويراد بها الجماعة؛ كقوله (تعالى) (٢): ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] وقوله (تعالى) (٢): ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] وتطلق ويراد بها الحين من الدهر؛ كقوله (تعالى) (٢): ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أي: بعد حين، على أصح القولين - قال: فكذلك هذا. هذا حاصل كلامه موجهًا؛ ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية؛ فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معًا، (ولفظ) (٤) "الأمة" وما (أشبهه) (٥) من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دلَّ في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول، ليس هذا موضع البحث فيها. والله أعلم. ثم إن (لفظ) (٦) "الأمة" يدلُّ على كل من (معانيه) (٧) في سياق الكلام بدلالة الوضع، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدلُّ على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخَر في التَّقديرُ أو الإضمار بوضع ولا بغيره؛ فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف. والمسألة مختلف فيها، وليس فيها إجماع حتَّى يحكم به، وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدلُّ على ما حذف بخلاف هذا؛ كما قال الشاعر (٨): قلنا لها قفى لنا فقالت قاف … لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف تعني: وقفت.

стр. 301

وقال الآخر (١): ما للظليم عال؟ كيف لايا … ينقد عنه جلده إذا يا فقال ابن جرير: كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فاكتفى بالياء من يفعل. وقال الآخر (١): بالخير خيرات وإن شرًّا فا … ولا أريد الشر إلا أن تا يقول: وإن شرًا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما، ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام. واللّه أعلم. [قال القرطبي (٢): وفي الحديث (٣): "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة … " الحديث، قال (سفيان) (٤): هو أن يقول في "أقتل" "أق"] (٥). وقال خصيف (٦)، عن مجاهد: إنه قال: فواتح السور كلها: ﴿قَ﴾ و ﴿ص﴾ و ﴿حمَ (١)﴾ و ﴿طسم (١)﴾ و ﴿الر﴾ وغير ذلك، هجاء موضوع. وقال بعض أهل العربية: هي حروف من حروف المعجم، استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا؛ كما يقول القائل: ابني يكتب في - أب ت ث -؛ أي: في حروف المعجم الثمانية والعشرين، فيستغني بذكر بعضها عن

стр. 302

مجموعها؛ حكاه ابن جرير (١). قلت: مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفًا وهي - ا ل م ص ر ك هـ ي م ط (س) (٢) ح ق ن - يجمعها قولك: "نص حكيم قاطع له سر"؛ وهي نصف الحروف عددًا، والمذكور منها أشرف من المتروك؛ وبيان ذلك من صناعة التصريف. [قال الزمخشري (٣): وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على (أنصاف) (٤) أجناس الحروف؛ يعني: من المهموسة والمجهورة، ومن الرخوة والشديدة، ومن المطبقة والمفتوحة، ومن المستعلية والمنخفضة،] (٥) [ومن حروف القلقلة. وقد سردها مفصلةً؛ ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته. وهذه الأجناس المعدودة (مكثورة) (٦) بالمذكورة منها؛ وقد "علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله] (٧). ومن هاهنا (لخص) (٨) بعضهم في هذا المقام كلامًا؛ فقال: لا شكَّ أن هذه الحروف لم ينزلها عبثًا ولا سدًى؛ ومن قال من الجهلة: (إن) (٩) في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطأً كبيرًا، فتعين أن لها معنًى في نفس الأمر؛ فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين؛ وإنما اختلفوا؛ فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، وإلا فالوقف حتَّى يتبين. هذا مقام. المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي؟ مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها. فقال بعضهم: إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور. حكاه ابن جرير (١٠)؛ (وهذا ضعيف) (١١)؛ لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوةً وكتابةً. وقال آخرون: بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن، حتَّى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه. حكاه ابن جرير (١٢) أيضًا؛ وهو ضعيف أيضًا؛ لأنَّهُ لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها، بل غالبها ليس كذلك؛ ولو كان كذلك أيضًا لا نبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك.

стр. 303

ثم إن هذه السورة والتي تليها - أعني البقرة وآل عمران - مدنيتان ليستا خطابًا للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه. وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله؛ هذا مع أنه (مركب) (١) من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. [وقد حكى هذا المذهب (فخر الدين) (٢) الرازي في "تفسيره" عن المبرد وجمع من المحققين] (٣). [وَحكى القرطبي (٤) عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري (٥) في "كشافه"، ونصره أتم نصر. وإليه ذهب الشيخ (الإمام) (٦) العلامة (شيخ الإسلام) (٧) أبو العباس (أحمد) (٨) (بن عبد الحليم) (٩) لابن تيمية، وشيخنا الحافظ (الجهبذ) (١٠) (الإمام) (١١) أبو الحجاج (المزي) (١٢)، وحكاه لي عن (أبي العباس) (١٣) ابن تيمية. قال الزمخشري (٦): ولم ترد كلها مجموعةً في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي (والتبكيت) (١٤)، كما كررت قصص كثيرة، وكرر (التحدي) (١٥) (بالتصريح) (١٦) في أماكن؛ قال: وجاء (منها) (١٧) على حرف واحد؛ كقوله: ﴿ص﴾، ﴿ن﴾، ﴿ق﴾. وحرفين، مثل: ﴿حم (١)﴾. وثلاثة، مثل: ﴿الم (١)﴾. وأربعة، مثل: ﴿المر﴾ و ﴿المص (١)﴾] (١٨). (١٩) [وخمسة، مثل: ﴿كهيعص (١)﴾ و ﴿حم (١)﴾ ﴿عسق (٢)﴾؛ لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات؛ ما هو على حرف، وعلى حرفين، وعلى ثلاثة، وعلى أربعة، وعلى خمسة؛ لا أكثر من ذلك. قلت] (١٩) ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف، فلا بدّ أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته؛ وهذا معلوم بالاستقراء؛ وهو الواقع في تسع وعشرين سورةً، ولهذا يقول تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢] ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ١ - ٣] ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١، ٢] ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١] ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾

стр. 304

[السجدة] ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت: ١، ٢] ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ [الشورى: ١ - ٣] وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن (أنعم) (١) النظر. واللّه أعلم. وأما من زعم أنها دالة على معرفة المُدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له؛ وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف (٢)؛ وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب "المغازي": حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب؛ قال: مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله ﷺ ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود؛ فقال: تعلمون والله، لقد سمعت محمدًا يتلو فيما أنزل (الله) (٣) (تعالى) (٤) عليه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم. قال: فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من (يهود) (٥) إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد؛ ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فقال رسول الله ﷺ : "بلى". فقالوا: جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: "نعم". قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بيَّن لنبي منهم ما مدة ملكه، وما أجل أمته غيرك! (فقال) (٦) حُيي بن أخطب، وأقبل على من كان معه، فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون؛ فهذه إحدى وسبعون سنةً؛ أفتدخلون في دين نبيٍّ إنما مدة ملكه، وأجل أمته، إحدى وسبعون سنةً؛ ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد؛ هل مع هذا غيره؟ فقال: نعم، قال: ما ذاك؟ قال: ﴿المص (١)﴾ [الأعراف]. قال: هذا أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون. فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة. هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم. قال ما ذاك؟ قال: الر. قال: هذا أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنةً، فهل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: "نعم". قال: ماذا؟ قال: ﴿المر﴾ [الرعد: ١] قال: هذا أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان؛ فهذه إحدى وسبعون ومائتان. ثم قال: لقد لبَّس علينا أمرك يا محمد حتَّى ما ندري أقليلًا أعطيت أم كثيرًا. ثم قال: قوموا عنه.

стр. 305

ثم قال أبو ياسر لأخيه حُيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمدٍ كله إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان؛ فذلك سبعمائة وأربع سنين. فقالوا: لقد تشابه علينا أمره؛ فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]. فهذا (الحديث) (١) مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به. ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حسبت مع التكرار فأطم وأعظم (٢). واللّه أعلم. [قال الطبراني (٣): حَدَّثَنَا فضيل بن محمد، حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا أبو العميس، سمعت الشعبي يقول: (قال عبد الله) (٤): "من قرأ عشر آيات من البقرة في بيت، لم يدخله شيطان تلك الليلة حتَّى يصبح: أربعًا من أولها، وآية الكرسي، (وآيتين) (٥) بعدها، وخواتيمها"] (٦). ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾. قال (ابن جريج) (٧): قال ابن عَبَّاس: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (أي) (٨) هذا الكتاب. وكذا قال مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسدي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وابن جريج أن "ذلك" بمعنى هذا؛ والعرب (تقارض) (٩) بين (هذين الاسمين) (١٠) الإشارة؛ فيستعملون كلًّا منهما مكان الآخر. وهذا معروف في كلامهم [وقد حكاه البخاري عن معمر بن المثنى أبي عبيدة] (١١). [وقال (١٢) [الزمخشري (١٣): ذلك إشارة إلى ﴿الم (١)﴾، كما قال (تعالى) (١٤): ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] وقال (تعالى) (١٤)] (١٣): ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ [غافر: ٦٢] وأمثال ذلك (١٥) [مما أشير به إلى ما تقدم ذكره (١٥). والله أعلم] (١٦).

стр. 306

[وقد ذهب بعض المفسرين فيما) (١) حكاه القرطبي (٢) وغيره] (٣) [أن "ذلك" إشارة إلى القرآن الذي وُعِد الرسول ﷺ بإنزاله عليه، أو التوراة، أو الإنجيل، أو نحو ذلك في أقوال عشرة. وقد ضعف هذا المذهب كثيرون. واللّه أعلم] (٤). والكتاب: القرآن. ومن قال: إن المراد بـ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير (٥) وغيره، فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلف ما لا علم له به. والريب (٦): الشك. قال السدي (٧)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شكَّ فيه. وقاله أبو الدرداء (٨)، وابن عباس (٩)، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، (ونافع) (١٠) مولى ابن عمر، وعطاء، وأبو العالية، والربيع (١١) بن أنس، ومقاتل بن حيان، والسدي، وقتادة (١٢)، وإسماعيل بن أبي خالد، وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافًا.

стр. 307

[وقد يستعمل الريب في التهمة؛ قال جميل (١): بثينة قالت: يا جميل أربتني … فقلت كلانا يا بثين مريب واستعمل أيضًا في الحاجة، كما قال بعضهم (١): قضينا من تهامة كل ريب … وخيبر ثم (أجمعنا) (٢) السيوفا] (٣) ومعنى الكلام (هنا) (٤) أنه هذا الكتاب، وهو القرآن لا شكَّ فيه أنه (منزل) (٥) من عند الله، كما قال (تعالى) (٦) في السجدة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾. [وقال بعضهم: هذا خبر، ومعناه النهي؛ أي: لا ترتابوا فيه] (٣). ومن القراء من يقف على قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ﴾ ويبتدئ بقوله تعالى: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والوِقف على (قوله تعالى) (٧): ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أولى للآية التي ذكرناها، ولأنه يصير قوله تعالى: ﴿هُدًى﴾ صفة للقرآن؛ وذلك أبلغ من (كون) (٨) ﴿فِيهِ هُدًى﴾. وهدًى: يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعًا على النعت، ومنصوبًا على الحال، وخصت الهداية للمتقين، كما قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنَّهُ هو في نفسه هدىً، ولكن لا يناله إلا الأبرار؛ كما قال (تعالى) (٩): ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]. وقد قال السُّدي (١٠)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مُرَّةَ الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني: نورًا للمتقين. وقال الشعبي: هدى من الضلالة (١١). وقال سعيد بن جبير: تبيان للمتقين، وكل ذلك صحيح. وقال السدي (١٢): عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس. وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب

стр. 308

رسول الله ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾: قال: هم المؤمنون (١). [وقال أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿هُدًى﴾ (٢) ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ قال (للمؤمنين) (٣) ﴿الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٣] (يتقون) (٤) الشرك بي، ويعملون بطاعتي] (٥). وقال محمد بن (٦) إسحاق، عن محمد (بن أبي محمد) (٧) مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو (عن) (٨) سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به. [وقال سفيان (٩) الثوري، عن رجل، عن الحسن البصري - قوله تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ - قال: اتقوا ما حرم (الله) (١٠) عليهم] (١١)، [وأدوا ما افترض عليهم] (١٢). وقال أبو بكر بن (١٣) عياش: سألني الأعمش عن المتقين. قال: فأجبته، فقال لي: سل عنها الكلبي، فسألته، فقال: الذين يجتنبون كبائر الإثم. قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: (نرى) (١٤) أنه كذلك ولم ينكره. وقال قتادة (١٥): ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ هم الذين نعتهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣] الآية والتي بعدها. واختيار ابن (١٦) جرير أن الآية تعم ذلك كله؛ وهو كما قال. وقد روى الترمذي (١٧)، ..................................................

стр. 309

وابن ماجة، من رواية أبي عقيل - (عبد الله بن عقيل) (١)، عن عبد الله بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد، وعطية بن قيس، عن عطية السعدي؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتَّى يدع ما لا بأس به حذرًا (لما) (٢) به بأس". ثم قال الترمذي: "حسن غريب". وقال ابن أبي حاتم (٣): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبد الله بن عمران، حدّثنا إسحاق بن سليمان؛ يعني: الرازي، عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون أبي حمزة؛ قال: كنت جالسًا عند أبي وائل، فدخل علينا رجل يقال له: أبو عفيف من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف!، ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن، لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا للّه العبادة؛ فيمرون إلى الجنة. [ويطلق الهدى ويراد به (ما يقر في) (٤) القلب من الإيمان؛ وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله . قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] إلى غير ذلك من الآيات. ويطلق ويراد به بيان الحق، وتوضيحه والدلالة عليه، والإرشاد إليه؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد] على تفسير من قال: المراد بهما الخير والشر؛ وهو الأرجح. واللّه أعلم. وأصل التقوى التوقي مما يكره؛ لأن أصلها: "وقى" من الوقاية؛ قال النابغة (٥)] (٦): [سقط النصيف ولم ترد إساقطه … فتناولته واتقتنا باليد وقال (آخر) (٧)] (٨):

стр. 310

[فألقت قناعا دونه الشمس وأتقت … بأحسن موصولين كفٍّ ومعصم وقد قيل (١): إن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أُبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى. وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز؛ فقال: خل الذنوب صغيرها … وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أر … ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى وأنشد أبو الدرداء (٢) يومًا: يريد المرء أن يؤتى مناه … ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي … وتقوى الله أفضل ما استفادا] (٣) [وفي "سنن ابن ماجة" (٤)، عن أبي أُمامة ﵁؛ قال] (٢): [قال رسول الله ﷺ : "ما استفاد المرء بعد تقوى الله (خيرًا) (٥) (له) (٦) من زوجة صالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله"] (٧).

стр. 311

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. قال أبو جعفر (١) الرازي، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله؛ قال: الإيمان: التصديق. وقال علي (٢) بن أبي طلحة وغيره، عن ابن عباس ﵄: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدقون. وقال معمر (٣)، عن الزهري: الإيمان: العمل. وقال أبو جعفر (٤) الرازي، عن الربيع بن أنس: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يخشون. قال ابن جرير (٥) (وغيره) (٦): والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولًا واعتقادًا وعملًا؛ (قال) (٦) وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل. والإيمان كلمة جامعة (للإقرار) (٧) باللّه وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. قلت: أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] وكذلك إذا استعمل مقرونًا مع الأعمال؛ كقوله (تعالى) (٨): ﴿(إلَّا) (٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٣] فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولًا وعملًا. هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة؛ بل قد حكاه الشافعي، وأحمد بن حنبل، (وأبو عبيد) (١٠)، وغير واحد إجماعًا: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أفردنا الكلام فيها في أول "شرح البخاري"؛ وللّه الحمد والمنة. ومنهم من فسره بالخشية؛ (لقوله) (١١) تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الملك: ١٢] وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾ [ق: ٣٣]. والخشية: خلاصة الإيمان والعلم؛ كما قال (تعالى) (١٢): ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. [وقال بعضهم: يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة، وليسوا كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ [البقرة: ١٤] وقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١] فعلى هذا يكون قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٣)

стр. 312

[﴿بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ حالًا؛ أي: في حال كونهم غيبًا عن الناس] (١). وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه؛ وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد: قال أبو جعفر (٢) الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قال: يؤمنون باللّه وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره، ولقائه؛ ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله. وكذا قال قتادة (٣) بن دعامة. وقال السدي (٤)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ : أما الغيب: فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار، وما ذكر في القرآن. وقال محمد بن (٥) إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ - قال: بما جاء منه -؛ يعنى: من الله تعالى. وقال سفيان (٦) الثوري، عن عاصم، عن زر؛ قال: الغيب: القرآن. وقال عطاء بن (٧) أبي رباح: من آمن باللّه فقد آمن بالغيب. وقال إسماعيل (٨) بن أبي خالد: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، قال: بغيب الإسلام. وقال زيد بن (٩) أسلم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، قال: بالقدر؛ فكل هذه متقاربة في معنًى واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به. وقال سعيد بن منصور (١٠): حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن (يزيد) (١١)؛ قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحاب النَّبِيّ ﷺ

стр. 313

وما (سبقوا) (١) به؛ فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بيّنًا لمن رآه؛ والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب؛ ثم قرأ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب … ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم في "مستدركه" من طرق، عن الأعمش، به. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وفي معنى هذا: الحديث الذي رواه (الإمام) (٢) أحمد (٣): حَدَّثَنَا أبو المغيرة، حَدَّثَنَا الأوزاعي، حدثني (أسيد) (٤) بن عبد الرحمن، عن خالد بن دريك، عن ابن محيريز؛ قال: قلت لأبي جمعة: حَدَّثَنَا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ . قال: نعم، أحدثك حديثًا جيدًا: تغدينا مع رسول الله ﷺ ، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح؛ فقال: يا رسول الله؛ (أحد) (٥) خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك! قال: "نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني". طريق أخرى: قال أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" (٦): حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا إسماعيل (بن) (٧) عبد الله بن مسعود، حَدَّثَنَا عبد الله بن صالح، حَدَّثَنَا معاوية بن صالح، عن صالح بن جبير؛ قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ببيت المقدس

стр. 314

(ليصلي) (١) فيه، ومعنا يومئذٍ رجاء بن (حيوة) (٢) (﵁) (٣)؛ فلما انصرف خرجنا نشيعه؛ فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزةً وحقًا أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ . قلنا: هات رحمكَ الله. قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول الله، هل من قوم أعظم منا أجرًا؟ آمنا باللّه واتبعناك. قال: "ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحى من السماء؛ بل قوم (من) (٤) بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به، ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا" - مرتين. ثم رواه من حديث (٥) ضمرة بن ربيعة، عن مرزوق بن نافع، عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة، بنحوه. وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث، كما قررته في أول "شرح البخاري"؛ لأنَّهُ مدحهم على ذلك، وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقًا. وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة (٦) العبدي، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ قال: قال رسول الله ﷺ : أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟ قالوا: الملائكة. قال: وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم! قالوا: فالنبيون. قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم! قالوا: فنحن. قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قال: فقال رسول اللّه ﷺ : "ألا إن أعجب الخلق إليَّ إيمانًا لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها". قال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث. قلت: ولكن قد روى أبو يعلى في "مسنده" (٧)، وابن مردويه في "تفسيره"؛ والحاكم في

стр. 315

"مستدركه"، من حديث محمد بن أبي حميد - وفيه ضعف - عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ بمثله أو نحوه. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد. ولم يخرجاه". وقد روى نحوه (١) عن أنس بن مالك - مرفوعًا. واللّه أعلم. وقال ابن أبي (٢) حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد المسندي، حَدَّثَنَا إسحاق بن

стр. 316

إدريس، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري، أخبرني جعفر بن محمود، عن جدته (نويلة) (١) بنت أسلم؛ قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن (مستقبلوا) (٢) البيت الحرام. قال إبراهيم: فحدثني رجال من بني حارثة أن رسول الله ﷺ حين بلغه ذلك قال: "أولئك قوم آمنوا بالغيب". هذا حديث غريب من هذا الوجه. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾. قال ابن عَبَّاس: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أي: يقيمون الصلاة بفروضها (٣). وقال الضحاك، عن ابن عباس: (إقامة) (٤) الصلاة: (إتمام) (٥) الركوع والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإقبال عليها فيها. وقال قتادة (٦): (إقامة) (٧) الصلاة: المحافظة على مواقيتها [ووضوئها، وركوعها وسجودها. وقال مقاتل (٨) بن حيان: إقامتها المحافظة على مواقيتها] (٩)، وإسباغ الطهور (فيها) (١٠)، وتمام

стр. 317

ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النَّبِيّ ﷺ ؛ فهذا إقامتها. وقال علي بن أبي (١) طلحة وغيره (٢)، عن ابن عباس: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: زكاة أموالهم. وقال السدي (٣)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: نفقة الرجل على أهله. وهذا قبل أن تنزل الزكاة. وقال جويبر (٤)، عن الضحاك: كانت النفقات (قربات) (٥) يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتَّى نزلت فرائض الصدقات: سبع آيات في سورة براءة مما يذكر فيهن الصدقات هن الناسخات المثبتات. وقال قتادة (٦): ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم يوشك أن تفارقها. واختار ابن جرير (٧) أن الآية عامة في الزكاة والنفقات؛ فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدين - زكاةً (كان) (٨) ذلك، أو نفقة من لزمته نفقته، من أهل (و) (٩) عيال وغيرهم ممن يجب عليهم نفقته بالقرابة والملك، وغير ذلك؛ لأن الله تعالى عم وصفهم، ومدحهم بذلك. وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه. قلت: كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال؛ فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده، والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه. والإنفاق: هو من الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك، ثم الأجانب؛ فكل من النفقات الواجبة، والزكاة المفروضة، داخل في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. ولهذا ثبت في "الصحيحين" (١٠)، عن ابن عمر (﵄) (١١): أن رسول الله ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت". والأحاديث في هذا كثيرة.

стр. 318

وأصل الصلاة في كلام العرب: الدعاء؛ قال الأعشى (١): لها حارس لا يبرح الدهر بيتها … وإن ذبحت صلى عليها وزمزما وقال أيضًا (١): وقابلها الريح في دنها … وصلى على دنِّها وارتسم (٢) أنشدهما ابن جرير مستشهدًا على ذلك. وقال الآخر، وهو الأعشى أيضًا (١): تقول بنتي وقد قربت مرتحلًا … يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضى … نومًا فإن لجنب المرء مضطجعا يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وهذا ظاهر. ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها وأنواعها المشهورة. قال ابن جرير (٣): (وأرى) (٤) أن الصلاة (المفروضة) (٥) سميت صلاة لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه (فيها) (٦) من حاجته (٧). [وقيل: هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع والسجود، وهما عرقان (يمتدان) (٨) من الظهر حتَّى يكتنفا عجب الذنب. ومنه سمي المصلي، وهو (التالي) (٩) للسابق في حلبة الخيل. وفيه نظر. وقيل: هي مشتقة من "الصِلي"، وهو الملازمة للشيء، من قوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾ [الليل: ١٥] أي: لا يلزمها ويدوم فيها، ﴿إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]. وقيل: مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوَّم، كما أن المصلي يقوِّم عوجه بالصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر. واللّه أعلم] (١٠). وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه إن شاء الله (تعالى) (١١).

стр. 319

﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾. قال ابن (١) عباس: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: (يصدقونك) (٢) بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم. ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: بالبعث والقيامة، والجنة والنار، والحساب والميزان، وإنما سميت الآخرة؛ لأنها بعد الدنيا. وقد اختلف المفسرون في الموصوفين هنا، هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣] ومن هم؟ على ثلاثة أقوالٍ حكاها ابن جرير (٣): أحدها: أن الموصوفين أولًا هو الموصوفون ثانيًا، وهم كل مؤمن؛ مؤمنوا العرب و (مؤمنو) (٤) أهل الكتاب وغيرهم؛ قاله مجاهد، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة. والثاني: هما واحد، وهم مؤمنو أهل الكتاب. وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات، كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥)﴾ [الأعلى] وكما قال الشاعر (٥): إلى الملك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم فعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد. والثالث: أن الموصوفِين أولًا مؤمنو العرب، والموصوفون ثانيًا بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ (مؤمنوا) (٦) أهل الكتاب. نقله السدي (٧) في "تفسيره" عن ابن عباس، وابن مسعود، وأناس من الصحابة. واختاره ابن جرير (﵀) (٨)، ويستشهد لما قال بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ … ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩]. وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾ [القصص] وبما ثبت في "الصحيحين" (٩) من حديث الشعبي، عن أبي

стр. 320

بُردة، عن أبي موسى - أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بي. ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه. ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها". وأما ابن جرير (١) فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله (تعالى) (٢) وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين: (منافق، وكافر) (٣)، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى صنفين: عربي، وكتابي. قلت: والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري (٤)، عن رجل، عن مجاهد. ورواه غير (٥) واحد عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد - أنه قال: أربع آيات من (أول) (٦) سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، (وثلاث عشرة) (٧) في المنافقين؛ فهذه الآيات الأربع عامات في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي وكتابي من إنسي وجني، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى؛ بل كل واحدة مستلزمة للأخرى، وشرط معها؛ فلا يصح الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول ( ﷺ ) (٨)، وما جاء به من قبله من الرسل (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) (٩) والإيقان بالآخرة؛ كما أن هذا لا يصح إلا (بهذاك) (١٠). وقد أمر الله المؤمنين بذلك، كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [النساء: ١٣٦] وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ … ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٦] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]. وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك؛ فقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقال (تعالى) (١١): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] إلى غير ذلك من
следующие страницы →