← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١)، وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير تمام" (٢) وفي صحيح ابن خزيمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بأم القرآن" (٣). وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار في ترك قيام الليل من مرضى لا يستطيعون ذلك، ومسافرين في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر، وآخرين مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل الله، وهذه الآية بل السورة كلها مكية ولم يكن القتال شرع بعد، فهي من أكبر دلائل النبوة لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: قوموا بما تيسر عليكم منه. قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء محمد، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد ما تقول في رجل قد استظهر القرآن كله عن ظهر قلبه ولا يقوم به إنما يصلي المكتوبة؟ قال: يتوسد القرآن لعن الله ذاك، قال الله تعالى للعبد الصالح: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: ٦٨] ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ ﴿الأنعام: ٩١] قلت: يا أبا سعيد، قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ قال: نعم ولو خمس آيات (٤). وهذا ظاهر من مذهب الحسن البصري أنه كان يرى حقًا واجبًا على حملة القرآن أن يقوموا ولو بشيء منه في الليل، ولهذا جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل نام حتى أصبح، فقال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنه" (٥) فقيل معناه نام عن المكتوبة، وقيل: عن قيام الليل، وفي السنن "أوتروا يا أهل القرآن" (٦)، وفي الحديث الآخر: "من لم يوتر فليس منا" (٧) وأغرب من هذا ما حكي عن أبي بكر بن عبد العزيز من الحنابلة من إيجابه قيام شهر رمضان، فالله أعلم. وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن سعيد فرقد [الجدي]، حدثنا أبو أحمد محمد بن يوسف الزبيدي، حدثنا عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الله بن طاوس من ولد طاوس، عن أبيه، عن

стр. 4412

طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال: "مائة آية" (١). وهذا حديث غريب جدًا لم أره إلا في معجم الطبراني رحمه الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا يدل لمن قال إن فرض الزكاة نزل بمكة لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة والله أعلم. وقد قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: إن هذه الآية نَسخَت الذي كان الله قد أوجبه على المسلمين أولًا من قيام الليل (٢)، واختلفوا في المدة التي بينهما على أقوال كما تقدم، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لذلك الرجل: "خمس صلوات في اليوم والليلة" قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع" (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ يعني: من الصدقات، فإن الله يجازي على ذلك أحسن الجزاء وأوفره، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ أي: جميع ما تقدموه بين أيديكم فهو لكم حاصل وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ " قالوا: يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه قال: "اعلموا ما تقولون" قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله؟ قال: "إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر" (٤). ورواه البخاري من حديث حفص بن غياث والنسائي من طريق أبي معاوية كلاهما عن الأعمش به (٥). ثم قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: أكثروا من ذكره واستغفاره في أموركم كلها فإنه غفور رحيم لمن استغفره. آخر تفسير سورة المزمل، ولله الحمد والمنة، وصلواته وسلامه على خير خلقه محمد وآله وصحبه.

стр. 4413

سورة المدثر وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾. ثبت في صحيح البخاري من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر أنه كان يقول: أول شيء نزل من القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾. وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولًا قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق] كما سيأتي ذلك هنالك إن شاء الله تعالى. قال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ قلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾؟ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ما قلت لي فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاوزت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا عليّ ماء باردًا، قال: فدثرونى وصبُّوا عليَّ ماء باردًا، قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ " (١). هكذا ساقه من هذا الوجه. وقد رواه مسلم (٢) من طريق عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: "فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني زملوني فزملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ إلى ﴿فَاهْجُرْ﴾ قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان. ثم حمي الوحي وتتابع" هذا لفظ البخاري (٣)، وهذا السياق هو المحفوظ وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا

стр. 4414

لقوله: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء" وهو جبريل حين أتاه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق]، ثم إنه حصل بعد هذا فترة ثم نزل الملك بعد هذا. ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة، كما قال الإمام أحمد (١): حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابر بن عبد اللّه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ثم فتر الوحي عني فترة فبينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثيت منه فرقًا حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت لهم زملوني زملوني فزملوني، فأنزل اللّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ ثم حمي الوحي وتتابع" أخرجاه من حديث الزهري به (٢). وقال الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا الحسن بن بشر البجلي، حدثنا المعافى بن عمران، عن إبراهيم بن يزيد: سمعت ابن أبي مُليكة يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعامًا، فلما أكلوا منه قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: ليس بشاعر، وقال بعضهم: بل سحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي ﷺ فحزن وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ أي: شمِّر عن ساق العزم وأنذر الناس، وبهذا حصل الإرسال كما حصل بالأول النبوة. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ أي: عظم. وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال الأجلح الكندي، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه أتاه رجل فسأله عن هذه الآية ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة. ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: فإني بحمد اللّه لا ثوب فاجر … لبست ولا من غَدرة أتقنَّع (٤) وقال [ابن جريج] (٥): عن عطاء، عن ابن عباس في الآية ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال: في كلام العرب نقي الثياب وفي رواية بهذا الإسناد فطهر من الذنوب (٦)، وكذا قال إبراهيم

стр. 4415

والشعبي وعطاء (١). وقال الثوري، عن رجل، عن عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال: من الإثم (٢)، وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال مجاهد: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ قال: نفسك ليس ثيابك، وفي رواية عنه ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ أي: عملك فأصلح (٣)، وكذا قال أبو رزين (٤)، وقال في رواية أخرى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ أي: لست بكاهن ولا ساحر فأعرض عما قالوا (٥). وقال قتادة: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ أي: طهرها من المعاصي، وكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يفِ بعهد الله: إنه لدنس الثياب، وإذا وفَّى وأصلح إنه لمطهَّرُ الثياب (٦). وقال عكرمة والضحاك: لا تلبسها على معصية (٧). وقال الشاعر (٨): إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه … فكل رداء يرتديه جميل وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ يعني: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية (٩). وقال محمد بن سيرين: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ أي: اغسلها بالماء (١٠). وقال ابن زيد: وكان المشركون لا يتطهرون فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه (١١)، وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه كما قال امرؤ القيس: أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل … وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي إن تك قد ساءتك مني خليقة … فسلي ثيابي من ثيابك تنسل (١٢) وقال سعيد بن جبير: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ وقلبك ونيتك فطهره (١٣).

стр. 4416

وقال محمد بن كعب القرظي والحسن البصري: وخلقك فحسن (١). وقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: والرجز وهو الأصنام فاهجر (٢)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وقتادة والزهري وابن زيد: إنها الأوثان (٣). وقال إبراهيم والضحاك: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ أي: اترك المعصية (٤)، وعلى كل تقدير فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:١٤٢]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ قال ابن عباس: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها (٥)، وكذا قال عكرمة ومجاهد وعطاء وطاوس وأبو الأحوص وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم (٦). وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: "ولا تمنن أن تستكثر" (٧). وقال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره (٨)، وكذا قال الربيع بن أنس (٩)، واختاره ابن جرير. وقال خصيف، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ قال: لا تَضعُف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب: تَضعُف (١٠). وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس تستكثرهم بها تأخذ عليه عوضًا من الدنيا (١١). فهذه أربعة أقوال، والأظهر القول الأول، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك . قاله مجاهد (١٢).

стр. 4417

وقال إبراهيم النخعي: اصبر عطيتك لله (١). وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وزيد بن أسلم والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن زيد: ﴿النَّاقُور﴾ الصور (٢). قال مجاهد: وهو كهيئة القرن (٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط بن محمد، عن مطرف، عن عطية العوفي، عن ابن عباس ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ فقال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ؟ " فقال: قال أصحاب رسول الله ﷺ : فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا". وهكذا رواه الإمام أحمد عن أسباط به، ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن ابن فضيل وأسباط كلاهما عن مطرف به، ورواه من طريق أخرى عن العوفي عن ابن عباس به (٤). وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)﴾ أي: شديد ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ أي: غير سهل عليهم كما قال تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨]، وقد روينا عن زُرارة بن أوفى قاضي البصرة أنه صلى بهم الصبح، فقرأ هذه السورة فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ شِهقَ شَهقة ثم خرَّ ميتًا ﵀ (٥). ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾. يقول تعالى متوعدًا لهذا الخبيث الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا فكفر بأنعم الله وبدلها كفرًا وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر، وقد عدَّد الله عليه نعمه حيث قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ أي: خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد ثم رزقه الله تعالى: ﴿مَالًا مَمْدُودًا﴾ أي: واسعًا كثيرًا قيل: ألف دينار (٦)، وقيل: مائة ألف دينار،

стр. 4418

وقيل: أرضًا يستغلها (١)، وقيل غير ذلك وجعل له ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾. قال مجاهد: لا يغيبون؛ أي: حضورًا عنده لا يسافرون بالتجارات بل مواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم، وهم قعود عند أبيهم يتمتع بهم ويتملى بهم، وكانوا فيما ذكره السدي وأبو مالك وعاصم بن عمر بن قتادة: ثلاثة عشر. وقال ابن عباس ومجاهد: كانوا عشرة (٢). وهذا أبلغ في النعمة وهو إقامتهم عنده ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤)﴾ أي: مكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك. ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)﴾ أي: معاندًا وهو الكفر على نعمه بعد العلم قال الله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، عن درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: "ويل: وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا، قبل أن يبلغ قعره، والصعود: جبل من نار يتصعد فيه الكافر سبعين خريفًا، ثم يهوي به كذلك فيه أبدًا" (٣). وقد رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن الحسن بن موسى الأشيب به، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج، كذا قال، وقد رواه ابن جرير عن يونس، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن درَّاج (٤). وفيه غرابة ونكارة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرحمن المعروف بعلَّان المقري قال: حدثنا منجاب، أخبرنا شريك، عن عمار الدهني، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ قال: "هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله ذابت وإذا رفعها عادت" (٥). ورواه البزار وابن جرير من حديث شريك به (٦). وقال قتادة، عن ابن عباس: ﴿صَعُودًا﴾ صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه (٧). وقال السدي: صعودًا صخرة ملساء في جهنم يكلف أن يصعدها. وقال مجاهد: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ أي: مشقة من العذاب (٨). وقال قتادة: عذابًا لا راحة فيه (٩)، واختاره ابن جرير.

стр. 4419

وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾ أي: إنما أرهقناه صعودًا؛ أي: قربناه من العذاب الشاق لبعده عن الإيمان لأنه فكر وقدر؛ أي: تروَّى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن ففكر ماذا يختلق من المقال ﴿وَقَدَّرَ﴾ أي: تروَّى ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ دعاء عليه ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾ أي: أعاد النظرة والتروي ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: قبض بين عينيه وقطب ﴿وَبَسَرَ﴾ أي: كلح وكره، ومنه قول توبة بن الحُميِّر: وقد رابني منها صدودٌ رأيته … وإعراضها عن حاجتي وبُسُورُها (١) وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣)﴾ أي: صرف عن الحق ورجع القهقهرى مستكبرًا عن الانقياد للقرآن ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾ أي: هذا سحر ينقله محمد عن غيره ممن قبله ويحكيه عنهم، ولهذا قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ أي: ليس بكلام الله، وهذا المذكور في هذا السياق هو الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤساء قريش لعنه الله، وكان من خبره في هذا ما رواه العوفي عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبًا لما يقول ابن أبي كبشة، فواللهِ ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ (٢) الوليد لتصبو قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم ترَ إلى قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألست أكثرهم مالًا وولدًا؟ فقال أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه، فقال الوليد: أقد تحدث به عشيرتي؟ فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر فأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ إلى قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾ (٣). وقال قتادة: زعموا أنه قال: واللهِ لقد نظرت فيما قال الرجل فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة، وإنه عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وما أشك أنه سحر فأنزل الله: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)﴾ الآية (٤). ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢)﴾ قبض ما بين عينيه وكلح. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رَقَّ له، فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام فأتاه فقال: أي عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا. قال:

стр. 4420

لِمَ؟ قال: يعطونكه فإنك أتيت محمدًا تتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني أكثرهم مالًا، قال: فقل فيه قولًا يعلم قومك أنك منكر لما قال: وأنك كاره له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يعلى. قال: واللهِ لا يرضى قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أتفكر فيه، فلما فكر قال: إنْ هذا إلا سحر يؤثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ حتى بلغ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (١). وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد نحوًا من هذا، وقد زعم السدي أنهم لما اجتمعوا في دار الندوة ليجمعوا رأيهم على قول يقولونه فيه قبل أن يقدم عليهم وفود العرب للحج ليصدوهم عنه، فقال قائلون: شاعر وقال آخرون: ساحر، وقال آخرون: كاهن، وقال آخرون: مجنون كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ [الإسراء] كل هذا والوليد يفكر فيما يقوله فيه، ففكر وقدر ونظر وعبس وبسر، فقال: إنْ هذا إلا سحر يؤثر إنْ هذا إلا قول البشر (٢)، قال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ أي: سأغمره فيها من جميع جهاته. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧)﴾ وهذا تهويل لأمرها وتفخيم، ثم فسر ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾ أي: تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم وجلودهم ثم تبدل غير ذلك، وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون، قاله [مزيدة] (٣) وأبو سنان وغيرهم. وقوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾ قال مجاهد: أي للجلد (٤). وقال أبو رزين: تلفح الجلد لفحة فتدعه أسود من الليل (٥). وقال زيد بن أسلم: تلوح أجسادهم عليها (٦). وقال قتادة: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾ أي: حرَّاقة للجلد (٧). وقال ابن عباس: تحرق بشرة الإنسان (٨). وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ أي: من مقدمي الزبانية عظيم خَلْقُهم، غليظ خُلُقهم. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني حارث، عن عامر، عن البراء في قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ قال: إن رهطًا من

стр. 4421

اليهود سألوا رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ عن خزنة جهنم فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء الرجل فأخبر النبي ﷺ فأنزل الله تعالى عليه ساعتئذ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ فأخبر أصحابه وقال: "ادعهم أما إني سائلهم عن تربة الجنة إن أتوني، أما إنها درمكة بيضاء" فجاؤوه فسألوه عن خزنة جهنم فأهوى بأصابع كفيه مرتين وأمسك الإبهام في الثانية ثم قال: "أخبروني عن تربة الجنة" فقالوا: أخبرهم يا ابن سلام، فقال: كأنها خبزة بيضاء: فقال رسول الله ﷺ : "أما إن الخبز إنما يكون من الدرمك (١) " (٢). هكذا وقع عند ابن أبي حاتم عن البراء والمشهور، عن جابر بن عبد الله كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن عبدة، أخبرنا سفيان ويحيى بن حكيم، حدثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد غلب أصحابك اليوم. فقال: "بأي شيء؟ " قال: سألتهم يهود هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة أهل النار؟ قالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا ﷺ قال رسول الله ﷺ : "أفغلب قوم يسألون عما لا يعلمون فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا ﷺ ؟ عليَّ بأعداء الله لكنهم قد سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرة" فأرسل إليهم فدعاهم قالوا: يا أبا القاسم كم عدة خزنة أهل النار؟ قال: "هكذا" وطبَّق كفيه ثم طبَّق كفيه مرتين وعقد واحدة، وقال لأصحابه: "إن سئلتم عن تربة الجنة فهي الدرمك" فلما سألوه فأخبرهم بعدة خزنة أهل النار قال لهم رسول الله ﷺ : "ما تربة الجنة؟ " فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: خبزة يا أبا القاسم. فقال: "الخبز من الدرمك" (٣). وهكذا رواه الترمذي عند هذه الآية عن ابن أبي عمر، عن سفيان به (٤)، وقال هو والبزار: لا يعرف إلا من حديث مجالد، وقد رواه الإمام أحمد عن علي بن المديني عن سفيان بنقصه: الدرمك فقط (٥). ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾. يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ﴾ أي: خزانها ﴿إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ زبانية غلاظًا شدادًا، وذلك ردٌّ

стр. 4422

على مشركي قريش حين ذكروا عدد الخزنة فقال أبو جهل: يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ أي: شديدي الخلق لا يقاومون ولا يغالبون، وقد قيل: إن أبا الأشدين واسمه: كلدة بن أسيد (١) بن خلف قال: يا معشر قريش اكفوني منهم اثنين، وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر إعجابًا منه بنفسه، وكان قد بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة لينزعوه من تحت قدميه فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه. قال السهيلي: وهو الذي دعا رسول الله ﷺ إلى مصارعته، وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه النبي ﷺ مرارًا فلم يؤمن، قال: وقد نسب ابن إسحاق خبر المصارعة إلى ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب (٢). (قلت): ولا منافاة بين ما ذكراه والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: إنما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختبارًا منا للناس ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أي: يعلمون أن هذا الرسول حق فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ أي: إلى إيمانهم؛ أي: بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد ﷺ ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: من المنافقين ﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ أي: يقولون ما الحكمة في ذكر هذا ههنا؟ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من مثل هذا وأشباهه يتأكد الإيمان في قلوب أقوام ويتزلزل عند آخرين، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى؛ لئلا يتوهم متوهم أنهم تسعة عشر فقط، كما قد قاله طائفة من أهل الضلالة والجهالة ومن الفلاسفة اليونانيين ومن شايعهم من الملَّتين الذين سمعوا هذه الآية فأرادوا تنزيلها على العقول العشرة والنفوس التسعة التي اخترعوا دعواها وعجزوا عن إقامة الدلالة على مقتضاها، فأفهموا صدر هذه الآية وقد كفروا بآخرها وهو قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾. وقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: "فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم" (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن مورق، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطَّت (٤) السماء، وحُقَّ لها أن تئط ما فيها موضع أصبع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم

стр. 4423

لضحكتم قليلًا ولبكيتم كَثِيرًا وَلا تلذذتم بالنساء على الفُرُشات ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى اللَّه تعالى" فقال أبو ذرّ: والله لوددت أني شجرة تعضد (١). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث إسرائيل، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، ويروى عن أبي ذرٍّ موقوفًا (٢). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حَدَّثَنَا حسين بن عرفة المصري، حَدَّثَنَا عروة بن مروان الرقي، حَدَّثَنَا عبيد اللَّه بن عمرو، عن عبد الكريم بن مالك، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كفّ إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعًا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لم نشرك بك شيئًا" (٣). وقال محمد بن نصر المروزي في "كتاب الصلاة": حَدَّثَنَا عمرو بن زرارة، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام قال: بينما رسول اللَّه ﷺ مع أصحابه إذ قال لهم: "هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا: ما نسمع من شيء. فقال رسول الله ﷺ : "أسمع أطيط السماء ولا تلام أن تئط. وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك راكع أو ساجد" (٤). وقال أيضًا: حَدَّثَنَا محمد بن عبد اللَّه بن [قهزاذ] (٥)، حَدَّثَنَا أبو معاذ الفضل بن خالد النحوي، حَدَّثَنَا عبيد بن سليمان الباهلي، سمعت الضحاك بن مزاحم يحدث، عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة أنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما في السماء الدنيا موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد أو قائم وذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ " (٦). وهذا مرفوع غريب جدًا، ثم رواه عن محمود بن آدم، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود أنه قال: إن من السموات سماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائم ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات] (٧).

стр. 4424

ثم قال: حَدَّثَنَا أحمد بن سيار، حَدَّثَنَا أبو جعفر بن محمد بن خالد الدمشقي المعروف بابن أمه، حَدَّثَنَا المغيرة بن عمر بن عطية من بني عمرو بن عوف، حدثني سليمان بن أيوب، عن سالم بن عوف، حدثني عطاء بن زيد بن مسعود من بني الحبلى، حدثني سليمان بن عمرو بن الربيع من بني سالم، حدثني عبد الرحمن بن العلاء من بني ساعدة، عن أبيه العلاء بن سعد وقد شهد الفتح وما بعده، أن النَّبِيّ ﷺ قال: يومًا لجلسائه: "هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا: وما تسمع يا رسول اللَّه؟ قال: "أطّت السماء وحُقَّ لها أن تئط، إنه ليس فيها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد وقالت الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات] " (١). وهذا إسناد غريب جدًا. ثم قال: حَدَّثَنَا إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفروي، حَدَّثَنَا عبد الملك بن قدامة، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمر أن عمر جاء والصلاة قائمة ونفر ثلاثة جلوس أحدهم: أبو جحش الليثي، فقال: قوموا فصلوا مع رسول اللَّه ﷺ ، فقام اثنان وأبى أبو جحش أن يقوم وقال: لا أقوم حتَّى يأتي رجل أقوى مني ذراعين وأشد مني بطشًا، فيصرعني ثم يدسّ وجهي في التراب، قال عمر: فصرعته ودسست وجهه في التراب، فأتى عثمان بن عفان فحجزني عنه، فخرج عمر مغضبًا حتَّى انتهى إلى رسول الله ﷺ فقال: "ما رأيك يا أبا حفص؟ " فذكر له ما كان منه، فقال رسول الله ﷺ : "إن [رضي عمر رحمةً، واللّه على ذلك] (٢) لوددت أنك جئتني برأس الخبيث" فقام عمر فوجه نحوه، فلما أبعد ناداه فقال: "اجلس حتَّى أخبرك بغناء الربِّ ﵎ عن صلاة أبي جحش وإن للّه تعالى في السماء الدنيا ملائكة خشوعًا لا يرفعون رؤوسهم حتَّى تقوم الساعة، فإذا قامت رفعوا رؤوسهم ثم قالوا: ربنا ما عبدناك حق عبادتك وإن للّه في السماء الثانية ملائكة سجودًا لا يرفعون رؤوسهم حتَّى تقوم الساعة، فإذا قامت الساعة رفعوا رؤوسهم وقالوا: سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك". فقال له عمر: وما يقولون يا رسول اللَّه؟ فقال: "أما أهل السماء الدنيا فيقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأما أهل السماء الثانية فيقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأما أهل السماء الثالثة فيقولون: سبحان الحي الذي لا يموت، فقلها يا عمر في صلاتك"، فقال عمر: يا رسول الله فكيف بالذي كنت علمتني وأمرتني أن أقوله في صلاتي؟ فقال: "قل هذا مرة وهذا مرة" وكان الذي أمره به أن يقوله: "أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك جلَّ وجهك" (٣). هذا حديث غريب جدًا بل منكر نكارة شديدة، وإسحاق الفروي روى عنه البخاري، وذكره ابن حبان في الثقات وضعفه أبو داود والنسائي والعقيلي والدارقطني، وقال أبو

стр. 4425

حاتم الرازي: كان صدوقًا إلا أنه ذهب بصره فربما [لقن] (١) وكتبه صحيحة، وقال -مرة-: هو مضطرب وشيخه عبد الملك بن قدامة أبو قتادة الجمحي تكلم فيه أيضًا، والعجب من الإمام محمد بن نصر كيف رواه ولم يتكلم عليه، ولا عرف بحاله، ولا تعرض لضعف بعض رجاله، غير أنه رواه من وجه آخر عن سعيد بن جبير مرسلًا بنحوه، ومن طريق أخرى عن الحسن البصري مرسلًا قريبًا منه (٢). ثم قال محمد بن نصر: حَدَّثَنَا محمد بن عبد اللَّه بن [قهزاذ] (٣)، أخبرنا النضر، أخبرنا عباد بن منصور قال: سمعت عدي بن أرطأة وهو يخطبنا على منبر المدائن قال: سمعت رجلًا من أصحاب النَّبِيّ ﷺ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن للّه تعالى ملائكة ترعد فرائصهم من خيفته ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه إلا وقعت على ملك يصلي، وإن منهم ملائكة سجودًا منذ خلق اللَّه السموات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وإن منهم ملائكة ركوعًا لم يرفعوا رؤوسهم منذ خلق اللَّه السموات والأرض ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، فإذا رفعوا رؤوسهم نظروا إلى وجه الله قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك" (٤). وهذا إسناد لا بأس به. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ قال مجاهد وغير واحد: "وما هي" أي: النار (٥) التي وصفت ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)﴾ أي: ولى ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾ أي: أشرق ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)﴾ أي: العظائم يعني: النار، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وغير واحد من السلف (٦) ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ أي: لمن شاء أن يقبل النذارة ويهتدي للحق أو يتأخر عنها ويولّي ويردَّها. ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾. يقول تعالى مخبرًا أن ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ أي: معتقلة بعملها يوم القيامة قاله ابن

стр. 4426

عباس وغيره ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ فإنهم ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)﴾ أي: يسألون المجرمين وهم في الغرفات وأولئك في الدركات قائلين لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ أي: ما عبدنا اللَّه ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾ أي: نتكلم فيما لا نعلم. وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه (١). ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ يعني: الموت كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر] وقال رسول الله ﷺ : "أما هو -يعني عثمان بن مظعون- فقد جاءه اليقين من ربه" (٢). قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ أي: ما كان متصفًا بمثل هذه الصفات فإنه لا ينفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه؛ لأن الشفاعة إنما تنجع إذا كان المحل قابلًا، فأما من وافى اللَّه كافرًا يوم القيامة فإنه له النار لا محالة خالدًا فيها، ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾ أي: فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك مما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ أي: كأنهم في نفارهم عن الحق وإعراضهم عنه حمر من حمر الوحش إذا فرَّت ممن يريد صيدها من أسد، قاله أبو هريرة وابن عباس في رواية عنه وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن (٣): أو رامٍ، وهو رواية عن ابن عباس (٤)، وهو قول الجمهور. وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: الأسد بالعربية، ويقال له بالحبشية: قسورة، وبالفارسية: شير، وبالنبطية: أوبا (٥). وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ أي: بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتاب كما أنزل اللَّه على النَّبِيّ ﷺ ، قاله مجاهد وغيره (٦)، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل (٧).

стр. 4427

فقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣)﴾ أي: إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها وتكذيبهم بوقوعها. ثم قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤)﴾ أي: حقًّا إن القرآن تذكرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ كقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي: هو أهل أن يخاف منه وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب. قاله قتادة (١). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا زيد بن الحباب، أخبرني سهيل أخو حزم، حَدَّثَنَا ثابت البناني، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قرأ رسول اللّه ﷺ هذه الآية ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وقال: "قال ربكم: أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهًا كان أهلًا أن أغفر له" (٢). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، والنسائي من حديث المعافى بن عمران، كلاهما عن سهيل بن عبد اللَّه القطعي به. وقال الترمذي: حسن غريب وسهيل ليس بالقوي (٣)، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن هدبة بن خالد، عن سهيل به، وهكذا رواه أبو يعلى والبزار والبغوي وغيرهم من حديث سهيل القطعي به (٤). [آخر تفسير سورة المدثر، وللّه الحمد والمنة] (٥).

стр. 4428

سُوْرَةُ القِيَامَةِ وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾. قد تقدم غير مرة أن المقُسَم عليه إذا كان منتفيًا جاز الإتيان بلا قبل القسم لتأكيد النفي. والمُقسَم عليه ههنا هو إثبات المعاد والردُّ على ما يزعمه الجهلة من العباد ومن عدم بعث الأجساد، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ قال الحسن: أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة (١). وقال قتادة: بل أقسم بهما جميعًا، هكذا حكاه ابن أبي حاتم (٢). وقد حكى ابن جرير، عن الحسن والأعرج أنهما قرءا: "لأقُسم بيوم القيامة" (٣) وهذا يوجُّه قول الحسن؛ لأنَّهُ أثبت القسم بيوم القيامة ونفى القسم بالنفس اللوامة، والصحيح أنه أقسم بهما جميعًا كما قاله قتادة ﵀، وهو المروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير (٤)، واختاره ابن جرير. فأما يوم القيامة فمعروف وأما النفس اللّوامة فقال قرة بن خالد، عن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن واللّه ما نراه إلا يلوم نفسه. ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديث نفسي، وإن الفاجر يمضي قُدُمًا ما يعاتب نفسه (٥)، وقال جويبر: بلغنا عن الحسن أنه قال في قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ قال: ليس أحد من أهل السموات والأرضين إلا يلوم نفسه يوم القيامة (٦). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن صالح بن مسلم، عن إسرائيل، عن سماك

стр. 4429

أنه سأل عكرمة عن قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ قال: يلوم على الخير والشر لو فعلت كذا وكذا (١)، ورواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن وكيع، عن إسرائيل به (٢)، وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا محمد بن بشار، حَدَّثَنَا مؤمل، حَدَّثَنَا سفيان، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ قال: تلوم على الخير والشر (٣)، ثم رواه من وجه آخر عن سعيد أنه سأل ابن عباس عن ذلك فقال: هي النفس اللؤوم (٤). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه (٥). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾: المذمومة (٦). وقال قتادة: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾ الفاجرة (٧). وقال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة بالمعنى والأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر وتندم على ما فات (٨). وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾ أي: يوم القيامة أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟ ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ وقال سعيد بن جبير والعوفي، عن ابن عباس: أن نجعله خُفًّا أو حافرًا (٩)، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وابن جرير (١٠)، ووجهه ابن جرير بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا، والظاهر من الآية أن قوله تعالى: ﴿قَادِرِينَ﴾ حالٌ من قوله تعالى: ﴿نَجْمَعَ﴾ أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بل سنجمعها قادرين على أن نسوي بنانه؛ أي: قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا بعثناه أزيد مما كان فنجعل بنانه وهي أطراف أصابعه مستوية، وهذا معنى قول ابن قتيبة والزجاج (١١). وقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾ قال سعيد عن ابن عباس: يعني يمضي قدمًا (١٢). وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ يعني: الأمل، يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب

стр. 4430

قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة (١). وقال مجاهد: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ليمضي أمامه راكبًا رأسه (٢). وقال الحسن: لا يُلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية اللَّه قدمًا قدمًا إلا من عصمه اللَّه تعالى (٣)، وروي عن عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وغير واحد من السلف: هو الذي يعجل الذنوب ويسوف التوبة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو الكافر يكذب بيوم الحساب (٤)، وكذا قال ابن زيد (٥) وهذا هو الأظهر من المراد، ولهذا قال بعده ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾؟ أي: يقول متى يكون يوم القيامة وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه وتكذيب لوجوده كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾ [سبأ]. وقال تعالى ههنا: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧)﴾ قرأ أبو عمرو بن العلاء "برِق" بكسر الراء؛ أي: حارَ، وهذا الذي قاله شبيه بقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] أي: بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا لا يستقر لهم بصر على شيء من شدة الرعب. وقرأ آخرون "برَق" بالفتح (٦) وهو قريب في المعنى من الأول، والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل من شدة الأهوال ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور. وقوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ أي: ذهب ضوؤه ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ قال مجاهد: كُوِّرا (٧). وقرأ ابن زيد عند تفسير هذه الآية ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ [التكوير]. وروي عن ابن مسعود أنه قرأ "وجمع بين الشمس والقمر" (٨). وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾ أي: إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال يوم القيامة حينئذٍ يريد أن يفرَّ، ويقول أين المفر؟ أي: هل من ملجأ أو موئل؟ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ قال ابن مسعود، وابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: أي: لا نجاة (٩)، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ

стр. 4431

نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] أي: ليس لكم مكان تتنكرون فيه، وكذا قال ههنا: ﴿لَا وَزَرَ﴾ أي: ليس لكم مكان تعتصمون فيه، ولهذا قال: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾ أي: المرجع والمصير. ثم قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ أي: يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وهكذا قال ههنا: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ أي: هو شهيد على نفسه عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر، وكما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء]. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ يقول: سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه (١). وقال قتادة: شاهد على نفسه (٢). وفي رواية قال: إذا شئت واللّه رأيته بصيرًا بعيوب الناس وذنوبهم غافلًا عن ذنوبه. وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبًا: يا ابن آدم تبصر القذاة في عين أخيك وتترك الجِذْل في عينك لا تبصره! (٣). وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ ولو جادل عنها فهو بصير عليها (٤). وقال قتادة: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه (٥). وقال السدي: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ حجته (٦). وكذا قال ابن زيد والحسن البصري وغيرهم واختاره ابن جرير (٧). وقال قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ يقول: لو ألقى ثيابه (٨). وقال الضحاك: ولو ألقى ستوره وأهل اليمن (٩)، يسمون الستر: العذار. والصحيح قول مجاهد وأصحابه كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام] وكقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة]. وقال العوفي، عن ابن عباس ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ هي الاعتذار ألم تسمع أنه قال: ﴿لَا يَنْفَعُ

стр. 4432

الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] وقال: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧] ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (١) [الأنعام: ٢٣]. ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾. هذا تعليم من الله لرسوله ﷺ في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له وتكفل اللَّه له أن يجمعه في صدره وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه عليه، وأن يُبينه له ويفسره ويوضحه. فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه. ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ أي: بالقرآن كما قال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي: في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: أن تقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله تعالى: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي: فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا. قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عن أبي عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعالج من التنزيل شدة فكان يحرك شفتيه قال: فقال لي ابن عباس: أنا أحرك شفتي كما كان رسول الله ﷺ يحرك شفتيه، وقال لي سعيد: وأنا أحرك شفتي كما رأيت ابن عباس يحرك شفتيه، فأنزل الله : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ قال: جمعه في صدرك ثم تقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ أي: فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ فكان بعد ذلك إذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه (٢). وقد رواه البخاري ومسلم من غير وجه عن موسى بن أبي عائشة به. ولفظ البخاري: فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله (٣). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو يحيى التيمي، حَدَّثَنَا موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يلقى منه شدة، وكان إذا نزل عليه عرف في تحريكه شفتيه يتلقى أوله ويحرك به شفتيه، خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ (٤). وهكذا قال

стр. 4433

الشعبي والحسن البصري وقتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد: إن هذه الآية نزلت في ذلك (١). وقد روى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ قال: كان لا يفتر من القراءة مخافة أن ينساه فقال اللَّه تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أن نجمعه لك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ نقرئك فلا تنسى (٢)، [وقال ابن عَبَّاسٍ وعطية العوفي: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ تبيين حلاله وحرامه وكذا قال قتادة] (٣) (٤) وقوله ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١)﴾ أي: إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة ومخالفة ما أنزله الله على رسوله ﷺ من الوحي الحق والقرآن العظيم، أنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة. ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ من النضارة؛ أي: حسنة بهية مشرقة مسرورة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ أي: تراه عيانًا كما رواه البخاري رحمه اللَّه تعالى في صحيحه: "إنكم سترون ربكم عيانًا" (٥). وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث لا يمكن دفعها ولا منعها، لحديث أبي سعيد وأبي هريرة وهما في الصحيحين أن ناسًا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: "هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ " قالوا: لا، قال: "فإنكم ترون ربكم كذلك" (٦). وفي الصحيحين عن جرير قال: نظر رسول اللَّه ﷺ إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر! فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا" (٧). وفي الصحيحين عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" (٨). وفي أفراد مسلم، عن صهيب، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول اللَّه تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم وهي الزيادة". ثم تلا

стр. 4434

هذا الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (١). وفي أفراد مسلم، عن جابر في حديثه: "إن اللَّه يتجلى للمؤمنين يضحك" يعني: في عرصات القيامة ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم في العرصات وفي روضات الجنات (٢). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا [عبد الملك بن أبجر] (٣)، حَدَّثَنَا [ثوير] (٤) بن أبي فاخته، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه اللَّه كل يوم مرتين" (٥) ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن شبابة، عن إسرائيل، عن ثوير قال: سمعت ابن عمر فذكره، قال: ورواه عبد الملك بن أبجر، عن ثوير، عن مجاهد، عن ابن عمر، وكذلك رواه الثوري، عن ثوير، عن مجاهد، عن ابن عمر ولم يرفعه (٦)، ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن، ولكن ذكرنا ذلك مفرقًا في مواضع من هذا التفسير، وباللّه التوفيق. وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأُمة كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام، ومن تأول ذلك بأن المراد بإلى مفرد الآلاء وهي: النعم كما قال الثوري، عن منصور، عن مجاهد ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ قال: تنتظر الثواب من ربها (٧)، رواه ابن جرير من غير وجه عن مجاهد، وكذا قال أبو صالح أيضًا فقد أبعد هذا القائل النجعة وأبطل فيما ذهب إليه (٨)، وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين]؟. قال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: ما حجب الكفار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما دلَّ عليه سياق الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾. قال ابن جرير: حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل البخاري، حَدَّثَنَا آدم، حَدَّثَنَا المبارك، عن الحسن ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ قال: حسنة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ قال: تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تنضَر وهي تنظر إلى الخالق (٩).

стр. 4435

وقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾ هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة باسرة، قال قتادة: كالحة (١). وقال السدي: تغير ألوانها. وقال ابن زيد: ﴿بَاسِرَةٌ﴾ أي: عابسة (٢). ﴿تَظُنُّ﴾ أي: تستيقن ﴿أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ قال مجاهد: داهية (٣). وقال قتادة: شر (٤). وقال السدي: تستيقن أنها هالكة. وقال ابن زيد: تظن أن ستدخل النار. وهذا المقام (٥)، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وكقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ [عبس] وكقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤)﴾ إلى قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠)﴾ [الغاشية] في أشباه ذلك من الآيات والسياقات. ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾. يخبر تعالى عن حالة الاحتضار وما عنده من الأهوال ثبتنا الله هنالك بالقول الثابت فقال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ إن جعلنا "كلا" رادعة فمعناها: لست يا ابن آدم هناك تكذب بما أخبرت به بل صار ذلك عندك عيانًا، وإن جعلناها بمعنى حقًّا فظاهر؛ أي: حقًّا إذا بلغت التراقي؛ أي: انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك، والتراقي جمع ترقوة وهي: العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق، كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ [الواقعة] وهكذا قال ههنا: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ ويذكر ههنا حديث بشر بن حجاج الذي تقدم في سورة يس [٧٧]. والتراقي جمع ترقوة وهي قريبة من الحلقوم ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾؟. قال عكرمة، عن ابن عباس: أي من راقٍ يرقي (٦)، وكذا قال أبو قلابة: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾

стр. 4436

أي: مِن طبيب شاف (١)، وكذا قال قتادة والضحاك وابن زيد (٢). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا نصر بن علي، حَدَّثَنَا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، حَدَّثَنَا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾ قيل: من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؛ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة (٣). وبهذا الإسناد عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ قال: التفت عليه الدنيا والآخرة (٤)، وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ يقول آخر يوم من أيام الدنيا أول يوم من أيام الآخرة فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رَحِم الله (٥). وقال عكرمة: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ الأمر العظيم بالأمر العظيم (٦). وقال مجاهد: بلاء ببلاء (٧). وقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾: هما ساقاك إذا التفتا (٨)، وفي رواية عنه ماتت رجلاه فلم تحملاه وقد كان عليهما جوالًا، وكذا قال السدي، عن أبي مالك، وفي رواية عن الحسن: هو لفهما في الكفن (٩). وقال الضحاك: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه (١٠). وقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾ أي: المرجع والمآب وذلك أن الروح ترفع إلى السموات، فيقول الله : ردُّوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، كما ورد في حديث البراء الطويل. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام]. وقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبًا للحق بقلبه متوليًا عن العمل بقالبه، فلا خير فيه باطنًا ولا ظاهرًا، ولهذا قال تعالى:

стр. 4437

﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)﴾ أي: جذلًا أشرًا بطرًا كسلان لا هِمَّة له ولا عمل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)﴾ [المطففين] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ أي: يرجع ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾ [الانشقاق]. وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)﴾ أي: يختال (١). وقال قتادة وزيد بن أسلم: يتبختر (٢). قال الله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ وهذا تهديد ووعيد أكيد من اللَّه تعالى للكافر به المتبختر في مشيه؛ أي: يحق لك أن تمشي هكذا، وقد كفرت بخالقك وبارئك كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكم والتهديد، كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان] وكقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾ [المرسلات]، وكقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] وكقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] إلى غير ذلك. وقد قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان الواسطي، حَدَّثَنَا عبد الرحمن؛ يعني: ابن مهدي، عن إسرائيل، عن موسى بن أبي عائشة قال: سألت سعيد بن جبير قلت: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ قال: قاله النَّبِيّ ﷺ لأبي جهل، ثم نزل به القرآن (٣). وقال أبو عبد الرحمن النسائي: حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبو النعمان، حَدَّثَنَا أبو عوانة (ح) وحدثنا أبو داود، حَدَّثَنَا محمد بن سليمان، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾؟ قال: قاله رسول الله ﷺ لأبي جهل ثم أنزله الله (٤). قال ابن أبي حاتم: وحدثنا أبي، حَدَّثَنَا هشام بن خالد، حَدَّثَنَا شعيب، عن إسحاق، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ وعيد على أثر وعيد كما تسمعون، وزعموا أن عدو الله أبا جهل أخذ نبي اللَّه ﷺ بمجامع ثيابه ثم قال: " ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ " فقال عدو اللَّه أبو جهل: أتوعدني يا محمد؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئًا وإني لأعزّ من مشى بين جبليها (٥). وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ قال السدي: يعني: لا يبعث (٦).

стр. 4438

وقال مجاهد والشافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: لا يؤمر ولا ينهى (١). والظاهر أن الآية تعم الحالين؛ أي: ليس يترك في هذه الدنيا مهملًا لا يؤمر ولا ينهى، ولا يترك في قبره سدى لا يبعث بل هو مأمور منهي في الدنيا محشور إلى اللَّه في الدار الآخرة، والمقصود هنا إثبات المعاد والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد، ولهذا قال تعالى مستدلًا على الإعادة بالبداءة فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ أي: أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين. يمنى: يراق من الأصلاب في الأرحام ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨)﴾ أي: فصار علقة ثم مضغة ثم شكل ونفخ فيه الروح فصار خلقًا سويًا سليم الأعضاء ذكرًا أو أنثى بإذن الله وتقديره. ولهذا قال تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾. ثم قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ أي: أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه وتناول القدرة للإعادة إما بطريق الأولى بالنسبة إلى البداءة وإما مساوية على القولين في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] والأول أشهر كما تقدم في سورة الروم (٢) بيانه وتقريره، واللّه أعلم. قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا الحسن بن محمد [بن] (٣) الصباح، حَدَّثَنَا شبابة، عن شعبة، عن موسى بن أبي عائشة، عن آخر أنه كان فوق سطح يقرأ ويرفع صوته بالقرآن، فإذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ قال: سبحانك اللَّهم فبلى، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول ذلك (٤). وقال أبو داود ﵀: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ قال: سبحانك فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول اللَّه ﷺ (٥). تفرد به أبو داود ولم يسم هذا الصحابي ولا يضر ذلك. وقال أبو داود أيضًا: حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن محمد الزهري، حَدَّثَنَا سفيان، حدثني إسماعيل بن أُمية، سمعت أعرابيًا يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ منكم بالتين والزيتون فانتهى إلى آخرها ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين] فليقل بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ فانتهى إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ فليقل بلى، ومن قرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ [المرسلات: ١] فبلغ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] فليقل: آمنا باللّه" (٦).

стр. 4439

ورواه أحمد، عن سفيان بن عيينة ورواه الترمذي، عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة به، وقد رواه شعبة، عن إسماعيل بن أُمية قال: قلت له من حدثك؟ قال: رجل صدق عن أبي هريرة (١). وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا بشر، حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأها قال: "سبحانك وبلى" (٢). ثم قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان الواسطي، حَدَّثَنَا أبو أحمد الزبيري، حَدَّثَنَا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه مرَّ بهذه الآية: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾؟ قال: سبحانك فبلى (٣). آخر تفسير سورة القيامة، ولله الحمد والمنّة.

стр. 4440

سُوْرَةُ الْإِنْسَانِ وهي مكية قد تقدم في صحيح مسلم عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (١). وقال عبد اللَّه بن وهب: أخبرنا ابن زيد أن رسول الله ﷺ قرأ هذه السورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود فلما، بلغ صفة الجنان زفر فخرجت نفسه فقال رسول الله ﷺ : "أخرج نفس صاحبكم أو قال: أخيكم الشوق إلى الجنة" (٢). مرسل غريب. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئًا يذكر لحقارته وضعفه فقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ ثم بين ذلك فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ أي: أخلاط. والمشج والمشيج: الشيء المختلط بعضه في بعض. قال ابن عَبَّاسٍ: في قوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعدُ من طور إلى طور وحال إلى حال ولون إلى لون (٣)، وهكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن والربيع بن أنس الأمشاج هو: اختلاط ماء الرجل بماء المرأة (٤). وقوله: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ أي: نختبره كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]. ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي: جعلنا له سمعًا وبصرًا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية.

стр. 4441

وقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ أي: بيناه له ووضحناه وبصرناه به كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وكقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد] أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر، وهذا قول عكرمة وعطية وابن زيد ومجاهد في المشهور عنه والجمهور (١). وروي عن مجاهد وأبي صالح والضحاك والسدي أنهم قالوا في قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ يعني: خروجه من الرحم. وهذا قول غريب والصحيح المشهور الأول. وقوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ منصوب على الحال من الهاء في قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ تقديره فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها" (٢). وقد تقدم في سورة الروم عند قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [٣٠] من رواية جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة حتَّى يعرب عنه لسانه إما شاكرًا وإِمَّا كفورًا" (٣). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو عامر، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن جعفر، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال "ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان راية بيد ملك وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب الله اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتَّى يرجع إلى بيته وإن خرج لما يسخط الله اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان حتَّى يرجع إلى بيته" (٤). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن ابن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله أن النَّبِيّ ﷺ قال لكعب بن عجرة: "أعاذك الله من إمارة السفهاء. قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون علي حوضي ومن لم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم وسيردون على حوضي، يا كعب بن عجرة الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان، أو قال: برهان، يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها" (٥). ورواه عن عفان، عن وهيب، عن عبد اللَّه بن خثيم به (٦).

стр. 4442

﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾. يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه من السلاسل والأغلال والسعير؛ وهو: اللهيب والحريق في نار جهنم كما قال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ [غافر]. ولما ذكر ما أعدَّه لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥)﴾ وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة. قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل. ولهذا قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ أي: هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد اللَّه صرفًا بلا مزج ويروون بها، ولهذا ضمن يشرب معنى يروى حتَّى عدَّاه بالباء ونصب عينًا على التَّمييز. قال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور. وقال بعضهم: هو من عين كافور. وقال بعضهم: يجوز أن يكون منصوبًا بـ (يشرب) حكى هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير (١). وقوله تعالى: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ أي: يتصرفون فيها حيث شاؤوا وأين شاؤوا من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم والتفجير هو الإنباع كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ [الإسراء] وقال: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] قال مجاهد: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ يقودونها حيث شاءوا (٢)، وكذا قال عكرمة وقتادة (٣). وقال الثوري: يصرفونها حيث شاءوا (٤). وقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر. قال الإمام مالك: عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن مالك، عن عائشة ﵂ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (٥). رواه البخاري من حديث مالك (٦). ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد، وهو اليوم الذي شره مستطير؛ أي: منتشر عام على الناس إلا من رحم اللَّه.

стр. 4443

قال ابن عَبَّاسٍ: فاشيًا. وقال قتادة: استطار واللّه شر ذلك اليوم حتَّى ملأ السماوات والأرض (١). قال ابن جرير: ومنه قولهم: استطار الصدع في الزجاجة واستطال، ومنه قول الأعشى: فبانت وقد أسأرت في الفؤاد … صدعًا على نأيها مستطيرا (٢) يعني: ممتدًا فاشيًا. وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ قيل: على حب اللَّه تعالى وجعلوا الضمير عائدًا إلى الله لدلالة السياق عليه، والأظهر أن الضمير عائد على الطعام؛ أي: ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له. قاله مجاهد ومقاتل (٣) واختاره ابن جرير، كقوله تعالى ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وكقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وروى البيهقي من طريق الأعمش، عن نافع قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنبًا أول ما جاء العنب، فأرسلت صفية؛ يعني: امرأته فاشترت عنقودًا بدرهم فاتبع الرسول سائل، فلما دخل به قال: السائل السائل فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه إياه، فأرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقودًا، فاتبع الرسول السائل فلما دخل قال: السائل السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه إياه، فأرسلت صفية إلى السائل فقالت: واللّه إن عدت لا تصيب منه خيرًا أبدًا، ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به (٤). وفي الصحيح: أفضل الصدقة أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر (٥)؛ أي: في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾. أما المسكين واليتيم، فقد تقدم بيانهما وصفتهما وأما الأسير فقال سعيد بن جبير والحسن والضحاك: الأسير من أهل القبلة (٦). وقال ابن عَبَّاسٍ: كان أسراؤهم يومئذٍ مشركين (٧)، ويشهد لهذا أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء. وقال عكرمة: هم العبيد (٨). واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك وهكذا قال سعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة.

стр. 4444

وقد وصى رسول الله ﷺ بالإحسان إلى الأرقاء في غير ما حديث حتَّى أنه كان آخر ما أوصى أن جعل يقول الصلاة وما ملكت أيمانكم (١). قال مجاهد: هو المحبوس (٢)؛ أي: يطعمون الطعام لهؤلاء وهم يشتهونه ويحبونه قائلين بلسان الحال ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ أي: رجاء ثواب اللَّه ورضاه ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ أي: لا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها ولا أن تشكرونا عند الناس. قال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم ولكن علم اللَّه به من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب (٣). ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾ أي: إنما نفعل هذا لعل اللَّه أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه في اليوم العبوس القمطرير. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿عَبُوسًا﴾ ضيقًا ﴿قَمْطَريرًا﴾ طويلًا (٤). وقال عكرمة وغيره عنه في قوله: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قال: يعبس الكافر يومئذٍ حتَّى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران (٥). وقال مجاهد: ﴿عَبُوسًا﴾ العابس الشفتين ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ قال: يقبض الوجه بالبسور (٦). وقال سعيد بن جبير وقتادة: تعبس فيه الوجوه من الهول ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ تقليص الجبين وما بين العينين من الهول (٧). وقال ابن زيد العبوس: الشر، والقمطرير: الشديد (٨)، وأوضح العبارات وأجلاها وأحلاها وأعلاها وأولاها قول ابن عباس ﵄. قال ابن جرير: والقمطرير هو: الشديد يقال: هو يوم قمطرير، ويوم قماطر، ويوم عصيب وعصبصب وقد اقمطر اليوم يقمطر اقمطرارًا، وذلك أشد الأيام وأطولها في البلاء والشدة ومنه قول بعضهم: بني عمنا هل تذكرون بلاءنا … عليكم إذا ما كان يوم قُماطر (٩) قال اللَّه تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ وهذا من باب التجانس البليغ

стр. 4445

﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ أي: آمنهم مما خافوا منه ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾ أي: في وجوههم ﴿وَسُرُورًا﴾ أي: في قلوبهم. قاله الحسن البصري وقتادة وأبو العالية والربيع بن أنس (١). وهذه كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾ [عبس]، وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه قال كعب بن مالك في حديثه الطويل: وكان رسول اللَّه ﷺ إذا سر استنار وجهه حتَّى كأنه فلقة قمر (٢). وقالت عائشة: "دخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ مسرورًا تبرق أسارير وجهه" الحديث (٣). وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بسبب صبرهم أعطاهم ونولهم وبوأهم ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ أي: منزلًا رحبًا وعيشًا رغدًا ولباسًا حسنًا. وروى الحافظ بن عساكر في ترجمة هشام بن سليمان الداراني قال: قرئ علي أبي سليمان الداراني سورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ فلما بلغ القارئ إلى قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ قال: بما صبروا على ترك الشهوات في الدنيا، ثم أنشد يقول: كم قتيل لشهوة وأسير … أف من مشتهي خلاف الجميل شهوات الإنسان تورثه الذل … وتلقيه في البلاء الطويل (٤) ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾. يخبر تعالى عن أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم وما أسبغ عليهم من الفضل العميم فقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الصافات، وذكر الخلاف في الاتكاء هل هو الاضطجاع أو التمرفق أو التربع أو التمكن في الجلوس؟ وأن الأرائك هي السرر تحت الحجال. وقوله تعالى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ أي: ليس عندهم حر مزعج ولا برد مؤلم بل هي مزاج واحد دائم سرمدي ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨]. ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ أي: قريبة إليهم أغصانها ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ أي: متى تعاطاه دنا القطف إليه وتدلى من أعلى غصنه كأنه سامع طائع كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وقال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ [الحاقة].

стр. 4446

قال مجاهد: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ إن قام ارتفعت معه بقدر، وإن قعد تذللت له حتَّى ينالها، وإن اضطجع تذللت له حتَّى ينالها فذلك قوله تعالى: ﴿تَذْلِيلًا﴾ (١). وقال قتادة: لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد (٢). وقال مجاهد: أرض الجنة من ورق وترابها المسك وأصول شجرها من ذهب وفضة وأفنانها من اللؤلؤ الرطب والزبرجد والياقوت والورق والثمر بين ذلك، فمن أكل منها قائمًا لم تؤذه، ومن أكل منها قاعدًا لم تؤذه، ومن أكل منها مضطجعًا لم تؤذه (٣). وقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾ أي: يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام وهي من فضة وأكواب الشراب، وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم. وقوله: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فالأول: منصوب بخبر "كان" أي: كانت قوارير. والثاني: منصوب إما على البدلية أو تمييز لأنَّهُ بيَّنه بقوله: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد والحسن البصري وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج (٤). والقوارير لا تكون إلا من زجاج، فهذه الأكواب هي من فضة وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا. قال ابن المبارك: عن إسماعيل، عن رجل، عن ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة (٥). رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ أي: على قدر ريهم لا تزيد عنه ولا تنقص بل هي مُعدَّة لذلك، مقدرة بحسب ريِّ صاحبها هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح وقتادة وابن أبزى وعبد اللَّه بن عمير والشعبي وابن زيد (٦)، وقاله ابن جرير وغير واحد، وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ قدرت للكفّ (٧)، وهكذا قال الربيع بن أنس. وقال الضحاك: على قدر كف الخادم. وهذا لا ينافي القول الأول فإنها مقدرة في القدر والري. وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧)﴾ أي: ويسقون يعني الأبرار أيضًا في هذه الأكواب ﴿كَأْسًا﴾ أي: خمرًا ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور وهو: بارد، وتارة

стр. 4447

بالزنجبيل وهو: حار ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة، وأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صرفًا كما قاله قتادة وغير واحد (١)، وقد تقدم قوله جلَّ وعلا: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ وقال هاهنا ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾ أي: الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلًا. قال عكرمة: اسم عين في الجنة (٢). وقال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة سيلها وحدة جريها (٣). وقال قتادة: عينًا فيها تسمى سلسبيلًا عين سلسة مستقيد ماؤها (٤). وحكى ابن جرير، عن بعضهم أنها سميت بذلك لسلاستها في الحلق (٥)، واختار هو أنها تعم ذلك كله، وهو كما قال. وقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ أي: يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان الجنة ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي: على حالة واحدة مخلدون عليها لا يتغيرون عنها لا تزيد أعمارهم عن تلك السن، ومن فسرهم بأنهم مخرصون في آذانهم الأقرطة فإنما عبر عن المعنى بذلك لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير. وقوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة وكثرتهم وصباحة وجوههم وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم حسبتهم لؤلؤًا منثورًا، ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. قال قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد اللَّه بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم كل خادم على عمل ما عليه صاحبه (٦). وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ﴾ أي: وإذا رأيت يا محمد ﴿ثَمَّ﴾ أي: هناك يعني في الجنة ونعيمها وسعتها وارتفاعها وما فيها من الحبرة والسرور ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ أي: مملكة لله هناك عظيمة وسلطانًا باهرًا، وثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل الجنة دخولًا إليها: إن لك مثلَ الدنيا وعشرة أمثالها (٧)، وقد قدمنا في الحديث المروي من طريق ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه" (٨) فإذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة فما ظنك بما هو أعلى منزلة وأحظى عنده تعالى. وقد روى الطبراني ههنا حديثًا غريبًا جدًا فقال: حَدَّثَنَا علي بن عبد العزيز، حَدَّثَنَا محمد بن عمار

стр. 4448

الموصلي، حَدَّثَنَا عقبة بن سالم، عن أيوب بن عتبة، عن عطاء، عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول اللّه ﷺ : "سل واستفهم" فقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة، أفرأيت إن آمنتُ بما آمنتَ به وعملتُ بما عملتَ به إني لكائن معك في الجنة؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام ثم قال رسول الله ﷺ : "من قال: لا إله إلا اللَّه كان له بها عهد عند اللَّه، ومن قال: سبحان اللَّه وبحمده كتب له مِائَة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة، فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول اللَّه؟ " فقال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة أو نعم اللَّه، فتكاد تستنفد ذلك كله إلا أن يتغمده اللَّه برحمته، ونزلت هذه السورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ فقال الحبشي: وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ قال: نعم فاستبكى حتَّى فاضت نفسه". قال ابن عمر: ولقد رأيت رسول الله ﷺ يدليه في حفرته بيده (١). وقوله: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ أي: لباس أهل الجنة فيها الحرير ومنه سندس وهو: رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم والإستبرق منه ما فيه بريق ولمعان وهو مما يلي الظاهر كما هو المعهود في اللباس. ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهذه صفة الأبرار وأما المقربون فكما قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. ولما ذكر تعالى زينة الظاهر بالحرير والحلي قال بعده: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي: طهر بواطنهم من الحسد والحقد والغلّ والأذى وسائر الأخلاق الرديئة، كما روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة وجدوا هناك عينين فكأنما أُلهموا ذلك فشربوا من إحداهما فأذهب اللَّه ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم، فأخبر بحالهم الظاهر وجمالهم الباطن. وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ أي: يقال لهم ذلك تكريمًا لهم وإحسانًا إليهم كما قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة] وكقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقوله: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ أي: جزاكم اللَّه تعالى على القليل بالكثير. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾. يقول تعالى ممتنًا على رسوله ﷺ بما أنزله عليه من القرآن العظيم تنزيلًا: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾

стр. 4449

أي: كما أكرمتك بما أنزلت عليك فاصبر على قضائه وقدره واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي: لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدك عما أنزل إليك بل بلغ ما أنزل إليك من ربك وتوكل على اللَّه، فإن اللَّه يعصمك من الناس، فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر قلبه ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥)﴾ أي: أول النهار وآخره ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء] وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل]. ثم قال تعالى منكرًا على الكفار ومن أشبههم في حبِّ الدنيا والإقبال عليها والانصباب إليها وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ يعني: يوم القيامة ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ قال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد وغير واحد يعني: خلقهم (١). ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي: وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة وبدلناهم فأعدناهم خلقًا جديدًا، وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة. وقال ابن زيد وابن جرير: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي: وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم (٢). كقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء] وكقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يعني هذه السورة تذكرة ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ومسلكًا؛ أي: من شاء اهتدى بالقرآن كقوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [النساء: ٣٩]. ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: لا يقدر أحد أن يهدي نفسه ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعًا ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له ويقيض له أسبابها ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ أي: يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن يهده فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له. آخر تفسير سورة الإنسان، [واللّه أعلم] (٣).

стр. 4450

سورة المُرسَلَاتِ وهي مكية قال البخاري: حَدَّثَنَا عمر بن حفص بن غياث، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا الأعمش، حدثني إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله هو ابن مسعود ﵁ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في غار بمنى إذ نزل عليه ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فإنه ليتولها وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حيَّة فقال النَّبِيّ ﷺ : "اقتلوها" فابتدرناها فذهبت فقال النَّبِيّ ﷺ : "وقيتْ شرَّكم كما وُقيتم شرَّها" (١). وأخرجه مسلم أيضًا من طريق الأعمش (٢). وقال الإمام أحمد: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس، عن أُمه أنها سمعت النَّبِيّ ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفًا (٣). وفي رواية مالك، عن الزهري، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس أن أُم الفضل سمعته يقرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ فقالت: يا بني أذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب (٤). أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك به (٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾. قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، ثنا زكريا بن سهل المروزي، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، أنا الحسين بن واقد، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ قال: الملائكة (٦). وروي عن مسروق وأبي الضحى ومجاهد في إحدى الروايات والسدي والربيع بن
следующие страницы →