← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

قال مجاهد: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ إن قام ارتفعت معه بقدر، وإن قعد تذللت له حتَّى ينالها، وإن اضطجع تذللت له حتَّى ينالها فذلك قوله تعالى: ﴿تَذْلِيلًا﴾ (١). وقال قتادة: لا يرد أيديهم عنها شوك ولا بعد (٢). وقال مجاهد: أرض الجنة من ورق وترابها المسك وأصول شجرها من ذهب وفضة وأفنانها من اللؤلؤ الرطب والزبرجد والياقوت والورق والثمر بين ذلك، فمن أكل منها قائمًا لم تؤذه، ومن أكل منها قاعدًا لم تؤذه، ومن أكل منها مضطجعًا لم تؤذه (٣). وقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾ أي: يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام وهي من فضة وأكواب الشراب، وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم. وقوله: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فالأول: منصوب بخبر "كان" أي: كانت قوارير. والثاني: منصوب إما على البدلية أو تمييز لأنَّهُ بيَّنه بقوله: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد والحسن البصري وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج (٤). والقوارير لا تكون إلا من زجاج، فهذه الأكواب هي من فضة وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا. قال ابن المبارك: عن إسماعيل، عن رجل، عن ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة (٥). رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ أي: على قدر ريهم لا تزيد عنه ولا تنقص بل هي مُعدَّة لذلك، مقدرة بحسب ريِّ صاحبها هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح وقتادة وابن أبزى وعبد اللَّه بن عمير والشعبي وابن زيد (٦)، وقاله ابن جرير وغير واحد، وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ قدرت للكفّ (٧)، وهكذا قال الربيع بن أنس. وقال الضحاك: على قدر كف الخادم. وهذا لا ينافي القول الأول فإنها مقدرة في القدر والري. وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧)﴾ أي: ويسقون يعني الأبرار أيضًا في هذه الأكواب ﴿كَأْسًا﴾ أي: خمرًا ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور وهو: بارد، وتارة

стр. 4447

بالزنجبيل وهو: حار ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة، وأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صرفًا كما قاله قتادة وغير واحد (١)، وقد تقدم قوله جلَّ وعلا: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ وقال هاهنا ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾ أي: الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلًا. قال عكرمة: اسم عين في الجنة (٢). وقال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة سيلها وحدة جريها (٣). وقال قتادة: عينًا فيها تسمى سلسبيلًا عين سلسة مستقيد ماؤها (٤). وحكى ابن جرير، عن بعضهم أنها سميت بذلك لسلاستها في الحلق (٥)، واختار هو أنها تعم ذلك كله، وهو كما قال. وقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ أي: يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان الجنة ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي: على حالة واحدة مخلدون عليها لا يتغيرون عنها لا تزيد أعمارهم عن تلك السن، ومن فسرهم بأنهم مخرصون في آذانهم الأقرطة فإنما عبر عن المعنى بذلك لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير. وقوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة وكثرتهم وصباحة وجوههم وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم حسبتهم لؤلؤًا منثورًا، ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. قال قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد اللَّه بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم كل خادم على عمل ما عليه صاحبه (٦). وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ﴾ أي: وإذا رأيت يا محمد ﴿ثَمَّ﴾ أي: هناك يعني في الجنة ونعيمها وسعتها وارتفاعها وما فيها من الحبرة والسرور ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ أي: مملكة لله هناك عظيمة وسلطانًا باهرًا، وثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل الجنة دخولًا إليها: إن لك مثلَ الدنيا وعشرة أمثالها (٧)، وقد قدمنا في الحديث المروي من طريق ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه" (٨) فإذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة فما ظنك بما هو أعلى منزلة وأحظى عنده تعالى. وقد روى الطبراني ههنا حديثًا غريبًا جدًا فقال: حَدَّثَنَا علي بن عبد العزيز، حَدَّثَنَا محمد بن عمار

стр. 4448

الموصلي، حَدَّثَنَا عقبة بن سالم، عن أيوب بن عتبة، عن عطاء، عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول اللّه ﷺ : "سل واستفهم" فقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة، أفرأيت إن آمنتُ بما آمنتَ به وعملتُ بما عملتَ به إني لكائن معك في الجنة؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام ثم قال رسول الله ﷺ : "من قال: لا إله إلا اللَّه كان له بها عهد عند اللَّه، ومن قال: سبحان اللَّه وبحمده كتب له مِائَة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة، فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول اللَّه؟ " فقال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة أو نعم اللَّه، فتكاد تستنفد ذلك كله إلا أن يتغمده اللَّه برحمته، ونزلت هذه السورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ فقال الحبشي: وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ قال: نعم فاستبكى حتَّى فاضت نفسه". قال ابن عمر: ولقد رأيت رسول الله ﷺ يدليه في حفرته بيده (١). وقوله: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ أي: لباس أهل الجنة فيها الحرير ومنه سندس وهو: رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم والإستبرق منه ما فيه بريق ولمعان وهو مما يلي الظاهر كما هو المعهود في اللباس. ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهذه صفة الأبرار وأما المقربون فكما قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. ولما ذكر تعالى زينة الظاهر بالحرير والحلي قال بعده: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي: طهر بواطنهم من الحسد والحقد والغلّ والأذى وسائر الأخلاق الرديئة، كما روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة وجدوا هناك عينين فكأنما أُلهموا ذلك فشربوا من إحداهما فأذهب اللَّه ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم، فأخبر بحالهم الظاهر وجمالهم الباطن. وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ أي: يقال لهم ذلك تكريمًا لهم وإحسانًا إليهم كما قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة] وكقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقوله: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ أي: جزاكم اللَّه تعالى على القليل بالكثير. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾. يقول تعالى ممتنًا على رسوله ﷺ بما أنزله عليه من القرآن العظيم تنزيلًا: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾

стр. 4449

أي: كما أكرمتك بما أنزلت عليك فاصبر على قضائه وقدره واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي: لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدك عما أنزل إليك بل بلغ ما أنزل إليك من ربك وتوكل على اللَّه، فإن اللَّه يعصمك من الناس، فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر قلبه ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥)﴾ أي: أول النهار وآخره ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء] وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل]. ثم قال تعالى منكرًا على الكفار ومن أشبههم في حبِّ الدنيا والإقبال عليها والانصباب إليها وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ يعني: يوم القيامة ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ قال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد وغير واحد يعني: خلقهم (١). ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي: وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة وبدلناهم فأعدناهم خلقًا جديدًا، وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة. وقال ابن زيد وابن جرير: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي: وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم (٢). كقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء] وكقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يعني هذه السورة تذكرة ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ومسلكًا؛ أي: من شاء اهتدى بالقرآن كقوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [النساء: ٣٩]. ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: لا يقدر أحد أن يهدي نفسه ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعًا ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له ويقيض له أسبابها ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ أي: يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن يهده فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له. آخر تفسير سورة الإنسان، [واللّه أعلم] (٣).

стр. 4450

سورة المُرسَلَاتِ وهي مكية قال البخاري: حَدَّثَنَا عمر بن حفص بن غياث، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا الأعمش، حدثني إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله هو ابن مسعود ﵁ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في غار بمنى إذ نزل عليه ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فإنه ليتولها وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حيَّة فقال النَّبِيّ ﷺ : "اقتلوها" فابتدرناها فذهبت فقال النَّبِيّ ﷺ : "وقيتْ شرَّكم كما وُقيتم شرَّها" (١). وأخرجه مسلم أيضًا من طريق الأعمش (٢). وقال الإمام أحمد: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس، عن أُمه أنها سمعت النَّبِيّ ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفًا (٣). وفي رواية مالك، عن الزهري، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس أن أُم الفضل سمعته يقرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ فقالت: يا بني أذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب (٤). أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك به (٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾. قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، ثنا زكريا بن سهل المروزي، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، أنا الحسين بن واقد، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ قال: الملائكة (٦). وروي عن مسروق وأبي الضحى ومجاهد في إحدى الروايات والسدي والربيع بن

стр. 4451

أنس مثل ذلك (١)، وروي عن أبي صالح أنه قال: هي الرسل (٢)، وفي رواية عنه: إنها الملائكة، وهكذا قال أبو صالح في العاصفات والناشرات والفارقات والملقيات: إنها الملائكة. وقال الثوري: عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين قال: سألت ابن مسعود عن ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ قال: الريح (٣)، وكذا قال في ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾ إنها الريح، وكذا قال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد وقتادة وأبو صالح في رواية عنه (٤). وتوقف ابن جرير في ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ هل هي الملائكة إذا أرسلت بالعرف أو كعرف الفرس يتبع بعضهم بعضًا أو هي الرياح إذا هبت شيئًا فشيئًا؟ وقطع بأن العاصفات عصفًا: الرياح كما قاله ابن مسعود ومن تابعه، وممن قال ذلك في ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢)﴾ أيضًا علي بن أبي طالب والسدي (٥)، وتوقف في ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾ هل هي الملائكة أو الريح كما تقدم. وعن أبي صالح أن ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣)﴾ هي: المطر (٦)، والأظهر أن ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ هي الرياح كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] وهكذا العاصفات هي الرياح يقال: عصفت الرياح إذا هبَّت بتصويت، وكذا الناشرات هي الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء كما يشاء الرب . وقوله تعالى: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ يعني: الملائكة. قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري (٧)، ولا خلاف ههنا فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق والباطل، والهدي والغي، والحلال والحرام، وتلقي إلى الرسل وحيًا فيه إعذار إلى الخلق وإنذار لهم عقاب اللَّه إن خالفوا أمره. وقوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام؛ أي: ما وعدتم به من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبعث الأجساد وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل عامل بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر إن هذا كله لواقع؛ أي: لكائن لا محالة. ثم قال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾ أي: ذهب ضوءها كقوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ [التكوير] وكقوله: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ [الانفطار]. ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩)﴾ أي: انفطرت وانشقت وتدلَّت أرجاؤها ووهت أطرافها ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ

стр. 4452

نُسِفَتْ (١٠)﴾ أي: ذهب بها فلا يبقى لها عين ولا أثر كقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾ الآية [طه] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾ قال العوفي عن ابن عباس: جمعت (١). وقال ابن زيد: وهذه كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] (٢). وقال مجاهد: ﴿أُقِّتَتْ﴾ أجلت (٣). وقال الثوري: عن منصور، عن إبراهيم: ﴿أُقِّتَتْ﴾ أوعدت (٤)، وكأنه يجعلها كقوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾ [الزمر]. ثم قال تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ يقول تعالى لأي يوم أجلت الرسل وأرجئ أمرها؟ حتَّى تقوم الساعة. كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم] وهو يوم الفصل كما قال تعالى: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾. ثم قال تعالى معظمًا لشأنه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ أي: ويل لهم من عذاب الله غدًا، وقد قدمنا في الحديث أن ويل وادٍ في جهنم، ولا يصح. ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾. يقول تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾؟ يعني: من المكذبين للرسل المخالفين لما جاءوهم به ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧)﴾ أي: ممن أشبههم ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾ قاله ابن جرير (٥). ثم قال تعالى ممتنًا على خلقه ومحتجًا على الإعادة بالبداءة: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾ أي: ضعيف حقير بالنسبة إلى قدرة الباري كما تقدم في سورة يس في حديث بشر بن جحاش بن آدم: أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه (٦)؟ ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)﴾ يعني:

стр. 4453

جمعناه في الرحم، وهو قرار الماء من الرجل والمرأة، والرحم مُعدّ لذلك حافظ لما أودع فيه من الماء. وقوله: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾ يعني: إلى مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)﴾. ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ قال ابن عَبَّاسٍ: ﴿كِفَاتًا﴾ كنًّا (١). وقال مجاهد: يكفت الميت فلا يرى منه شيء (٢). وقال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم (٣)، وكذا قال مجاهد وقتادة (٤). ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ يعني: الجبال أرسى بها الأرض لئلا تميد وتضطرب ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ أي: عذبًا زلالًا من السحاب أو مما أنبعه من عيون الأرض. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾ أي: ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها. ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه وكفره. ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن الكفار المكذبين بالمعاد والجزاء والجنة والنار، أنهم يقال لهم يوم القيامة: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠)﴾ يعني: لهب النار إذا ارتفع وصعد معه دخان، فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾ أي: ظل الدخان المقابل للهب لا ظليل هو في نفسه ولا يغني من اللهب، يعني: ولا يقيهم حر اللهب. وقوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾ أي: يتطاير الشرر من لهبها كالقصر، قال ابن مسعود: كالحصون (٥). وقال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد وقتادة ومالك، عن زيد بن أسلم وغيرهم يعني: أصول الشجر (٦).

стр. 4454

﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ أي: كالإبل السود. قاله مجاهد والحسن وقتادة والضحاك واختاره ابن جرير (١). وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ يعني: حبال السفن (٢)، وعنه أعني ابن عباس ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ قطع نحاس (٣). وقال البخاري: حَدَّثَنَا عمرو بن علي، حَدَّثَنَا يحيى، أخبرنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، قال سمعت ابن عباس: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾ قال: كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوق ذلك، فنرفعه للبناء فنسميه القصر ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ حبال السفن تجمع حتَّى تكون كأوساط الرجال (٤). ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾. ثم قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ أي: لا يتكلمون ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ أي: لا يقدرون على الكلام ولا يؤذن لهم فيه ليعتذروا بل قد قامت عليهم الحجة ووقع القول عليهم بما ظلموا، فهم لا ينطقون وعرصات القيامة حالات، والربُّ تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة وعن هذه الحال تارة ليدل على شدة الأهوال والزلازل يومئذٍ، ولهذا يقول بعد كل فصل من هذا الكلام ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)﴾. وقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ وهذه مخاطبة من الخالق تعالى لعباده يقول لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ يعني: أنه جمعهم بقدرته في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر. وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ تهديد شديد ووعيد أكيد؛ أي: إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي وتنجوا من حكمي فافعلوا فإنكم لا تقدرون على ذلك كما قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن] وقد قال تعالى ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ [هود: ٥٧]. وفي الحديث: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني" (٥). وقد قال ابن أبي حاتم: ثنا علي بن المنذر الطريقي الأودي، ثنا محمد بن فضيل، ثنا حصين بن عبد الرحمن، عن حسان بن أبي المخارق، عن أبي عبد اللَّه الجدلي قال: أتيت بيت المقدس فإذا عبادة بن الصامت وعبد اللَّه بن عمرو وكعب الأحبار يتحدثون في بيت المقدس، فقال عبادة: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ينفذهم ويسمعهم الداعي ويقول اللَّه: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ اليوم لا

стр. 4455

ينجو مني جبار عنيد ولا شيطان مريد. فقال عبد اللَّه بن عمرو: فإنا نحدث يومئذٍ أنها تخرج عنق من النار فتنطلق حتَّى إذا كانت بين ظهراني الناس نادت: أيها الناس إني بعثت إلى ثلاثة أنا أعرَفُ بهم من الأب بولده، ومن الأخ بأخيه، لا يغيبهم عني وزر، ولا تخفيهم عني خافية الذي جعل مع الله إلهًا آخر، وكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد، فتنطوي عليهم فتقذف بهم في النار قبل الحساب بأربعين سنة (١). ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن عباده المتقين الذين عبدوه بأداء الواجبات وترك المحرمات: إنهم يوم القيامة يكونون في جنان وعيون؛ أي: بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من ظل اليحموم، وهو الدخان الأسود المنتن. وقوله تعالى: ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: ومن سائر أنواع الثمار مهما طلبوا وجدوا ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم ثم قال تعالى مخبرًا خبرًا مستأنفًا: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤)﴾ أي: هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾ خطاب للمكذبين بيوم الدين وأمرهم أمر تهديد ووعيد فقال تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ أي: مدة قليلة قريبة قصيرة ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ أي: ثم تساقون إلى نار جهنم التي تقدم ذكرها ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)﴾ كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس]. وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ أي: إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه ولهذا قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي كلام يؤمنون به كقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦]. قال ابن أبي حاتم: ثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أُمية سمعت رجلًا أعرابيًا بدويًا يقول سمعت أبا هريرة يرويه إذا قرأ والمرسلات عرفًا فقرأ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾ فليقل آمنت بالله وبما أنزل. وقد تقدم هذا الحديث في سورة القيامة (٢). آخر سورة المرسلات، [ولله الحمد والمنَّة] (٣).

стр. 4456

سُوْرَةُ النَّبَإِ وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾. يقول تعالى منكرًا على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكارًا لوقوعها: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ أي: عن أي شيء يتساءلون؟ عن أمر القيامة وهو: النبأ العظيم، يعني: الخبر الهائل المفظع الباهر. قال قتادة وابن زيد: ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ البعث بعد الموت (١). وقال مجاهد: هو القرآن (٢). والأظهر الأول لقوله: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ يعني: الناس فيه على قولين: مؤمن به وكافر. ثم قال تعالى متوعدًا لمنكري القيامة: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكد، ثم شرع ﵎ يبين قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة والأمور العجيبة الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾ أي: ممهدة للخلائق ذلولا لهم قارة ساكنة ثابتة ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ أي: جعلها لها أوتادًا أرساها بها، وثبَّتها وقرَّرها حتَّى سكنت ولم تضطرب بمَن عليها. ثم قال: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)﴾ يعني: ذكرًا وأنثى يستمتع كل منهما بالآخر ويحصل التناسل بذلك كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩)﴾ أي: قطعًا للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد والسعي في المعايش في عرض النهار، وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة الفرقان (٣). ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾ أي: يغشي الناس ظلامه وسواده كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ [الشمس]

стр. 4457

وقال الشاعر (١): فلما لَبِسنَ الليل أو حين نَصَّبت … له من خذا (٢) آذانها وهو جانحُ (٣) وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾: أي سكنًا. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ أي: جعلناه مشرقًا نيِّرًا مضيئا ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ يعني: السماوات السبع في اتساعها. وارتفاعها وإحكامها وإتقانها وتزيينها بالكواكب الثوابت والسيارات ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣)﴾ يعني: الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤)﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾ الريح (٤). وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبو سعيد، ثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ قال: الرياح (٥). وكذا قال عكرمة ومجاهد وقتادة ومقاتل والكلبي وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن أنها الرياح (٦). ومعنى هذا القول أنها تستدر المطر من السحاب. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ أي: من السحاب (٧). وكذا قال عكرمة أيضًا وأبو العالية والضحاك والحسن والربيع بن أنس والثوري واختاره ابن جرير (٨). وقال الفراء: هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولم تمطر بعد كما يقال: امرأة معصر إذا دنا حيضها ولم تحض (٩). وعن الحسن وقتادة: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ يعني: السماوات (١٠). وهذا قول غريب والأظهر أن المراد بالمعصرات السحاب كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ

стр. 4458

الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [الروم: ٤٨]. أي: من بينه. وقوله: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس: ﴿ثَجَّاجًا﴾ منصبًّا (١). وقال الثوري: متتابعًا (٢). وقال ابن زيد: كثيرًا (٣). قال ابن جرير: ولا يعرف في كلام العرب في صفة الكثرة الثجّ، وإنما الثجُّ الصبُّ المتتابع ومنه قول النَّبِيّ ﷺ : "أفضل الحج العجّ والثجّ" (٤) يعني: صبَّ دماء البدن (٥)، هكذا قال. قلت: وفي حديث المستحاضة حين قال لها رسول الله ﷺ : "أنعت لك الكرسف" يعني: أن تحتشي بالقطن فقالت: يا رسول الله هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجًا (٦). وهذا فيه دلالة على استعمال الثج في الصبِّ المتتابع الكثير والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾ أي: لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المبارك ﴿حَبًّا﴾ يدخر للأناسي والأنعام ﴿وَنَبَاتًا﴾ أي: خضرًا يؤكل رطبًا ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ أي: بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة وألوان مختلفة وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعًا ولهذا قال: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾. قال ابنِ عباس وغيره: ﴿أَلْفَافًا﴾ مجتمعة (٧). وهذه كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ الآية [الرعد: ٤].

стр. 4459

﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن يوم الفصل وهو يوم القيامة أنه مؤقت بأجل معدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾ [هود]. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾ قال مجاهد: زمرًا زمرًا (١). قال ابن جرير: يعني تأتي كل أمة مع رسولها (٢). كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]. وقال البخاري: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾ حَدَّثَنَا محمد، حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما بين النفختين أربعون" قالوا: أربعون يومًا؟ قال: "أبيت" (٣). قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: "أبيتُ". قالوا: أربعون سنة؟ قال: "أبيت"، قال: ثم ينزل اللَّه من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة (٤). ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾ أي: طرقًا ومسالك لنزول الملائكة ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾، كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وكقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [القارعة] وقال ههنا: ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ أي: يخيل إلى الناظر أنها شيء وليست بشيء، وبعد هذا تذهب بالكلية فلا عين ولا أثر كما قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه]، وقال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]. وقوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١)﴾ أي: مرصدة معدة ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ وهم: المردة العصاة المخالفون للرسل ﴿مَآبًا﴾ أي: مرجعًا ومنقلبًا ومصيرًا ونزلًا. وقال الحسن وقتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١)﴾: يعني: أنه لا يدخل أحد الجنة حتَّى يجتاز بالنار، فإن كان معه جواز نجا وإلا احتبس (٥).

стр. 4460

وقال سفيان الثوري: عليها ثلاث قناطر (١). وقوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ أي: ماكثين فيها أحقابًا، وهي جمع حقب، وهو: المدة من الزمان، وقد اختلفوا في مقداره. فقال ابن جرير، عن ابن حميد، عن مهران، عن سفيان الثوري، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال علي بن أبي طالب لهلال الهجري: ما تجدون الحقب في كتاب اللَّه المنزل؟ قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة اثنا عَشَرَ شهرًا، كل شهر ثلاثون يومًا، كل يوم ألف سنة (٢). وهكذا روي عن أبي هريرة وعبد اللَّه بن عمرو وابن عباس وسعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والحسن وقتادة والربيع بن أنس والضحاك (٣). وعن الحسن والسدي أيضًا: سبعون سنة كذلك (٤). وعن عبد الله بن عمرو: الحقب أربعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون. رواهما ابن أبي حاتم. وقال بُشير بن كعب: ذُكر لي أن الحقب الواحد ثلاثمائة سنة، كل سنة اثنا عشر شهرًا، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم منها كألف سنة (٥). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. ثم قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن عمرو بن علي بن أبي بكر [الأسفيدي] (٦)، حَدَّثَنَا مروان بن معاوية الفزاري، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن النَّبِيّ ﷺ في قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ قال: فالحقب شهر، الشهر ثلاثون يومًا، والسنة اثنا عشر شهرًا، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، فالحقب ثلاثون ألف ألف سنة (٧). وهذا حديث منكر جدًا والقاسم هو والراوي عنه وهو جعفر بن الزبير كلاهما متروك. وقال البزار: حَدَّثَنَا محمد بن مرداس، حَدَّثَنَا سليمان بن مسلم أبو العلاء قال: سألت سليمان التيمي هل يخرج من النار أحد؟ فقال: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "واللّه لا يخرج من النار أحد حتَّى يمكث فيها أحقابًا، قال: والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما مما تعدون" (٨) ثم قال: سليمان بن مسلم بصري مشهور.

стр. 4461

وقال السدي: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ سبعمائة حقب، كل حقب سبعون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم كألف سنة مما تعدون. وقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ (١). وقال خالد بن معدان: هذه الآية وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] في أهل التوحيد (٢). رواهما ابن جرير ثم قال: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ متعلقًا بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾ (٣) ثم يحدث الله لهم بعد ذلك عذابًا من شكل آخر ونوع آخر، ثم قال: والصحيح أنها لا انقضاء لها كما قال قتادة والربيع بن أنس. وقد قال قبل ذلك: حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي، حَدَّثَنَا عمرو بن أبي سلمة، عن زهير، عن سالم، سمعت الحسن يسأل عن قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ قال: أما الأحقاب فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكروا أن الحقب: سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون (٤). وقال سعيد، عن قتادة قال الله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ وهو ما لا انقطاع له، وكلما مضى حقب جاء حقب بعده، وذُكرَ لنا أن الحقب: ثمانون سنة (٥). وقال الربيع بن أنس: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ لا يعلم عدة هذه الأحقاب إلا الله ، وذُكر لنا أن الحقب الواحد: ثمانون سنة والسنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم كألف سنة مما تعدون (٦). رواهما أيضًا ابن جرير. وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾ أي: لا يجدون في جهنم بردًا لقلوبهم ولا شرابًا طيبًا يتغذون به ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾. قال أبو العالية: استثنى من البرد الحميم ومن الشراب الغساق (٧)، وكذا قال الربيع بن أنس، فأما الحميم: فهو الحار الذي قد انتهى حره وحموه، والغساق: هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده، ولا يواجه من نتنه. وقد قدمنا الكلام على الغساق في سورة ص (٨) بما أغنى عن إعادته أجارنا اللَّه من ذلك بمنِّه وكرمه.

стр. 4462

قال ابن جرير: وقيل: المراد بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ يعني: النوم كما قال الكندي: بردت مراشفها عليَّ فصدَّني … عنها وعن قُبُلاتها البرد يعني بالبرد: النعاس (١) والنوم، هكذا ذكره ولم يعزه إلى أحد، وقد رواه ابن أبي حاتم من طريق السدي، عن مُرة الطيب (٢)، ونقله عن مجاهد أيضًا، وحكاه البغوي عن أبي عبيدة والكسائي أيضًا (٣). وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ أي: هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا قاله مجاهد وقتادة وغير واحد (٤). ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾ أي: لم يكونوا يعتقدون أن ثم دارًا يجازون فيها ويحاسبون ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)﴾ أي: وكانوا يكذبون بحجج اللَّه ودلائله على خلقه التي أنزلها على رسله ﷺ ، فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة. وقوله: ﴿كِذَّابًا﴾ أي: تكذيبًا، وهو مصدر من غير الفعل قالوا: وقد سمع أعرابي يستفتي الفراء على المروة: الحلق أحب إليك أو القصار؟ وأنشد بعضهم: لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي … وعن حوج [قضاؤها] (٥) من شفائيا (٦) وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾ أي: وقد علمنا أعمال العباد كلهم وكتبناها عليهم، وسنجزيهم على ذلك إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ أي: يقال لأهل النار: ذوقوا ما أنتم فيه فلن نزيدكم إلا عذابًا من جنسه ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص]. قال قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو قال: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ قال: فهم في مزيد من العذاب أبدًا (٧). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمد بن محمد بن مصعب الصوري، حَدَّثَنَا خالد بن عبد الرحمن، حَدَّثَنَا جسر بن فرقد، عن الحسن قال: سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب اللَّه على أهل النار. قال: سمعت رسول اللّه ﷺ قرأ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ قال: هلك القوم بمعاصيهم الله (٨). جسر بن فرقد ضعيف الحديث بالكلية.

стр. 4463

﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن السعداء، وما أعدَّ لهم تعالى من الكرامة والنعيم المقيم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١)﴾ قال ابن عَبَّاسٍ والضحاك: متنزهًا (١). وقال مجاهد وقتادة: فازوا فنجوا من النار (٢). والأظهر ههنا قول ابن عباس؛ لأنَّهُ قال بعده: ﴿حَدَائِقَ﴾ والحدائق البساتين من النخيل وغيرها ﴿وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)﴾ أي: وحورًا كواعب. قال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد وغير واحد: ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ أي: نواهد (٣). يعنون: أن ثديهن نواهد لم يتدلين لأنهن أبكار عرب أتراب أي: في سن واحد كما تقدم بيانه في سورة الواقعة. قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي، عن أبي سفيان عبد الرحمن بن [عبد الله] (٤) بن تيم، حَدَّثَنَا عطية بن سليمان أبو الغيث، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن أبي القاسم الدمشقي، عن أبي أُمامة أنه سمعه يحدث عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "إن قمص أهل الجنة لتبدوا من رضوان اللَّه، وإن السحابة لتمرّ بهم فتناديهم: يا أهل الجنة ماذا تريدون أن أمطركم؟ حتَّى إنها لتمطرهم الكواعب الأتراب" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾ قال ابن عَبَّاسٍ: مملوءة متتابعة (٦). وقال عكرمة: صافية (٧). وقال مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد: ﴿دِهَاقًا﴾ الملأى المترعة (٨). وقال مجاهد وسعيد بن جبير: هي المتتابعة (٩). وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥)﴾ كقوله: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] أي: ليس فيها كلام لاغ عار عن الفائدة، ولا إثم كذب بل هي دار السلام، وكل ما فيها سالم من النقص وقوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾ أي: هذا الذي ذكرناه جازاهم اللَّه به

стр. 4464

وأعطاهموه بفضله ومنه وإحسانه ورحمته عطاء حسابًا أي: كافيًا وافيًا سالمًا كثيرًا. تقول العرب: أعطاني فأحسبني أي: كفاني، ومنه: حسبي اللَّه؛ أي: اللَّه كافيّ. ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾. يخبر تعالى عن عظمته وجلاله، وأنه ربُّ السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، وأنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء. وقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ أي: لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]. وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾. اختلف المفسرون في المراد بالروح ههنا ما هو؟ على أقوال: أحدها: ما رواه العوفي عن ابن عباس: أنهم أرواح بني آدم. الثاني: هم: بنو آدم (١). قاله الحسن وقتادة (٢). وقال قتادة: هذا مما كان ابن عباس يكتمه (٣). الثالث: أنهم خلق من خلق اللَّه على صور بني آدم وليسوا بملائكة ولا بشر، وهم يأكلون ويشربون قاله ابن عباس ومجاهد وأبو صالح والأعمش (٤). الرابع: هو: جبريل، قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك (٥). ويستشهد لهذا القول بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء]. وقال مقاتل بن حيان: الروح هو أشرف الملائكة وأقرب إلى الربِّ وصاحب الوحي (٦). الخامس: أنه القرآن قاله ابن زيد (٧). كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ الآية [الشورى: ٥٢].

стр. 4465

والسادس: أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال: هو ملك عظيم من أعظم الملائكة خلقًا (١). وقال ابن جرير: حدثني محمد بن خلف العسقلاني، حَدَّثَنَا رواد بن الجراح، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: الروح في السماء الرابعة، هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق اللَّه تعالى من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يجيء يوم القيامة صفًا وحده (٢). وهذا قول غريب جدًا. وقد قال الطبراني: حَدَّثَنَا محمد بن عبد اللَّه بن عرس المصري، حَدَّثَنَا وهب [اللّه بن روق بن هبيرة، حَدَّثَنَا بشر بن بكر] (٣)، حَدَّثَنَا الأوزاعي، حدثني عطاء، عن عبد اللَّه بن عباس سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لله ملكًا لو قيل له: التقم السماوات السبع والأرضين بلقمة واحدة، لفعل، تسبيحه: سبحانك حيث كنت" (٤). وهذا حديث غريب جدًا وفي رفعه نظر، وقد يكون موقوفًا على ابن عباس، ويكون مما تلقاه من الإسرائيليات، واللّه أعلم. وتوقف ابن جرير فلم يقطع بواحد من هذه الأقوال كلها. والأشبه عندي واللّه أعلم: أنهم بنو آدم. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ كقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]، وكما ثبت في الصحيح: "لا يتكلم يومئذ إلا الرسل" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي: حقًّا، ومن الحق "لا إله إلا اللَّه" كما قاله أبو صالح وعكرمة (٦). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ أي: الكائن لا محالة ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ أي: مرجعًا وطريقًا يهتدي إليه ومنهجًا يمرُّ به عليه. وقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ يعني: يوم القيامة لتأكد وقوعه صار قريبًا لأن كل ما هو قريبٌ آت. ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ أي: يعرض عليه جميع أعماله خيرها وشرها قديمها وحديثها كقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] وكقوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [القيامة].

стр. 4466

﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ أي: يود الكافر يومئذٍ أنه كان في الدار الدنيا ترابًا، ولم يكن خلق ولا خرج إلى الوجود، وذلك حين عاين عذاب اللَّه ونظر إلى أعماله الفاسدة قد سطرت عليه بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة. وقيل: إنما يَود ذلك حين يحكم اللَّه بين الحيوانات التي كانت في الدنيا فيفصل بينها بحكمه العدل الذي لا يجور حتَّى إنه ليقتصَّ للشاة الجماء من القرناء، فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها: كوني ترابًا فتصير ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ أي: كنت حيوانًا فأرجع إلى التراب، وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور (١)، وورد فيه آثار عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهما. آخر تفسير سورة عمّ، وللّه الحمد والمنَّة.

стр. 4467

سُوْرَةُ النَّازِعَاتِ وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾. قال ابن مسعود وابن عباس ومسروق وسعيد بن جبير وأبو صالح وأبو الضحى والسدي: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١)﴾ الملائكة (١). يعنون: حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط، وهو قوله: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾ قاله ابن عباس (٢). وعن ابن عباس ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ هي: أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار. رواه ابن أبي حاتم. وقال مجاهد: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١)﴾ الموت (٣). وقال الحسن وقتادة: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾ هي النجوم (٤). وقال عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾، ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾: هي: القسي في القتال (٥). والصحيح الأول وعليه الأكثرون. وأما قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣)﴾ فقال ابن مسعود: هي الملائكة (٦)، وروي عن علي

стр. 4468

ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح مثل ذلك (١). وعن مجاهد: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣)﴾ الموت (٢). وقال قتادة: هي النجوم (٣). وقال عطاء بن أبي رباح: هي السفن (٤). وقوله تعالى: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤)﴾ روي عن علي ومسروق ومجاهد وأبي صالح والحسن البصري يعني: الملائكة (٥). قال الحسن: سبقت إلى الإيمان والتصديق به. وعن مجاهد: الموت (٦). وقال قتادة: هي النجوم. وقال عطاء: هي الخيل في سبيل اللَّه (٧). وقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ قال علي ومجاهد وعطاء وأبو صالح والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي: هي الملائكة (٨)، زاد الحسن: تدبر الأمر من السماء إلى الأرض؛ يعني: بأمر ربها ، ولم يختلفوا في هذا. ولم يقطع ابن جرير بالمراد في شيء من ذلك إلا أنه حكى في ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ أنها الملائكة، ولا أثبتَ ولا نفىَ (٩). وقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾ قال ابن عَبَّاسٍ: هما النفختان الأولى والثانية (١٠)، وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغير واحد (١١). وعن مجاهد: أما الأولى وهي قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾ فكقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤] والثانية وهي الرادفة فهي كقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة] (١٢).

стр. 4469

وقد قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا سفيان، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن أبي الطفيل بن أُبي بن كعب، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه" فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: إذًا يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك" (١). وقد روى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري بإسناده مثله، ولفظ الترمذي وابن أبي حاتم: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: "يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه" (٢). وقوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ قال ابن عَبَّاسٍ: يعني: خائفة (٣)، وكذا قال مجاهد وقتادة (٤). ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾ أي: أبصار أصحابها وإنما أضيف إليها للملابسة أي ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠)﴾ يعني: مشركي قريش. ومن قال بقولهم في إنكار المعاد يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى الحافرة وهي القبور، قاله مجاهد (٥)، وبعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم ونخورها ولهذا قالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١)﴾ وقرئ "ناخرة" (٦). وقال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد وقتادة: أي بالية (٧). قال ابن عَبَّاسٍ: وهو العظم إذا بلي ودخلت الريح فيه. ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾ وعن ابن عباس ومحمد بن كعب وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والسدي وقتادة: ﴿الْحَافِرَةِ﴾ الحياة بعد الموت (٨). وقال ابن زيد: ﴿الْحَافِرَةِ﴾ النار (٩). وما أكثر أسماءها هي النار والجحيم وسقر وجهنم والهاوية والحافرة ولظى والحطمة. وأما قولهم: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ فقال محمد بن كعب: قالت قريش: لئن أحيانا اللَّه بعد أن

стр. 4470

نموت لنخسرنَّ (١). قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ أي: فإنما هو أمر من اللَّه لا مثنوية فيه ولا تأكيد، فإذا الناس قيام ينظرون، وهو أن يأمر اللَّه تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث فإذا الأولون والآخرون قيام بين يدي الربِّ ينظرون كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ [الإسراء]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧]. قال مجاهد: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ صيحة واحدة (٢). وقال إبراهيم التيمي: أشد ما يكون الربُّ غضبًا على خلقه يوم يبعثهم. وقال الحسن البصري: زجرة من الغضب. وقال أبو مالك والربيع بن أنس: زجرة واحدة هي: النفخة الآخرة. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ قال ابن عَبَّاسٍ: الساهرة: الأرض كلها (٣)، وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وأبو صالح. وقال عكرمة والحسن والضحاك وابن زيد: الساهرة وجه الأرض (٤). وقال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها. قال: والساهرة: المكان المستوي (٥). وقال الثوري: الساهرة أرض الشام (٦). وقال عثمان بن أبي العاتكة: الساهرة: أرض بيت المقدس (٧). وقال وهب بن منبه: الساهرة: جبل إلى جانب بيت المقدس (٨). وقال قتادة أيضًا: الساهرة: جهنم (٩). وهذه أقوال كلها غريبة والصحيح أنها الأرض وجهها الأعلى. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا خزر بن المبارك الشيخ الصالح، حَدَّثَنَا بشر بن [السريّ] (١٠)، حَدَّثَنَا مصعب بن ثابت، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي ﴿فَإِذَا

стр. 4471

هُم بِاَلسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ قال: أرض بيضاء عفراء خالية كالخبزة النقي (١). وقال الربيع بن أنس: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ يقول الله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ السَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم] ويقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه]. وقال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] وبرزت الأرض التي عليها الجبال، وهي لا تعد من هذه الأرض، وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة، ولم يهرق عليها دم. ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾. يخبر تعالى رسوله محمدًا ﷺ عن عبده ورسوله موسى ﵇ أنه ابتعثه إلى فرعون، وأيده اللَّه بالمعجزات، ومع هذا استمر على كفره وطغيانه حتَّى أخذه اللَّه أخذ عزيز مقتدر، وكذلك عاقبة من خالفك وكذب بما جئت به، ولهذا قال في آخر القصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ فقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥)﴾ أي: هل سمعت بخبره؟ ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: كلمه نداء ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي: المطهر ﴿طُوًى﴾ هو: اسم الوادي على الصحيح كما تقدم في سورة طه فقال له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧)﴾ أي: تجبر وتمرد وعتا ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ أي: قل له: هل لك أن تجيب إلى طريقة ومسلك تزكى به وتسلم وتطيع؟ ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: أدلك إلى عبادة ربك ﴿فَتَخْشَى﴾ أي: فيصير قلبك خاضعًا له مطيعًا خاشعًا بعد ما كان قاسيًا خبيثًا بعيدًا من الخير. ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾ يعني: فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قوية ودليلًا واضحًا على صدق ما جاءه به من عند اللَّه. ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١)﴾ أي: فكذب بالحق وخالف ما أمره به من الطاعة، وحاصله أنه كفر قلبه فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره، وعلمه بأن ما جاء به حق لا يلزم منه أنه مؤمن به لأن المعرفة علم القلب والإيمان عمله وهو الانقياد للحق والخضوع. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢)﴾ أي: في مقابلة الحق بالباطل وهو جمعه السحرة ليقابلوا ما جاء به موسى ﵇ من المعجزات الباهرات ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣)﴾ أي: في قومه ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾. قال ابن عَبَّاسٍ ومجاهد: وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] بأربعين سنة (٢).

стр. 4472

قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ أي: انتقم الله منه انتقامًا جعله به عبرة ونكالًا لأمثاله من المتمردين في الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ [القصص] وهذا هو الصحيح في معنى الآية أن المراد بقوله: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ أي: الدنيا والآخرة. وقيل: المراد بذلك: كلمتاه: الأولى والثانية. وقيل: كفره وعصيانه. والصحيح الذي لا شك فيه: الأول. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ أي: لمن يتعظ وينزجر. ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾. يقول تعالى محتجًا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ أيها الناس ﴿أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾؟ يعني: بل السماء أشد خلقًا منكم كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ [يس]. وقوله: ﴿بَنَاهَا﴾ فسره بقوله: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ أي: جعلها عالية البناء بعيدة الفناء مستوية الأرجاء مكلَّلة بالكواكب في الليلة الظلماء. وقوله تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩)﴾ أي: جعل ليلها مظلمًا أسود حالكًا، ونهارها مضيئًا مشرقًا نيرًا واضحًا. وقال ابن عباس: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ أظلمه (١)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وجماعة كثيرون (٢). ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ أي: أنار نهارها. وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ فسره بقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ وقد تقدم في سورة حم السجدة (٣) أن الأرض خلقت قبل خلق السماء، ولكن إنما دُحيت بعد خلق السماء بمعنى: أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل، وهذا معنى قول ابن عباس وغير واحد واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله يعني: ابن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿دَحَاهَا﴾ ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق فيها الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال

стр. 4473

والسبل والآكام (١)، فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ وقد تقدم تقرير ذلك هنالك (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ أي: قررها وأثبتها وأكدها في أماكنها، وهو الحكيم العليم الرؤوف بخلقه الرحيم. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال" فقالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم: الحديد. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك أشد من النار؟ قال: نعم الماء. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم الريح. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم يتصدق بيمينه يخفيها عن شماله (٣). وقال أبو جعفر ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي قال: لما خلق الله الأرض [قمصت] (٤) وقالت: تخلق عليَّ آدم وذريته، يلقون علي نتنهم ويعملون علي بالخطايا، فأرساها الله بالجبال فمنها ما ترون ومنها ما لا ترون، وكان أول قرار الأرض كلحم الجزور إذا نحر يختلج لحمه (٥). غريب. وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ أي: دحا الأرض فأنبع عيونها، وأظهر مكنونها، وأجرى أنهارها، وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها، وثبَّت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها، كل ذلك متاعًا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذا الدار إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل. ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾. يقول تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ وهو: يوم القيامة، قاله ابن عباس (٦). سميت بذلك لأنها تطمُّ على كل أمر هائل مفظع كما قال تعالى: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦].

стр. 4474

﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾ أي: حينئذٍ يتذكر ابن آدم جميع عمله خيره وشره كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣]. ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦)﴾ أي: أظهرت للناظرين فرآها الناس عيانًا ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧)﴾ أي: تمرد وعتا ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨)﴾ أي: قدمها على أمر دينه وأخراه ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾ أي: فإن مصيره إلى الجحيم وإن مطعمه من الزقوم ومشربه من الحميم. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠)﴾ أي: خاف القيام بين يدي الله ، وخاف حكم الله فيه، ونهى نفسه عن هواها وردها إلى طاعة مولاها ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ أي: منقلبه ومصيره ورجعه إلى الجنة الفيحاء. ثم قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ أي: ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق بل مردها ومرجعها إلى الله ، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقال هاهنا: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ ولهذا لما سأل جبريل رسول الله ﷺ عن وقت الساعة قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ أي: إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه، فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده أتبعك فأفلح وأنجح، والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (٤٦) أي: إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون مدة الحياة الدنيا حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضحى من يوم. قال جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ أما عشية فما بين الظهر إلى غروب الشمس ﴿أَوْ ضُحَاهَا﴾ ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار (٢). وقال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة (٣). آخر تفسير سورة النازعات، [ولله الحمد والمنة] (٤).

стр. 4475

سُورَةُ عَبَسَ وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾. ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يومًا يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أُم مكتوم وكان ممن أسلم قديمًا، فجعل يسأل رسول الله ﷺ عن شيء ويلحُّ عليه، وودَّ النبي ﷺ أن لو كفَّ ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعًا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾ أي: يحصل له زكاة وطهارة في نفسه ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾ أي: يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ أي: أما الغني فأنت تتعرض له لعله يهتدي ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾ أي: ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩)﴾ أي: يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له: ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾ أي: تتشاغل، ومن ههنا أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن لا يخص بالإنذار أحدًا بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار، ثم الله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. قال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا محمد بن مهدي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس ﵁ في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ جاء ابن أُم مكتوم إلى النبي ﷺ وهو يكلم أُبي بن خلف فأعرض عنه، فأنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ فكان النبي ﷺ بعد ذلك يكرمه. قال قتادة: وأخبرني أنس بن مالك قال: رأيته يوم القادسية وعليه درع، ومعه راية سوداء يعني: ابن أُم مكتوم (١).

стр. 4476

وقال أبو يعلى وابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثني أبي، عن هشام بن عروة [مما عرضه عليه عن عروة] (١) عن عائشة قالت: أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ في ابن أُم مكتوم الأعمى أتى إلى رسول الله ﷺ فجعل يقول: أرشدني قالت: وعند رسول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين. قالت: فجعل النبي ﷺ يعرض عنه ويقبل على الآخر، ويقول: أترى بما أقول بأسًا؟ فيقول: لا، ففي هذا أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾. وقد روى الترمذي هذا الحديث عن سعيد بن يحيى الأموي بإسناده مثله، ثم قال: وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ في ابن أُم مكتوم، ولم يذكر فيه عن عائشة (٢). قلت: كذلك هو في الموطأ (٣). ثم روى ابن جرير وابن أبي حاتم أيضًا من طريق العوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ قال: بينا رسول الله ﷺ يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وكان يتصدى لهم كثيرًا ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال: له عبد الله بن أُم مكتوم يمشي وهو يناجيهم فجعل عبد الله يستقريء النبي ﷺ آية من القرآن، وقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وعبس في وجهه وتولى وكره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله ﷺ نجواه وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك الله بعض بصره وخفق برأسه، ثم أنزل الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾ فلما نزل فيه ما نزل أكرمه رسول الله ﷺ وكلمه، وقال له رسول الله ﷺ : "ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ " وإذا ذهب من عنده قال: هل لك حاجة في شيء؟ وذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾ (٤). فيه غرابة ونكارة، وقد تكلم في إسناده. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب قال: قال سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أُم مكتوم" وهو: الأعمى الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ وكان يؤذن مع بلال قال سالم: وكان رجلًا ضرير البصر، فلم يك يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر: أذِّن (٥). وهكذا ذكر عروة بن الزبير ومجاهد وأبو مالك وقتادة والضحاك وابن

стр. 4477

زيد وغير واحد من السلف والخلف أنها نزلت في ابن أُم مكتوم (١) والمشهور أن اسمه: عبد الله ويقال: عمرو، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١)﴾ أي: هذه السورة أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم بين شريفهم ووضيعهم. وقال قتادة والسدي: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١)﴾ يعني: القرآن ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢)﴾ أي: فمن شاء ذكر الله تعالى في جميع أموره، ويحتمل عود الضمير إلى الوحي لدلالة الكلام عليه. وقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)﴾ أي: هذه السورة أو العظة وكلاهما متلازم بل جميع القرآن في صحف مكرمة؛ أي: معظمة موقرة ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أي: عالية القدر ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ أي: من الدنس والزيادة والنقص. وقوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)﴾. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد: هي الملائكة (٢). وقال وهب بن منبه: هم أصحاب محمد ﷺ (٣). وقال قتادة: هم القراء (٤). وقال ابن جريج، عن ابن عباس: السفَرة بالنبطية: القراء (٥). وقال ابن جرير: والصحيح أن السفرة الملائكة، والسفرة يعني: بين الله تعالى وبين خلقه، ومنه يقال: السفير الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير كما قال الشاعر: وما أدع السفارة بين قومي … وما أمشي بغش إن مشيت (٦) وقال البخاري: سفرة الملائكة سفرت أصلحت بينهم وجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله تعالى وتأديته كالسفير الذي يصلح بين القوم (٧). وقوله تعالى: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ أي: خلقهم كريم حسن شريف وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة، ومن هاهنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد.

стр. 4478

قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا هشام، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران" (١). أخرجه الجماعة من طريق قتادة به (٢). ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾. يقول تعالى ذامًّا لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ قال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ لعن الإنسان (٣)، وكذا قال أبو مالك، وهذا لجنس الإنسان المكذب لكثرة تكذيبه بلا مستند بل بمجرد الاستبعاد وعدم العلم. قال [ابن جريج] (٤): ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ أي: ما أشد كفره (٥). وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد أي شيء جعله كافرًا؛ أي: ما حمله على التكذيب بالمعاد (٦)، وقد حكاه البغوي عن مقاتل والكلبي (٧). وقال قتادة ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ ما ألعنه (٨). ثم بيَّن تعالى له كيف خلقه من الشيء الحقير؟ وأنه قادر على إعادته كما بدأه فقال تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)﴾ أي: قدر أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠)﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: ثم يسَّر عليه خروجه من بطن أُمه (٩)، وكذا قال عكرمة والضحاك وأبو صالح وقتادة والسدي (١٠)، واختاره ابن جرير (١١).

стр. 4479

وقال مجاهد: هذه كقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان] (١) أي: بيناه له وأوضحناه وسهلنا عليه عمله، وكذا قال الحسن وابن زيد (٢)، وهذا هو الأرجح، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ أي: أنه بعد خلقه له أماته فأقبره؛ أي: جعله ذا قبر والعرب تقول: قبرت الرجل إذا ولى ذلك منه، وأقبره الله، وعضبت قرن الثور، وأعضبه الله، وبترت ذنب البعير، وأبتره الله، وطردت عني فلانًا، وأطرده الله؛ أي: جعله طريدًا قال الأعشى: لو أسندت ميتًا إلى صدرها … عاش ولم ينقل إلى قابر (٣) وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ أي: بعثه بعد موته؛ ومنه يقال: البعث والنشور ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم]، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن درَّاجًا أبا السمح أخبره، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه" قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: "مثل حبة خردل منه ينشأون" (٤). وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بدون هذه الزيادة، ولفظه: "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب" (٥). وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾ قال ابن جرير: يقول: كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدَّى حق الله عليه في نفسه وماله ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ يقول: لم يؤد ما فرض عليه من الفرائض لربه (٦). ثم روى هو وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾ قال: لا يقضي أحدًا أبدًا كل ما افترض عليه (٧)، وحكاه البغوي عن الحسن البصري بنحو من هذا (٨)، ولم أجد للمتقدمين فيه كلامًا سوى هذا، والذي يقع لي في معنى ذلك، والله أعلم أن المعنى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ أي: بعثه ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾ أي: لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب الله أن سيوجد منهم ويخرج إلى الدنيا، وقد أمر به تعالى كونًا وقدرًا، فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم. وقد روى ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: قال عزير ﵇: قال الملك الذي جائني: فإن

стр. 4480

القبور هي بطن الأرِض وإن الأرض هي أم الخلق، فإذا خلق الله ما أراد أن يخلق، وتمت هذه القبور التي مدَّ الله لها انقطعت الدنيا، ومات من عليها ولفظت الأرض ما في جوفها وأخرجت القبور ما فيها. وهذا شبيه بما قلناه من معنى الآية، والله أعلم بالصواب. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ فيه امتنان، وفيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعدما كانت عظامًا بالية وترابًا متمزقًا ﴿صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥)﴾ أي: أنزلناه من السماء على الأرض ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)﴾ أي: أسكناه فيها فيدخل في تخومها وتخلل في أجزاء الحب المودع فيها، فنبت وارتفع وظهر على وجه الأرض ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨)﴾ فالحب كل ما يذكر من الحبوب، والعنب معروف، والقضب هو: الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة، ويقال لها: القت أيضًا، قال ذلك ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي (١)، وقال الحسن البصري: القضب: العلف (٢). ﴿وَزَيْتُونًا﴾ وهو معروف وهو أدم، وعصيره أدم ويستصبح به ويدهن به ﴿وَنَخْلًا﴾ يؤكل بلحًا بسرًا ورطبًا وتمرًا ونيئًا ومطبوخًا ويعتصر منه رُب وخلّ ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠)﴾ أي: بساتين، قال الحسن وقتادة: ﴿غُلْبًا﴾ نخل غلاظ كرام (٣). وقال ابن عباس ومجاهد: الحدائق: كل ما التف واجتمع. وقال ابن عباس أيضًا: ﴿غُلْبًا﴾ (٤) الشجر الذي يستظل (٥) به. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠)﴾ أي: طوال (٦). وقال عكرمة: ﴿غُلْبًا﴾ أي: غلاظ الأوساط (٧)، وفي رواية: غلاظ الرقاب، ألم تر إلى الرجل إذا كان غليظ الرقبة قيل: والله إنه لأغلب؟ رواه ابن أبي حاتم (٨). وأنشد ابن جرير للفرزدق: عوى فأثأر أغلب [ضيغميَّا] (٩) … فويل ابن المراغة ما استثار (١٠)

стр. 4481

وقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ أما الفاكهة: فكل ما يتفكه به من الثمار، قال ابن عباس: الفاكهة: كل ما أُكل رطبًا، والأب: ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس (١)، وفي رواية عنه: هو الحشيش للبهائم (٢). وقال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك: الأب: الكلأ (٣). وعن مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد: الأب للبهائم كالفاكهة لبني آدم. وعن عطاء: كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أب. وقال الضحاك: كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو الأب. وقال ابن إدريس: عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس: الأب نبت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس (٤). ورواه ابن جرير من ثلاث طرق عن ابن إدريس، ثم قال: حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا: حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير قال: عدَّ (٥) ابن عباس وقال: الأب: ما أنبتت الأرض للأنعام. وهذا لفظ حديث أبي كريب وقال أبو السائب في حديثه: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. وقال العوفي، عن ابن عباس: الأب: الكلأ والمرعى (٦)، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد وغير واحد (٧). وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ فقال: أي سماء تظلني؟ وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ (٨) وهذا منقطع بين إبراهيم التيمي والصديق ﵁. فأما ما رواه ابن جرير حيث قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا حميد، عن

стр. 4482

أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة فما الأب؟ فقال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف (١). فهو إسناد صحيح وقد رواه غير واحد عن أنس به، وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض لقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ أي: عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة. ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾. قال ابن عباس: ﴿الصَّاخَّةُ﴾ اسم من أسماء يوم القيامة، عظَّمه الله وحذَّره عباده (٢). قال ابن جرير: لعله اسم للنفخة في الصور (٣). وقال البغوي: ﴿الصَّاخَّةُ﴾ يعني: صيحة يوم القيامة سميت بذلك لأنها تصخُّ الأسماع؛ أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾ أي: يراهم ويفر منهم ويبتعد منهم،؛ لأن الهول عظيم والخطب جليل (٤). قال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه أي بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل كنت، وتثني بخير ما استطاعت فيقول لها: فإني أطلب إليكِ اليوم حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين، فتقول له: ما أيسر ما طلبت ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئًا أتخوف مثل الذي تخاف قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق به فيقول: يا بني أي والد كنت لك، فيثني بخير فيقول له: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى، فيقول ولده: يا أبت ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾ (٥). وفي الحديث الصحيح في أمر الشفاعة أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق يقول: نفسي نفسي لا أسألك اليوم إلا نفسي، حتى إن عيسى ابن مريم يقول: لا أسأله اليوم إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني (٦). ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾. قال قتادة: الأحب فالأحب والأقرب فالأقرب من هول ذلك اليوم. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ أي: هو في شغل شاغل عن غيره. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا الوليد بن صالح، حدثنا ثابت

стр. 4483

أبو زيد العباداني، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: "تحشرون حفاة عراة مشاة غرلًا" قال: فقالت زوجته: يا رسول الله ننظر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: "لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه"، أو قال: "ما أشغله عن النظر" (١). وقد رواه النسائي منفردًا به عن أبي داود، عن عارم، عن ثابت بن يزيد وهو: أبو زيد الأحول البصري أحد الثقات، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٢) به، وقد رواه الترمذي، عن عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "تحشرون حفاة عراة غرلًا" فقالت امرأة: أيبصر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: "يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه". ثم قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس ﵄ (٣). وقال النسائي: أخبرني عمرو بن عثمان، حدثنا بَقية، حدثنا الزبيدي، أخبرني الزهري، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا" (٤) فقالت عائشة: يا رسول الله فكيف بالعورات؟ فقال: "لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه" (٥). انفرد به النسائي من هذا الوجه. ثم قال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا أزهر بن حاتم، حدثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس بن مالك قال: سألت عائشة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله بأبي أنت وأُمي إني سائلتك عن حديث فتخبرني أنت به، قال: "إن كان عندي منه علم". قالت: يا نبي الله كيف يحشر الرجال؟ قال: "حفاة عراة". ثم انتظرت ساعة فقالت: يا رسول الله كيف يحشر النساء؟ قال: "كذلك حفاة عراة". قالت: واسوأتاه من يوم القيامة. قال: "وعن أي ذلك تسألين؟ إنه قد نزل عليَّ آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون". قالت: أية آية هي يا نبي الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ (٦). وقال البغوي في تفسيره: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا أبي، عن محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عن سودة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "يبعث الناس حفاة عراة غرلًا، قد ألجمهم

стр. 4484

العرق وبلغ شحوم الآذان" فقلت: يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: "قد شغل الناس لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه" (١). هذا حديث غريب من هذا الوجه جدًا، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عمار الحسين بن حريث المروزي، عن الفضل بن موسى به (٢). [ولكن] (٣) قال أبو حاتم الرازي: عائذ بن شريح ضعيف، وفي حديثه ضعف (٤). وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾ أي: يكون الناس هنالك فريقين وجوه مسفرة؛ أي: مستنيرة ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾ أي: مسرورة فرحة من السرور في قلوبهم قد ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء هم أهل الجنة. ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١)﴾ أي: يعلوها وتغشاها قترة؛ أي: سواد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي محمد مولى جعفر بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "يلجم الكافر العرق ثم تقع الغبرة على وجوههم"، قال: فهو قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ (٥). وقال ابن عباس: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١)﴾ أي: يغشاها سواد الوجوه (٦). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ أي: الكفرة قلوبهم الفجرة في أعمالهم كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]. آخر تفسير سورة عبس، ولله الحمد والمنة.

стр. 4485

سُورَةُ التَّكويرِ وهي مكية قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عبد الله بن بحير القاص، أن عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني أخبره أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "من سرَّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ [الانفطار] و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق]. (١). وهكذا رواه الترمذي عن العباس بن عبد العظيم العنبري، عن عبد الرزاق به (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ يعني: أظلمت (٣). وقال العوفي، عنه: ذهبت (٤). وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت (٥)، وكذا قال الضحاك (٦). قال قتادة: ذهب ضوؤها (٧). وقال سعيد بن جبير: ﴿كُوِّرَتْ﴾: غورت (٨). وقال الربيع بن خثيم: ﴿كُوِّرَتْ﴾ يعني: رمي بها (٩).
следующие страницы →