← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

إدريس، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري، أخبرني جعفر بن محمود، عن جدته (نويلة) (١) بنت أسلم؛ قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن (مستقبلوا) (٢) البيت الحرام. قال إبراهيم: فحدثني رجال من بني حارثة أن رسول الله ﷺ حين بلغه ذلك قال: "أولئك قوم آمنوا بالغيب". هذا حديث غريب من هذا الوجه. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾. قال ابن عَبَّاس: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أي: يقيمون الصلاة بفروضها (٣). وقال الضحاك، عن ابن عباس: (إقامة) (٤) الصلاة: (إتمام) (٥) الركوع والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإقبال عليها فيها. وقال قتادة (٦): (إقامة) (٧) الصلاة: المحافظة على مواقيتها [ووضوئها، وركوعها وسجودها. وقال مقاتل (٨) بن حيان: إقامتها المحافظة على مواقيتها] (٩)، وإسباغ الطهور (فيها) (١٠)، وتمام

стр. 317

ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النَّبِيّ ﷺ ؛ فهذا إقامتها. وقال علي بن أبي (١) طلحة وغيره (٢)، عن ابن عباس: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: زكاة أموالهم. وقال السدي (٣)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: نفقة الرجل على أهله. وهذا قبل أن تنزل الزكاة. وقال جويبر (٤)، عن الضحاك: كانت النفقات (قربات) (٥) يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتَّى نزلت فرائض الصدقات: سبع آيات في سورة براءة مما يذكر فيهن الصدقات هن الناسخات المثبتات. وقال قتادة (٦): ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم يوشك أن تفارقها. واختار ابن جرير (٧) أن الآية عامة في الزكاة والنفقات؛ فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدين - زكاةً (كان) (٨) ذلك، أو نفقة من لزمته نفقته، من أهل (و) (٩) عيال وغيرهم ممن يجب عليهم نفقته بالقرابة والملك، وغير ذلك؛ لأن الله تعالى عم وصفهم، ومدحهم بذلك. وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه. قلت: كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال؛ فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده، والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه. والإنفاق: هو من الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك، ثم الأجانب؛ فكل من النفقات الواجبة، والزكاة المفروضة، داخل في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. ولهذا ثبت في "الصحيحين" (١٠)، عن ابن عمر (﵄) (١١): أن رسول الله ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت". والأحاديث في هذا كثيرة.

стр. 318

وأصل الصلاة في كلام العرب: الدعاء؛ قال الأعشى (١): لها حارس لا يبرح الدهر بيتها … وإن ذبحت صلى عليها وزمزما وقال أيضًا (١): وقابلها الريح في دنها … وصلى على دنِّها وارتسم (٢) أنشدهما ابن جرير مستشهدًا على ذلك. وقال الآخر، وهو الأعشى أيضًا (١): تقول بنتي وقد قربت مرتحلًا … يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضى … نومًا فإن لجنب المرء مضطجعا يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وهذا ظاهر. ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها وأنواعها المشهورة. قال ابن جرير (٣): (وأرى) (٤) أن الصلاة (المفروضة) (٥) سميت صلاة لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه (فيها) (٦) من حاجته (٧). [وقيل: هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع والسجود، وهما عرقان (يمتدان) (٨) من الظهر حتَّى يكتنفا عجب الذنب. ومنه سمي المصلي، وهو (التالي) (٩) للسابق في حلبة الخيل. وفيه نظر. وقيل: هي مشتقة من "الصِلي"، وهو الملازمة للشيء، من قوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾ [الليل: ١٥] أي: لا يلزمها ويدوم فيها، ﴿إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]. وقيل: مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوَّم، كما أن المصلي يقوِّم عوجه بالصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر. واللّه أعلم] (١٠). وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه إن شاء الله (تعالى) (١١).

стр. 319

﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾. قال ابن (١) عباس: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: (يصدقونك) (٢) بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم. ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: بالبعث والقيامة، والجنة والنار، والحساب والميزان، وإنما سميت الآخرة؛ لأنها بعد الدنيا. وقد اختلف المفسرون في الموصوفين هنا، هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣] ومن هم؟ على ثلاثة أقوالٍ حكاها ابن جرير (٣): أحدها: أن الموصوفين أولًا هو الموصوفون ثانيًا، وهم كل مؤمن؛ مؤمنوا العرب و (مؤمنو) (٤) أهل الكتاب وغيرهم؛ قاله مجاهد، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة. والثاني: هما واحد، وهم مؤمنو أهل الكتاب. وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات، كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥)﴾ [الأعلى] وكما قال الشاعر (٥): إلى الملك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم فعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد. والثالث: أن الموصوفِين أولًا مؤمنو العرب، والموصوفون ثانيًا بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ (مؤمنوا) (٦) أهل الكتاب. نقله السدي (٧) في "تفسيره" عن ابن عباس، وابن مسعود، وأناس من الصحابة. واختاره ابن جرير (﵀) (٨)، ويستشهد لما قال بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ … ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩]. وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾ [القصص] وبما ثبت في "الصحيحين" (٩) من حديث الشعبي، عن أبي

стр. 320

بُردة، عن أبي موسى - أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بي. ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه. ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها". وأما ابن جرير (١) فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله (تعالى) (٢) وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين: (منافق، وكافر) (٣)، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى صنفين: عربي، وكتابي. قلت: والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري (٤)، عن رجل، عن مجاهد. ورواه غير (٥) واحد عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد - أنه قال: أربع آيات من (أول) (٦) سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، (وثلاث عشرة) (٧) في المنافقين؛ فهذه الآيات الأربع عامات في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي وكتابي من إنسي وجني، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى؛ بل كل واحدة مستلزمة للأخرى، وشرط معها؛ فلا يصح الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول ( ﷺ ) (٨)، وما جاء به من قبله من الرسل (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) (٩) والإيقان بالآخرة؛ كما أن هذا لا يصح إلا (بهذاك) (١٠). وقد أمر الله المؤمنين بذلك، كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [النساء: ١٣٦] وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ … ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٦] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]. وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك؛ فقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقال (تعالى) (١١): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] إلى غير ذلك من

стр. 321

الآيات الدالة على أمر جميع المؤمنين بالإيمان باللّه ورسوله وكتبه، لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية؛ وذلك أنهم يؤمنون بما بأيديهم مفصلًا؛ فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلًا كان لهم على ذلك الأجر مرتين. وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان بما تقدم مجملًا، كما جاء في "الصحيح" (١): "إذا حدثكم أهل الكتاب (فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) ولكن قولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ". ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد ﷺ أتم وأكمل، وأعمَّ وأشمل، من إيمان من دخل منهم في الإسلام؛ فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية، فغيرهم (قد) (٢) يحصل له من التصديق ما ينيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم. واللّه أعلم. ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾. يقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق من الذي رزقهم الله، والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل، والإيقان بالدار الآخرة؛ وهو (يستلزم) (٣) الاستعداد لها من (العمل بالصالحات) (٤) وترك المحرمات. ﴿عَلَى هُدًى﴾ أي: على نور وبيان وبصيرة من الله تعالى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة. وقال محمد بن إسحاق (٥)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم (به) (٦)؛ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا. وقال ابن جرير (٧): وأما معنى قوله (تعالى) (٨): ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾. فإن معنى ذلك أنهم على نور من ربهم، وبرهان واستقامة، وسداد (بتسديد الله) (٩) إياهم، وتوفيقه لهم. وتأويل قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: المنجحون، المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم، وإيمانهم باللّه وكتبه ورسله من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب. وقد حكى ابن جرير (١٠) قولًا عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى

стр. 322

هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله (تعالى (١): ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ … ﴾ [البقرة: ٤] (الآية) (٢)، [على ما تقدم من الخلاف. وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾] (٣). منقطعًا مما قبله، وأن يكون مرفوعًا على الابتداء وخبره ﴿[أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾] (٤) وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ واختار أنه عائد إلى جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب، لما رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ . أما الذين يؤمنون بالغيب فهم المؤمنون من العرب، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين: فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة (المؤمنين) (٥) عامةً والإشارة عائدة عليهم. واللّه أعلم. وقد نقل (هذا) (٦) عن مجاهد، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة؛ ﵏. وقال ابن أبي (٧) حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن (أبي الهيثم) (٨) - واسمه سليمان بن (عبد) (٩)، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبِيّ ﷺ ؛ وقيل له: يا رسول الله، إنا نقرأ من القرآن فنرجوا، ونقرأ (من القرآن) (١٠) فنكاد أن نيأس، أو كما قال. قال: "أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) … ﴾ " إلى قوله تعالى: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ هؤلاء أهل الجنة. قالوا: إنا نرجوا أن نكون هؤلاء، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ … ﴾ [البقرة: ٦] إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] هؤلاء أهل النار. قالوا: لسنا هم يا رسول الله؟ قال: أجل" (١١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: غطوا (الحق) (١٢) وستروه، وقد كتب الله تعالى عليهم

стр. 323

ذلك، سواء عليهم إنذارك وعدمه؛ فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس] وقال تعالى في حق المعاندين من أهل الكتاب: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ … ﴾ الآية [البقرة: ١٤٥] أي: إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مسعد له، ومن أضله فلا هادي له؛ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبلغهم الرسالة، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر، ومن تولى فلا تحزن عليهم، (ولا يهمدنك) (١) ذلك؛ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: ١٢]. وقال علي بن أبي (٢) طلحة، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى؛ فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول. وقال محمد بن (٣) إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة - أو سعيد بن جبير -، عن ابن عباس ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، وقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا، وقد كفروا بما عندهم من علمك؟ وقال أبو جعفر (٤) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩]. والمعنى الذي ذكرناه أولًا، وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة أظهر، (ويفسره (٥) بقية) الآيات التي في معناها. والله أعلم. وقد ذكر ابن أبي حاتم (٦) هاهنا حديثًا؛ فقال: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان بن صالح

стр. 324

المصري، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن أبي الهيثم، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قيل: يا رسول الله؛ إنا نقرأ من القرآن فنرجوا؛ ونقرأ فنكاد أن نيأس؛ فقال: "ألا أخبركم"؟ ثم قال: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ هؤلاء أهل النار". قالوا: لسنا (هم) (١) يا رسول الله. قال: "أجل" (٢). (٣) [وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ أي: هم كفار في كلا الحالين؛ فلهذا أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ويحتمل أن يكون "لا يؤمنون" خبرًا؛ لأن تقديره إن الذين كفروا لا يؤمنون، ويكون قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ جملةً معترضةً. واللّه أعلم] (٣). ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾. قال السدي (٤): ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ أي: طبع الله. وقال قتادة في هذا الآية: استحوذ عليهم الشيطان؛ إذ أطاعوه، فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة؛ فهم لا يبصرون هدًى، ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون (٥). وقال ابن جريج (٦): قال مجاهد: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال (الطبع) (٧) ثبتت الذنوب على القلب، فحفت به من كل نواحيه حتَّى تلتقى عليه، فالتقاؤها عليه: الطبع. والطبع: الختم. قال ابن جريج (٨): الختم على القلب والسمع. قال ابن جريج (٩): وحدثني عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدًا يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد (من) (١٠) ذلك كله. وقال الأعمش (١١): أرانا مجاهد بيده؛ فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذه - يعني: الكف، فإذا أذنب العبد ذنبًا ضم منه، وقال بإصبعه الخنصر هكذا، فماذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى، فإذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى هكذا، حتَّى ضم أصابعه كلها، قال: ثم يطبع عليه بطابع. وقال مجاهد: كانوا يرون أن ذلك الرين. ورواه ابن جرير (١٢)، عن أبي كريب، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، بنحوه.

стр. 325

قال ابن جرير (١): وقال بعضهم: إنما معنى قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ إخبار من الله عن تكبرهم، وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق؛ كما يقال: إن فلانًا (لأصم) (٢) عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهمه تكبرًا؛ قال: وهذا يصح؛ لأن الله (تعالى) (٣) قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم. [قلت: وقد أطنب الزمخشري (٤) في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا، وتأول الآية من خمسة أوجه؛ وكلها ضعيفة جدًّا، وما (حداه) (٥) على ذلك إلا اعتزاله؛ لأن الختم على قلوبهم ومنعها عن وصول الحق إليها قبيح عنده، يتعالى الله عنه في اعتقاده؛ ولو فهم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠] وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقًا على تماديهم في الباطل، وتركهم الحق؛ وهذا عدل منه تعالى حسن، وليس بقبيح، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال واللّه أعلم. قال القرطبي (٦): وأجمعت الأمة على أن الله (تعالى) (٧) قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاةً لكفرهم، كما] (٨) [قال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] وذكر حديث تقليب القلوب (٩)، و"يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك" (١٠)] (١١).

стр. 326

[وذكر حديث حذيفة الذي في "الصحيح" (١) عن رسول الله ﷺ ؛ قال: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا؛ فأي قلب أُشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتَّى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا … " الحديث] (٢). قال (ابن جرير) (٣): والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله ﷺ ؛ وهو ما حدّثنا به محمد بن بشار، حَدَّثَنَا صفوان بن عيسى، حَدَّثَنَا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب ونزع (واستغفر) (٤) صقل قلبه، وإن زاد زادت حتَّى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]. وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي، والنسائي، عن قتيبة (عن) (٥) الليث بن سعد؛ وابن ماجة، عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، والوليد بن مسلم، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان، به. وقال الترمذي: " (حديث) (٦) حسن صحيح". ثم قال ابن جرير (٧): فأخبر (رسول الله) (٨) ﷺ أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل الله تعالى والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا

стр. 327

للكفر (منها) (١) مخلص؛ فذلك هو الختم والطبع (٢) [الذي (ذكره الله في قوله) (٣): ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (وَعَلَى سَمْعِهِمْ)﴾ (٤) نظير الختم والطبع] (٢) على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا (بفض) (٥) ذلك عنها ثم حلها؛ فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد (فضه) (٦) خاتمه وحله رباطه (عنها) (٧). واعلم أن الْوَقْف التام على قوله (تعالى) (٨): ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ جملة تامة؛ فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة - وهي الغطاء - تكون على البصر، كما قال السدي في "تفسيره" (٩)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ يقول: فلا يعقلون ولا يسمعون. ويقول: "وجعل على أبصارهم غشاوة" يقول: على أعينهم فلا يبصرون. وقال ابن جرير (١٠): حدثني محمد بن سعد، حَدَّثَنَا أبي، حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، والغشاوة على أبصارهم. قال (١١): وحدثنا القاسم، حَدَّثَنَا الحسين: يعني: ابن داود، وهو سُنيد، حدثني حجاج، وهو ابن محمد الأعور، حدثني (ابن) (١٢) جريج؛ قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] وقال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]. قال ابن جرير: (ومن) (١٢) نُصِبَ "غشاوةً" من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل؛ تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوةً. ويحتمل أن يكون نصبها على الاتباع على محل ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة: ٢٢]. وقول الشاعر: (علفتها) (١٣) تبنًا وماء باردًا … حتَّى شتت همالةً عيناها وقال الآخر (١٤):

стр. 328

ورأيت زوجك في الوغى … متقلدًا سيفًا ورمحا تقديره: وسقيتها ماءً باردًا. ومعتقلًا رمحًا. لما تقدم وصفُ المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين بهاتين الآيتين - شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر. ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة؛ كل منها نفاق، كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور تعريفًا لأحوالهم لتجتنب ويجتنب من تلبس بها أيضًا؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾. النفاق: هو إظهار الخير، وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي؛ وهو الذي يخلد صاحبه في النار. وعملي؛ وهو من أكبر الذنوب، كما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله (تعالى) (١). وهذا كما قال (ابن جريج) (٢): المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه (٣). وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق؛ بل كان خلافه؛ من الناس من كان يظهر الكفر مستكرهًا وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع حلفاء الخزرج؛ وبنو النضير وبنو قريظة حلفاء الأوس. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقلَّ من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام ﵁، ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضًا؛ لأنَّهُ لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف؛ بل قد كان عليه (الصلاة) (٤) والسلام وادع اليهود وقبائل كثيرةً من أحياء العرب حوالي المدينة؛ فلما كانت وقعة بدر العظمى، وأظهر الله كلمته، (وأعلا) (٥) الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أُبي بن سلول - وكان رأسًا في المدينة، وهو من الخزرج، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا أن يملكوه عليهم، فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه؛ فبقي في نفسه من الإسلام وأهله. فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر قد توجه؛ فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته، وآخرون من أهل الكتاب؛ فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب. فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد (نافق) (٦) (لأنه لم يكن أحد) (٧) يهاجر مكرهًا، بل يهاجر

стр. 329

(فيترك) (١) ماله وولده وأرضه رغبةً فيما عند الله في الدار الآخرة. قال محمد بن إسحاق (٢): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ يعني: المنافقين من الأوس والخزرج، ومن كان على أمرهم. وكذا فسرها بالمنافقين (من الأوس والخزرج) (٣) أبو العالية والحسن، وقتادة، والسدي؛ ولهذا نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر؛ وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ أي: يقولون ذلك قولًا ليس وراءه شيء آخر كما قال (تعالى) (٤): ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) (٥)﴾ [المنافقون: ١] أي: إنما يقولون ذلك إذا جاءوك فقط لا في نفس الأمر؛ ولهذا يؤكدون في الشهادة بـ"إن" ولام التأكيد في خبرها، كما أكدوا (قولهم) (٦): قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وليس الأمر كذلك، كما (أكذبهم) (٧) الله في شهادتهم، وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وبقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه، كما قد يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾ [المجادلة: ١٨]. ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: ﴿وَمَا (يَخْدَعُونَ) (٨) إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. (٩) [يقول: وما يغرون بصنيعهم هذا، ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون] (٩) بذلك من أنفسهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ومن (١٠) القراء من قرأ ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ وكلتا القراءتين ترجع إلى معنًى واحد. قال ابن جرير (١١): فإن قال قائل: كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعًا، وهو لا يظهر

стр. 330

بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقيةً؟ قيل: لا تمنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف مخادعًا، فكذلك المنافق سمي مخادعًا للّه وللمؤمنين بإظهار ما ظهره بلسانه تقية بما يخلص به من القتل (والسباء) (١) والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهره مستبطن؛ وذلك من فعله فين كان خداعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا، فهو لنفسه بذلك من فعله خادع؛ لأنَّهُ يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها، ويسقيها كأس سرورها، وهو (مُوردها) (٢) حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها، (ومُزيرها) (٣) من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به؛ فذلك خديعته نفسه ظنًّا منه، مع إساءته إليها في أمر معادها، أنه إليها محسن؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ إعلامًا منه عباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم، في إسخاطهم عليها ربهم، بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم على (عمياء) (٤) من أمرهم مقيمون. ومقال ابن أبي (٥) حاتم: أنبأنا علي بن المبارك فيما كتب إلي، حَدَّثَنَا زيد بن المبارك، حَدَّثَنَا محمد بن ثور، عن ابن جريج - في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ - قال: يظهرون لا إله إلا الله، يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك. وقال سعيد (٦)، عن قتادة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ نعت المنافق عند كثير: خنع الأخلاق، يصدق بلسانه، وينكر بقلبه، ويخالف بعمله، يصبح على حال، ويمسي على غيره، ويمسي على حال، ويصبح على غيره، ويتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح (هب) (٧) معها. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾. قال السدي (٨)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب (النَّبِيّ) (٩) ﷺ في هذه الآية: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال: شكَّ، ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ قال: شكًّا. وقال ابن إسحاق (١٠)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ - قال: شكّ.

стр. 331

وكذلك قال مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة. وعن عكرمة، وطاوس: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: الرياء. وقال الضحاك (١)، عن ابن عباس: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ - قال: نفاق. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ - قال: نفاقًا. وهذا كالأول. وقال عبد الرحمن (٢) بن زيد بن أسلم: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال: هذا مرض في الدين، وليس مرضًا في الأجساد؛ وهم المنافقون. والمرض: الشكُّ الذي دخلهم في الإسلام. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ قال: زادهم رجسًا؛ وقرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥] قال: شرًّا إلى شرهم، وضلالةً إلى ضلالتهم. وهذا الذي قاله عبد الرحمن ﵀ حسن، وهو الجزاء من جنس العمل. وكذلك قاله الأولون؛ وهو نظير قوله تعالى أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧]. [وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وقرئ (٣) "يُكذِّبون". وقد كانوا متصفين بهذا وهذا؛ فإنهم كانوا كذبة ويكذبون (بالحق) (٤)، يجمعون بين هذا وهذا. وقد سئل القرطبي (٥) وغيره من المفسرين عن حكمة كفه عليه (الصلاة) (٦) والسلام [عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم، وذكروا أجوبةً عن ذلك؛ منها ما ثبت في "الصحيحين"] (٧) أنه] (٨) [( ﷺ ) (٩) قال لعمر ﵁: "أكره (١٠) أن يتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه". ومعنى هذا خشية (أن يقع) (١١) بسبب ذلك (تنفير) (١٢) لكثير من] (١٣). [الأعراب عن الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر؛ فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم فيقولون: إن محمدًا يقتل أصحابه] (١٤).

стр. 332

[قال القرطبي (١): وهذا قول علمائنا وغيرهم، كما كان يعطي المؤلفة (قلوبهم) (٢) مع علمه (بسوء) (٣) اعتقادهم. قال ابن عطية (٤): وهي طريقة أصحاب مالك، نص عليه محمد بن الجهم، والقاضي إسماعيل، (و) (٥) الأبهري (و) (٦) ابن الماجشون] (٧). [ومنها: ما قال مالك (﵀) (٨): إنما كف رسول الله ﷺ عن المنافقين (ليسُن) (٩) لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه. قال القرطبي (١٠): وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه وإن اختلفوا في سائر الأحكام] (١١). [قال (١٢): ومنها ما قال الشافعي: إنما منع رسول الله ﷺ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يجب ما قبله. ويؤيد هذا قوله عليه (الصلاة) (١٣) والسلام في الحديث المجمع على صحته في "الصحيحين" (١٤) وغيرهما: "أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إلا الله، فماذا قالوها عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ". ومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرًا؛ فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه في الآخرة) (١٥) جريان الحكم عليه في الدنيا، وكونه كان خليط أهل الإيمان: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الآية [الحديد: ١٤] (١٦). [فهم يخالطونهم في بعض المحشر، فإذا حقّت المحقوقية تميزوا منهم، وتخلفوا بعدهم، وحيل بينهم وبينهم، ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم، كما نطقت بذلك الأحاديث (١٧)] (١٨). ومنها ما قاله بعضهم: إنه إنما لم يقتلهم؛ لأنَّهُ كان (لا يخاف) (١٩) من شرهم مع وجوده ﷺ بين أظهرهم، يتلو عليهم آيات الله مبينات، فأما بعده فيُقتلون إذا أظهروا النفاق، وعلمه

стр. 333

[المسلمون؛ قال مالك: المنافق في عهد رسول الله ﷺ هو الزنديق اليوم. قلت: وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر؛ هل يستتاب أم لا؟ أو يفرق بين أن يكون داعيةً أم لا؟ أو يتكرر منه ارتداده أم لا؟ أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه، أو بعد أن ظهر عليه؟ على أقوال متعددة، موضع بسطها وتقريرها وعزوها "كتاب الأحكام". تنبيه: قول من قال: كان عليه (الصلاة) (١) والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث (٢) حذيفة بن اليمان في تسمية] (٣). [أولئك الأربعة عشر منافقًا في غزوة تبوك الذين هموا أن يفتكوا برسول الله ﷺ في ظلماء الليل عند عقبة (هنالك) (٤) عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها؛ فأوحى (الله) (٥) إليه أمرهم (وأطلع) (٦) على ذلك حذيفة. ولعلَّ الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها. واللّه أعلم. فأما غير هؤلاء فقد قال الله (تعالى) (٥): ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]. وقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦٠، ٦١] ففيها دليل على أنه لم يغر بهم، ولم (يدل) (٧) على أعيانهم؛ وإنما كان يذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]. وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أُبي بن سلول، وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين، ومع هذا] (٣). [لما مات صلى عليه رسول الله ﷺ وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين وقد عاتبه عمر بن الخطاب (﵁) (٨) فيه، فقال: "إني أكره أن تتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه" (٩). وفي رواية في "الصحيح" (١٠): "إني خيرت فاخترت". وفي رواية (١٠): "لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت"] (١١).

стр. 334

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾. قال السدي في "تفسيره" (١)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الطيب (الهمداني) (٢)، عن ابن مسعود، وعن أنس من أصحاب النَّبِيّ ﷺ : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ (قال: هم المنافقون) (٣). أما ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: الفساد هو الكفر، والعمل بالمعصية. وقال أبو جعفر (٤)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: يعني لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنَّهُ من عصى الله في الأرض، (أو) (٥) (بمعصية الله) (٦)، فقد أفسد في الأرض لأنَّ صلاح الأرض والسماء بالطاعة. وهكذا (٧) قال الربيع بن أنس، وقتادة. وقال ابن (٨) جريج، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن (على الهدى) (٩) مصلحون. و (قد) (١٠) قال وكيع، وعيسى بن يونس، وعثام بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن سلمان الفارسي (١١): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ قال سلمان: لم يجئ أهل هذه (الآية) (١٢) بعد. وقال ابن جرير (١٣): حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي، عن الأعمش، عن زيد بن وهب وغيره، عن سلمان (الفارسي) (١٤) في هذه الآية، قال: ما جاء هؤلاء.

стр. 335

قال ابن جرير: يحتمل أن سلمان (﵁) (١) أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادًا من الذين كانوا في زمن النَّبِيّ ﷺ ، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد. قال ابن جرير (٢): فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذي لا يقبل من أحد (عملًا) (٣) إلا بالتصديق به، والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب باللّه وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا؛ فذلك إفساد المنافقين في (الأرض) (٤)، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها. وهذا الذي قاله حسن؛ فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء؛ كما قال تعالى: (﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال: ٧٣] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ [النساء: ١٤٤]. ثم قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء] فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكان الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنَّهُ هو الذي غرَّ المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له؛ ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على (حاله الأول) (٥) لكان شره أخف، ولو أخلص العمل للّه وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ أي: نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين؛ ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء؛ كما قال محمد (٦) بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ أي: إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه، ويزعمون أنه إصلاح، هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادًا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾. يقول تعالى: وإذا قيل للمنافقين: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ أي: كإيمان الناس باللّه وملائكته،

стр. 336

وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وغير ذلك مما أخبر (المؤمنون) (١) به وعنه؛ وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ يعنون - لعنهم الله -: أصحاب رسول الله ﷺ ﵃؛ قاله أبو العالية (٢)، والسدي في "تفسيره" (٣) بسنده عن ابن عباس، وابن مسعود، وغير واحد من الصحابة؛ وبه يقول الربيع بن (٤) أنس، وعبد الرحمن بن زيد (٥) بن أسلم، وغيرهم: يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة، وعلى طريقة واحدة، وهم سفهاء؟ والسفهاء: جمع سفيه كما أن الحكماء جمع حكيم، (والحلماء جمع حليم) (٦). والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار؛ ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله (تعالى) (٧): ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] قال عامة علماء (التفسير) (٨): هم النساء والصبيان. وقد تولى الله ( ) (جوابهم) (٩) في هذه المواطن كلها؛ فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ فأكد وحصر السفاهة فيهم. ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل؛ وذلك أردى لهم، وأبلغ في العمى والبعد عن الهدى. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾. يقول تعالى: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: ﴿آمَنُوا﴾ (أي) (١٠): أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقًا، ومصانعةً وتقيةً، وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ يعني: وإذا انصرفوا وذهبوا (وخلصوا) (١١) إلى شياطينهم، فضمن "خلوْا" معنى انصرفوا؛ لتعديته بـ"إلى"، ليدلَّ على الفعل المضمر، والفعل الملفوظ به. ومنهم من قال: "إلى" هنا بمعنى "مع". والأول أحسن. وعليه يدور كلام ابن جرير (١٢). وقال السدي (١٣)، عن أبي مالك: ﴿خَلَوْا﴾ يعني: مضوا. وشياطينهم: سادتهم وكبراؤهم ورؤساؤهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين.

стр. 337

قال السدي في "تفسيره" (١)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة (الهمداني) (٢)، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ : ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [يعني: هم رؤوسهم في الكفر] (٣). [وقال الضحاك (٤)، عن ابن عباس: وإذا خلوا إلى أصحابهم وهم شياطينهم] (٥). وقال محمد بن (٦) إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب، وخلاف ما جاء به الرسول ﷺ . وقال مجاهد (٧): ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين. وقال قتادة (٨): ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ قال: إلى رؤوسهم وقادتهم في الشرك والشر. وبنحو ذلك فسره أبو مالك، وأبو العالية، والسدي، والربيع بن أنس. قال ابن جرير: وشياطين كل شيء مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. وفي "المسند" (٩)، عن أبي ذرٍّ؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعوَّذ باللّه من شياطين الإنس والجن". فقلت: يا رسول الله، أو للإنس شياطين؟ قال: "نعم". وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ قال محمد بن إسحاق (١٠)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أي: إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم. وقال الضحاك (١١)، عن ابن عباس؛ قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ساخرون بأصحاب محمد ﷺ .

стр. 338

وكذلك قال الربيع (١) بن أنس، وقتادة. وقوله تعالى جوابًا لهم ومقابلةً على صنيعهم: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾. وقال ابن جرير (٢): أخبر تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة في قوله (تعالى) (٣): ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾ الآية [الحديد] وقوله (تعالى) (٣): ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ الآية [آل عمران: ١٧٨]. قال (٤): فهذا وما أشبهه من استهزاء الله تعالى ذكره، وسخريته ومكره، وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به، عند قائل هذا القول ومتأول هذا التأويل. قال (٥): وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه والكفر به. قال (٥): وقال آخرون: هذا وأمثاله على سبيل الجواب؛ كقول الرجل لمن يخدعه إذا ظفر به: أنا الذي خدعتك. ولم يكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذا صار الأمر إليه. قالوا: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران]، و ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على الجواب؛ واللّه لا يكون منه المكر ولا الهزء. والمعنى أن المكر والهزء حاق بهم. وقال آخرون: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] و ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وما أشبه ذلك، إخبار من الله تعالى أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، (ومعاقبهم) (٥) عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن (جزائه) (٦) إياهم، وعقابه لهم، مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٧) [الشورى: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] فالأول ظلم، والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظهما فقد اختلف معناهما. قال: وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك. قال (٨): وقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا: إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد ( ﷺ ) (٩) وما جاء به وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم مستهزئون؛ فأخبر تعالى أنه يستهزئ بهم، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا - يعني: من عصمة دمائهم وأموالهم - خلاف الذي لهم عنده في الآخرة؛ يعني: من العذاب والنكال.

стр. 339

ثم شرع ابن جرير (١) يوجه هذا القول وينصره، لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب (والعبث) (٢) (منتف) (٣) عن الله بالإجماع. وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك. قال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس (٤): حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا عثمان، حَدَّثَنَا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قال: يسخر بهم للنقمة منهم. وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال السدي (٥)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة (الهمداني) (٦)، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النَّبِيّ ﷺ : يمدهم: يملي لهم. وقال مجاهد (٧): يزيدهم. [وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦] وقال:] (٨) ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] قال بعضهم: كلما أحدثوا ذنبًا أحدث لهم نعمةً، وهي في الحقيقة نقمة. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ (٩) [الأنعام]. قال ابن (١٠) جرير: والصواب يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم؛ كما قال (تعالى) (١١): ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠]. والطغيان: هو المجاوزة في الشيء، كما قال (تعالى) (١٢): ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ [الحاقة: ١١]. وقال الضحاك (١٣)، عن ابن عباس: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في كفرهم يترددون. وكذا فسره السدي (١٤) بسنده عن الصحابة، وبه (١٥) يقول أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس، ومجاهد، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد: في كفرهم وضلالتهم.

стр. 340

قال ابن جرير (١): والعمه: الضلال، يقال: عَمِه فلان يعمه عمهًا وعموها، إذا ضل. قال: وقوله: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في ضلالتهم، وكفرهم الذي غمرهم دنسه، وعلاهم رجسه، يترددون حيارى ضُلالًا، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلًا؛ لأن الله (تعالى) (٢) قد طبع على قلوبهم، وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى، وأغشاها؛ فلا يبصرون رشدًا، ولا يهتدون سبيلًا. [وقال بعضهم: العمى في العين، والعمه في القلب؛ وقد يستعمل العمى في القلب أيضًا؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وتقول: عمه الرجل يعمه عموهًا فهو عمه وعامه، وجمعه عُمَّهٌ. وذهبت إبله (العمهى) (٣)؛ إذا لم يدر أين ذهبت] (٤). ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾. قال السُّدِيُّ في "تفسيره" (٥)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ قال: أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى. وقال (محمد) (٦) بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٧): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: الكفر بالإيمان. وقال مجاهد (٨): آمنوا ثم كفروا. وقال قتادة (٩): استحبوا الضلالة على الهدى. وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. وحاصل قول المفسرين فيما تقدم أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة؛ وهو معنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: بذلوا الهدى ثمنًا للضلالة. وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر؛ كما قال (تعالى) (١٠) فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣] وأنهم استحبوا

стр. 341

الضلالة على الهدى، كما (قد) (١) يكون حال فريق آخر منهم؛ فإنهم أنواع وأقسام؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي: ما ربحت (صفقتهم) (٢) في هذه البيعة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي: راشدين في صنيعهم ذلك. وقال ابن (٣) جرير: حدثنا (بشر) (٤)، حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة. وهكذا رواه ابن أبي حاتم (٥) من حديث يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة بمثله سواء. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾. [يقال: مثلي ومثل ومثيل أيضًا. والجمع أمثال؛ قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾] (٦) [العنكبوت: ٤٣]. (وتقرير) (٧) هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله، وانتفع بها، وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتأنس بها؛ فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدى؛ وهو مع (ذلك) (٨) أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصره؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد. وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا، ثم كفروا، كما أخبر (تعالى عنهم) (٩) في غير هذا الموضع. واللّه أعلم. [وقد حكى هذا الذي قلناه (فخر الدين) (١٠) الرازي في] (١١)) "تفسيره" عن السدي (١٢)؛ ثم قال: والتشبيه ها هنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولًا نورًا، ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك (النور) (١٣) فوقعوا في حيرة عظيمة؛ فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين] (١٤).

стр. 342

وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل ها هنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات؛ واحتج بقوله (تعالى) (١): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة]. والصواب أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم؛ وهذا لا ينفى أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك ثم سلبوه، وطبع على قلوبهم. ولم يستحضر ابن جرير (﵀) (١) هذه الآية ها هنا، وهي قوله تعالى: (﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣] فلهذا وجه هذا المثل بأنهم استضاءوا بما أظهروه من كلمة الإيمان؛ أي: في الدنيا؛ ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة. قال: وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: كدوران الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] [وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. وقال بعضهم: تقدير الكلام: مثل قصتهم (كقصة) (٢) (الذي استوقد) (٣) نارًا. وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون: "الذي" ها هنا بمعنى "الذين"، كما قال الشاعر (٤): وإن الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كل القوم يا أم خالد] (٥) قلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد إلى الجمع في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ وهذا أفصح في الكلام، وأبلغ في النظام. وقوله (تعالى) (٦): ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي: (أذهب) (٧) عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان. ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ لا يهتدون إلى (سبيل) (٨) خير، ولا يعرفونها، وهم مع ذلك ﴿صُمٌّ﴾ لا يسمعون خيرًا، ﴿بُكْمٌ﴾ لا يتكلمون بما ينفعهم، (﴿عُمْيٌ﴾) في ضلالة وعماية البصيرة؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ [الحج: ٤٦] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.

стр. 343

ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه: قال السدي في "تفسيره" (١)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة (الهمداني) (٢)، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة - في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ زعم أن ناسًا دخلوا في الإسلام مقدم نبي اللّه ﷺ المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد نارًا؛ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾ (٣) ما حوله من قذى أو أذًى، فأبصره حتَّى عرف ما يتقى (منها) (٤) فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقى من أذى (فكذلك) (٥) المنافق؛ كان في ظلمة الشرك، فأسلم، فعرف الحلال والحرام، والخير والشر؛ فبينما هو كذلك إذ كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر. [وقال العوفي، عن ابن عباس (٦)، في هذه الآية؛ قال: أما النور فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به. وأما الظلمة فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به؛ وهم قوم كانوا على هدًى ثم نزع منهم فعتوا بعد ذلك] (٧). وقال مجاهد (٨): ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى. وقال عطاء (٩) الخراساني - في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال: هذا مثل المنافق يبصر أحيانًا، وبعرف أحيانًا، ثم يدركه عمى القلب. وقال ابن أبي حاتم: وروى عن عكرمة، والحسن، والسدي، والربيع (١٠) بن أنس، نحو قول عطاء الخراساني. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١١) - في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا … ﴾ إلى آخر الآية؛ قال (١٢): هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتَّى أضاء الإيمان في قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا (﴿نَارًا﴾) (١٣)، ثم كفروا، فذهب الله بنورهم، فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون.

стр. 344

وأما قول ابن جرير (١) فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٢)، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز، كما سلب صاحب النار ضوءه. وقال أبو جعفر الرازي (٣)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ فإنما ضوء النار ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإخلاص بلا إله إلا الله أضاء له، فإذا شكَّ وقع في الظلمة. وقال الضحاك (٤): ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ "أما نورهم" (٥) فهو إيمانهم الذي تكلموا به. وقال عبد الرزاق (٦)، عن معمر، عن قتادة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ فهي لا إله إلا الله، أضاءت لهم، فأكلوا بها وشربوا، وأمنوا في الدنيا، (ونكحوا) (٧) النساء، وحقنوا دماءهم، حتَّى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. وقال سعيد (٨)، عن قتادة في هذه الآية: إن المعنى أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله، فأضاءت له في الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها، وحقن بها دمه وماله؛ فلما كان عند الموت سلبها المنافق؛ لأنَّهُ لم يكن لها أصل في قلبه ولا حقيقة في عمله. ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ قال علي (٩) بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ يقول: في عذاب إذا ماتوا. وقال (محمد) بن إسحاق (١٠)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن (١١) عباس: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ أي: يبصرون الحق ويقولون به، حتَّى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر؛ فهم لا يبصرون هدًى، ولا يستقيمون على حق. وقال السدي في "تفسيره" (١٢) بسنده: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ فكانت الظلمة نفاقهم. وقال الحسن البصري (١٣): ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فذلك حين يموت المنافق، فيظلم

стр. 345

عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملًا من خيرٍ عمل به يصدق به قول لا إله إلا الله. ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ قال السدي (١) بسنده: صم بكم عمى؛ فهم خرس عمي. وقال علي بن أبي طلحة (٢)، عن ابن عباس: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يقول: لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه؛ ولا يعقلونه. وكذا قال أبو العالية، وقتادة بن دعامة. ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ قال ابن عَبَّاس (٣): أي لا يرجعون إلى هدًى. وكذا قال الربيع بن أنس. وقال السدي (٤) بسنده: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ إلى الإسلام. وقال قتادة (٥): فهم لا يرجعون؛ أي: لا يتوبون، ولا هم يذكرون. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾. وهذا مثل آخر ضربه (الله) (٦) تعالى لضربٍ آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارةً، ويشكون تارةً أخرى؛ فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم (﴿كَصَيِّبٍ﴾). والصيب: المطر؛ قاله (٧) ابن مسعود، وابن (٨) عباس، وناس من الصحابة، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، والسدي، والربيع بن أنس. وقال الضحاك: هو السحاب. والأشهر هو المطر نزل من السماء، في حال ظلمات؛ وهي الشكوك، والكفر، والنفاق. ﴿وَرَعْدٌ﴾ وهو ما يزعج القلوب من الخوف؛ فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد، والفزع؛ كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ﴾ [المنافقون: ٤] وقال: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾ [التوبة]. والبرق هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان من نور الإيمان؛

стр. 346

ولهذا قال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي: (ولا يجدي) (١) عنهم حذرهم شيئًا؛ لأن الله محيط بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته؛ كما قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾ (٢) [البروج]. ثم قال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان. وقال علي بن أبي (٣) طلحة، عن ابن عباس: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يقول يكاد: محكم القرآن يدل على عورات المنافقين. وقال ابن (٤) إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: لشدة ضوء الحق، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه؛ وتارةً تعرض لهم الشكوك أظلمت قلوبهم، فوقفوا حائرين. وقال علي بن (٥) أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يقول: كلما [أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإذا أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلي الكفر؛ كقوله (تعالى) (٦): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]. وقال محمد (٧) بن إسحاق، عن محمد (بن أبي محمد) (٨)، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَا﴾] (٩) أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: يعرفون الحق، ويتكلمون به؛ فهم (من) (١٠) قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا؛ أي: متحيرين.

стр. 347

وهكذا (١) قال أبو العالية، والحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي بسنده عن الصحابة؛ وهو أصح وأظهر. واللّه أعلم. وهكذا يكونون يوم القيامة عند ما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم؛ فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ، وأكثر من ذلك وأقل من ذلك؛ ومنهم من يطفأ نوره تارة ويضيء (له) (٢) أخرى، (ومنهم من يمشي) (٣) على الصراط تارة ويقف أخرى؛ ومنهم من يطفأ نوره بالكلية، وهم الخُلَّص من المنافقين الذين قال (تعالى) (٤) فيهم: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣]. وقال في حق المؤمنين: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية [الحديد: ١٢] وقال (تعالى) (٤): ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]. ذكر الحديث الوارد في ذلك: قال سعيد بن أبي عروبة، (عن قتادة) (٥) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ … ﴾ الآية [الحديد: ١٢]. ذكر لنا أن نبي اللّه ﷺ كان يقول: من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن (أبين) (٦) فصنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه. رواه ابن جرير (٧) ورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن داور القطان، عن قتادة بنحوه. وهذا كما قال المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد اللّه بن مسعود؛ قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يؤتى نوره كالنخل؛ ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم؛ وأدناهم نورًا على إبهامه يطفأ مرةً ويتقد مرةً. وهكذا رواه ابن جرير (٨)، عن ابن مثنى، عن ابن إدريس، عن أبيه، عن المنهال.

стр. 348

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا (علي بن محمد) (١) (الطنافسي) (٢)، حدثنا ابن إدريس، سمعت أبي (يذكر) (٣) عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد اللّه (بن مسعود) (٤): ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [التحريم: ٨]- قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرةً ويطفأ أخرى (٥). وقال ابن أبي حاتم (أيضًا) (٦): حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا أبو يحيى الحمَّاني، حدثنا (عتبة) (٧) بن (اليقطان) (٨) عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره؛ فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين، فهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ (٩) [التحريم: ٨]. وقال الضحاك بن مزاحم: يعطى كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نورًا؛ فإذا انتهى إلى الصراط طُفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنين أشفقوا فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ (١٠) [التحريم: ٨]. فإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا: مؤمنون خلص، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة. وكفار خلص وهم الموصوفون بالآيتين بعدها. ومنافقون، وهم قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون؛ تارةً يظهر لهم لمع (من) (١١) الإيمان، وتارةً يخبو؛ وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالًا من الذين قبلهم. وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن، وما جعل اللّه في قلبه من الهدى والنور بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دُري؛ وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان، واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه (١٢) إن شاء الله. ثم ضرب مثل العُبَّاد من الكفار الذين يعتقدون أنهم على شيء، وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب في قوله (تعالى) (١٣): ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ الآية [النور: ٣٩].

стр. 349

ثم ضرب مثل الكفار الجهال الجهل البسيط، وهم الذين قال (اللّه) (١) (تعالى) (٢) فيهم: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور]. فقسم الكفار ها هنا إلى قسمين: داعيةٍ ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾ [الحج]. وقال (بعده) (٣): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ [الحج]. وقد قسَّم اللّه المؤمنين في أول الواقعة وفي آخرها. وفي سورة الإنسان إلى قسمين: سابقون وهم المقربون، وأصحاب يمين وهم الأبرار. فتلخص من مجموع هذه الآيات الكريمات أن المؤمنين صنفان: مقربون وأبرار، وأن الكافرين صنفان: دعاة ومقلدون، وأن المنافقين أيضًا صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في "الصحيحين" (٤)، عن عبد اللّه بن عمرو، عن النبي ﷺ : "ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان". استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان وشعبة من نفاق؛ إما عملي لهذا الحديث، أو اعتقادي كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء، كما تقدم وكما سيأتي إن شاء اللّه (تعالى) (٥). قال الإمام (٦) أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية - يعني: شيبان - عن ليث، عن

стр. 350

عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح؛ فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن (سراجه) (١) فيه نوره. وأما القلب الأغلف فقلب الكافر [وأما القلب المنكوس فقلب (المنافق) (٢)] (٣)، عرف ثم أنكر. وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم؛ فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه". وهذا إسناد جيد حسن. وقوله (تعالى) (٤): ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [قال (محمد) (٥) بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير؛ عن ابن (٦) عباس - في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ قال: لما تركوا من (الحق) (٧) بعد معرفته. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾] (٨): قال (ابن إسحاق) (٩): أي إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير. وقال ابن جرير (١٠): إنما وصف اللّه تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير. ومعنى قدير قادر، كما (أن) (١١) معنى عليم عالم. [وذهب ابن جرير (الطبري) (١٢) ومن تبعه من كثير من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين، وتكون "أو" في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بمعنى الواو؛ كقوله (تعالى) (١٣): ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أو تكون للتخيير؛ أي: اضرب لهم مثلًا بهذا، وإن شئت بهذا] (١٤).

стр. 351

[قال القرطبي (١): "أو" للتساوي، مثل جالس الحسن أو ابن سيرين على ما وجهه الزمخشري (٢) إن كلا منهما مساوٍ للآخر في إباحة] (٣) [الجلوس إليه، ويكون معناه على قوله: سواء ضربنا لهم مثلًا بهذا أو بهذا، فهو مطابق لحالهم. قلت: وهذا يكونُ باعتبار جنس المنافقين؛ فإنهم أصناف، ولهم أحوال وصفات كما ذكرها اللّه (تعالى) (٤) في سورة (براءة) (٥)؛ ومنهم؛ ومنهم؛ ومنهم - يذكر أحوالهم وصفاتهم، وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال؛ فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقةً لأحوالهم وصفاتهم. واللّه أعلم؛ كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين؛ في قوله (تعالى) (٦): ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ .. ﴾ إلى أن قال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ … ﴾ الآية [النور: ٣٩: ٤٠]، فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب. والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين. واللّه أعلم بالصواب (٧)] (٣). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾. شرع (٨) ﵎ في بيان وحدانية ألوهيته بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشًا؛ أي: مهدًا كالفراش (مقررةً) (٩) موطأةً، مثبتةً بالرواسي الشامخات، والسماء بناءً وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢] وأنزل لهم من السماء ماءً؛ والمراد به السحاب ها هنا في وقته عند احتياجهم إليه؛ فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد، رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن. ومن أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤].

стр. 352

ومضمونه أنه الخالق الرازق، مالك الدار وساكنيها، ورازقهم؛ فبهذا يستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك به غيره؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وفي "الصحيحين" (١)، عن ابن مسعود؛ قال: قلت: يا رسول اللّه أي الذنب أعظم عند اللّه؟ قال: "أن تجعل للّه ندًا وهو خلقك … " الحديث. وكذا حديث (٢) معاذ: "أتدري ما حق الله على عباده؟ … أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا … " الحديث. وفي الحديث (٣) الآخر: "لا يقولن أحدكم ما شاء اللّه وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء اللّه ثم شاء فلان". وقال حماد بن (٤) سلمة: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن الطفيل بن سخبرة أخي عائشة أم المؤمنين لأمها؛ قال: رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من اليهود؛ فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن اللّه. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء اللّه وشاء محمد. قال: ثم مررت بنفر من النصارى [فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى] (٥) قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن اللّه. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء اللّه وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته؛ فقال: "هل أخبرت بها أحدًا؟ " قلت: نعم، فقام فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد؛ فإن طفيلًا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمةً كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها؛ فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء اللّه وحده".

стр. 353

هكذا رواه ابن مردويه (١) في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة، به. وأخرجه ابن ماجه (٢) من وجه آخر، عن عبد الملك بن عمير، به، بنحوه. وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس؛ قال: قال رجل للنبي ﷺ : ما شاء اللّه وشئت. فقال: "أجعلتني للّه ندًا؟ (قل) (٣): ما شاء اللّه وحده". رواه ابن مردويه، وأخرجه النسائي (٤)، وابن ماجه، من حديث عيسى بن يونس عن الأجلح، به. وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد. والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق (٥): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين؛ أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم. وبه (٦) عن ابن عباس: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم (يرزقكم) (٧) غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من (توحيده) (٨) هو الحق الذي لا شك فيه؛ وهكذا قال قتادة. وقال ابن أبي (٩) حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا أبي عمرو، حدثنا أبي الضحاك بن مخلد أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس - في قول اللّه : ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ - قال الأنداد: هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: واللّه وحياتك يا فلان، وحياتي. ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة. ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه ما شاء اللّه وشئت. وقول الرجل لولا اللّه وفلان - لا تجعل فيها "فلان"؛ هذا كله به شرك.

стр. 354

وفي الحديث (١) أن رجلًا قال لرسول اللّه ﷺ : ما شاء اللّه وشئت. قال: "أجلعتني لله ندًا". وفي الحديث الآخر (٢): "نعم القوم أنتم لولا أنكم تنددون: تقولون: ما شاء اللّه وشاء فلان". قال أبو العالية (٣): فلا تجعلوا لله أندادًا؛ أي: عدلاء شركاء. وهكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، وأبو مالك، وإسماعيل بن أبي خالد. وقال مجاهد (٤): ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل. ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة: قال الإمام (٥) أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يعد من البدلاء، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلَّام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري - أن نبي اللّه ﷺ قال: "إن اللّه أمر يحيى بن زكريا ﵇ بخمس كلماتٍ أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، (فكان يبطئ) (٦) بها، فقال له عيسى ﵇: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن. فقال: يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أُعذب أو يخسف بي. قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد اللّه وأثنى عليه؛ ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن؛ أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك (مثل) (٧) رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بورق أو ذهب،

стр. 355

فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن اللّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأمركم بالصلاة فإن اللّه ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وآمُركم بالصيام؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صُرَّةٌ من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك. وإن خلوف فم الصائم عند اللّه أطيب من ريح المسك. وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه. فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فكَّ نفسه. وآمركم بذكر الله كثيرًا. وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعًا في أثره فأتى حصنًا حصينًا فتحصن فيه؛ وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر اللّه". قال: وقال رسول اللّه ﷺ : "وأنا آمركم بخمسٍ الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل اللّه؛ فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلعَ (ربقة) (١) الإسلام من عنقه إلا أن يراجع. ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جُثَى جهنم". قالوا: يا رسول الله؛ [وإن صام (وإن) (٢) صلَّى؟ فقال:] (٣) "وإن صلَّى وصام، وزعم أنه مسلم؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم (على ما) (٤) سماهم اللّه المسلمين المؤمنين عباد اللّه". هذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: "وإن اللّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا". [وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل بها كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع (تعالى) (٥)، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى؛ فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية، واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها، ومنافعها، ووضْعها في مواضع النفع بها محكمة - علم قدرة خالقها، وحكمته وعلمه، وإتقانه، وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب - وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان اللّه! إن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج! ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير!. وحكى (فخر الدين) (٦) (الرازي) (٧) عن الإمام مالك - أن الرشيد سأله عن ذلك، فاستدل له باختلاف اللغات والأصوات والنغمات] (٨).
следующие страницы →