← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾. يقول تعالى: كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم والخلق العظيم ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ قال ابن عباس: لو ترخص لهم فيرخصون (١). وقال مجاهد: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ تركن إلى آلهتهم، وتترك ما أنت عليه من الحق (٢). ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بأيمانه الكاذبة التي يجتريء بها على أسماء الله تعالى واستعمالها في كل وقت في غير محلها. قال ابن عباس: المهين: الكاذب (٣). وقال مجاهد: هو الضعيف القلب (٤). وقال الحسن: ﴿كُلَّ حَلَّافٍ﴾ مكابر مهين ضعيف (٥). وقوله: ﴿هَمَّازٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يعني: الاغتياب (٦). ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ يعني: الذي يمشي بين الناس ويحرش بينهم وينقل الحديث لفساد ذات البين، وهي: الحالقة. وقد ثبت في الصحيحين من حديث مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: مرَّ رسول الله ﷺ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة". الحديث. وأخرجه بقية الجماعة في كتبهم من طرق عن مجاهد به (٧). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، أن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قتَّات" (٨). رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن إبراهيم به (٩). وحدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة قال:

стр. 4342

سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قتَّات"؛ يعني: نمّامًا (١). وحدثنا يحيى بن سعيد القطان - أبو سعيد الأحوال -، عن الأعمش، حدثني إبراهيم منذ نحو ستين سنة، عن همام بن الحارث قال: مرَّ رجل على حذيفة فقيل: إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول أو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة قتَّات" (٢). وقال أحمد: حدثنا هشام، حدثنا مهدي، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل قال: بلغ حذيفة رجل أنه ينم الحديث فقال: سمعت رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة نمَّام" (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن خُثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الذين إذا رؤوا ذُكر الله ، ثم قال: ألا أخبركم بشراركم؟ المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبُرآء العَنَت" (٤). ورواه ابن ماجه، عن سويد بن سعيد، عن يحيى بن سليم، عن ابن خُثيم به (٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي ﷺ : "خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذُكر الله، وشرار عباد الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبُرآء العَنَت" (٦). وقوله: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾ أي: يمنع ما عليه وما لديه من الخير، ﴿مُعْتَدٍ﴾ في تناول ما أحلَّ الله له؛ يتجاوز فيها الحد المشروع ﴿أَثِيمٍ﴾ أي: يتناول المحرمات. وقوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ أما العتل فهو: الفظ الغليظ الصحيح الجموع المنوع. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن معبد بن خالد، عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل عتل جواظ متكبر". وقال وكيع: كل جواظ جعظري مستكبر (٧). أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن معبد بن خالد به (٨). وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن علي، قال: سمعت أبي

стр. 4343

يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال: عند ذكر أهل النار: "كل جعظري جواظ مستكبر، جماع مناع" (١). تفرد به أحمد. قال أهل اللغة: الجعظري: الفظّ الغليظ، والجوّاظ: الجموع المنوع. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحميد، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غُنم قال: سئل رسول الله ﷺ عن العتل الزنيم. فقال: "هو الشديد الخلق المصحح، الأكول الشروب، الواجد الطعام والشراب، الظلوم للناس، رحيب الجوف" (٢). وبهذا الإسناد قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة الجواظ الجعظري والعتل الزنيم" (٣). وقد أرسله أيضًا غير واحد من التابعين. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ : "تبكي السماء على عبد أصح الله جسمه، وأرحبَ جوفه، وأعطاه من الدنيا مقضمًا، فكان للناس ظلوما قال: فذلك العتل الزنيم" (٤). وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريقين مرسلين. ونصَّ عليه غير واحد من السلف منهم مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم أن العتل هو: المصحَّح الخلق، الشديد القوي في المأكل والمشرب، والمنكِّح وغير ذلك (٥). وأما الزنيم فقال البخاري: حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ قال: رجل من قريش له زنمة مثل زنمة (٦) الشاة (٧)؛ ومعنى هذا: أنه كان مشهورًا بالسوء كشهرة الشاة ذات الزنمة من بين أخواتها، وإنما الزنيم في لغة العرب هو الدَّعي في القوم قاله ابن جرير وغير واحد من الأئمة قال: ومنه قول حسان بن ثابت؛ يعني: يذم بعض كفار قريش: وأنت زنيم نيط في آل هاشم … كما نِيط خلف الراكب القَدَح الفرد (٨)

стр. 4344

وقال آخر: زنيم ليس يُعرفُ مَن أبوه … بغيُّ الأم ذو حسب لئيم (١) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا أسباط، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾ قال: الدعيّ الفاحش اللئيم (٢). ثم قال ابن عباس: زنيم تَداعاه الرجال زيادة … كما زيد في عَرضِ الأديم (٣) الأكارع (٤) (٥) وقال العوفي، عن ابن عباس: الزنيم: الدعيّ ويقال: الزنيم: رجل كانت به زنمة يعرف بها، ويقال هو: الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، وزعم أناس من بني زهرة أن الزنيم: الأسود بن عبد يغوث الزهري وليس به (٦). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه زعم أن الزنيم الملحق النسب (٧). وقال ابن أبي حاتم: حدثني يونس، حدثنا ابن وهب، حدثني سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول في هذه الآية ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ قال سعيد: هو الملصق بالقوم ليس منهم (٨). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عقبة بن خالد، عن عامر بن قدامة قال: سُئل عكرمة، عن الزنيم قال: هو ولد الزنا (٩). وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ قال: يعرف المؤمن من الكافر مثل الشاة الزنماء والزنماء من الشياه التي في عنقها هنتان معلقتان في حلقها. وقال الثوري، عن جابر، عن الحسن، عن سعيد بن جبير قال: الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها (١٠)، والزنيم الملصق. رواه ابن جرير (١١). وروى أيضًا من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في الزنيم: نعت فلم يعرف حتى قيل: زنيم قال: وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها (١٢).

стр. 4345

وقال آخرون: كان دعيًّا (١). وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن أصحاب التفسير قالوا: هو الذي تكون له زنمة الشاة (٢). وقال الضحاك: كانت له زنمة في أصل أذنه (٣). ويقال: هو اللئيم الملصق في النسب (٤). وقال أبو إسحاق: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: هو المريب الذي يعرف بالشر (٥). وقال مجاهد: الزنيم يُعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة (٦). وقال أبو رزين: الزنيم علامة الكفر (٧). وقال عكرمة: الزنيم الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها (٨). والأقوال في هذا كثيرة وترجع إلى ما قلناه وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر الذي يعرف به من بين الناس، وغالبًا ما يكون دعيًا ولد زنا فإنه في الغالب يتسلط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره كما جاء في الحديث: "لا يدخل الجنة ولد زنا" (٩). وفي الحديث الآخر: "ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه" (١٠). وقوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ يقول تعالى هذا مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين كفر بآيات الله وأعرض عنها، وزعم أنها كذب مأخوذ من أساطير الأولين كقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر] قال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر] وقال تعالى ههنا: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾. قال ابن جرير: سنبيِّن أمره بيانًا واضحًا حتى يعرفوه ولا يخفى عليهم كما لا تخفى عليهم السمة على الخراطيم (١١)، وهكذا قال قتادة: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ شين لا يفارقه

стр. 4346

آخر ما عليه (١). وفي رواية عنه: ﴿سَنَسِمُهُ﴾ سيما على أنفه (٢)، وكذا قال السدي. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ يقاتل يوم بدر فيخطم بالسيف في القتال. وقال آخرون: سنسمه سمة أهل النار؛ يعني: نسوِّد وجهه يوم القيامة وعبر عن الوجه بالخرطوم وحكى ذلك كله أبو جعفر ابن جرير (٣)، ومال إلى أنه لا مانع من اجتماع الجميع عليه في الدنيا والآخرة (٤)، وهو متجه. وقد قال ابن أبي حاتم في سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ]: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثني خالد بن سعيد، عن عبد الملك بن عبد الله، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن العبد يكتب مؤمنًا أحقابًا ثم أحقابًا ثم يموت والله عليه ساخط، وإن العبد يكتب كافرًا أحقابًا ثم أحقابًا ثم يموت والله عليه راضٍ، ومن مات همَّازًا لمَّازًا ملقبًا للناس كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم من كلا الشفتين" (٥). ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾. هذا مثل ضربه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة وأعطاهم من النعمة الجسيمة، وهو: بعثة محمد ﷺ إليهم، فقابلوه بالتكذيب والردِّ والمحاربة ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ أي: اختبرناهم ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ وهي: البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ أي: حلفوا فيما بينهم ليجذن ثمرها ليلًا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾ أي: فيما حلفوا به، ولهذا حنثهم الله في أيمانهم فقال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾ أي: أصابتها آفة سماوية فأصبحت كالصريم قال ابن عباس أي: كالليل الأسود (٦).

стр. 4347

وقال الثوري والسدي: مثل الزرع إذا حصد؛ أي: هشيمًا يبسًا. وقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن أحمد بن الصباح، أنبأنا بشر بن زاذان، عن عمر بن صبيح، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقًا قد كان هُيء له ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ قد حُرموا خير جنتهم بذنبهم" (١). ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)﴾ أي: لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضًا ليذهبوا إلى الجذاذ؛ أي: القطع ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢)﴾ أي: تريدون الصرام. قال مجاهد: كان حرثهم (٢) عنبًا ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣)﴾ أي: يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحدًا كلامهم ثم فسر الله عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به فقال تعالى: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣)﴾ ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾ أي: يقول بعضهم لبعض: لا تمكنوا اليوم فقيرًا يدخلها عليكم. قال الله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ أي: قوة وشدة. وقال مجاهد: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ أي: جد (٣). وقال عكرمة: على غيظ (٤). وقال الشعبي: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ على المساكين (٥). وقال السدي: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ أي: كان اسم قريتهم حرد، فأبعد السدي في قوله هذا. ﴿قَادِرِينَ﴾ أي: عليها فيما يزعمون ويرومون فلما رأوها قالوا: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ أي: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها وهي على الحالة التي قال الله قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مُدْلَهمَّة لا ينتفع بشيء منها، فاعتقدوا أنهم قد أخطأوا الطريق ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ أي: قد سلكنا إليها غير الطريق فتهنا عنها. قاله ابن عباس وغيره (٦)، ثم رجعوا عما كانوا فيه وتيقنوا أنها هي فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)﴾ أي: بل هي هذه ولكن نحن لا حظَّ لنا ولا نصيب ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومحمد بن كعب والربيع بن أنس والضحاك وقتادة: أي أعدلهم وخيرهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ (٧).

стр. 4348

قال مجاهد والسدي وابن جريج: ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ أي: لولا تستثنون (١). قال السدي: وكان استثناؤهم في ذلك الزمان: تسبيحًا. وقال ابن جرير: هو قول القائل: إن شاء الله (٢)، وقيل: معناه ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾ أي: فهلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩)﴾ أتوا بالطاعة حيث لا تنفع وندموا واعترفوا حيث لا ينجع ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩)﴾ ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠)﴾ أي: يلوم بعضهم بعضًا على ما كانوا أصروا عليه من نفع المساكين من حق الجذاذ، فما كان جواب بعضهم لبعض إلا الاعتراف بالخطيئة والذنب. ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١)﴾ أي: اعتدينا وبغينا وطغينا وجاوزنا الحد حتى أصابنا ما أصابنا ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ قيل: رغبوا في بذلها لهم في الدنيا وقيل: احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة، والله أعلم. ثم قد ذكر بعض السلف أن هؤلاء قد كانوا من أهل اليمن؛ قال سعيد بن جبير: كانوا من قرية يقال لها: "ضروان" على ستة أميال من صنعاء، وقيل: كانوا من أهل الحبشة، وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما يستغل منها يرد فيها ما تحتاج إليه ويدخر لعياله قوت سنتهم ويتصدق بالفاضل، فلما مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئًا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا، فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية رأس المال والربح والصدقة فلم يبق لهم شيء، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ أي: هكذا عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما أتاه الله وأنعم به عليه ومنع حق المسكين والفقير وذوي الحاجات وبدل نعمة الله كفرًا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم وعذاب الآخرة أشقّ. وقد ورد في حديث رواه الحافظ البيهقي من طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ نهى عن الجذاذ بالليل والحصاد بالليل (٣). ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾. لما ذكر تعالى حال أهل الجنة الدنيوية وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله وخالفوا أمره بيَّن أن لمن اتقاه وأطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم التي لا تبيد ولا تفرغ ولا ينقضي نعيمها.

стр. 4349

ثم قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ أي: أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء؟ كلا وربِّ الأرض والسماء ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ أي: كيف [تظنون] (١) ذلك؟ ثم قال: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨)﴾ يقول: أفبأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه بنقل الخلف عن السلف متضمن حكمًا مؤكدًا كما تدعونه ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨)﴾ ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩)﴾ أي: أمعكم عهود منا ومواثيق مؤكدة ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ أي: أنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾ أي: قل لهم من هو المتضمن المتكفل بهذا؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ أي: من الأصنام والأنداد ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾. لما ذكر تعالى أن للمتقين عند ربهم جنات النعيم بيّن متى ذلك كائن وواقع فقال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ يعني: يوم القيامة وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلاء والامتحان والأمور العظام. وقد قال البخاري ههنا: حدثنا آدم، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا" (٢). وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وفي غيرهما من طرق، وله ألفاظ وهو حديث طويل مشهور. وقد قال عبد الله بن المبارك، عن أُسامة بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: هو يوم القيامة يوم كرب وشدة. رواه ابن جرير (٣). ثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم، عن ابن مسعود أو ابن عباس - الشك من ابن جرير - ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: عن أمر عظيم كقول الشاعر: وقامت الحرب عن ساق (٤) وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: شدة الأمر (٥).

стр. 4350

وقال ابن عباس: هي أشد ساعة تكون في يوم القيامة. وقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: شدة الأمر وجده (١). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ هو: الأمر الشديد الفظيع من الهول يوم القيامة (٢). وقال العوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ يقول حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه (٣). وكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس أورد ذلك كله أبو جعفر بن جرير ثم قال: حدثني أبو زيد عمر بن شيبة، حدثنا هارون بن عمر المخزومي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو سعيد روح بن جناح، عن مولى لعمر بن عبد العزيز، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ يعني: عن نور عظيم يخرون له سجدًا (٤). ورواه أبو يعلى عن القاسم بن يحيى، عن الوليد بن مسلم به وفيه رجل مبهم (٥). والله أعلم. وقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: في الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدنيا، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، ولما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة إذا تجلى الرب فيسجد له المؤمنون ولا يستطيع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد بل يعود ظهر أحدهم طبقًا واحدًا، كلما أراد أحدهم أن يسجد خرَّ لقفاه عكس السجود كما كانوا في الدنيا، بخلاف ما عليه المؤمنون. ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن، وهذا تهديد شديد؛ أي: دعني وإياه مني ومنه أنا أعلم به كيف أستدرجه، وأمده في غيه، وانظره ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر ولهذا قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: وهم لا يشعرون بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة وهو في نفس الأمر إهانة كما قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون] وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام] ولهذا قال ههنا: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ أي: وأؤخرهم وانظرهم وأمدهم، وذلك من كيدي ومكري بهم ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: عظيم لمن خالف أمري، وكذب رسلي، واجترأ على معصيتي. وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ (٦) [هود] ".

стр. 4351

وقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾ تقدم تفسيرهما في سورة الطور (١)، والمعنى في ذلك أنك يا محمد تدعوهم إلى الله بلا أجر تأخذه منهم بل ترجو ثواب ذلك عند الله تعالى وهم يكذبون بما جئتهم به بمجرد الجهل والكفر والعناد. ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾. يقول تعالى: فاصبر يا محمد على قومك وتكذيبهم لك، فإن الله سيحكم لك عليهم ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ يعني: ذا النون وهو: يونس بن متى ﵇ حين ذهب مغاضبًا على قومه، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له وشرود الحوت به في البحار وظلمات غمرات اليم، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير الذي لا يردّ ما أنفذه من التقدير، فحينئذٍ نادى في الظلمات ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات]. وقال ههنا: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والسدي: وهو مغموم (٢). وقال عطاء الخراساني وأبو مالك: مكروب. وقد قدمنا في الحديث أنه لما قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ خرجت الكلمة تحفُّ حول العرش فقالت الملائكة: يا ربِّ هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة. فقال الله ﵎: أما تعرفون هذا؟ قالوا: لا. قال: هذا يونس. قالوا: يا ربِّ عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل صالح ودعوة مجابة. قال: نعم. قالوا: أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء، فتنجيه من البلاء؟ فأمر الله الحوت فألقاه بالعراء (٣) ولهذا قال تعالى فاجتباه ربه فجعله من الصالحين. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" (٤). ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري (٥). وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة (٦).

стр. 4352

وقوله: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ لينفذونك بأبصارهم (١)؛ أي: يعينونك بأبصارهم بمعنى: يحسدونك لبغضهم إياك لولا وقاية الله لك وحمايته إياك منهم. وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتاثيرها حق بأمر الله كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة. حديث أنس بن مالك ﵁: قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود العتكي، حدثنا شريح، ح وحدثنا العباس العنبري، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك، عن العباس بن ذَريح، عن الشعبي قال العباس: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم لا يرقأ" لم يذكر: العباس العين. وهذا لفظ سليمان (٢). حديث بُريدة بن الحصيب ﵁: قال أبو عبد الله ابن ماجه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر الرازي، عن حُصين، عن الشعبي، عن بُريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ : "لا رقية إلا من عين أو حُمَّة" (٣) هكذا رواه ابن ماجه. وقد أخرجه مسلم في صحيحه عن سعيد بن منصور، عن هشيم، عن حُصين بن عبد الرحمن، عن عامر الشعبي، عن بُريدة موقوفًا. وفيه قصة (٤)، وقد رواه شعبة، عن حصين، عن الشعبي، عن بُريدة قاله الترمذي (٥). وروى هذا الحديث الإمام البخاري من حديث محمد بن فضيل، وأبو داود من حديث مالك بن مغول، والترمذي من حديث سفيان بن عيينة، ثلاثتهم عن حصين، عن عامر الشعبي، عن عمران بن حصين موقوفًا (٦). حديث أبي ذر - جندب بن جنادة ﵁: قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، عن ابن البِرند السامي،

стр. 4353

حدثنا ديلم بن غزوان، حدثنا وهب بن أبي دبي، عن أبي حرب، عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العين لتولع الرجل بإذن الله، فيتصاعد حالقًا (١)، ثم يتردى منه". إسناد غريب ولم يخرجوه. حديث حابس التميمي: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حرب، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني حية بن حابس التميمي، أن أباه أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا شيء في الهام والعين حق، وأصدق الطيرة الفأل" (٢). وقد رواه الترمذي عن عمرو بن علي، عن أبي غسان يحيى بن كثير، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير به ثم قال: غريب. قال وروى شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن حابس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (٣). قلت: كذلك رواه الإمام أحمد، عن حسن بن موسى وحسين بن محمد، عن شيبان، عن حية حدثه، عن أبيه أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا بأس في الهام، والعين حق، وأصدق الطيرة الفأل" (٤). حديث ابن عباس ﵁: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن دويد، حدثني إسماعيل بن ثوبان، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "العين حق العين حق حتى تستنزل الحالق" (٥) غريب. طريق أخرى: قال مسلم في صحيحه: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين، وإذا اغتسلتم فاغسلوا" (٦) انفرد به دون البخاري. وقال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري، عن منصور، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يعوذ الحسن والحسين يقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة"،

стр. 4354

ويقول: "هكذا كان إبراهيم يعوِّذ إسحاق وإسماعيل ﵉" (١). أخرجه البخاري [وأهل السنن] (٢) من حديث المنهال به (٣). حديث أبي أُمامة أسعد بن سهل بن حنيف ﵁: قال ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي أُمامة أسعد بن سهل بن حنيف قال: مرَّ عامر بن ربيعة بسهل بن حنيف وهو يغتسل فقال: لم أرَ كاليوم ولا جلد مخبأة، فما لبث أن لُبطَ (٤) به، فأتي به رسول الله ﷺ فقيل له: أدرك [سهلًا صريعًا] (٥). قال: من تتهمون به؟ قالوا: عامر بن ربيعة. قال علامَ يقتل أحدكم أخاه إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه؟ فليدع له بالبركة ثم دعا بماء فأمر عامرًا أن يتوضأ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره، وأمره أن يصبَّ عليه، قال سفيان: قال معمر عن الزهري: وأمر أن يكفأ الإناء من خلفه (٦). وقد رواه النسائي من حديث سفيان بن عيينة ومالك بن أنس كلاهما عن الزهري به. ومن حديث سفيان بن عيينة به أيضًا عن معمر، عن الزهري، عن أبي أُمامة: ويكفأ الإناء من خلفه. ومن حديث ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي أُمامة أسعد بن سهل بن حنيف، عن أبيه به، ومن حديث مالك أيضًا عن محمد بن أبي أُمامة بن سهل، عن أبيه به (٧). حديث أبي سعيد الخدري: قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: "كان رسول الله ﷺ يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك (٨). ورواه الترمذي والنسائي من حديث سعيد بن إياس أبي مسعود الجريري به. وقال الترمذي حسن (٩). حديث آخر عنه: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثني عبد العزيز بن صهيب، حدثني أبو نضرة، عن أبي سعيد أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: "اشتكيت يا محمد". قال: "نعم". قال: "بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين يشفيك،

стр. 4355

بسم الله أرقيك" (١). ورواه عن عفان، عن عبد الوارث مثله (٢). ورواه مسلم وأهل السنن إلا أبا داود من حديث عبد الوارث (٣) به. وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أو جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ اشتكى، فأتاه جبريل فقال: "بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من كل حاسد وعين الله يشفيك" (٤) ورواه أيضًا عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، عن داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد به (٥). قال أبو زُرعة الرازي: روى عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن عبد العزيز، عن أنس في معناه. وكلاهما صحيح. حديث أبي هريرة ﵁: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إن العين حق" (٦) أخرجاه من حديث عبد الرزاق (٧). وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل بن علية، عن الجريري، عن مضارب بن حزن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "العين حق" (٨) تفرد به، ورواه أحمد، عن إسماعيل بن علية، عن سعيد الجريري (٩) به. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا ثور يعني: ابن يزيد، عن مكحول، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "العين حق، ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم" (١٠). وقال أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس سئل أبو هريرة هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: الطيرة في ثلاث في المسكن والفرس والمرأة؟ قال: قلت إذا أقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أصدق الطيرة الفأل، والعين حق" (١١).

стр. 4356

حديث أسماء بنت عميس: قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عُبيد بن رفاعة الزرقي قال: قالت أسماء: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين، أفأسترقي لهم؟ قال: "نعم". فلو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين (١). وكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة به (٢)، ورواه الترمذي أيضًا والنسائي من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عروة بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة، عن أسماء بنت عميس به. وقال الترمذي: حسن صحيح (٣). حديث عائشة ﵂: قال ابن ماجه: حدثنا علي بن أبي الحصيب، حدثنا وكيع، عن سفيان ومسعر، عن معبد بن خالد، عن عبد الله بن شداد، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمرها أن تسترقي من العين (٤). ورواه البخاري، عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن معبد بن خالد به (٥). وأخرجه مسلم من حديث سفيان ومسعر كلاهما عن معبد به (٦). ثم قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو هشام المخزومي، حدثنا وهيب، عن أبي واقد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "استعيذوا بالله، فإن العين حق" (٧). تفرد به. وقال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان يؤمر العائن فيتوضأ ويغسل منه المعين" (٨). قلت: كذلك رواه أحمد، عن حسن بن موسى وحسين بن محمد، عن سنان، أن ابن حيَّة حدثه، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا [بأس في] (٩) الهام، والعين حق، وأصدق الطيرة الفأل".

стр. 4357

حديث سهل بن حنيف: قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو أويس، حدثنا الزهري، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدثه أن رسول الله ﷺ خرج وساروا معه نحو مكة حتى إذا كانوا بشعب الخرَار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف، وكان رجلًا أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي بن كعب وهو يغتسل فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة فلُبِط سهل، فأتي رسول الله ﷺ فقيل له: يا رسول الله هل لك في سهل؟ والله ما يرفع رأسه ولا يفيق. قال: هل تتهمون فيه من أحد؟ قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة، فدعا رسول الله ﷺ عامرًا فتغيظ عليه، وقال علَام يقتل أحدكم أخاه هلّا إذا رأيت ما يعجبك بركت؟ ثم قال: اغتسل له فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صبَّ ذلك الماء عليه فصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه ثم يكفأ القدح وراءه، ففعل ذلك فراح سهل مع الناس ليس به بأس (١). حديث عامر بن ربيعة: قال الإمام أحمد في مسند عامر: حدثنا وكيع، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن عيسى، عن أُمية بن هند بن سهل بن حنيف، عن عبد الله بن عامر قال: انطلق عامر بن ربيعة وسهل بن حنيف يريدان الغسل قال: فانطلقا يلتمسان الخمر قال: فوضع عامر جبة كانت عليه من صوف فنظرتُ إليه فأصبتُه بعيني، فنزل الماء ليغتسل قال: فسمعت له في الماء فرقعة فناديته ثلاثًا، فلم يجبني، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته قال: فجاء يمشي فخاض الماء، فكأني أنظر إلى بياض ساقيه قال: فضرب صدره بيده ثم قال: اللَّهم اصرف عنه حرَّها وبردها ووصبها، قال: فقام فقال رسول الله ﷺ : "إذا رأى أحدكم من أخيه أو من نفسه أو من ماله ما يعجبه فليبرك، فإن العين حق" (٢). حديث جابر: قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو داود، حدثنا طالب بن حبيب بن عمرو بن سهل الأنصاري - ويقال له: ابن الضجيع ضجيع حمزة ﵁، حدثني عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدره بالأنفس" قال البزار يعني: العين. قال: ولا نعلم يروي هذا الحديث عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد (٣). قلت: بل قد روي من وجه آخر عن جابر قال الحافظ أبو عبد الرحمن محمد بن المنذر الهروي المعروف"بشَكَّر" في كتاب "العجائب" وهو مشتمل على فوائد جليلة وغريبة: حدثنا الرهاوي، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا علي بن أبي علي الهاشمي، حدثنا محمد بن المنكدر،

стр. 4358

عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: "العين حق لتُورِد الرجل القبر والجَمل القِدر، وإن أكثر هلاك أمتي في العين" (١). ثم رواه عن شعيب بن أيوب، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "قد تدخل الرجل العين في القبر، وتدخل الجَمل القِدر" (٢) وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات ولم يخرجوه. حديث عبد الله بن عمرو: قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا رشدين بن سعد، عن الحسن بن ثوبان، عن هشام بن أبي رقية، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا حسد، والعين حق" (٣). تفرد به أحمد. حديث عن علي: روى الحافظ ابن عساكر من طريق خيثمة بن سليمان الحافظ، حدثنا عبيد بن محمد الكشوري، حدثنا عبد الله بن عبد الله بن عبد ربه البصري، عن أبي رجاء، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، [عن علي] (٤) ﵁ أن جبريل أتى النبي ﷺ فوافقه مغتمًا فقال: يا محمد ما هذا الغمّ الذي أراه في وجهك؟ قال الحسن والحسين أصابتهما عين. قال: صدق بالعين، فإن العين حق أفلا عوذتهما بهؤلاء الكلمات قال: وما هن يا جبريل؟ قال: قل اللَّهم ذا السلطان العظيم [والمن] (٥) القديم ذا الوجه الكريم ولي الكلمات التامات والدعوات المستجابات عاف الحسن والحسين من أنفس الجن وأعين الإنس، فقالها النبي ﷺ فقاما يلعبان بين يديه، فقال النبي ﷺ : "عوذوا أنفسكم ونسائكم وأولادكم بهذا التعويذ فإنه لم يتعوذ المتعوذون بمثله" (٦). قال الخطيب البغدادي: تفرد بروايته أبو رجاء محمد بن عبد الله الحيطي من أهل تُستَر، ذكره ابن عساكر في ترجمة طراد بن الحسين من تاريخه. وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: يزدرونه بأعينهم ويؤذونه بألسنتهم ويقولون: ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: لمجيئه بالقرآن. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾. آخر تفسير سورة نون، ولله الحمد والمنة، وصلواته وسلامه على خير خلقه محمد وآله وصحبه.

стр. 4359

سُوْرَةُ الحَاقَّةِ وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾. ﴿الْحَاقَّةُ﴾ من أسماء يوم القيامة (١)؛ لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد، ولهذا عظم الله أمرها فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ ثم ذكر تعالى إهلاكه الأمم المكذبين بها فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ وهي الصيحة التي أسكتتهم والزلزلة التي أسكنتهم، هكذا قال قتادة الطاغية: الصيحة (٢)، وهو اختيار ابن جرير. وقال مجاهد: الطاغية: الذنوب (٣)، وكذا قال الربيع بن أنس وابن زيد إنها الطغيان، وقرأ ابن زيد ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾ (٤) [الشمس]. وقال السدي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ قال: يعني عاقر الناقة. ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أي: باردة. قال قتادة والسدي والربيع بن أنس والثوري: ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أي: شديدة الهبوب (٥). قال قتادة: عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. وقال الضحاك: ﴿صَرْصَرٍ﴾ باردة ﴿عَاتِيَةٍ﴾ عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة (٦).

стр. 4360

وقال علي وغيره: عتت على الخَزنَة (١) فخرجت بغير حساب (٢). ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: سلطها عليهم ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة والثوري وغيرهم: ﴿حُسُومًا﴾ متتابعات (٣). وعن عكرمة والربيع بن خثيم: مشائيم عليهم كقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]. قال الربيع: وكان أولها الجمعة (٤). وقال غيره: الأربعاء، ويقال: إنها التي تسميها الناس الأعجاز، وكأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وقيل: لأنها تكون في عجز الشتاء، ويقال: أيام العجوز لأن عجوزًا من قوم عاد دخلت سربًا فقتلها الريح في اليوم الثامن، حكاه البغوي (٥)، والله أعلم. قال ابن عباس: ﴿خَاوِيَةٍ﴾ خربة (٦)، وقال غيره: بالية؛ أي: جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض فيخر ميتًا على أُمِّ رأسه، فينشدخ رأسه وتبقى جثته هامدة كأنها قائمة النخلة إذا خرَّت بلا أغصان. وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" (٧). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس العبدي، حدثنا ابن فضيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما فتح الله على عاد من الريح التي هلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم، فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم فجعلتهم بين السماء والأرض، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها قالوا: هذا عارض ممطرنا، فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة" (٨). وقال الثوري: عن ليث، عن مجاهد: الريح لها جناحان وذَنَب (٩). ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ أي: هل تحسُّ منهم من أحد من بقاياهم أو ممن ينتسب إليهم بل بادوا عن آخرهم ولم يجعل الله لهم خلفًا. ثم قال تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قُرئ (١٠) بكسر القاف؛ أي: ومن عنده ممن في زمانه من

стр. 4361

أتباعه من كفار القبط، وقرأ آخرون بفتحها (١)؛ أي: ومن قبله من الأُمم المشبهين له. وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وهم الأُمم المكذبون بالرسل ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ بالفعلة الخاطئة وهي التكذيب بما أنزل الله. قال الربيع: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أي: بالمعصية. وقال مجاهد: بالخطايا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا جنس؛ أي: كُلّ كذَّب رسول الله إليهم كما قال تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] ومن كذب برسول فقد كذب بالجميع كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء] ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الشعراء]، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾ [الشعراء]، وإنما جاء إلى كل أُمة رسول واحد ولهذا قال ههنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)﴾ أي: عظيمة شديدة أليمة. قال مجاهد: ﴿رَابِيَةً﴾: شديدة (٢). وقال السدي: مهلكة. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أي: زاد على الحد بإذن الله وارتفع على الوجود. وقال ابن عباس وغيره: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾: كَثُر (٣)، وذلك بسبب دعوة نوح ﵇ على قومه حين كذبوه وخالفوه، فعبدوا غير الله فاستجاب الله له، وعمَّ أهل الأرض بالطوفان إلا من كان مع نوح في السفينة، فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن غير واحد، عن علي بن أبي طالب قال: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك، فلما كان يوم نوح أذِن للماء دون الخُزَّان (٤)، فطغى الماء على الخُزَّان، فخرج فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ أي: زاد على الحدِّ بإذن الله ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك إلا يوم عاد فإنه أذن لها دون الخُزَّان فخرجت، فذلك قوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ أي: عتت على الخُزَّان (٥)، ولهذا قال تعالى ممتنًا على الناس: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ وهي السفينة الجارية على وجه الماء ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عاد الضمير على الجنس لدلالة المعني عليه؛ أي: وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف]، وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ [يس] وقال قتادة: أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأُمة (٦)، والأول أظهر ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أي: وتفهم هذه النعمة وتذكرها أُذن واعية.

стр. 4362

قال ابن عباس: حافظة (١)، سامعة (٢). وقال قتادة: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله (٣). وقال الضحاك: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ سمعتها أذن ووعت (٤)؛ أي: من له سمع صحيح وعقل رجيح، وهذا عام في كل من فهم ووعى (٥). وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد بن صبيح الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى، حدثنا علي بن حوشب: سمعت مكحولًا يقول: لما نزل على رسول الله ﷺ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ قال رسول الله ﷺ : "سألت ربي أن يجعلها أذن علي" (٦). قال مكحول: فكان علي يقول: ما سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا قط فنسيته، وهكذا رواه ابن جرير، عن علي بن سهل، عن الوليد بن مسلم، عن علي بن حوشب، عن مكحول به، وهو حديث مرسل. وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا جعفر بن محمد بن عامر، حدثنا بشر بن آدم، حدثنا عبد الله بن الزبير أبو محمد يعني: والد أبي أحمد الزبيري، حدثني صالح بن الهيثم: سمعت بُريدة الأسلمي يقول: قال رسول الله ﷺ لعلي: "إني أُمرت أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي، وحُقَّ لك أن تعي" قال: فنزلت هذه الآية ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (٧). ورواه ابن جرير، عن محمد بن خلف، عن بشر بن آدم به. ثم رواه ابن جرير من طريق آخر عن أبي داود الأعمى، عن بُريدة به، ولا يصح أيضًا. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن أهوال يوم القيامة وأول ذلك نفخة الفزع ثم يعقبها نفخة الصعق حين يصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين والبعث والنشور وهي هذه النفخة، وقد أكدها ههنا بأنها واحدة لأن أمر الله لا يخالف ولا يمانع ولا يحتاج إلى تكرار ولا تأكيد (٨).

стр. 4363

وقال الربيع: هي النفخة الأخيرة. والظاهر ما قلناه، ولهذا قال ههنا: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ أي: فمدت مد الأديم العكاظي، وتبدلت الأرض غير الأرض ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾ أي: قامت القيامة ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ قال سماك: عن شيخ من بني أسد، عن علي قال: تنشق السماء من المجرة (١)، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جريج: هي كقوله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾ (٢) [النبأ]. وقال ابن عباس: متخرقة والعرش بحذائها (٣) ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ الملك اسم جنس؛ أي: الملائكة على أرجاء السماء. قال ابن عباس: على ما لم يَهِ منها؛ أي: حافاتها (٤)، وكذا قال سعيد بن جبير والأوزاعي (٥). وقال الضحاك: أطرافها. وقال الحسن البصري: أبوابها. وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾: يقول: على ما استدق من السماء ينظرون إلى أهل الأرض (٦). وقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أي: يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة، ويحتمل أن يكون المراد بهذا العرش العظيم أو العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله أعلم بالصواب. وفي حديث عبد الله بن [عميرة] (٧)، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب في ذكر حملة العرش أنهم ثمانية أوعال (٨). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو السمح البصري، حدثنا أبو قبيل حيي بن هانئ أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: حملة العرش ثمانية ما بين موق أحدهم إلى مؤخر عينه مسيرة مائة عام (٩). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: كتب إليَّ أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش بعد ما بين شحمة أذنه وعنقه بخفق الطير سبعمائة عام" (١٠) وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات، وقد رواه أبو داود في

стр. 4364

كتاب السنة من سننه، حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" هذا لفظ أبي داود (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: ثمانية صفوف من الملائكة (٢). قال: وروي عن الشعبي وعكرمة والضحاك وابن جريج مثل ذلك، وكذا روى السدي، عن [أبي] (٣) مالك، عن ابن عباس: ثمانية صفوف (٤)، وكذا روى العوفي عنه (٥). وقال الضحاك، عن ابن عباس: الكروبيون ثمانية أجزاء كل جزء منهم بعدة الإنس والجن والشياطين والملائكة (٦). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ أي: تعرضون على عالم السر والنجوى الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ وقد قال ابن أبي الدنيا: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ (٧). وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا علي بن رفاعة، عن الحسن، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله" (٨). ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع به (٩). وقد رواه الترمذي، عن أبي كريب، عن علي بن

стр. 4365

علي، عن الحسن، عن أبي هريرة به (١). وقد روى ابن جرير، عن مجاهد بن موسى، عن يزيد، عن سليمان بن حيان، عن مروان الأصغر، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان معاذير وخصومات، والعرضة الثالثة تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله (٢)، ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مرسلًا مثله. ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾. يخبر تعالى عن سعادة من يؤتى كتابه يوم القيامة بيمينه وفرحه بذلك، وأنه من شدة فرحه يقول لكل من لقيه: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أي: خذوا اقرؤوا كتابيه لأنه يعلم أن الذي فيه خير وحسنات محضة، لأنه ممن بدل الله سيئاته حسنات (٣). قال عبد الرحمن بن زيد: معنى ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ أي: هاقرؤوا كتابيه و"أُم" زائدة كذا قال (٤)، والظاهر أنها بمعنى: هاكم. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا بشر بن مطر الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان قال: المؤمن يعطى كتابه بيمينه في ستر من الله فيقرأ سيئاته، فكلما قرأ سيئة تغير لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع إليه لونه. ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات، قال: فعند ذلك يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٥). وحدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا موسى بن عبيدة، أخبرني عبد الله بن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: إن الله يوقف عبده يوم القيامة فيبدي؛ أي: يظهر سيئاته في ظهر صحيفته، فيقول له: أنت عملت هذا؟ فيقول: نعم أي ربّ، فيقول له: إني لم أفضحك به، وإني قد غفرت لك. فيقول عند ذلك: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ حين نجا من فضيحته يوم القيامة (٦). وقد تقدم في الصحيح حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدني الله العبد يوم القيامة فيقرره بذنوبه كلها حتى إذا رأى أنه قد هلك، قال الله تعالى أني

стр. 4366

سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] " (١). وقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ أي: قد كنت موقنًا في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة كما قال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] قال الله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ أي: مرضية ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾ أي: رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم [حبورها] (٢). قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عتبة الحسن بن علي بن مسلم السكوني، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود قال: سمعت أبا أُمامة قال: سأل رجل رسول الله ﷺ : هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: "نعم إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى فيحيونهم ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين تقصر بهم أعمالهم" (٣). وقد ثبت في الصحيح: "إن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض" (٤). وقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ قال البراء بن عازب: أي: قريبة يتناولها أحدهم وهو نائم على سريره (٥)، وكذا قال غير واحد. قال الطبراني، عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عطاء بن يسار، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية" (٦). وكذا رواه الضياء في صفة الجنة من طريق سعدان بن سعيد، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، عن رسول الله ﷺ قال: "يعطى المؤمن جوازًا على الصراط: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية" (٧). وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ أي: يقال لهم ذلك تفضلًا عليهم وامتنانًا وإنعامًا وإحسانًا، وإلا فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اعملوا وسددوا وقاربوا، واعلموا أن أحدًا منكم لن يدخله عمله الجنة" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟

стр. 4367

قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" (١). ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾. وهذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم كتابه في العرصات بشماله، فحينئذٍ يندم غاية الندم ﴿فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ قال الضحاك: يعني موتة لا حياة بعدها (٢)، وكذا قال محمد بن كعب والربيع والسدي. وقال قتادة: تمنى الموت ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه (٣) ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ أي: لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذاب الله وبأسه، بل خلص الأمر إلي وحدي فلا معين لي ولا مجير، فعندها يقول الله : ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾ أي: يأمر الزبانية أن تأخذه عنفًا من المحشر فتغله؛ أي: تضع الأغلال في عنقه ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها؛ أي: تغمره فيها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن عمرو بن قيس، عن المنهال بن عمرو قال: إذا قال الله تعالى خذوه ابتدره سبعون ألف ملك، إن الملك منهم ليقول هكذا فيلقي سبعين ألفًا في النار (٤). وروى ابن أبي الدنيا في الأهوال أنه يبتدره أربعمائة ألف ولا يبقى شيء إلا دقه، فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: إن الربَّ عليك غضبان، فكل شيء غضبان عليك. وقال الفضيل بن عياض: إذا قال الربُّ : ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠)﴾ ابتدره سبعون ألف ملك أيهم يجعل الغل في عنقه ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾ أي: اغمروه فيها (٥). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ قال كعب الأحبار: كل حلقة منها قدر حديد الدنيا (٦). وقال العوفي، عن ابن عباس وابن جريج: بذراع الملِك (٧). وقال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تدخل في أسته ثم تخرج من فيه، ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يُشوى (٨).

стр. 4368

وقال العوفي، عن ابن عباس: يسلك في دبره حتى يخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى جمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفًا الليل والنهار قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها" (٢). وأخرجه الترمذي، عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك به، وقال: هذا حديث حسن (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ أي: لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم، فإن لله على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئًا، وللعباد بعضهم على بعض حق الإحسان والمعاونة على البر والتقوى، ولهذا أمر الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقبض النبي ﷺ وهو يقول: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ أي: ليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله تعالى لا حميم وهو القريب، ولا شفيع يطاع، ولا طعام له ههنا إلا من غسلين. قال قتادة: هو شر طعام أهل النار (٥). وقال الربيع والضحاك: هو شجرة في جهنم (٦). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا أبو سعيد المؤدب، عن خُصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: ما أدري ما الغسلين؟ ولكني أظنه الزقوم (٧). وقال شبيب بن بشر: عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الغِسلين: الدم والماء يسيل من لحومهم (٨). وقال علي بن أبي طلحة عنه: الغِسلين: صديد أهل النار.

стр. 4369

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾. يقول تعالى مقسمًا لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم (١): إن القرآن كلامه ووحيه وتنزيله على عبده ورسوله الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة فقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾ يعني: محمدًا ﷺ ، أضافه إليه على معنى التبليغ؛ لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكي ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ وهذا جبريل ﵇، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ يعني: أن محمدًا رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ أي: بمتهم، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥)﴾ [التكوير] وهكذا قال ههنا: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾ فأضافه الله تارة إلى قول الرسول الملكي وتارة إلى الرسول البشري؛ لأن كلًا منهما مبلغ عن الله ما استأمنه عليه من وحيه وكلامه، ولهذا قال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا شريح بن عُبيد قال: قال عمر بن الخطاب: خرجت أتعرض رسول الله ﷺ قبل أن أُسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال، فقرأ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ قال: فقلت كاهن، قال: فقرأ ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ إلى آخر السورة قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع (٢). فهذا من جملة الأسباب التي جعلها الله تعالى مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب ﵁، كما أوردنا كيفية إسلامه في سيرته المفردة، ولله الحمد. ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾. يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أي: محمد ﷺ لو كان كما يزعمون مفتريًا علينا فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئًا من عنده فنسبه إلينا وليس كذلك لعاجلناه بالعقوبة، ولهذا قال تعالى:

стр. 4370

﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ قيل: معناه: لانتقمنا منه باليمين لأنها أشد في البطش، وقيل: لأخذنا منه بيمينه ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ قال ابن عباس: وهو نياط القلب (١). وهو العرق الذي القلب معلق فيه، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحكم وقتادة والضحاك، ومسلم البطين وأبو صخر حميد بن زياد (٢). وقال محمد بن كعب: هو: القلب ومراقه وما يليه. وقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ أي: فما يقدر أحد منكم أن يحجز بيننا وبينه إذا أردنا به شيئًا من ذلك. والمعنى في هذا بل هو صادق بار راشد لأن الله مقرر له ما يبلغه عنه ومؤيد له بالمعجزات الباهرات والدلالات القاطعات. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ يعني: القرآن كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ أي: مع هذا البيان والوضوح سيوجد منكم من يكذب بالقرآن. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾. قال ابن جرير: وإن التكذيب لحسرة على الكافرين يوم القيامة (٣). وحكاه عن قتادة بمثله (٤). وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي، عن أبي مالك ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ يقول: لندامة (٥)، ويحتمل عود الضمير على القرآن؛ أي: وإن القرآن والإيمان به لحسرة في نفس الأمر على الكافرين كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشعراء] وقال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] ولهذا قال ههنا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾ أي: الخبر الصادق الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ولا ريب، ثم قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾ أي: الذي أنزل هذا القرآن العظيم. آخر تفسير سورة الحاقة، ولله الحمد.

стр. 4371

سُوْرَةُ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾. ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ فيه تضمين دلَّ عليه حرف الباء كأنه مقدر: استعجل سائل بعذاب واقع كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧] أي: وعذابه واقع لا محالة. قال النسائي: حدثنا بشر بن خالد، حدثنا أبو أسامة، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ قال: النضر بن الحارث بن كِلدة (١). وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ قال: "ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله" وهو واقع بهم (٢)، قال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ دعا داع بعذاب واقع يقع في الآخرة، قال: وهو قولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) [الأنفال: ٣٢] وقال ابن زيد وغيره: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ أي: وادٍ في جهنم يسيل يوم القيامة بالعذاب (٤). وهذا القول ضعيف بعيد عن المراد، والصحيح الأول لدلالة السياق عليه. وقوله تعالى: ﴿وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: مرصد معد للكافرين. وقال ابن عباس: ﴿وَاقِعٍ﴾: جاءٍ. ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ أي: لا دافع له إذا أراد الله كونه ولهذا قال تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾. قال الثوري، عن الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى:

стр. 4372

﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ قال: ذو الدرجات (١)، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ يعني: العلو والفواضل (٢). وقال مجاهد: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ معارج السماء (٣). وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم (٤). وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة: ﴿تَعْرُجُ﴾ تصعد. وأما الروح فقال أبو صالح: هم خلق من خلق الله يشبهون الناس وليسوا ناسًا. قلت: ويحتمل أن يكون المراد به: جبريل، ويكون من باب عطف الخاص على العام، ويحتمل أن يكون اسم جنس لأرواح بني آدم، فإنها إذا قبضت يصعد بها إلى السماء كما دل عليه حديث البراء (٥)، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث المنهال، عن زاذان، عن البراء مرفوعًا الحديث بطوله في قبض الروح الطيبة قال فيه: "فلا يزال يصعد بها من سماء إلى سماء حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله" (٦) والله أعلم بصحته، فقد تكلم في بعض رواته ولكنه مشهور، وله شاهد في حديث أبي هريرة فيما تقدم من رواية الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من طريق ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار عنه، وهذا إسناد رجاله على شرط الجماعة، وقد بسطنا لفظه عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم]. وقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فيه أربعة أقوال: أحدها: أن المراد بذلك مسافة ما بين العرش العظيم إلى أسفل السافلين، وهو قرار الأرض السابعة، وذلك مسيرة خمسين ألف سنة، هذا ارتفاع العرش عن المركز الذي في وسط الأرض السابعة، وكذلك اتساع العرش من قطر إلى قطر مسيرة خمسين ألف سنة، وإنه من ياقوتة حمراء (٧) كما ذكره ابن أبي شيبة في كتاب "صفة العرش". وقد قال ابن أبي حاتم عند هذه الآية: حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا حكام، عن عمر بن معروف، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السموات خمسين ألف سنة.

стр. 4373

﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] يعني: بذلك حين ينزل الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء والأرض مقدار مسيرة خمسمائة عام (١). وقد رواه ابن جرير، عن ابن حميد، عن حكام بن سالم، عن عمر بن معروف، عن ليث، عن مجاهد قوله، لم يذكر ابن عباس (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا نوح المؤدب، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس قال: غلظ كل أرض خمسمائة عام، وبين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، فذلك سبعة آلاف عام، وغلظ كل سماء خمسمائة عام وبين السماء إلى السماء خمسمائة عام، فذلك أربعة ألف عام، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام، فذلك قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٣). القول الثاني: أن المراد بذلك مدة بقاء الدنيا منذ خلق الله هذا العالم إلى قيام الساعة، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، أخبرنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: الدنيا عمرها خمسون ألف سنة، وذلك عمرها يوم سماها الله : يومًا ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ﴾ قال: اليوم الدنيا (٤). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وعن الحكم بن أبان، عن عكرمة: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: الدنيا من أولها إلى آخرها مقدار خمسين ألف سنة لا يدري أحد كم مضى؟ ولا كم بقي؟ إلا الله (٥). القول الثالث: أنه اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة وهو قول غريب جدًا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا بهلول بن المورق، حدثنا موسى بن عبيدة، أخبرني محمد بن كعب: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو يوم الفصل بين الدنيا والآخرة (٦). القول الرابع: أن المراد بذلك يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: يوم القيامة (٧). وإسناده صحيح، ورواه الثوري عن

стр. 4374

سماك بن حرب، عكرمة ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يوم القيامة (١)، وكذا قال الضحاك وابن زيد (٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ قال: [هو] (٣) يوم القيامة جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة (٤). وقد وردت أحاديث في معنى ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال: قيل لرسول الله ﷺ : ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطول هذا اليوم! فقال رسول الله: "والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا" (٥). ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج به (٦)، إلا أن دراجًا وشيخه أبا الهيثم ضعيفان، والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي عمر الغُداني قال: كنت عند أبي هريرة فمرَّ رجل من بني عامر بن صعصعة فقيل له: هذا أكثر عامري مالًا، فقال أبو هريرة، ردُّوه إليَّ فردُّوه فقال: نُبئت أنك ذو مال كثير. فقال العامري: إي والله إن لي لمائة حمرًا، ومائة أدمًا حتى عدَّ من ألوان الإبل وأفنان الرقيق ورباط الخيل، فقال أبو هريرة: إياك وأخفاف الإبل وأظلاف النعم، يردد ذلك عليه حتى جعل لون العامري يتغير فقال: ما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كانت له إبل لا يعطي حقها في نجدتها (٧) ورسلها" (٨) قلنا: يا رسول الله ما نجدتها ورسلها؟ قال: "في عسرها ويسرها فإنها تأتي يوم القيامة كأغَذَّ (٩) ما كانت وأكثره وأسمنه وآشره، ثم يبطح لها بقاع قرقر (١٠) فتطؤه بأخفافها، فإذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله، وإذا كانت له بقر لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذّ ما كانت وأكثره وأسمنه وآشره، ثم يبطح لها بقاع قرقر فتطؤه كل ذات ظلف بظلفها وتنطحه كل ذات قرن بقرنها، ليس فيها عقصاء ولا عضباء، إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله، وإذا كانت له غنم لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها فإنها تأتي يوم القيامة كأغذّ ما كانت وأسمنه وآشره حتى يبطح لها بقاع قرقر فتطؤه كل ذات ظلف بظلفها وتنطحه كل ذات قرن بقرنها، ليس فيها عقصاء (١١) ولا

стр. 4375

عضباء (١) إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله" فقال العامري: وما حق الإبل يا أبا هريرة؟ قال: أن تعطي الكريمة، وتمنح الغزيرة (٢) وتفقر الظهر (٣)، وتسقي الإبل وتطرق الفحل (٤). وقد رواه أبو داود من حديث شعبة، والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة به (٥). طريق أخرى لهذا الحديث: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلا جعل صفائح يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار". وذكر بقية الحديث في الغنم والإبل كما تقدم، وفيه: "الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر" إلى آخره (٦)، ورواه مسلم في صحيحه بتمامه منفردًا به دون البخاري من حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة (٧). وموضع استقصاء طرقه وألفاظه في كتاب الزكاة من كتاب الأحكام، والغرض من إيراده ههنا قوله: "حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة". وقد روى ابن جرير، عن يعقوب، عن ابن علية وعبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس، عن قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ قال: فاتهمه، فقال: إنما سألتك لتحدثني، قال: هما يومان ذكرهما الله، والله أعلم بهما، وأكره أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم (٨). وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ أي: اصبر يا محمد على تكذيب قومك لك واستعجالهم العذاب استبعادًا لوقوعه كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] ولهذا قال ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦)﴾ أي: وقوع العذاب. وقيام الساعة يراه الكفرة بعيد الوقوع بمعنى مستحيل الوقوع ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ أي: المؤمنون يعتقدون كونه قريبًا، وإن كان له أمد لا يعلمه إلا الله ، لكن كل ما هو آت فهو قريب وواقع لا محالة.

стр. 4376

﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾. يقول تعالى العذاب واقع بالكافرين: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وغير واحد: أي: كدردي الزيت (١) ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾ أي: كالصوف المنفوش، قاله مجاهد وقتادة والسدي (٢)، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: لا يسأل القريب قريبه عن حاله وهو يراه في أسوأ الأحوال فتشغله نفسه عن غيره. قال العوفي، عن ابن عباس: يعرف بعضهم بعضًا ويتعارفون بينهم ثم يفر بعضهم من بعض بعد ذلك يقول الله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ (٣) [عبس]. وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣] وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] وكقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون] وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس]. وقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا﴾ أي: لا يقبل منه فداء ولو جاء بأهل الأرض وبأعزِّ ما يجده من المال ولو بملء الأرض ذهبًا، أو من ولده الذي كان في الدنيا حشاشة كبده يودّ يوم القيامة إذا رأى الأهوال أن يفتدي من عذاب الله به ولا يقبل منه. قال مجاهد والسدي: ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ قبيلته وعشيرته (٤). وقال عكرمة: فخذه الذي هو منهم. وقال أشهب، عن مالك: فصيلته: أُمه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَظَى﴾ النار وشدة حرها ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ قال ابن عباس ومجاهد: جلدة الرأس (٥).

стр. 4377

وقال العوفي، عن ابن عباس ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ الجلود والهام (١). وقال مجاهد: ما دون العظم من اللحم (٢). وقال سعيد بن جبير: للعصب والعقب. وقال أبو صالح: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ يعني: أطراف اليدين والرجلين، وقال أيضًا ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ لحم الساقين (٣). وقال الحسن البصري وثابت البناني: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ أي: مكارم وجهه. وقال الحسن أيضًا: تحرق كل شيء فيه ويبقى فؤاده يصيح (٤). وقال قتادة ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ أي: نزاعة لهامته ومكارم وجهه وخلقه وأطرافه (٥). وقال الضحاك: تبري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئًا (٦). وقال ابن زيد: "الشوى": الأراب العظام (٧)، فقوله: "نزاعة" قال: تقطع عظامهم ثم تبَّدل جلودهم وخلقهم. وقوله تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ أي: تدعو النار إليها أبناءها الذين خلقهم الله لها، وقدَّر لهم أنهم في الدار الدنيا يعملون عملها، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق ذَلِق ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر كما يلتقط الطير الحبّ، وذلك أنهم كما قال الله : كانوا ممن ﴿أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ أي: كذب بقلبه وترك العمل بجوارحه ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ أي: جمع المال بعضه على بعض فأوعاه؛ أي: أوكاه ومنع حق الله منه من الواجب عليه في النفقات ومن إخراج الزكاة، وقد ورد في الحديث: "لا توعي فيوعي الله عليك" (٨). وكان عبد الله بن عكيم لا يربط له كيسًا ويقول: سمعت الله يقول: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾. وقال الحسن البصري: يا ابن آدم سمعت وعيد الله ثم أوعيت الدنيا (٩). وقال قتادة في قوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ قال: كان جموعًا [قمومًا] (١٠) [للخبيث] (١١).

стр. 4378

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ ثم فسره بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠)﴾ أي: إذا مسّه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ أي: إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله تعالى فيها. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن علي بن رباح، سمعت أبي يحدث عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "شر ما في رجل: شح هالع وجبن خالع" (١). ورواه أبو داود، عن عبد الله بن الجراح، عن أبي عبد الرحمن المقري به (٢). وليس لعبد العزيز عنده [سواه] (٣). ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ أي: الإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم، إلا من عصمه الله ووفقه وهداه إلى الخير ويسر له أسبابه وهم المصلون. ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ قيل: معناه يحافظون على أوقاتها وواجباتها، قال ابن مسعود ومسروق وإبراهيم النخعي (٤). وقيل: المراد بالدوام ههنا السكون والخشوع كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون] قاله عقبة بن عامر (٥): ومنه الماء الدائم وهو الساكن الراكد، وهذا يدل على وجوب الطمأنينة في الصلاة فإن الذي لا يطمئن في ركوعه وسجوده ليس بدائم على صلاته؛ لأنه لم يسكن فيها ولم يدم بل ينقرها نقر الغراب فلا يفلح في صلاته. وقيل: المراد بذلك الذين إذا عملوا عملًا داوموا عليه وأثبتوه كما جاء في الصحيح عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ" (٦) وفي لفظ:

стр. 4379

"مادام عليه صاحبه" (١) قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا عمل عملًا داوم عليه (٢)، وفي لفظ أثبته (٣). وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾: ذُكر لنا أن دانيال ﵇ نعتَ أُمة محمد ﷺ فقال: يصلون صلاة لو صلّاها قوم نوح ما غرقوا، أو قوم عاد ما أرسلت عليهم الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة، فعليكم بالصلاة فإنها خلق للمؤمنين حسن (٤). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ أي: في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الذاريات. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦)﴾ أي: يوقنون بالمعاد والحساب والجزاء فهم يعملون عمل من يرجو الثواب ويخاف العقاب. ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧)﴾ أي: خائفون وجِلون ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾ أي: لا يأمنه أحد ممن عقل عن الله أمره إلا بأمان من الله ﵎. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩)﴾ أي: يكفُّوها عن الحرام ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أي: من الإماء ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾ وقد تقدم تفسير هذا في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون] بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢)﴾ أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، وهذه صفات المؤمنين وضدها صفات المنافقين كما ورد في الحديث الصحيح: "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (٥) وفي رواية: "إذا حدَّث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (٦). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ أي: محافظون عليها لا يزيدون فيها ولا ينقصون منها ولا يكتمونها ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ أي: على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، فافتتح الكلام بذكر الصلاة واختتمه بذكرها، فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها كما تقدم في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ سواء ولهذا قال هناك: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون] وقال ههنا: ﴿أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾ أي: مكرمون بأنواع الملاذ والمسار.

стр. 4380

﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾. يقول تعالى منكرًا على الكفار الذين كانوا في زمن النبي ﷺ وهم مشاهدون له ولما أرسله الله به من الهدى وما أيده الله به من المعجزات الباهرات، ثم هم مع هذا كله فارُّون منه متفرقون عنه، شاردون يمينًا وشمالًا فِرقًا فِرقًا، وشِيعًا شِيعًا، كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ الآية [المدثر] وهذه مثلها فإنه قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾ أي: فما لهؤلاء الكفار الذين عندك يا محمد مهطعين؟ أي: مسرعين نافرين منك، كما قال الحسن البصري: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: منطلقين (١). ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ واحدها عزة؛ أي: متفرقين، وهو حال من مهطعين؛ أي: في حال تفرقهم واختلافهم كما قال الإمام أحمد في أهل الأهواء: فهم مخالفون للكتاب مختلفون في الكتاب متفقون على مخالفة الكتاب. وقال العوفي، عن ابن عباس ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾، قال: قبلك ينظرون ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ قال: العزين: العِصب من الناس عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به (٢). وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عامر، حدثنا قُرَّة، عن الحسن في قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ أي: متفرقين يأخذون يمينًا وشمالًا يقولون: ما قال هذا الرجل (٣)؟ وقال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ أي: فِرقًا حول النبي ﷺ لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه ﷺ (٤). وقال الثوري وشعبة وعبثر بن القاسم وعيسى بن يونس ومحمد بن فضيل ووكيع ويحيى القطان وأبو معاوية، كلهم عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ خرج عليهم وهم حِلَق فقال: "ما لي أراكم عزين؟ " رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي، وابن جرير من حديث الأعمش به (٥). وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه وهم حِلَق فقال: "ما لي أراكم عزين؟ " (٦). وهذا إسناده جيد ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.
следующие страницы →