← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

وقال ابن زيد: معناه: تحولون بيننا وبين الخير ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به (١). وقال يزيد الرشْك: من قِبلِ لا إله إلا الله. وقال خُصيف يعنون: من قبل ميامنهم. وقال عكرمة: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ قال: من حيث نأمنكم (٢). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ تقول القادة من الجن والإنس للأتباع: ما الأمر كما تزعمون بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان قابلة للكفر والعصيان ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة على صحة ما دعوناكم إليه ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ أي: بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاؤوكم به فخالفتموهم. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾ يقول الكبراء للمستضعفين: حقَّت علينا كلمة الله أنا من الأشقياء الذائقين للعذاب يوم القيامة ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ أي: دعوناكم إلى الضلالة ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ أي: فدعوناكم إلى ما نحن فيه فاستجبتم لنا، قال الله ﵎: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾ أي: الجميع في النار كل بحسبه ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون. قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا الليث، عن ابن مسافر يعني: عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله " وأنزل الله تعالى في كتابه العزيز وذكر قومًا استكبروا فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ (٣). وقال ابن أبي حاتم: أيضًا حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء قال: يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله وعزيرًا. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله والمسيح. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم: لا إله إلا الله فيستكبرون، ثم يقال لهم: لا إله إلا الله فيستكبرون، ثم يقال لهم: لا إله إلا الله، فيستكبرون، فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. قال أبو نضرة: فينطلقون أسرع من

стр. 3642

الطير. قال أبو العلاء: ثم يؤتى بالمسلمين، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله تعالى فيقال لهم: هل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقال لهم: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعلم أنه لا عدل له. قال: فيتعرف لهم ﵎ وتقدس وينجي الله المؤمنين (١). ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ أي: أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول هذا الشاعر المجنون؟ يعنون: رسول الله ﷺ . قال الله تعالى تكذيبًا لهم وردًا عليهم: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: رسول الله ﷺ جاء بالحق في جميع شرعة الله تعالى له من الأخبار والطلب ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: صدقهم فيما أخبروا عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله تعالى في شرعه وأمره كما أخبروا: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [فصلت: ٤٣]. ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾. يقول تعالى مخاطبًا للناس: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ١ - ٣]، وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٤ - ٦] وقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر]، ولهذا قال ههنا: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ أي: ليسوا يذوقون العذاب الأليم ولا يناقشون في الحساب بل يتجاوز عن سيئاتهم إن كان لهم سيئات ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلى ما شاء الله تعالى من التضعيف. وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾ قال قتادة والسدي: يعني: الجنة (٢)، ثم فسره بقوله تعالى: ﴿فَوَاكِهُ﴾ أي: متنوعة ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ أي: يخدمون ويرفهون وينعمون ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤)﴾ قال مجاهد: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشر، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا إبراهيم القرشي، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فتلا هذه الآية: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤)﴾ ينظر بعضهم إلى بعض (٣).

стр. 3643

حديث غريب. وقوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ [الواقعة]، فنزه الله خمر الجنة عن الآفات التي في خمر الدنيا من صداع الرأس ووجع البطن وهو الغول وذهابها بالعقل جملة، فقال تعالى ههنا: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾ أي: بخمر من أنهار جارية لا يخافون انقطاعها ولا فراغها. قال مالك، عن زيد بن أسلم: خمر جارية بيضاء (١)؛ أي: لونها مشرق حسن بهي لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم. وقوله: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: طعمها طيب كلونها وطيب الطعم دليل على طيب الريح بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك. وقوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ يعني: لا تؤثر فيها غولًا - وهو وجع البطن قاله مجاهد وقتادة وابن زيد (٢) - كما تفعله خمر الدنيا من القولنج ونحوه لكثرة مائيتها. وقيل: المراد بالغول ههنا صداع الرأس وروي هكذا عن ابن عباس (٣). وقال قتادة: هو صداع الرأس ووجع البطن (٤). وعنه وعن السدي: لا تغتال عقولهم (٥). كما قال الشاعر: فما زالت الكأس تغتالنا … وتذهب بالأول الأول (٦) وقال سعيد بن جبير: لا مكروه فيها ولا أذى (٧)، والصحيح قول مجاهد أنه وجع البطن. وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ قال مجاهد: لا تذهب عقولهم (٨)، وكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب والحسن وعطاء بن أبي مسلم الخراساني والسدي وغيرهم (٩). وقال الضحاك، عن ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السكر والصداع والقيء والبول

стр. 3644

فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال (١)، كما ذكر في سورة الصافات. وقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي: عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن كذا قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وزيد بن أسلم وقتادة والسدي وغيرهم (٢). وقوله: ﴿عِينٌ﴾ أي: حسان الأعين وقيل: ضخام الأعين وهو يرجع إلى الأول وهي النجلاء العيناء فوصف عيونهن بالحسن والعفة، كقول زليخا في يوسف ﵊ حين جملَّته وأخرجته على تلك النسوة، فأعظمنه وأكبرنه وظننَّ أنه ملك من الملائكة لحسنه وبهاء منظره قالت: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] أي: هو مع هذا الجمال عفيف تقي نقي، وهكذا الحور العين: ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]، ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾. وقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ يقول: اللؤلؤ المكنون، وينشد ههنا بيت [أبي دَهْبَل] (٣) الشاعر في قصيدة له: هي زهراء مثل لؤلؤة الغواص … ميزت من جوهر مكنون (٤) وقال الحسن: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ يعني محصون لم تمسه الأيدي (٥). وقال السدي: البيض في عشه مكنون (٦). وقال سعيد بن جبير: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ يعني بطن البيض (٧). وقال عطاء الخراساني: هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيضة (٨). وقال السدي: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ يقول: بياض البيض حين نزع قشرته (٩). واختاره ابن جرير لقوله مكنون قال: والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش وتنالها الأيدي بخلاف داخلها (١٠) والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا محمد بن الفرج الصدفي

стр. 3645

الدمياطي، عن عمرو بن هاشم، عن ابن أبي كريمة، عن هشام، عن الحسن، عن أُمه، عن أُم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله : [﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ قال: "العين: الضخام العيون شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر" قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله ] (١): ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ قال: رقتهن "كرقة الجلدة التي رأسها في داخل البيضة التي تلي القشر وهي الغرقى" (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان النهدي، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن الربيع بن أنس، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا حزنوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، لواء الحمد يومئذٍ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر، يطوف عليَّ ألف خادم كأنهن البيض المكنون - أو اللؤلؤ المكنون -" (٣). ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾. يخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون؛ أي: عن أحوالهم، وكيف كانوا في الدنيا، وماذا كانوا يعانون فيها؟ وذلك من حديثهم على شرابهم واجتماعهم في تنادمهم ومعاشرتهم في مجالسهم وهم جلوس على السرر والخدم بين أيديهم يسعون ويجيئون بكل خير عظيم من مآكل ومشارب وملابس وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾ قال مجاهد: يعني: شيطانًا (٤). وقال العوفي، عن ابن عباس: هو الرجل المشرك يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا (٥)، ولا تنافي بين كلام مجاهد وابن عباس فإن الشيطان يكون من الجن فيوسوس في النفس، ويكون من الإنس فيقول كلامًا تسمعه الأذنان وكلاهما يتعاونان قال الله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، وكل منهما يوسوس كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي

стр. 3646

يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس]، ولهذا ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ أي: أأنت تصدق بالبعث والنشور والحساب والجزاء؟ يعني: يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد والكفر والعناد. ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾ قال مجاهد والسدي: لمحاسبون (١). وقال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي: لمجزيون بأعمالنا (٢). وكلاهما صحيح قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)﴾ أي: مشرفون يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾. قال ابن عباس وسعيد بن جبير وخُليد العَصَري وقتادة والسدي وعطاء الخراساني: يعني: في وسط الجحيم (٣). وقال الحسن البصري: في وسط الجحيم (٤) كأنه شهاب يتقد. وقال قتادة: ذُكر لنا: أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي، وذُكر لنا أن كعب الأحبار قال في الجنة كوى (٥) إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار اطلع (٦) فيها فازداد شكرًا ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ يقول المؤمن مخاطبًا للكافر: والله إن كدت لتهلكني لو أطعتك ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ أي: ولولا فضل الله عليّ لكنتُ مثلك في سواء الجحيم حيث أنت محضر معك في العذاب ولكنه تفضل عليّ ورحمني فهداني للإيمان وأرشدني إلى توحيده ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ هذا من كلام المؤمن مغبطًا نفسه لما أعطاه الله تعالى من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة بلا موت فيها ولا عذاب ولهذا قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: [في قول الله ﵎ لأهل الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)﴾ [الطور]، قال ابن عباس ﵄:] (٧) قوله: ﴿هَنِيئًا﴾ أي: لا

стр. 3647

يموتون فيها فعندها قالوا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ (١). [وقال الحسن البصري: علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه فقالوا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾] (٢) قيل: لا ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾. وقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ قال قتادة هذا من كلام أهل الجنة (٣). وقال ابن جرير: هو من كلام الله تعالى ومعناه: لمثل هذا النعيم وهذا الفوز فليعمل العاملون في الدنيا ليصيروا إليه في الآخرة (٤)، وقد ذكروا قصة رجلين كانا شريكين في بني إسرائيل تدخل في ضمن عموم هذه الآية الكريمة. قال أبو جعفر بن جرير: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتاب بن بشير، عن خُصيف، عن فرات بن ثعلبة البهراني في قوله: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ قال: إن رجلين كانا شريكين فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار، وكان أحدهما له حرفة والآخر ليس له حرفة، فقال الذي له حرفة للآخر: ليس عندك حرفة ما أراني إلا مفارقك ومقاسمك، فقاسمه وفارقه، ثم إن الرجل اشترى دارًا بألف دينار كانت لملك مات، فدعا صاحبه فأراه فقال: كيف ترى هذه الدار ابتعتها بألف دينار؟ قال: ما أحسنها، فلما خرج قال: اللَّهم إن صاحبي هذا ابتاع هذه الدار بألف دينار، وإني أسألك دارًا من دور الجنة فتصدق بالف دينار، ثم مكث ما شاء الله تعالى أن يمكث، ثم إنه تزوج بامرأة بألف دينار فدعاه وصنع له طعامًا فلما أتاه قال: إني تزوجت هذه المرأة بألف دينار. قال: ما أحسن هذا فلما انصرف قال: يا ربِّ إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار، وإني أسألك امرأة من الحور العين فتصدق بألف دينار، ثم إنه مكث ما شاء الله تعالى أن يمكث ثم اشترى بستانين بالفي دينار ثم دعاه فأراه، فقال: إني ابتعت هذين البستانين بألفي دينار، قال: ما أحسن هذا، فلما خرج قال: يا ربِّ إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفي دينار، وأنا أسألك بستانين في الجنة فتصدق بألفي دينار، ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما ثم انطلق بهذا المتصدق، فأدخله دارًا تعجبه وإذا بامرأةٍ تطلع يضيء ما تحتها من حسنها ثم أدخله بستانين وشيئًا الله به عليم، فقال عند ذلك: ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا. قال: فإنه ذاك ولك هذا المنزل والبستانان والمرأة، قال: فإنه كان لي صاحب يقول: أئنك لمن المصدقين، قيل له: فإنه في الجحيم. قال: هل أنتم مطلعون؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم فقال عند ذلك: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ الآيات (٥). قال ابن جرير: وهذا يقوي قراءة من قرأ "أئنك لمن المصَّدقِّين" بالتشديد (٦).

стр. 3648

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمرو بن عبد الرحمن الأبار، أخبرنا أبو حفص قال: سألت إسماعيل السدي عن هذه الآية ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ قال: فقال لي: ما ذكرك هذا؟ قلت: قرأته آنفًا فأحببت أن أسألك عنه فقال: أما فاحفظ، كان شريكان في بني إسرائيل أحدهما مؤمن والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار ثم افترقا فمكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ أضربت (١) به شيئًا أتجرت في شيء؟ فقال له المؤمن: لا، فما صنعت أنت؟ فقال: اشتريت به أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا بألف دينار، قال: فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم، قال: فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه ثم قال: اللَّهم إن فلانًا - يعني: شريكه الكافر - اشترى أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا بألف دينار ثم يموت غدًا ويتركها اللَّهم إني اشتريت منك بهذه الألف دينار أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا في الجنة، قال: ثم أصبح فقسمها في المساكين، قال: ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك أضربت به في شيء؟ أتجرت به في شيء؟ قال: لا. قال: فما صنعت أنت؟ قال: كانت ضيعتي قد اشتد علي مؤنتها فاشتريت رقيقًا بألف دينار يقومون لي فيها ويعملون لي فيها، فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم، قال: فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه ثم قال اللَّهم إن فلانًا - يعني: شريكه الكافر - اشترى رقيقًا من رقيق الدنيا بألف دينار يموت غدًا فيتركهم أو يموتون فيتركونه، اللَّهم إني اشتريت منك بهذه الألف الدينار رقيقًا في الجنة، قال: ثم أصبح فقسمها في المساكين، قال: ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك أضربت به في شيء؟ أتجرت به في شيء؟ قال: لا، فما صنعت أنت؟ قال: كان أمري كله قد تمَّ إلا شيئًا واحدًا فلانة قد مات عنها زوجها فأصدقتها ألف دينار فجاءتني بها ومثلها معها فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم. قال: فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي فلما انصرف أخذ الألف الدينار الباقية فوضعها بين يديه وقال: اللَّهم إن فلانًا - يعني شريكه الكافر - تزوج زوجة من أزواج الدنيا بألف دينار فيموت غدًا فيتركها أو تموت غدًا فتتركه اللَّهم وإني أخطب إليك بهذه الألف الدينار حوراء عيناء في الجنة، قال: ثم أصبح فقسمها بين المساكين، قال: فبقي المؤمن ليس عنده شيء. قال: فلبس قميصًا من قطن وكساء من صوف ثم أخذ مَرًّا (٢) فجعله على رقبته يعمل الشيء ويحفر الشيء بقوته. قال: فجاءه رجل فقال له: يا عبد الله أتؤاجرني نفسك مشاهرة شهرًا بشهر تقوم على دواب لي تعلفها وتكنس سرقينها؟ قال: أفعل. قال: فواجره نفسه مشاهرة شهرًا بشهر يقوم على دوابه، قال: وكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه، فإذا رأى منها دابة ضامرة أخذ برأسه فوجأ عنقه ثم يقول له: سرقت شعير هذه البارحة. قال: فلما رأى المؤمن هذه الشدة قال: لآتين شريكي الكافر فلأعملنَّ في أرضه فليطعمني هذه الكسرة يومًا بيوم ويكسوني هذين الثوبين إذا

стр. 3649

بليا، قال: فانطلق يريده فانتهى إلى بابه وهو ممس فإذا قصر مشيد في السماء، وإذا حوله البوابون فقال لهم: استأذنوا لي على صاحب هذا القصر فإنكم إذا فعلتم سرَّه ذلك، فقالوا له انطلق إن كنت صادقًا فنم في ناحية فإذا أصبحت فتعرض له. قال: فانطلق المؤمن فألقى نصف كسائه تحته ونصفه فوقه ثم نام، فلما أصبح أتى شريكه فتعرض له، فخرج شريكه الكافر وهو راكب، فلما رآه عرفه فوقف وسلم عليه وصافحه ثم قال له: ألم تأخذ المال مثل ما أخذت؟ قال: بلى. قال: وهذه حالي، وهذه حالك؟ قال: بلى. قال: أخبرني ما صنعت في مالك؟ قال: لا تسألني عنه، قال فما جاء بك؟ قال: جئت أعمل في أرضك هذه فتطعمني هذه الكسرة يومًا بيوم وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا، قال: لا، ولكن أصنع بك ما هو خير من هذا ولكن لا ترى مني خيرًا حتى تخبرني ما صنعت في مالك قال: أقرضته. قال: من؟ قال: المليء الوفي. قال: من؟ قال: الله ربي. قال: وهو مصافحه فانتزع يده من يده ثم قال: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾. قال السدي: محاسبون، قال: فانطلق الكافر وتركه، قال: فلما رآه المؤمن وليس يلوي عليه رجع وتركه، يعيش المؤمن في شدة من الزمان ويعيش الكافر في رخاء من الزمان. قال: فإذا كان يوم القيامة وأدخل الله تعالى المؤمن الجنة يمر فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار فيقول لمن هذا؟ فيقال: هذا لك. فيقول: يا سبحان الله أوَ بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال: ثم يمرُّ فإذا هو برقيق لا تحصى عدتهم فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هؤلاء لك، فيقول: يا سبحان الله أوَ بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال ثم يمرُّ فإذا هو بقبة من ياقوتة حمراء مجوفة فيها حوراء عيناء فيقول: لمن هذه؟ فيقال: هذه لك، فيقول: يا سبحان الله أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟ قال: ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر فيقول: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾. قال: فالجنة عالية والنار هاوية. قال: فيريه الله تعالى شريكه في وسط الجحيم من بين أهل النار فإذا رآه المؤمن عرفه فيقول: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ بمثل ما قد منّ عليه. قال: فيتذكر المؤمن ما مرَّ عليه في [الدنيا من الشدة] (١) فلا يذكر مما مرَّ عليه في الدنيا من الشدة أشد عليه من الموت (٢). ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾. يقول الله تعالى: [أهذا] (٣) - الذي ذكره من نعيم الجنة وما فيها من مآكل ومشارب ومناكح

стр. 3650

وغير ذلك من الملاذ - خير ضيافة وعطاء ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ أي: التي في جهنم وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك شجرة واحدة معينة كما قال بعضهم: إنها شجرة تمتد فروعها إلى جميع محال جهنم كما أن شجرة طوبى ما من دار في الجنة إلا وفيها منها غصن، وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك جنس شجر يقال له: الزقوم كقوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾ [المؤمنون]؛ يعني: الزيتونة ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)﴾ [الواقعة]. وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾. قال قتادة: ذُكرت شجرة الزقوم فافتتن بها أهل الضلالة وقالوا: صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة والنار تأكل الشجر فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ غُذيت من النار ومنها خلقت (١). وقال مجاهد: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾ قال أبو جهل - لعنه الله -: إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه (٢). قلت: ومعنى الآية إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختبارًا نختبر به الناس من يصدق منهم ممن يكذب كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠]. وقوله: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ أي: أصل منبتها في قرار النار ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ تبشيع لها وتكريه لذكرها. قال وهب بن منبه: شعور الشياطين قائمة إلى السماء، وإنما شبهها "برؤوس الشياطين" وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر، وقيل: المراد بذلك ضرب من الحيات رؤوسها بشعة المنظر، وقيل: جنس من النبات طلعه في غاية الفحاشة، وفي هذين الاحتمالين نظر، وقد ذكرهما ابن جرير (٣) والأول أقوى وأولى، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾. ذكر تعالى أنهم يأكلون من هذه الشجرة التي لا أبشع منها ولا أقبح من منظرها مع ما هي عليه من سوء الطعم والريح والطبع فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها لأنهم لا يجدون إلا إياها وما هو في معناها كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾ [الغاشية]. وقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية وقال: "اتقوا الله حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن يكون طعامه؟ "

стр. 3651

ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة وقال الترمذي: حسن صحيح (١). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾ قال ابن عباس: يعني شرب الحميم على الزقوم (٢)، وقال في رواية عنه شوبًا من حميم: مزجًا من حميم (٣)، وقال: غيره يمزج لهم الحميم بصديد وغساق مما يسيل من فروجهم وعيونهم (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي، حدثنا بقَية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو وأخبرني عبيد الله بن بسر، عن أبي أُمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: "يقرب - يعني: إلى أهل النار - ماء فيتكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فيه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره" (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا يعقوب بن عبد الله، عن جعفر وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير قال: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارًا مرَّ بهم يعرفهم لعرفهم بوجوههم فيها ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود ويصهر ما في بطونهم فيمشون تسيل أمعاؤهم وتتساقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد فيسقط كل عضو على حياله يدعو بالثبور (٦). وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ أي: ثم إن مردهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج وجحيم تتوقد وسعير تتوهج، فتارة في هذا وتارة في هذا كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [الرحمن]، هكذا تلا قتادة هذه الآية (٧). وهو تفسير حسن قوي. وقال السدي في قراءة عبد الله ﵁: "ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم" وكان عبد الله ﵁ يقول: والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ (٨) [الفرقان]. وروى الثوري عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن عبد الله ﵁ قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء ويقيل هؤلاء قال سفيان: أراه ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم) (٩). قلت: على هذا التفسير تكون ثم عاطفة لخبر على خبر.

стр. 3652

وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩)﴾ أي: إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك من غير دليل ولا برهان، ولهذا قال: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ قال مجاهد: شبيهة بالهرولة (١). وقال سعيد بن جبير: يسفهون. ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾. يخبر تعالى عن الأمم الماضية أن أكثرهم كانوا ضالين يجعلون مع الله آلهة أخرى، وذكر تعالى أنه أرسل فيهم منذرين ينذرون بأس الله ويحذرونهم سطوته ونقمته ممن كفر به وعبدَ غيره وأنهم تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم، فأهلك المكذبين ودمرهم ونجى المؤمنين ونصرهم وظفرهم ولهذا قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾. ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾. لما ذكر تعالى عن أكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة شرع يبين ذلك مفصلًا فذكر نوحًا ﵊ وما لقي من قومه من التكذيب، وأنه لم يؤمن منهم إلا القليل مع طول المدة، لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا فلما طال عليه ذلك واشتد عليه تكذيبهم، وكلما دعاهم ازدادوا نفرة ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر]، فغضب الله تعالى لغضبه عليهم، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ أي: فلنعم المجيبون له ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ وهو التكذيب والأذى ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ يقول: لم تبق إلا ذرية نوح ﵇ (٢). وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله ﵎: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ قال الناس: كلهم من ذرية نوح ﵇ (٣). وقد روى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ قال: سام وحام ويافث (٤).

стр. 3653

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: "سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم" (١). ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي، عن يزيد بن زريع، عن سعيد وهو ابن أبي عروبة، عن قتادة به (٢). قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر، وقد روي عن [عمران] (٣) بن حصين ﵁، عن النبي ﷺ مثله (٤). والمراد بالروم ههنا هم الروم الأول وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن نوح ﵇ ثم روي من حديث إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: ولد نوح ﵇ ثلاثة: سام ويافث وحام، وولد كل واحد من هؤلاء الثلاثة فولد سام: العرب وفارس والروم، وولد يافث: الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وولد حام: القبط والسودان والبربر (٥)، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا والله أعلم. وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ قال ابن عباس: يذكر بخير (٦). وقال مجاهد: يعني لسان صدق للأنبياء كلهم (٧). وقال قتادة والسدي: أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين (٨). وقال الضحاك: السلام والثناء الحسن (٩). وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ مفسر لما أبقى عليه الذكر الجميل والثناء الحسن أنه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾ أي: هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله تعالى ونجعل له لسان صدق يذكر به بعده بحسب مرتبته في ذلك ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ أي: المصدقين الموحدين الموقنين ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾ أي: أهلكناهم فلم يبق منهم عين تطرف ولا ذكر ولا عين ولا أثر، ولا يعرفون إلا بهذه الصفة القبيحة.

стр. 3654

﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣)﴾ يقول من أهل دينه (١). وقال مجاهد: على منهاجه وسنته (٢) ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾. قال ابن عباس: يعني: شهادة أن لا إله إلا الله (٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أُسامة، عن عوف قلت لمحمد بن سيرين ما القلب السليم؟ قال: يعلم أن الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (٤). وقال الحسن: سليم من الشرك (٥). وقال عروة: لا يكون لعَّانًا. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥)﴾ أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد ولهذا قال: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾. قال قتادة: يعني: ما ظنكم أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم معه غيره؟ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾. إنما قال إبراهيم ﵊ لقومه ذلك ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أزِفَ خروجهم إلى عيدٍ لهم، فأحبَّ أن يختلي بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم كلامًا هو حق في نفس الأمر فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾. قال قتادة: والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم (٦). يعني قتادة: أنه نظر إلى السماء متفكرًا فيما يلهيهم به فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف، فأما الحديث الذي رواه ابن جرير ههنا، حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أُسامة، حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لم يكذب إبراهيم ﵊ غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله تعالى (٧). وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة:

стр. 3655

هي أُختي" فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذمُّ فاعله حاشا وكلَّا ولمّا، وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزًا وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في كلمات إبراهيم ﵊ الثلاث التي قال ما منها كلمة إلا ما حلَّ بها عن دين الله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقال للملك: حين أراد امرأته هي أختي" (٢). قال سفيان في قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يعني: طعين وكانوا يفرون من المطعون فأراد أن يخلو بآلهتهم (٣)، وكذا قال العوفي عن ابن عباس ﵄: في قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ فقالوا له: وهو في بيت آلهتهم: أخرج فقال إني مطعون فتركوه مخافة الطاعون (٤). وقال قتادة، عن سعيد بن المسيب: رأى نجمًا طلع فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ كايد نبي الله عن دينه ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ (٥). وقال آخرون: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ بالنسبة إلى ما يستقبل يعني مرض الموت (٦)، وقيل: أراد ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى. وقال الحسن البصري: خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم فأرادوه على الخروج فاضطجع على ظهره وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وجعل ينظر في السماء فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها (٧). ورواه ابن أبي حاتم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾ أي: إلى عيدهم، (فراغ إلى آلهتهم) أي: ذهب إليها بعد ما خرجوا في سرعة واختفاء ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾؟ وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعامًا قربانًا لتبارك لهم فيه. وقال السدي: دخل إبراهيم ﵇ إلى بيت الآلهة فإذا هم في بهو عظيم وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو وإذا هم قد جعلوا طعامًا ووضعوه بين أيدي الآلهة، وقالوا: إذا كان حين نرجع وقد باركت الآلهة في طعامنا أكلناه، فلما نظر إبراهيم ﵊ إلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢)﴾ (٨).

стр. 3656

وقوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ قال الفراء: معناه مال عليهم ضربًا باليمين (١). وقال قتادة والجوهري فأقبل عليهم (٢) ضربًا باليمين. وإنما ضربهم باليمين لأنها أشد وأنكى ولهذا تركهم جذاذًا إلا كبيرًا لهم لعلهم إليه يرجعون كما تقدم في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تفسير ذلك (٣). وقوله تعالى ههنا: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)﴾ قال مجاهد: وغير واحد؛ أي: يسرعون (٤)، وهذه القصة ههنا مختصرة وفي سورة الأنبياء مبسوطة فإنهم لما رجعوا ما عرفوا من أول وهلة من فعل ذلك حتى كشفوا واستعلموا، فعرفوا أن إبراهيم ﵊ هو الذي فعل ذلك. فلما جاءوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعيبهم فقال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ أي: أتعبدون من دون الله من الأصنام ما أنتم تنحتونها وتجعلونها بأيديكم؟ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ يحتمل أن تكون ما مصدرية فيكون تقدير الكلام خلقكم وعملكم، ويحتمل أن تكون بمعنى: الذي، تقديره والله خلقكم والذي تعملونه وكلا القولين متلازم، والأول أظهر لما رواه البخاري في كتاب أفعال العباد عن علي بن المديني، عن مروان بن معاوية، عن أبي مالك، عن رِبعي بن حراش، عن حُذيفة ﵁ مرفوعًا قال: "إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته" وقرأ بعضهم ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٥). فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر فقالوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونجَّاه الله من النار وأظهره عليهم وأعلى حجته ونصرها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾. ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن خليله إبراهيم ﵊ أنه بعد ما نصره الله تعالى على قومه وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الآيات العظيمة هاجر من بين أظهرهم وقال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ

стр. 3657

إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ يعني: أولادًا مطيعين عوضًا من قومه وعشيرته الذين فارقهم، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ وهذا الغلام هو إسماعيل ﵇، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم ﵇ وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب بل في نصِّ كتابهم أن إسماعيل ﵇ ولد ولإبراهيم ﵇ ست وثمانون سنة وولد إسحاق وعمر إبراهيم ﵊ تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله ﵎ أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة أخرى بكره، فأقحموا ههنا كذبًا وبهتانًا: إسحاق، ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنصِّ كتابه، وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم فزادوا ذلك وحرفوا، وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى مكة وهو تأويل وتحريف باطل فإنه لا يقال: وحيد إلا لمن ليس له غيره، وأيضًا فإن أول ولد له مَعزَّة ما ليس لمن بعده من الأولاد فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق وحكي ذلك عن طائفة من السلف حتى نقل عن بعض الصحابة ﵃ أيضًا، وليس ذلك في كتاب ولا سُنَّة وما أظن ذلك تلقي إلا عن أحبار أهل الكتاب وأخذ ذلك مسلمَّا من غير حجة وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل فإنه ذكر البشارة بغلام حليم وذكر أنه الذبيح ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ ولما بشَّرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي: يولد له في حياتهم ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل، وقد قدمنا هناك أنه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب ويكون له نسل فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرًا وإسماعيل وصف ههنا بالحليم لأنه مناسب لهذا المقام؟ وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي: كبُرَ وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه، وقد كان إبراهيم ﵊ يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد فاران وينظر في أمرهما، وقد ذكر أنه كان يركب على البُراق سريعًا إلى هناك والله أعلم. وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني وزيد بن أسلم وغيرهم (١) ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ بمعنى شبَّ وارتجل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾. قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي ثم تلا هذه الآية ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (٢). وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو عبد الملك الكرندي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسرائيل بن يونس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال

стр. 3658

رسول الله ﷺ : "رؤيا الأنبياء في المنام وحي" (١). ليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه. ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ أي: امض لما أمرك الله من ذبحي ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: سأصبر وأحتسب ذلك عند الله ، وصدق صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ [مريم]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾ أي: فلما تشهدا وذكرا الله تعالى: إبراهيم على الذبح والولد شهادة الموت، وقيل: أسلما يعني استسلما وانقادا، إبراهيم امتثل أمر الله تعالى وإسماعيل طاعة لله ولأبيه قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن إسحاق وغيرهم (٢)، ومعنى ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه. قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أكبّه على وجهه (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا سُريج ويونس قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لما أمر إبراهيم ﵊ بالمناسك عرض له الشيطان عند السعي فسابقه فسبقه إبراهيم ﵊، ثم ذهب به جبريل ﵊ إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات ثم ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات، ثم تلَّه للجبين وعلى إسماعيل ﵊ قميص أبيض فقال: يا أبتِ إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره فاخلعه حتى تكفني فيه، فعالجه ليخلعه فنودي من خلفه: ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أبيض أقرن أعين قال ابن عباس: لقد رأيتنا نتتبع ذلك الضرب من الكباش، وذكر تمام الحديث في المناسك بطوله (٤). ثم رواه أحمد بطوله من يونس، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ فذكره إلا أنه قال: إسحاق (٥). فعن ابن عباس في تسمية

стр. 3659

الذبيح روايتان والأظهر عنه إسماعيل لما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقال محمد بن إسحاق: عن الحسن بن دينار، عن قتادة، عن جعفر بن إياس، عن ابن عباس ﵄ في قوله ﵎: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ قال: خرج عليه كبش من الجنة قد رعى قبل ذلك أربعين خريفًا، فأرسل إبراهيم ﵊ ابنه واتبع الكبش، فأخرجه إلى الجمرة الأولى فرماه بسبع حصيات ثم أفلته عندها فجاء إلى الجمرة الوسطى فأخرجه عندها فرماه بسبع حصيات ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات فأخرجه عندها ثم أخذه فأتى به المنحر من منى فذبحه، فوالذي نفس ابن عباس بيده لقد كان أول الإسلام وأن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة حتى وحش يعني: يبس (١). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرنا القاسم قال: اجتمع أبو هريرة وكعب فجعل أبو هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ فجعل كعب يحدث عن الكتب فقال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : "إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني قد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" فقال له كعب: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: فداك أبي وأُمي - أو فداه أبي وأُمي - أفلا أخبرك عن إبراهيم ﵊؟ إنه لما أري ذبح ابنه إسحاق قال الشيطان: إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبدًا، فخرج إبراهيم ﵊ بابنه ليذبحه فذهب الشيطان فدخل على سارة فقال: أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: غدا به لبعض حاجته. قال: فإنه لم يغد به لحاجة إنما ذهب به ليذبحه. قالت: ولم يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك قالت: فقد أحسن أن يطيع ربه، فذهب الشيطان في أثرهما، فقال للغلام: أين يذهب بك أبوك؟ قال: لبعض حاجته. قال: فإنه لا يذهب بك لحاجة ولكنه يذهب بك ليذبحك. قال: ولم يذبحني؟ قال: يزعم أن ربه أمره بذلك. قال: فواللهِ لئن كان الله تعالى أمره بذلك ليفعلن. قال: فيئس منه، فتركه ولحق بإبراهيم ﵊ فقال: أين غدوت بابنك؟ قال: لحاجة. قال: فإنك لم تغد به لحاجة وإنما غدوت به لتذبحه قال: ولم أذبحه؟ قال: تزعم أن ربك أمرك بذلك؟ قال: فوالله لئن كان الله تعالى أمرني بذلك لأفعلن. قال: فتركه ويئس أن يطاع (٢)، وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن يزيد، عن ابن شهاب قال: إن عمرو بن أبي سفيان بن أُسيد بن جارية الثقفي أخبره أن كعبًا قال لأبي هريرة: فذكره بطوله، وقال في آخره: وأوحى الله تعالى إلى إسحاق: إني أعطيتك دعوة أُستجيب لكَ فيها. قال إسحاق: اللَّهم إني أدعوك أن تستجيب لي أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئًا فأدخله الجنة (٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم،

стр. 3660

حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ﵎ خيرني بين أن يغفر لنصف أُمتي وبين أن يجيب شفاعتي فاخترت شفاعتي، ورجوت أن تكونَ أعمّ لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لتعجلت فيها دعوتي، إن الله تعالى لما فرَّج عن إسحاق كرب الذبح قيل له: يا إسحاق سل تعط؟ فقال: أما والذي نفسي بيده لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان، اللَّهم من مات لا يشرك بك شيئًا فاغفر له وأدخله الجنة" (١) هذا حديث غريب منكر وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث وأخشى أن يكون في الحديث زيادة مدرجة وهي قوله: إن الله تعالى لما فرَّج عن إسحاق إلى آخره، والله أعلم. فهذا إن كان محفوظًا فالأشبه أن السياق إنما هو عن إسماعيل وإنما حرَّفوه بإسحاق حسدًا منهم كما تقدم وإلا فالمناسك والذبائح إنما محلها بمنى من أرض مكة حيث كان إسماعيل لا إسحاق فإنه إنما كان ببلاد كنعان من أرض الشام. وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ أي: قد حصل المقصود من رؤياك واضجاعك ولدك للذبح. وذكر السدي وغيره أنه أمرَّ السكين على رقبته فلم تقطع شيئًا بل حال بينهما وبينه صفحة من نحاس، ونودي إبراهيم ﵊ عند ذلك: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد ونجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق]. وقد استدل بهذه الآية والقصة جماعة من علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن من الفعل خلافًا لطائفة من المعتزلة، والدلالة من هذه ظاهرة لأن الله تعالى شرع لإبراهيم ﵊ ذبح ولده ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء، وإنما كان المقصود من شرعه أولًا: إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ أي: الاختبار الواضح الجلي حيث أمر بذبح ولده فسارع إلى ذلك مستسلمًا لأمر الله تعالى منقادًا لطاعته ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم]. وقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ قال سفيان الثوري: عن جابر الجعفي، عن أبي الطُفيل، عن علي ﵁ ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ قال بكبش: أبيض أعين أقرن قد ربط بسمرة قال أبو الطفيل: وجدوه مربوطًا بسمرة في ثبير (٣) (٤). وقال الثوري أيضًا: عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄

стр. 3661

قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفًا (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار، حدثنا داود العطار، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: الصخرة التي بمنى بأصل ثبير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء إسحاق ابنه هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه، فكان مخزونًا حتى فدي به إسحاق (٢)، وروي أيضًا عن سعيد بن جبير أنه قال: كان الكبش يرتع في الجنة حتى فُدي به إسحاق (٣)، وروي أيضًا عن سعيد بن جبير أنه قال: كان الكبش يرتع في الجنة حتى شقق عنه ثبير وكان عليه عهن (٤) أحمر (٥). وعن الحسن البصري أنه قال: كان اسم كبش إبراهيم: جرير (٦). وقال ابن جريج: قال عُبيد بن عُمير: ذبحه بالمقام. وقال مجاهد: ذبحه بمنى عند المنحر (٧). وقال هشيم: عن سيار، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: كان أفتى الذي جعل عليه نذرًا أن ينحر نفسه فأمره بمائة من الإبل. ثم قال بعد ذلك لو كنت أفتيه بكبش لأجزأه أن يذبح كبشًا فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾. والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه فُدي بكبش (٨). وقال الثوري: عن رجل، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ قال: وعل (٩). وقال محمد بن إسحاق: عن عمرو بن عُبيد، عن الحسن أنه كان يقول: ما فدي إسماعيل ﵇ إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير (١٠). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثني منصور، عن خاله مسافع، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة ﵁، وقالت مرة: أنها سألت عثمان لم دعاك النبي ﷺ ؟ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي" قال سفيان: لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت فاحترقا (١١). وهذا دليل مستقل على أنه إسماعيل ﵊، فإن قريشًا توارثوا

стр. 3662

قرني الكبش الذي فُدي به إبراهيم خلفًا عن سلف وجيلاً بعد جيل إلى أن بعث الله رسوله ﷺ . فصل في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو؟ ذكر من قال: هو إسحاق ﵊: قال حمزة الزيات: عن أبي ميسرة ﵀ قال: قال يوسف ﵊ للملك في وجهه: ترغب أن تأكل معي وأنا واللهِ: يوسف بن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله (١). وقال الثوري، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل أن يوسف ﵇ قال للملك: كذلك أيضًا (٢)، وقال سفيان الثوري: عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: قال موسى ﵊: يا ربِّ يقولون بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فبمَ قالوا ذلك؟ قال: "إن إبراهيم لم يعدل بي شيء قط إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جادَ لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن" (٣). وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص قال: افتخر رجل عند ابن مسعود ﵁ فقال: أنا فلان بن فلان بن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله بن مسعود ﵁ ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله (٤). وهذا صحيح عن ابن مسعود ﵁، وكذا روى عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه إسحاق (٥)، وعن أبيه العباس وعن علي بن أبي طالب مثل ذلك، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعبيد بن عمير وأبو ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم بن أبي برزة ومكحول وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة وأبو الهذيل وابن سابط وهذا اختيار ابن جرير، وتقدم روايته عن كعب الأحبار أنه إسحاق، وهكذا روى ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزهري، عن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة، عن أبي هريرة ﵁، عن كعب الأحبار أنه قال: هو إسحاق. وهذه الأقوال - والله أعلم - كلها مأخوذة عن كعب الأحبار فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر ﵁ عن كتبه قديمًا، فربما استمع له عمر ﵁ فترخص الناس في استماع ما عنده ونقلوا ما عنده عنه غثها وسمينها وليس لهذه الأمة والله أعلم حاجة إلى حرف واحد مما عنده. وقد حكى البغوي القول بأنه إسحاق، عن عمر وعلي وابن مسعود والعباس ﵃ ومن التابعين عن كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة ومقاتل والزهري والسدي قال: وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس (٦). وقد ورد في ذلك حديث لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين ولكن لم يصح سنده.

стр. 3663

قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن حباب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب ﵁، عن النبي ﷺ في حديث ذكره قال: هو إسحاق (١). ففي إسناده ضعيفان وهما: الحسن بن دينار البصري متروك، وعلي بن زيد بن جدعان منكر الحديث. وقد رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان به مرفوعًا (٢)، ثم قال: قد رواه مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس ﵁ وهذا أشبه وأصح. ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل ﵊ وهو الصحيح المقطوع به: قد تقدمت الرواية عن ابن عباس ﵄ أنه إسحاق ﵊، وقال سعيد بن جبير وعامر الشعبي ويوسف بن مهران ومجاهد وعطاء وغير واحد، عن ابن عباس ﵄ هو: إسماعيل ﵊. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه قال: المفدى إسماعيل ﵇، وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود (٣). وقال إسرائيل: عن ثور، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄ قال: الذبيح إسماعيل (٤). وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد هو إسماعيل ﵇ (٥)، وكذا قال يوسف بن مهران. وقال الشعبي: هو إسماعيل ﵊ وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة. وقال محمد بن إسحاق: عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد، عن الحسن البصري أنه كان لا يشك في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل ﵇ (٦). قال ابن إسحاق: وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول: إن الذي أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل وإنا لنجد ذلك في كتاب الله تعالى وذلك أن الله تعالى حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ ويقول الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] يقول بابن وابن ابن فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه الموعد بما وعده وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل (٧). قال ابن إسحاق: سمعته يقول ذلك كثيرًا.

стр. 3664

وقال ابن إسحاق: عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز ﵁ وهو خليفة إذ كان معه بالشام فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديًا فأسلم وحسن إسلامه وكان يرى أنه من علمائهم فسأله عمر بن عبد العزيز ﵁ عن ذلك قال محمد بن كعب وأنا عند عمر بن عبد العزيز فقال له عمر: أي: ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكر الله تعالى منه لصبره لما أمر به، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لكون إسحاق أباهم والله أعلم أيهما كان، وكلٌّ قد كان طاهرًا طيبًا مطيعًا لله (١). وقال عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل ﵀: سألت أبي عن الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: إسماعيل. ذكره في كتاب الزهد. وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبي يقول: الصحيح أن الذبيح إسماعيل ﵊، قال: وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب القرظي وأبي جعفر محمد بن علي وأبي صالح ﵃ أنهم قالوا: الذبيح إسماعيل. وقال البغوي في تفسيره: واليه ذهب عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب والسدي والحسن البصري ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي وهو رواية عن ابن عباس، وحكاه أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء (٢). وقد روى ابن جرير في ذلك حديثًا غريبًا فقال: حدثني محمد بن عمار الرازي، حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي، عن عبيد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان، عن أبيه، حدثني عبد الله بن سعيد، عن الصنابحي قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان، فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق فقال: على الخبير سقطتم: كنا عند رسول الله ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله عد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله ﷺ فقيل له: يا أمير المؤمنين وما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله له أمرها عليه ليذبحن أحد ولده، قال: فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا: افد ابنك بمائة من الإبل، ففداه بمائة من الإبل والثاني إسماعيل (٣). وهذا حديث غريب جدًا وقد رواه الأُموي في مغازيه: حدثنا بعض أصحابنا أخبرنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدثنا عمرو بن عبد الرحمن القرشي، حدثنا عبيد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان، حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا الصنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية ﵁

стр. 3665

فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق وذكره (١)، كذا كتبته من نسخة [مغلوطة] (٢)، وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه قد كان بلغ معه السعي؛ أي: العمل، ومن الممكن أنه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضًا. قال: وأما القرنان اللذان كانا معلقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام. قال: وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق هناك. هذا ما اعتمد عليه في تفسيره، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم بل هو بعيد جدًا والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ لما تقدمت البشارة بالذبيح وهو إسماعيل عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق وقد ذكرت في سورتي هود والحجر (٣). وقوله تعالى: ﴿نَبِيًّا﴾ حال مقدرة؛ أي: سيصير منه نبي صالح. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵄ الذبيح إسحاق قال: وقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ قال بشَّر بنبوته قال، وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ [مريم]، قال: كان هارون أكبر من موسى ولكن أراد وهب له نبوته (٤). وحدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت داود يحدث، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ قال: إنما بشر به نبيًا حين فداه الله من الذبح ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان الثوري، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ قال: بشر به حين ولد وحين نُبئ (٦). وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ قال: بعد ما كان أمره لما جاد لله تعالى بنفسه. وقال الله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ (٧). وقوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ كقوله تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ [هود].

стр. 3666

﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾. يذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما من قوم فرعون وقومه وما كان يعتمد في حقهم من الإساءة العظيمة من قتل الأبناء واستحياء النساء واستعمالهم في أخس الأشياء، ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم، وأقرَّ أعينهم منهم، فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم، ثم أنزل الله على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين وهو التوراة كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء: ٤٨]، وقال ههنا: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)﴾ أي: في الأقوال والأفعال ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩)﴾ أي: أبقينا لهما من بعدهما ذكرًا جميلًا وثناء حسنًا ثم فسره بقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾. ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾. قال قتادة ومحمد بن إسحاق: يقال: إلياس هو: إدريس (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيدة بن ربيعة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إلياس: هو إدريس (٢). وكذا قال الضحاك. وقال وهب بن منبه: هو إلياس بن تسبي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران بعثه الله تعالى في بني إسرائيل بعد حزقيل ﵇، وكانوا قد عبدوا صنمًا يقال له: بعل (٣)، فدعاهم إلى الله تعالى ونهاهم عن عبادة ما سواه، وكان قد آمن به ملكهم ثم ارتدَّ واستمروا على ضلالتهم ولم يؤمن به منهم أحد، فدعا الله عليهم فحبس عنهم القطر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم ووعدوه الإيمان به إن هم أصابهم المطر، فدعا الله تعالى لهم فجاءهم الغيث، فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر فسأل الله أن يقبضه إليه، وكان قد نشأ على يديه اليسع بن

стр. 3667

أخطوب عليهما الصلاة والسلام، فأمر إلياس أن يذهب إلى مكان كذا وكذا فمهما جاءه (١) فليركبه ولا يهبه فجاءته فرس من نار فركب وألبسه الله تعالى النور وكساه الريش، وكان يطير مع الملائكة ملكًا إنسيًا سماويًا أرضيًا (٢). هكذا حكاه وهب بن منبه عن أهل الكتاب والله أعلم بصحته. ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾ أي: ألا تخافون الله في عبادتكم غيره ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: بعلًا يعني: ربًا (٣). قال عكرمة وقتادة: وهي لغة أهل اليمن (٤)، وفي رواية عن قتادة قال: وهي لغة أزد شنوءة. وقال ابن إسحاق: أخبرني بعض أهل العلم أنهم كانوا يعبدون امرأة اسمها: بعل (٥). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: عن أبيه، هو اسم صنم كان يعبده أهل مدينة يقال لها بعلبك غربي دمشق (٦). وقال الضحاك: هو صنم كانوا يعبدونه (٧). وقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ أي: أتعبدون صنمًا ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾ أي: هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)﴾ أي: للعذاب يوم الحساب ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)﴾ أي: الموحدين منهم وهذا استثناء منقطع من مثبت. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩)﴾ أي: ثناء جميلًا ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ كما يقال في إسماعيل: إسماعين وهي لغة بني أسد، وأنشد بعض بني تميم في ضبٍّ صاده: يقول رب السوق لما جينا … هذا ورب البيت [إسرائينا] (٨) (٩) ويقال ميكال وميكائين وإبراهيم وإبراهام وإسرائيل وإسرائين وطور سيناء وطور سينين، وهو موضع واحد وكل هذا سائغ وقرأ آخرون "سلام على إدراسين" وهي قراءة ابن مسعود ﵁ (١٠)،

стр. 3668

وقرأ آخرون "سلام على آل ياسين" (١) يعني: آل محمد ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ قد تقدم تفسيره. ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾. يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط ﵇ أنه بعثه إلى قومه فكذبوه فنجاه الله تعالى من بين أظهرهم هو وأهله إلا امرأته فإنها هلكت مع من هلك من قومها فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلًا ونهارًا ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ أي: أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟ ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾. قد تقدمت قصة يونس ﵊ في سورة الأنبياء (٢)، وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" (٣) ونسبه إلى أُمه وفي رواية إلى أبيه. وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ قال ابن عباس: هو الموقر؛ أي: المملوء بالأمتعة (٤). ﴿فَسَاهَمَ﴾ أي: قارع ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: المغلوبين، وذلك أن السفينة تلعبت بها الأمواج من كل جانب وأشرفوا على الغرق فساهموا على من تقع عليه القرعة يلقى في البحر لتخف بهم السفينة فوقعت القرعة على نبي الله يونس ﵊ ثلاث مرات وهم يضنون به أن يلقى من بينهم فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك، وأمر الله تعالى حوتًا من البحر الأخضر أن يشق البحار وأن يلتقم يونس ﵇ فلا يهشم له لحمًا ولا يكسر له عظمًا، فجاء ذلك الحوت وألقى يونس ﵇ نفسه فالتقمه الحوت وذهب به فطاف به البحار كلها. ولما استقر يونس في بطن الحوت حسب أنه قد مات ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حي فقام فصلى في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه: يا ربِّ اتخذت لك مسجدًا في موضع لم يبلغه أحد من الناس، واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت فقيل: ثلاثة أيام

стр. 3669

قاله قتادة (١). وقيل: سبعة قاله جعفر الصادق ﵁ (٢). وقيل: أربعين يومًا قاله أبو مالك (٣). وقال مجاهد عن الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية، والله تعالى أعلم بمقدار ذلك، وفي شعر أُمية بن أبي الصلت: وأنت بفضل منك نجيتَ يونسا … وقد بات في أضعاف حوت لياليا (٤) وقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ قيل: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء قاله الضحاك بن قيس وأبو العالية ووهب بن منبه وقتادة (٥) وغير واحد، واختاره ابن جرير، وقد ورد في الحديث الذي سنورده إن شاء الله تعالى ما يدل على ذلك إن صحَّ الخبر، وفي حديث ابن عباس: "تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" (٦). وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وعطاء بن السائب والسدي والحسن وقتادة: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ يعني: المصلين (٧)، وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك، وقال بعضهم: كان من المسبحين في جوف أبويه، وقيل: المراد ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ هو قوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء]، قاله سعيد بن جبير (٨) وغيره. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي بن وهب، حدثنا عمي، حدثنا أبو صخر، أن يزيد الرقاشي حدثه أنه سمع أنس بن مالك ﵁، ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ : "إن يونس النبي ﵊ حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت فقال: اللَّهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت الدعوة تحفُّ بالعرش، قالت الملائكة: يا ربِّ هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة، فقال الله تعالى: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا ربِّ ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي

стр. 3670

لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة. قالوا: يا ربِّ أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء، قال: بلى فأمر الحوت فطرحه بالعراء" (١) ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب به، زاد ابن أبي حاتم قال أبو صخر حُميد بن زياد: فأخبرني ابن قُسَيط وأنا أحدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: طرح بالعراء وأنبت الله عليه اليقطينة قلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدباء. قال أبو هريرة ﵁: وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من حشائش الأرض، قال فتتفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى [نبت] (٢) وقال أُمية بن أبي الصلت في ذلك بيتًا من شعره وهو: فأنبت يقطينًا عليه برحمة … من الله لولا الله ألقى ضاحيا (٣) وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ مسندًا مرفوعًا في تفسير سورة الأنبياء (٤)، ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ أي: ألقيناه ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ قال ابن عباس ﵄ وغيره: وهو الأرض التي ليس بها نبت ولا بناء (٥). قيل: على جانب دجلة (٦) وقيل: بأرض اليمن فالله أعلم ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف البدن. قال ابن مسعود ﵁: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش (٧). وقال السدي: كهيئة الصبي (٨) حين يولد وهو المنفوس، وقاله ابن عباس وابن زيد أيضًا (٩). ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾ قال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغير واحد قالوا كلهم: اليقطين هو القرع (١٠). وقال هشيم، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: وكل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين (١١)، وفي رواية عنه كل شجرة تهلك من عامها فهي من اليقطين (١٢).

стр. 3671

وذكر بعضهم في القرع فوائد منها سرعة نباته وتظليل ورقه لكبره ونعومته وأنه لا يقربها الذباب وجودة تغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئًا ومطبوخًا بلبه وقشره أيضًا. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يحب الدباء ويتتبعه من نواحي الصحفة (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ روى شهر بن حوشب، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنما كانت رسالة يونس ﵊ بعد ما نبذه الحوت، رواه ابن جرير، حدثني الحارث، حدثنا أبو هلال عن شهر به (٢). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت (٣). (قلت): ولا مانع أن يكون الذين أرسل إليهم أولًا أمر بالعود إليهم بعد خروجه من الحوت فصدقوه كلهم وآمنوا به. وحكى البغوي: أنه أرسل إلى أُمة أخرى بعد خروجه من الحوت كانوا مائة ألف أو يزيدون (٤). وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عنه: بل يزيدون وكانوا مائة وثلاثين ألفًا (٥)، وعنه مائة ألف وبضعة وثلاثين ألفًا (٦) وعنه مائة ألف وبضعة وأربعين ألفًا (٧) والله أعلم. وقال سعيد بن جبير: يزيدون سبعين ألفًا (٨). وقال مكحول: كانوا مائة ألف وعشرة آلاف رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سمعت زهيرًا يحدث عمن سمع أبا العالية يقول: حدثني أُبي بن كعب ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ قال: يزيدون عشرين ألفًا (٩). ورواه الترمذي، عن علي بن حجر، عن الوليد بن مسلم، عن زهير، عن رجل، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب به وقال غريب (١٠). ورواه ابن أبي حاتم من حديث زهير به (١١). قال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في ذلك معناه: إلى المائة الألف أو كانوا يزيدون عندكم، يقول كذلك كانوا عندكم (١٢). ولهذا سلك ابن جرير ههنا ما سلكه عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]، وقوله تعالى:

стр. 3672

﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم]، المراد ليس أنقص من ذلك بل أزيد وقوله تعالى: ﴿فَآمَنُوا﴾ أي: فآمن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم يونس ﵇ جميعهم ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت آجالهم كقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [يونس]. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾. يقول تعالى منكرًا على هؤلاء المشركين في جعلهم لله تعالى البنات سبحانه ولهم ما يشتهون أي: من الذكور؛ أي: يودون لأنفسهم الجيد ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ [النحل] أي: يسوؤه ذلك ولا يختار لنفسه إلا البنين، يقول تعالى فكيف نسبوا إلى الله تعالى القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم؟ ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سلهم على سبيل الانكار عليهم ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم]. وقوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾ أي: كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف] أي: يسألون عن ذلك يوم القيامة. وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ أي: من كذبهم ﴿لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ أي: صدر منه الولد ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فذكر الله تعالى عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب، فأولًا جعلوهم بنات الله فجعلوا لله ولدًا تعالى وتقدس، وجعلوا ذلك الولد أنثى ثم عبدوهم من دون الله تعالى وتقدس وكل منها كاف في التخليد في نار جهنم. ثم قال تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ أيْ: أيّ شيء يحمله على أن يختار البنات دون البنين كقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [الإسراء] ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ أي: ما لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ أي: حجة على ما تقولونه، ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ أي: هاتوا برهانًا على ذلك يكون مستندًا إلى كتاب منزل من السماء عن الله تعالى أنه اتخذ ما تقولونه فإن ما تقولونه لا يمكن استناده إلى عقل بل لا يجوزه العقل بالكلية. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال مجاهد: قال المشركون: الملائكة بنات الله تعالى، فقال أبو بكر ﵁ فمن أمهاتهن؟ قالوا: بنات سروات الجن (١)، وكذا قال قتادة وابن

стр. 3673

زيد (١)، ولهذا قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ أي: الذين نسبوا إليهم ذلك ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: إن الذين قالوا: ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم في ذلك وافترائهم وقولهم الباطل بلا علم. وقال العوفي، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال: زعم أعداء الله أنه ﵎ هو وإبليس أخوان (٢) تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، حكاه ابن جرير. وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه عن أن يكون له ولد وعما يصفه به الظالمون الملحدون علوًا كبيرًا. قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ استثناء منقطع وهو من مثبت إلا أن يكون الضمير قوله تعالى: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ عائد إلى الناس جميعهم ثم استثنى منهم المخلصين وهم المتبعون للحق المنزل على كل نبي مرسل، وجعل ابن جرير هذا الاستثناء من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ وفي هذا الذي قاله نظر. ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾. يقول تعالى مخاطبًا للمشركين: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ أي: إنما ينقاد لمقالتكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذرئ للنار ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة كما قال ﵎: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ [الذاريات] أي: إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل. ثم قال ﵎ منزهًا للملائكة مما نسبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات الله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ أي: له موضع مخصوص في السماوات ومقامات العبادات لا يتجاوزه ولا يتعداه. وقال ابن عساكر في ترجمته لمحمد بن خالد بسنده إلى عبد الرحمن بن العلاء بن سعد، عن أبيه وكان بايع يوم الفتح أن رسول الله ﷺ قال يومًا لجلسائه: "أطّت السماء وحق لها أن تئط ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد" ثم قرأ ﷺ ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ (٣).

стр. 3674

وقال الضحاك في تفسيره ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ قال: كان مسروق يروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم" فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ (١). وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁ قال: إن في السماوات لسماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه ثم قرأ عبد الله ﵁: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ (٢). وكذا قال سعيد بن جبير: وقال قتادة: كانوا يصلون الرجال والنساء جميعًا حتى نزلت ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ فتقدم الرجال وتأخر النساء (٣). ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ أي: نقف صفوفًا في الطاعة كما تقدم عند قوله ﵎: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ [الصافات]. قال ابن جريج، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث قال: كانوا لا يَصفُّون في الصلاة حتى نزل ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ فصفُّوا (٤). وقال أبو نضرة: كان عمر ﵁ إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه ثم قال: أقيموا صفوفكم استووا قيامًا يريد الله تعالى بكم هدي الملائكة ثم يقول: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ تأخر يا فلان تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (٥). وفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فضلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعلت لنا الأرض مسجدًا، وتربتها طهورًا. . ." الحديث (٦). ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ أي: نصطف فنسبح الرب ونمجده ونقدسه وننزهه عن النقائص فنحن عبيد له فقراء إليه خاضعون لديه. وقال ابن عباس ومجاهد: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ الملائكة ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ الملائكة ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ الملائكة تسبح الله (٧). وقال قتادة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ يعني: المصلون يثبتون بمكانهم (٨) من العبادة كما قال

стр. 3675

﵎: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء]. وقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾ أي: قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله وما كان من أمر القرون الأولى ويأتيهم بكتاب الله كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾ [فاطر]، وقال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾ [الأنعام]، ولهذا قال تعالى ها هنا: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾ وعيد أكيد وتهديد شديد على كفرهم بربهم وتكذيبهم رسوله ﷺ . ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾. يقول ﵎: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ أي: تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة]، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر]، ولهذا قال ﷻ : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ أي: في الدنيا والآخرة كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم ممن كذبهم وخالفهم كيف أهلك الله الكافرين ونجى عباده المؤمنين ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [أي: تكون لهم العاقبة. وقوله جلَّ وعلا] (١): ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤)﴾ أي: اصبر على أذاهم لك وانتظر إلى وقت مؤجل فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر، ولهذا قال بعضهم: غيَّى ذلك إلى يوم بدر وما بعدها أيضًا في معناها. وقوله: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)﴾ أي: أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال بمخالفتك وتكذيبك ولهذا قال تعالى على وجه التهديد والوعيد ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ثم قال: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)﴾ أي: هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم بك فإن الله تعالى يغضب عليهم بذلك ويعجل لهم العقوبة ومع هذا أيضًا كانوا من كفرهم وعنادهم يستعجلون العذاب والعقوبة. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ أي: فإذا نزل العذاب بمحلتهم فبئس ذلك اليوم يومهم بإهلاكهم ودمارهم.

стр. 3676

وقال السدي: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ يعني: بدارهم ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: فبئس ما يصبحون (١)؛ أي: بئس الصباح صباحهم. ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس ﵁ قال: صبح رسول الله ﷺ خيبر، فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم (٢) ورأوا الجيش رجعوا وهم يقولون: محمد والله محمد والخميس، فقال النبي ﷺ : "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" (٣). ورواه البخاري من حديث مالك، عن حميد، عن أنس ﵁ (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة ﵁ قال: لما صبح رسول الله ﷺ خيبر وقد أخذوا مساحيهم وغدوا إلى حروثهم وأرضهم، فلما رأوا النبي ﷺ نكصوا مدبرين، فقال نبي الله ﷺ : "الله أكبر الله أكبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" (٥). لم يخرجوه من هذه الوجه وهو صحيح على شرط الشيخين. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾. ينزه ﵎ نفسه ويقدسها ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون المعتدون تعالى وتنزه وتقدس عن قولهم علوًا كبيرًا ولهذا قال ﵎: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي: ذي العزة التي لا تُرام ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عن قول هؤلاء المعتدين المفترين ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ أي: سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقيّته ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ أي: له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال، ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه من النقص قرن بينهما في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة من القرآن ولهذا قال ﵎: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين فأنا رسول من المرسلين" (٦). هكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه كذلك. وقد أسنده ابن أبي حاتم ﵀ فقال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو بكر الأعين

стр. 3677

ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة قالا: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين" (١). وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا نوح، حدثنا أبو هارون، عن أبي سعيد ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا أراد أن يسلم قال: "سبحان ربك ربِّ العزَّة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين" ثم يُسلِّم (٢)، إسناده ضعيف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا شبابة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : "من سرَّه أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ " (٣). وروي من وجه آخر متصل موقوف على علي ﵁ (٤). قال أبو محمد البغوي في تفسيره: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن [إبراهيم الشريحي] (٥)، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم بن سهلويه، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن ثابت بن أبي صفية، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي ﵁ قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه في مجلسه ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ (٦). وروى الطبراني من طريق عبد الله بن صخر بن الأنسي، عن عبد الله بن زيد بن أرقم، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "من قال دُبرَ كل صلاة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ ثلاث مرات فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر" (٧). وقد وردت أحاديث في كفارة المجلس: سبحانك اللَّهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. وقد أفردت لها جزءًا على حدة، فليكتب ههنا إن شاء الله تعالى (٨). آخر تفسير الصافات. والحمد لله وحده وصلاته وسلامه على محمد خير خلقه.

стр. 3678

سُورَةُ ص وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾. أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد قال الضحاك في قوله تعالى: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (١) [الأنبياء: ١٠] أي: تذكيركم وكذا قال قتادة (٢) واختاره ابن جرير. وقال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وإسماعيل بن أبي خالد وابن عيينة وأبو حصين وأبو صالح والسدي: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذي الشرف (٣)؛ أي: ذي الشأن والمكانة، ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار. واختلفوا في جواب هذا القسم فقال بعضهم هو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ [ص]. وقيل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ [ص]، حكاهما ابن جرير [وهذا الثاني فيه بُعد كبير وضعفه ابن جرير] (٤). وقال قتادة: جوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ (٥) واختاره ابن جرير ثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العربية أنه قال جوابه ﴿ص﴾ بمعنى صدق حق ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها والله أعلم. وقوله ﵎: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ أي: إن في هذا القرآن لذكرًا لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أي: استكبار عنه وحمية

стр. 3679

﴿وَشِقَاقٍ﴾ أي: ومخالفة له ومعاندة ومفارقة، ثم خوفهم ما أهلك به الأُمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من أمة مكذبة ﴿فَنَادَوْا﴾ أي: حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله تعالى وليس ذلك بمجد عنهم شيئًا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢)﴾ [الأنبياء]، أي: يهربون ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣)﴾ [الأنبياء]. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن التميمي قال: سألت ابن عباس ﵄ عن قول الله ﵎: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: ليس بحين نداء ولا نزو ولا فرار (١). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ليس بحين مغاث (٢). وقال شبيب بن بشر: عن عكرمة، عن ابن عباس نادوا النداء حين لا ينفعهم وأنشد: تذكر ليلى لات حين تذكر (٣). وقال محمد بن كعب في قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يقول نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصو للتوبة حين تولت الدنيا عنهم (٤). وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء (٥). وقال مجاهد: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ليس بحين فرار ولا إجابة (٦). وقد روي نحو هذا عن عكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والضحاك وزيد بن أسلم والحسن وقتادة (٧). وعن مالك، عن زيد بن أسلم ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ولا نداء في غير حين النداء (٨)، وهذه الكلمة وهي: لات، هي لا التي للنفي زيدت معها التاء كما تزاد في ثم فيقولون: (ثمت) و (رب) فيقولون ربت وهي مفصولة والوقف عليها، ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره ابن جرير أنها متصلة بحين ولا تحين مناص والمشهور الأول ثم قرأ الجمهور بنصب حين تقديره: وليس الحين حين مناص، ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد: تذكر حب ليى لات حينا … وأضحى الشيب قد قطع القرينا (٩) ومنهم من جوز الجر بها وأنشد: طلبوا صلحنا ولات أوان … فأجبنا أن ليس حين بقاء (١٠)

стр. 3680

وأنشد بعضهم أيضًا: ولات ساعة مندم (١) بخفض الساعة وأهل اللغة يقولون: النوص: التأخر، والبوص: التقدم، ولهذا قال ﵎: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب. ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول الله ﷺ بشيرًا ونذيرًا كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾ [يونس] وقال ههنا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أي: بشر مثلهم وقال الكافرون: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟ أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى وتعجبوا من ترك الشرك بالله فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلوبهم فلما دعاهم الرسول ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الإله بالوحدانية أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين ﴿امْشُوا﴾ أي: استمروا على دينكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد ﷺ من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه (٢). ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات. قال السدي: إن ناسًا من قريش اجتمعوا فيهم: أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه فلينصفنا منه فليكفَّ عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبده، فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا إليه شيء فتعيرنا به العرب يقولون: تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه فبعثوا رجلًا منهم يقال له: المطلب فاستأذن لهم علي أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك. قال: أدخلهم، فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكفَّ عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه. قال: فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكفَّ عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك قال ﷺ : "يا عمِّ أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم" قال: وإلام تدعوهم؟ قال ﷺ : "أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب
следующие страницы →