← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

العباس بن الوليد الترسي، حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي [سوية] (١)، حدثنا عبيد الله بن عكراش، عن أبيه عكراش بن ذؤيب قال: بعثني بنو مرة في صدقات أموالهم إلى رسول الله ﷺ ، فقدمت المدينة فإذا هو جالس بين المهاجرين والأنصار، وقدمت عليه بإبل كأنها عروق الأرطى (٢) قال: "من الرجل؟ " قلت: عكراش بن ذؤيب، قال: "ارفع في النسب" فانتسبت له إلى مُرَّة بن عُبيد، وهذه صدقة مُرَّة بن عبيد، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "هذه إبل قومي هذه صدقات قومي" ثم أمر بها أن توسم بميسم إبل الصدقة وتضمّ: إليها، ثم أخذ بيدي فانطلقنا إلى منزل أُم سلمة فقال: "هل من طعام؟ " فأتينا بجفنة كالقصعة كثيرة الثريد والوذر (٣)، فجعل يأكل منها فأقبلت أخبط بيدي في جوانبها فقبض رسول الله ﷺ بيده اليسرى على يدي اليمنى فقال: يا عكراش، كل من موضع واحد فإنه طعام واحد. ثم أتينا بطبق فيه تمر أو رطب شك عبيد الله رطبًا كان أو تمرًا، فجعلت آكل من بين يدي وجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق وقال: يا عكراش، كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد. ثم أتينا بماء فغسل رسول الله ﷺ يده ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه ثلاثًا ثم قال: "يا عكراش هذا الوضوء مما غيرت النار" (٤). وهكذا رواه الترمذي مطولًا وابن ماجه جميعًا عن محمد بن بشار، عن أبي الهذيل العلاء بن الفضل به، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه (٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز بن أسد وعفان، وقال الحافظ أبو يعلى، حدثنا شيبان، قالوا: حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت قال: قال أنس كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا، فربما رأى الرجل الرؤيا فسأل عنه إذا لم يكن يعرفه، فإذا أثنى عليه معروف كان أعجب لرؤياه إليه، فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني أتيت فأخرجت من المدينة فأدخلت الجنة، فسمعت وجبة انتحبت لها الجنة، فنظرت فإذا فلان بن فلان وفلان بن فلان فسمت اثني عشر رجلًا، كان النبي ﷺ قد بعث سرية قبل ذلك فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب (٦) أوداجهم (٧)، فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو البيذخ (٨)، قال: فغمسوا فيه فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر، فأتوا بصفحة من ذهب فيها بسر، فأكلوا من بسره ما شاءوا فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم فأتى البشير من تلك السرية، فقال ما كان من رؤيا كذا وكذا فأصيب فلان وفلان حتى عد اثني عشر رجلًا، فدعا رسول الله ﷺ المرأة، فقال قصِّي رؤياك،

стр. 4132

فقصتها، وجعلت تقول: فجيء بفلان وفلان كما قال (١). هذا لفظ أبي يعلى، قال الحافظ الضياء: وهذا على شرط مسلم (٢). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل إذا نزع ثمرة في الجنة عادت مكانها أخرى" (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن طير الجنة كأمثال البُخت يرعى في شجر الجنة" فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه لطير ناعمة، فقال: "آكلها أنعم منها - قالها ثلاثًا - وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها" (٤). انفرد به أحمد من هذا الوجه. وروى الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه "صفة الجنة" من حديث إسماعيل بن علي الخطمي، عن أحمد بن علي الخيوطي، عن عبد الجبار بن عاصم، عن عبد الله بن زياد، عن زرعة، عن نافع، عن ابن عمر قال: ذكرت عند النبي ﷺ طوبى فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر هل بلغك ما طوبى؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: "طوبى شجرة في الجنة ما يعلم طولها إلا الله يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفًا ورقها الحلل يقع عليها الطير كأمثال البخت" فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هناك لطيرًا ناعمًا؟ قال: "أنعم منه من يأكله وأنت منهم إن شاء الله تعالى" (٥). وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾: وذُكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول الله إني أرى طيرها ناعمة كأهلها ناعمون، قال: "من يأكلها والله يا أبا بكر أنعم منها وإنها لأمثال البخت، وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر" (٦). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني مجاهد بن موسى، حدثنا معن بن عيسى، حدثني ابن أخي ابن شهاب، عن أبيه، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ سئل عن الكوثر فقال: "نهر أعطانيه ربي في الجنة أشد بياضًا من اللَّبن وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها يعني كأعناق

стр. 4133

الجزر" فقال عمر: إنها لناعمة، قال رسول الله ﷺ : "آكلُها أنعمُ منها" (١) وكذا رواه الترمذي، عن عبد بن حميد، عن القعنبي، عن محمد بن عبد الله بن مسلم بن شهاب، عن أبيه، عن أنس، وقال حسن (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لطيرًا فيه سبعون ألف ريشة فيقع على صفحة الرجل من أهل الجنة فينتفض، فيخرج من كل ريشة يعني لونًا أبيض من اللبن، وألين من الزبد وأعذب من الشهد، ليس منها لون يشبه صاحبه ثم يطير" (٣) هذا حديث غريب جدًا، والوصافي وشيخه ضعيفان. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثنا خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم، عن عطاء، عن كعب قال: إن طائر الجنة أمثال البخت [يأكلن] (٤) من ثمرات الجنة ويشرب من أنهار الجنة، فيصطففن له، فإذا اشتهى منها شيئًا أتى حتى يقع بين يديه، فيأكل من خارجه وداخله ثم يطير لم ينقص منه شيء، صحيح إلى كعب (٥). وقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويًا" (٦). وقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ قرأ بعضهم بالرفع، وتقديره: ولهم فيها حور عين! وقراءة الجر (٧) تحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون الإعراب على الإتباع بما قبله كقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ كما قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وكما قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]. والاحتمال الثاني أن يكون مما يطوف به الولدان المخلدون عليهم الحور العين، ولكن يكون ذلك في القصور لا بين بعضهم بعضًا، بل في الخيام يطوف عليهم الخدام بالحور العين، والله أعلم.

стр. 4134

وقوله تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ أي: كأنهن اللؤلؤ الرطب في بياضه وصفائه كما تقدم في سورة الصافات ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ [الصافات] وقد تقدم في سورة الرحمن وصفهن أيضًا، ولهذا قال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ أي: هذا الذي أتحفناهم به مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل. ثم قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ أي: لا يسمعون في الجنة كلامًا لاغيًا؛ أي: عبثًا خاليًا من المعنى أو مشتملًا على معنى حقير أو ضعيف كما قال: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾ [الغاشية] أي: كلمة لاغية. ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾ أي: ولا كلامًا فيه قبح ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ أي: إلا التسليم منهم بعضهم على بعض كما قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وكلامهم أيضًا سالم من اللَّغو والإثم. ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾. لما ذكر تعالى مآل السابقين وهم المقربون، عطف عليهم بذكر أصحاب اليمين وهم الأبرار، كما قال ميمون بن مهران أصحاب اليمين منزلتهم دون المقربين فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ أي: أي شيء أصحاب اليمين وما حالهم وكيف مآلهم. ثم فسر ذلك فقال تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وابن الأحوص وقسامة بن زهير و [السفر بن نسير] (١)، والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وأبو حزرة وغيرهم: هو الذي لا شوك فيه (٢). وعن ابن عباس: هو الموقر بالثمر، وهو رواية عن عكرمة ومجاهد (٣)، وكذا قال قتادة أيضًا: كنا نحدث أنه الموقر الذي لا شوك به (٤)، والظاهر أن المراد هذا وهذا، فإن سِدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر، وفي الآخرة على العكس من هذا لا شوك فيه وفيه الثمر الكثير الذي قد أثقل أصله، كما قال الحافظ أبو بكر أحمد بن سلمان النجّاد، حدثنا محمد بن محمد هو البغوي، حدثني حمزة بن العباس، حدثنا عبد الله بن عثمان، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يومًا فقال: يا رسول الله ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها،

стр. 4135

فقال رسول الله: "وما هي؟ " قال: السدر فإن له شوكًا مؤذيًا. فقال رسول الله ﷺ : "أليس الله تعالى يقول: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾؟ خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها لتنبت ثمرًا تفتق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لونًا من طعام، ما فيها من لون يشبه الآخر" (١). طريق آخر: قال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثني يحيى بن حمزة، حدثني ثور بن يزيد، حدثني، حبيب بن عبيد، عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالسًا مع رسول الله ﷺ : فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرًا أكثر شوكًا منها؛ يعني: الطلح، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود (٢)، فيها سبعون لونًا من الطعام لا يشبه لون الآخر" (٣). وقوله: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ الطلح شجر عظام يكون بأرض الحجاز من شجر العضاه واحدته طلحة، وهو شجر كثير الشوك، وأنشد ابن جرير لبعض الحُداة: بشرها دليلها وقالا … غدًا ترين الطلح والجبالا (٤) وقال مجاهد: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أي: متراكم الثمر يذكر بذلك قريشًا لأنهم كانوا يعجبون من وجّ (٥) وظلاله من طلح وسدر (٦). وقال السدي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ مصفود. قال ابن عباس: يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل، قال الجوهري: والطلح لغة في الطلع. قلت: وقد روى ابن أبي حاتم من حديث الحسن بن سعد، عن شيخ من همدان قال: سمعت عليًا يقول هذا الحرف في طلح منضود، قال: طلع منضود، فعلى هذا يكون من صفة السدر، فكأنه وصفه بأنه مخضود، وهو الذي لا شوك له، وأن طلعه منضود وهو كثرة ثمره (٧)، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو معاوية، عن إدريس، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ قال: الموز (٨)، قال وروي عن ابن

стр. 4136

عباس وأبي هريرة والحسن وعكرمة وقسامة بن زهير وقتادة وأبي حزرة مثل ذلك (١)، وبه قال مجاهد وابن زيد: وزاد فقال: أهل اليمن يسمون الموز: الطلح (٢)، ولم يحكِ ابن جرير غير هذا القول. وقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، يبلغ به النبي ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها"، اقرأوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (٣). ورواه مسلم من حديث الأعرج به (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، اقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (٥) ". وكذا رواه البخاري عن محمد بن سنان، عن فليح به (٦)، وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة (٧)، وكذا رواه حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة (٨). والليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: وعوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة به. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا: حدثنا شعبة، سمعت أبا الضحاك يحدث أبا هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين - أو مائة - سنة هي شجرة الخلد" (٩). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو بن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها"، واقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (١٠). إسناد جيد ولم يخرجوه، وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن عبدة وعبد الرحيم عن محمد بن عمرو به، وقد رواه الترمذي من

стр. 4137

حديث عبد الرحيم بن سليمان به (١). وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن زياد مولى بني مخزوم، عن أبي هريرة قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام اقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ فبلغ ذلك كعبًا فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد، لو أن رجلًا ركب حقة أو جذعة ثم دارَ بأعلى تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط [هرمًا] (٢)، إن الله غرسها بيده ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة (٣). وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن منهال الضرير: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ في قول الله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ قال: " في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها" (٤). وكذا رواه البخاري، عن روح بن عبد المؤمن، عن يزيد بن زريع (٥)، وكذ رواه أبو داود الطيالسي، عن عمران بن دوار القطان، عن قتادة به، وكذا رواه معمر وأبو هلال، عن قتادة به (٦). وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد وسهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها" (٧). فهذا حديث ثابت، عن رسول الله ﷺ ، بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث النقاد، لتعدد طرقه وقوة أسانيده وثقة رجاله. وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو حصين قال: كنا على باب في موضع ومعنا أبو صالح وشقيق يعني: الضبي، فحدث أبو صالح قال: حدثني أبو هريرة قال: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عامًا، قال أبو صالح: أتكذِّبُ أبا هريرة؟ قال: ما أكذب أبا هريرة ولكني أكذِّبك أنت، فشقَّ ذلك على القراء يومئذٍ (٨). قلت: فقد أبطل من يكذب بهذا الحديث مع ثبوته وصحته ورفعه إلى رسول الله ﷺ . وقال الترمذي: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا زياد بن الحسن بن الفرات القزاز، عن أبيه،

стр. 4138

عن جده، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما في الجنة شجرة إلا ساقها من ذهب" ثم قال: حسن غريب (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أبي الربيع، حدثنا أبو عامر العقدي، عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في كل نواحيها، مائة عام، قال: فيخرج إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها، قال: فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا، فيرسل الله ريحًا من الجنة، فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا (٢). هذا أثر غريب إسناده جيد قوي حسن. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن يمان، حدثنا سفيان، حدثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون في قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ قال سبعون ألف سنة (٣)، وكذا رواه ابن جرير، عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان مثله (٤)، ثم قال: ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ قال: خمسمائة ألف سنة (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا حصين بن نافع، عن الحسن في قول الله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ قال: في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها. وقال عوف، عن الحسن: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها" (٦) رواه ابن جرير (٧). وقال شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: في الجنة شجر لا يحمل يستظل به (٨)، رواه ابن أبي حاتم. وقال الضحاك والسدي وأبو حزرة في قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ لا ينقطع، ليس فيها شمس ولا حرّ مثل قبل طلوع الفجر. وقال ابن مسعود: الجنة سجسج (٩) كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقد تقدمت الآيات كقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧] وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] وقوله: ﴿فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 4139

وقوله تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾ قال الثوري: يجري في غير أخدود، وقد تقدم الكلام عند تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية [محمد: ١٥]. بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ أي: وعندهم من الفواكه الكثيرة المتنوعة في الألوان مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] أي: يشبه الشكل الشكل ولكن الطعم غير الطعم، وفي الصحيحين في ذكر سدرة المنتهى: "فإذا ورقها كآذان الفيلة ونبقها مثل قلال هجر" (١). وفيهما أيضًا من حديث مالك، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ والناس معه فذكر الصلاة، وفيه قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت (٢)، قال: "إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا" (٣). وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله، حدثنا ابن عقيل، عن جابر قال: بينا نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله ﷺ فتقدمنا معه، ثم تناول شيئًا ليأخذه ثم تأخر، فلما قضى الصلاة قال أُبي بن كعب: يا رسول الله صنعت اليوم في الصلاة شيئًا ما كنت تصنعه، قال: "إنه عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفًا من عنب لآتيكم به فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقص منه". وروى مسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر نحوه (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن بحر، حدثنا هشام بن يوسف، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي يقول: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن الحوض وذكر الجنة ثم قال الأعرابي: فيها فاكهة؟ قال: "نعم وفيها شجرة تدعى طوبى". قال: فذكر شيئًا لا أدري ما هو، قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: "ليست تشبه شيئًا من شجر أرضك؟ " فقال النبي ﷺ "أتيت الشام؟ " قال: لا. قال: "تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة تنبت على ساق واحدة وينفرش أعلاها". قال: ما عظم العنقود؟ قال: "مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يفتر". قال: ما عظم أصلها؟ قال: "لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرمًا" قال: فيها عنب؟ قال: "نعم" قال: فما عظم الحبة؟ قال: "هل ذبح أبوك تيسًا من غنمه قط عظيمًا؟ " قال: نعم، قال: "فسلخ إهابه فأعطاه أمك فقال اتخذي لنا منه دلوًا؟ " قال: نعم. قال الأعرابي: فإن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي؟ قال: "نعم وعامة عشيرتك" (٥). وقوله تعالى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ أي: لا تنقطع شتاء ولا صيفًا بل أكلها دائم مستمر أبدًا، مهما طلبوا وجدوا لا يمتنع عليهم بقدرة الله شيء.

стр. 4140

وقال قتادة: لا يمنعهم من تناولها عود ولا شوك ولا بعد، وقد تقدم في الحديث إذا تناول الرجل الثمرة عادت مكانها أخرى (١). وقوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ أي: عالية وطيئة ناعمة قال النسائي وأبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كريب، حدثنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ قال: "ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام". ثم قال الترمذي: هذا الحديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، قال: وقال بعض أهل العلم: معنى هذا الحديث ارتفاع الفرش في الدرجات وبعد ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، هكذا قال إنه لا يعرف هذا إلا من رواية رشدين بن سعد (٢)، وهو المصري وهو: ضعيف، هكذا رواه أبو جعفر بن جرير، عن أبي كريب، عن رشدين به (٣). ثم رواه هو وابن أبي حاتم كلاهما عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث فذكره، وكذا رواه ابن أبي حاتم أيضًا عن نعيم بن حماد، عن ابن وهب، وأخرجه الضياء في "صفة الجنة" من حديث حرملة، عن ابن وهب به مثله، ورواه الإمام أحمد، عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، حدثنا دراج فذكره (٤). وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو معاوية [عن جويبر] (٥)، عن أبي سهل يعني: كثير بن زياد، عن الحسن ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ قال: ارتفاع فراش الرجل من أهل الجنة مسيرة ثمانين سنة (٦). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ جرى الضمير على غير مذكور. ولكن لما دلَّ السياق وهو ذكر الفرش على النساء اللاتي يضاجعن فيها اكتفى بذلك عن ذكرهن، وعاد الضمير عليهنَّ كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ [ص] يعني: الشمس على المشهور من قول المفسرين. وقال الأخفش في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾: أضمرهن ولم يذكرن قبل ذلك. وقال أبو عبيدة: ذكرن في قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ [الواقعة] فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أي: أعدناهن في النشأة الأخرى بعدما كن عجائز رمصًا، صرنَ أبكارًا عربًا؛ أي: بعد الثيوبة عدن أبكارًا ﴿عُرُبًا﴾ متحببات إلى أزواجهن بالحلاوة والظرافة والملاحة.

стр. 4141

وقال بعضهم ﴿عُرُبًا﴾ أي: غَنِجات (١)، قال موسى بن عبيدة الربذي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ قال: نساء عجائز كن في الدنيا عمشًا رمُصًا (٢) " (٣). رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم ثم قال الترمذي: غريب، وموسى ويزيد ضعيفان. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا آدم - يعني: ابن أبي إياس -، حدثنا شيبان، عن جابر، عن يزيد بن مُرَّة، عن سلمة بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾ "يعني: الثيب والأبكار اللاتي كنَّ في الدنيا" (٤). وقال عبد بن حميد: حدثنا مصعب بن مقدام، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: أتت عجوز فقالت: يا رسول الله ادُع الله تعالى أن يدخلني الجنة فقال: "يا أُم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز" قال: فولَّت تبكي. قال: "أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)﴾ " (٥). وهكذا رواه الترمذي في "الشمائل" عن عبد بن حميد (٦). وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدثنا عمرو بن هاشم البيروتي، أخبرنا سليمان بن أبي كريمة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أُمه عن أُم سلمة قالت: قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة] قال: "حور بيض عين ضخام العيون شفر (٧) الحوراء بمنزلة جناح النسر" قلت: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ [الواقعة] قال: "صفاؤهن صفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي" قلت: أخبرني عن قوله: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ [الرحمن] قال: "خيرات الأخلاق حسان الوجوه" قلت: أخبرني عن قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ [الصافات] قال: "رقتهن كرقة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القشر وهو الغرقئ" قلت: يا رسول الله أخبرني عن قوله: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ قال: "هنَّ اللواتي قبضن في الدار الدنيا عجائز رمصًا شمصًا، خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن عذارى عربًا متعشقات محببات أترابًا على ميلاد واحد" قلت: يا رسول الله نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: "بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة" قلت: يا رسول الله وبم ذاك؟ قال: "بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله ، ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير، بيض الألوان خُضر الثياب صُفر الحلي مجامرهن الدر

стр. 4142

وأمشاطهن الذهب، يقلن: نحن الخالدات فلا نموت أبدًا ونحن الناعمات فلا نبأس أبدًا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدًا ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدًا، طوبى لمن كنا له وكان لنا" قلت: يا رسول الله المرأة منا تتزوج زوجين والثلاثة والأربعة ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها، من يكون زوجها؟ قال: "يا أُم سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقًا، فتقول: يا ربِّ إن هذا كان أحسن خلقًا معي فزوجنيه، يا أُم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة" (١). وفي حديث الصور الطويل المشهور أن رسول الله ﷺ ، يشفع للمؤمنين كلهم في دخول الجنة، فيقول الله تعالى: قد شفعتك وأذنت لهم بدخولها، فكان رسول الله ﷺ يقول: "والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل الرجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا، يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلّل باللؤلؤ عليه سبعون زوجًا من سندس وإستبرق، وإنه ليضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها من وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت كبده لها مرآة، يعني وكبدها له مرآة، فبينما هو عندها لا يملّها ولا تملّه ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره ولا يشتكي قبلها إلا أنه لا مني ولا منية، فبينما هو كذلك إذ نودي إنا قد عرفنا أنك لا تَمَلّ ولا تُمَلّ، إلا أن لك أزواجًا غيرها فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة، كلما جاء واحدة قالت: والله ما في الجنة شيء أحسن منك، وما في الجنة شيء أحبّ إلي منك" (٢). وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال له: أنطأ في الجنة؟ قال: "نعم، والذي نفسي بيده دحَمًا دحَمًا (٣)، فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرًا" (٤). وقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن جابر الفقيه البغدادي، حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي، حدثنا معلى بن عبد الرحمن الواسطي، حدثنا شريك، عن عاصم الأحول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عُدنَ أبكارًا" (٥). وقال أبو داود الطيالسي: أخبرنا عمران، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في النساء، قلت: يا رسول الله ويطيق ذلك؟ قال: يعطى

стр. 4143

قوة مائة". ورواه الترمذي من حديث أبي داود وقال: صحيح غريب (١). وروى أبو القاسم الطبراني من حديث حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ قال: "إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء" (٢) قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: هذا الحديث عندي على شرط الصحيح، والله أعلم. وقوله: ﴿عُرُبًا﴾ قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يعني متحببات إلى أزواجهن (٣)، ألم تر إلى الناقة الضبعة هي كذلك. وقال الضحاك، عن ابن عباس: العُرُب: العواشق (٤) لأزواجهن وأزواجهن لهن عاشقون، وكذا قال عبد الله بن سرجس ومجاهد وعكرمة وأبو العالية ويحيى بن أبي كثير وعطية والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (٥). وقال ثور بن يزيد، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس، عن قوله: ﴿عُرُبًا﴾ قال: هي المِلقة لزوجها (٦). وقال شعبة، عن سماك، عن عكرمة: هي الغِنجة (٧). وقال الأجلح بن عبد الله، عن عكرمة: هي الشكلة، وقال صالح بن حيّان، عن عبد الله بن بريدة في قوله: ﴿عُرُبًا﴾ قال: الشكلة بلغة أهل مكة، والغنجة بلغة أهل المدينة (٨). وقال تميم بن حذلم: هي حسن التبعل (٩). وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن: العُرُب: حسنات الكلام (١٠). وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي، عن جعفر بن

стр. 4144

محمد، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " ﴿عُرُبًا﴾، قال: كلامهنَّ عربي" (١). وقوله: ﴿أَتْرَابًا﴾ قال الضحاك، عن ابن عباس: يعني في سن واحدة ثلاث وثلاثين سنة (٢). وقال مجاهد: الأتراب المستويات (٣)، وفي رواية عنه الأمثال (٤). وقال عطية: الأقران (٥). وقال السدي: ﴿أَتْرَابًا﴾ أي: في الأخلاق المتواخيات بينهن، ليس بينهن تباغض ولا تحاسد؛ يعني: لا كما كن ضرائر متعاديات. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أُسامة، عن عبد الله بن الكهف، عن الحسن ومحمد ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ قالا: المستويات الأسنان يأتلفن جميعًا ويلعبن جميعًا (٦). وقد روى أبو عيسى الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن أبي معاوية، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لمجتمعًا للحور العين يرفعن أصواتًا لم تسمع الخلائق بمثلها، قال: يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له". ثم قال: هذا حديث غريب (٧). وقال الحافظ أبو يعلى: أخبرنا أبو خيثمة، حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا ابن أبي ذئب، عن فلان عبد الله بن رافع، عن بعض ولد أنس بن مالك، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إن الحور العين ليغنين في الجنة يقلن: نحن خيرات حسان خبئنا لأزواج كرام" (٨). قلت: إسماعيل بن عمر هذا هو أبو المنذر الواسطي أحد الثقات الأثبات. وقد روى هذا الحديث الإمام عبد الرحيم بن إبراهيم الملقب بدُحيم، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن عون بن الخطاب بن عبد الله بن رافع، عن ابن لأنس، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الحور العين يغنين في الجنة: نحن الحور الحسان، خلقنا لأزواج كرام" (٩). وقوله تعالى: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ أي: خلقن لأصحاب اليمين [أو ادخرن لأصحاب اليمين] (١٠) أو زوجن لأصحاب اليمين، والأظهر أنه متعلق بقوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ فتقديره أنشأناهن لأصحاب اليمين، وهذا توجيه ابن جرير.

стр. 4145

وروي عن أبي سليمان الداراني رحمه الله تعالى قال: صليت ليلة ثم جلست أدعو وكان البرد شديدًا فجعلت أدعو بيد واحدة، فأخذتني عيني فنمت فرأيت حوراء لم ير مثلها وهي تقول: يا أبا سليمان أتدعو بيد واحدة وأنا أُغذى لك في النعيم منذ خمسمائة سنة. قلت: ويحتمل أن يكون قوله: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ متعلقًا بما قبله وهو قوله: ﴿أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ أي: في أسنانهم، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة اْبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء" (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة، وروى الطبراني واللفظ له من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل أهل الجنة الجنة جُردًا مُردًا بِيضًا جعادًا مكحَّلين أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم ستون ذراعًا في عرض سبعة أذرع" (٢). وروى الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي عن عمران القطان، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة جردًا مردًا مكحلين بني ثلاث وثلاثين سنة" ثم قال: حسن غريب (٣). وقال ابن وهب: أخبرنا عمرو بن الحارث أن درَّاجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاث وثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها أبدًا وكذلك أهل النار" ورواه الترمذي، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث به (٤). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا القاسم بن هاشم، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا رواد بن الجراح العسقلاني، حدثنا الأوزاعي، عن هارون بن رئاب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعًا بذراع الملك! على حسن يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد جُردٌ مُردٌ مكحلون" (٥).

стр. 4146

وقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمود بن خالد وعباس بن الوليد قالا: حدثنا عمر، عن الأوزاعي، عن هارون بن رئاب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يبعث أهل الجنة على صورة آدم في ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين جردًا مردًا مكحلين. ثم يذهب بهم إلى شجرة في الجنة فيكسون منها لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم" (١). وقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ أي: جماعة من الأولين وجماعة من الآخرين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن عبد الله بن مسعود، قال: وكان بعضهم يأخذ عن بعض قال: أكرينا ذات ليلة عند رسول الله ﷺ ثم غدونا عليه فقال: "عُرضت عليَّ الأنبياء وأتباعها بأممها فيمر علي النبي والنبي في العصابة! والنبي في الثلاثة والنبي وليس معه أحد - وتلا قتادة هذه الآية ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] قال: حتى مرَّ علي موسى بن عمران في كبكبة (٢) من بني إسرائيل! قال: قلت: ربِّ من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران ومن تبعه من بني إسرائيل! قال: قلت: ربِّ من هذا؟ قال: أخوك موسى بن عمران ومن تبعه من بني إسرائيل! قال: قلت ربِّ فأين أمتي؟ قال: انظر عن يمينك في الضراب قال: فإذا وجوه الرجال قال: قال أرضيت؟ قال: قلت: قد رضيت رب. قال: انظر إلى الأفق عن يسارك فإذا وجوه الرجال قال: أرضيت؟ قلت: قد رضيت رب. قال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب". قال: وأنشأ عكاشة بن محصن من بني أسد قال سعيد: وكان بدريًا قال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: فقال: "اللَّهم اجعله منهم" [قال أنشأ رجل آخر] (٣) قال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: "سبقك بها عكاشة" قال: فقال رسول الله ﷺ : "فإن استطعتم فداكم أبي وأمي أن تكونوا من أصحاب السبعين فافعلوا، وإلا فكونوا من أصحاب الضراب، وإلا فكونوا من أصحاب الأفق، فإني قد رأيت أناسًا كثيرًا قد تأشّبوا حوله - ثم قال:- إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة" فكبَّرنا ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة" قال: فكبَّرنا قال: "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" قال فكبَّرنا، قال: ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ قال: فقلنا بيننا: من هؤلاء السبعون ألفًا؟ فقلنا: هم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا. قال: [فبلغه] (٤) ذلك فقال: "بل هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" (٥). وكذا رواه ابن جرير من طريقين آخرين عن قتادة به نحوه (٦)، وهذا الحديث له طرق كثيرة من غير هذا الوجه في الصحاح وغيرها.

стр. 4147

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا سفيان، عن أبان بن أبي عياش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ قال: قال رسول الله ﷺ : "هما جميعًا من أُمتي" (١). ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾. لما ذكر تعالى حال أصحاب اليمين عطف عليهم بذكر أصحاب الشمال فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١)﴾ أي: أيّ شيء هم فيه أصحاب الشمال؟ ثم فسر ذلك فقال: ﴿فِي سَمُومٍ﴾ وهو الهواء الحار ﴿وَحَمِيمٍ﴾ وهو الماء الحار ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ قال ابن عباس: ظل الدخان (٢)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وأبو صالح وقتادة والسدي وغيرهم (٣)، وهذه كقوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾ [المرسلات] ولهذا قال ههنا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ وهو الدخان الأسود ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ أي: ليس طيب الهبوب ولا حسن المنظر كما قال الحسن وقتادة: ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾ أي: ولا كريم المنظر (٤). قال الضحاك: كل شراب ليس بعذب فليس بكريم (٥). وقال ابن جرير: العرب تتبع هذه اللفظة في النفي فيقولون: هذا الطعام ليس بطيب ولا كريم، هذا اللحم ليس بسمين ولا كريم. وهذه الدار ليست بنظيفة ولا كريمة (٦). وكذا رواه ابن جرير من طريقين آخرين عن قتادة به نحوه (٧). ثم ذكر تعالى استحقاقهم لذلك فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾ أي: كانوا في الدار الدنيا منعمين مقبلين على لذات أنفسهم لا يلوون ما جاءتهم به الرسل ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أي: يقيمون ولا ينوون توبة ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وهو الكفر بالله وجعل الأوثان والأنداد أربابًا من دون الله.

стр. 4148

قال ابن عباس: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾: الشرك (١). وكذا قال مجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم (٢). وقال الشعبي: هو اليمين الغموس (٣) ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨)﴾ يعني: أنهم يقولون ذلك مكذبين به مستبعدين لوقوعه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ أي: أخبرهم يا محمد أن الأولين والآخرين من بني آدم سيجمعون إلى عرصات القيامة لا يغادر منهم أحدًا، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ [هود] ولهذا قال ههنا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ أي: هو موقت بوقت محدود، لا يتقدم ولا يتأخر ولا يزيد ولا ينقص. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣)﴾ وذلك أنهم يُقبضون ويُسجرون حتى يأكلوا من شجر الزقوم حتى يملأوا منها بطونهم، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ وهي الإبل العطاش، واحدها أهيم والأنثى هيماء، ويقال: هائم وهائمة. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة: الهيم، الإبل العطاش الظماء (٤). وعن عكرمة أنه قال: الهيم الإبل المراض تمص الماء مصًا ولا تروى (٥). وقال السدي: ﴿الْهِيمِ﴾: داء يأخذ الإبل فلا تروى أبدًا حتى تموت، فكذلك أهل جهنم لا يروون من الحميم أبدًا. وعن خالد بن معدان أنه كان يكره أن يشرب شرب الهيم غبة واحدة من غير أن يتنفس ثلاثًا. ثم قال تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾ أي: هذا الذي وصفنا هو ضيافتهم عند ربهم يوم حسابهم، كما قال تعالى في حق المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف]، أي: ضيافة وكرامة. ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾. يقول تعالى مقررًا للمعاد، ورادًّا على المكذبين به من أهل الزيغ، والإلحاد من الذين قالوا:

стр. 4149

﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢]؟ وقولهم ذلك صدر منهم على وجه التكذيب والاستبعاد. فقال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي: نحن ابتدأنا خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، أفليس الذي قدر على البداءة بقادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى؟ ولهذا قال: ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُون﴾ أي: فهلا تصدقون بالبعث! ثم قال مستدلًا عليهم بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾؟ أي: أنتم تقرونه في الأرحام وتخلقونه فيها أم الله الخالق لذلك؟ ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أي: صرفناه بينكم. وقال الضحاك: ساوى فيه بين أهل السماء والأرض (١). ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: وما نحن بعاجزين ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ أي: نغير خلقكم يوم القيامة. ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من الصفات والأحوال. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ أي: قد علمتم أن الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة وهي البداءة، قادر على النشأة الأخرى وهي الإعادة بطريق الأولى والأحرى، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقال تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ [مريم] ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس] وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القيامة]. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾. يقول تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾؟ وهو شقُّ الأرض وإثارتها والبذر فيها ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أي: تنبتونه في الأرض ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أي: بل نحن الذين نقره قراره وننبته في الأرض. قال ابن جرير: وقد حدثني أحمد بن الوليد القرشي، حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقولنَّ: زرعت. ولكن قل: حرثت" قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ (٢). ورواه البزار، عن محمد بن عبد الرحيم، عن مسلم

стр. 4150

الجرمي به (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن: لا تقولوا زرعنا ولكن قولوا: حرثنا (٢). وروي عن حجر المدري أنه كان إذا قرأ ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ وأمثالها يقول: بل أنت يا رب (٣). وقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ أي: نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا وأبقيناه لكم رحمة بكم بل ولو نشاء لجعلناه حطامًا؛ أي: لأيبسناه قبل استوائه واستحصاده ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ثم فسر ذلك بقوله: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾ أي: لو جعلناه حطامًا لظللتم تفكهون في المقالة تنوعون كلامكم فتقولون تارة إنا لمغرمون؛ أي: لملقون. وقال مجاهد وعكرمة: إنا لمولع بنا (٤). وقال قتادة: معذبون (٥) وتارة يقولون: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾. وقال مجاهد أيضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)﴾ ملقون للشر (٦)؛ أي: بل نحن محارفون، قاله قتادة (٧)؛ أي: لا يثبت لنا مال، ولا ينتج لنا ربح. وقال مجاهد: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾؛ أي: محدودون (٨) يعني: لا حظ لنا. وقال ابن عباس ومجاهد: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تعجبون (٩). وقال مجاهد أيضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تفجعون وتحزنون على ما فاتكم من زرعكم (١٠)، وهذا يرجع إلى الأول، وهو التعجب من السبب الذي من أجله أصيبوا في مالهم، وهذا اختيار ابن جرير. وقال عكرمة: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تلاومون (١١). وقال الحسن وقتادة والسدي: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تندمون (١٢)، ومعناه: إما على ما أنفقتم أو على ما أسلفتم من الذنوب.

стр. 4151

قال [الكسائي] (١): تفكه من الأضداد، تقول العرب تفكهت بمعنى تنعمت، وتفكهت بمعنى حزنت (٢). ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يعني: السحاب، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد (٣). ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ يقول: بل نحن المنزلون ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أي: زعافًا مُرًّا لا يصلح لشرب ولا زرع ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون نعمة الله عليكم في إنزاله المطر عليكم عذبًا زلالًا ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ [النحل]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عثمان بن سعيد بن مرة، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن جابر، عن أبي جعفر، عن النبي ﷺ أنه كان إذا شرب الماء قال: "الحمد لله الذي سقانا عذبًا فراتًا برحمته، ولم يجعله ملحًا أجاجًا بذنوبنا" (٤). ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾ أي: تقدحون من الزناد وتستخرجونها من أصلها ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ أي: بل نحن الذين جعلناها مودعة في موضعها. وللعرب شجرتان (إحداهما) المرخ، (والأخرى) العفار، إذا أخذ منهما غصنان أخضران فحك أحدهما بالآخر تناثر من بينهما شرر النار. وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قال مجاهد وقتادة: أي تذكر النار الكبرى (٥)، قال قتادة: ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ قال: "يا قوم ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم" قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية. قال: "إنها قد ضربت بالماء ضربتين - أو مرتين - حتى يستنفع بها بنو آدم ويدنوا منها" (٦). وهذا الذي أرسله قتادة قد رواه الإمام أحمد في مسنده فقال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد" (٧). وقال الإمام مالك: عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم" فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، فقال: "إنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا" (٨). رواه البخاري من حديث مالك ومسلم من حديث أبي الزناد ورواه مسلم من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة

стр. 4152

به (١). وفي لفظ "والذي نفسي بيده لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا كلهن مثل حرها" (٢). وقد قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا معن بن عيسى القزار، عن مالك، عن عمه أبي السهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادًا من ناركم هذه بسبعين ضعفًا" (٣). قال الضياء المقدسي: وقد رواه ابن مصعب، عن مالك، ولم يرفعه وهو عندي على شرط الصحيح. وقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والنضر بن عربي: يعني بالمقوين: المسافرين (٤)، واختاره ابن جرير وقال: ومنه قولهم أقوت الدار إذا رحل أهلها. وقال غيره: القي والقواء: القفر الخالي البعيد من العمران. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقوي ههنا الجائع (٥). وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾، للحاضر والمسافر لكل طعام لا يصلحه إلا النار (٦)، وكذا روى سفيان، عن جابر الجعفي، عن مجاهد (٧). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: قوله: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ يعني: المستمتعين من الناس أجمعين (٨)، وكذا ذكر عن عكرمة، وهذا التفسير أعمُّ من غيره، فإن الحاضر والبادي من غني وفقير الجميع محتاجون إليها للطبخ والاصطلاء والإضاءة وغير ذلك من المنافع، ثم من لطف الله تعالى أن أودعها في الأحجار وخالص الحديد بحيث يتمكن المسافر من حمل ذلك في متاعه وبين ثيابه، فإذا احتاج إلى ذلك في منزله أخرج زنده وأورى وأوقد ناره فأطبخ بها واصطلى بها واشتوى، واستأنس بها وانتفع بها سائر الانتفاعات، لهذا أفرد المسافرين وإن كان ذلك عامًا في حق الناس كلهم! وقد يستدل له بما رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي خداش حبان بن زيد الشرعي الشامي، عن رجل من المهاجرين من قرن أن رسول الله ﷺ قال: "المسلمون شركاء في ثلاثة: النار والكلأ والماء" (٩). وروى ابن ماجه بإسناد جيد عن أبي هريرة قال: قال

стр. 4153

رسول الله ﷺ : "ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار" (١) وله من حديث ابن عباس مرفوعًا مثل هذا وزيادة: وثمنه حرام، ولكن في إسناده عبد الله بن خراش بن حوشب وهو ضعيف، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ أي: الذي بقدرته خلق هذه الأشياء المختلفة المتضادة: الماء الزُلال العذب البارد ولو شاء لجعله ملحًا أجاجًا كالبحار المغرقة، وخلق النار المحرقة وجعل ذلك مصلحة للعباد، وجعل هذه منفعة لهم في معاش دنياهم وزاجرًا لهم في المعاد (٢). ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾. قال جويبر، عن الضحاك: إن الله تعالى لا يقسم بشيء من خلقه ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه (٣)، وهذا القول ضعيف، والذي عليه الجمهور أنه قسم من الله يقسم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته، ثم قال بعض المفسرين: لا ههنا زائدة وتقديره أقسم بمواقع النجوم، ورواه ابن جرير عن سعيد بن جبير (٤). ويكون جوابه ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾. وقال آخرون: ليست لا زائدة لا معنى لها بل يؤتى بها في أول القسم إذا كان مقسمًا به على منفي كقول عائشة ﵂: لا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط (٥)، وهكذا ههنا تقدير الكلام: لا أقسم بمواقع النجوم، ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر أو كهانة بل هو قرآن كريم. وقال ابن جرير: وقال بعض أهل العربية: معنى قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ فليس الأمر كما تقولون ثم استأنف القسم بعد ذلك فقيل: أُقسم (٦). واختلفوا في معنى قوله: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ فقال حكيم بن جبير: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يعني: نجوم القرآن فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقًا في السنين بعد. ثم قرأ ابن عباس هذه الآية (٧). وقال الضحاك، عن ابن عباس: نزل القرآن جملة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة

стр. 4154

الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على محمد ﷺ عشرين سنة فهو قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ نجوم القرآن (١)، وكذا قال عكرمة ومجاهد والسدي وأبو حزرة (٢). وقال مجاهد أيضًا: مواقع النجوم في السماء ويقال: مطالعها ومشارقها (٣). وكذا قال الحسن وقتادة (٤) وهو اختيار ابن جرير. وعن قتادة: مواقعها منازلها (٥). وعن الحسن أيضًا: أن المراد بذلك انتثارها يوم القيامة (٦). وقال الضحاك: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ يعني: بذلك الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا أمطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ أي: وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون عظمته لعظمتم المقسم به عليه ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ أي: إن هذا القرآن الذي نزل على محمد لكتاب عظيم ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ أي: معظم، في كتاب معظم محفوظ موقر. وقال ابن جرير: حدثني إسماعيل بن موسى: أخبرنا شريك، عن حكيم هو: ابن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ قال: الكتاب الذي في السماء (٧). وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ يعني: الملائكة (٨)، وكذا قال أنس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وأبو نهيك والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم (٩). وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن قتادة ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوس النجس، والمنافق الرجس، وقال: وهي في قراءة ابن مسعود: "ما يمسه إلا المطهرون" (١٠).

стр. 4155

وقال أبو العالية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب (١). وقال ابن زيد: زعمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون (٢) كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ [الشعراء] وهذا القول قول جيد، وهو لا يخرج عن الأقوال التي قبله. وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به (٣). وقال آخرون: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ أي: من الجنابة والحدث قالوا: ولفظ الآية خبر ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن ههنا المصحف، كما روى مسلم، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (٤). واحتجوا في ذلك بما رواه الإمام مالك في موطئه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: أن لا يمس القرآن إلا طاهر (٥). وروى أبو داود في المراسيل من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ قال: "ولا يمس القرآن إلا طاهر" (٦). وهذه وجادة جيدة قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به، وقد أسنده الدارقطني، عن عمرو بن حزم وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص وفي إسناد كل منهما نظر (٧)، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ أي: هذا القرآن منزل من الله رب العالمين وليس هو كما يقولون إنه سحر أو كهانة أو شعر، بل هو الحق الذي لا مرية فيه وليس وراءه حق نافع. وقوله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: أي مكذبون غير مصدقين (٨)، وكذا قال الضحاك وأبو حزرة والسدي. وقال مجاهد: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أي: تريدون أن تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم (٩). ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ قال بعضهم: معنى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ بمعنى شكركم أنكم تكذبون [أي تكذبون بدل

стр. 4156

الشكر، وقد روي عن علي وابن عباس أنهما قرآها "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون" (١)] (٢) كما سيأتي وقال ابن جرير: وقد ذكر عن الهيثم بن عدي أن من لغة أزدشنوءة ما رزق فلان بمعنى ما شكر فلان (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وتجعلون رزقكم يقول: شكركم أنكم تكذبون، وتقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا بنجم كذا وكذا" (٤). وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مخول بن إبراهيم النهدي، وابن جرير، عن محمد بن المثنى، عن عبيد الله بن موسى، وعن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن أبي بكير، ثلاثتهم عن إسرائيل به مرفوعًا، وكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن حسين بن محمد وهو: المروزي به، وقال: حسن غريب، وقد رواه سفيان الثوري، عن عبد الأعلى ولم يرفعه (٥). وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما مطر قوم قط إلا أصبح بعضهم كافرًا يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا. وقرأ ابن عباس (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) (٦). وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. وقال مالك في الموطأ: عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت في الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب" (٧). أخرجاه في الصحيحين وأبو داود والنسائي، كلهم من حديث مالك به (٨). وقال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادي وعمرو بن سواد، حدثنا عبد الله بن وهب، عن

стр. 4157

عمرو بن الحارث أن أبا يونس حدثه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الغيث فيقولون بكوكب كذا وكذا" (١). انفرد به مسلم من هذا الوجه. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين، يقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا"، قال محمد: هو ابن إبراهيم، فذكرت هذا الحديث لسعيد بن المسيب فقال: ونحن قد سمعنا من أبي هريرة، وقد أخبرني من شهد عمر بن الخطاب ﵁ وهو يستسقي، فلما استسقى التفت إلى العباس فقال: يا عباس يا عمَّ رسول الله: كم أبقى من نوء الثريا؟ فقال: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعًا، قال: فما مضت سابعة حتى مُطروا (٢). وهذا محمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء مؤثر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهي عن اعتقاده، وقد تقدم شيء من هذه الأحاديث عند قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان، عن إسماعيل بن أُمية فيما أحسبه أو غيره أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا ومُطروا يقول: مُطرنا ببعض عثانين الأسد، فقال: "كذبت بل هو رزق الله" (٣). ثم قال ابن جرير: حدثني أبو صالح الصراري، حدثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك الأزدي، حدثنا جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن النبي ﷺ قال: "ما مُطر قوم من ليلة إلا أصبح قوم بها كافرين، ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ يقول قائل: مطرنا بنجم كذا وكذا" (٤). وفي حديث عن أبي سعيد مرفوعًا: "لو قحط الناس سبع سنين ثم أُمطروا لقالوا: مُطرنا بنوء المجدح" (٥) (٦). وقال مجاهد: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ قال: قولهم في الأنواء مُطرنا بنوء كذا، وبنوء كذا، يقول: قولوا هو من عند الله وهو رزقه (٧)، وهكذا قال الضحاك وغير واحد (٨). وقال قتادة: أما الحسن فكان يقول: بئس ما أخذ قوم لأنفسهم لم يرزقوا من كتاب الله إلا

стр. 4158

التكذيب (١)، فمعنى قول الحسن هذا وتجعلون حظكم من كتاب الله أنكم تكذبون به ولهذا قال قبله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾. ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾. يقول تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾ أي: الروح ﴿الْحُلْقُومَ﴾ أي: الحلق وذلك حين الاحتضار، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾ [القيامة] ولهذا قال ههنا: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)﴾ أي: إلى المحتضر وما يكابده من سكرات الموت ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أي: بملائكتنا ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أي: ولكن لا ترونهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام]. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا﴾ معناه فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول ومقرها من الجسد إن كنتم غير مدينين. قال ابن عباس: يعني محاسبين (٢)، وروي عن مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك والسدي وأبي حزرة مثله (٣). وقال سعيد بن جبير والحسن البصري: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦)﴾ غير مصدقين (٤) أنكم تدانون وتبعثون وتجزون فردوا هذه النفس. وعن مجاهد: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غير موقنين (٥). وقال ميمون بن مهران: غير معذبين مقهورين. ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾. هذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند احتضارهم، إما أن يكون من المقربين أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين، وإما أن يكون من المكذبين بالحق الضالين عن الهدى الجاهلين بأمر الله، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أي: المحتضر ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ وهم الذين فعلوا

стр. 4159

الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وبعض المباحات. ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ أي: فلهم روح ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت كما تقدم في حديث البراء أن ملائكة الرحمة تقول: أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان وربٍّ غير غضبان (١). قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَرَوْحٌ﴾ يقول: راحة، وريحان يقول: مستراحة (٢)، وكذا قال مجاهد: إن الروح الاستراحة (٣). وقال أبو حزرة: الراحة من الدنيا. وقال سعيد بن جبير والسدي: الروح الفرح (٤). وعن مجاهد: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ جنة ورخاء. وقال قتادة: فروح فرحمة (٥). وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: وريحان: ورزق (٦)، وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة، فإن من مات مقربًا حصل له جميع ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة، والفرح والسرور والرزق الحسن، ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾. وقال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيقبض روحه (٧) فيه. وقال محمد بن كعب: لا يموت أحد من الناس حتى يعلم من أهل الجنة هو أم من أهل النار، وقد قدمنا أحاديث الاحتضار عند قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [٢٧] ولو كتبت ههنا لكان حسنًا، من جملتها حديث تميم الداري، عن النبي ﷺ يقول: "يقول الله تعالى لملك الموت انطلق إلى [فلان فائتني به فإنه قد جربته بالسراء والضراء] (٨) فوجدته حيث أحب، ائتني فلأريحه، قال: فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة معهم أكفان وحنوط من الجنة، ومعهم ضبائر الريحان - أصل الريحانة واحد - وفي رأسها عشرون لونًا لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك" (٩). وذكر تمام الحديث بطوله كما تقدم وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية. قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا هارون، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن

стр. 4160

شقيق، عن عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقرأ ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ برفع الراء (١)، وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث هارون، وهو ابن موسى الأعور به، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديثه (٢). وهذه القراءة هي قراءة يعقوب وحده وخالفه الباقون فقرءوا ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ بفتح الراء. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل أنه سمع [ذَرَّة] (٣) بنت معاذ تحدث عن أم هانئ، أنها سألت رسول الله ﷺ : أنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضًا؟ فقال رسول الله ﷺ : "يكون النسم طيرًا يعلق بالشجر حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها" (٤). هذا الحديث فيه بشارة لكل مؤمن، ومعنى يعلق يأكل، ويشهد له بالصحة أيضًا ما رواه الإمام أحمد، عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، عن الإمام مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبي، عن رسول الله ﷺ قال: "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" (٥). وهذا إسناد عظيم ومتن قويم. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في رياض الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش" الحديث (٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا عطاء بن السائب قال: كان أول يوم عرفت فيه عبد الرحمن بن أبي ليلى رأيت شيخًا أبيض الرأس واللحية على حمار، وهو يتبع جنازة فسمعته يقول: حدثني فلان بن فلان سمع رسول الله ﷺ يقول: "من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" قال: فأكبَّ القوم يبكون، فقال: "ما يبكيكم؟ " فقالوا: إنا نكره الموت، قال: "ليس ذاك ولكنه إذا احتضر ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ " فإذا بُشر بذلك أحبَّ لقاء الله ، والله للقائه أحبّ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾، فإذا بُشر بذلك كرِه لقاء الله والله تعالى للقائه أكره" (٧)، هكذا رواه الإمام أحمد، وفي الصحيح عن عائشة ﵂ شاهد لمعناه (٨). وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠)﴾ أي: وأما إذا كان المحتضر من أصحاب اليمين ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ أي: تبشرهم الملائكة بذلك تقول

стр. 4161

لأحدهم: سلام لك؛ أي: لا بأس عليك أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين. وقال قتادة وابن زيد: سلم من عذاب الله وسلَّمت عليه ملائكة الله (١)، كما قال عكرمة: تسلِّم عليه الملائكة وتخبره أنه من أصحاب اليمين، وهذا معنى حسن، ويكون ذلك كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت]. وقال البخاري: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ أي: مسلّم لك أنك ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ وألغيت إن وبقي معناها كما تقول أنت مصدق مسافر عن قليل إذا كان قد قال إني مسافر عن قليل، وقد يكون كالدعاء له كقولك: سُقيًا لك من الرجال إن رفعت السلام، فهو من الدعاء (٢)، وقد حكاه ابن جرير هكذا عن بعض أهل العربية ومالَ إليه والله أعلم (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ أي: وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق الضالين عن الهدى ﴿فَنُزُلٌ﴾ أي: فضيافة ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وهو المذاب الذي يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ أي: وتقرير له في النار التي تغمره من جميع جهاته. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ أي: إن هذا الخبر لهو حق اليقين الذي لا مرية فيه ولا محيد لأحد عنه ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن أيوب الغافقي، حدثني عمي إياس بن عامر، عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ قال: "اجعلوها في ركوعكم" ولما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى] قال رسول الله ﷺ : "اجعلوها في سجودكم" (٤). وكذا رواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك، عن موسى بن أيوب (٥) به. وقال روح بن عبادة: حدثنا حجاج الصواف، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة". هكذا رواه الترمذي من حديث روح، ورواه هو والنسائي أيضًا من حديث حماد بن سلمة، من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ به، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير (٦).

стр. 4162

وقال البخاري في آخر كتابه: حدثنا أحمد بن أشكاب، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" (١). ورواه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث محمد بن فضيل بإسناده مثله (٢). آخر تفسير سورة الواقعة، ولله الحمد والمنة.

стр. 4163

سُورَةُ الحَدِيْدِ وهي مدنية قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بَقية بن الوليد، حدثني بَحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن أبي بلال، عن عِرباض بن سارية أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد وقال: "إن فيهن آية أفضل من ألف آية" (١). وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن بقية به. وقال الترمذي: حسن غريب (٢). ورواه النسائي، عن ابن أبي السرح، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن بَحير بن سعد، عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله ﷺ فذكره مرسلًا (٣)، ولم يذكر عبد الله بن أبي بلال ولا العرباض بن سارية، والآية المشار إليها في الحديث هي والله أعلم قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ كما سيأتي بيانه قريبًا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة [وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل] (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾. يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض؛ أع: من الحيوانات والنباتات، كما قال في الآية الأخرى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: الذي قد خضع له كل شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه وأمره وشرعه ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: هو المالك المتصرف في خلقه فيحيي ويميت ويعطي من يشاء ما يشاء ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

стр. 4164

وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ وهذه الآية هي المشار إليها في حديث عرباض بن سارية أنها أفضل من ألف آية. وقال أبو داود: حدثنا عباس بن عبد العظيم، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة؛ - يعني: ابن عمار - حدثنا أبو زميل قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به. قال: فقال لي: أشيء من شك؟ قال: وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية [يونس: ٩٤]، قال: وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئًا فقل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ (١) وقد اختلفت عبارات المفسرين في هذه الآية وأقوالهم على نحو من بضعة عشر قولًا. وقال البخاري: قال يحيى: الظاهر على كل شيء علمًا، والباطن على كل شيءٍ علمًا (٢). وقال شيخنا الحافظ المزي: يحيى هذا هو ابن زياد الفراء، له كتاب سماه "معاني القرآن" (٣)، وقد ورد في ذلك أحاديث، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يدعو عند النوم "اللَّهم ربَّ السماوات السبع وربَّ العرش العظيم، ربنا وربَّ كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن ليس دونك شيء، اقضِّ عنا الدين، وأغننا من الفقر" (٤). ورواه مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللَّهم ربَّ السماوات وربَّ الأرض وربَّ العرش العظيم، ربنا وربَّ كل شيء فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، اللَّهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، واغننا من الفقر، وكان يروي ذلك عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (٥). وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة أُم المؤمنين نحو هذا فقال: حدثنا عقبة، حدثنا يونس، حدثنا السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة أنها

стр. 4165

قالت: كان رسول الله ﷺ يأمر بفراشه فيفرش له مستقبل القبلة، فإذا أوى إليه توسد كفه اليمنى ثم همس ما يدرى ما يقول، فإذا كان في آخر الليل رفع صوته فقال: "اللَّهم ربَّ السماوات السبع ورب العرش العظيم، إله كل شيء ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى. أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته. اللَّهم أنت الأول الذي ليس قبلك شيء، وأنت الآخر الذي ليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عنَّا الدين وأغننا من الفقر" (١). السري بن إسماعيل هذا هو ابن عمِّ الشعبي، وهو: ضعيف جدًا، والله أعلم. وقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبد بن حميد وغير واحد المعنى واحد قالوا: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة قال: حدث الحسن، عن أبي هريرة قال: بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله ﷺ : هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا العنان هذه روايا الأرض تسوقه إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه. ثم قال: هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرفيع سقف محفوظ وموج مكفوف. ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بينكم وبينها خمسمائة سنة. ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن فوق ذلك سماء بعد ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة، حتى عدَّ سبع سماوات ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء مثل بعد ما بين السماءين، ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الأرض. ثم قال: هل تدرون ما الذي تحت ذلك. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن تحتها أرضًا أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة، حتى عدَّ سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم حبلًا إلى الأرض السفلى لهبط على الله ثم قرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾. ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس؛ يعني: ابن عبيد وعلي بن زيد وقالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على العرش كما وصف في كتابه (٢)، انتهى كلامه. وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث عن سريج، عن الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، فذكره وعنده وبعد ما بين الأرضين مسيرة سبعمائة عام وقال: لو دلَّيتم أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى السابعة لهبط على الله ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ

стр. 4166

وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ (١). ورواه ابن أبي حاتم والبزار من حديث أبي جعفر الرازي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة فذكر الحديث (٢) ولم يذكر ابن أبي حاتم آخره، وهو قوله: لو دلَّيتم بحبل وإنما قال: حتى عدَّ سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام، ثم تلا ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾. وقال البزار: لم يروه عن النبي ﷺ إلا أبو هريرة. ورواه ابن جرير، عن بشر، عن يزيد، عن سعيد، عن قتادة ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾. وذُكر لنا أن نبي الله ﷺ هو جالس في أصحابه إذ مرَّ عليهم سحاب فقال: هل تدرون ما هذا (٣)؟ وذكر الحديث مثل سياق الترمذي سواء، إلا أنه مرسل من هذا الوجه، ولعل هذا هو المحفوظ والله أعلم. وقد روي من حديث أبي ذرٍّ الغفاري ﵁ وأرضاه، رواه البزار في مسنده والبيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" (٤)، ولكن في إسناده نظر وفي متنه غرابة ونكارة، والله أعلم. وقال ابن جرير عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: التقى أربعة من الملائكة بين السماء والأرض فقال بعضهم لبعض: من أين جئت؟ قال أحدهم: أرسلني ربي من السماء السابعة وتركته ثَمّ. قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته ثَمّ. قال الآخر: أرسلني ربي من المشرق وتركته ثَمّ. قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته ثمّ (٥). وهذا حديث غريب جدًا، وقد يكون الحديث الأول موقوفًا على قتادة كما روي ههنا من قوله، والله أعلم. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾. يخبر تعالى عن خلقه السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم أخبر تعالى باستوائه على العرش بعد خلقهن، وقد تقدم الكلام على هذه الآية وأشباهها في سورة الأعراف (٦) بما أغنى عن إعادته ههنا ..

стр. 4167

﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يعلم عدد ما يدخل فيها من حبِّ وقطر ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من نبات وزرع وثمار كما قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من الأمطار، والثلوج والبرد والأقدار، والأحكام مع الملائكة الكرام. وقد تقدم في سورة البقرة أنه ما ينزل من قطرة من السماء إلا ومعها ملك يقررها في المكان الذي يأمر الله به حيث يشاء الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: من الملائكة والأعمال كما جاء في الصحيح: "يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل" (١). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم برًا أو بحرًا، في ليل أو نهار في البيوت أو القفار، الجميع في علمه على السواء وتحت بصره وسمعه فيسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾ [هود]. وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [الرعد] فلا إله غيره ولا رب سواه؛ وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ لجبريل: لما سأله عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (٢). وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث نصر بن خزيمة بن جنادة بن محفوظ بن علقمة: حدثني أبي، عن نصر بن علقمة، عن أخيه، عن عبد الرحمن بن عائذ قال: قال عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: زودني حكمة أعيش بها فقال: "استح الله كما تستحي رجلًا من صالحي عشيرتك لا يفارقك" (٣). هذا حديث غريب. وروى أبو نعيم من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري مرفوعًا: "ثلاث من فعلهنَّ فَقَدّ طَعِم الإيمان إن عَبَدَ الله وحده، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة (٤) ولا الشّرط اللئيمة (٥) ولا المريضة، ولكن من أوسط أموالكم وزكى نفسه" وقال رجل: يا رسول الله ما تزكية المرء نفسه؟ فقال: "يعلم أن الله معه حيث كان" (٦).

стр. 4168

وقال نعيم بن حماد ﵀: حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، عن محمد بن مهاجر، عن عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت" (١) غريب. وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ينشد هذين البيتين: إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل … خلوتُ ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفلُ ساعةً … ولا أن ما تخفي عليه يغيب وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥)﴾ أي: هو المالك للدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ [الليل] وهو المحمود على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠] وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سبأ]، فجميع ما في السماوات والأرض ملك له، وأهلهما عبيد أرقاء أذلاء بين يديه كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم] ولهذا قال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: إليه المرجع يوم القيامة فيحكم في خلقه بما يشاء وهو العادل الذي لا يجور ولا يظلم مثقال ذرة بل إن يكن عمل أحدهم حسنة واحدة يضاعفها إلى عشرة أمثالها ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وكما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء]. وقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أي: هو المتصرف في الخلق يقلب الليل والنهار ويقدرهما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل ويقصر النهار وتارة بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين، وتارة يكون الفصل شتاءً ثم ربيعًا ثم قيظًا ثم خريفًا، وكل ذلك بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: يعلم السرائر وإن دقت وخفيت. ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾. أمر ﵎ بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل، والدوام والثبات على ذلك والاستمرار، وحثَّ على الإنفاق مما جعلكم مستخلفين فيه؛ أي: مما هو معكم على سبيل

стр. 4169

العارية، فإنه قد كان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم، فأرشد الله تعالى إلى استعمال ما استخلفتم فيه من المال في طاعته، فإن تفعلوا وإلا حاسبكم عليه وعاقبكم لترككم الواجبات فيه. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ فيه إشارة إلى أنه سيكون مخلفًا عنك، فلعلَّ وارثك أن يطيع الله فيه فيكون أسعد بما أنعم الله به عليك منك، أو يعصي الله فيه فتكون قد سعيت في معاونته على الإثم والعدوان. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث عن مطرف يعني ابن عبد الله بن الشخير، عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: "ألهاكم التكاثر، يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟ " (١). ورواه مسلم من حديث شعبة به وزاد: "وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس" (٢). وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ترغيب في الإيمان والإنفاق في الطاعة ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ أي: وأي شيء يمنعكم من الإيمان والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به. وقد روينا في الحديث من طرق في أوائل شرح كتاب الإيمان من "صحيح البخاري" أن رسول الله ﷺ قال يومًا لأصحابه: "أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانًا؟ قالوا: الملائكة. قال: وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ قالوا: فالأنبياء. قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن. قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانًا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها" (٣). وقد ذكرنا طرفًا من هذه الرواية في أول سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧] ويعني: بذلك بيعة الرسول ﷺ . وزعم ابن جرير أن المراد بذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم وهو مذهب مجاهد (٤)، فالله أعلم. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: حججًا واضحات ودلائل باهرات وبراهين قاطعات ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة إلى نور الهدى واليقين والإيمان. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: في إنزاله الكتب وإرساله الرسل لهداية الناس وإزاحة العلل وإزالة الشبه.

стр. 4170

ولما أمرهم أولًا بالإيمان والإنفاق ثم حثَّهم على الإيمان وبيّن أنه قد أزال عنهم موانعه حثَّهم أيضًا على الإنفاق فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟ أي: أنفقوا ولا تخشو فقرًا وإقلالًا فإن الذي أنفقتم في سبيله هو مالك السماوات والأرض وبيده مقاليدهما وعنده خزائنهما، وهو مالك العرش بما حوى، وهو القائل ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقال: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] فمن توكل على الله أنفق ولم يخشَ من ذي العرش إقلالًا، وعلم أن الله سيخلفه عليه. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ أي: لا يستوي هذا ومن لم يفعل كفعله، وذلك أن قبل فتح مكة كان الحال شديدًا فلم يكن يؤمن حينئذٍ إلا الصديقون، وأما بعد الفتح فإنه ظهر الإسلام ظهورًا عظيمًا ودخل الناس في دين الله أفواجًا. ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ والجمهور على أن المراد بالفتح ههنا فتح مكة. وعن الشعبي وغيره أن المراد بالفتح ههنا صلح الحديبية (١)، وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا زهير، حدثنا حميد الطويل، عن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي ﷺ فقال: "دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أُحد أو مثل الجبال ذهبًا ما بلغتم أعمالهم" (٢). ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد المواجه بهذا الخطاب كان بين صلح الحديبية وفتح مكة، وكانت هذه المشاجرة بينهما في بني جذيمة الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد بعد الفتح، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فأمر خالد بقتلهم وقتل من أسر منهم، فخالفه عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر وغيرهما، فاختصم خالد وعبد الرحمن بسبب ذلك (٣). والذي في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا مَا بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه" (٤). وروى ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث ابن وهب، أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، حتى إذا كنا بعسفان قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم" فقلنا: من هم يا رسول الله أقريش؟ قال: "لا ولكن أهل اليمن هم أرقُّ أفئدة وألين قلوبًا" فقلنا: أهم خير منا يا رسول الله؟ قال: "لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مُدَّ أحدكم ولا نصيفه ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَّنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ
следующие страницы →