← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

سُورَةُ الرَّحْمنِ وهي مكية قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عاصم، عن زرٍّ أن رجلًا قال [لابن مسعود] (١) كيف تعرف هذا الحرف من ماء غير آسن أو أسن؟ فقال: كل القرآن قد قرأت. قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال: أهذَّا كهذِّ الشعر لا أبالك؟ قد علمت. قرائن النبي ﷺ التي كان يقرن قرينتين قرينتين من أول المفصل، وكان أول مفصل ابن مسعود ﴿الرَّحْمَنُ (١)﴾ (٢). وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد الرحمن بن واقد وأبو مسلم السعدي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: "لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودًا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد". ثم قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، ثم حكي عن الإمام أحمد أنه كان لا يعرفه، ينكر رواية أهل الشام عن زهير بن محمد هذا (٣)، ورواه الحافظ أبو بكر البزار عن عمرو بن مالك، عن الوليد بن مسلم، وعن عبد الله بن أحمد بن شبويه، عن هشام بن عمارة، كلاهما عن الوليد بن مسلم به ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من هذا الوجه. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد بن عباد بن موسى وعمرو بن مالك البصري قالا: حدثنا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أُمية، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ سورة الرحمن أو قرئت عنده فقال: "ما لي أسمع الجن أحسن جوابًا لربها منكم؟ " قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "ما أتيت على قول الله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ إلا قالت الجن: لا بشيء من نعم ربنا نكذب" ورواه الحافظ البزار عن عمرو بن مالك به، ثم قال: لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد (٤).

стр. 4097

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾. يخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه أنه أنزل على عباده القرآن، ويسر حفظه وفهمه على من رحمه فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾. قال الحسن: يعني النطق. وقال الضحاك وقتادة وغيرهما: يعني الخير والشر (١)، وقول الحسن ههنا أحسن وأقوى لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللِّسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها. وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ أي: يجريان متعاقبين بحساب مقنن لا يختلف ولا يضطرب ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس] وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام]. وعن عكرمة أنه قال: لو جعل الله نور جميع أبصار الإنس والجنَّ والدواب والطير في عيني عبد، ثم كشف حجابًا واحدًا من سبعين حجابًا دون الشمس، لما استطاع أن ينظر إليها. ونور الشمس جزء من سبعين جزءًا من نور الكرسي، ونور الكرسي جزء من سبعين جزءًا من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزءًا من نور الستر. فانظر ماذا أعطى الله عبده من النور في عينيه وقت النظر إلى وجه ربه الكريم عيانًا، رواه ابن أبي حاتم (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ قال ابن جرير: اختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿وَالنَّجْمُ﴾ بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق (٣)، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: النجم ما انبسط على وجه الأرض (٤)؛ يعني: من النبات، وكذا قال سعيد بن جبير والسدي وسفيان الثوري (٥)، وقد اختاره ابن جرير رحمه الله تعالى. وقال مجاهد: النجم الذي في السماء (٦). وكذا قال الحسن وقتادة (٧)، وهذا القول هو الأظهر

стр. 4098

والله أعلم لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [الحج: ١٨]. وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ يعني: العدل كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وهكذا قال ههنا: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾ أي: خلق السماوات والأرض بالحق والعدل لتكون الأشياء كلها بالحق والعدل. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ أي: لا تبخسوا الوزن بل زنوا بالحق والقسط كما قال تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢]. وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾ أي: كما رفع السماء وضع الأرض ومهدها وأرساها بالجبال الراسيات الشامخات، لتستقر لما على وجهها من الأنام وهم الخلائق المختلفة أنواعهم وأشكالهم وألوانهم وألسنتهم في سائر أقطارها وأرجائها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الأنام الخلق (١). ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أي: مختلفة الألوان والطعوم والروائح ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ أفرده بالذكر لشرفه ونفعه رطبًا ويابسًا، والأكمام. قال ابن جريج، عن ابن عباس: هي أوعية الطلع (٢). وهكذا قال غير واحد من المفسرين (٣)، وهو الذي يطلع فيه القنو ثم ينشق عن العنقود، فيكون بسرًا ثم رطبًا ثم ينضج ويتناهى نفعه واستواؤه. وقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن عمرو بن علي الصيرفي، حدثنا أبو قتيبة، حدثنا يونس بن الحارث، عن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب: أُخبرك أن رسلي أتتني من قِبلِك فزعمت أن قِبلكم شجرة ليست بخليقة لشيء من الخير، تخرج مثل آذان الحمير ثم تشقق مثل اللؤلؤ، ثم تخضر فتكون مثل الزمرد الأخضر، ثم تحمر فتكون كالياقوت الأحمر، ثم تينع فتنضج فتكون كأطيب فالوذج أُكل، ثم تيبس فتكون عصمة للمقيم وزادًا للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فلا أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة، فكتب إليه عمر بن الخطاب: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم، إن رسلك قد صدقوك هذه الشجرة عندنا، وهي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلهًا من دون الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ (٤) [آل عمران].

стр. 4099

وقيل: الأكمام: رفاتها وهو اللِّيف الذي على عنق النخلة، وهو قول الحسن وقتادة (١). ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ يعني: التبن (٢). وقال العوفي، عن ابن عباس: العصف ورق الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه، فهو يسمى العصف إذا يبس (٣)، وكذا قال قتادة والضحاك وأبو مالك: عصفه: تبنه (٤). وقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: والريحان يعني الورق (٥). وقال الحسن: هو ريحانكم هذا (٦). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: والريحان خضَر الزرع (٧)، ومعنى هذا - والله أعلم - أن الحب كالقمع والشعير ونحوهما له في حال نباته عصف، وهو ما على السنبلة، وريحان وهو الورق الملتف على ساقها. وقيل: العصف الورق أول ما ينبت الزرع بقلًا، والريحان الورق يعني إذا أدجن وانعقد فيه الحب، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته المشهورة: [وقولا له من ينبت الحب في الثرى … فيصبح منه البقل يهتز رابيا] (٨) ويخرج منه حبه في رؤوسه … ففي ذاك آيات لمن كان واعيا (٩)؟ وقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ أي: فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس والجن تكذبان؟ قاله مجاهد وغير واحد (١٠)، ويدل عليه السياق بعده؛ أي: النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها، فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به: اللَّهمَّ ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد (١١). وكان ابن عباس يقول لا بأيها يا ربِّ؛ أي: لا نكذب بشيء منها (١٢). قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون (١٣): ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾.

стр. 4100

﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥)﴾. يذكر تعالى خلقه الإنسان من صلصال كالفخار، وخلقه الجان من مارج من نار، وهو طرف لهبها، قاله الضحاك عن ابن عباس (١)، وبه يقول عكرمة ومجاهد والحسن وابن زيد (٢). وقال العوفي، عن ابن عباس: من مارج من نار من لهب النار من أحسنها (٣). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: من مارج من نار من خالص النار (٤)، وكذلك قال عكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم (٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" (٦). ورواه مسلم، عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به (٧). وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦)﴾؟ تقدم تفسيره. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ يعني: مشرقي الصيف والشتاء ومغربي الصيف والشتاء، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم وبروزها منه إلى الناس. وقال في الآية الأخرى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل] وهذا المراد منه جنس المشارق والمغارب، ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨)﴾؟ وقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩)﴾ قال ابن عباس: أي: أرسلهما (٨). وقوله: ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ قال ابن زيد: أي: منعهما أن يلتقيا بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما (٩)، والمراد بقوله البحرين: الملح والحلو، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس، وقد قدمنا الكلام على ذلك في سورة الفرقان عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ

стр. 4101

هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾ [الفرقان] وقد اختار ابن جرير ههنا أن المراد بالبحرين: بحر السماء وبحر الأرض، وهو مروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطية وابن أبزى (١)، قال ابن جرير: لأن اللؤلؤ يتولد من ماء السماء وأصداف بحر الأرض (٢)، وهذا وإن كان هكذا لكن ليس المراد بذلك ما ذهب إليه، فإنه لا يساعده اللفظ فإنه تعالى قد قال: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾ أي: وجعل بينهما برزخًا، وهو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا على هذا، وهذا على هذا، فيفسد كل واحد منهما الآخر ويزيله عن صفته التي هي مقصودة منه، وما بين السماء والأرض لا يسمى برزخًا وحجرًا محجورًا. وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ أي: من مجموعهما، فإذا وجد ذلك من أحدهما كفى كما قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] والرسل إنما كانوا في الإنس خاصة دون الجن وقد صحَّ هذا الإطلاق. واللؤلؤ معروف، وأما المرجان فقيل هو صغار اللؤلؤ، قاله مجاهد وقتادة وأبو رزين والضحاك وروي عن علي (٣). وقيل: كباره وجيده (٤)، حكاه ابن جرير، عن بعض السلف ورواه ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس، وحكاه السدي عمَّن حدثه عن ابن عباس (٥)، وروي مثله عن علي ومجاهد أيضًا [ومرة] (٦) الهمداني (٧). وقيل: هو نوع من الجواهر أحمر اللون. قال السدي، عن أبي مالك، عن مسروق، عن عبد الله قال: المرجان الخرز الأحمر. قال السدي: وهو الكسد بالفارسية، وأما قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢] فاللحم من كل من الأجاج والعذب والحلية إنما هي من المالح دون العذب. قال ابن عباس: ما سقطت قط قطرة من السماء في البحر فوقعت في صدفة إلا صار منها اللؤلؤ (٨)، وكذا قال عكرمة، وزاد: فإذا لم تقع في صدفة نبتت بها عنبرة (٩)، وروي من غير وجه عن ابن عباس نحوه (١٠).

стр. 4102

وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها فما وقع فيها؛ يعني: من قطر فهو اللؤلؤ (١). إسناده صحيح. ولما كان اتخاذ هذه الحلية نعمة على أهل الأرض، امتنَّ بها عليهم فقال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ﴾ يعني: السفن التي تجري ﴿فِي الْبَحْرِ﴾. قال مجاهد: ما رفع قلعه من السفن فهي منشآت وما لم يرفع قلعه فليس بمنشآت (٢). وقال قتادة: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ يعني: المخلوقات (٣). وقال غيره، المنشِآت - بكسر الشين (٤) - يعني: البادئات (٥). ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ أي: كالجبال في كبرها وما فيها من المتاجر والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم، مما فيه صلاح الناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع، ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥)﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا [العيزار بن سويد، عن عميرة بن سعد] (٦) قال: كنت مع علي بن أبي طالب ﵁ على شاطئ الفرات إذ أقبلت سفينة مرفوع شراعها فبسط علي يديه ثم قال: يقول الله : ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤)﴾ والذي أنشأها تجري في بحوره ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله (٧). ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠)﴾. يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السماوات إلا من شاء الله ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، فإن الربَّ تعالى وتقدس لا يموت بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا. قال قتادة: أنبأ بما خلق ثم أنبأ أن ذلك كله فانٍ. وفي الدعاء المأثور: يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، لا إله

стр. 4103

إلا أنت برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك. وقال الشعبي: إذا قرأت ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ فلا تسكت حتى تقرأ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (١) وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وقد نَعتَ تعالى وجهه الكريم في هذه الآية بأنه ذو الجلال والإكرام؛ أي: هو أهل أن يُجلَّ فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف، كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] وكقوله إخبارًا عن المتصدقين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]. قال ابن عباس: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ذو العظمة والكبرياء (٢). ولما أخبر تعالى عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة، وأنهم سيصيرون إلى دار الآخرة فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨)﴾. وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ وهذا إخبار عن غناه عما سواه وافتقار الخلائق إليه في جميع الآنات وأنهم يسألونه بلسان حالهم وقالهم وأنه كل يوم هو في شأن. قال الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال من شأنه أن يجيب داعيًا أو يعطي سائلًا، أو يفك عانيًا أو يشفي سقيمًا (٣). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كل يوم هو يجيب داعيًا ويكشف كربًا ويجيب مضطرًا ويغفر ذنبًا (٤). وقال قتادة: لا يستغني عنه أهل السماوات والأرض يحيي حيًا ويميت ميتًا، ويربي صغيرًا ويفك أسيرًا وهو منتهى حاجات الصالحين وصريخهم ومنتهى شكواهم (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان الحمصي، حدثنا جرير بن عثمان، عن سويد بن جبلة هو: الفزاري قال: إن ربكم كل يوم هو في شأن فيعتق رقابًا، ويعطي رغابًا، ويقحم عقابًا (٦). وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، حدثني إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، حدثني عمرو بن بكر السكسكي، حدثنا الحارث بن عبدة بن رباح الغساني، عن أبيه، عن مُنيب بن عبد الله بن مُنيت الأزدي، عن أبيه قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فقلنا: يا رسول الله وما ذاك الشأن؟ قال: "أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا،

стр. 4104

ويرفع قومًا ويضع آخرين" (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار وسليمان بن أحمد الواسطي قالا: حدثنا الوزير بن صبيع الثقفي أبو روح الدمشقي والسياق لهشام قال: سمعت يونس بن ميسرة بن حليس، يحدث عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "قال الله : ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، قال: من شأنه أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا ويضع آخرين" (٢). وقد رواه ابن عساكر من طرق متعددة، عن هشام بن عمار به، ثم ساقه من حديث أبي همام الوليد بن شجاع، عن الوزير بن صبيح قال: "ودَلَّنا عليه الوليد بن مسلم، عن مطرف، عن الشعبي، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ فذكره قال: والصحيح الأول (٣)؛ يعني: إسناده الأول". قلت: وقد روي موقوفًا كما علقه البخاري بصيغة الجزم فجعله من كلام أبي الدرداء (٤)، فالله أعلم. وقال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن الحارث، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : كل يوم هو في شأن قال: "يغفر ذنبًا، ويكشف كربًا" (٥). ثم قال ابن جرير: وحدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة الثُّمالي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس إن الله خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء والأرض ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يخلق في كل نظرة، ويحيي ويميت، ويعزُّ ويذلُّ ويفعل ما يشاء (٦). ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ قال:

стр. 4105

وعيد من الله تعالى للعباد وليس بالله شغل وهو فارغ (١)، وكذا قال الضحاك: هذا وعيد (٢). وقال قتادة: قد دنا من الله فراغ لخلقه (٣). وقال ابن جريج: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: سنقضي لكم. وقال البخاري: سنحاسبكم لا يشغله شيء عن شيء، وهو معروف في كلام العرب، يقال: لأتفرغنَّ لك وما به شغل، يقول: لآخذنَّك على غرتك (٤). وقوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ الثقلان: الإنس والجن كما جاء في الصحيح: "ويسمعها كل شيء إلا الثقلين" (٥) وفي رواية "إلا الإنس والجن". وفي حديث [الصور "الثقلان: الإنس والجن" (٦)] (٧) ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾. ثم قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ أي: لا تستطيعون هربًا من أمر الله وقدره بل هو محيط بكم، لا تقدرون على التخلص من حكمه ولا النفوذ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أحيط بكم، وهذا في مقام الحشر، الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب فلا يقدر أحد على الذهاب ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ أي: إلا بأمر الله ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ [القيامة]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾ [يونس: ٢٧] ولهذا قال تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس الشواظ: هو لهب النار (٨). وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: الشواظ: الدخان. وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع (٩). وقال أبو صالح: الشواظ: هو اللهب الذي فوق النار ودون الدخان. وقال الضحاك: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ سيل من نار. وقوله تعالى: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ دخان النار (١٠)، وروي مثله عن أبي صالح وسعيد بن جبير وأبي سنان (١١).

стр. 4106

وقال ابن جرير: والعرب تسمي الدخان: نحاسًا، بضم النون وكسرها، والقراء مجمعة على الضم، ومن النحاس بمعنى الدخان قول نابغة جعدة: يضيء كضوء سراج السليط … لم يجعل الله فيه نحاسًا (١) يعني: دخانًا (٢) هكذا قال: وقد روى الطبراني من طريق جويبر، عن الضحاك أن نافع بن الأرزق سأل ابن عباس عن الشواظ فقال: هو اللهب الذي لا دخان معه، فسأله شاهدًا على ذلك من اللغة، فأنشده قول أُمية بن أبي الصلت في حسان: ألا من مبلغ حسان عني … مغلغلة تدب إلى عكاظ أليس أبوك فينا كان قينًا … إلى القينات فَسلًا في الحفاظ يمانيًا يظل يشب كيرًا … وينفخ دائبًا لهب الشواظ قال: صدقت، فما النحاس؟ قال: هو الدخان الذي لا لهب له، قال: فهل تعرفه العرب؟ قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان يقول: يضيء كضوء سراج السليط … لم يجعل الله فيه نحاسًا (٣) وقال مجاهد: النحاس الصُّفر يذاب فيصب على رؤوسهم (٤)، وكذا قال قتادة (٥). وقال الضحاك: ونحاس سيل من نحاس، والمعنى على كل قول: لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار، والنحاس المذاب عليكم لترجعوا، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾. ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾. يقول تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ يوم القيامة كما دلَّت عليه هذه الآيات مع ما شاكلها من الآيات الواردة في معناها كقوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ [الحاقة]. وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان] وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢)﴾ [الانشقاق] وقوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ أي: تذوب كما يذوب الدردي والفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها، فتارة حمراء

стр. 4107

وصفراء، وزرقاء وخضراء، وذلك من شدة الأمر وهول يوم القيامة العظيم. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الصهباء، حدثنا نافع أبو غالب الباهلي، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يبعث الناس يوم القيامة والسماء تطشُّ عليهم" (١). قال الجوهري: الطشُّ: المطر الضعيف. وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ قال: هو الأديم الأحمر (٢). وقال أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ كالفرس الورد (٣)، وقال العوفي عن ابن عباس: تغير لونها (٤). وقال أبو صالح: كالبرذون الورد، ثم كانت بعد كالدهان (٥). وحكى البغوي وغيره أن الفرس الورد تكون في الربيع صفراء، وفي الشتاء حمراء، فإذا اشتد البرد تغير لونها (٦). وقال الحسن البصري: تكون ألوانًا. وقال السدي: تكون كلون البغلة الوردة (٧)، وتكون كالمهل كدردي الزيت. وقال مجاهد: ﴿كَالدِّهَانِ﴾ كألوان الدهان (٨). وقال عطاء الخراساني: كلون دهن الورد في الصفرة. وقال قتادة: هي اليوم خضراء ويومئذٍ لونها إلى الحمرة يوم ذي ألوان (٩). وقال أبو الجوزاء: في صفاء الدهن. وقال ابن جريج: تصير السماء كالدهن الذائب، وذلك حين يصيبها حرُّ جهنم (١٠). وقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات] فهذا في حال وثم في حال يسأل الخلائق عن جميع أعمالهم، وقال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر] ولهذا قال قتادة: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ قال: قد كانت مسألة ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (١١).

стр. 4108

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا (١)؟ فهذا قول ثانٍ. وقال مجاهد في هذه الآية: لا تسأل الملائكة؛ عن المجرمين بل يعرفون بسيماهم (٢)، وهذا قول ثالث، وكأن هذا بعدما يؤمر بهم إلى النار فذلك الوقت لا يسألون عن ذنوبهم بل يقادون إليها ويلقون فيها كما قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: بعلامات تظهر عليهم. وقال الحسن وقتادة: يعرفونهم باسوداد الوجوه وزرقة العيون (٣). قلت: وهذا كما يعرف المؤمنون بالغرة والتحجيل من آثار الوضوء. وقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ أي: يجمع الزبانية ناصيته مع قدميه ويلقونه في النار كذلك. وقال الأعمش، عن ابن عباس: يؤخذ بناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور (٤). وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره (٥). وقال السدي: يجمع بين ناصية الكافر وقدميه فتربط ناصيته بقدمه ويفتل ظهره. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يعني: جده، أخبرني عبد الرحمن، حدثني رجل من كِندة قال: أتيت عائشة فدخلت عليها وبيني وبينها حجاب فقلت: حدثك رسول الله ﷺ أنه يأتي عليه ساعة لا يملك فيها لأحد شفاعة؟ قالت: نعم لقد سألته عن هذا وأنا وهو في شعار واحد قال: "نعم حين يوضع الصراط لا أملك لأحد فيها شفاعة حتى أعلم أين يسلك بي، ويوم تبيض وجوه وتسود وجوه حتى أنظر ماذا يفعل بي - أو قال يوحى - وعند الجسر حين يستحد ويستحر" فقالت: وما يستحد وما يستحر؟ قال: "يستحد حتى يكون مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مثل الجمرة، فأما المؤمن فيجوزه لا يضره، وأما المنافق فيتعلق حتى إذا بلغ أوسطه خر من قدميه فيهوي بيديه إلى قدميه"، قالت: فهل رأيت من يسعى حافيًا فتأخذه شوكة حتى تكاد تنفذ قدميه؟ فإنه كذلك يهوي بيده ورأسه إلى قدميه فتضربه الزبانية بخطاف في ناصيته وقدمه، فتقذفه في جهنم فيهوي فيها مقدار خمسين عامًا، قلت: ما ثقل الرجل؟ قالت: "ثقل عشر خلفات سِمان، فيومئذٍ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام" (٦). هذا حديث غريب جدًا، وفيه ألفاظ منكر رفعها، وفي الإسناد من لم يسم ومثله لا يحتج به، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣)﴾ أي: هذه النار التي كنتم تكذبون

стр. 4109

بوجودها، ها هي حاضرة تشاهدونها عيانًا، يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتصغيرًا وتحقيرًا. وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ أي: تارة يعذبون في الجحيم وتارة يسقون من الحميم، وهو الشراب الذي هو كالنحاس المذاب يقطع الأمعاء والأحشاء، وهذه كقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ [غافر]. وقوله: ﴿آنٍ﴾ أي: حار قد بلغ الغاية في الحرارة لا يستطاع من شدة ذلك، قال ابن عباس في قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ أي: قد انتهى غليه واشتد حره، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن والثوري والسدي (١). وقال قتادة: قد آن طبخه منذ خلق الله السماوات والأرض (٢). وقال محمد بن كعب القرظي: يؤخذ العبد فيحرك بناصيته في ذلك الحميم حتى يذوب اللحم ويبقى العظم والعينان في الرأس وهي كالتي يقول الله تعالى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ والحميم الآن يعني: الحار. وعن القرظي رواية أخرى ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حاضر وهو قول ابن زيد أيضًا (٣)، والحاضر لا ينافي ما روي عن القرظي أولًا أنه الحار كقوله تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)﴾ [الغاشية] أي: حارة شديدة الحر لا تستطاع، وكقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] يعني: استواءه ونضجه فقوله: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حميم حار جدًا. ولما كان معاقبة العصاة المجرمين وتنعيم المتقين من فضله ورحمته وعدله ولطفه بخلقه، وكان إنذاره لهم عن عذابه وبأسه مما يزجرهم عما هم فيه من الشرك والمعاصي وغير ذلك قال ممتنًا بذلك على بريته: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾؟ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣)﴾. قال [ابن شوذب] (٤) وعطاء الخراساني: نزلت هذه الآية ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ في أبي بكر الصديق (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن مصفي، حدثنا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ نزلت في الذي قال:

стр. 4110

أحرقوني بالنار لعلّي [أضلّ الله] (١) قال: تاب يومًا وليلة، بعد أن تكلم بهذا، فقبل الله منه وأدخله الجنة (٢)، والصحيح أن هذه الآية عامة كما قاله ابن عباس وغيره (٣) يقول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ بين يدي الله يوم القيامة ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] ولم يطغِ ولا آثر الحياة الدنيا، وعلم أن الآخرة خير وأبقى فأدّى فرائض الله واجتنب محارمه، فله يوم القيامة عند ربه جنتان، كما قال البخاري ﵀: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" (٤). وأخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث عبد العزيز به (٥)، وقال حماد بن سلمة: عن ثابت، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال حماد: لا أعلمه إلا قد رفعه في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾. وفي قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن] جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين (٦). وقال ابن جرير: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان [المقري] (٧)، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن عطاء بن يسار، أخبرني أبو الدرداء أن رسول الله ﷺ قرأ يومًا هذه الآية ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: "وإن رغم أنف أبي الدرداء" (٨). ورواه النسائي من حديث محمد بن أبي حرملة به (٩)، ورواه النسائي أيضًا عن مؤمل بن هشام، عن إسماعيل، عن الجريري، عن موسى، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبي الدرداء به (١٠)، وقد روي موقوفًا على أبي الدرداء، وروي عنه أنه قال: إن من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق (١١). وهذه الآية عامة في

стр. 4111

الإنس والجن، فهي من أدلِّ دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا، ولهذا امتنَّ الله تعالى على الثقلين بهذا الجزاء فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ ثم نعتَ هاتين الجنتين فقال: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ أي: أغصان نضرة حسنة تحمل من كل ثمرة نضيجة فائقة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩)﴾؟ هكذا قال عطاء الخراساني وجماعة أن الأفنان أغصان الشجر يمس بعضها بعضًا (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا مسلم بن قتيبة، حدثنا عبد الله بن النعمان، سمعت عكرمة يقول: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ يقول: ظل الأغصان على الحيطان، ألم تسمع قول الشاعر (٢): ما هاج شوقك من هديل حمامة … تدعو على فنن الغصون حماما تدعو أبا فرخين صادف … طاويًا ذا مخلبين من الصقور قطاما (٣) وحكى البغوي عن مجاهد وعكرمة والضحاك والكلبي، أنه [الغصن المستقيم طوالا] (٤) (٥). قال: وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد السلام بن حرب، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ ذواتا ألوان (٦). قال: وروي عن سعيد بن جبير والحسن والسدي [وخصيف] (٧) والنضر بن عربي وابن سنان مثل ذلك (٨)، ومعنى هذا القول أن فيهما فنونًا من الملاذ، واختاره ابن جرير. وقال عطاء: كل غصن يجمع فنونًا من الفاكهة (٩). وقال الربيع بن أنس: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ [واسعتا الفنان وكل هذه الأقوال صحيحة ولا منافاة بينها، والله أعلم. وقال قتادة: ذواتا أفنان] (١٠) يعني بسعتها وفضلها ومزيتها على ما سواها (١١). وقال محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله ﷺ وذكر سدرة المنتهى، فقال: "يسير في ظل الفنن منها الراكب مائة سنة - أو قال: يستظل في ظل الفنن منها مائة راكب - فيها فراش الذهب كأن ثمرها

стр. 4112

[القلال] (١) ". ورواه الترمذي من حديث يونس بن بكير به (٢). ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾ (٣) أي: تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان فتثمر من جميع الألوان ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١)﴾. قال الحسن البصري: إحداهما يقال لها: تسنيم، والأخرى: السلسبيل. وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين (٤)، ولهذا قال بعد هذا: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾ أي: من جميع أنواع الثمار مما يعلمون وخير مما يعلمون، ومما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣)﴾. قال إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل. وقال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء؛ يعني: أن بين ذلك بونًا عظيمًا، وفرقًا بيِّنًا في التفاضل (٥). ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾. يقول تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ يعني: أهل الجنة، والمراد بالاتكاء ههنا الاضطجاع ويقال: الجلوس على صفة التربيع ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غلظ من الديباج، قاله عكرمة والضحاك وقتادة (٦). وقال أبو عمران الجوني: هو الديباج المزين بالذهب، فنبه على شرف الظهارة بشرف البطانة، فهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى. قال أبو إسحاق: عن هبيرة بن يريم، عن عبد الله بن مسعود قال: هذه البطائن، فكيف لو رأيتم الظواهر (٧)؟

стр. 4113

وقال مالك بن دينار: بطائنها من إستبرق وظواهرها من نور (١). وقال سفيان الثوري أو شريك: بطائنها من إستبرق وظواهرها من نور جامد (٢). وقال القاسم بن [مخيمرة] (٣): بطائنها من إستبرق وظواهرها من الرحمة (٤). وقال ابن شوذب، عن أبي عبد الله الشامي: ذكر الله البطائن ولم يذكر الظواهر، وعلى الظواهر المحابس ولا يعلم ما تحت المحابس إلا الله تعالى، ذكر ذلك كله الإمام ابن أبي حاتم ﵀. ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ أي: ثمرهما قريب إليهم متى شاءوا تناولوه على أي صفة كانوا، كما قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ [الحاقة] وقال: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ [الإنسان] أي: لا تمتنع ممن تناولها بل تنحط إليه من أغصانها ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥)﴾؟ ولما ذكر الفرش وعظمتها قال بعد ذلك ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: في الفرش ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي: غضيضات عن غير أزواجهن فلا يرين شيئًا في الجنة أحسن من أزواجهن، قاله ابن عباس وقتادة وعطاء الخراساني وابن زيد (٥). وقد ورد أن الواحدة منهن تقول لبعلها: والله ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك. ولا في الجنة شيئًا أحب إلي منك، فالحمد لله الذي جعلك لي وجعلني لك. ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ أي: بل هن أبكار عُرُب أتراب لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من الإنس والجن، وهذه أيضًا من الأدلة على دخول مؤمني الجن الجنة. وقال أرطاة بن المنذر: سُئل ضمرة بن حبيب هل يدخل الجن الجنة؟ قال: نعم وينكحون، للجن جنيات وللإنس إنسيات، وذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧)﴾ (٦). ثم قال ينعتهن للخطاب: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾. قال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم: في صفاء الياقوت وبياض المرجان (٧)، فجعلوا المرجان ههنا اللؤلؤ. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا عَبيدة بن حميد، عن عطاء بن السائب، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقيها من وراء سبعين حلة من حرير [حتى يرى مخَّها] " (٨)، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه

стр. 4114

سلكًا ثم استصفيته لرأيته من ورائه (١)، وهكذا رواه الترمذي من حديث عبيدة بن حميد وأبي الأحوص عن عطاء بن السائب به، ورواه موقوفًا ثم قال: وهو أصح (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يونس، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كل واحدة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الثياب" (٣). تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه. وقد روى مسلم حديث إسماعيل بن عُليَّة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا، الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة: أولم يقل أبو القاسم ﷺ : "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخّ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب" (٤). وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث همام بن منبه وأبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ (٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا محمد بن طلحة، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده - يعني: سوطه - من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحًا ولطاب ما بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها" (٦). ورواه البخاري من حديث أبي إسحاق، عن حميد، عن أنس بنحوه. وقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ أي: لا لمن أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وقال البغوي: حدثنا أبو سعيد الشريحي، حدثنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن شيبة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن بهرام، حدثنا الحجاج بن يوسف المكتب، حدثنا بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ وقال: "هل تدرون ما قال ربكم؟ " (٧) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة" (٨).

стр. 4115

ولما كان في الذي ذكر نعم عظيمة لا يقاومها عمل بل مجرد تفضل وامتنان قال بعد ذلك كله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾؟ ومما يتعلق بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن] ما رواه الترمذي والبغوي من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي عقيل الثقفي، عن أبي فروة يزيد بن سنان الرهاوي، عن بكير بن فيروز، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة" ثم قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر (١). وروى البغوي من حديث علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة مولى حويطب بن عبد العزى، عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله ﷺ يقصُّ على المنبر وهو يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ فقلت الثالثة: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: "وإن رغم أنف أبي الدرداء" (٢). ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾. هاتان الجنتان دون اللتين قبلهما في المرتبة والفضيلة والمنزلة بنصِّ القرآن، قال الله تعالى ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ وقد تقدم في الحديث: جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، فالأوليان للمقربين والأخريان لأصحاب اليمين (٣). وقال أبو موسى: جنتان من ذهب للمقربين وجنتان من فضة لأصحاب اليمين (٤). وقال ابن عباس: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ من دونهما في [الدرج] (٥). وقال ابن زيد: من دونهما في الفضل (٦). والدليل على شرف الأوليين على الأخريين وجوه:

стр. 4116

(أحدها): أنه نعت الأوليين قبل هاتين والتقدم يدل على الاعتناء ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ وهذا ظاهر في شرف التقدم وعلوه على الثاني وقال هناك ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ وهي الأغصان أو الفنون في الملاذ، وقال ههنا ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ أبو سوداوان من شدة الري من الماء. قال ابن عباس في قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾: قد اسودتا من الخضرة من شدة الري من الماء (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ قال: خضراوان (٢). وروى عن أبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن أبي أوفى وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد في إحدى الروايات وعطاء وعطية العوفي والحسن البصري، ويحيى بن رافع وسفيان الثوري نحو ذلك (٣). وقال محمد بن كعب: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ ممتلئتان من الخضرة. وقال قتادة: خضراوان من الري ناعمتان (٤)، ولا شك في نضارة الأغصان على الأشجار المشتبكة بعضها في بعض. وقال هناك: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾ وقال ههنا: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي فياضتان (٥)، والجري أقوى من النضخ، وقال الضحاك ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ أي: ممتلئتان ولا تنقطعان (٦). وقال هناك: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾، وقال ههنا: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ ولا شك أن الأولى أعمّ وأكثر في الأفراد والتنويع على فاكهة، وهي نكرة في سياق الإثبات لا تعم، ولهذا فسر قوله: ﴿وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ من باب عطف الخاص على العام كما قرره البخاري وغيره (٧)، وإنما أفرد النخل والرمان بالذكر لشرفهما على غيرهما. قال عبد بن حميد: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا حصين بن عمر، حدثنا مخارق، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب قال: جاء أناس من [اليهود] (٨) إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أفي الجنة فاكهة؟ قال: "نعم فيها فاكهة ونخل ورمان" قالوا: أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟ قال: "نعم وأضعاف" قالوا: فيقضون الحوائج؟ قال: "لا ولكنهم يعرقون ويرشحون فيذهب الله ما في بطونهم من أذى" (٩). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن حماد، عن

стр. 4117

سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نخل الجنة سعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم، ومنها حللهم وكربها ذهب أحمر وجذوعها زمرد أخضر، وثمرها أحلى من العسل وألين من الزبد، وليس له عجم (١). وحدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد هو: ابن سلمة، عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "نظرت إلى الجنة فإذا الرمانة من رمانها كالبعير المقتب" (٢). ثم قال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ قيل: المراد خيرات كثيرة حسنة في الجنة قاله قتادة (٣)، وقيل: خيرات جمع خيرة وهي المرأة الصالحة الحسنة الخلق الحسنة الوجه، قاله الجمهور، وروي مرفوعًا عن أم سلمة، وفي الحديث الآخر الذي سنورده في سورة الواقعة إن شاء الله تعالى أن الحور العين يغنين: نحن الخيرات الحسان خلقنا لأزواج كرام (٤)، ولهذا قرأ بعضهم ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ﴾ بالتشديد (٥) ﴿حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١)﴾ ثم قال: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ وهناك قال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] ولا شك أن التي قد قصرت طرفها بنفسها أفضل ممن قصرت وإن كان الجميع مخدرات. قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع بن سفيان، عن جابر، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: إن لكل مسلم خيرة ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب يدخل عليه كل يوم تحفة وكرامة وهدية، لم تكن قبل ذلك لا مرحات ولا طمحات ولا بخرات ولا ذفرات، حورٌ عِين كأنهن بيض مكنون (٦). وقوله تعالى: ﴿فِي الْخِيَامِ﴾ قال البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلًا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون" (٧) ورواه أيضًا من حديث أبي عمران به وقال: ثلاثون ميلًا (٨)، وأخرجه مسلم من حديث أبي عمران به ولفظه "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون (٩) ميلًا، للمؤمن فيها أهل يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا" (١٠). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أبي الربيع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة،

стр. 4118

أخبرني خليد العصري، عن أبي الدرداء قال: الخيمة لؤلؤة واحدة فيها سبعون بابًا من درّ (١). وحدثنا أبي: حدثنا عيسى بن أبي فاطمة، حدثنا جرير، عن هشام، عن محمد بن المثنى، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ قال: خيام اللؤلؤ، وفي الجنة خيمة واحدة من لؤلؤة واحدة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب (٢). وقال عبد الله بن وهب: أخبرنا عمرو أن دراجًا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء" ورواه الترمذي من حديث عمرو بن الحارث به (٣). وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤)﴾ قد تقدم مثله سواء إلا أنه زاد في وصف الأوائل بقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩)﴾ [الرحمن]. وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرفرف: المحابس (٤)، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم: هي المحابس (٥). وقال العلاء بن بدر: الرفرف على السرير كهيئة المحابس المتدلي. وقال عاصم الجحدري: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ يعني: الوسائد (٦)، وهو قول الحسن البصري في رواية عنه (٧). وقال أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ قال: الرفرف رياض الجنة (٨). وقوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي: العبقري: الزرابي (٩). وقال سعيد بن جبير: هي: عتاق الزرابي (١٠)؛ يعني: جيادها.

стр. 4119

وقال مجاهد: العبقري: الديباج (١). وسئل الحسن البصري عن قوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ فقال: هي بسط أهل الجنة لا أبا لكم فاطلبوها. وعن الحسن رواية أنها: المرافق. وقال زيد بن أسلم: العبقري أحمر وأصفر وأخضر. وسئل العلاء بن زيد، عن العبقري فقال: البسط أسفل من ذلك. وقال أبو حزرة يعقوب بن مجاهد: العبقري من ثياب أهل الجنة لا يعرفه أحد. وقال أبو العالية: العبقري: الطنافس المخملة إلى الرقة ما هي. وقال [القتبي] (٢): كل ثوب موشى عند العرب عبقري. وقال أبو عبيدة: هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي. وقال الخليل بن أحمد: كل شيء نفيس من الرجال وغير ذلك يسمى عند العرب: عبقريًا (٣)، ومنه قول النبي ﷺ في عمر: "فلم أرَ عبقريًا يفري فريه" (٤). وعلى كل تقدير فصفة مرافق أهل الجنتين الأوليين أرفع وأعلى من هذه الصفة فإنه قد قال هناك: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ فنعت بطائن فرشهم وسكت عن ظهائرها اكتفاء بما مدح به البطائن بطريق الأولى والأحرى وتمام الخاتمة أنه قال بعد الصفات المتقدمة ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾؟ فوصف أهلها بالإحسان، وهو أعلى المراتب والنهايات كما في حديث جبريل لما سأل عن الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، فهذه وجوه عديدة في تفضيل الجنتين الأوليين على هاتين الأخريين، ونسأل الله الكريم الوهاب أن يجعلنا من أهل الأوليين. ثم قال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ أي: هو أهل أن يُجلَّ فلا يعصى، وأن يكرم فيعبد، ويشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى، وقال ابن عباس: ﴿ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ذي العظمة والكبرياء (٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن عمير بن هانئ، عن أبي العذراء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "أجِلَّوا الله يغفر لكم" (٦). وفي الحديث الآخر: "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وذي السلطان، وحامل القرآن غير المغالي فيه ولا الجافي عنه" (٧).

стр. 4120

وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو يوسف الحربي، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا حميد الطويل، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "ألظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام" (١). وكذا رواه الترمذي، عن محمود بن غيلان، عن مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به، ثم قال: غلط المؤمل فيه، وهو غريب وليس بمحفوظ، وإنما يروى هذا عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن النبي ﷺ (٢). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن حسان المقدسي، عن ربيعة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ألظُّوا بذي الجلال والإكرام" (٣). ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك به (٤). وقال الجوهري: ألظ فلان بفلان: إذا لزمه، وقول ابن مسعود: ألظُّوا بياذا الجلال والإكرام؛ أي: الزموا، يقال: الإلظاظ: هو الإلحاح. (قلت): وكلاهما قريب من الآخر، والله أعلم، وهو المداومة واللزوم والإلحاح. وفي صحيح مسلم والسنن الأربعة من حديث عبد الله بن الحارث، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم لا يقعد يعني بعد الصلاة إلا بقدر ما يقول: "اللَّهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام" (٥). آخر تفسير سورة الرحمن، ولله الحمد والمنة.

стр. 4121

سُورَةُ الوَاقِعَةِ وهي مكية قال أبو إسحاق: عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شِبتَ، قال: "شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ]، و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ [التكوير]. رواه الترمذي وقال: حسن غريب (١). قال الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن مسعود بسنده إلى عمرو بن الربيع بن طارق المصري، حدثنا السري بن يحيى الشيباني، عن أبي شجاع، عن أبي ظبية قال: مرض عبد الله مرضه الذي توفي فيه، فعاده عثمان بن عفان فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه؟ قال: يكون لبناتك من بعدك. قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي يقرأنَّ كل ليلة سورة الواقعة، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا" ثم قال ابن عساكر: كذا قال، والصواب عن شجاع كما رواه عبد الله بن وهب، عن السري. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني السري بن يحيى أن شجاعًا حدثه عن أبي ظبية، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا" فكان أبو ظبية لا يدعها، وكذا رواه أبو يعلى عن إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن منيب، عن السري بن يحيى، عن شجاع، عن أبي ظبية، عن ابن مسعود به (٢). ثم رواه أبو يعلى عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن محمد بن منيب العدني، عن السري بن يحيى، عن أبي ظبية، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا" (٣) لم يذكر في مسنده شجاعًا قال: وقد أمرت بناتي أن يقرأنها كل ليلة. وقد رواه ابن عساكر أيضًا من حديث حجاج بن نصير وعثمان بن اليمان، عن السري بن يحيى، عن شجاع، عن أبي فاطمة قال: مرض عبد الله فأتاه عثمان بن عفان يعوده، فذكر الحديث بطوله، قال عثمان بن اليمان: كان أبو فاطمة هذا مولى لعلي بن أبي طالب. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل ويحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي الصلوات كنحو من

стр. 4122

صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف، وكانت صلاته أخفَّ من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور (١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾. الواقعة من أسماء يوم القيامة سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾ [الحاقة]. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾ أي: ليس لوقوعها إذا أراد الله كونها صارف يصرفها ولا دافع يدفعها كما قال: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٧] وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢)﴾ [المعارج] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾ [الأنعام: ٧٣]. ومعنى ﴿كَاذِبَةٌ﴾ كما قال محمد بن كعب: لا بدّ أن تكون. وقال قتادة: ليس فيها مثنوية ولا ارتداد ولا رجعة (٢). قال ابن جرير: والكاذبة مصدر كالعاقبة والعافية (٣). وقوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ أي: تخفض أقوامًا إلى أسفل سافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزاء، وترفع آخرين إلى أعلى عليين إلى النعيم المقيم، وإن كانوا في الدنيا وضعاء، هكذا قال الحسن وقتادة وغيرهما (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن عبد الرحمن بن مصعب المعني، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ تخفض أقوامًا وترفع آخرين (٥). وقال عبيد الله العتكي: عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ قال: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة (٦).

стр. 4123

وقال محمد بن كعب: تخفض رجالًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالًا كانوا في الدنيا مخفوضين. وقال السدي: خفضت المتكبرين ورفعت المتواضعين. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ أسمعت القريب والبعيد (١). وقال عكرمة: خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى (٢)، وكذا قال الضحاك وقتادة (٣). وقوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾ أي: حركت تحريكًا فاهتزت واضطربت بطولها وعرضها، ولهذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد في قوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾ أي: زلزلت زلزالًا (٤). وقال الربيع بن أنس: ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه (٥)، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ [الزلزلة] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج]. وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ أي: فتتت فتًا، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم (٦). وقال ابن زيد: صارت الجبال كما قال الله تعالى (٧): ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]. وقوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ قال أبو إسحاق: عن الحارث، عن علي ﵁: هباء منبثًا كرهج الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء (٨). وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئًا (٩). وقال عكرمة: المنبث الذي قد ذرته الريح وبثته (١٠).

стр. 4124

وقال قتادة: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كيبيس الشجر الذي تذروه الرياح (١). وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة وذهابها وتسييرها ونسفها وصيرورتها كالعهن المنفوش. وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ أي: ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم الذين خرجوا من شقِّ آدم الأيمن، ويؤتون كتبهم بأيمانهم ويؤخذ بهم ذات اليمين. وقال السدي: وهم جمهور أهل الجنة، وآخرون عن يسار العرش وهم الذين خرجوا من شقِّ آدم الأيسر ويؤتون كتبهم بشمالهم ويؤخذ بهم ذات الشمال وهم عامة أهل النار - عياذًا بالله من صنيعهم - وطائفة سابقون بين يديه، وهم أخصُّ وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين الذين هم سادتهم، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقلُّ عددًا من أصحاب اليمين، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]. وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه. قال سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ قال: هي التي في سورة الملائكة ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (٢). وقال ابن جريج، عن ابن عباس: هذه الأزواج الثلاثة هم المذكورون في آخر السورة وفي سورة الملائكة (٣). وقال يزيد الرقاشي: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ قال: أصنافًا ثلاثة (٤). وقال مجاهد: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ يعني: فرقًا ثلاثة. وقال ميمون بن مهران: أفواجًا ثلاثة. وقال عبيد الله العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ اثنان في الجنة وواحد في النار (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير] قال:

стр. 4125

الضُرباء (١)، كل رجل من كل قوم كانو يعملون عمله، وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ قال: هم الضرباء (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، حدثنا البراء الغنوي، حدثنا الحسن، عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ [الواقعة: ٢٧]. ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١)﴾ [الواقعة] فقبض بيده قبضتين فقال: "هذه للجنة ولا أبالي، وهذه للنار ولا أبالي" (٣). وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا حسن: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم" (٤). وقال محمد بن كعب وأبو حرزة ويعقوب بن مجاهد: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ هم الأنبياء ﵈. وقال السدي: هم أهل عليين. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ قال: يوشع بن نون، سبق إلى موسى، ومؤمن آل يس سبق إلى عيسى، وعلي بن أبي طالب سبق إلى محمد رسول الله ﷺ . رواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن هارون الفلاس، عن عبد الله بن إسماعيل المدائني البزار، عن شعيب بن الضحاك المدائني، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح به (٥). وقال ابن أبي حاتم: وذُكر عن محمد بن أبي حماد، حدثنا مهران، عن خارجة، عن قُرَّة، عن ابن سيرين ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ الذين صلوا إلى القبلتين (٦). ورواه ابن جرير من حديث خارجة به (٧). وقال الحسن وقتادة: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ أي: من كل أمة (٨). وقال الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة أنه قرأ هذه الآية ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ

стр. 4126

الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ ثم قال: أولهم رواحًا إلى المسجد وأولهم خروجًا في سبيل الله (١)، وهذه الأقوال كلها صحيحة فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢٢] وقال: فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن زكريا الفزاري الرازي، حدثنا خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: قالت الملائكة: يا ربِّ جعلت لبني آدم الدنيا فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون فاجعل لنا الآخرة، فقال: لا أفعل، فراجعوا ثلاثًا فقال: لا أجعل من خلقت بيدي كمن قلت له كن فيكون. ثم قرأ عبد الله ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾ (٢). وقد روى هذا الأثر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه الرد على الجهمية ولفظه: فقال الله : لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كُنْ، فكان (٣). ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء السابقين المقربين أنهم ثلة؛ أي: جماعة من الأولين وقليل من الآخرين، وقد اختلفوا في المراد بقوله الأولين والآخرين فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية وبالآخرين هذه الأُمة، وهذا رواية عن مجاهد والحسن البصري (٤)، رواها عنهما ابن أبي حاتم: وهو اختيار ابن جرير واستأنس بقوله ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" (٥) ولم يحك غيره ولا عزاه إلى أحد، ومما يستأنس به لهذا القول ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ شقَّ ذلك على

стр. 4127

أصحاب النبي ﷺ فنزل ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة] فقال النبي ﷺ : "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الثاني" (١). ورواه الإمام أحمد، عن أسود بن عامر، عن شريك، عن محمد بياع الملاء، عن أبيه، عن أبي هريرة … فذكره (٢). وقد روي من حديث جابر نحو هذا، ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق هشام بن عمارة، حدثنا عبد ربه بن صالح، عن عروة بن رويم، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ : لما نزلت ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾ [الواقعة] " ذكر فيها " ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ " قال عمر: يا رسول الله ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ وقليل منا؟ [قال: فأمسك] (٣) آخر السورة سنة ثم نزل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة] فقال رسول الله ﷺ : "يا عمر تعال فاسمع ما قد أنزل الله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة] ألا وإن من آدم إلي ثلة وأُمتي ثلة، ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإبل ممن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له" (٤) هكذا أورده في ترجمة عروة بن رويم إسنادًا ومتنًا، ولكن في إسناده نظر، وقد وردت طرق كثيرة متعددة بقوله ﷺ : "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة" (٥) الحديث بتمامه وهو مفرد في صفة الجنة، ولله الحمد والمنة. وهذا الذي اختاره ابن جرير ههنا فيه نظر بل هو قول ضعيف؛ لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنصِّ القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها، اللَّهمَّ إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم والله أعلم. فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح، وهو أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ أي: من صدر هذه الأمة ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ أي: من هذه الأمة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا عبد الله بن بكر المزني، سمعت الحسن أتى على هذه الآية ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ فقال: أما السابقون فقد مَضَوا ولكن اللَّهم اجعلنا من أصحاب اليمين (٦). ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا السري بن يحيى قال: قرأ الحسن ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ قال ثلة ممن مضى من هذه الأمة (٧). وحدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة المنقري، حدثنا أبو هلال، عن محمد بن سيرين أنه قال في هذه الآية ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ قال: كانوا يقولون أو

стр. 4128

يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة (١)، فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأُمة، ولا شك أن أول كل أُمة خير من آخرها، فيحتمل أن تعمَّ الآية جميع الأُمم كل أمة بحسبها، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" الحديث بتمامه (٢). فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زياد أبو عمر، عن الحسن، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل أُمتي مثل المطر لا يُدرى أوله خير أم آخره" (٣) فهذا الحديث، بعد الحكم بصحة إسناده، محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها، والفضل للمتقدم وكذلك الزرع هو محتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني، ولكن العمدة الكبرى على الأول واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض ولا تعلق أساسه فيها ولهذا قال ﵇: "لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة" وفي لفظ "حتى يأتي أمر الله تعالى وهم كذلك" (٤) والغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم، والمقربون فيها أكثر من غيرها وأعلى منزلة لشرف دينها وعظم نبيها، ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ ، أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب وفي لفظ "مع كل ألف سبعون ألفًا" وفي آخر: "مع كل واحد سبعون ألفًا" (٥). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هشام بن يزيد الطبراني، حدثنا محمد هو ابن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم يعني ابن زرعة، عن شريح هو ابن عبيد، عن أبي مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "أما والذي نفسي بيده ليبعثن منكم يوم القيامة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يحيطون الأرض، تقول الملائكة لما جاء مع محمد ﷺ أكثر مما جاء مع الأنبياء ﵈" (٦). وحسن أن يذكر ههنا عند قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة حيث قال: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا جعفر بن محمد بن المستفاض الفريابي، حدثني أبو وهب الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله بن مسرح الحراني، حدثنا سليمان بن عطاء القرشي الحراني، عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن أبي زمل الجهني ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح يقول وهو ثان رجليه: "سبحان الله وبحمده أستغفر الله إن الله كان

стр. 4129

توابًا" سبعين مرة ثم يقول: "سبعين بسبعمائة لا خير لمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة" ثم يقول ذلك مرتين ثم يستقبل الناس بوجهه. وكان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا ثم يقول: "هل رأى أحد منكم شيئًا؟ " قال أبو زمل: فقلت: أنا يا رسول الله، فقال: "خير تلقاه، وشر توقاه، وخير لنا، وشر على أعدائنا الحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك" فقلت: رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لاحب (١) والناس على الجادة منطلقين، فبينما هم كذلك إذ أشفى (٢) ذلك الطريق على مرج لم تر عيني مثله، يرف رفيفًا يقطر ماؤه فيه من أنواع الكلأ، قال: وكأني بالرعلة (٣) الأولى حين أشفوا على المرج كبَّروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فلم يظلموه (٤) يمينًا ولا شمالًا، قال فكأني أنظر إليهم منطلقين، ثم جاءت الرعلة الثانية، وهم أكثر منهم أضعافًا فلما أشفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع (٥)، ومنهم الآخذ الضغث (٦)، ومضوا على ذلك، قال: ثم قدم عظم الناس، فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا: هذا خير المنزل، كأني أنظر إليهم يميلون يمينًا وشمالًا، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى آتى أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل آدم شثل (٧) أقنى (٨) إذا هو تكلم يسمو، فيقرع (٩) الرجال طولًا، وإذا عن يسارك رجل ربعة باد كثير خيلان (١٠) الوجه، كأنما حمم (١١) شعره بالماء، إذا هو تكلم أصغيتم إكرامًا له، وإذا أمام ذلك رجل شيخ أشبه الناس بك خلقًا ووجهًا كلكم تأمونه تريدونه، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف (١٢)، وإذا أنت يا رسول الله كأنك تبعثها. قال: فامتقع لون رسول الله ﷺ ساعة ثم سُريَ عنه، وقال رسول الله ﷺ : "أما ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب، فذاك ما حملتكم عليه من الهدى وأنتم عليه، وأما المرج الذي رأيت فالدنيا وغضارة عيشها، مضيت أنا وأصحابي لم نتعلق منها بشيء ولم تتعلق منا ولم نردها ولم تردنا، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدنا وهم أكثر منا أضعافًا، فمنهم المرتع ومنهم الآخذ الضغث ونجوا على ذلك، ثم جاء عُظْمُ الناس فمالوا في المرج يمينًا وشمالًا فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأما أنت فمضيت على طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقاني، وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفًا، وأما الرجل الذي رأيت على يميني الآدم الشثل فذلك موسى ﵇، إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام الله إياه، والذي رأيت عن يساري الباز الربعة الكثير خيلان الوجه كأنما حمم شعره بالماء، فذلك عيسى ابن مريم نكرمه لإكرام الله إياه، وأما الشيخ الذي رأيت أشبه الناس بي خلقًا ووجهًا

стр. 4130

فذاك أبونا إبراهيم كلنا نؤمه ونقتدي به، وأما الناقة التي رأيت ورأيتني أبعثها فهي الساعة علينا تقوم لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي" قال: فما سأل رسول الله ﷺ -عن رؤيا بعد هذا إلا أن يجيئ الرجل فيحدثه بها متبرعًا" (١). وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾ قال ابن عباس: أي مرمولة بالذهب (٢)؛ يعني: منسوجة به، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم وقتادة والضحاك وغيره (٣). وقال السدي: مرمولة بالذهب واللؤلؤ. وقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت (٤). وقال ابن جرير: ومنه يسمى وضين الناقة الذي تحت بطنها (٥)، وهو فعيل بمعنى مفعول لأنه مضفور، وكذلك السرر في الجنة مضفورة بالذهب واللآلئ. وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾ أي: وجوه بعضهم إلى بعض ليس أحد وراء أحد ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ أي: مخلدون على صفة واحدة لا يتكبرون عنها ولا يشيبون ولا يتغيرون ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ أما الأكواب فهي: الكيزان التي لا خراطيم لها ولا آذان، والأباريق التي جمعت الوصفين والكؤوس الهنابات، والجميع من خمر من عين جارية معين، ليس من أوعية تنقطع وتفرغ بل من عيون سارحة. وقوله تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة. وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول (٦)، فذكر الله تعالى خمر الجنة ونزهها عن هذه الخصال. وقال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطية وقتادة والسدي ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يقول ليس لهم فيها صداع رأس (٧)، وقالوا في قوله: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ أي: لا تذهب بعقولهم (٨). وقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ أي: ويطوفون عليهم بما يتخيرون من الثمار، وهذه الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها، ويدل على ذلك حديث عكراش بن ذؤيب الذي رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي ﵀ في مسنده، حدثنا

стр. 4131

العباس بن الوليد الترسي، حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي [سوية] (١)، حدثنا عبيد الله بن عكراش، عن أبيه عكراش بن ذؤيب قال: بعثني بنو مرة في صدقات أموالهم إلى رسول الله ﷺ ، فقدمت المدينة فإذا هو جالس بين المهاجرين والأنصار، وقدمت عليه بإبل كأنها عروق الأرطى (٢) قال: "من الرجل؟ " قلت: عكراش بن ذؤيب، قال: "ارفع في النسب" فانتسبت له إلى مُرَّة بن عُبيد، وهذه صدقة مُرَّة بن عبيد، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "هذه إبل قومي هذه صدقات قومي" ثم أمر بها أن توسم بميسم إبل الصدقة وتضمّ: إليها، ثم أخذ بيدي فانطلقنا إلى منزل أُم سلمة فقال: "هل من طعام؟ " فأتينا بجفنة كالقصعة كثيرة الثريد والوذر (٣)، فجعل يأكل منها فأقبلت أخبط بيدي في جوانبها فقبض رسول الله ﷺ بيده اليسرى على يدي اليمنى فقال: يا عكراش، كل من موضع واحد فإنه طعام واحد. ثم أتينا بطبق فيه تمر أو رطب شك عبيد الله رطبًا كان أو تمرًا، فجعلت آكل من بين يدي وجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق وقال: يا عكراش، كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد. ثم أتينا بماء فغسل رسول الله ﷺ يده ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه ثلاثًا ثم قال: "يا عكراش هذا الوضوء مما غيرت النار" (٤). وهكذا رواه الترمذي مطولًا وابن ماجه جميعًا عن محمد بن بشار، عن أبي الهذيل العلاء بن الفضل به، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه (٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز بن أسد وعفان، وقال الحافظ أبو يعلى، حدثنا شيبان، قالوا: حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت قال: قال أنس كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا، فربما رأى الرجل الرؤيا فسأل عنه إذا لم يكن يعرفه، فإذا أثنى عليه معروف كان أعجب لرؤياه إليه، فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني أتيت فأخرجت من المدينة فأدخلت الجنة، فسمعت وجبة انتحبت لها الجنة، فنظرت فإذا فلان بن فلان وفلان بن فلان فسمت اثني عشر رجلًا، كان النبي ﷺ قد بعث سرية قبل ذلك فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب (٦) أوداجهم (٧)، فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو البيذخ (٨)، قال: فغمسوا فيه فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر، فأتوا بصفحة من ذهب فيها بسر، فأكلوا من بسره ما شاءوا فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم فأتى البشير من تلك السرية، فقال ما كان من رؤيا كذا وكذا فأصيب فلان وفلان حتى عد اثني عشر رجلًا، فدعا رسول الله ﷺ المرأة، فقال قصِّي رؤياك،

стр. 4132

فقصتها، وجعلت تقول: فجيء بفلان وفلان كما قال (١). هذا لفظ أبي يعلى، قال الحافظ الضياء: وهذا على شرط مسلم (٢). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل إذا نزع ثمرة في الجنة عادت مكانها أخرى" (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن طير الجنة كأمثال البُخت يرعى في شجر الجنة" فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه لطير ناعمة، فقال: "آكلها أنعم منها - قالها ثلاثًا - وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها" (٤). انفرد به أحمد من هذا الوجه. وروى الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه "صفة الجنة" من حديث إسماعيل بن علي الخطمي، عن أحمد بن علي الخيوطي، عن عبد الجبار بن عاصم، عن عبد الله بن زياد، عن زرعة، عن نافع، عن ابن عمر قال: ذكرت عند النبي ﷺ طوبى فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر هل بلغك ما طوبى؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: "طوبى شجرة في الجنة ما يعلم طولها إلا الله يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفًا ورقها الحلل يقع عليها الطير كأمثال البخت" فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هناك لطيرًا ناعمًا؟ قال: "أنعم منه من يأكله وأنت منهم إن شاء الله تعالى" (٥). وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾: وذُكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول الله إني أرى طيرها ناعمة كأهلها ناعمون، قال: "من يأكلها والله يا أبا بكر أنعم منها وإنها لأمثال البخت، وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر" (٦). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني مجاهد بن موسى، حدثنا معن بن عيسى، حدثني ابن أخي ابن شهاب، عن أبيه، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ سئل عن الكوثر فقال: "نهر أعطانيه ربي في الجنة أشد بياضًا من اللَّبن وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها يعني كأعناق

стр. 4133

الجزر" فقال عمر: إنها لناعمة، قال رسول الله ﷺ : "آكلُها أنعمُ منها" (١) وكذا رواه الترمذي، عن عبد بن حميد، عن القعنبي، عن محمد بن عبد الله بن مسلم بن شهاب، عن أبيه، عن أنس، وقال حسن (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لطيرًا فيه سبعون ألف ريشة فيقع على صفحة الرجل من أهل الجنة فينتفض، فيخرج من كل ريشة يعني لونًا أبيض من اللبن، وألين من الزبد وأعذب من الشهد، ليس منها لون يشبه صاحبه ثم يطير" (٣) هذا حديث غريب جدًا، والوصافي وشيخه ضعيفان. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثنا خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم، عن عطاء، عن كعب قال: إن طائر الجنة أمثال البخت [يأكلن] (٤) من ثمرات الجنة ويشرب من أنهار الجنة، فيصطففن له، فإذا اشتهى منها شيئًا أتى حتى يقع بين يديه، فيأكل من خارجه وداخله ثم يطير لم ينقص منه شيء، صحيح إلى كعب (٥). وقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويًا" (٦). وقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ قرأ بعضهم بالرفع، وتقديره: ولهم فيها حور عين! وقراءة الجر (٧) تحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون الإعراب على الإتباع بما قبله كقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ كما قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وكما قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]. والاحتمال الثاني أن يكون مما يطوف به الولدان المخلدون عليهم الحور العين، ولكن يكون ذلك في القصور لا بين بعضهم بعضًا، بل في الخيام يطوف عليهم الخدام بالحور العين، والله أعلم.

стр. 4134

وقوله تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ أي: كأنهن اللؤلؤ الرطب في بياضه وصفائه كما تقدم في سورة الصافات ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ [الصافات] وقد تقدم في سورة الرحمن وصفهن أيضًا، ولهذا قال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ أي: هذا الذي أتحفناهم به مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل. ثم قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ أي: لا يسمعون في الجنة كلامًا لاغيًا؛ أي: عبثًا خاليًا من المعنى أو مشتملًا على معنى حقير أو ضعيف كما قال: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾ [الغاشية] أي: كلمة لاغية. ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾ أي: ولا كلامًا فيه قبح ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ أي: إلا التسليم منهم بعضهم على بعض كما قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وكلامهم أيضًا سالم من اللَّغو والإثم. ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾. لما ذكر تعالى مآل السابقين وهم المقربون، عطف عليهم بذكر أصحاب اليمين وهم الأبرار، كما قال ميمون بن مهران أصحاب اليمين منزلتهم دون المقربين فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ أي: أي شيء أصحاب اليمين وما حالهم وكيف مآلهم. ثم فسر ذلك فقال تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وابن الأحوص وقسامة بن زهير و [السفر بن نسير] (١)، والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وأبو حزرة وغيرهم: هو الذي لا شوك فيه (٢). وعن ابن عباس: هو الموقر بالثمر، وهو رواية عن عكرمة ومجاهد (٣)، وكذا قال قتادة أيضًا: كنا نحدث أنه الموقر الذي لا شوك به (٤)، والظاهر أن المراد هذا وهذا، فإن سِدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر، وفي الآخرة على العكس من هذا لا شوك فيه وفيه الثمر الكثير الذي قد أثقل أصله، كما قال الحافظ أبو بكر أحمد بن سلمان النجّاد، حدثنا محمد بن محمد هو البغوي، حدثني حمزة بن العباس، حدثنا عبد الله بن عثمان، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يومًا فقال: يا رسول الله ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها،

стр. 4135

فقال رسول الله: "وما هي؟ " قال: السدر فإن له شوكًا مؤذيًا. فقال رسول الله ﷺ : "أليس الله تعالى يقول: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾؟ خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها لتنبت ثمرًا تفتق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لونًا من طعام، ما فيها من لون يشبه الآخر" (١). طريق آخر: قال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثني يحيى بن حمزة، حدثني ثور بن يزيد، حدثني، حبيب بن عبيد، عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالسًا مع رسول الله ﷺ : فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرًا أكثر شوكًا منها؛ يعني: الطلح، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود (٢)، فيها سبعون لونًا من الطعام لا يشبه لون الآخر" (٣). وقوله: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ الطلح شجر عظام يكون بأرض الحجاز من شجر العضاه واحدته طلحة، وهو شجر كثير الشوك، وأنشد ابن جرير لبعض الحُداة: بشرها دليلها وقالا … غدًا ترين الطلح والجبالا (٤) وقال مجاهد: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أي: متراكم الثمر يذكر بذلك قريشًا لأنهم كانوا يعجبون من وجّ (٥) وظلاله من طلح وسدر (٦). وقال السدي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ مصفود. قال ابن عباس: يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل، قال الجوهري: والطلح لغة في الطلع. قلت: وقد روى ابن أبي حاتم من حديث الحسن بن سعد، عن شيخ من همدان قال: سمعت عليًا يقول هذا الحرف في طلح منضود، قال: طلع منضود، فعلى هذا يكون من صفة السدر، فكأنه وصفه بأنه مخضود، وهو الذي لا شوك له، وأن طلعه منضود وهو كثرة ثمره (٧)، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو معاوية، عن إدريس، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ قال: الموز (٨)، قال وروي عن ابن
следующие страницы →