← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قال ابن جرير (١): وقال بعضهم: إنما قالت الملائكة ما قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ لأن الله أذن (لها) (٢) في السؤال عن ذلك بعد ما أخبرهم أن ذلك كائن من بني آدم، فسألته الملائكة، فقالت على التعجب منها: وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم؟ فأجابهم ربهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أن ذلك كائن منهم، وإن لم تعلموه أنتم ومن بعض (من) (٣) ترونه لي طائعًا. قال (٤): وقال بعضهم: ذلك من الملائكة على وجه [الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك، فكأنهم قالوا: (يا رب) (٥)، خبرنا - (مسألة) (٦) استخبار منهم، لا على وجه] (٧) الإنكار. واختاره ابن جرير. [وقال سعيد (٨)، عن قتادة؛ قوله (تعالى) (٩): ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - قال: استشار الملائكة في خلق آدم، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وقد علمت الملائكة (من علم اللّه) (١٠) أنه لا شيء أكره عند اللّه من سفك الدماء والفساد في الأرض - ونحن نسبح بحمدك، ونقدس لك. قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فكان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنوا الجنة؛ قال: وذكر لنا عن ابن عباس أنه كان يقول: إن الله لما أخذ في خلق آدم ﵇ (١١) قالت الملائكة: ما اللّه خالق خلقًا أكرم عليه منا، ولا أعلم منا؛ فابتلوا بخلق آدم، وكل خلق مبتلى، كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة، فقال (الله تعالى) (١٠): ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]] (١٢). [(وقوله تعالى) (١٠): ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال عبد الرزاق (١٣)، عن معمر، عن قتادة، قال: التسبيح: التسبيح. والتقديس: الصلاة. وقال السدي (١٤)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة] (١٥)، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: يقولون: نصلي لك.

стр. 387

وقال مجاهد (١): ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: نعظمك ونكبرك. وقال الضحاك (٢): التقديس: التطهير. وقال محمد بن إسحاق (٣): ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: لا نعصي، ولا نأتي شيئًا تكرهه. وقال ابن جرير (٤): التقديس: هو التعظيم والتطهير. ومنه قولهم: سبوح قدوس: يعني بقولهم: سبوح: تنزيه (للّه) (٥)، وبقولهم قدوس: طهارة وتعظيم له (ولذلك) (٦) قيل للأرض: أرض مقدسة؛ يعني بذلك: المطهرة؛ فمعنى قول الملائكة إذًا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأناس، وما أضاف إليك أهل الكفر بك. [وفي "صحيح مسلم" (٧)، عن أبي ذر ﵁: أن رسول اللّه ﷺ سُئل أي الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى اللّه لملائكته: سبحان اللّه وبحمده". وروى البيهقي (٨) عن عبد الرحمن بن قرط: أن رسول اللّه ﷺ ليلة أسرى به سمع تسبيحًا في السموات العلى "سبحان العلي الأعلى، "] (٩).

стр. 388

﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال قتادة (١): فكان في علم اللّه أنه سيكون في تلك الخليقة أنبياء ورسل، وقوم صالحون وساكنو الجنة. وسيأتي عن ابن مسعود، وابن عباس، وغير واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. [وقد استدل القرطبي (٢) وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة، ليفصل بين الناس فيما (يختلفون) (٣) فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفاحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والإمامة تنال بالنص، كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه، كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده، كما فعل الصديق (في) (٤) عمر بن الخطاب، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته، أو بمبايعة واحد منهم له؛ فيجب التزامها عند الجمهور؛ وحكى على (ذلك) (٥) إمام الحرمين الإجماع واللّه أعلم. أو بقهر واحد (من) (٦) الناس على طاعته، فتجب، لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف. وقد نص عليه الشافعي؛ وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ فيه خلاف؛ فمنهم من قال: لا يشترط. وقيل: بلى؛ ويكفي شاهدان. وقال الجبائي: يجب أربعة، وعاقد] (٧) [ومعقود له، كما ترك عمر (﵁) (٨) الأمر شورى بين ستة؛ فوقع الأمر على عاقد، وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له وهو عثمان (﵁) (٩)، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين، وفي هذا نظر. واللّه أعلم. ويجب أن يكون ذكرًا حرًا بالغًا، عاقلًا مسلمًا، عدلًا مجتهدًا، بصيرًا سليم الأعضاء، خبيرًا بالحروب والآراء، قرشيًا على الصحيح؛ ولا يشترط الهاشمي ولا المعصوم من الخطأ خلافًا (لغلاة) (١٠) الروافض. ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف. والصحيح أنه لا ينعزل، لقوله عليه (الصلاة و) (١١) السلام: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من اللّه فيه برهان" (١٢)] (١٣).

стр. 389

[وهل له أن يعزل نفسه؛ فيه خلاف، وقد عزل الحسن بن علي (﵁) [نفسه، وسلم الأمر إلى معاوية؛ لكن هذا لعذر؛ وقد مدح على ذلك. فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز، لقوله عليه (الصلاة و)] (١) السلام: "من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنًا من كان" (٢). وهذا قول الجمهور، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، منهم إمام الحرمين. وقالت الكرامية: يجوز (اثنان) (٣) فأكثر، كما كان علي ومعاوية إمامين واجبي الطاعة؛ قالوا: وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر جاز ذلك في الإمامة؛ لأن النبوة أعلى رتبةً بلا خلاف] (٤). [وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار، واتسعت الأقاليم بينهما. وتردد إمام الحرمين في ذلك. قلت: وهذا يشبه حال (خلفاء) (٥) بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب، [ولنقرر هذا كله في موضع آخر من "كتاب الأحكام" إن شاء اللّه تعالى] (٦)] (٧). ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾. هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصه من علم أسماء كل شيء دونهم. وهذا كان بعد سجودهم له؛ وإنما قدم هذا الفصل على ذاك لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليقة حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون؛ ولهذا ذكر اللّه هذا المقام عقيب هذا، ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم، فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. قال السدي (٨)، عمن حدثه، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: (عرض عليه) (٩) أسماء ولده إنسانًا إنسانًا، والدواب؛ فقيل: هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس. وقال الضحاك (١٠)، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس؛ إنسان، (ودابة) (١١)، وسماء، وأرض، وسهل، وبحر، (وجبل) (١٢)، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.

стр. 390

وروى (١) ابن أبي حاتم، وابن جرير، من حديث عاصم بن كليب، عن سعيد بن معبد، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: علمه اسم الصحفة والقدر؟ قال: نعم حتى الفسوة والفسية. وقال مجاهد (٢): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ - قال: علمه اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء. [وكذلك روي (٣) عن سعيد بن جبير، وقتادة وغيرهم من السلف، أنه علمه أسماء كل شيء] (٤). وقال الربيع (٥) - في رواية عنه -: أسماء الملائكة. وقال حميد (٦) الشامي: أسماء النجوم. وقال عبد الرحمن (٧) بن زيد: علمه أسماء ذريته كلهم. واختار ابن (٨) جرير أنه علمه أسماء الملائكة وأسماء الذرية؛ لأنه قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ وهذا عبارة عما يعقل. وهذا الذي رجح به ليس بلازم؛ فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب، كما قال (تعالى) (٩): ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾ [النور]. [وقد قرأ عبد اللّه بن مسعود: "ثم عرضهن". وقرأ أُبي بن كعب: "ثم عرضها"؛ أي: المسميات] (١٠). والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها؛ وذواتها (وصفاتها) (١١) وأفعالها، كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفسية؛ يعني: أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر؛ ولهذا قال البخاري (١٢) في تفسير هذه الآية في "كتاب التفسير" من "صحيحه": حدثنا مسلم بن إبراهيم،

стр. 391

حدثنا هشام، (حدثنا) (١) قتادة، عن أنس بن مالك: أن رسول اللّه ﷺ قال: [وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال] (٢): "يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا؟ فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك اللّه بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا (عند) (٣) ربِّك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم، ويذكر ذنبه فيستحيي؛ (فيقول) ائتوا نوحًا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض؛ فيأتونه فيقول: لست هُنَاكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحيي؛ فيقول: ائتوا خليل الرحمن فيأتونه فيقول: لست هناكم، فيقول: ائتوا موسى عبدًا كلَّمه الله، وأعطاه التوراة؛ فيأتونه، فيقول: لست هناكم. ويذكر قتل النفس بغير نفس فيستحيي من ربه؛ (فيقول) (٤): ائتوا عيسى عبد اللّه ورسوله، وكلمة اللّه وروحه، فيأتونه فيقول: لست هناكم، ائتوا محمدًا عبدًا غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي (فيؤذن) (٥) لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء اللّه، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل تسمع، واشفع تشفع؛ فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه؛ فإذا رأيت ربي مثله؛ ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة [ثم أعود الثالثة] (٦) ثم أعود الرابعة، فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود. هكذا ساق البخاري هذا الحديث ها هنا، وقد رواه مسلم، والنسائي من حديث هشام، وهو ابن أبي عبد اللّه الدستوائي، عن قتادة، به. وأخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه من حديث سعيد، وهو ابن أبي عروبة، عن قتادة. ووجه إيراده ها هنا، والمقصود منه قوله عليه (الصلاة و) (٧) السلام: فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس؛ خلقك اللّه بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء. فدل هذا على أنه علمه أسماء جميع المخلوقات؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ يعني: المسميات، كما قال عبد الرزاق (٨)، عن معمر، عن قتادة؛ قال: ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة، ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقال السدي في "تفسيره" (٩)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة.

стр. 392

وقال ابن جريج (١)، عن مجاهد: (ثم عرضهم) (٢): عرض أصحاب الأسماء على الملائكة. وقال ابن جرير (٣): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك بن فضالة، عن الحسن وأبي بكر، عن الحسن، وقتادة؛ قالا: علمه اسم كل شيء، وجعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضت عليه أُمّة أُمة. وبهذا الإسناد (٤) عن الحسن وقتادة - في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ - إني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. وقال الضحاك (٥)، عن ابن عباس: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون أني لم أجعل في الأرض خليفة. وقال السدي (٦)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. وقال ابن جرير (٧): وأولى الأقوال في ذلك تأويل ابن عباس ومن قال بقوله، ومعنى ذلك: فقال أنبئوني بأسماء من عرضته عليكم أيها الملائكة القائلون: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ من غيرنا أم منا؟ فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قيلكم: (إني) (٨) إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني (ذريته) (٩)، وأفسدوا، وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني، واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس؛ فإذا كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضت عليكم وأنتم تشاهدونهم فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد أحرى أن تكونوا غير عالمين. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ هذا تقديس وتنزيه من الملائكة للّه تعالى [أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء (أو) (١٠) أن يعلموا شيئًا إلا ما علمهم اللّه تعالى] (١١)؛ ولهذا قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ

стр. 393

الْحَكِيمُ﴾ [أي: العليم بكل شيء، الحكيم] (١) في خلقك وأمرك، وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء، لك الحكمة في ذلك؛ والعدل التام. قال ابن أبي حاتم (٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: سبحان اللّه، قال: تنزيه اللّه نفسه عن السوء (قال) (٣)؛ ثم قال عمر لعلي وأصحابه عنده: "لا إله إلا اللّه" قد عرفناها، فما سبحان اللّه؟ فقال له علي: كلمة أحبها اللّه لنفسه، ورضيها، وأحب أن تقال. قال (٤): وحدثنا أبي، حدثنا (ابن نقيل) (٥)، (حدثنا) (٦) النضر بن (عربي) (٧)؛ قال: سأل رجل ميمون بن مهران عن: "سبحان اللّه" قال: اسم يعظم اللّه به، ويحاشي به من السوء. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾. قال زيد بن أسلم (٨): قال: أنت جبرائيل، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتى عدد الأسماء كلها حتى بلغ الغُراب. وقال مجاهد (٩) - في (قول الله) (١٠): ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ - قال: اسم الحمامة والغراب، واسم كل شيء. وروي عن سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة نحو ذلك (١١).

стр. 394

فلما ظهر فضل آدم ﵇ على الملائكة ﵈ في سرده ما علَّمه اللّه تعالى من أسماء الأشياء قال اللّه تعالى للملائكة: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه] وكما قال تعالى إخبارًا عن الهدهد أنه قال لسليمان: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ [النمل]. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ غير ما ذكرناه؛ فروى الضحاك (١) عن ابن عباس: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ - قال: أعلم السر كما أعلم العلانية؛ يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار. وقال السدي (٢)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة؛ قال: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ … ﴾ [البقرة: ٣٠] (الآية) (٣) فهذا الذي أبدوا؛ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر والاغترار. وكذلك قال سعيد بن (٤) جبير، ومجاهد، والسدي، والضحاك، والثوري (٥). واختار ذلك ابن جرير (٦). وقال أبو العالية (٧)، والربيع (٨) بن أنس، والحسن (٩)، وقتادة (١٠): هو قولهم: (لن) (١١) يخلق ربنا خلقًا إلا كنا (نحن) (١٢) أعلم منه، وأكرم (عليه منه) (١٣).

стр. 395

[وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فكان الذي أبدو هو قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] وكان الذي كتموا بينهم هو قولهم: لن يخلق ربنا خلقًا إلا كنا أعلم منه وأكرم] (١)؛ فعرفوا أن اللّه فضل عليهم آدم في العلم والكرم. وقال ابن جرير (٢)، حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قصة الملائكة وآدم: فقال اللّه للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمته، (فلذلك) (٣) أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطيعني. قال: وقد سبق من اللّه: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] قال: ولم تعلم الملائكة ذلك، ولم يدروه. قال: فلما رأوا ما أعطى اللّه آدم من العلم أقروا له بالفضل. وقال ابن جرير (٤): وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس؛ وهو أن معنى قوله (تعالى) (٥): ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ وأعلم - مع علمي غيب السموات والأرض - ما تظهرونه بألسنتكم، وما كنتم (تخفونه) (٦) في أنفسكم، فلا يخفى علي شيء، سواء عندي سرائركم وعلانيتكم. والذي أظهروه بألسنتهم قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ والذي كانوا يكتمون ما كان (منطويًا) (٧) (عليه) (٨) إبليس من الخلاف على الله في (أمره) (٩) والتكبر عن طاعته. قال] (١): وصح ذلك كما تقول العرب: قُتل الجيش وهُزموا، وإنما قتل الواحد أو البعض، وهزم الواحد أو البعض؛ فيخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] ذكر أن الذي نادى إنما كان واحدًا من بني تميم، قال: وكذلك قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾. وهذه كرامة عظيمة من اللّه تعالى لآدم امتن بها على ذريته حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، وقد دل على ذلك (أحاديث أيضًا كثيرة) (١٠)؛ منها حديث الشفاعة المتقدم، وحديث موسى (١١) ﵇: "رب أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة؛ فلما اجتمع به قال: أنت آدم الذي خلقه اللّه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته"؟ قال: وذكر الحديث كما سيأتي إن شاء اللّه.

стр. 396

وقال ابن جرير (١): حدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم: (الجن) (٢)، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة؛ وكان اسمه الحارث، وكان خازنًا من خُزَّان الجنة؛ قال: وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي؛ قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، [وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ألهبت؛ قال: وخلق الإنسان من طين] (٣). فأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضًا؛ قال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، وهم هذا الحي الذين يقال لهم: الجن، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال؛ فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه؛ فقال: قد صنعت شيئًا لم يصنعه أحد؛ قال: فاطلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه؛ فقال الله تعالى للملائكة الذين (كانوا) (٤) معه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. فقالت الملائكة - مجيبين له -: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] كما أفسدت الجن وسفكت الدماء؛ وإنما بعثتنا عليهم لذلك؟ فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] يقول: إني قد اطلعت (من) (٥) قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره. قال: ثم أمر بتربة آدم، فرفعت؛ فخلق الله آدم من طين لازب، واللَّازب: (اللزج) (٦) (الصلب) (٧) من حمإ مسنون منتن؛ وإنما كان حمأً مسنونًا بعد التراب، فخلق منه آدم بيده. قال: فمكث أربعين ليلةً جسدًا ملقىً، وكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل فيصوِّت؛ فهو قول الله تعالى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] يقول: كالشيء (المنفوخ) (٨) الذي ليس بمصمت. قال: ثم يدخل (في فيه) (٩) ويخرج من دبره، ويدخل من دبره ويخرج من فيه، ثم يقول: لست شيئًا للصلصلة، ولشيء ما خُلقت، ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك. قال: فلما نفخ الله فيه من روحه أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى من جسده، فذهب لينهض، فلم يقدر؛ فهو قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] قال:

стр. 397

ضجرًا لا صبر له على سراء ولا ضراء، قال: فلما تمت النفخة في جسده عطس، فقال: "الحمد لله رب العالمين" بإلهام الله؛ فقال الله له: "يرحمك الله يا آدم". قال: ثم قال تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم، فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار؛ فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سنًّا، وأقوى خلقًا؛ ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] يقول: إن النار أقوى من الطين. قال: فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله؛ (أي) (١) آيسه، من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبةً لمعصيته. ثم علَّم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها؛ (ثم) (٢) عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة - يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس الذين خُلقوا من نار السموم؛ وقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١] أي: يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون لِمَ أَجعل في الأرض خليفة. قال: فلما علمت الملائكة (مؤاخذة) (٣) الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب الذي لا يعلمه غيره الذي ليس لهم به علم ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ [البقرة:٣٢] تنزيهًا لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، تُبنا إليك، ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] تبريًا منهم من علم الغيب، إلا ما علمتنا كما علمت آدم؛ فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] يقول: أخبرهم بأسمائهم ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ [البقرة: ٣٣] (يقول: أخبرهم) (٤) ﴿بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٣٣] أيتها الملائكة خاصةً: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] ولا يعلم غيري؛ ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] يقول: ما تظهرون، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية؛ يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار. هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها؛ وهذا الإسناد إلى ابن عباس يُروى به تفسير مشهور. وقال السدي في "تفسيره" (٥)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن أنس من أصحاب النبي ﷺ : لما فرغ الله من خلق ما أحبَّ استوى على العرش، فجعل إبليس على ملك السماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن؛ وإنما سموا الجن لأنهم خُزَّان الجنة؛ وكان إبليس مع مُلكه خازنًا، فوقع في صدره (٦)؛ وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله على ذلك

стр. 398

منه؛ فقال الله للملائكة ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فقالوا: ربنا، وما يكون (ذلك) (١) الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا: ربنا؛ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] يعني: من شأن إبليس. فبعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن (تنقص) (٢) مني، أو تشينني. فرجع ولم يأخذ، وقال: (يا) (٣) رب؛ إنها عاذت بك فأعذتها. فبعث ميكائيل فعاذت منها فأعاذها؛ فرجع فقال كما قال جبريل. فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلط ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به؛ فبل التراب حتى عاد طينًا لازبًا؛ واللَّازب هو الذي (يلتزق) (٤) بعضه ببعض، ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ [ص] فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه، ليقول له: تتكبر عما عملت بيدي، ولم أتكبر أنا عنه بخلقه بشرًا؛ فكان جسدًا من طين أربعين سنةً من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة، ففزعوا منه لما رأوه (وكان) (٥) أشدهم فزعًا منه إبليس؛ فكان يمر به فيضربه فيصوّت الجسد كما يصوت الفخار يكون له صلصلة؛ فذلك حين يقول: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ويقول: لأمر ما خلقت. ودخل من فيه فخرج من دبره. وقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صمد، وهذا أجوف؛ لئن سلطت عليه لأهلكنه. فلما بلغ الحين الذي يريد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له. فلما نفخ فيه الروح، فدخل الروح في رأسه عطس؛ فقالت الملائكة: قل الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال له الله: "يرحمك ربك". فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل الروح إلى جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾ [الحجر] ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدي؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد (لبشر) (٦) خلقتَه من طين، قال الله له: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣] يعني: ما ينبغي لك، ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]، والصفار: هو الذل.

стр. 399

قال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ثم عرض الخلق على الملائكة، ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] أن بني آدم يفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء؛ فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ﴾ [البقرة] الله: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]، قال: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] فهذا الذي أبدوا ﴿وَأَعْلَمُ﴾ [البقرة: ٣٣] ما (كنتم) (١) ﴿تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] "؛ يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر. فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في "تفسير السدي"، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة. والله أعلم. والحاكم يروى في "مستدركه" بهذا الإسناد بعينه أشياء، ويقول: " (هو) (٢) على شرط البخاري" (٣). والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس في خطابهم؛ لأنه وإن لم يكن من عنصرهم إلا أنه كان قد تشبه بهم، (وتوسم) (٤) بأفعالهم؛ فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذُم في مخالفة الأمر. وسنبسط المسألة إن شاء الله تعالى عند قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. ولهذا قال محمد بن إسحاق (٥)، عن خلاد، (عن) (٦) عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس؛ قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه (عزازيل) (٧)، وكان من سكان الأرض وكان من أشد الملائكة اجتهادًا، وأكثرهم علمًا؛ (فذلك) (٨) دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون: "حنًّا". وفي رواية (٩): عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس أو مجاهد، عن ابن عباس، أو غيره، بنحوه.

стр. 400

وقال ابن أبي (١) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد - يعني: ابن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن (مسلم) (٢)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد. وقال سنيد (٣): عن حجاج، عن ابن جريج؛ قال: قال ابن عباس: كان إبليس من (أشرف) (٤) الملائكة (و) (٥) أكرمهم قبيلةً، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض، وهكذا روى الضحاك (٦) وغيره عن ابن عباس سواء. وقال صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس: إن من الملائكة قبيلًا يقال لهم: "الحن": وكان إبليس منهم، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فمسخه الله شيطانًا رجيمًا، رواه ابن جرير (٧). وقال قتادة (٨)، عن سعيد بن المسيب: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا. وقال ابن جرير (٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عدي بن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن؛ قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس.

стр. 401

وهذا إسناد صحيح عن الحسن. وهكذا قال عبد الرحمن (١) بن زيد بن أسلم سواء. وقال شهر بن حوشب (٢): كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء. رواه ابن جرير. وقال سنيد بن داود (٣): حدثنا هشيم، أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نمير، وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود؛ قال: كانت الملائكة تقاتل الجن، فسُبي إبليس وكان صغيرًا، فكان مع الملائكة يتعبد معها، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا، فأبى إبليس؛ فلذلك قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]. وقال ابن جرير (٤): حدثنا محمد بن سنان (القزاز) (٥)، حدثنا أبو عاصم، عن شريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: إن الله خلق خلقًا، فقال: اسجدوا لآدم، فقالوا: لا نفعل، فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق خلقًا آخر، فقال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١] اسجدوا لآدم. قال: فأبوا، فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق هؤلاء فقال: اسجدوا لآدم. قالوا: نعم. وكان إبليس من أولئك الذين أبَوْ أن يسجدوا لآدم. وهذا غريب ولا يكاد يصح إسناده؛ فإن فيه رجلًا (مبهمًا) (٦)، ومثله لا يحتج به. والله أعلم. وقال قتادة (٧) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾: فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم؛ أكرم الله آدم (بها) (٨) أن أسجد له ملائكته. [وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] وقد كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية، ولكنه (نسخ في ملتنا) (٩). قال (معاذ) (١٠): قدمت الشام، فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك. فقال: "لا، لو كنت آمرًا بشرًا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد (لبعلها) (١١) من عظم حقه عليها" (١٢)] (١٣) ..........................

стр. 402

[ورجحه الرازي (١). وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلةً فيها، كما قال] (٢) [تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وفي هذا التنظير نظر. والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا، واحترامًا وسلامًا؛ وهي طاعة لله ؛ لأنها امتثال لأمره تعالى. وقد قواه (فخر الدين) (٣) الرازي في "تفسيره"، وضعف ما عداه من القولين الآخرين؛ وهما كونه جعل قبلةً؛ إذ لا يظهر في شرف؛ والآخر أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض، وهو ضعيف كما قال] (٢). وقال (قتادة) (٤): في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حسد عدو الله إبليس آدم ﵇ (على) (٥) ما أعطاه الله من الكرامة؛ وقال: أنا ناري وهذا طيني. وكان بدء الذنوب الكبر؛ استكبر عدو الله أن يسجد لآدم ﵇. [قلت: وقد ثبت في "الصحيح" (٦) "لا يدخل الجنة من كان] (٧) [في قلبه مثقال حبة (من) (٨) خردل من كبر". وقد كان في قلب إبليس من الكبر، والكفر والعناد، ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس] (٩). وقال ابن أبي حاتم (١٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا صالح بن حيان، حدثنا عبد الله بن بريدة - قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ من الذين أبوا فأحرقتهم النار. وقال أبو جعفر (١١)، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يعني: من العاصين. وقال السدي (١٢): ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الذين لم يخلقهم الله يومئذ، يكونون بعد. [وقال محمد بن كعب (١٣) القرظي: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة وعمل بعمل] (١٤)

стр. 403

[الملائكة، فصيره الله إلى ما (ابتدأه) (١) عليه خلقه من الكفر؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾] (٢). [قال محمد بن نصر (٣) المروزي: حدثنا أبو زرعة، حدّثنا عمرو بن] (٤) [رافع البجلي، حدّثنا كنانة بن جبلة، عن سهيل بن أبي (حزم) (٥)، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أمر آدم بالسجود، فسجد؛ فقال: لك الجنة ولمن سجد من ولدك، وأمر إبليس بالسجود، فأبى أن يسجد، فقال: لك النار ولمن أبى من ولدك أن يسجد"] (٦). [قال بعض (المعربين) (٧): ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: وصار من الكافرين بسبب امتناعه؛ كما قال: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] وقال: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقال الشاعر: بتيهاء قفر والمطي كأنها … قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها أي: قد صارت. وقال ابن فورك: تقديره: و (قد) (٨) كان في علم الله من الكافرين. ورجحه القرطبي (٩)، وذكر ها هنا مسألةً، فقال: قال علماؤنا ﵏ (١٠): من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبيٍّ كراماتٍ وخوارق للعادات؛ فليس ذلك دالًّا على ولايته، خلافًا لبعض الصوفية والرافضة] (١١).

стр. 404

[هذا لفظه، ثم استدل على ما قال بأنا لا نقطع (لهذا) (١) الذي جرى الخارق على يديه أنه يوافى الله بالإيمان (ولا هو) (٢) يقطع لنفسه بذلك، يعني: (والولي) (٣) الذي يقطع له بذلك في نفس الأمر. قلت: وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على (يد) (٤) غير الولي؛ بل قد يكون على (يدي) (٥) الفاجر والكافر أيضًا بما ثبت (٦) عن ابن صياد أنه قال: هو الدخ حين خبأ له رسول الله ﷺ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان] وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر؛ وبما ثبتت (٧) به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة؛ من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب؛ وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه إلى غير ذلك من الأمور المهولة. وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره] (٨) [على الكتاب والسنة (٩). فقال الشافعي: قصر الليث ﵀؛ بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء فلا تغتروا به، حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة] (١٠). [وقد تكلم كثير من المفسرين عند هذه الآية وهي الأمر بسجود الملائكة لآدم على مسألة تفضيل البشر على الملك أو بالعكس، وقد بسط الكلام فيها فخر الدين الرازي في "تفسيره" (١١)، وحكى عن أكثر أهل السنة أن الأنبياء أفضل من الملائكة، إلا أن أبا بكر الباقلاني، وأبا عبد الله الحليمي، فإنهما ذهبا إلى تفضيل الملائكة على الأنبياء، ثم شرع بذكر دلائل كل قول من الأقوال، وهذه المسألة مقررة في علم الأصول، وفيها أقوال كثيرة منتشرة، ولم يتكلم كثير من السلف فيها، فرأينا الإضراب عن بسط الكلام فيها ها هنا والله أعلم بالصواب] (١٢). [وقد حكى (فخر الدين) (١٣) (الرازي) (١٤) وغيره قولين للعلماء، هل المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض، أو عام في ملائكة] (١٥).

стр. 405

(١) [السموات والأرض؟ وقد رجح كلا من القولين طائفة. وظاهر الآية الكريمة العموم: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١] فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم. والله أعلم] (١). ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾. (يقول الله تعالى) (٢) - إخبارًا عما أكرم به آدم: بعد أن أمر (ملائكته) (٣) بالسجود له فسجدوا إلا إبليس: إنه أباحه الجنة؛ يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما (يشاء) (٤) رغدًا؛ أي: هنيئًا واسعًا طيبًا. وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه (٥)، من حديث محمد بن عيسى الدامغاني، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ميكائيل، عن ليث، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر؛ قال: قلت: يا رسول الله؛ أرأيت آدم؛ أنبيًّا كان؟ قال: "نعم نبيًّا رسولًا (كلَّمه) (٦) الله (قِبلًا) (٧) - يعني: عيانًا) (٨) فقال: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾. وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم أهي في السماء (أو) (٩) في الأرض؟ فالأكثرون على الأول.

стр. 406

[وحكى القرطبي (١) عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض] (٢). وسيأتي تقرير ذلك في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى. وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم الجنة. وقد صرح بذلك محمد بن (٣) إسحاق؛ حيث قال: لما فرغ الله من معاتبة إبليس أقبل على آدم، وقد علَّمه الأسماء كلها؛ فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ … ﴾ [البقرة: ٣٣] إلى قوله: [﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ (الْحَكِيمُ) (٤)﴾ [البقرة: ٣٢]] (٥) قال: ثم ألقيت السِّنَةُ على آدم فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، (عن ابن عباس وغيره) (٦)؛ ثم أخذ ضلعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهب من نومه، حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء؛ فسواها امرأةً ليسكن إليها. فلما كشف عنه السنة وهب من نومه رآها إلى جنبه؛ فقال - فيما يزعمون والله أعلم: "لحمي ودمي (وزوجتي) (٧) "؛ فسكن إليها. فلما زوجه الله، وجعل له سكنًا من نفسه، قال له (قبلًا) (٨): ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ويقال: إن خلق حواء كان بعد دخول الجنة، كما قال السدي في (خبر) (٩)، ذكره (١٠) عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: أُخرج إبليس من الجنة، وأسكن آدم الجنة؛ فكان يمشي فيها (وحشًا) (١١) ليس له زوج يسكن إليه، فنام نومةً، فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: (تسكن) (١٢) إليّ. قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء. قالوا: ولم حواء؟ قال: إنها خلقت من شيء حيٍّ (١٣)، قال الله: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾.

стр. 407

[وأما قوله (تعالى) (١)] (٢): ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فهو اختبار من الله تعالى، وامتحان لآدم. وقد اختلف في هذه الشجرة ما هي؟ فقال السدي (٣)، عمن حدثه، عن ابن عباس: الشجرة التي نُهى عنها آدم ﵇ هي الكرم. وكذا قال سعيد بن (٤) جبير، والسدي، والشعبي، وجعدة بن هبيرة، ومحمد بن قيس. وقال السدي أيضًا في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة، ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هي الكرم (٥). (وتزعم) (٦) يهود أنها الحنطة. وقال ابن جرير (٧)، وابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، حدثنا أبو يحيى الحماني، حدثنا (النضر) (٨) أبو عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: الشجرة التي نهى (الله) (٩) عنها آدم (﵇) (١٠) هي: السنبلة. وقال عبد الرزاق (١١): أنبأنا ابن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، [قال: هي السنبلة. وقال محمد بن (١٢) إسحاق، عن رجل من أهل العلم، عن مجاهد، عن ابن عباس؛] (١٣) قال: هي البر.

стр. 408

وقال ابن جرير (١): وحدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا القاسم، حدثني رجل من بني تميم - أن ابن عباس كتب إلى أبي (الجلد) (٢) يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدم، والشجرة التي تاب عندها آدم، فكتب إليه أبو (الجلد) (٢): سألتني عن الشجرة التي نهى عنها آدم، وهي السنبلة، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم وهو الزيتونة. وكذلك (٣) فسره الحسن البصري، ووهب بن منبه، وعطية العوفي، وأبو مالك، ومحارب بن دثار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. (وقال) (٤) محمد بن إسحاق (٥)، عن بعض أهل اليمن، عن وهب بن منبه - أنه كان يقول: هي البر، ولكن الحبة منها في الجنة ككلى البقر، (ألين) (٦) من الزبد، وأحلى من العسل. وقال سفيان الثوري (٧)، عن حصين، عن أبي مالك: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ - قال: النخلة. وقال (ابن جريج) (٨)، عن مجاهد (٩): ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ - قال: التينة. وبه قال قتادة، وابن جريج (١٠). وقال أبو جعفر (١١) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: كانت الشجرة من أكل منها أحدث، ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث. وقال عبد الرزاق (١٢): حدثنا عمر بن عبد الرحمن بن (مهرب) (١٣)؛ قال: سمعت وهب بن

стр. 409

منبه يقول: لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة، ونهاه عن أكل الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها (في) (١) بعض، وكان لها ثمر - يأكله الملائكة لخلدهم، وهي (الثمرة) (٢) التي نهى الله عنها آدم وزوجته. فهذه أقوال ستة في (تعيين) (٣) هذه الشجرة. قال الإمام العلامة أبو جعفر (٤) بن جرير ﵀: والصواب في ذلك أن يقال إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل (شجرة) (٥) بعينها من أشجار الجنة دون سائر (أشجارها) (٦)، فأكلا منها ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين؛ لأن الله لم يضع لعباده دليلًا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة. وقد قيل: كانت شجرة البر. وقيل: كانت شجرة العنب. وقيل: كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدةً منها؛ وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به. والله أعلم. [وكذلك رجح (الإبهام) (٧) (فخر الدين) (٨) الرازي في "تفسيره" (٩) وغيره وهو الصواب] (١٠). وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ يصح أن يكون الضمير في قوله: "عنها" عائدًا إلى الجنة، فيكون معنى الكلام - كما قرأ (حمزة) (١١) و [عاصم (بن بهدلة (١٢) وهو ابن أبي النجود)] (١٣):

стр. 410

(فأزالهما) (١)؛ أي: فنحاهما. ويصح أن يكون عائدًا على أقرب المذكورين، وهو والشجرة، فيكون معنى الكلام - كما قال الحسن (٢)، وقتادة: فأزلهما؛ أي: من (قبل) (٣) الزلل، فعلى هذا يكون تقدير الكلام: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ أي: بسببها، كما قال (تعالى) (٤): ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ [الذاريات] أي: يصرف بسببه من هو مأفوك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أي: من اللباس، والمنزل الرحب، والرزق الهنيء، والراحة. ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: قرار وأرزاق وآجال. ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت مؤقت ومقدار معين، ثم تقوم القيامة. وقد ذكر المفسرون من السلف كالسدي بأسانيده، وأبي العالية، ووهب بن منبه، وغيرهم ها هنا أخبارًا إسرائيليةً عن قصة الحية وإبليس، وكيف جرى من دخول إبليس إلى الجنة ووسوسته؛ وسنبسط (٥) ذلك إن شاء الله في سورة الأعراف؛ فهناك القصة أبسط منها ها هنا. والله الموفق. وقد قال ابن أبي حاتم (٦) ها هنا: حدثنا علي بن (الحسين) (٧) بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أُبي بن كعب؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق آدم رجلًا طوالًا كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه؛ فأول ما بدا منه عورته؛ فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة، فنازعها، فناداه الرحمن: يا آدم، مني تفر. فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب؛ لا، ولكن استحياءً". قال (٨): وحدثني جعفر بن أحمد بن الحكم (القومسي) (٩) سنة أربع وخمسين مائتين، حدثنا (سليم) (١٠) بن منصور بن عمار، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد، عن قتادة، عن أُبي بن

стр. 411

كعب؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما ذاق آدم من الشجرة (فر) (١) هاربًا، فتعلقت شجرة بشعره، فنودي: يا آدم؛ أفرارًا مني؟ قال: بل حياءً منك. قال: يا آدم، أخرج من جواري، فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني، ولو خلقت مثلك ملء الأرض خلقًا، ثم عصوني، لأسكنتهم دار العاصين". هذا حديث غريب، وفيه انقطاع؛ بل إعضال (٢) بين قتادة وأُبي بن كعب رضي الله (عنه) (٣). وقال الحاكم (٤): حدثنا أبو بكر بن (بالويه) (٥)، عن محمد بن أحمد بن النضير، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عمار بن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما (أُسكن) (٦) آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. ثم قال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". [وقال عبد بن حميد في "تفسيره": حدثنا روح، عن هشام، عن الحسن؛ قال: لبث آدم في الجنة ساعةً من نهار، تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا] (٧). وقال أبو جعفر (٨) الرازي: عن الربيع بن أنس، قال: خرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة، فأخرج آدم معه غصنًا من شجرة الجنة على رأسه تاج من شجر الجنة، وهو الإكليل من ورق الجنة. وقال السدي (٩): قال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ فهبطوا، ونزل آدم بالهند، ونزل معه الحجر الأسود، وقبضة من ورق الجنة، فبثه بالهند، فنبتت شجرة الطيب؛ فإنما أصل ما يجاء به من الطيب من الهند من قبضة الورق التي هبط بها آدم، وإنما قبضها آدم أسفًا على الجنة حين أخرج منها.

стр. 412

وقال عمران (١) بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: أُهبط آدم بـ "دحنا" (٢): أرض بالهند. وقال ابن أبي (٣) حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس؛ قال: أُهبط آدم ﵇ إلى أرض يقال لها: "دحنا" بين مكة والطائف. وعن الحسن البصري قال: أُهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بـ "دست ميسان" (٤) من البصرة على أميال، وأُهبطت الحية بأصبهان. رواه ابن أبي (٥) حاتم. وقال (ابن أبي حاتم) (٦): (حدثنا) (٧) محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا (عمرو) (٨) بن أبي قيس، عن (الزبير) (٩) (بن) (١٠) عدي، عن ابن عمر (١١)؛ قال: أُهبط آدم بالصفا وحواء بالمروة. وقال رجاء بن (أبي سلمة) (١٢): أُهبط آدم ﵇ يداه على ركبتيه مطأطئًا رأسه، وأُهبط إبليس، مشبكًا بين أصابعه، رافعًا رأسه إلى السماء. وقال عبد الرزاق (١٣): قال معمر: أخبرني عوف، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى؛ قال:

стр. 413

إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض علَّمه صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة؛ فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير. وقال الزهري، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، (عن أبي هريرة) (١)؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها" رواه مسلم (٢)، والنسائي. [وقال (فخر الدين) (٣) (الرازي) (٤): اعلم أن في هذه الآية (تهديدًا) (٥) عظيمًا عن كل المعاصي من وجوه:] (٦). [الأول - أن من تصور ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة كان على وجل شديد من المعاصي؛ قال الشاعر: يا ناظرًا يرنو بعيني راقد … ومشاهدًا للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي … درج الجنان ونيل فوز العابد أنسيت ربك حين أخرج آدمًا … منها إلى الدنيا بذنب واحد] (٧) قال ابن القاسم: ولكننا سبى العدو فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلم [قال (فخر الدين) (٨) (الرازي) (٩)، عن فتح الموصلي، أنه قال: كنا قومًا من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها (١٠). فإن قيل: فإن كانت جنة آدم التي أُخرج منها في السماء كما يقوله الجمهور من العلماء، فكيف تمكن إبليس من دخول الجنة وقد طرد من هناك طردًا قدريًّا؟ والقدريُّ لا يخالف ولا يمانع؟ فالجواب أن هذا بعينه استدل به من يقول: إن الجنة التي كان فيها آدم في الأرض لا في السماء، كما قد بسطنا هذا في أول (كتاب) (١١) "البداية والنهاية"] (١٢).

стр. 414

[وأجاب الجمهور بأجوبة: أحدها أنه منع من دخول الجنة مكرمًا، فأما على وجه (الرد) (١) والإهانة فلا يمتنع، ولهذا قال بعضهم - كما جاء في التوراة -: إنه دخل في فم الحية إلى الجنة. وقد قال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة] (٢). [وقال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض، وهما في السماء، ذكرها الزمخشري (٣) وغيره. وقد أورد القرطبي (٤) ها هنا أحاديث في الحيات وقتلهن وبيان حكم ذلك فأجاد وأفاد] (٢). ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾. قيل: إن (هذه) (٥) الكلمات مفسرة بقوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف] وروى هذا عن مجاهد (٦)، وسعيد (٧) بن جبير، وأبي العالية (٨)، والربيع بن أنس، والحسن (٩)، وقتادة (١٠)، ومحمد (١١) بن كعب القرظي، وخالد بن معدان، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن (١٢) بن زيد بن أسلم. وقال أبو إسحاق (١٣) السبيعي، عن رجل من بني تميم؛ قال: أتيت ابن عباس، فسألته: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علم شأن الحج. وقال سفيان (١٤) الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، أخبرني من سمع عبيد بن عمير - وفي رواية

стр. 415

قال: أخبرني مجاهد، عن عبيد بن عمير أنه قال: قال آدم: يا رب!، خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: بل (كتبته) (١) عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته عليَّ فاغفره لي قال: فذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. قال السدي (٢)، عمن حدثه، عن ابن عباس: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾، قال: قال آدم ﵇: يا رب، ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى. ونفخت فيَّ من روحك؟ قيل له: بلى. [وعطست فقلت: يرحمك الله، وسبقت رحمتك غضبك؟ (قيل له: بلى)] (٣). وكتبت عليّ أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى. قال: أرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم. (وكذا) (٤) رواه العوفي (٥)، وسعيد بن جبير، وسعيد بن معبد، عن ابن عباس، بنحوه. ورواه الحاكم في "مستدركه" (٦) من حديث ابن جبير، عن ابن عباس؛ وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".

стр. 416

وهكذا فسره السدي (١)، وعطية العوفي. وقد روى ابن (٢) أبي حاتم (ها هنا حديثًا) (٣) شبيهًا بهذا، فقال: حدثنا علي بن (الحسين) (٤) بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أُبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : "قال آدم ﵇: أرأيت يا رب إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم. فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ ". وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وفيه انقطاع. وقال أبو جعفر (٥) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ قال: إن آدم لما أصاب الخطيئة قال: أرأيت يا رب إن تبت وأصلحت؟ قال الله: "إذًا (أُرجعك إلى) (٦) الجنة"؛ فهي من الكلمات. ومن الكلمات أيضًا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقال ابن أبي (٧) نجيح، عن مجاهد - أنه كان يقول في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ - قال: الكلمات: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك؛ رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ أي: إنه يتوب على من تاب إليه وأناب؛ كقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ الآيات [النساء: ١١٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ [الفرقان] وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب، ويتوب على من يتوب؛ وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده، لا إله إلا هو التواب الرحيم (٨). [وذكرنا في "المسند (٩) الكبير" من طريق سليمان بن سليم، عن ابن بريدة - وهو] (١٠)

стр. 417

[سليمان -، عن أبيه، عن النبي ﷺ : "لما أُهبط آدم إلى الأرض، طاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم قال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي، فأقبل معذرتي، وتعلم حاجتي، فأعطني سؤلي، وتعلم ما عندي، فاغفر ذنوبي، أسألك إيمانًا يباشر قلبي، ويقينًا صادقًا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي. قال: فأوحى الله إليه: إنك قد دعوتني بدعاءٍ استجبت لك فيه، ولمن يدعوني به، وفرجت همومه وغمومه، ونزعت فقره من بين عينيه، (واتجرت) (١) له من وراء كل تاجر، وأتته الدنيا وهي كارهة، وإن لم يردها". رواه الطبراني في "معجمه الكبير (٢) "] (٣). ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾. يقول تعالى مخبرًا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس (حين) (٤) أهطبهم من الجنة، والمراد: الذرية: إنه سينزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل؛ كما قال أبو العالية: الهدى: الأنبياء، والرسل، (والبيان) (٥) (٦). وقال مقاتل بن حيان: الهدى: محمد ﷺ (٧). وقال الحسن: الهدى: القرآن (٨). وهذا القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعم.

стр. 418

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي: من أقبل على ما أنزلت به الكتب، وأرسلت به الرسل ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيما (يستقبلون) (١) من أمر الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾. قال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (٢) [طه] كما قال ها هنا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ أي: مخلدون فيها لا محيد لهم عنها ولا محيص. وقد أورد ابن (٣) جرير (﵀) (٤) ها هنا حديثًا ساقه من (طريقين) (٥)، عن (أبي مسلمة) (٦) سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قُطعة، عن أبي سعيد؛ واسمه (سعد) (٧) بن مالك بن سنان الخدري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن (أقوامًا) (٨) أصابتهم النار بخطاياهم، فأماتتهم إماتةً حتى إذا صاروا فحمًا أُذن في الشفاعة". وقد رواه مسلم (٩)، من حديث شعبة، عن (أبي مسلمة) (١٠) به. [وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول. وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير؛ كما يقال: قم، قم. وقال آخرون: بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني عن سماء الدنيا إلى الأرض. والصحيح الأول. والله (تعالى) (١١) أعلم (بأسرار كتابه) (١١)] (١٢). ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾. يقول تعالى آمرًا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة (وأتم) (١٣) والسلام، (ومهيجًا) (١٤) لهم بذكر أبيهم إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب ﵇؛ وتقديره:

стр. 419

يا بني العبد الصالح المطيع لله؛ كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: يا ابن الكريم، افعل كذا؛ يا ابن الشجاع، بارز الأبطال؛ يا ابن العالم، اطلب العلم، ونحو ذلك. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء] فإسرائيل هو يعقوب (﵇) (١) بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي (٢): حدثنا (عبد (٣) الحميد) بن بهرام، عن شهر بن حوشب؛ قال: حدثني عبد الله بن عباس؛ قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ ؛ فقال لهم: "هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ " قالوا: اللهم نعم، فقال النبي ﷺ : "اللهم اشهد". وقال الأعمش (٤)، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن (عبد الله) (٥) بن عباس أن إسرائيل كقولك: عبد الله. وقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قال: مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما وسوى ذلك: أن فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، (وأنجاهم) (٦) من (عبودة) (٧) آل فرعون. وقال أبو (٨) العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب. قلت: وهذا كقول موسى ﵇ لهم: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِين﴾ [المائدة: ٢٠] يعني: في زمانهم. وقال محمد بن (٩) إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله (تعالى) (١٠): ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: بلائي عندكم وعند آبائكم

стр. 420

لما كان نجاهم (به) (١) من فرعون وقومه. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال (٢): بعهدي الذي أخذت (في) (٣) أعناقكم للنبي (محمد) (٤) ﷺ إذا جاءكم أنجز لكم ما وعدتكم عليه (بتصديقه) (٥)، واتباعه، بوضع ما كان عليكم من (الإصر) (٦) والأغلال التي كانت في أعناقكم، بذنوبكم التي كانت (من) (٧) إحداثكم. [وقال الحسن البصري: هو قوله (تعالى): ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢]. وقال آخرون: هو الذي أخذه الله عليهم في التوراة: أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيًّا عظيمًا يطيعه جميع (العرب) (٨): (الشعوب) (٩) (والقبائل) (١٠)، والمراد به محمد ﷺ ؛ فمن اتبعه (غفر) (١١) له ذنبه، (وأدخل) (١٢) الجنة، وجعل له (أجران) (١٣). وقد أورد (فخر الدين) (١٤) الرازي بشارات كثيرةً عن الأنبياء عليهم (الصلاة و) (١٥) السلام بمحمد ﷺ ] (١٦). وقال أبو العالية (١٧): ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ قال: عهده إلى عباده (دينه) (١٨) الإسلام، (أن) (١٩) يتبعوه. وقال الضحاك (٢٠)، عن ابن عباس: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال: أرض عنكم، وأدخلكم الجنة؛ وكذا قال السدي (٢١)، والضحاك (٢٢)، ...........................................................

стр. 421

وأبو العالية، والربيع (١) بن أنس. وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: فاخشون؛ قاله أبو العالية (٢)، والسدي (٣) والربيع بن أنس، وقتادة. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: (أن) (٤) أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم؛ من المسخ وغيره (٥). وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب؛ فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة لعلهم يرجعون إلى الحق، واتباع الرسول ﷺ ، والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره، وتصديق أخباره، والله (الهادي لمن) (٦) يشاء إلى (صراط) (٧) مستقيم؛ ولهذا قال: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [و مُصَدِّقًا (منصوب) (٨) على الحال من "ما"؛ أي: بالذي أنزلت مصدقًا؛ أو من الضمير المحذوف من (قوله) (٩): بما أنزلته مصدقًا، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير الفعل، وهو قوله: لما أنزلت مصدقًا به] (١٠)؛ ويعني به: القرآن الذي (أنزله) (١١) على محمد ﷺ النبي الأمي العربي بشيرًا ونذيرًا، وسراجًا منيرًا، مشتملًا على الحق من الله (تعالى) (١٢)، مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل. قال أبو العالية (١٣) ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم؛ يقول: لأنهم يجدون محمدًا ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. وروى عن مجاهد (١٤)، والربيع (١٥) بن أنس، وقتادة، نحو ذلك.

стр. 422

وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [قال بعض (المفسرين) (١): أول فريق كافر به، أو نحو ذلك] (٢). قال ابن عباس (٣): ولا تكونوا أول كافر به، وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم. وقال أبو العالية (٤): يقول: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ ؛ [يعني: من جنسكم أهل الكتاب بعد (سماعكم) (٥) بمبعثه] (١)، وكذا قال الحسن، والسدي، والربيع بن أنس. واختار ابن جرير (٦) أن الضمير في قوله: "به" عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ وكلا القولين صحيح؛ لأنهما متلازمان؛ لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد ﷺ ؛ ومن كفر بمحمد ﷺ فقد كفر بالقرآن. وأما قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير؛ وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرةً؛ فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من (كفر به) (٧) من جنسهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي، وتصديق رسول - بالدنيا وشهواتها؛ فإنها قليلة فانية؛ كما قال عبد الله بن المبارك (٨): أنبأنا عبد الرحمن بن (يزيد) (٩) بن جابر، عن هارون بن يزيد؛ قال: سئل الحسن - يعني: البصري - عن قوله تعالى: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ - قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها (١٠). وقال ابن لهيعة (١١): حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا

стр. 423

بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إن آياته كتابه الذي (أنزل) (١) إليهم، وإن الثمن القليل الدنيا وشهواتها. وقال السدي (٢): ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا (طمعًا) (٣) قليلًا، ولا تكتموا اسم الله؛ فذلك الطمع: (وهو) (٤) الثمن. وقال أبو جعفر (٥)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا عليه أجرًا؛ قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم، علم مجانًا كما علمت مجانًا. [وقيل: معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح، ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس، لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب. وفي "سنن أبي داود" (٦)، عن أبي هريرة ﵁؛ قال:] (٧) [قال رسول الله ﷺ : "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة". فأما تعليم العلم بأُجرة فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرةً، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم (بحاله) (٨) وعياله. فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب فهو كما لم يتعين عليه. (وإذا لم يتعين عليه) (٩) فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرةً عند مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء، كما في "صحيح (١٠) البخاري":] (١١)

стр. 424

[عن أبي سعيد في قصة (اللديغ) (١) (و) (٢): "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (٣). وقوله في قصة المخطوبة (٤): "زوجتكها بما معك من القرآن". فأما حديث عبادة بن الصامت أنه علَّم رجلًا من أهل الصفة شيئًا من القرآن، فأهدى له قوسًا، [فسأل (عنه) (٥) رسول الله ﷺ ] (٦)، فقال: (إن) (٧) أحببت أن (تطوق) (٨) بقوس من نار فاقبله"؛ فتركه. رواه أبو (٩) داود. وروي مثله عن أُبي بن كعب (١٠) مرفوعًا (٩)؛ فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء؛ منهم أبو عمر (١١) ابن عبد البر - على أنه (لما) (١٢) علَّمه الله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس. فأما إذا كان من أول الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث (اللديغ؛ وحديث) (١٣) سهل في المخطوبة. والله أعلم] (١٤). (وقوله) (١٥): (﴿وَإِيَّايَ (١٦)) فَاتَّقُونِ﴾ قال ابن (١٧) أبي حاتم: حدثنا أبو عمر الدوري، حدثنا أبو

стр. 425

إسماعيل المؤدب، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية، عن (طلق) (١) بن حبيب؛ قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله (والتقوى) (٢) أن تترك معصية الله [مخافة عذاب الله، على نور من الله] (٣). ومعنى قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ أنه تعالى يتوعدهم فيما (يعتمدونه) (٤) من كتمان الحق وإظهار خلافه، ومخالفتهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه. ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾. يقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يعتمدونه من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وكتمانهم الحق، وإظهارهم الباطل: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ فنهاهم عن الشيئين معًا، وأمرهم بإظهار الحق، والتصريح به؛ ولهذا قال الضحاك (٥)، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [إلا تخلطوا الحق بالباطل، والصدق بالكذب] (٦). وقال أبو العالية (٧): ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقول: ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدوا النصيحة لعباد الله (في) (٨) (أمر) (٩) محمد ﷺ . (وروي) (١٠) عن سعيد بن جبير، والربيع بن أنس، نحوه. وقال قتادة (١١): ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية (١٢) [بالإسلام ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن دين الله الإسلام، (وأن) (١٣) اليهودية والنصرانية] (١٢) بدعة ليست من الله. وروي عن الحسن البصري نحو ذلك (١٤). وقال محمد (١٥) بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن
следующие страницы →