← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأبو العالية، والربيع (١) بن أنس. وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: فاخشون؛ قاله أبو العالية (٢)، والسدي (٣) والربيع بن أنس، وقتادة. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: (أن) (٤) أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم؛ من المسخ وغيره (٥). وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب؛ فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة لعلهم يرجعون إلى الحق، واتباع الرسول ﷺ ، والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره، وتصديق أخباره، والله (الهادي لمن) (٦) يشاء إلى (صراط) (٧) مستقيم؛ ولهذا قال: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [و مُصَدِّقًا (منصوب) (٨) على الحال من "ما"؛ أي: بالذي أنزلت مصدقًا؛ أو من الضمير المحذوف من (قوله) (٩): بما أنزلته مصدقًا، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير الفعل، وهو قوله: لما أنزلت مصدقًا به] (١٠)؛ ويعني به: القرآن الذي (أنزله) (١١) على محمد ﷺ النبي الأمي العربي بشيرًا ونذيرًا، وسراجًا منيرًا، مشتملًا على الحق من الله (تعالى) (١٢)، مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل. قال أبو العالية (١٣) ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم؛ يقول: لأنهم يجدون محمدًا ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. وروى عن مجاهد (١٤)، والربيع (١٥) بن أنس، وقتادة، نحو ذلك.

стр. 422

وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [قال بعض (المفسرين) (١): أول فريق كافر به، أو نحو ذلك] (٢). قال ابن عباس (٣): ولا تكونوا أول كافر به، وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم. وقال أبو العالية (٤): يقول: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ ؛ [يعني: من جنسكم أهل الكتاب بعد (سماعكم) (٥) بمبعثه] (١)، وكذا قال الحسن، والسدي، والربيع بن أنس. واختار ابن جرير (٦) أن الضمير في قوله: "به" عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ وكلا القولين صحيح؛ لأنهما متلازمان؛ لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد ﷺ ؛ ومن كفر بمحمد ﷺ فقد كفر بالقرآن. وأما قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير؛ وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرةً؛ فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من (كفر به) (٧) من جنسهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي، وتصديق رسول - بالدنيا وشهواتها؛ فإنها قليلة فانية؛ كما قال عبد الله بن المبارك (٨): أنبأنا عبد الرحمن بن (يزيد) (٩) بن جابر، عن هارون بن يزيد؛ قال: سئل الحسن - يعني: البصري - عن قوله تعالى: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ - قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها (١٠). وقال ابن لهيعة (١١): حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا

стр. 423

بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إن آياته كتابه الذي (أنزل) (١) إليهم، وإن الثمن القليل الدنيا وشهواتها. وقال السدي (٢): ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا (طمعًا) (٣) قليلًا، ولا تكتموا اسم الله؛ فذلك الطمع: (وهو) (٤) الثمن. وقال أبو جعفر (٥)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا عليه أجرًا؛ قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم، علم مجانًا كما علمت مجانًا. [وقيل: معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح، ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس، لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب. وفي "سنن أبي داود" (٦)، عن أبي هريرة ﵁؛ قال:] (٧) [قال رسول الله ﷺ : "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة". فأما تعليم العلم بأُجرة فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرةً، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم (بحاله) (٨) وعياله. فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب فهو كما لم يتعين عليه. (وإذا لم يتعين عليه) (٩) فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرةً عند مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء، كما في "صحيح (١٠) البخاري":] (١١)

стр. 424

[عن أبي سعيد في قصة (اللديغ) (١) (و) (٢): "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (٣). وقوله في قصة المخطوبة (٤): "زوجتكها بما معك من القرآن". فأما حديث عبادة بن الصامت أنه علَّم رجلًا من أهل الصفة شيئًا من القرآن، فأهدى له قوسًا، [فسأل (عنه) (٥) رسول الله ﷺ ] (٦)، فقال: (إن) (٧) أحببت أن (تطوق) (٨) بقوس من نار فاقبله"؛ فتركه. رواه أبو (٩) داود. وروي مثله عن أُبي بن كعب (١٠) مرفوعًا (٩)؛ فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء؛ منهم أبو عمر (١١) ابن عبد البر - على أنه (لما) (١٢) علَّمه الله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس. فأما إذا كان من أول الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث (اللديغ؛ وحديث) (١٣) سهل في المخطوبة. والله أعلم] (١٤). (وقوله) (١٥): (﴿وَإِيَّايَ (١٦)) فَاتَّقُونِ﴾ قال ابن (١٧) أبي حاتم: حدثنا أبو عمر الدوري، حدثنا أبو

стр. 425

إسماعيل المؤدب، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية، عن (طلق) (١) بن حبيب؛ قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله (والتقوى) (٢) أن تترك معصية الله [مخافة عذاب الله، على نور من الله] (٣). ومعنى قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ أنه تعالى يتوعدهم فيما (يعتمدونه) (٤) من كتمان الحق وإظهار خلافه، ومخالفتهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه. ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾. يقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يعتمدونه من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وكتمانهم الحق، وإظهارهم الباطل: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ فنهاهم عن الشيئين معًا، وأمرهم بإظهار الحق، والتصريح به؛ ولهذا قال الضحاك (٥)، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [إلا تخلطوا الحق بالباطل، والصدق بالكذب] (٦). وقال أبو العالية (٧): ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقول: ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدوا النصيحة لعباد الله (في) (٨) (أمر) (٩) محمد ﷺ . (وروي) (١٠) عن سعيد بن جبير، والربيع بن أنس، نحوه. وقال قتادة (١١): ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية (١٢) [بالإسلام ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن دين الله الإسلام، (وأن) (١٣) اليهودية والنصرانية] (١٢) بدعة ليست من الله. وروي عن الحسن البصري نحو ذلك (١٤). وقال محمد (١٥) بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن

стр. 426

ابن عباس: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: (لا تكتموا) (١) ما عندكم من المعرفة برسولي، وبما جاء به، وأنتم تجدونه مكتوبًا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. وروي عن أبي (٢) العالية نحو ذلك. وقال مجاهد (٣)، والسدي (٤)، وقتادة، والربيع بن أنس: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ يعني: محمدًا ﷺ . [قلت: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ (٥) يحتمل أن يكون مجزومًا، (ويجوز) (٦) أن يكون منصوبًا؛ أي: لا تجمعوا بين هذا وهذا؛ كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. قال الزمخشري (٧): وفي مصحف ابن مسعود: وتكتمون الحق (٨)؛ أي: في حال كتمانكم الحق، "وأنتم تعلمون" حال أيضًا، ومعناه: وأنتم تعلمون الحق. ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون ما في ذلك من] (٩) [الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار إن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق، لتروجوه عليهم. والبيان: الإيضاح، (وعكسه) (١٠) الكتمان، وخلط الحق بالباطل] (١١). ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ قال مقاتل (١٢): قوله: (تعالى) (١٣) لأهل الكتاب: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أمرهم أن يصلُّوا مع النبي ﷺ ، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أمرهم أن يؤتوا الزكاة؛ أي: يدفعونها إلى النبي ﷺ ؛ ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد ﷺ . يقول: كونوا (منهم، ومعهم) (١٤). وقال علي (١٥) بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١٦) يعني: بالزكاة طاعة الله والإخلاص. وقال وكيع (١٧)، عن (أبي جناب) (١٨)، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: ما يوجب الزكاة؟ قال: مائتان فصاعدًا.

стр. 427

وقال مبارك (١) بن فضالة، عن الحسن - في قوله (تعالى) (٢): ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا (بها) (٣) وبالصلاة. وقال ابن أبي حاتم (٤): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن أبي حيان التيمي، عن الحارث العكلي - في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: صدقة الفطر. [وقوله (تعالى) (٥): ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخص ذلك (وأكمله) (٦) الصلاة] (٧). [وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة. (ولبسط) (٨) ذلك "كتاب الأحكام الكبير" إن شاء الله تعالى، وقد تكلم القرطبي (٩) على (مسائل) (١٠) الجماعة والإمامة، (فأجاد) (١١)] (١٢). ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾. يقول تعالى: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر، وهو جماع الخير - أن تنسوا أنفسكم، فلا (تأتمروا) (١٣) بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم! فتنتبهوا من رقدتكم، (وتتبصروا) (١٤) من عمايتكم. وهذا كما قال عبد الرزاق (١٥)، عن معمر، عن قتادة - في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر؛ ويخالفون؛ فعيرهم الله . وكذلك قال السدي (١٦). وقال ابن جريج (١٧): ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، ويدعون العمل بما يأمرون به الناس؛ فعيرهم الله بذلك؛ فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعةً.

стр. 428

وقال محمد بن (١) إسحاق، عن محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تتركون أنفسكم. ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة، وتتركون أنفسكم؛ أي: وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، (وتجحدون) (٢) ما تعلمون من كتابي. وقال الضحاك (٣)، عن ابن عباس في هذه الآية: يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد ﷺ ؛ وغير ذلك مما أمرتم به، من إقام الصلاة؛ وتنسون أنفسكم. وقال أبو جعفر (٤) بن جرير (﵀) (٥): حدثني علي بن الحسن، حدثنا (مسلم) (٦) الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة - في قول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال (أبو الدرداء) (٧) (﵁) (٨): لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا. وقال عبد الرحمن (٩) بن زيد بن أسلم في هذه الآية: هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة (ولا شيء) (١٠) أمروه بالحق، (فقال الله تعالى) (١١): ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾. والغرض أن الله تعالى ذمهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطئهم في حق أنفسهم حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه. وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له؛ (بل على تركهم (١٢) له)؛ فإن الأمر بالمعروف (معروف) (١٣)؛ وهو واجب على العالم، ولكن (الواجب (١٤) و) الأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم؛ كما قال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ

стр. 429

أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف. وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية؛ فإنه لا حجة لهم فيها. والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه؛ [قال مالك، عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر] (١). [قال مالك: وصدق؛ من ذا الذي ليس فيه شيء؟ (قلت) (٢)] (٣): لكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة، وفعله المعصية، لعلمه بها ومخالفته على بصيرة؛ فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم؛ ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك؛ كما قال الإمام أبو القاسم الطبراني في "معجمه (٤) الكبير": حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي، والحسن بن علي (المعمري) (٥)؛ قالا: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا علي بن سليمان الكلبي، حدثنا الأعمش، عن أبي تميمة الهُجيمي، عن جُندب (بن) (٦) عبد الله (﵁) (٧)، قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه". هذا حديث غريب من هذا الوجه. حديث آخر: قال الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" (٨): حدثنا وكيع، حدثنا حماد بن سلمة،

стр. 430

عن علي بن زيد - هو ابن جدعان - عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "مررت ليلة أسري بي على قوم (تقرض شفاههم) (١) بمقاريض من نار". قال: "قلت: من هؤلاء؟ " قالوا: "خطباء: (أمتك) (٢) من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون". ورواه عبد (٣) بن حميد في "مسنده" و"تفسيره"، عن الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، به. ورواه ابن مردويه في "تفسيره" من حديث يونس بن محمد (٤) المؤدب، والحجاج بن منهال؛ كلاهما عن حماد بن سلمة به. وكذا رواه يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، (به) (٥)؛ ثم قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن إبراهيم التستري ببلخ، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عمر بن قيس، عن علي بن زيد، عن ثمامة؛ عن أنس؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار. قلت: من هؤلاء يا جبريل؛ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٦)، وابن أبي حاتم، وابن مردويه أيضًا، من حديث هشام الدستوائي، عن المغيرة - يعني: ابن حبيب ختن مالك بن دينار - عن مالك بن دينار، عن ثمامة، عن أنس بن مالك؛ قال: لما عرج برسول الله ﷺ مر بقوم تقرض شفاههم؛ فقال: "يا جبريل؛

стр. 431

من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم أفلا يعقلون". حديث آخر: قال الإمام أحمد (١): حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي وائل؛ قال: قيل لأسامة وأنا رديفه: ألا تكلم عثمان؟ فقال: إنكم ترون أني لا أكلمه إلا أُسمعكم. إني لأكلمه فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرًا لا أحب أن أكون أول من افتتحه، والله لا أقول لرجل: إنك خير الناس، وإن كان عليَّ أميرًا، بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يقول: قالوا: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه، فيدور بها في النار، كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار؛ فيقولون: يا فلان؛ ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ (فقال) (٢): كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه". ورواه البخاري ومسلم من حديث سليمان بن مهران الأعمش، به، نحوه. [(وقال (٣) أحمد): حدثنا (سيار) (٤) بن حاتم، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس (٥)؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء"] (٦). [وقد ورد في بعض الآثار (٧) أنه "يغفر للجاهل سبعين مرةً] (٨) [حتى يغفر للعالم مرةً واحدةً، ليس من يعلم كمن لا يعلم"] (٩).

стр. 432

[(وقد) (١) قال (الله) (٢) تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]]. [وروى ابن (٣) عساكر في "ترجمة الوليد بن عقبة"، عن] (٤) النبي ﷺ ؛ قال: "إن أناسًا من أهل الجنة يطَّلعون (إلى) (٥) أناس من أهل النار، فيقولون: بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم؟ فيقولون: إنا كنا نقول ولا نفعل". ورواه (من حديث (٦): الطبراني)، عن أحمد بن يحيى (بن حيان (٧) الرقي)، عن زهير بن عباد الرواسي، عن أبي بكر (الداهري) (٨) عبد الله بن حكيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن الوليد بن عقبة؛ فذكره] (٩). وقال الضحاك (١٠)، عن ابن عباس - أنه جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس؛ إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال: (أوبلغت) (١١) ذلك؟ قال: أرجو؟ قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل. قال: وما هن؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف] أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾ [هود: ٨٨] أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك. رواه ابن مردويه في "تفسيره".

стр. 433

وقال الطبراني (١): حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا زيد بن (الحريش) (٢)، حدثنا عبد الله بن خراش، عن العوام بن حوشب، عن (المسيب) (٣) بن رافع، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف، أو يعمل ما قال أو دعا إليه". [إسناده فيه ضعف. وقال إبراهيم النخعي: إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف] وقوله - إخبارًا عن شعيب -: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود]] (٤). [وما أحسن ما قال مسلم بن عمرو: ما أقبح التزهيد من واعظ … يزهد الناس ولا يزهد لو كان في تزهيده صادقًا … أضحى وأمسى بيته المسجد إن رفض الناس فما باله … يستمنح الناس ويسترفد الرزق مقسوم على من ترى … يسعى له الأبيض والأسود وقال بعضهم: جلس أبو عثمان الحيرى الزاهد يومًا على مجلس للتذكير فأطال السكوت، ثم أنشا يقول] (٥): [وغير تقيٍّ يأمر الناس بالتقى … طبيب يداوي الناس وهو مريض قال: فضج الناس بالبكاء. وقال أبو العتاهية الشاعر: وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى … وريح الخطايا من ثيابك يسطع وقال أبو الأسود الدؤلي: لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم وابدأ بنفسك فانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى … بالقول منك وينفع التعليم] (٦)

стр. 434

[وذكر الحافظ ابن عساكر (١) في ترجمة "عبد الواحد بن زيد البصري" العابد الواعظ قال: "دعوت الله أن يريني رفيقي في الجنة؛ فقيل لي في المنام: هي امرأة بالكوفة يقال لها: "ميمونة السوداء"، فقصدت الكوفة لأراها، فقيل لي: هي ترعى غنمًا بواد هناك، فجئت إليها فإذا هي قائمة تصلي، والغنم ترعى حولها، وبينهن الذئاب لا ينفرن منهن ولا تسطو الذئاب عليهن، فلما سلمت قالت: يا ابن زيد! ليس الموعد هاهنا! إنما الموعد ثم، فسألتها عن شأن الذئاب والغنم، فقالت: إني أصلحت ما بيني وبين سيدي، فأصلح ما بين الذئاب والغنم!، فقلت لها: عظيني، فقالت: يا عجبًا من واعظ يوعظ! ثم قالت: يا ابن زيد! إنك لو وضعت موازين القسط على] (٢) [جوارحك لخبرتك بمكتوم مكنون ما فيها، يا ابن زيد! إنه بلغني: ما من عبد أعطى من الدنيا شيئًا، فابتغى إليه ثانيًا، إلا سلبه الله حب الخلوة، وبدله بعد القرب البعد، وبعد الأنس الوحشة، ثم أنشأت تقول: يا واعظًا قام لاحتساب … يزجر قومًا عن الذنوب تنهى وأنت السقيم حقًّا … هذا من المنكر العجيب تنهى عن الغي والتمادي … وأنت في النهي كالمريب لوكنت أصلحت قبل هذا … عيبك أو تبت من قريب كان لما قلت يا حبيبي … موضع صدق من القلوب] (٣) ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾. يقول تعالى آمرًا عبيده فيما يؤملون من خير الدنيا والآخرة بالاستعانة بالصبر والصلاة؛ كما قال مقاتل بن (٤) حيان في تفسير هذه الآية: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة؛ فأما الصبر فقيل: إنه الصيام، نص عليه مجاهد (٥). [قال القرطبي (٦) وغيره: ولهذا يسمى رمضان شهر الصبر، كما نطق به الحديث (٧)] (٨).

стр. 435

وقال سفيان الثوري (١)، عن أبي إسحاق، عن جري بن كليب، عن رجل من بني سليم، عن النبي ﷺ ؛ قال: "الصوم نصف الصبر". وقيل: المراد بالصبر الكف عن المعاصي؛ ولهذا قرنه بأداء العبادات؛ وأعلاها فعل الصلاة. قال ابن (٢) أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا (عبيد الله) (٣) بن حمزة بن إسماعيل، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن؛ وأحسن منه الصبر عن محارم الله. (قال) (٤): وروي عن الحسن (٥) البصري نحو قول عمر. وقال ابن المبارك (٦)، عن ابن لهيعة، عن (عطاء) (٧) بن دينار، عن سعيد بن جبير؛ قال: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب (منه) (٨)، واحتسابه عند الله، ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يرى منه إلا الصبر.

стр. 436

وقال أبو العالية (١)، في قوله (تعالى) (٢): ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال: على مرضاة الله، وعلموا أنها من طاعة الله. وأما قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر؛ كما قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٥]. وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي؛ قال: قال عبد العزيز أخو حذيفة؛ قال حذيفة - يعني: ابن اليمان (﵁) (٤) -: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلَّى. ورواه أبو داود، [عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن زكريا، عن عكرمة بن عمار، كما سيأتي] (٥). وقد رواه ابن جرير (٦) من حديث ابن جريج، عن عكرمة بن عمار، عن محمد (بن عبيد) (٧) بن أبي قدامة، عن عبد العزيز بن اليمان، عن حذيفة؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. [ورواه بعضهم عن عبد العزيز بن أخي حذيفة، ويقال: أخي حذيفة، مرسلًا، عن النبي] ﷺ . وقال محمد بن نصر (٨) المروزي في "كتاب الصلاة": حدثنا سهل بن عثمان (أبو مسعود) (٩) العسكري، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة؟ قال: قال عكرمة بن عمار: قال محمد بن عبد الله الدؤلي. قال عبد العزيز: قال حذيفة: رجعت إلى النبي ﷺ ليلة الأحزاب، وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى. حدثنا (١٠)] (١١) .............................................................

стр. 437

[(عبيد الله) (١) بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمع حارثة بن مضرب، سمع عليًّا ﵁ يقول: لقد رأيتنا ليلة بدر، وما فينا إلا نائم، غير رسول الله ﷺ يصلي ويدعو حتى أصبح] (٢). قال ابن جرير (٣): وروي عنه عليه (الصلاة و) (٤) السلام أنه مر بأبي هريرة وهو منبطح على بطنه، فقال له: ["اشكنب (٥) درد"]، ومعناه: أيوجعك بطنك؟ قال: نعم. قال: "قم فصل، فإن الصلاة شفاء".

стр. 438

قال ابن جرير (١): وقد حدثنا محمد بن (العلاء) (٢)، ويعقوب بن إبراهيم؛ قالا: حدثنا ابن علية، حدثنا (عيينة) (٣) بن عبد الرحمن، عن أبيه - أن ابن عباس (نُعي) (٤) إليه أخوه قُثم، وهو في سفر؛ فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته؛ وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾. وقال سُنيد (٥)، عن حجاج، عن ابن جريج: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال: إنهما معونتان على رحمة الله. والضمير في قوله: ["و ﴿وَإِنَّهَا﴾ "] (٦) عائد إلى الصلاة؛ نص عليه مجاهد (٧). واختاره ابن جرير (٨). ويحتمل أن يكون عائدًا على ما (دل) (٩) عليه الكلام، وهو الوصية بذلك؛ كقوله تعالى في قصة قارون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ [القصص] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت] أي: وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا، وما يلقاها؛ أي: يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظٍّ عظيم. وعلى كل تقدير فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين. قال ابن أبي (١٠) طلحة، عن ابن عباس؛ يعني: المصدقين بما أنزل الله. وقال مجاهد (١١): المؤمنين حقًّا. وقال أبو العالية (١٢): ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ الخائفين. وقال مقاتل (١٣) بن حيان: إلا على الخاشعين؛ يعني به: المتواضعين. وقال الضحاك (١٤): ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين

стр. 439

(سطواته) (١)، المصدقين بوعده ووعيده. وهذا يشبه ما جاء في الحديث (٢): "لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه". وقال ابن جرير (٣): معنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من (رضا) (٤) الله (تعالى) (٥)، (العظيمة) (٦) إقامتها إلا على (المتواضعين) (٧) (المستكينين) (٨) لطاعته المتذللين من مخافته. هكذا قال! والظاهر أن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص؛ وإنما هي عامة لهم ولغيرهم. والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ هذا من تمام الكلام الذي قبله؛ أي: إن الصلاة أو الوصاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم؛ أي: (يعلمون أنهم) (٩) (محشورون) (١٠) إليه يوم القيامة، معروضون عليه. ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أي: أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله؛ فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سهل عليهم فعل الطاعات، وترك المنكرات. فأما قوله: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ قال ابن جرير (١١) ﵀: العرب قد تسمى اليقين ظنًّا، والشك ظنًّا، نظير تسميتهم الظلمة سُدفةً، (والضياء سدفةً) (١٢)، والمغيث صارخًا، والمستغيث

стр. 440

صارخًا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده؛ كما قال (دريد) (١) بن الصمة: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج … سراتهم في الفارسي (المسرد) (٢) يعني بذلك: تيقنوا بألفي مدجج يأتيكم. وقال (عميرة) (٣) بن طارق: فإن (تغتزوا) (٤) قومي وأقعد فيكم … وأجعل مني الظن غيبًا مرجمًا يعني: وأجعل مني اليقين غيبًا مرجمًا. قال (٥): والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصر، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية. ومنه قول الله (تعالى) (٦): ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]. ثم قال ابن جرير (٧): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان، عن جابر، عن مجاهد (قال): "كل ظن في القرآن يقين؛ أي: ظننت، وظنوا". وحدثني (٨) المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا أبو داود (الحفري)، عن سفيان، عن (ابن) (٩) أبي نجيح، عن مجاهد؛ قال: "كل ظن في القرآن فهو علم" وهذا سند صحيح. وقال أبو جعفر (١٠) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ قال: الظن ها هنا يقين. قال ابن أبي حاتم (١١): وروي عن مجاهد، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة نحو قول أبي العالية. وقال سنيد (١٢)، عن حجاج، عن ابن جريج: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ (علموا أنهم ملاقو ربهم) (١٣)؛ كقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة] يقول: "علمت". وكذا قال عبد الرحمن بن زيد (١٤) بن أسلم.

стр. 441

قلت: وفي "الصحيح" (١): "أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أُزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أُسخّر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس (وتربع) (٢)؟ فيقول: بلى؛ (أي رب) (٣)؛ فيقول (الله) (٤) (تعالى) (٥): (أفظننت) (٦) إنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول الله: اليوم أنساك كما نسيتني. وسيأتي مبسوطًا عند قوله (تعالى) (٣): ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] (إن شاء الله تعالى) (٧) (والله تعالى أعلم) (٨). ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾. يذكرهم تعالى (بسالف) (٩) نعمه على آبائهم وأسلافهم، وما كان فضلهم به من إرسال الرسل منهم، وإنزال الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢)﴾ [الدخان]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾ [المائدة]. قال أبو جعفر (١٠) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قال: بما أُعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان؛ فإن لكل زمان عالمًا. وروي (١١) عن مجاهد، والربيع بن أنس، وقتادة، وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك. ويجب الحمل على هذا؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم؛ لقوله تعالى - خطابًا لهذه الأمة -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠].

стр. 442

وفي "المساند" (١) و"السنن" عن معاوية بن (٢) حيدة القشيري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم توفون سبعين أمةً أنتم خيرها وأكرمها على الله". والأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله (تعالى) (٣): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. [وقيل: المراد (تفضيل) (٤) بنوع ما من الفضل على سائر الناس، ولا يلزم تفضيلهم مطلقًا؛ حكاه (فخر الدين) (٥) الرازي (٦)، وفيه نظر. وقيل: إنهم فضلوا على سائر الأمم لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم، حكاه القرطبي في "تفسيره" (٧). وفيه نظر؛ لأن العالمين عام يشمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء؛ فإبراهيم الخليل قبلهم، وهو أفضل من سائر أنبيائهم. ومحمد بعدهم، وهو أفضل من جميع الخلق وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة صلوات الله وسلامه عليه] (٨). ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾. [بحث فخر الدين الرازي (٩) ها هنا مع المعتزلة في إثبات] (١٠) [الشفاعة، فأورد لهم شبهًا وأجاب عنها. قلت: وقد بسطت الكلام على الأحاديث المتواترة في الشفاعة وأقسامها وتعدادها وأنواعها في كتابنا "البعث والنشور" ولله الحمد والمنة] (١١). لما ذكرهم (تعالى) (١٢) بنعمه أولًا عطف على ذلك التحذير من (حلول) (١٣) نقمه بهم يوم القيامة، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا يغني أحد عن أحد؛ كما قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وغيرها. وقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]، فهذا أبلغ المقامات أن كلًا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئًا. وقوله (تعالى) (١٤): ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ يعني: (عن) (١٥) الكافرين؛ كما قال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ

стр. 443

شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر] وكما قال عن أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء]. وقوله (تعالى) (١): ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي: لا يقبل منها فداء، كما قال (تعالى) (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ [المائدة] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ … ﴾ الآية [الحديد: ١٥]. فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله، ويتابعوه على ما بعثه به، ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاهٍ، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهبًا؛ كما قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقال: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١]. [قال سنيد (٢): حدثني حجاج، حدثني ابن جريج؛ قال: قال مجاهد: قال ابن عباس: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ قال: بدل، والبدل: الفدية. وقال السدي (٣): أما "عدل" فيعدلها من ("العدل" (٤))؛ يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبًا تفتدي به ما تقبل منها. وكذا قال عبد الرحمن (٥) بن زيد بن أسلم] (٦). وقال أبو جعفر (٧): الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] يعني فداء. قال ابن (٨) أبي حاتم: وروي عن أبي مالك، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس، نحو ذلك. وقال عبد (٩) الرزاق: أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي ﵁ في حديث طويل؛ قال: والصرف والعدل: التطوع والفريضة. وكذا قال الوليد (١٠) بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن عمير بن هانئ. وهذا

стр. 444

القول غريب ها هنا، والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية. وقد ورد حديث يقويه (١)، وهو ما قاله ابن جرير: حدثني نجيح بن إبراهيم، حدثنا علي بن حكيم، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، [عن أبيه، عن عمرو بن قيس الملائي، عن رجل من بني أمية من أهل الشام أحسن عليه الثناء] (٢)؛ قال قيل: يا رسول الله؛ ما العدل؟ قال: "العدل: الفدية". وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء؛ هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من أنفسهم، ولا من غيرهم، كما قال: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ [الطارق] أي: إنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فديةً ولا شفاعةً، ولا ينقط أحدًا من عذابه منقذ، (ولا يخلص (٣) منه أحد)، (ولا يجيره) (٤) منه أحد؛ كما قال (تعالى) (٥): ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ [الفجر] وقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ [الصافات] وقال: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) … ﴾ [الأحقاف: ٢٨]. وقال الضحاك (٦)، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ ما لكم اليوم لا تمانعون منا، هيهات! ليس ذلك لكم اليوم. قال ابن جرير (٧): وتأويل قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يعني: أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية؛ بطلت هنالك المحاباة، واضمحلت الرشا والشفاعات، وارتفع من القوم (التعاون والتناصر) (٨)، وصار الحكم إلى (العدل الجبار) (٩) الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء؛ فيجزى بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها. وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ [الصافات]. ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾. [آل الرجل من ينتسب إليه بنسب أو سبب؛ وقيل: هم أتباعه وأشياعه؛ وقيل: من هو على] (١٠)

стр. 445

[دينه وملته، وقد يطلق على الرجل نفسه، ويضاف إلى المعظم، فيقال: آل فلان، ولا يضاف إلى البلدان على المشهور، وجوز بعضهم: "آل المدينة"، كما يقال: أهل المدينة، وحكى أبو عبيدة: "آل مكة آل الله"، وهكذا يضاف إلى المضمر على الأشهر. قال عبد المطلب: وانصر على آل الصليـ … ـب وعابديه اليوم آلك وقال غيره: أنا الفارس الحامي حقيقة والدي … وآلي كما تحمي حقيقة (آلكا) (١)] (٢) يقول (الله تبارك (٣) و) تعالى: اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون؛ أي: خلصتكم منهم، وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى ﵇؛ وقد كانوا يسومونكم؛ أي: يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب؛ وذلك أن فرعون - لعنه الله - كان قد رأى رؤيا هالته: رأى نارًا خرجت من بيت المقدس، فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر إلا بيوت بني إسرائيل مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل. ويقال: بل تحدث سُمَّاره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم تكون لهم به دولة ورفعة. وهكذا جاء في ["حديث (٤) الفتون"] كما سيأتي في موضعه (في "سورة (٥) طه") إن شاء الله (تعالى) (٦)؛ فعند ذلك أمر فرعون - لعنه الله - بقتل كل ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل، وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال (وأراذلها) (٧). وها هنا فسر العذاب بذبح الأبناء. وفي سورة إبراهيم عطف عليه؛ كما قال: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦] وسيأتي تفسير ذلك في أول "سورة القصص" إن شاء الله تعالى. وبه الثقة والمعونة والتأييد. [ومعنى يسومونكم: يولونكم؛ قاله أبو عبيدة، كما يقال: سامه خطة خسف؛ إذ أولاه إياها؛ قال عمرو بن كلثوم: إذا ما الملك سام الناس خسفًا … أبينا أن نقر الخسف فينا وقيل: معناه يديمون عذابكم، كما يقال: سائمة الغنم؛ من إدامتها الرعى؛ نقله القرطبي (٨)] (٩).

стр. 446

[وإنما قال ها هنا: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ ليكون ذلك تفسيرًا للنعمة عليهم في قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ ثم فسره بهذا لقوله ها هنا: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وأما في سورة إبراهيم فلما قال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] أي: بأياديه ونعمه عليهم؛ فناسب أن يقول هناك: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ فعطف عليه الذبح، ليدل على تعدد النعم والأيادي على بني إسرائيل] (١). وفرعون: علم على كل من ملك مصر كافرًا من العماليق وغيرهم، كما أن "قيصر" علم على كل من ملك الروم مع الشام كافرًا (وكذلك) (٢)، "وكسرى" لمن ملك الفرس، "وتُبَّع" لمن ملك اليمن كافرًا، "والنجاشي" لمن ملك الحبشة، ("وبطليموس" لمن ملك الهند) (٣). ويقال: كان اسم فرعون الذي كان في (زمان) (٤) موسى ﵇ الوليد بن مصعب بن الريان، وقيل: مصعب بن الريان، وأيًا ما كان، فعليه لعنة الله [وكان من سلالة عمليق بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح، وكنيته: أبو مرة وأصله فارسي من "اصطخر" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قال ابن جرير (٦): وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون، بلاء لكم من ربكم عظيم؛ أي: نعمة عظيمة عليكم في ذلك. وقال علي بن أبي طلحة (٧)، عن ابن عباس: قوله تعالى: ﴿بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قال: نعمة. وقال مجاهد (٨): ﴿بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قال: نعمة من ربكم عظيمة. وكذا قال أبو العالية، وأبو مالك، والسدي (٩)، وغيرهم. وأصل البلاء: الاختبار. وقد يكون بالخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وقال: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] قال ابن جرير (١٠): وأكثر ما يقال في الشر بلوته أبلوه بلاء، وفي الخير أبليه إبلاءً وبلاءً؛ قال زهير بن أبي سُلمى: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم … وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو قال: فجمع بين اللغتين؛ (لأنه) (١١) أراد: فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده. [وقيل: المراد بقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ (أنه) (١٢) إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين، من ذبح الأبناء، واستحياء النساء. قال القرطبي (١٣): وهذا قول الجمهور، ولفظه - بعد ما حكى] (١٤)

стр. 447

[القول الأول، ثم قال: وقال الجمهور: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء (ها هنا) (١) في الشر. والمعنى: وفي الذبح مكروه وامتحان] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ معناه: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، وخرجتم مع موسى ﵇، خرج فرعون في طلبكم، ففرقنا بكم البحر؛ كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلًا، كما سيأتي في مواضعه. ومن أبسطها ما في "سورة الشعراء" إن شاء الله. ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ أي: خلصناكم منهم، وحجزنا بينكم وبينهم، وأغرقناهم وأنتم تنظرون؛ ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ في إهانة عدوكم. قال عبد الرزاق (٣): أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عمرو بن ميمون الأودي، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال: لما خرج موسى ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون؛ فقال: لا تتبعوهم حتى تصيح الديكة. قال: فوالله ما صاح ليلتئذ ديك، حتى أصبحوا؛ فدعا بشاة، فذبحت؛ ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط؛ فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط. فلما أتى موسى البحر قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين (أمرك) (٤) ربك؟ قال: أمامك، يشير إلى البحر، فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغمر؛ فذهب به الغمر؛ ثم رجع فقال: أين (أمرك) (١) ربك يا موسى؟ فوالله ما كذبت (ولا) (٥) كُذبت - فعل ذلك ثلاث مرات. ثم أوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم - يقول: مثل الجبل، ثم سار موسى ومن معه، واتبعهم فرعون في طريقهم حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم؛ فلذلك قال: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. وكذلك قال غير واحد من السلف كما سيأتي بيانه في موضعه. وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء، كما قال الإمام أحمد (٦): حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس؛ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء؛ فقال: "ما هذا اليوم الذي تصومون؟ " قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجَّى الله فيه بني إسرائيل (من عدوهم) (٧)، فصامه موسى ﵇؛ فقال رسول الله ﷺ : "إنا أحق بموسى منكم". فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصومه.

стр. 448

وروى هذا الحديث البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، من طرق عن أيوب السختياني، به، نحو ما تقدم. وقال أبو يعلى (١) الموصلي: حدثنا أبو الربيع، حدثنا سلَّام - يعني: ابن سليم، عن زيد العمي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبي ﷺ ؛ قال: "فلق الله البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء". وهذا ضعيف من هذا الوجه؛ فإن زيدًا العمي فيه ضعف، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه. ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾. يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يومًا، وهي المذكورة في "الأعراف" في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] قيل إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة؛ وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون، وإنجائهم من البحر. وقوله (تعالى) (٢): ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة؛ ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ وهو ما يفرق بين الحق والباطل، والهدى (والضلال) (٣) ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وكان ذلك أيضًا بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في "سورة الأعراف"؛ ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾ [القصص]. [وقيل: الواو زائدة، والمعنى: وإذ آتينا موسى الكتاب الفرقان. وهذا غريب. وقيل: عطفه عليه، وإن كان المعنى واحدًا؛ كما في قول الشاعر (٤): وقدمت الأديم (لراهشيه) (٥) … فألفى قولها كذبًا ومينًا] (٦) [وقال الآخر (٧): ألا حبذا هند وأرض بها هند … وهند أتى من دونها النأي والبعد فالكذب هو المين. والنأي هو البعد. وقال عنترة (٨): حييت من طلل تقادم عهده … أقوى وأقفر بعد أم الهيثم فعطف الإقفار على الإقواء، وهو هو] (٩).

стр. 449

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾. هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل؛ قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ فقال ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع، (حين) (١) قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (٢)﴾ [الأعراف: ١٤٩] قال: فذلك حين يقول موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾. وقال أبو العالية (٣)، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ أي: إلى خالقكم. قلت: وفي قوله ها هنا: ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ - تنبيه على عظم جرمهم؛ أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره. وقد روى النسائي (٤)، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد الوراق، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: فقال الله تعالى: إن توبتهم أن يقتل كل (رجل) (٥) منهم (كل) (٦) من لقي من ولد (أو) (٧) والد فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن؛ فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول. وهذا قطعة من حديث الفتون. وسيأتي في سورة طه بكماله إن شاء الله. وقال ابن جرير (٨): حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بشار، حدثنا سفيان بن عيينة؛ قال: قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال موسى لقومه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ قال: أمر موسى

стр. 450

قومه عن أمر ربه أن يقتلوا أنفسهم. قال: (واحتبى) (١) الذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم (ظلمة) (٢) شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فانجلت (الظلمة) (٣) عنهم، وقد (أجلوا) (٣) عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة. وقال (ابن (٤) جريج): أخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سمع سعيد بن (٥) جبير ومجاهدًا يقولان في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قالا: قام بعضهم إلى بعض بالخناجر، يقتل بعضهم بعضًا؛ لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد، حتى (ألوى) (٦) موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيل، وإن الله أوحى إلى موسى أن حسبي؛ فقد اكتفيت؛ فذلك حين ألوى موسى بثوبه [وروي عن علي (٧) ﵁ نحو ذلك] (٨). وقال قتادة (٩): أُمر القوم بشديد من الأمر، فقاموا (يتناجزون) (١٠) بالشفار يقتل بعضهم بعضًا حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل، فجعل لحيهم توبةً، وللمقتول شهادة. وقال الحسن (١١) البصري: أصابتهم ظلمة (حنْدسٌ) (١٢)، فقتل بعضهم بعضًا، ثم انكشف عنهم، فجعل توبتهم في ذلك. وقال السدي (١٣): في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدًا، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل

стр. 451

منهم سبعون ألفًا، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا، البقية، البقية. فأمرهم أن (يضعوا) (١) السلاح، وتاب عليهم؛ فكان من قُتل منهم من الفريقين شهيدًا، ومن بقي مكفرًا عنه؛ فذلك قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وقال الزهري (٢): لما أُمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه حتى إذا (أفنوا) (٣) بعضهم قالوا: يا نبي الله، ادع الله لنا؛ وأخذوا بعضديه يسندون يديه؛ فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح. وحزن موسى (وبنو) (٤) إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى ما يحزنك؟ أما من قتل منهم فحي عندي يرزقون. وأما من بقي فقد قبلت توبته؛ فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل. رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه. وقال ابن إسحاق (٥): لما رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذراه في اليم، خرج إلى ربه (بمن) (٦) اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثوا فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل؛ فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم؛ قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله؛ فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده؛ فجلسوا بالأفنية، وأصلت عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم (وبكى) (٧) موسى، (وبهش) (٨) إليه النساء والصبيان، يطلبون العفو عنهم، (٩) [فتاب (الله) (١٠) عليهم، وعفا عنهم] (٩)؛ وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف. وقال عبد الرحمن (١١) بن زيد بن أسلم: لما رجع موسى إلى قومه (وكان) (١٢) سبعين رجلًا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى (موعد (١٣) ربكم)؛ فقالوا: يا موسى! ما من توبة؟ قال: بلى؛ ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ … ﴾ الآية. فاخترطوا السيوف (والجِرزة) (١٤) والخناجر والسكاكين. قال: وبعث عليهم ضبابةً. قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضًا.

стр. 452

قال: (و) (١) يلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله وهو لا يدري. قال: (ويتنادون) (٢) (فيها) (٣) رحم الله عبدًا (صبر) (٤) حتى يبلغ الله رضاه. قال: فقتلاهم شهداء، وتيب على أحيائهم؛ ثم قرأ: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾. يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق؛ إذ سألتم رؤيتي جهرةً عيانًا مما لا يستطاع لكم، ولا لأمثالكم. كما قال ابن جريج (٥): قال ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: علانيةً. وكذا قال إبراهيم (٦) بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن أبي الحويرث، عن ابن عباس - أنه قال في قول الله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: علانيةً؛ أي: حتى نرى الله. وقال قتادة (٧)، والربيع بن أنس: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: عيانًا. وقال أبو جعفر (٨): عن الربيع بن أنس: هم السبعون الذين اختارهم موسى، فساروا معه؛ قال: فسمعوا كلامًا، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: فسمعوا صوتًا فصعقوا، يقول: ماتوا. وقال مروان (٩) بن الحكم فيما خطب به على منبر مكة: الصاعقة صيحة من السماء. وقال السدي (١٠) في قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ الصاعقة: نار. وقال عروة (١١) بن رويم في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال: صعق بعضهم، وبعض ينظرون؛ ثم بُعث هؤلاء، وصُعق هؤلاء. وقال السدي (١٢): ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم، وقد أهلكت خيارهم؟ ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا

стр. 453

فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن (اتخذ) (١) العجل؛ ثم إن الله أحياهم، فقاموا (وعاش) (٢) رجل رجل، ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون؟ قال: فذلك قوله (تعالى) (٣): ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾. وقال الربيع (٤) بن أنس: كان موتهم عقوبةً لهم، فبعثوا من بعد الموت، ليستوفوا آجالهم. وكذا قال قتادة (٥). وقال ابن (٦) جرير: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق؛ قال: لما رجع موسى إلى قومه، فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل وذراه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلًا الخير فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله، وتوبوا إلى الله مما صنعتم، (وسلوه) (٧) التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا، وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقَّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم؛ فقال له السبعون - فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمروا به، وخرجوا للقاء الله - قالوا: يا موسى، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا. فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل - كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه؛ فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فأخذتهم الرجفة، وهي: الصاعقة، فماتوا جميعًا. وقام موسى يناشد ربه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] قد سفهوا؛ أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك، واخترت منهم سبعين رجلًا الخير فالخير، أرجع إليهم؛ وليس معي منهم رجل واحد؟ فما الذي يصدقوني به، ويأمنوني عليه بعد هذا؟ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فلم يزل موسى يناشد ربه ، ويطلب إليه حتى رد إليهم أرواحهم، (٨) [(فطلب) (٩) إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل؛ فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم] (٨). (هذا سياق محمد بن إسحاق) (١٠).

стр. 454

(وقال) (١) (إسماعيل بن عبد الرحمن) (٢) السدي (الكبير) (٢): لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، وتاب الله عليهم بقتل بعضهم لبعض، كما أمرهم الله به، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أُناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل؛ (ووعدهم) (٣) موسى؛ فاختار موسى (قومه) (٤) سبعين رجلًا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا .. وساق البقية. [وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ والمراد: السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه] (٥). [وقد أغرب (فخر الدين) (٦) الرازي في "تفسيره" حين حكى في قصة هؤلاء السبعين أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى؛ إنك لا تطلب من الله شيئًا إلا أعطاك، فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك، فأجاب الله (٧) دعوته. وهذا غريب جدًّا؛ إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون، ثم يوشع بن نون. وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله ؛ فإن موسى الكليم ﵇ (٨) قد سأل ذلك، فمنع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون؟ القول الثاني في الآية] (٩): قال عبد الرحمن (١٠) بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية: قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كُتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا؛ فتاب الله عليهم؛ فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمركم الذي أمركم به، ونهيكم الذي نهاكم عنه؛ فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا، والله حتى نرى الله جهرةً حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه؛ فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؟ وقرأ قول الله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: فجاءت غضبة من الله؛ فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله؛ فقالوا: لا. فقال: أي شيء أصابكم؟ فقالوا: أصابنا أنا متنا ثم أحيينا، قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكةً فنتقت الجبل فوقهم. [وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا. وقد حكى الماوردي (١١) في ذلك قولين: أحدهما: أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرةً حتى صاروا مضطرين إلى التصديق] (١٢).

стр. 455

[والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف. قال القرطبي (١): وهذا هو الصحيح؛ لأن معاينتهم للأمور (القطعية) (٢) لا تمنع تكليفهم؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات، وهم في ذلك مكلفون. وهذا واضح (٣). والله أعلم] (٤). ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾. لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم شرع يذكرهم أيضًا بما أسبغ عليهم من النعم فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ وهو جمع غمامة، سمي بذلك لأنه يغم السماء؛ أي: يواريها ويسترها، وهو السحاب الأبيض، ظللوا به في التيه ليقيهم حر الشمس، كما رواه النسائي وغيره، عن ابن عباس في "حديث (الفتون) (٥) "؛ قال: ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام. قال ابن أبي (٦) حاتم: وروي عن ابن عمر، والربيع بن أنس، وأبي مجلز، والضحاك، والسدي نحو قول ابن عباس. وقال الحسن، وقتادة (٧): ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ كان هذا في البرية، ظلل عليهم الغمام من الشمس. وقال (ابن جريج) (٨): (وقال آخرون): وهو غمام أبرد من هذا وأطيب. وقال ابن أبي (٩) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ قال: ليس بالسحاب؛ هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، ولم يكن إلا لهم. وهكذا رواه ابن جرير عن المثنى بن إبراهيم، عن أبي حذيفة؛ وكذا رواه الثوري (١٠) وغيره، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؛ وكأنه يريد - والله أعلم - أنه ليس من زي هذا السحاب؛ بل أحسن منه، وأطيب وأبهى منظرًا؛ كما قال سنيد في "تفسيره" (١١) عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج؛ قال: قال ابن عباس: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ قال: غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي الله فيه في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ (وَالْمَلَائِكَةُ) (١٢)﴾ [البقرة: ٢١٠] وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر.

стр. 456

قال ابن عباس: وكان معهم في التيه. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ اختلفت عبارات المفسرين في المن ما هو؟ فقال علي بن أبي (١) طلحة، عن ابن عباس: كان المن ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه، فيأكلون منه ما شاءوا. وقال مجاهد (٢): المن: صمغة. وقال عكرمة (٣): المن: شيء أنزله الله عليهم مثل الطل شبه الرُّبِّ الغليظ. وقال السدي (٤): قالوا: يا موسى! كيف لنا بما ها هنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على (الشجرة الزنجبيل) (٥). وقال قتادة (٦): كان المن ينزل عليهم في محلتهم سقوط الثلج، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك؛ فإذا (تعدى) (٧) ذلك فسد، (و) (٨) لم يبق، حتى إذا كان يوم سادسه [اليوم جمعته] (٩) أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عيد، لا يشخص فيه لأمر معيشته، ولا يطلبه لشيء؛ وهذا كله في البرية. وقال الربيع (١٠) بن أنس: المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه. وقال وهب بن (١١) منبه - وسئل عن المن - فقال: (خبز الرقاق) (١٢) مثل الذرة، أو مثل النقي. وقال أبو جعفر (١٣) بن جرير: حدثني (أحمد) (١٤) بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا

стр. 457

إسرائيل، عن جابر، عن عامر - وهو الشعبي - قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءًا من المن. وكذا قال عبد الرحمن (١) بن زيد بن أسلم إنه العسل. ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت حيث قال (٢): فرأى الله أنهم بمضيع … لا بذي مزرع ولا مثمورًا فسناها (٣) عليهم غاديات … ومرى مزنهم خلايا وخورًا عسلًا ناطفًا وماءً فراتًا .... وحليبًا ذا بهجة (مرمورًا) (٤) فالناطف هو السائل. والحليب المرمور: الصافي منه. والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن؛ فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب والظاهر - والله أعلم - أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب، وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كد؛ فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعامًا وحلاوةً، وإن مزج مع الماء صار شرابًا طيبًا، وإن ركب مع غيره صار نوعًا آخر؛ ولكن ليس هو المراد من الآية وحده. والدليل على ذلك قول البخاري (٥): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عبد الملك، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ : "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين". وهذا الحديث رواه الإمام (٦) أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك؛ وهو ابن عمير، به. وأخرجه الجماعة في كتبهم إلا أبا داود من طرق: عن عبد الملك، وهو ابن عمير، به.

стр. 458

[وقال الترمذي: "حسن صحيح". ورواه البخاري (١) ومسلم (والنسائي) (٢) من رواية الحكم عن الحسن العرني، عن عمرو بن حريث، به] (٣). وقال الترمذي (٤): حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ومحمود بن غيلان؛ قالا: حدثنا سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين". تفرد بإخراجه الترمذي؛ ثم قال: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن عمرو، وإلا من حديث (سعيد) (٥) بن عامر عنه. وفي الباب عن سعيد بن زيد، وأبي سعيد، وجابر - كذا قال! وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" (٦) من طريق آخر، عن [أبي هريرة، فقال: حدثنا أحمد بن (الحسين) (٧) بن أحمد البصري، حدثنا أسلم بن سهل، حدثنا القاسم بن عيسى، حدثنا] (٨) طلحة بن عبد الرحمن، (هذا سلمي واسطي يكنى بأبي محمد) (٩)، [عن (قتادة) (١٠)، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين"] (١١).

стр. 459

[وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وطلحة بن عبد الرحمن] (١) هذا (سلمي واسطي) (٢) يكنى بأبي محمد، وقيل: أبو سليمان المأدب، قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: "روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها". ثم قال الترمذي (٣): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة - أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: الكمأة جدري الأرض. فقال نبي الله ﷺ : "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم". [وهذا الحديث قد رواه النسائي (٤)، عن محمد بن بشار، به؛ وعنه (٥)، عن غندر، عن] (٦)

стр. 460

[شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن] (١) [شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، به، وعن (٢) محمد بن بشار، عن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن شهر بن حوشب بقصة الكمأة فقط. (ورواه) (٣) النسائي (٤) أيضًا، وابن ماجه، من حديث محمد بن بشار، عن أبي عبد الصمد (عبد العزيز) (٥) بن عبد الصمد، عن مطر الوراق، عن شهر بقصة العجوة عند النسائي، وبالقصتين عند ابن ماجه] (١). وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة؛ فإنه لم يسمع (٦) منه، بدليل ما رواه النسائي (٧) في "الوليمة" من "سننه" عن علي بن الحسين الدرهمي، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة؛ قال: خرج رسول الله ﷺ وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول: جدري الأرض. فقال: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين". وروى عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد، وجابر؛ كما قال الإمام أحمد (٨): حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين. والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم".
следующие страницы →