← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

وقال السدي: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ يعني: بدارهم ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: فبئس ما يصبحون (١)؛ أي: بئس الصباح صباحهم. ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس ﵁ قال: صبح رسول الله ﷺ خيبر، فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم (٢) ورأوا الجيش رجعوا وهم يقولون: محمد والله محمد والخميس، فقال النبي ﷺ : "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" (٣). ورواه البخاري من حديث مالك، عن حميد، عن أنس ﵁ (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة ﵁ قال: لما صبح رسول الله ﷺ خيبر وقد أخذوا مساحيهم وغدوا إلى حروثهم وأرضهم، فلما رأوا النبي ﷺ نكصوا مدبرين، فقال نبي الله ﷺ : "الله أكبر الله أكبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" (٥). لم يخرجوه من هذه الوجه وهو صحيح على شرط الشيخين. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾. ينزه ﵎ نفسه ويقدسها ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون المعتدون تعالى وتنزه وتقدس عن قولهم علوًا كبيرًا ولهذا قال ﵎: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي: ذي العزة التي لا تُرام ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عن قول هؤلاء المعتدين المفترين ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ أي: سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقيّته ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ أي: له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال، ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه من النقص قرن بينهما في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة من القرآن ولهذا قال ﵎: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين فأنا رسول من المرسلين" (٦). هكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه كذلك. وقد أسنده ابن أبي حاتم ﵀ فقال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو بكر الأعين

стр. 3677

ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة قالا: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين" (١). وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا نوح، حدثنا أبو هارون، عن أبي سعيد ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا أراد أن يسلم قال: "سبحان ربك ربِّ العزَّة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين" ثم يُسلِّم (٢)، إسناده ضعيف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا شبابة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : "من سرَّه أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ " (٣). وروي من وجه آخر متصل موقوف على علي ﵁ (٤). قال أبو محمد البغوي في تفسيره: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن [إبراهيم الشريحي] (٥)، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم بن سهلويه، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن ثابت بن أبي صفية، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي ﵁ قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه في مجلسه ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ (٦). وروى الطبراني من طريق عبد الله بن صخر بن الأنسي، عن عبد الله بن زيد بن أرقم، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "من قال دُبرَ كل صلاة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ ثلاث مرات فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر" (٧). وقد وردت أحاديث في كفارة المجلس: سبحانك اللَّهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. وقد أفردت لها جزءًا على حدة، فليكتب ههنا إن شاء الله تعالى (٨). آخر تفسير الصافات. والحمد لله وحده وصلاته وسلامه على محمد خير خلقه.

стр. 3678

سُورَةُ ص وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾. أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد قال الضحاك في قوله تعالى: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (١) [الأنبياء: ١٠] أي: تذكيركم وكذا قال قتادة (٢) واختاره ابن جرير. وقال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وإسماعيل بن أبي خالد وابن عيينة وأبو حصين وأبو صالح والسدي: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ ذي الشرف (٣)؛ أي: ذي الشأن والمكانة، ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار. واختلفوا في جواب هذا القسم فقال بعضهم هو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ [ص]. وقيل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ [ص]، حكاهما ابن جرير [وهذا الثاني فيه بُعد كبير وضعفه ابن جرير] (٤). وقال قتادة: جوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ (٥) واختاره ابن جرير ثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العربية أنه قال جوابه ﴿ص﴾ بمعنى صدق حق ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها والله أعلم. وقوله ﵎: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ أي: إن في هذا القرآن لذكرًا لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أي: استكبار عنه وحمية

стр. 3679

﴿وَشِقَاقٍ﴾ أي: ومخالفة له ومعاندة ومفارقة، ثم خوفهم ما أهلك به الأُمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من أمة مكذبة ﴿فَنَادَوْا﴾ أي: حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله تعالى وليس ذلك بمجد عنهم شيئًا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢)﴾ [الأنبياء]، أي: يهربون ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣)﴾ [الأنبياء]. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن التميمي قال: سألت ابن عباس ﵄ عن قول الله ﵎: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ قال: ليس بحين نداء ولا نزو ولا فرار (١). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ليس بحين مغاث (٢). وقال شبيب بن بشر: عن عكرمة، عن ابن عباس نادوا النداء حين لا ينفعهم وأنشد: تذكر ليلى لات حين تذكر (٣). وقال محمد بن كعب في قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يقول نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصو للتوبة حين تولت الدنيا عنهم (٤). وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء (٥). وقال مجاهد: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ليس بحين فرار ولا إجابة (٦). وقد روي نحو هذا عن عكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والضحاك وزيد بن أسلم والحسن وقتادة (٧). وعن مالك، عن زيد بن أسلم ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ولا نداء في غير حين النداء (٨)، وهذه الكلمة وهي: لات، هي لا التي للنفي زيدت معها التاء كما تزاد في ثم فيقولون: (ثمت) و (رب) فيقولون ربت وهي مفصولة والوقف عليها، ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره ابن جرير أنها متصلة بحين ولا تحين مناص والمشهور الأول ثم قرأ الجمهور بنصب حين تقديره: وليس الحين حين مناص، ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد: تذكر حب ليى لات حينا … وأضحى الشيب قد قطع القرينا (٩) ومنهم من جوز الجر بها وأنشد: طلبوا صلحنا ولات أوان … فأجبنا أن ليس حين بقاء (١٠)

стр. 3680

وأنشد بعضهم أيضًا: ولات ساعة مندم (١) بخفض الساعة وأهل اللغة يقولون: النوص: التأخر، والبوص: التقدم، ولهذا قال ﵎: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب. ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول الله ﷺ بشيرًا ونذيرًا كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾ [يونس] وقال ههنا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أي: بشر مثلهم وقال الكافرون: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟ أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى وتعجبوا من ترك الشرك بالله فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلوبهم فلما دعاهم الرسول ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الإله بالوحدانية أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين ﴿امْشُوا﴾ أي: استمروا على دينكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد ﷺ من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه (٢). ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات. قال السدي: إن ناسًا من قريش اجتمعوا فيهم: أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه فلينصفنا منه فليكفَّ عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبده، فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا إليه شيء فتعيرنا به العرب يقولون: تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه فبعثوا رجلًا منهم يقال له: المطلب فاستأذن لهم علي أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك. قال: أدخلهم، فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكفَّ عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه. قال: فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكفَّ عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك قال ﷺ : "يا عمِّ أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم" قال: وإلام تدعوهم؟ قال ﷺ : "أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب

стр. 3681

ويملكون بها العجم" فقال أبو جهل لعنه الله من بين القوم: ما هي وأبيك لنعطينكها وعشرًا أمثالها قال ﷺ : "تقولون: لا إله إلا الله" فنفروا وقالوا: سلنا غيرها قال ﷺ : "لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها" فقاموا من عنده غضابًا وقالوا: والله لنشتمك وإلهك الذي أمرك بهذا ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦)﴾ ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد: فلما خرجوا دعا رسول الله ﷺ عمَّه إلى قوله: لا إله إلا الله، فأبى وقال: بل على دين الأشياخ ونزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] (١). قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا: حدثنا أبو أُسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا عباد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته فبعث إليه فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل. قال: فخشي أبو جهل - لعنه الله - إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرقّ له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسًا قرب عمِّه فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي: ابن أخي ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول؟ قال: وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله ﷺ فقال: "يا عمِّ إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية" ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم: كلمة واحدة نعم وأبيك عشرًا فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال ﷺ : "لا إله إلا الله" فقاموا: فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ لفظ أبي كريب (٢). وهكذا رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن نمير كلاهما عن أبي أُسامة، عن الأعمش، عن عبَّاد غير منسوب به نحوه، ورواه الترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير أيضًا كلهم في تفاسيرهم من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة الكوفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ … فذكر نحوه. وقال الترمذي: حسن (٣). وقولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملَّة الآخرة. قال مجاهد وقتادة وابن زيد: يعنون دين قريش (٤)، وقال غيرهم: يعنون النصرانية قاله

стр. 3682

محمد بن كعب والسدي (١). وقال العوفي، عن ابن عباس ﵄: ما سمعنا بهذا في الملَّة الآخرة؛ يعني: النصرانية، قالوا: لو كان هذا القرآن حقًا لأخبرتنا به النصارى (٢). ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. قال مجاهد وقتادة: كذب (٣). وقال ابن عباس: تخرص (٤). وقولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يعني: أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]، ولهذا لما قالوا هذا الذي دلّ على جهلهم وقلة عقلهم في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم. قال الله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذاب الله تعالى ونقمته سيعلمون غب ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعون إلى نار جهنم دعًا. ثم قال تعالى مبينًا أنه المتصرف في ملكه الفعال لما يشاء الذي يعطي من يشاء ما يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده ويختم على قلب من يشاء فلا يهديه أحد من بعد الله، وإن العباد لا يملكون شيئًا من الأمر وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة وما يملكون من قطمير. ولهذا قال تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾ أي: العزيز الذي لا يُرام جنابه الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾ [الإسراء] وذلك بعد الحكاية عن الكفار أنهم أنكروا بعثة الرسول البشر ﷺ وكما أخبر تعالى عن قوم صالح ﵇ حين قالوا: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾ [القمر]. وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠)﴾ أي: إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب.

стр. 3683

قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: يعني: طرق السماء (١). وقال الضحاك: فليصعدوا إلى السماء السابعة (٢). ثم قال: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ أي: هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيهزمون ويغلبون ويُكبتون كما كُبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين، وهذه كقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ كان ذلك يوم بدر ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ [القمر]. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء القرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالًا وأولادًا فما دفع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك ولهذا قال: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل ليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ قال مالك، عن زيد بن أسلم: أي ليس لها مثنوية (٣)؛ أي: ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتةً فقد جاء أشراطها؛ أي: فقد اقتربت ودنت وأزفت، وهذه الصيحة هي: نفخة الفزع التي يأمر الله تعالى إسرافيل أن يطولها فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض إلا فزع إلا من استثنى الله . وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ هذا إنكار من الله تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب، فإن القط هو الكتاب، وقيل: هو الحظ والنصيب. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن غير واحد: سألوا تعجيل العذاب (٤)، زاد قتادة كما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥) [الأنفال: ٣٢]. وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة (٦) إن كانت موجودة ليلقوا ذاك في الدنيا، وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب.

стр. 3684

وقال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا (١). وهذا الذي قاله جيد وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد والله أعلم. ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد، قال الله تعالى لرسوله ﷺ آمرًا له بالصبر على أذاهم ومبشرًا له على صبره بالعاقبة والنصر والظفر: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾. يذكر تعالى عن عبده ورسوله داود ﵊ أنه كان ذا أيد، والأيد القوة في العلم والعمل. قال ابن عباس والسدي وابن زيد: الأيد: القوة. وقرأ ابن زيد ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ (٢) [الذاريات]. وقال مجاهد: الأيد: القوة في الطاعة (٣). وقال قتادة: أُعطي داود ﵊ قوة في العبادة وفقهًا في الإسلام، وقد ذُكر لنا أنه ﵊ كان يقوم ثلث الليل ويصوم نصف الدهر (٤). وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى، وأنه كان أوابًا" (٥) وهو الرجاع إلى الله في جميع أموره وشؤونه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)﴾ أي: أنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار كما قال تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]، وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه إذا مرَّ الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا يستطيع الذهاب بل يقف في الهواء ويسبح معه وتجيبه الجبال الشامخات ترجع معه وتسبح تبعًا له. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن بشر، عن مسعر،

стр. 3685

عن عبد الكريم، عن موسى بن أبي كثير، عن ابن عباس ﵄ أنه بلغه أن أُم هانئ ﵂ ذكرت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات، فقال ابن عباس ﵄: قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة يقول تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ (١). ثم رواه من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوكل، عن أيوب بن صفوان، عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل، أن ابن عباس ﵄ كان لا يصلي الضحى فأدخلته على أُم هانئ ﵂ فقلت: أخبري هذا ما أخبرتني به. فقالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ يوم الفتح في بيتي، ثم أمر بماء صبَّ في قصعة ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه فاغتسل، ثم رش ناحية البيت فصلى ثمان ركعات، وذلك من الضحى قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء قريب بعضهن من بعض، فخرج ابن عباس ﵄ وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ وكنت أقول: أين صلاة الإشراق؟ وكان بعد يقول: صلاة الإشراق (٢)، ولهذا قال: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ أي: محبوسة في الهواء ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أي: مطيع يسبح تبعًا له. وقال سعيد بن جبير وقتادة ومالك، عن زيد بن أسلم وابن زيد ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أي: مطيع (٣). وقوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أي: جعلنا له ملكًا كاملًا من جميع ما يحتاج إليه الملوك. قال ابن أبي نجيح: عن مجاهد كان أشد أهل الدنيا سلطانًا (٤). وقال السدي: كان يحرسه كل يوم أربعة آلاف (٥). وقال بعض السلف: بلغني أنه كان يحرسه في كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفًا لا تدور عليهم النوبة إلى مثلها من العام القابل (٦). وقال غيره: أربعون ألفًا مشتملون بالسلاح. وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم من رواية علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس أن نفرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الآخر إلى داود ﵊ أنه اغتصبه بقرًا فأنكر الآخر ولم يكن للمدَّعي بينة، فأرجأ أمرهما، فلما كان الليل أمر داود ﵊

стр. 3686

في المنام بقتل المدعي، فلما كان النهار طلبهما وأمر بقتل المدعي، فقال: يا نبي الله علامَ تقتلني وقد اغتصبني هذا بقري؟ فقال له: إن الله تعالى أمرني بقتلك فأنا قاتلك لا محالة، فقال: واللهِ إن الله لم يأمر بقتلي لأجل هذا الذي ادعيت عليه وإني لصادق فيما ادعيت، ولكني كنت قد اغتلت أباه وقتلته ولم يشعر بذلك أحد، فأمر به داود ﵇ فقتل، قال ابن عباس: فاشتدت هيبته في بني إسرائيل وهو الذي يقول الله : ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ (١). وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قال مجاهد: يعني الفهم والعقل والفطنة، وقال مرة: الحكمة والعدل، وقال مرة: الصواب (٢). وقال قتادة: كتاب الله واتباع ما فيه. فقال السدي: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ النبوة (٣) وقوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال شريح القاضي والشعبي: فصل الخطاب الشهود والأيمان (٤). وقال قتادة: شاهدان على المدعي أو يمين المدعى عليه هو فصل الخطاب (٥) الذي فصل به الأنبياء والرسل، أو قال المؤمنون والصالحون: وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة، وكذا قال أبو عبد الرحمن السلمي (٦). وقال مجاهد والسدي: هو إصابة القضاء وفهم ذلك (٧). وقال مجاهد أيضًا: هو الفصل في الكلام وفي الحكم، وهذا يشمل هذا كله وهو المراد واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شيبة النميري، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن بلال بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى ﵁ قال: أول من قال: أما بعد داود ﵇ وهو فصل الخطاب (٨)، وكذا قال الشعبي فصل الخطاب: أما بعد (٩).

стр. 3687

﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾. قد ذكر المفسرون ها هنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم حديثًا لا يصح سنده لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ (١)، ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يردَّ علمها إلى الله ، فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضًا. وقوله تعالى: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه وهو أشرف مكان في داره وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب؛ أي: احتاطا به يسألانه عن شأنهما وقوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي: غلبني يُقال: عز يعز إذا قهر وغلب. وقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي اختبرناه (٢). وقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ أي: ساجدًا ﴿وَأَنَابَ﴾ ويحتمل أنه ركع أولًا ثم سجد بعد ذلك، وقد ذكر أنه استمر ساجدًا أربعين صباحًا ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي: ما كان منه مما يقال فيه إن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد اختلف الأئمة ﵃ في سجدة ﴿ص﴾ هل هي من عزائم السجود؟ على قولين: الجديد من مذهب الشافعي ﵀ أنها ليست من عزائم السجود بل هي سجدة شكر، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا إسماعيل هو: ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: السجدة في ﴿ص﴾ ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها (٣). ورواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في تفسيره من حديث أيوب به وقال الترمذي حسن صحيح (٤). وقال النسائي أيضًا: عند تفسير هذه الآية أخبرني إبراهيم بن الحسن هو المقسمي، حدثنا

стр. 3688

حجاج بن محمد، عن عمرو بن ذرٍّ، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: إن النبي ﷺ سجد في ﴿ص﴾ وقال: "سجدها داود ﵊ توبة ونسجدها شكرًا" (١) تفرد بروايته النسائي ورجال إسناده كلهم ثقات. وقد أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا أبو إسحاق [الدَّرجيّ] (٢)، أخبرنا زاهر بن أبي طاهر الثقفي، حدثنا زاهر بن أبي طاهر [الشحامي] (٣)، أخبرنا أبو سعيد الكنجرودي، أخبرنا الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو العباس السراج، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا محمد بن يزيد بن خُنيس، عن الحسن بن محمد بن عُبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريج، يا حسن حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت، فسجدت الشجرة بسجودي فسمعتها تقول وهي ساجدة: اللَّهم اكتب لي عندك أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع بها عني وزرًا، وأقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود. قال ابن عباس: فرأيت النبي ﷺ قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول: وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة (٤)، رواه الترمذي عن قتيبة وابن ماجه عن أبي بكر بن خلاد كلاهما عن محمد بن يزيد بن خنيس نحوه، وقال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٥). وقال البخاري عند تفسيرها أيضًا: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عُبيد الطنافسي، عن العوام، قال سألت مجاهدًا عن سجدة ﴿ص﴾ فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت فقال: أو ما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فكان داود ﵊ ممن أمر نبيكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها داود ﵊ فسجدها رسول الله ﷺ (٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حميد، حدثنا بكر هو ابن عبد الله المزني أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري ﵁ رأى رؤيا أنه يكتب ﴿ص﴾ فلما بلغ إلى الآية التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدًا قال: فقصَّها على النبي ﷺ فلم يزل يسجد بها بعد (٧)، تفرد به أحمد.

стр. 3689

وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ﴿ص﴾ فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزَّن الناس للسجود فقال ﷺ : "إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم [تشزَّنتم"] (١) فنزل وسجد (٢). وتفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيحين. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله بها وحسن مرجع وهو الدرجات العالية في الجنة لتوبته وعدله التام في ملكه كما جاء في الصحيح: "المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم وما ولوا" (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحبَّ الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسًا إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابًا إمام جائر" (٤). ورواه الترمذي من حديث فضيل وهو ابن مرزوق الأغر، عن عطية به، وقال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرعة، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان، سمعت مالك بن دينار في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: يقام داود يوم القيامة عند ساق العرش ثم يقول: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا، فيقول وكيف وقد سلبته؟ فيقول: إني أردُّه عليك اليوم، قال: فيرفع داود ﵊ بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان (٦). ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾. هذه وصية من الله لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده ﵎ ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله، وقد توَعد ﵎ من ضلَّ عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا مروان بن جناح، حدثني إبراهيم أبو زرعة: وكان قد قرأ الكتاب أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب

стр. 3690

الخليفة؟ فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن وفقهت. فقلت: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل: في أمان الله، قلت: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود ﵊، إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توَعَّده في كتابه فقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) الآية. وقال عكرمة: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ هذا من المقدم والمؤخر لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا (٢). وقال السدي: لهم عذاب شديد بما تركوا (٣) أن يعملوا ليوم الحساب، وهذا القول أمشى على ظاهر الآية. فالله أعلم. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾. يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثًا وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه ثم [يجمعهم] (٤) يوم الجمع، فيثيب المطيع ويعذب الكافر ولهذا قال ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: الذين لا يرون بعثًا ولا معادًا وإنما يعتقدون هذه الدار فقط ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ أي: ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم. ثم بين تعالى أنه من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين فقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ أي: لا نفعل ذلك ولا يستوون عند الله وإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع ويعاقب فيها هذا الفاجر. وهذا الإرشاد يدل على العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنه لا بدّ من معاد وجزاء فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده فلا بدّ في حكمة الحكيم العليم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا، وإذا لم يقع هذا في هذه الدار فتعيَّن أن هناك دارًا أخرى لهذا الجزاء والمواساة. ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ أي: ذوو العقول وهي الألباب جمع لب وهو العقل. قال الحسن البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول:

стр. 3691

قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل، رواه ابن أبي حاتم. ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾. يقول تعالى: مخبرًا أنه وهب لداود سليمان؛ أي: نبيًا كما قال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] أي: في النبوة وإلا فقد كان له بنون غيره فإنه قد كان عنده مائة امرأة حرائر. وقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ثناء على سليمان بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا ابن جابر، حدثنا مكحول، قال لمّا وهب الله تعالى لداود سليمان قال له: يا بني ما أحسن؟ قال: سكينة الله والإيمان؟ قال: فما أقبح؟ قال: كفر بعد إيمان. قال: فما أحلي؟ قال: روح الله بين عباده قال: فما أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس وعفو الناس بعضهم عن بعض. قال داود ﵇: فأنت نبي (١). وقوله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾ أي: إذ عُرض على سليمان ﵊ في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات. قال مجاهد: وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة (٢) والجياد السراع، وكذا قال غير واحد من السلف. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبيه: سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾ قال: كانت عشرين فرسًا ذات أجنحة (٣). كذا رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي قال: كانت الخيل التي شغلت سليمان ﵊ عشرين ألف فرس فعقرها (٤). وهذا أشبه، والله أعلم. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثنا عمارة بن غزية، أن محمد بن إبراهيم حدثه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر فهبَّت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة ﵂ لعب فقال ﷺ : "ما هذا يا عائشة؟ " قالت: بناتي،

стр. 3692

ورأى بينهنَّ فرسًا له جناحان من رقاع، فقال ﷺ : "ما هذا الذي أرى وسطهنَّ" قالت: فرس، قال رسول الله ﷺ : "ما هذا الذي عليه؟ " قالت ﵂: جناحان قال رسول الله ﷺ : "فرس له جناحان؟ " قالت ﵂: أما سمعت أن سليمان ﵊ كانت له خيل لها أجنحة؟ قالت ﵂: فضحك ﷺ حتى رأيت نواجذه (١). وقوله ﵎: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدًا بل نسيانًا كما شغل النبي ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب، وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه من ذلك عن جابر ﵁ قال: جاء عمر ﵁ يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسبُّ كفار قريش ويقول: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب. فقال رسول الله ﷺ : "والله ما صليتها" فقال: فقمنا إلى بُطْحَان فتوضأ نبي الله ﷺ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب (٢). ويحتمل أنه كان سائغًا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال، والخيل تراد للقتال، وقد ادعى طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعًا فنسخ ذلك بصلاة الخوف، ومنهم من ذهب إلى ذلك في حال المسايفة والمضايقة حيث لا تمكن صلاة ولا ركوع ولا سجود كما فعل الصحابة ﵃ في فتح تُستَر، وهو منقول عن مكحول والأوزاعي وغيرهما. والأول أقرب لأنه قال بعده: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾. قال الحسن البصري: قال: لا، والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، ثم أمر بها فعُقرت (٣)، وكذا قال قتادة (٤). وقال السدي: ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف (٥). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حُبًّا لها (٦). وهذا القول اختاره ابن جرير قال: لأنه لم يكن ليعذب حيوانًا بالعرقبة ويهلك مالًا من ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها، وهذا الذي رجح به ابن جرير فيه نظر لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا ولا سيما إذا كان غضبًا لله تعالى بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوضه الله تعالى بما هو

стр. 3693

خير منها، وهي الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب غدوها شهر ورواحها شهر، فهذا أسرع وخير من الخيل (١). قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة وأبي الدهماء وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال لنا البدوي: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله تعالى وقال: "إنك لا تدع شيئًا اتقاء الله تعالى إلا أعطاك الله خيرًا منه" (٢). ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي: اختبرناه بأن سلبناه الملك ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم يعني: شيطانًا (٣) ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي: رجع إلى ملكه وسلطانه وأُبهته. قال ابن جرير: وكان اسم ذلك الشيطان صخرًا، قاله ابن عباس وقتادة (٤). وقيل: آصف، قاله مجاهد (٥). وقيل: آصر، قاله مجاهد أيضًا (٦). وقيل: حبقيق، قاله السدي (٧)، وقد ذكروا هذه القصة مبسوطة ومختصرة. وقد قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: أمر سليمان ﵊ ببناء بيت المقدس فقيل له: ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد، قال: فطلب ذلك فلم يقدر عليه، فقيل: إن شيطانًا في البحر يقال له: صخر شبه المارد. قال: فطلبه وكانت في البحر عين يردها في كل سبعة أيام مرة فنزع ماءها وجعل فيها خمرًا فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر. فقال: إنك لشراب

стр. 3694

طيب، إلا أنكِ تُصبين (١) الحليم وتزيدين الجاهل جهلًا، قال: ثم رجع حتى عطش عطشًا شديدًا ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلًا، قال: ثم شربها حتى غلب على عقله قال: فأُري الخاتم أو ختم به بين كتفيه فذل، قال: وكان ملكه في خاتمه فأتى به سليمان ﵊ فقال: إنَّا قد أمرنا ببناء هذا البيت. وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة فجاء الهدهد فدار حولها فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه فذهب فجاء بالماس فوضعه عليها فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه فأخذ الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة، وكان سليمان ﵊ إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخل بالخاتم فانطلق يومًا إلى الحمام، وذلك الشيطان صخر معه وذلك عند مقارفة قارف فيها بعض نسائه. قال: فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه في البحر فالتقمته سمكة ونزع ملك سليمان منه، وألقي على الشيطان شبه سليمان قال: فجاء فقعد على كرسيه وسريره وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه فجعل يقضي بينهم وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا: فتن نبي الله، وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب ﵁ في القوة فقال: والله لأجربنه قال: فقال: يا نبي الله وهو لا يرى إلا أنه نبي الله أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمدًا حتى تطلع الشمس أترى عليه بأسًا؟ قال: لا فبينما هو كذلك أربعين ليلة إذ وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: هو الشيطان صخر (٢). وقال السدي: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي: ابتلينا سليمان ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: شيطانًا جلس على كرسيه أربعين يومًا قال: كان لسليمان ﵊ مائة امرأة وكانت امرأة منهم يقال لها جرادة وهي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه ولم يأمن عليه أحدًا من الناس غيرها فأعطاها يومًا خاتمه ودخل الخلاء، فخرج الشيطان في صورته فقال: هاتي الخاتم فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان ﵊ وخرج سليمان بعد ذلك فسألها أن تعطيه خاتمه فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا وخرج وكأنه تائه ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يومًا قال فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم فجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا لهن: إنا قد أنكرنا هذا فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه. قال: فبكى النساء عند ذلك. قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا يقرءون التوراة. قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت من حيتان البحر. وقال: وأقبل سليمان ﵊ في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه فسألهم من صيدهم، وقال: إني أنا سليمان. فقام إليه بعضهم فضربه بعصى فشجه فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبهم

стр. 3695

الذي ضربه فقالوا: بئس ما صنعت حيث ضربته. قال: إنه زعم أنه سليمان، قال: فأعطوه سمكتين مما قد مذر عندهم ولم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشقَّ بطونهما فجعل يغسل فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه فلبسه فردّ الله عليه بهاءه وملكه فجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان ﵊، فقام القوم يعتذرون مما صنعوا فقال: ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم كان هذا الأمر لا بدّ منه. قال: فجاء حتى أتى ملكه وأرسل إلى الشيطان فجيء به فأمر به فجعل في صندوق من حديد ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه: حقيق (١). قال: وسخر الله له الريح ولم تكن سخرت له قبل ذلك وهو قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في قوله ﵎: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال شيطانا يقال: له آصف، فقال له سليمان ﵊: كيف تَفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فساح سليمان ﵊ وذهب ملكه وقعد آصف على كرسيه ومنعه الله ﵎ من نساء سليمان فلم يقربهنّ ولم يقربنه وأنكرنه. قال: فكان سليمان ﵊ يستطعم فيقول: أتعرفوني؟ أطعموني أنا سليمان، فيكذبونه حتى أعطته امرأة يومًا حوتًا ففتح بطنه فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفرَّ آصف فدخل البحر (٢). وأرى هذه كلها من الإسرائيليات، ومِن أَنكرِها ما قاله ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالوا: حدثنا أبو معاوية، أخبرنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال: أراد سليمان ﵊ أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه، وكانت الجرادة امرأته وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال: لها: هاتي خاتمي. فأعطته إياه، فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين، فلما خرج سليمان ﵇ من الخلاء. قال لها: هاتي خاتمي. قالت: أعطيته سليمان [قال: أنا سليمان. قالت: كذبت] (٣) لست بسليمان فجعل لا يأتي أحدًا يقول له أنا سليمان إلا كذبه حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة فلما رأى ذلك سليمان عرف أنه من أمر الله . قال: وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله ﵎ أن يردَّ على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان. قال: فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا لهنَّ: أتنكرنَّ من سليمان شيئًا؟ قلن: نعم، إنه يأتينا ونحن حُيَّض وما كان يأتينا قبل ذلك، فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع فكتبوا كتبًا فيها سحر وكفر فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم

стр. 3696

أثاروها وقرءوها على الناس، وقالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم فأكفرَ الناسُ سليمانَ ﵊ فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم فطرحه في البحر فتلقته سمكة فأخذته، وكان سليمان ﵇ يحمل على شط البحر بالأجر فجاء رجل فاشترى سمكًا فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فدعا سليمان ﵊ فقال: تحمل لي هذا السمك؟ فقال: نعم. قال: بكم؟ قال: بسمكة من هذا السمك. قال: فحمل سليمان ﵊ السمك ثم انطلق إلى منزله فلما انتهى الرجل إلى بابه أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فأخذها سليمان ﵊ فشقَّ بطنها فإذا بالخاتم في جوفها فأخذه فلبسه، قال: فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين وعاد إلى حاله وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر فأرسل سليمان ﵊ في طلبه وكان شيطانًا مريدًا، فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يومًا نائمًا فجاؤوا فبنوا عليه بنيانًا من رصاص، فاستيقظ فوثب فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا أنماط معه من الرصاص، قال: فأخذوه فأوثقوه وجاؤوا به إلى سليمان ﵊، فأمر به فنقر له تخت من رخام ثم أدخل في جوفه ثم سدّ بالنحاس، ثم أُمر به، فطرح في البحر فذلك قوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ يعني: الشيطان الذي كان سلط عليه (١). إسناده إلى ابن عباس قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس ﵄ إن صحَّ عنه من أهل الكتاب وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان ﵊ فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهن الله منه تشريفًا وتكريمًا لنبيه ﵇. وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف ﵃ كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب. قال يحيى بن أبي عروبة الشيباني: وجد سليمان خاتمه بعسقلان فمشى في خرقة إلى بيت المقدس تواضعًا لله ، رواه ابن أبي حاتم (٢). وقد روى ابن أبي حاتم، عن كعب الأحبار في صفة كرسي سليمان ﵊ خبرًا عجيبًا فقال: حدثنا أبي ﵀، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، أخبرني أبو إسحاق المصري، عن كعب الأحبار أنه لما فرغ من حديث إرم ذات العماد قال له معاوية: يا أبا إسحاق أخبرني عن كرسي سليمان ﵊ وما كان عليه ومن أي شيء هو، فقال: كان كرسي سليمان من أنياب الفيلة مرصعًا بالدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ، وقد جعل له درجة منها مفصصًا بالدر والياقوت والزبرجد، ثم أمر بالكرسي فحفَّ من جانبيه بالنخل: نخل من ذهب شماريخها من ياقوت وزبرجد ولؤلؤ، وجعل على رؤوس النخل التي على يمين الكرسي طواويس من ذهب ثم

стр. 3697

جعل على رؤوس النخل التي على يسار الكرسي نسورًا من ذهب مقابلة الطواويس، وجعل على يمين الدرجة الأولى شجرتي صنوبر من ذهب وعلى يسارها أسدان من ذهب، وعلى رؤوس الأسدين عمودان من زبرجد، وجعل من جانبي الكرسي كرم من ذهب قد أظلتا الكرسي وجعل عناقيدهما درًا وياقوتًا أحمر، ثم جعل فوق درج الكرسي أسدان عظيمان من ذهب مجوفان محشوان مسكًا وعنبرًا، فإذا أراد سليمان ﵇ أن يصعد على كرسيه استدار الأسدان ساعة ثم يقعان فينضحان ما في أجوافهما من المسك والعنبر حول كرسي سليمان ﵊ ثم يوضع منبران من ذهب واحد لخليفته والآخر لرئيس أحبار بني إسرائيل ذلك الزمان، ثم يوضع أمام كرسيه سبعون منبرًا من ذهب يقعد عليها سبعون قاضيًا من بني إسرائيل وعلمائهم وأهل الشرف منهم والطول، ومن خلف تلك المنابر كلها خمسة وثلاثون منبرًا من ذهب ليس عليها أحد فإذا أراد أن يصعد على كرسيه وضع قدميه على الدرجة السفلى فاستدار الكرسي كله بما فيه وما عليه ويبسط الأسد يده اليمنى وينشر النسر جناحه الأيسر ثم يصعد سليمان ﵊ على الدرجة الثانية فيبسط الأسد يده اليسرى وبنشر النسر جناحه الأيمن فإذا استوى سليمان ﵊ على الدرجة الثالثة وقعد على الكرسي أخذ نسر من تلك النسور عظيم تاج سليمان ﵊ فوضعه على رأسه فإذا وضعه على رأسه استدار الكرسي بما فيه كما تدور الرحى المسرعة. [فقال معاوية] (١): وما الذي يديره يا أبا إسحاق؟ قال: تنين من ذهب ذلك الكرسي عليه وهو عظيم مما عمله صخر الجني فإذا أحست بدورانه دارت تلك الأسود والنسور والطواويس التي في أسفل الكرسي دُرْنَ إلى أعلاه فإذا وقف وقفن كلهن منكسات رؤوسهن على رأس سليمان ﵊ وهو جالس ثم ينضحن جميعًا ما في أجوافهن من المسك والعنبر على رأس سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام. ثم تتناول حمامة من ذهب واقفة على عمود من جوهر التوراة فتجعلها في يده فيقرؤها سليمان ﵊ على الناس (٢). وذكر تمام الخبر وهو غريب جدًا. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ قال بعضهم: لا ينبغي لأحد من بعدي؛ أي: لا يصلح لأحد أن يسلبنيه بعدي كما كان من قضية الجسد الذي ألقي على كرسيه لا أنه يحجر على من بعده من الناس، والصحيح أنه سأل من الله تعالى ملكًا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبذلك وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله ﷺ . قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح ومحمد بن جعفر، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن عفريتًا من الجن تفلت عليّ البارحة - أو كلمة نحوها - ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله ﵎ منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي

стр. 3698

سليمان ﵊: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ " قال روح: فردَّه خاسئًا (١). وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به. وقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن زيد، عن أبي إدريس الخولاني (٢)، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ يصلي فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك - ثم قال: - ألعنك بلعنة الله" ثلاثًا وبسط يده كأنه يتناول شيئًا فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك قال ﷺ : "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يتأخر ثلاث مرات ثم أردت أن آخذه والله لولا دعوة سليمان لأصبح موثقًا يلعب به صبيان أهل المدينة" (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا [مسرَّة] (٤) بن معبد، حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائمًا يصلي فذهبت أمرُّ بين يديه فردَّني ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قام يصلي صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال: "لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها - ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل" (٥). وقد روى أبو داود منه: "من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل" عن أحمد بن أبي سريج، عن أبي أحمد الزبيري به (٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد بن عبد الله الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو ﵄ وهو في حائط له بالطائف يقال له: الوهط (٧) وهو مُخاصر، فتى من قريش يُزَنُّ (٨) بشرب الخمر، فقلت بلغني: عنك حديث أنه "من شرب شربة من الخمر لم يقبل الله له توبة أربعين صباحًا، وإن

стр. 3699

الشقي من شقي في بطن أُمه، وإنه أتى البيت المقدس لا ينهزُهُ (١) إلا الصلاة فيه خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أُمه" فلما سمع الفتى ذكر الخمر اجتذب يده من يده ثم انطلق فقال عبد الله بن عمر ﵄: إني لا أُحلُّ لأحد أن يقول عليَّ ما لم أقل سمعت رسول الله يقول: "من شرب الخمر شربة لا تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد كان حقًا على الله تعالى أن يسقيه من ردغة (٢) الخبال يوم القيامة" قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره يومئذٍ اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ فلذلك أقول جفَّ القلم على علم الله ". وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن سليمان ﵇ سأل الله ثلاثًا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة، سأله حكمًا يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطانا إياها" (٣) وقد روى هذا الفصل الأخير من هذا الحديث النسائي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن فيروز الديلمي، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن سليمان ﵊ لما بني بيت المقدس سأل ربه خلالًا ثلاثًا" وذكره (٤). وقد روي من حديث رافع بن عمير ﵁ بإسناد وسياق غريبين. فقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، حدثنا محمد بن أيوب بن سويد، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي الزاهرية، عن رافع بن عمير قال: سمعت رسول الله يقول: "قال الله لداود ﵊ ابن لي بيتًا في الأرض، فبنى داود بيتًا لنفسه قبل البيت الذي أمر به فأوحى الله إليه يا داود نصبت بيتك قبل بيتي قال: يا ربِّ هكذا قضيت من ملك استأثر ثم أخذ في بناء المسجد، فلما تمَّ السور سقط ثلاثًا فشكا ذلك إلى الله . فقال: يا داود إنك لا تصلح أن تبني لي بيتًا، قال: ولم يا ربِّ؟ قال: لما جرى على يديك من الدماء، قال: يا ربِّ أو ما كان ذلك في هواك ومحبتك؟ قال: بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم، فشقَّ ذلك عليه فأوحى الله إليه: لا تحزن فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان. فلما مات داود أخذ سليمان في بنائه ولما تمّ قرّب القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل، فأوحى الله إليه قد أرى سرورك ببنيان بيتي فسلني أعطك قال: أسألك ثلاث خصال حكمًا يصادف حكمك، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمه - قال رسول الله ﷺ أما الثنتان فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة" (٥).

стр. 3700

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عمر بن راشد اليمامي، حدثنا إياس بن سلمة الأكوع، عن أبيه ﵁ قال: ما سمعت رسول الله ﷺ دعا إلا استفتحه بـ "سبحان الله ربي العلي الأعلى الوهاب" (١). وقد قال أبو عبيد: حدثنا علي بن ثابت، عن جعفر بن برقان، عن صالح بن مسمار قال: لما مات نبي الله داود ﵇ أوحى الله ﵎ إلى ابنه سليمان ﵊: أن سلني حاجتك قال: أسألك أن تجعل لي قلبًا يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلب أبي، فقال الله: أرسلت إلى عبدي وسألته حاجته فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني وأن أجعل قلبه يحبني، لأهبنَّ له ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ والتي بعدها قال فأعطاه ما أعطاه، وفي الآخرة لا حساب عليه هكذا أورده أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان ﵊ في تاريخه (٢). وروي عن بعض السلف أنه قال: بلغني عن داود ﵊ أنه قال: إلهي كن لسليمان كما كنت لي، فأوحى الله إليه: أن قل لسليمان أن يكون لي كما كنت لي أكن له كما كنت لك (٣). وقوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ قال الحسن البصري ﵀: لما عقر سليمان ﵊ الخيل غضبًا لله عوضه الله تعالى ما هو خير منها وأسرع، الريح التي غدوها شهر ورواحها شهر (٤). وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: حيث أراد من البلاد. وقوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ أي: منهم ما هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر، وطائفة غواصون في البحار يستخرجون ما فيها من اللآلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ أي: موثقون في الأغلال والأكبال ممن قد تمرد وعصى وامتنع من العمل وأبى، أو قد أساء في صنيعه واعتدى. وقوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾ أي: هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا فأعط من شئت واحرم من شئت لا حساب عليك؛ أي: مهما فعلت فهو جائز لك احكم بما شئت فهو صواب وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما خُير بين أن يكون عبدًا رسولًا - وهو الذي يفعل ما يؤمر به وإنما هو قاسم يقسم بين الناس كما أمره الله تعالى به - وبين أن يكون نبيًا ملكًا يعطي من يشاء ويمنع من يشاء بلا حساب ولا جناح، اختار

стр. 3701

المنزلة الأولى بعدما استشار جبريل ﵊، فقال له: تواضع. فاختار المنزلة الأولى لأنها أرفع قدرًا عند الله وأعلى منزلة في المعاد، وإن كانت المنزلة الثانية وهي النبوة مع الملك عظيمة أيضًا في الدنيا والآخرة، ولهذا لما ذكر تعالى ما أعطى سليمان ﵊ في الدنيا نبه تعالى على أنه ذو حظ عند الله يوم القيامة أيضًا فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ أي: في الدنيا والآخرة. ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾. يذكر ﵎ عبده ورسوله أيوب ﵊ وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده حتى لم يبق في جسده مغرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله تعالى ورسوله، فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحوًا من ثماني عشرة سنة، وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة في الدنيا، فسلب جميع ذلك حتى آلَ به الحال إلى أن أُلقي على مزبلة من مزابل البلدة (١) هذه المدة بكمالها ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته ﵂ فإنها كانت لا تفارقه صباحًا ومساءً إلا بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريبًا، فلما طال المطال، واشتد الحال، وانتهى القدر، وتم الأجل المقدر تضرع إلى ربِّ العالمين وإله المرسلين فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. وفي هذه الآية الكريمة قال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ قيل: بنصب في بدني وعذاب في مالي وولدي، فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين وأمره أن يقوم من مقامه وأن يركض الأرض برجله، ففعل فأنبع الله تعالى عينًا وأمره أن يغتسل منها، فأذهبت جميع ما كان في بدنه من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينًا أخرى وأمره أن يشرب منها، فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء وتكاملت العافية ظاهرًا وباطنًا، ولهذا قال ﵎: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾. قال ابن جرير وابن أبي حاتم جميعًا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن نبي الله أيوب ﵊ لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين كانا من أخصِّ إخوانه به كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين. قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب ﵊: لا أدري ما تقول غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان

стр. 3702

فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق. قال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله ﵎ إلى أيوب ﵊ أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ فاستبطأته فالتفتت تنظر فأقبل عليها وقد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ فوالله القدير على ذلك ما رأيت رجلًا أشبه به منك إذ كان صحيحًا. قال: فإني أنا هو. قال: وكان له أندران (١): أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله تعالى سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض (٢)، هذا لفظ ابن جرير ﵀. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما أيوب يغتسل عريانًا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب ﵊ يحثو في ثوبه فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال ﵊: بلى يا ربِّ ولكن لا غنى بي عن بركتك" (٣). انفرد بإخراجه البخاري من حديث عبد الرزاق به (٤)، ولهذا قال ﵎: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾. قال الحسن وقتادة: أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم (٥). وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أي: به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه استكانته ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: لذوي العقول ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة. وقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ وذلك أن أيوب ﵊ كان قد غضب على زوجته ووجد عليها في أمر فعلته، قيل: باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه فلامها على ذلك وحلف إن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة، وقيل: لغير ذلك من الأسباب فلما شفاه الله وعافاه كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب فأفتاه الله أن يأخذ ضغثًا وهو: الشمراخ فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة، وقد برَّت يمينه وخرج من حنثه ووفَّى بنذره، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أثنى الله تعالى عليه ومدحه بأنه ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي: رجاع منيب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، واستدل كثير من الفقهاء بهذه الآية الكريمة على مسائل في الأيمان وغيرها. وقد أخذوها بمقتضاها [ومنعت طائفة أخرى من الفقهاء من ذلك وقالوا: لم يثبت أن الكفارة كانت مشروعة في شرع

стр. 3703

أيوب ﵇، فلذلك رخص له في ذلك، وقد أغنى الله هذه الأمة بالكفارة] (١) ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)﴾. يقول ﵎ مخبرًا عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ يعني بذلك العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة والبصيرة النافذة. قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﵄ ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ يقول أولي القوة والعبادة ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾ يقول الفقه في الدين (٢). وقال مجاهد: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ يعني: القوة في طاعة الله تعالى والأبصار يعني: البصر في الحق (٣). وقال قتادة والسدي: أعطوا قوة في العبادة وبصرًا في الدين (٤). وقوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ قال مجاهد: أي: جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم غيرها (٥) وكذا قال السدي: ذكرهم للآخرة وعملهم لها (٦). وقال مالك بن دينار: نزع الله تعالى من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها، وكذا قال عطاء الخراساني. وقال سعيد بن جبير يعني بالدار: الجنة يقول أخلصناها لهم بذكرهم لها. وقال في رواية أخرى: ذكرى الدار عقبى الدار (٧). وقال قتادة: كانوا يذكرون الناس الدار الآخرة والعمل لها (٨). وقال ابن زيد: جعل لهم خاصة أفضل شيء في الدار الآخرة (٩). وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾ أي: لمن المختارين المجتبين الأخيار فهم أخيار مختارون. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾ قد تقدم الكلام على

стр. 3704

قصصهم وأخبارهم مستقصاة في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ أي: هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر، قال السدي: يعني القرآن (١). ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾. يخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء أن لهم في الدار الآخرة لحسن مآب وهو المرجع والمنقلب ثم فسره بقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب والألف واللام ههنا بمعنى الإضافة كأنه يقول: مفتحة لهم أبوابها؛ أي: إذا جاءوها فتحت لهم أبوابها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد [بن ثواب] (٢) الهباري، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الله بن مسلم يعني: ابن هرمز، عن ابن سابط، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة قصرًا يقال له: عدن حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب عند كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله - أو لا يسكنه - إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عدل" (٣). وقد ورد في ذكر أبواب الجنة الثمانية أحاديث كثيرة من وجوه عديدة. وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ قيل: متربعين على سرر تحت الحجال ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أي: مهما طلبوا وجدوا وأحضر كما أرادوا ﴿وَشَرَابٍ﴾ أي: من أي أنواعه شاؤوا أتتهم به الخدام ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ [الواقعة]. ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي: عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن ﴿أَتْرَابٌ﴾ أي: متساويات في السن والعمر هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والسدي (٤). ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾ أي: هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة هي التي وعدها لعباده المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار. ثم أخبر عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا زوال ولا انقضاء ولا انتهاء فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ كقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وكقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] وكقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي: غير مقطوع وكقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥]، والآيات في هذا كثيرة جدًا.

стр. 3705

﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾. لما ذكر ﵎ مآل السعداء ثنى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وهم الخارجون عن طاعة الله المخالفون لرسل الله ﷺ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أي: لسوء منقلب ومرجع. ثم فسره بقوله جل وعلا: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ أي: يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦)﴾ ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)﴾ أما الحميم فهو الحار الذي قد انتهى حره، وأما الغساق فهو ضده وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم. ولهذا قال: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ أي: وأشياء من هذا القبيل: الشيء وضده يعاقبون بها. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو أن دلوًا من غسَّاق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا" (١) ورواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج به ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين (٢)، كذا قال وقد تقدم في غير حديثه، ورواه ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث به (٣). وقال كعب الأحبار: غسَّاق عين في جهنَّم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية وعقرب وغير ذلك، فيستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه وعقبيه ويجر لحمه كله كما يجر الرجل ثوبه (٤)، رواه ابن أبي حاتم. وقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾: ألوان من العذاب (٥)، وقال غيره كالزمهرير (٦) والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهوي إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة والجميع مما يعذبون به، ويهانون بسببه. وقوله: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩)﴾ هذا إخبار من الله تعالى عن قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] يعني: بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض، فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا

стр. 3706

أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أي: داخل ﴿مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ أي: لأنهم من أهل جهنم ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أي: فيقول لهم الداخلون ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أي: دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أي: فبئس المنزل والمستقر والمصير ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾ كما [قال: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾] (١) قال: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي لكل منكم عذاب بحسبه ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣)﴾ هذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفقدون رجالًا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا: ما لنا لا نراهم معنا في النار؟ قال مجاهد: هذا قول أبي جهل يقول: ما لي لا أرى بلالًا وعمارًا وصهيبًا (٢) وفلانًا وفلانًا، وهذا ضرب مثل وإلا فكل الكفار هذا حالهم يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار، فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم فقالوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾؟ يُسَلون أنفسهم بالمحال يقولون أو لعلهم معنا في جهنم ولكن لم يقع بصرنا عليهم، فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات وهو قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ إلى قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٤ - ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ أي: إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض ولعن بعضهم لبعض لحق لا مرية فيه ولا شك. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾. يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول للكفار بالله المشركين به المكذبين لرسوله إنما أنا منذر لست كما تزعمون ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: هو مالك جميع ذلك ومتصرف فيه ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أي: غفار مع عظمته وعزته. ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)﴾ أي: خبر عظيم وشأن بليغ وهو إرسال الله تعالى إياي إليكم ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ أي: غافلون، قال مجاهد وشريح القاضي والسدي في قوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)﴾ يعني: القرآن (٣).

стр. 3707

وقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ أي: لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف الملأ الأعلى؟ يعني: في شأن آدم ﵊ وامتناع إبليس من السجود له ومحاجته ربه في تفضيله عليه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هشام، حدثنا جهضَم اليماميَّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أبي سلَّام، عن أبي سلَّام، عن عبد الرحمن بن عائش، عن مالك بن يخامر، عن معاذ ﵁ قال: احتبس علينا رسول الله ﷺ ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس فخرج ﷺ سريعًا فثوب بالصلاة فصلى وتجوز في صلاته، فلما سلَّم قال ﷺ : "كما أنتم" ثم أقبل إلينا فقال: "إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي في أحسن صورة فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: لا أدري يا ربِّ - أعادها ثلاثًا - فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلَّى لي كل شيء وعرفت فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات. قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام في الجماعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللَّهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. وقال رسول الله ﷺ : إنها حق [فادرسوها] (١) وتعلموها" (٢). فهو حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة فقد غلط وهو في السنن من طرق، وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليمامي به، وقال حسن صحيح (٣)، وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن فإن هذا قد فسر، وأما الاختصام الذي في القرآن فقد فسر بعد هذا وهو في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾. هذه القصة ذكرها الله ﵎ في سورة البقرة وفي أول سورة الأعراف وفي سورة الحجر

стр. 3708

وسبحان والكهف وههنا وهي أن الله أعلمَ الملائكة قبل خلق آدم ﵊ بأنه سيخلق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون، وتقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته فليسجدوا له إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وامتثالًا لأمر الله ، فامتثل الملائكة كلهم ذلك سوى إبليس ولم يكن منهم جنسًا كان من الجن، فخانه طبعه وجبلته أحوج ما كان إليه فاستنكف عن السجود لآدم وخاصم ربه فيه وادَّعى أنه خير من آدم فإنه مخلوق من نار وآدم خلق من طين والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله تعالى وكفر بذلك فأبعده الله وأرغم أنفه وطرده من باب رحمته ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه إبليس إعلامًا له بأنه قد أبلس من الرحمة وأنزله من السماء مذمومًا مدحورًا إلى الأرض فسأل الله النظرة إلى يوم البعث فانظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه. فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى. وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ كما قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء]. وقوله ﵎: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ قرأ ذلك جماعة منهم مجاهد برفع الحق الأول وفسره مجاهد بأن معناه أنا الحق والحق أقول (١)، وفي رواية عنه: الحق مني وأقول الحق (٢)، وقرأ آخرون بنصبهما (٣). قال السدي: هو قسم أقسم الله به (٤). (قلت): وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وكقوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾ [الإسراء]. ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾. يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجرًا تعطونيه من عرض الحياة الدنيا ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أي: وما أريد على ما أرسلني الله تعالى به ولا أبتغي زيادة عليه بل ما أمرت به أديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنما أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة. قال سفيان الثوري: عن الأعمش ومنصور، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: أتينا عبد الله بن

стр. 3709

مسعود ﵁ فقال: يا أيها الناس من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله قال لنبيكم ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ أخرجاه من حديث الأعمش به (١). وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ يعني: القرآن ذكر لجميع المكلفين به من الإنس والجن، قاله ابن عباس (٢). وروى ابن أبي حاتم عن أبيه، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل: حدثنا قيس، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ قال: الجن والإنس (٣). وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أي: خبره وصدقه ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أي: عن قريب قال قتادة: بعد الموت (٤). وقال عكرمة: يعني يوم القيامة (٥)، ولا منافاة بين القولين فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾: قال الحسن: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين (٦). ولله الحمد والمنَّة.

стр. 3710

سُورَةُ الزُّمَر وهي مكية قال النسائي: حدثنا محمد بن النضر بن مساور، حدثنا حماد، عن مروان أبي لبابة، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان ﷺ يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر (١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾. يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن العظيم من عنده ﵎ فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء]، وقال ﵎: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت]، وقال ها هنا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ أي: المنيع الجناب ﴿الْحَكِيمِ﴾ أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ أي: فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له. وقال قتادة في قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾: شهادة أن لا إله إلا الله (٢). ثم أخبر تعالى عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم

стр. 3711

عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به. قال قتادة والسدي ومالك، عن زيد بن أسلم وابن زيد: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة (١)، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردّها والنهي عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأنّ هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به بل أبغضه ونهى عنه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]. وأخبر أن الملائكة التي في السماوات من الملائكة المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، تعالى الله عن ذلك. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: سيفصل بين الخلائق يوم معادهم ويجزي كل عامل بعمله ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ أي: لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله تعالى وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه. ثم بيَّن تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى فقال: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: لكان الأمر على خلاف ما يزعمون وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه بل هو محال وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ [الأنبياء]، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف]، كل هذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: تعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي كل شيء عبد لديه فقير إليه وهو الغني عما سواه الذي قد قهر الأشياء فدانت وذلّت وخضعت [﵎ عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا] (٢).

стр. 3712

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾. يخبر تعالى أنه الخالق لما في السماوات والأرض وما بين ذلك من الأشياء وبأنه مالك الملك المتصرف فيه يقلب ليله ونهاره ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ أي: سخرهما يجريان متعاقبين لا يفتران كل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا كقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]، هذا معنى ما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم (١). وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى مدة معلومة عند الله تعالى ثم ينقضي يوم القيامة ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أي: مع عزته وعظمته وكبريائه وهو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه. وقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة وهو آدم ﵊ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حواء ﵍ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي: خلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج وهي المذكورة في سورة الأنعام ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وقوله: [﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي] (٢): يذرأكم في بطون أمهاتكم ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ يكون أحدكم أولًا نطفة ثم يكون علقة ثم يكون مضغة ثم يخلق فيكون لحمًا وعظمًا وعصبًا وعروقًا وينفخ فيه الروح فيصير خلقًا آخر ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. وقوله: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ يعني: في ظلمة الرحم وظلمة المشيمة التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد وظلمة البطن، كذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو مالك والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد (٣). وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: هذا الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وخلقكم وخلق

стр. 3713

آباءكم هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: فيكون تعبدون معه غيره؟ أين يذهب بعقولكم؟ ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾. يقول ﵎ مخبرًا عن نفسه ﵎ أنه الغني عما سواه من المخلوقات كما قال موسى ﵊: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] وفي صحيح مسلم: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منك ما نقص ذلك من ملكي شيئًا" (١). وقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ أي: لا يحبه ولا يأمر به ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي: يحبه لكم ويزدكم من فضله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تحمل نفس عن نفس شيئًا بل كل مطالب بأمر نفسه ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: فلا تخفى عليه خافية. وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ أي: عند الحاجة يتضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء: ٦٧]، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: في حال العافية يشرك بالله ويجعل له أندادًا ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي: قل لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه تمتع بكفرك قليلًا وهو تهديد شديد ووعيد أكيد كقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان]. ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾. يقول تعالى: أمّنْ هذه صفته كمن أشرك بالله وجعل له أندادًا؟ لا يستوون عند الله كما قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران]، وقال ههنا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ أي: في حال سجوده وفي حال

стр. 3714

قيامه ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة وليس هو القيام وحده كما ذهب إليه آخرون. وقال الثوري، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: القانت المطيع لله ولرسوله ﷺ (١). وقال ابن عباس والحسن والسدي وابن زيد: آناء الليل جوف الليل (٢). وقال الثوري، عن منصور: بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء (٣). وقال الحسن وقتادة: آناء الليل أوله وأوسطه وآخره (٤). وقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أي: في حال عبادته خائف راجٍ ولا بد في العبادة من هذا وهذا وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب ولهذا قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فإذا كان عند الاحتضار فليكن الرجاء هو الغالب عليه كما قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت، عن أنس ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ على رجل وهو في الموت فقال له: "كيف تجدك؟ " فقال: أرجو وأخاف، فقال رسول الله ﷺ : "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه [الله] (٥) الذي يرجو وأمنه الذي يخافه" (٦). رواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه من حديث سيار بن حاتم، عن جعفر بن سليمان (٧) به وقال الترمذي غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت، عن النبي ﷺ مرسلًا (٨). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبة، عن عبيدة النميري، حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى الخراز، حدثنا يحيى البكاء أنه سمع ابن عمر ﵄ يقرأ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ قال ابن عمر: ذاك عثمان بن عفان ﵁ (٩). وإنما قال ابن عمر ﵄ ذلك لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان ﵁ بالليل وقراءته حتى إنه ربما قرأ القرآن في ركعة كما روى ذلك أبو عبيدة عنه رضي الله تعالى عنه (١٠)، وقال الشاعر:

стр. 3715

ضحوا بأشمط عنوان السجود به … يقطع الليل تسبيحًا وقرآنا (١) وقال الإمام أحمد: كتب إليّ الربيع بن نافع، حدثنا الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، عن سليمان بن موسى، عن كثير بن مرة، عن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة" (٢). وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب، عن عبد الله بن يوسف والربيع بن نافع كلاهما عن الهيثم بن حميد به (٣). وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أندادًا ليضل عن سبيله ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا من له لُبٌّ وهو العقل. ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾. يقول تعالى آمرًا عباده بالاستمرار على طاعته وتقواه ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ أي: لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم. وقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ قال مجاهد: فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان. وقال شريك: عن منصور عن عطاء في قوله ﵎: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ قال: إذا دعيتم إلى معصية فاهربوا ثم قرأ ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (٤) [النساء: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال الأوزاعي ليس يوزن لهم ولا يكال لهم إنما يغرف لهم غرفًا (٥). وقال [ابن جريج] (٦): بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يزادون على ذلك (٧). وقال السدي: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يعني: في الجنة (٨). وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ أي: إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾. قال السدي: يعني من أمته ﷺ .
следующие страницы →