← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

لو لم ترفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة (١). ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾. يقول تعالى متوعدًا لمن خالف أمره وكذب رسله وسلك غير ما شرعه ومخبرًا عما حلَّ بالأمم السالفة بسبب ذلك فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ أي: تمردت وطغت واستكبرت عن اتِّباع أمر الله ومتابعة رسله ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ أي: منكرًا فظيعًا. ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ أي: غب مخالفتها وندموا حيث لا ينفعهم الندم ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾ ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي: في الدار الآخرة مع ما عجل لهم من العذاب في الدنيا. ثم قال بعد ما قصَّ من خبر هؤلاء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: الأفهام المستقيمة، لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بالله ورسوله ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ يعني: القرآن كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر]. وقوله: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ قال بعضهم رسولًا منصوب على أنه بدل اشتمال وملابسة لأن الرسول هو الذي بلغ الذكر. وقال ابن جرير: الصواب أن الرسول ترجمة عن الذكر (٢)؛ يعني: تفسيرًا له ولهذا قال: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: في حال كونها بينة واضحة جلية ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ كقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾ [إبراهيم: ١] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] [أي: من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وقد سمَّى الله تعالى الوحي الذي أنزله نورًا لما يحصل به من الهدى كما سمّاه روحًا لما يحصل به من حياة القلوب، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى] (٣) وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ قد تقدم تفسير مثل هذا غير مرة بما أغنى عن إعادته. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن قدرته التامة وسلطانه العظيم ليكون ذلك باعثًا على تعظيم ما شرع من

стр. 4307

الدين القويم ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ كقوله تعالى إخبارًا عن نوح أنه قال لقومه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ [نوح] وقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: سبعًا أيضًا كما ثبت في الصحيحين: "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين" (١) وفي صحيح البخاري "خسف به إلى سبع أرضين" (٢) وقد ذكرت طرقه وألفاظه وعزوه في أول البداية والنهاية عند ذكر خلق الأرض ولله الحمد والمنة. ومن حمل ذلك على سبعة أقاليم فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وخالف القرآن والحديث بلا مستند، وقد تقدم في سورة الحديد عند قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [٣] ذكر الأرضين السبع وبُعد ما بينهن، وكثافة كل واحدة منهن خمسمائة عام، وهكذا قال ابن مسعود وغيره، وكذا في الحديث الآخر: "ما السماوات السبع وما فيهن وما بينهن والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة" (٣). وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها (٤). وحدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب بن عبد الله بن سعد القمي والأشعري، عن جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي، عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية فقال ابن عباس: ما يؤمنك إن أخبرتك بها فتكفر (٥). وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في هذه الآية ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال عمرو: قال في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق. وقال ابن المثنى في حديثه: في كل سماء إبراهيم (٦). وروى البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" هذا الأثر عن ابن عباس بأبسط من هذا فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أحمد بن يعقوب، حدثنا عبيد بن غنام النخعي، أخبرنا علي بن حكيم، حدثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس أنه قال: ﴿اللَّهُ

стр. 4308

الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى (١). ثم رواه البيهقي من حديث شعبة، عن عمر بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في قول الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: في كل أرض نحو إبراهيم ﵇ (٢). ثم قال البيهقي: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح. وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا، والله أعلم. قال الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتابه "التفكر والاعتبار": حدثني إسحاق بن حاتم المدائني، حدثنا يحيى بن سليمان، عن عثمان بن أبي دهرش قال: بلغني أن رسول الله ﷺ انتهى إلى أصحابه وهم سكوت لا يتكلمون فقال: "ما لكم لا تتكلمون؟ " فقالوا: نتفكر في خلق الله قال: "فكذلك فافعلوا تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا فيه، فإن بهذا المغرب أرضًا بيضاء نورها بياضها - أو قال: بياضها نورها - مسيرة الشمس أربعين يومًا بها خلق من خلق الله تعالى لم يعصوا الله طرفة عين قط". قالوا: فأين الشيطان عنهم؟ قال: "ما يدرون خلق الشيطان أم لم يخلق"، قالوا: أمن ولد آدم؟ قال: "لا يدرون خلق آدم أم لم يخلق" (٣). وهذا حديث مرسل وهو منكر جدًا وعثمان بن أبي دهرس ذكره ابن أبي حاتم في كتابه فقال: روي عن رجل من آل الحكم بن أبي العاص، وعنه سفيان بن عيينة ويحيى بن سليم الطائفي وابن المبارك سمعت أبي يقول ذلك (٤). آخر [تفسير سورة] (٥) الطلاق.

стр. 4309

سُورَةُ التَّحْرِيمِ وهي مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾. اختلف في سبب نزول صدر هذه السورة فقيل نزلت في شأن مارية، وكان رسول الله ﷺ قد حرمها فنزل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآية. قال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد، حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. . .﴾ إلى آخر الآية (١). وقال ابن جرير: حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه فقالت: أي رسول الله في بيتي وعلى فراشي؟ فجعلها عليه حرامًا، قالت: أي رسول الله كيف يحرم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال زيد بن أسلم: فقوله: أنت عليَّ حرام لغو (٢)، وهكذا روى عبد الرحمن بن زيد عن أبيه (٣). وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم قال: قال لها: أنت عليَّ حرام، والله لا أطؤكِ (٤).

стр. 4310

وقال سفيان والثوري وابن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال: آلى رسول الله ﷺ وحرَّم، فعوتب في التحريم، وأُمر بالكفارة في اليمين (١). رواه ابن جرير وكذا روي عن قتادة وغيره عن الشعبي نفسه (٢) وكذا قال غير واحد من السلف منهم الضحاك والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان، وروى العوفي عن ابن عباس القصة مطولة (٣). وقال ابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان؟ قال: عائشة وحفصة، وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم مارية أصابها النبي ﷺ في بيت حفصة في نوبتها فوجدت حفصة، فقالت: يا نبي الله لقد جئت إلي شيئًا ما جئت إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري وعلى فراشي، قال: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟ قالت: بلى فحرمها، وقال لها: لا تذكري ذلك لأحد فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآيات كلها فبلغنا أن رسول الله ﷺ -كفَّر عن يمينه وأصاب جاريته (٤). وقال الهيثم بن كليب في مسنده: حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن الرقاشي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: قال النبي ﷺ لحفصة: "لا تخبري أحدًا، وإن أم إبراهيم عليَّ حرام". فقالت: أتحرم ما أحلَّ لك؟ قال: فوالله لا أقربها. قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، قال: فأنزل الله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٥). وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه من أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الضياء المقدسي في كتابه المستخرج (٦). وقال ابن جرير أيضًا: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُليَّة، حدثنا هشام الدستوائي، قال: كتب إليَّ يحيى يحدث، عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير أن ابن عباس كان يقول: في الحرام يمين تكفرها. وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (٧)، يعني: أن رسول الله ﷺ حرَّم جاريته فقال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فكفر يمينه فصيَّر الحرام يمينًا. ورواه البخاري عن معاذ بن فضالة عن هشام هو الدستوائي عن يحيى هو ابن أبي كثير، عن ابن حكيم وهو: يعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: في الحرام يمين تكفر.

стр. 4311

وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) [الأحزاب: ٢١]. ورواه مسلم من حديث هشام الدستوائي به (٢). وقال النسائي: أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد بن علي، حدثنا مخلد هو: ابن يزيد، حدثنا سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي عليَّ حرامًا. قال: كذبت ليست عليك بحرام ثم تلى هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة (٣). تفرد به النسائي من هذا الوجه بهذا اللفظ. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال: حرم رسول الله ﷺ سريته (٤). ومن ههنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال: بوجوب الكفارة على من حرَّم جاريته أو زوجته أو طعامًا أو شرابًا أو ملبسًا أو شيئًا من المباحات، وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة. وذهب الشافعي إلا أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية إذا حرم عينيهما أو أطلق التحريم فيهما في قول، فأما إذا نوى بالتحريم طلاق الزوجة أو عتق الأمة نفذ فيهما. وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الظهراني، أخبرنا حفص بن عمر العدني، أخبرنا الحكم بن أبان، أخبرنا عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ في المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ (٥). وهذا قول غريب. والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العسل كما قال البخاري عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يشرب عسلًا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير إني أجد منك ريح مغافير، قال: "لا ولكني كنت أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا" (٦) ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ هكذا أورد هذا الحديث ههنا بهذا اللفظ. وقال في كتاب الأيمان والنذور: حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج قال: زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول: سمعت عائشة تزعم أن رسول الله ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلًا، فتواطأتُ أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي ﷺ

стр. 4312

فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما النبي ﷺ فقالت ذلك، فقال: "لا بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش ولن أعود له"، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لعائشة وحفصة: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله: بل شربت عسلًا. وقال إبراهيم بن موسى، عن هشام: ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدًا (١). وهكذا رواه في كتاب الطلاق بهذا الإسناد ولفظه قريب منه (٢). ثم قال: المغافير شبيه بالصمغ يكون في الرمث فيه حلاوة. أغفر الرمث إذا ظهر فيه، واحدها مغفور ويقال: مغافير (٣)، وهكذا قال الجوهري قال: وقد يكون المغفور أيضًا للعشر والثمام والسَّلم والطلح قال: والرِمث بالكسر مرعى من مراعي الإبل، وهو من الحمض قال: العرافط: شجر من العضاه ينضج المغفور منه. وقد روى مسلم هذا الحديث في كتاب الطلاق من صحيحه عن محمد بن حاتم، عن حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة به ولفظه كما أورده البخاري في الأيمان والنذور (٤)، ثم قال البخاري في كتاب الطلاق: حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مُسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى والعسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فَغرْتُ، فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عُكة (٥) عسل فسقت النبي ﷺ منه شربة فقلت: أما والله لنحتالن له فقلت لسودة بنت زمعة إنه سيدنو منك فإذا دنا منك فقولي: أكلت مغافير فإنه سيقول لك: لا. فقولي له ما هذه الريح التي أجد؟ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي: جَرَسَت نحله العُرفُطَ، وسأقول ذلك، وقولي له أنت يا صفية ذلك. قالت: تقول سودة: فوالله ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أناديه بما أمرتني فرقًا منك فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال: "لا" قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: "سقتني حفصة شربة عسل". قالت: جَرَست نحله العرفط، فلما دار إليَّ قلت: نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله ألا أسقيك منه؟ قال: "لا حاجة لي فيه". قلت: تقول سودة والله لقد حرمناه. قلت لها: اسكتي (٦). وهذا لفظ البخاري وقد رواه مسلم عن سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر به، وعن أبي كريب وهارون بن عبد الله والحسن بن بشر ثلاثتهم عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة به. وعنده قالت: وكان رسول الله ﷺ

стр. 4313

يشتد عليه أن يوجد منه الريح يعني الريح الخبيثة، ولهذا قلنَّ له: أكلت مغافير لأن ريحها فيه شيء، فلما قال: "بل شربت عسلًا" قلن: جَرَست نحُلُّه العرفط (١). أي: رعت نحله شجر العرفط الذي صمغه المغافير، فلهذا ظهر ريحه في العسل الذي شربته. قال الجوهري: جرست النحل العرفط تجرس إذا أكلته، ومنه قيل: للنحل جوارس. قال الشاعر: تَظلّ على الثمراء منها جَوارسُ وقال: الجَرْس والجِرْس: الصوت الخفي، ويقال: سمعت جرس الطير إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله، وفي الحديث فيسمعون جرس طير الجنة. قال الأصمعي كنت في مجلس شعبة قال: فيسمعون جرش طير الجنة بالشين، فقلت: جرس. فنظر إليَّ فقال: خذوها عنه فإنه أعلم بهذا منا (٢). والغرض أن هذا السياق فيه أن حفصة هي الساقية للعسل وهو من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن خالته، عن عائشة وفي طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة أن زينب بنت جحش هي التي سقته العسل، وأن عائشة وحفصة تواطأتا وتظاهرتا عليه فالله أعلم. وقد يقال: إنهما واقعتان ولا بُعد في ذلك إلا أن كونها سببًا لنزول هذه الآية فيه نظر والله أعلم. ومما يدل على أن عائشة وحفصة ﵄ هما المتظاهرتان الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس قال: لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللّتين قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرَّز ثم أتاني فسكبت على يديه، فتوضأ فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟ فقال عمر: واعجبًا لك يا ابن عباس. قال الزهري: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه قال: هي عائشة وحفصة. قال: ثم أخذ يسوق الحديث قال: كنا معشر قريش قومًا نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم قال: وكان منزلي في دار بني أُمية بن زيد بالعوالي، قال: فغضبت يومًا على امرأتي فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج رسول الله ﷺ ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. قال: فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم. قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسر، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله؟ فإذا هي قد هلكت، لا تراجعي رسول الله ﷺ ولا تسأليه شيئًا وسليني من مالي ما بدا لكي ولا يغرنك إن كانت جارتك هي أوسم؛ أي: أجمل

стр. 4314

وأحب إلى رسول الله ﷺ منك يريد عائشة. قال: وكان لي جار من الأنصار وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ ينزل يومًا وأنزل يومًا، فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك قال: وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا فنزل صاحبي يومًا ثم أتى عشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم فقلت: وما ذاك أجاءت غسان؟ قال: لا بل أعظم من ذلك وأطول طلَّق رسول الله ﷺ نساءه، فقلت: قد خابت حفصة وخسرت قد كنت أظن هذا كائنًا حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي ثم نزلت، فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلقكنَّ رسول الله ﷺ ؟ فقالت: لا أدري هو هذا معتزل في هذه المشربة، فأتيت غلامًا له أسود فقلت: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم خرج إليَّ فقال: ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست عنده قليلًا ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إليّ فقال: قد ذكرتك له فصمت فخرجت فجلست إلى المنبر ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت، فوليت مدبرًا فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل قد أذن لك، فدخلت فسلمت على رسول الله ﷺ فإذا هو متكئ على رمل حصير. قال الإمام أحمد: وحدثناه يعقوب في حديث صالح قال: رمال حصير قد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نسائك؟ فرفع إليَّ رأسه فقال: "لا". فقلت: الله أكبر لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش قومًا نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فغضبت على امرأتي يومًا فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت؟ فتبسم رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله قد دخلت على حفصة فقلت: لا يغرنك إن كانت جارتك هي أوسم أو أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فتبسم أخرى فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم. فجلست فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت في البيت شيئًا يرد البصر إلا أهبة ثلاثة فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله فاستوى جالسًا وقال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت: استغفر لي يا رسول الله، وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهنَّ حتى عاتبه الله (١). وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري به (٢). وأخرجه الشيخان من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبيد بن حنين، عن ابن عباس قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجًا فخرجت معه، فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له قال:

стр. 4315

فوقفت حتى فرغ ثم سرت معه فقلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي ﷺ ؟ هذا لفظ البخاري ولمسلم من المرأتان اللتان؟ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ قال: عائشة وحفصة. ثم ساق الحديث (١) بطوله ومنهم من اختصره. وقال مسلم أيضًا: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، عن سماك بن الوليد أبي زميل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلَّق رسول الله ﷺ نساءه وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب، فقلت: لأعلمنَّ ذلك اليوم فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة ووعظه إياهما إلى أن قال: فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ على أسكفة المشربة فناديت فقلت: يا رباح استأذن لي على رسول الله ﷺ فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكال وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي فنزلت هذه الآية آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ فقلت: أطلقتهن؟ قال: "لا". فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء: ٨٣] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر (٢). وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومقاتل بن حيان والضحاك وغيرهم ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أبو بكر وعمر: زاد الحسن البصري: وعثمان. وقال [ليث بن أبي] (٣) سُليم، عن مجاهد ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: علي بن أبي طالب (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي عمر، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، قال: أخبرني رجل ثقة يرفعه إلى علي قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: هو علي بن أبي طالب (٥). إسناده ضعيف وهو منكر جدًا. وقال البخاري: حدثنا عمرو بن عون، حدثنا هشيم، عن حميد، عن أنس قال: قال عمر اجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية (٦). وقد تقدم أنه وافق القرآن في أماكن منها في نزول الحجاب، ومنها في أسارى بدر، ومنها

стр. 4316

قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الأنصاري، حدثنا حميد، عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: بلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي ﷺ ، فاستقريتهن أقول: لتكفنَّ عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكن، حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين فقالت: يا عمر أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهنّ، فأمسكتُ، فأنزل الله : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾ (١). وهذه المرأة التي ردَّته عمَّا كان فيه من وعظ النساء هي أُم سلمة كما ثبت ذلك في صحيح البخاري. وقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا إسماعيل البجلي، حدثنا أبو عوانة، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ قال: دخلت حفصة على النبي ﷺ في بيتها وهو يطأ مارية فقال لها رسول الله ﷺ : "لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة إن أباك يلي الأمر من بعد أبي بكر إذا أنا متُّ"، فذهبت حفصة فأخبرت عائشة، فقالت عائشة لرسول الله ﷺ : من أنبأك هذا؟ قال: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ " فقالت عائشة: لا أنظر إليك حتى تحرم مارية فحرمها فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (٢) إسناده فيه نظر، وقد تبين مما أوردناه تفسير هذه الآيات الكريمات ومعنى قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ﴾ ظاهر. وقوله: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي: صائمات، قاله أبو هريرة وعائشة وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن كعب القرظي وأبو عبد الرحمن السلمي وأبي مالك وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وغيرهم (٣). وتقدم في حديث مرفوع عند قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ في سورة براءة ولفظه سياحة هذه الأمة الصيام (٤). وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي: مهاجرات وتلا عبد الرحمن: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] (٥). أي: المهاجرون. والقول الأول أولى، والله أعلم.

стр. 4317

وقوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ أي: منهن ثيبات ومنهن أبكارًا ليكون ذلك أشهى إلى النفس فإن التنوع يبسط النفس ولهذا قال: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾. وقال أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أبو بكر بن صدقة، حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق، حدثنا عبد الله بن أبي أُمية، حدثنا عبد القدوس، عن صالح بن حيان، عن ابن بُريدة عن أبيه ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ قال: وعد الله نبيه ﷺ في هذه الآية أن يزوجه بالثيب آسية امرأة فرعون، وبالبكر مريم بنت عمران (١). وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة مريم ﵍ من طريق سويد بن سعيد، حدثنا محمد بن صالح بن عمر، عن الضحاك ومجاهد، عن ابن عمر قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فمرت خديجة فقال: إن الله يقرئها السلام ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد عن اللهب لا نصب فيه ولا صخب، من لؤلؤة [جوفاء بين] (٢) بيت مريم عمران وبيت آسية بنت مزاحم (٣). ومن حديث أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ دخل على خديجة وهي في الموت فقال: يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السلام. فقالت: يا رسول الله وهل تزوجت قبلي؟ قال: "لا"، ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وكلثم أخت موسى (٤). ضعيف أيضًا. وقال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم ابن عرعرة، حدثنا عبد النور بن عبد الله، حدثنا يوسف بن شعيب، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "أعلمت أن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى وآسية امرأة فرعون"، فقلت: هنيئًا لك يا رسول الله. وهذا أيضًا ضعيف وروي مرسلًا عن ابن أبي داود (٥). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾. قال سفيان الثوري، عن منصور، عن رجل، عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ

стр. 4318

وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ يقول: أدبوهم وعلموهم (١). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ يقول: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، وأمروا أهلكم بالذكر ينجيكم الله من النار (٢). وقال مجاهد: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ قال: اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله (٣). وقال قتادة: تأمرهم بطاعة الله، وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها وزجرتهم عنها. وهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه (٤). وفي معنى هذه الآية الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "مُروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها" هذا لفظ أبي داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن (٥). وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ مثل ذلك (٦). قال الفقهاء: وهكذا في الصوم ليكون ذلك تمرينًا له على العبادة لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعاصي وترك المنكر، والله الموفق. وقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وقودها: أي حطبها الذي يلقى فيه جثت بني آدم ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ قيل: المراد بها: الأصنام التي كانت تعبد لقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء] وقال ابن مسعود ومجاهد وأبو جعفر الباقر والسدي: هي حجارة من كبريت (٧)، زاد مجاهد: أنتن من الجيفة. [وروى ذلك ابن أبي حاتم ﵀ قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن سنان المنقري] (٨)، حدثنا عبد العزيز يعني: ابن أبي رواد قال: بلغني أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وعنده بعض أصحابه وفيهم شيخ فقال الشيخ: يا رسول الله حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لصخرة من صخر

стр. 4319

جهنم أعظم من جبال الدنيا كلها". قال: فوقع الشيخ مغشيًا عليه، فوضع النبي ﷺ يده على فؤاده فإذا هو حي فناداه قال: يا شيخ قل: لا إله إلا الله، فقالها فبشره بالجنة قال: فقال أصحابه: يا رسول الله أمن بيننا؟ قال: "نعم يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (١) [إبراهيم: ١٤] " هذا حديث مرسل غريب. وقوله: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ أي: طباعهم غليظة قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، ﴿شِدَادٌ﴾ أي: تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثنا أبي، عن عكرمة أنه قال: إذا وصل أول أهل النار إلى النار وجدوا على الباب أربع مئة ألف من خزنة جهنم سود وجوههم كالحة أنيابهم قد نزع الله من قلوبهم الرحمة، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة لو طير الطير من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، ثم يجدون على الباب التسعة عشر، عرض صدر أحدهم سبعون خريفًا ثم يهوون من باب إلى باب خمس مئة سنة، ثم يجدون على كل باب منها مثل ما وجدوا على الباب الأول حتى ينتهوا إلى آخرها (٢). وقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: مهما أمرهم به تعالى يبادرون إليه لا يتأخرون عنه طرفة عين وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه، وهؤلاء هم الزبانية عياذًا بالله منهم. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾ أي: يقال للكفرة يوم القيامة لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون وإنما تجزون اليوم بأعمالكم. ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أي: توبة صادقة جازمة تمحو ما قبلها من السيئات وتلم شعث التائب وتجمعه وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات. قال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا محمد، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يخطب، سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال: يذنب الذنب ثم لا يرجع فيه (٣). وقال الثوري: عن سماك، عن النعمان، عن عمر قال: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه أو لا يريد أن يعود فيه (٤). وقال أبو الأحوص وغيره، عن سماك، عن النعمان سئل عمر عن التوبة النصوح فقال: أن يتوب الرجل من العمل السيئ ثم لا يعود إليه أبدًا (٥).

стр. 4320

وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال: يتوب ثم لا يعود (١). وقد روي هذا مرفوعًا فقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "التوبة من الذنب يتوب منه ثم لا يعود فيه" (٢). تفرد به أحمد من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف والموقوف أصح، والله أعلم. ولهذا قال العلماء: التوبة النصوح هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي ردَّه إليه بطريقه. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عبد الكريم أخبرني زياد بن أبي مريم عن [عبد الله بن معقل] (٣) قال: دخلت مع أبي على عبد الله بن مسعود فقال: أنت سمعت النبي ﷺ يقول: "الندم توبة؟ " قال: نعم. وقال مرة: نعم سمعته يقول: "الندمة توبة" (٤). ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم وهو ابن مالك الجزري به (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني الوليد بن بُكير أبو خباب، عن عبد الله بن محمد العدوي، عن أبي سنان البصري، عن أبي قلابة، عن زرِّ بن حبيش، عن أُبي بن كعب قال: قيل: لنا أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة منها: نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح الرجل الرجل وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح المرأة المرأة وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحًا. قال زرٌّ: فقلت: لأُبي بن كعب: فما التوبة النصوح؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "هو الندم على الذنب حين يفرط منك فتستغفر الله بندامتك منه عند الحاضر ثم لا تعود إليه أبدًا" (٦). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عباد بن عمرو، حدثنا أبو عمرو بن العلاء، سمعت الحسن يقول: التوبة النصوح أن تبغض الذنب كما أحببته، وتستغفر منه إذا ذكرته (٧)، فأما إذا حزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجبُّ ما قبلها من الخطيئات كما ثبت في

стр. 4321

الصحيح: "الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها" (١). وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات كما تقدم في الحديث وفي الأثر: "ثم لا يعود فيه أبدًا" أو يكفي العزم على أن لا يعود في تكفير الماضي بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارًا في تكفير ما تقدم لعموم قوله ﵇: "التوبة تجب ما قبلها؟ " وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضًا: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" (٢) فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة فالتوبة بطريق الأولى والله أعلم. وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وعسى من الله موجبة ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أي: ولا يخزيهم معه يعني يوم القيامة ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ كما تقدم في سورة الحديد: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم: [هذا يقوله] (٣) المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طفئ (٤). وقال محمد بن نصر المروزي: حدثنا محمد بن مقاتل المروزي، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أنه سمع أبا ذرٍّ وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن يميني فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم. فقال رجل يا رسول الله كيف تعرف أمتك من بين الأمم؟ قال: "غرٌّ محجلون من آثار الطهور، ولا يكون أحد من الأمم كذلك غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم" (٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن يحيى بن حسان، عن رجل من بني كنانة قال: صليت خلف رسول الله ﷺ عام الفتح فسمعته يقول: "اللَّهم لا تخزني يوم القيامة" (٦).

стр. 4322

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ الكفار والمنافقين هؤلاء بالسلاح والقتال، وهؤلاء بإقامة الحدود عليهم: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: في الدنيا ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: في الآخرة. ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم أن ذلك لا يجدي عنهم شيئًا ولا ينفعهم عند الله إن لم يكن الإيمان حاصلًا في قلوبهم، ثم ذكر المثل فقال: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ أي: نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلًا ونهارًا يؤاكلانهما ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ أي: في الإيمان لم يوافقاهما على الإيمان ولا صدقاهما في الرسالة، فلم يجد ذلك كله شيئًا، ولا دفع عنهما محذورًا، ولهذا قال: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لكفرهما ﴿وَقِيلَ﴾ أي: للمرأتين: ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ وليس المراد بقوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ في فاحشة بل في الدين فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء كما قدمنا في سورة النور. قال سفيان الثوري: عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قتَّة سمعت ابن عباس يقول في هذه الآية: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال: ما زنتا، أما خيانة امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدلُّ قومها على أضيافه (١). وقال العوفي، عن ابن عباس قال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على عَورتيهما فكانت امرأة نوح تطلع على سرِّ نوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدًا أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء (٢). وقال الضحاك، عن ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط إنما كانت خيانتهما في الدين (٣)، وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك (٤) وغيرهم. وقد استدل بهذه الآية الكريمة بعض العلماء على ضعف الحديث الذي يأثره كثير من الناس: "من أكل مع مغفور له غفر له" وهذا الحديث لا أصل له، وإنما يروى هذا عن بعض الصالحين أنه رأى النبي ﷺ المنام فقال: يا رسول الله أنت قلت: "من أكل مع مغفور له غفر له؟ " قال: لا ولكني الآن أقوله (٥).

стр. 4323

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾. وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأبعده، فوالله ما ضرَّ امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها ليعلموا أن الله تعالى حكم عدل لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنبه (١). وقال جرير: حدثنا إسماعيل بن حفص الأُبلّيّ، حدثنا محمد بن جعفر، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان قال: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة (٢). ثم رواه عن عبيد بن محمد المحاربي، عن أسباط بن محمد، عن سليمان التيمي به (٣). ثم قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: كانت امرأة فرعون تسأل من غلب فيقال: غلب موسى وهارون فتقول: آمنت بربِّ موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فإنها امرأتي، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة فمضت على قولها وانتزعت روحها وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح (٤) فقولها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ قالت العلماء: اختارت الجار قبل الدار، وقد ورد شيء من ذلك في حديث مرفوع: "ونجني من فرعون وعمله" أي: خلصني منه، فإني أبرأ إليك من عمله ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم ﵂. وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان إيمان امرأة فرعون من قبل إيمان امرأة خازن فرعون، وذلك أنها جلست تمشط ابنة فرعون فوقع المشط من يدها فقالت: تعس من كفر بالله فقالت لها بنت فرعون: ولك ربٌّ غير أبي؟ قالت: نعم ربي ورب أبيك ورب كل شيء الله. فلطمتها بنت فرعون وضربتها وأخبرت أباها، فأرسل إليها فرعون فقال: تعبدين ربًا غيري؟ قالت: نعم ربي وربك ورب كل شيء الله وإياه أعبد، فعذبها فرعون وأوتد لها أوتادًا فشد يديها ورجليها وأرسل عليها الحيات، فكانت كذلك، فأتى عليها يومًا فقال: ما أنت منتهية؟ فقالت له: ربي وربك ورب كل شيء الله. فقال لها: إني ذابح ابنك في فيك إن لم تفعلي. فقالت له: اقضِ ما أنت قاضٍ، فذبح ابنها في فيها وإن روح ابنها بشرها

стр. 4324

فقال لها: أبشري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا، فصبرت ثم أتى عليها فرعون يومًا آخر فقال لها مثل ذلك، فقالت له مثل ذلك، فذبح ابنها الآخر في فيها فبشرها روحه أيضًا، وقال لها: اصبري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا، قال: وسمعت امرأة فرعون كلام روح ابنها الأكبر ثم الأصغر فآمنت امرأة فرعون وقبض الله روح امرأة خازن فرعون، وكشف الغطاء عن ثوابها ومنزلتها وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأت فازدادت إيمانًا ويقينًا وتصديقًا، فأطلع الله فرعون على إيمانها فقال للملأ: ما تعلمون من آسية بنت مزاحم؟ فأثنوا عليها. فقال لهم: إنها تعبد غيري! فقالوا له: اقتلها فأوتد لها أوتادًا فشد يديها ورجليها فدعت آسية ربها فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ فوافق ذلك أن حضرها فرعون فضحكت حين رأيت بيتها في الجنة، فقال فرعون: ألا تعجبون من جنونها إنا نعذبها وهي تضحك، فقبض الله روحها في الجنة ﵂. وقوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي: حفظته وصانته والإحصان هو العفاف والحرية فنفخنا فيه من روحنا أي: بواسطة الملك وهو جبريل، فإن الله بعثه إليها فتمثل لها في صورة بشر سوي وأمره الله تعالى أن ينفخ بفيه في جيب درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها، فكان منه الحمل بعيسى ﵇ (١). ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ أي: بقدره وشرعه ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خطَّ رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، وقال: "أتدرون ما هذا؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ : "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون" (٢). وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة بن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: "كَمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (٣). وقد ذكرنا طرق هذه الأحاديث وألفاظها والكلام عليها في قصة عيسى ابن مريم ﵉ في كتابنا البداية والنهاية (٤)، ولله الحمد والمنة وذكرنا ما ورد من الحديث من أنها تكون هي وآسية بنت مزاحم من أزواجه ﵇ في الجنة عند قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (٥). آخر تفسير سورة التحريم، ولله الحمد.

стр. 4325

سُوْرَةُ المُلْكِ وهي مكية قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج بن محمد وابن جعفر؛ قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عياش الجشمي، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غُفر له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ " (١). ورواه أهل السنن الأربعة من حديث شعبة به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن (٢). وقد روى الطبراني والحافظ الضياء المقدسي من طريق سلام بن مسكين، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ " (٣). وقال الترمذي: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك النكري، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا إنسان يقرأ سورة الملك ﴿تَبَارَكَ﴾ حتى ختمها، فقال رسول الله ﷺ : "هي المانعة، هي المنجية تنجيه من عذاب القبر"، ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي هريرة (٤). ثم روى الترمذي أيضًا من طريق ليث بن أبي سُليم، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١، ٢] و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٥).

стр. 4326

وقال ليث: عن طاوس يفضلان كل سورة في القرآن بسبعين حسنة (١). وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسين بن عجلان الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لوددت أنها في قلب كل إنسان من أُمتي" يعني: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٢)، هذا حديث غريب وإبراهيم ضعيف، وقد تقدم مثله في سورة يس. وقد روى هذا الحديث عَبْدُ بن حميد في مسنده بأبسط من هذا فقال: حدثنا إبراهيم ابن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال: بلى. قال: اقرأ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة تجادل أو تخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له [أن تُنجِيه] (٣) من عذاب النار، وينجى بها صاحبها من عذاب القبر. قال رسول الله ﷺ : "لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي". وقد روى الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد أبي عبد الله القرشي النيسابوري المقريء الزاهد الفقيه أحد الثقات الذين روى عنهم البخاري ومسلم لكن في غير الصحيحين، وروى عنه الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وعليه تفقه في مذهب أبي عبيد بن حربويه وخلق سواهم، ساق بسنده من حديثه عن فرات بن السائب، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن رجلًا ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا "تبارك"، فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه، فقال لها: إنك من كتاب الله، وأنا أكره مساءتك، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضرًا ولا نفعًا، فإن أردتِ هذا به فانطلقي إلى الربِّ ﵎ فاشفعي له، فتنطلق إلى الربِّ فتقول: يا ربِّ إن فلانًا عمد إليّ ما بين كتابك، فتعلمني وتلاني أفتحرقه أنت بالنار وتعذبه وأنا في جوفه، فإن كنت فاعلًا ذاك به فامحني من كتابك، فيقول: ألا أراك غضبت فتقول: وحُقَّ لي أن أغضب. فيقول: اذهبي فقد وهبته لك وشفعتك فيه، قال: فتجيء الملك فيخرج خاسف البال لم يحلّ منه بشيء قال: فتجيء فتضع فاها على فيه، فتقول مرحبًا بهذا الفم فربما تلاني، ومرحبًا بهذا الصدر فربما وعاني، ومرحبًا بهاتين القدمين فربما قامتا بي وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه". قال: فلما حدث بهذا رسول الله ﷺ لم يبق صغير ولا كبير ولا حرّ ولا عبد إلا تعلمها وسمَّاها رسول الله ﷺ : المنجية (٤). قلت: وهذا حديث منكر جدًا وفرات بن السائب هذا ضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري وأبو حاتم والدارقطني وغير واحد. وقد ذكره ابن عساكر من وجه آخر عن الزهري من

стр. 4327

قوله مختصرًا وروى البيهقي في كتاب "إثبات عذاب القبر" (١) عن ابن مسعود موقوفًا ومرفوعًا ما يشهد لهذا، وقد كتبناه في كتاب الجنائز من الأحكام الكبرى ولله الحمد والمنة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾. يمجد تعالى نفسه الكريمة، ويخبر أنه بيده الملك؛ أي: هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء؛ لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ واستدل بهذه الآية من قال: إن الموت أمر وجودي؛ لأنه مخلوق، ومعنى الآية أنه أوجد الخلائق من العدم ليبلوهم؛ أي: يختبرهم أيهم أحسن عملًا كما قال: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فسمى الحال الأول وهو العدم موتًا، وسمى هذه النشأة حياة، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خُليد، عن قتادة في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "إن الله أذلَّ بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء" (٢). ورواه معمر، عن قتادة (٣). وقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: خير عملًا؛ كما قال محمد بن عجلان: ولم يقل أكثر عملًا. ثم قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ أي: هو العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب، بعدما عصاه وخالف أمره وإن كان تعالى عزيزًا هو مع ذلك يغفر ويرحم ويصفح ويتجاوز. ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ أي: طبقة بعد طبقة، وهل هن متواصلات بمعنى أنهن علويات بعضهن على بعض أو متفاصلات بينهن خلاء؟ فيه قولان: أصحهما الثاني كما دلَّ على ذلك حديث الإسراء وغيره. وقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي: بل هو مصطحب مستو ليس فيه اختلاف ولا

стр. 4328

تنافر ولا مخالفة ولا نقص ولا عيب ولا خلل؛ ولهذا قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: انظر إلى السماء فتأملها هل ترى فيها عيبًا أو نقصًا أو خللًا أو فطورًا؟ قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والثوري وغيرهم في قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾: أي شقوق (١). وعن السدي: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: من خروق. وقال ابن عباس في رواية: ﴿مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: من وهاء (٢). وقال قتادة: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: هل ترى خللًا يا ابن آدم (٣)؟ وقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ قال قتادة: مرتين. ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ قال ابن عباس: ذليلًا (٤). وقال مجاهد وقتادة: صاغرًا (٥). ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس يعني: وهو كليل. وقال مجاهد وقتادة والسدي: الحسير: المنقطع من الإعياء (٦). ومعنى الآية: أنك لو كررت البصر مهما كررت لانقلب إليك؛ أي: لرجع إليك البصر خاسئًا عن أن يرى عيبًا أو خللًا، وهو حسير أي: كليل قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر، ولا يرى نقصًا. ولما نفى عنها في خلقها النقص بين كمالها وزينتها فقال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ عاد الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ على جنس المصابيح لا على عينها؛ لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء بل بشهب من دونها، وقد تكون مستمدة منها والله أعلم. وقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ أي: جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا وأعتدنا لهم عذاب السعير في الآخرة كما قال تعالى في أول الصافات: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ [الصافات] قال قتادة: إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها الله زينة للسماء ورجومًا للشياطين وعلامات يهتدى بها، فمن تأول

стр. 4329

فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به. رواه ابن جرير (١) وابن أبي حاتم. ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾. يقول تعالى ﴿و﴾ أعتدنا للذين ﴿كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: بئس المآل والمنقلب. ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ قال ابن جرير: يعني الصياح. ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ قال الثوري: تغلي بهم كما يغلي الحَبُّ القليل في الماء الكثير. وقوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: تكاد ينفصل بعضها من بعض من شدة غيظها عليهم وحنقها بهم ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ يذكر تعالى عدله في خلقه؛ وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وهكذا عادوا على أنفسهم بالملامة وندموا حيث لا تنفعهم الندامة فقالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزله الله من الحق لما كنا على ما نحن عليه من الكفر بالله والاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم؛ قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري الطائي قال: أخبرني من سمعه من رسول الله ﷺ أنه قال: "لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم" (٢). وفي حديث آخر: "لا يدخل أحد النار إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة" (٣).

стр. 4330

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾. يقول تعالى مخبرًا عمّن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائبًا عن الناس فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى بأن له مغفرة وأجر كبير أن تكفَّر عنه ذنوبه ويجازى بالثواب الجزيل كما ثبت في الصحيحين "سبعة يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، فذكر منهم رجلًا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلًا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (١). وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا الحارث بن عُبيد، عن ثابت، عن أنس قال: قالوا: يا رسول الله إنا نكون عندك على حال فإذا فارقناك كنا على غيره! قال: "كيف أنتم وربكم؟ " قالوا: الله ربنا في السر والعلانية. قال: "ليس ذلكم النفاق". قال البزار: لم يروه عن ثابت إلا الحارث بن عُبيد فيما نعلمه (٢). ثم قال تعالى منبهًا على أنه مطلع على الضمائر والسرائر: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ أي: بما يخطر في القلوب ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ أي: ألا يعلم الخالق وقيل: معناه ألا يعلم الله مخلوقه. والأول أولى لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ثم ذكر نعمته على خلقه في تسخيره لهم الأرض وتذليله إياها لهم بأن جعلها قارة ساكنة لا تميد ولا تضطرب بما جعل فيها من الجبال، وأنبع فيها من العيون، وسلك من السبل، وهيأ فيها من المنافع ومواضع الزروع والثمار فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ أي: فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئًا إلا أن ييسره الله لكم ولهذا قال تعالى: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ فالسعي في السبب لا ينافي التوكل كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني بكر بن عمرو أنه سمع عبد الله بن هُبيرة يقول أنه سمع أبا تميم الجيِشاني يقول أنه سمع عمر بن الخطاب يقول أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا" (٣). رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن هبيرة. وقال الترمذي: حسن صحيح (٤).

стр. 4331

فأثبت لها رواحًا وغدوًا لطلب الرزق مع توكلها على الله ، وهو المسخِّر المسيّر المسبِّب ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أي: المرجع يوم القيامة. قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافها وفجاجها ونواحيها (١). وقال ابن عباس وقتادة أيضًا: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: الجبال (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن حكام الأزدي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن بشير بن كعب أنه قرأ هذه الآية ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ فقال: لأُم ولد له: إن علمت ما مناكبها؟ فأنت عتيقة. فقالت: هي الجبال، فسأل أبا الدرداء فقال: هي الجبال (٣). ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾. وهذا أيضًا من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم، بسبب كفر بعضهم به وعبادتهم معه غيره وهو مع هذا يحلم ويصفح ويؤجل ولا يعجل كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر]. وقال ههنا: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ أي: تذهب وتجيء وتضطرب ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ أي: ريحًا فيها حصباء تدمغكم كما قال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾ [الإسراء]. وهكذا توعدهم ههنا بقوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أي: كيف يكون إنذاري وعاقبة من تخلف عنه وكذب به. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأمم السالفة والقرون الخالية ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؛ أي: عظيمًا شديدًا أليمًا. ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ أي: تارة يصففن أجنحتهن في الهواء وتارة تجمع جناحًا وتنشر جناحًا ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ أي: في الجو ﴿إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ أي: بما سخر لهن من الهواء من رحمته ولطفه ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ أي: بما يصلح كل شيء من مخلوقاته، وهذه كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾ [النحل].

стр. 4332

﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾. يقول تعالى للمشركين الذين عبدوا معه غيره يبتغون عندهم نصرًا ورزقًا منكرًا عليهم فيما اعتقدوه ومخبرًا لهم أنه لا يحصل لهم ما أملوه فقال: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: ليس من دونه من ولي ولا واقٍ ولا ناصر لكم غيره ولهذا قال: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾. ثم قال: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من هذا الذي إذا قطع الله عنكم رزقه يرزقكم بعده؟ أي: لا أحد يعطي ويمنع ويخلق ويرزق وينصر إلا الله وحده لا شريك له؛ أي: وهم يعلمون ذلك ومع هذا يعبدون غيره ولهذا قال: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ أي: استمروا في طغيانهم وإفكهم وضلالهم ﴿فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ أي: في معاندة واستكبار ونفور على أدبارهم عن الحق لا يسمعون له ولا يتبعونه. ثم قال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي مكبًا على وجهه؛ أي: يمشي منحنيًا لا مستويًا على وجهه؛ أي: لا يدري أين يسلك؟ ولا كيف يذهب؟ بل تائه حائر ضالّ أهذا أهدى ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ أي: منتصب القامة ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على طريق واضح بيِّن، وهو في نفسه مستقيم وطريقه مستقيمة هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك يكونون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويًا على صراط مستقيم مفض به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ [الصافات]. قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل، عن نفيع قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: "أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم" (١)؟ وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طريق [يونس بن محمد، عن شيبان، عن قتادة، عن أنس به نحوه] (٢).

стр. 4333

وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ أي: ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي: العقول والإدراك ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: قلما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بثكم ونشركم في أقطار الأرض وأرجائها مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم وألوانكم وحلاكم وأشكالكم وصوركم ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: تجمعون بعد هذا التفرق والشتات، يجمعكم كما فرقكم ويعيدكم كما بدأكم. ثم قال مخبرًا عن الكفار المنكرين للمعاد المستبعدين وقوعه: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ أي: متى يقع هذا الذي تخبرنا بكونه من الاجتماع بعد هذا التفرق؟ ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: لا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا الله ، لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة فاحذروه ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: وإنما علي البلاغ وقد أديته إليكم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لما قامت القيامة وشاهدها الكفار ورأوا أن الأمر كان قريبًا لأن كل ما هو آت آت وإن طال زمنه، فلما وقع ما كذبوا به ساءهم ذلك لما يعلمون ما لهم هناك من الشر أي: فأحاط بهم ذلك وجاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال ولا حساب ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾ [الزمر] ولهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أي: تستعجلون. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾. يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الجاحدين لنعمه ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: خلِّصوا أنفسكم، فإنه لا منقذ لكم من الله إلا التوبة والإنابة والرجوع إلى دينه، ولا ينفعكم وقوع ما تتمنون لنا من العذاب والنكال، فسواء عذبنا الله أو رحمنا فلا مناص لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم. ثم قال: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: آمنا برب العالمين الرحمن الرحيم، وعليه توكلنا في جميع أمورنا كما قال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ولهذا قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: منا ومنكم ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة؟ ثم قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ أي: ذاهبًا في الأرض إلى أسفل فلا يُنال بالفؤوس الحِداد ولا السواعد الشداد. والغائر: عكس النابع ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ أي: نابع سائح جار على وجه الأرض؛ أي: لا يقدر على ذلك إلا الله ، فمن فضله وكرمه أن أنبع لكم المياه وأجراها في سائر أقطار الأرض، بحسب ما يحتاج العباد إليه من القلة والكثرة. فله الحمد والمنة. آخر تفسير سورة الملك.

стр. 4334

سُوْرَةُ ﴿ن﴾ وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾. قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة وأن قوله تعالى: ﴿ن﴾ كقوله: ﴿ص﴾ ﴿ق﴾ ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وتحرير القول في ذلك بما أغنى عن إعادته ههنا. وقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾ حوت عظيم على تيار الماء العظيم المحيط وهو حامل للأرضين السبع كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان هو: الثوري، حدثنا سليمان هو: الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم قال: اكتب. قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى قيام الساعة، ثم خلق النون ورفع بخار الماء، ففتقت منه السماء، وبسطت الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإنها لتفخر على الأرض (١). وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن سنان، عن أبي معاوية، عن الأعمش به (٢). وهكذا رواه شعبة ومحمد بن فضيل ووكيع، عن الأعمش به. وزاد شعبة في روايته ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ (٣) وقد رواه شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان أو مجاهد، عن ابن عباس فذكر نحوه (٤). ورواه معمر، عن الأعمش أن ابن عباس قال: فذكره ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ (٥) ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضحى، عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق ربي القلم، ثم قال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى أن

стр. 4335

تقوم الساعة، ثم خلق النون فوق الماء ثم كبس الأرض عليه (١). وقد روى الطبراني ذلك مرفوعًا فقال: حدثنا أبو حبيب [زيد بن] (٢) المهدي المروذي، حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صُبيح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول ما خلق الله القلم والحوت. قال للقلم: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة ثم قرأ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ فالنون الحوت، والقلم القلم" (٣). حديث آخر في ذلك رواه ابن عساكر، عن أبي عبد الله مولى بني أمية، عن أبي صالح، عن أبي هريرة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق النون وهي: الدواة ثم قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون أو ما هو كائن من عمل أو رزق أو أثر أو أجل، فكتب ذلك إلى يوم القيامة فذلك قوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل، وقال: وعزتي لأكملنَّك [فيمن أحببت، ولأنقصنَّك ممن أبغضت] " (٤). وقال ابن أبي نجيح: إن إبراهيم بن أبي بكر أخبره عن مجاهد قال: كان يقال: النون الحوت العظيم الذي تحت الأرض السابعة (٥). وقد ذكر البغوي ﵀ وجماعة من المفسرين أن على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السماوات والأرض وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف قرن، وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن وما بينهن (٦). والله أعلم. ومن العجيب أن بعضهم حمل على هذا المعنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا حميد، عن أنس أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأتاه فسأله عن أشياء قال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه؟ وما بال الولد ينزع إلى أمه؟ قال: أخبرني بهنَّ جبريل آنفًا، قال ابن سلام: فذاك عدو اليهود من الملائكة. قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت (٧).

стр. 4336

ورواه البخاري من طرق عن حميد (١). ورواه مسلم أيضًا وله من حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ نحو هذا، وفي صحيح مسلم من حديث أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان أن حبرًا سأل رسول الله ﷺ عن مسائل، فكان منها أن قال: فما تحفتهم؟ - يعني أهل الجنة حين يدخلون الجنة - قال: زيادة كبد الحوت. قال: فما غذاؤهم على أثرها؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلًا (٢). وقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾ لوح من نور. قال ابن جرير: حدثنا الحسن بن شبيب المكتب، حدثنا محمد بن زياد الجزري، عن فرات بن أبي الفرات، عن معاوية بن قرة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة (٣). وهذا مرسل غريب. وقال ابن جريج: أُخبرت أن ذلك القلم من نور طوله مئة عام (٤). وقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾ دواة ﴿وَالْقَلَمِ﴾ القلم. قال ابن جرير: حدثنا عبد الأعلى، حدثنا أبو ثور، عن معمر، عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿ن﴾ قالا: هي الدواة (٥). وقد روي في هذا حديث مرفوع غريب جدًا فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا أبو عبد الله مولى بني أُمية، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خلق الله النون وهي: الدواة" (٦). وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، حدثنا أخي عيسى بن عبد الله، حدثنا ثابت الثمالي، عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون، وهي الدواة، وخلق القلم فقال: اكتب. قال: وما اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول به بر أو فجور أو رزق مقسوم حلال أو حرام، ثم الزم كل شيء من ذلك من شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم؟ وخروجه منها كيف؟ ثم جعل على العباد حفظة وللكتاب خزانًا، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزانة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيء. فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا (٧) قال: فقال ابن عباس ألستم قومًا عربًا تسمعون الحفظة يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]؟ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟

стр. 4337

وقوله تعالى: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق] فهو قسم منه تعالى، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم ولهذا قال: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة يعني: وما يكتبون (١). وقال أبو الضحى، عن ابن عباس ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أي: وما يعملون. وقال السدي: ﴿يَسْطُرُونَ﴾ يعني: الملائكة وما تكتب من أعمال العباد (٢). وقال آخرون: بل المراد ههنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف عام. وأوردوا في ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن يحيى بن سعيد القطان وبونس بن حبيب قالا: حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا عبد الواحد بن سليم السلمي، عن عطاء هو: ابن أبي رباح، حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت قال: دعاني أبي حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال: يا ربِّ وما أكتب؟ قال: اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد" (٣). وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد من طرق عن الوليد بن عبادة، عن أبيه به (٤). وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به وقال: حسن صحيح غريب، ورواه أبو داود في كتاب السنة من سننه عن جعفر بن مسافر، عن يحيى بن حسان، عن أبي رباح، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي حفصة واسمه حُنيش بنُ شريح الحبشي الشامي، عن عبادة فذكره (٥). وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله الطوسي، حدثنا علي بن الحسين بن شقيق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، حدثنا رباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: إن أول شيء خلقه الله القلم، فأمره فكتب كل شيء (٦). غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَالْقَلَمِ﴾ يعني: الذي كتب به الذكر (٧).

стр. 4338

وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أي: يكتبون كما تقدم. وقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ أي: ولست ولله الحمد بمجنون كما يقوله الجهلة من قومك المكذبون بما جئتهم به من الهدى والحق المبين فنسبوك فيه إلى الجنون ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾ أي: بل إن لك الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق وصبرك على أذاهم. ومعنى ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع كقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أي: غير مقطوع عنهم. وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب (١)، وهو يرجع إلى ما قلناه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ قال العوفي عن ابن عباس: "وإنك لعلى دين عظيم" وهو الإسلام وكذلك قال مجاهد وأبو مالك السدي والربيع بن أنس وكذا قال الضحاك وابن زيد (٢): وقال عطية: لعلى أدب عظيم (٣). وقال معمر، عن قتادة: سُئلت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ قالت: كان خلقه القرآن، يقول سعيد: تقول كما هو: في القرآن (٤). وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ ذُكر لنا أن سعد بن هشام سأل عائشة عن خُلق رسول الله ﷺ فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن (٥). وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام قال: سألتُ عائشة فقلت: أخبريني يا أُم المؤمنين عن خلق رسول الله ﷺ . فقالت: أتقرأ القرآن؟ فقلت: نعم. فقالت: كان خلقه القرآن (٦). هذا مختصر من حديث طويل وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث قتادة بطوله وسيأتي في سورة المزمل (٧) إن شاء الله تعالى، وبه الثقة. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن قال: سُئلت عائشة عن خلق

стр. 4339

رسول الله ﷺ . فقالت: كان خلقه القرآن (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا شريك، عن قيس بن وهب، عن رجل من بني سواد قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ . فقالت: أما تقرأ القرآن ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾؟ قال: قلت: حدثيني عن ذاك. قالت: صنعت له طعامًا، وصنعت له حفصة طعامًا، فقلت لجاريتي: اذهبي فإن جاءت هي بالطعام فوضعته قبل فاطرحي الطعام، قالت: فجاءت بالطعام قالت: فألقت الجارية فوقعت القصعة فانكسرت، وكان نطعٌ قالت: فجمعه رسول الله ﷺ وقال: اقتصوا أو اقتصي - شك أسود - ظرفًا مكان ظرفك، قالت: فما قال شيئًا (٢). وقال ابن جرير: حدثنا عبيد بن آدم بن أبي أياس، حدثنا أبي، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة أم المؤمنين ﵂ فقلت لها: أخبريني بخلق النبي ﷺ . فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾؟ وقد روى أبو داود والنسائي من حديث الحسن نحوه (٣). وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة ﵂، فسألتها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن (٤). وهكذا رواه أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي، ورواه النسائي في التفسير عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح به (٥). ومعنى هذا أنه ﵊ صار امتثال القرآن أمرًا ونهيًا سجية له وخلقًا تطبعه وترك طبعه الجبلي، فمهما أمره القرآن فَعَله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خلق جميل كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفٍ. قط، ولا قال: لشيء فعلته لمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته (٦)؟ وكان ﷺ أحسن الناس خلقًا، ولا مسست خزًا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كفِّ رسول الله ﷺ ولا شممت مسكًا ولا عطرًا كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ . وقال البخاري: حدثنا [أحمد بن سعيد أبو عبد الله] (٧) حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا

стр. 4340

إبراهيم بن يونس، عن أبيه، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا، وأحسن الناس خلقًا، ليس بالطويل ولا بالقصير (١). والأحاديث في هذا كثيرة ولأبي عيسى الترمذي في هذا كتاب "الشمائل" وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادمًا له قط، ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا خُيِّر بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا إذا انتهكت حرمات الله فيكون هو ينتقم لله (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" (٣). تفرد به. وقوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ أي: فستعلم يا محمد وسيعلم مخالفوك ومكذبوك من المفتون الضال منك ومنهم وهذه كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾ [القمر] وكقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ستعلم ويعلمون يوم القيامة (٤). وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ أي: الجنون (٥). وكذا قال مجاهد وغيره (٦). وقال قتادة وغيره: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ أي: أولى بالشيطان (٧). ومعنى المفتون ظاهر؛ أي: الذين قد أفتتن عن الحق وضلَّ عنه، وإنما دخلت الباء في قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ﴾ لتدل على تضمين الفعل في قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥)﴾ وتقديره: فستعلم ويعلمون أو فستخبر ويخبرون بأيكم المفتون، والله أعلم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ أي: هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي ويعلم الحزب الضال عن الحق.

стр. 4341

﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾. يقول تعالى: كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم والخلق العظيم ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ قال ابن عباس: لو ترخص لهم فيرخصون (١). وقال مجاهد: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ تركن إلى آلهتهم، وتترك ما أنت عليه من الحق (٢). ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بأيمانه الكاذبة التي يجتريء بها على أسماء الله تعالى واستعمالها في كل وقت في غير محلها. قال ابن عباس: المهين: الكاذب (٣). وقال مجاهد: هو الضعيف القلب (٤). وقال الحسن: ﴿كُلَّ حَلَّافٍ﴾ مكابر مهين ضعيف (٥). وقوله: ﴿هَمَّازٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يعني: الاغتياب (٦). ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ يعني: الذي يمشي بين الناس ويحرش بينهم وينقل الحديث لفساد ذات البين، وهي: الحالقة. وقد ثبت في الصحيحين من حديث مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: مرَّ رسول الله ﷺ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة". الحديث. وأخرجه بقية الجماعة في كتبهم من طرق عن مجاهد به (٧). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، أن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قتَّات" (٨). رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن إبراهيم به (٩). وحدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة قال:

стр. 4342

سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قتَّات"؛ يعني: نمّامًا (١). وحدثنا يحيى بن سعيد القطان - أبو سعيد الأحوال -، عن الأعمش، حدثني إبراهيم منذ نحو ستين سنة، عن همام بن الحارث قال: مرَّ رجل على حذيفة فقيل: إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول أو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة قتَّات" (٢). وقال أحمد: حدثنا هشام، حدثنا مهدي، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل قال: بلغ حذيفة رجل أنه ينم الحديث فقال: سمعت رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة نمَّام" (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن خُثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الذين إذا رؤوا ذُكر الله ، ثم قال: ألا أخبركم بشراركم؟ المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبُرآء العَنَت" (٤). ورواه ابن ماجه، عن سويد بن سعيد، عن يحيى بن سليم، عن ابن خُثيم به (٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي ﷺ : "خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذُكر الله، وشرار عباد الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبُرآء العَنَت" (٦). وقوله: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾ أي: يمنع ما عليه وما لديه من الخير، ﴿مُعْتَدٍ﴾ في تناول ما أحلَّ الله له؛ يتجاوز فيها الحد المشروع ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: يتناول المحرمات. وقوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ أما العتل فهو: الفظ الغليظ الصحيح الجموع المنوع. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن معبد بن خالد، عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل عتل جواظ متكبر". وقال وكيع: كل جواظ جعظري مستكبر (٧). أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن معبد بن خالد به (٨). وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن علي، قال: سمعت أبي

стр. 4343

يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال: عند ذكر أهل النار: "كل جعظري جواظ مستكبر، جماع مناع" (١). تفرد به أحمد. قال أهل اللغة: الجعظري: الفظّ الغليظ، والجوّاظ: الجموع المنوع. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحميد، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غُنم قال: سئل رسول الله ﷺ عن العتل الزنيم. فقال: "هو الشديد الخلق المصحح، الأكول الشروب، الواجد الطعام والشراب، الظلوم للناس، رحيب الجوف" (٢). وبهذا الإسناد قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة الجواظ الجعظري والعتل الزنيم" (٣). وقد أرسله أيضًا غير واحد من التابعين. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ : "تبكي السماء على عبد أصح الله جسمه، وأرحبَ جوفه، وأعطاه من الدنيا مقضمًا، فكان للناس ظلوما قال: فذلك العتل الزنيم" (٤). وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريقين مرسلين. ونصَّ عليه غير واحد من السلف منهم مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم أن العتل هو: المصحَّح الخلق، الشديد القوي في المأكل والمشرب، والمنكِّح وغير ذلك (٥). وأما الزنيم فقال البخاري: حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ قال: رجل من قريش له زنمة مثل زنمة (٦) الشاة (٧)؛ ومعنى هذا: أنه كان مشهورًا بالسوء كشهرة الشاة ذات الزنمة من بين أخواتها، وإنما الزنيم في لغة العرب هو الدَّعي في القوم قاله ابن جرير وغير واحد من الأئمة قال: ومنه قول حسان بن ثابت؛ يعني: يذم بعض كفار قريش: وأنت زنيم نيط في آل هاشم … كما نِيط خلف الراكب القَدَح الفرد (٨)

стр. 4344

وقال آخر: زنيم ليس يُعرفُ مَن أبوه … بغيُّ الأم ذو حسب لئيم (١) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا أسباط، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾ قال: الدعيّ الفاحش اللئيم (٢). ثم قال ابن عباس: زنيم تَداعاه الرجال زيادة … كما زيد في عَرضِ الأديم (٣) الأكارع (٤) (٥) وقال العوفي، عن ابن عباس: الزنيم: الدعيّ ويقال: الزنيم: رجل كانت به زنمة يعرف بها، ويقال هو: الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، وزعم أناس من بني زهرة أن الزنيم: الأسود بن عبد يغوث الزهري وليس به (٦). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه زعم أن الزنيم الملحق النسب (٧). وقال ابن أبي حاتم: حدثني يونس، حدثنا ابن وهب، حدثني سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول في هذه الآية ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ قال سعيد: هو الملصق بالقوم ليس منهم (٨). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عقبة بن خالد، عن عامر بن قدامة قال: سُئل عكرمة، عن الزنيم قال: هو ولد الزنا (٩). وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ قال: يعرف المؤمن من الكافر مثل الشاة الزنماء والزنماء من الشياه التي في عنقها هنتان معلقتان في حلقها. وقال الثوري، عن جابر، عن الحسن، عن سعيد بن جبير قال: الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها (١٠)، والزنيم الملصق. رواه ابن جرير (١١). وروى أيضًا من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في الزنيم: نعت فلم يعرف حتى قيل: زنيم قال: وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها (١٢).

стр. 4345

وقال آخرون: كان دعيًّا (١). وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن أصحاب التفسير قالوا: هو الذي تكون له زنمة الشاة (٢). وقال الضحاك: كانت له زنمة في أصل أذنه (٣). ويقال: هو اللئيم الملصق في النسب (٤). وقال أبو إسحاق: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: هو المريب الذي يعرف بالشر (٥). وقال مجاهد: الزنيم يُعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة (٦). وقال أبو رزين: الزنيم علامة الكفر (٧). وقال عكرمة: الزنيم الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها (٨). والأقوال في هذا كثيرة وترجع إلى ما قلناه وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر الذي يعرف به من بين الناس، وغالبًا ما يكون دعيًا ولد زنا فإنه في الغالب يتسلط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره كما جاء في الحديث: "لا يدخل الجنة ولد زنا" (٩). وفي الحديث الآخر: "ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه" (١٠). وقوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ يقول تعالى هذا مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين كفر بآيات الله وأعرض عنها، وزعم أنها كذب مأخوذ من أساطير الأولين كقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر] قال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر] وقال تعالى ههنا: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾. قال ابن جرير: سنبيِّن أمره بيانًا واضحًا حتى يعرفوه ولا يخفى عليهم كما لا تخفى عليهم السمة على الخراطيم (١١)، وهكذا قال قتادة: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ شين لا يفارقه
следующие страницы →