← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

وقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ أما الفاكهة: فكل ما يتفكه به من الثمار، قال ابن عباس: الفاكهة: كل ما أُكل رطبًا، والأب: ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس (١)، وفي رواية عنه: هو الحشيش للبهائم (٢). وقال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك: الأب: الكلأ (٣). وعن مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد: الأب للبهائم كالفاكهة لبني آدم. وعن عطاء: كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أب. وقال الضحاك: كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو الأب. وقال ابن إدريس: عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس: الأب نبت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس (٤). ورواه ابن جرير من ثلاث طرق عن ابن إدريس، ثم قال: حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا: حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير قال: عدَّ (٥) ابن عباس وقال: الأب: ما أنبتت الأرض للأنعام. وهذا لفظ حديث أبي كريب وقال أبو السائب في حديثه: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. وقال العوفي، عن ابن عباس: الأب: الكلأ والمرعى (٦)، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد وغير واحد (٧). وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ فقال: أي سماء تظلني؟ وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ (٨) وهذا منقطع بين إبراهيم التيمي والصديق ﵁. فأما ما رواه ابن جرير حيث قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا حميد، عن

стр. 4482

أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة فما الأب؟ فقال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف (١). فهو إسناد صحيح وقد رواه غير واحد عن أنس به، وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض لقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ أي: عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة. ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾. قال ابن عباس: ﴿الصَّاخَّةُ﴾ اسم من أسماء يوم القيامة، عظَّمه الله وحذَّره عباده (٢). قال ابن جرير: لعله اسم للنفخة في الصور (٣). وقال البغوي: ﴿الصَّاخَّةُ﴾ يعني: صيحة يوم القيامة سميت بذلك لأنها تصخُّ الأسماع؛ أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾ أي: يراهم ويفر منهم ويبتعد منهم،؛ لأن الهول عظيم والخطب جليل (٤). قال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه أي بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل كنت، وتثني بخير ما استطاعت فيقول لها: فإني أطلب إليكِ اليوم حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين، فتقول له: ما أيسر ما طلبت ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئًا أتخوف مثل الذي تخاف قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق به فيقول: يا بني أي والد كنت لك، فيثني بخير فيقول له: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى، فيقول ولده: يا أبت ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾ (٥). وفي الحديث الصحيح في أمر الشفاعة أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق يقول: نفسي نفسي لا أسألك اليوم إلا نفسي، حتى إن عيسى ابن مريم يقول: لا أسأله اليوم إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني (٦). ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾. قال قتادة: الأحب فالأحب والأقرب فالأقرب من هول ذلك اليوم. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ أي: هو في شغل شاغل عن غيره. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا الوليد بن صالح، حدثنا ثابت

стр. 4483

أبو زيد العباداني، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: "تحشرون حفاة عراة مشاة غرلًا" قال: فقالت زوجته: يا رسول الله ننظر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: "لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه"، أو قال: "ما أشغله عن النظر" (١). وقد رواه النسائي منفردًا به عن أبي داود، عن عارم، عن ثابت بن يزيد وهو: أبو زيد الأحول البصري أحد الثقات، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٢) به، وقد رواه الترمذي، عن عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "تحشرون حفاة عراة غرلًا" فقالت امرأة: أيبصر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: "يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه". ثم قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس ﵄ (٣). وقال النسائي: أخبرني عمرو بن عثمان، حدثنا بَقية، حدثنا الزبيدي، أخبرني الزهري، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا" (٤) فقالت عائشة: يا رسول الله فكيف بالعورات؟ فقال: "لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه" (٥). انفرد به النسائي من هذا الوجه. ثم قال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا أزهر بن حاتم، حدثنا الفضل بن موسى، عن عائذ بن شريح، عن أنس بن مالك قال: سألت عائشة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله بأبي أنت وأُمي إني سائلتك عن حديث فتخبرني أنت به، قال: "إن كان عندي منه علم". قالت: يا نبي الله كيف يحشر الرجال؟ قال: "حفاة عراة". ثم انتظرت ساعة فقالت: يا رسول الله كيف يحشر النساء؟ قال: "كذلك حفاة عراة". قالت: واسوأتاه من يوم القيامة. قال: "وعن أي ذلك تسألين؟ إنه قد نزل عليَّ آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون". قالت: أية آية هي يا نبي الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ (٦). وقال البغوي في تفسيره: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا أبي، عن محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عن سودة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "يبعث الناس حفاة عراة غرلًا، قد ألجمهم

стр. 4484

العرق وبلغ شحوم الآذان" فقلت: يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: "قد شغل الناس لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه" (١). هذا حديث غريب من هذا الوجه جدًا، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عمار الحسين بن حريث المروزي، عن الفضل بن موسى به (٢). [ولكن] (٣) قال أبو حاتم الرازي: عائذ بن شريح ضعيف، وفي حديثه ضعف (٤). وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾ أي: يكون الناس هنالك فريقين وجوه مسفرة؛ أي: مستنيرة ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾ أي: مسرورة فرحة من السرور في قلوبهم قد ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء هم أهل الجنة. ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١)﴾ أي: يعلوها وتغشاها قترة؛ أي: سواد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي محمد مولى جعفر بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "يلجم الكافر العرق ثم تقع الغبرة على وجوههم"، قال: فهو قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ (٥). وقال ابن عباس: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١)﴾ أي: يغشاها سواد الوجوه (٦). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ أي: الكفرة قلوبهم الفجرة في أعمالهم كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]. آخر تفسير سورة عبس، ولله الحمد والمنة.

стр. 4485

سُورَةُ التَّكويرِ وهي مكية قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عبد الله بن بحير القاص، أن عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني أخبره أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "من سرَّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ [الانفطار] و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق]. (١). وهكذا رواه الترمذي عن العباس بن عبد العظيم العنبري، عن عبد الرزاق به (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ يعني: أظلمت (٣). وقال العوفي، عنه: ذهبت (٤). وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت (٥)، وكذا قال الضحاك (٦). قال قتادة: ذهب ضوؤها (٧). وقال سعيد بن جبير: ﴿كُوِّرَتْ﴾: غورت (٨). وقال الربيع بن خثيم: ﴿كُوِّرَتْ﴾ يعني: رمي بها (٩).

стр. 4486

وقال أبو صالح: ﴿كُوِّرَتْ﴾: ألقيت (١)، وعنه أيضًا: نُكست (٢). وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض. قال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله تعالى: ﴿كُوِّرَتْ﴾ جمع بعضها إلى بعض ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها (٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن شيخ من بجيلة، عن ابن عباس: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ قال: يُكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ويبعث الله ريحًا دبورًا فتضرمها نارًا (٤). وكذا قال عامر الشعبي. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن ابن يزيد بن أبي مريم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: في قول الله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ قال: "كُورت في جهنم" (٥). وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن محمد بن حبان، حدثنا درست بن زياد، حدثنا يزيد الرقاشي، حدثنا أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "الشمس والقمر نوران عقيران في النار" (٦). هذا حديث ضعيف؛ لأن يزيد الرقاشي ضعيف، والذي رواه البخاري في الصحيح بدون هذه الزيادة. ثم قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله الداناج، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "الشمس والقمر يكوران يوم القيامة" (٧) انفرد به البخاري، وهذا لفظه وإنما أخرجه في كتاب بدء الخلق وكان جديرًا أن يذكره ههنا أو يكرره كما هي عادته في أمثاله، وقد رواه البزار فجوَّد إيراده فقال: حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عبد الله الداناج قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث قال: حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشمس والقمر نوران في النار عقيران يوم القيامة"، فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: -أحسبه قال- وما ذنبهما (٨). ثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلا من

стр. 4487

هذا الوجه، ولم يروِ عبد الله الداناج، عن أبي سلمة سوى هذا الحديث. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ أي: انتثرت كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ [الانفطار] وأصل الانكدار الانصباب. قال الربيع بن أنس: عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة، بينا الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش فماجوا بعضهم في بعض. ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ قال: اختلطت ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ قال: أهملها أهلها ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ قال: قالت الجن نحن نأتيكم بالخبر، قال: فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تتأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى وإلى السماء السابعة العليا، قال: فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم (١). رواه ابن جرير وهذا لفظه وابن أبي حاتم ببعضه، وهكذا قال مجاهد والربيع بن خثيم والحسن البصري وأبو صالح وحماد بن أبي سليمان والضحاك في قوله جلا وعلا: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ أي: تناثرت (٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ أي: تغيرت (٣). وقال يزيد بن أبي مريم، عن النبي ﷺ : ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ قال: "انكدرت في جهنم وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم إلا ما كان من عيسى وأُمه، ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها" (٤). رواه ابن أبي حاتم بالإسناد المتقدم. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ أي: زالت عن أماكنها ونسفت فتركت الأرض قاعًا صفصفا. وقوله: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ قال عكرمة ومجاهد: عشار الإبل (٥). قال مجاهد: ﴿عُطِّلَتْ﴾: تُركت وسُيبت (٦). وقال أُبي بن كعب والضحاك: أهملها أهلها (٧).

стр. 4488

وقال الربيع بن خثيم: لم تحلب ولم تصر تخلى منها أربابها (١). وقال الضحاك: تُركت لا راعي لها (٢). والمعنى في هذا كله متقارب، والمقصود أن العشار من الإبل وهي خيارها والحوامل منها التي قد وصلت في حملها إلى الشهر العاشر -واحدتها عشراء ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع- قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها بعدما كانوا أرغب شيء فيها بما دهمهم من الأمر العظيم المفظع الهائل، وهو أمر يوم القيامة وانعقاد أسبابها ووقوع مقدماتها، وقيل: بل يكون ذلك يوم القيامة يراها أصحابها كذلك لا سبيل لهم إليها، وقد قيل في العشار: إنها السحاب تعطل عن المسير بين السماء والأرض لخراب الدنيا وقيل: إنها الأرض التي تعشر، وقيل: إنها الديار التي كانت تسكن تعطلت لذهاب أهلها. حكى هذه الأقوال كلها الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه التذكرة، ورجح أنها الإبل، وعزاه إلى أكثر الناس (٣). (قلت): لا يعرف عن السلف والأئمة سواه، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ أي: جمعت كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام] قال ابن عباس: يحشر كل شيء حتى الذباب (٤). رواه ابن أبي حاتم، وكذا قال الربيع بن خثيم والسدي وغير واحد (٥)، وكذا قال قتادة في تفسير هذه الآية: إن هذه الخلائق موافية فيقضي الله فيها ما يشاء (٦). وقال عكرمة: حشرها: موتها. وقال ابن جرير: حدثني علي بن مسلم الطوسي، حدثنا عباد بن العوام، حدثنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ قال: حشر البهائم موتها، وحشر كل شيء الموت غير الجن والإنس فإنهما يوقفان يوم القيامة (٧). حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع بن خثيم: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ قال: أتى عليها أمر الله، قال سفيان: قال أبي: فذكرته لعكرمة فقال: قال ابن عباس: حشرها: موتها (٨). وقد تقدم عن أُبي بن كعب أنه قال: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ اختلطت.

стр. 4489

قال ابن جرير: والأولى قول من قال: ﴿حُشِرَتْ﴾ جُمعت. قال الله تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩] أي: مجموعة (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود، عن سعيد بن المسيب قال: قال علي ﵁ لرجل من اليهود أين جهنم؟ قال: البحر، فقال: ما أراه إلا صادقًا والبحر المسجور ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ (٢). وقال ابن عباس وغير واحد: يرسل الله عليها الرياح الدبور، فتسعرها وتصير نارًا تأجج (٣)، وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ [الطور]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو طاهر، حدثني عبد الجبار بن سليمان أبو سليمان النفاط -شيخ صالح يشبه مالك بن أنس- عن معاوية بن سعيد قال: إن هذا البحر بركة؛ يعني: بحر الروم، وسط الأرض والأنهار كلها تصب فيه والبحر الكبير يصب فيه، وأسفله آبار مطبقة بالنحاس، فإذا كان يوم القيامة أسجر (٤). وهذا أثر غريب عجيب. وفي سنن أبي داود: "لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غازٍ فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا" الحديث (٥). وقد تقدم الكلام عليه في سورة فاطر. وقال مجاهد والحسن بن مسلم: ﴿سُجِّرَتْ﴾ أوقدت (٦). وقال الحسن: يبست (٧). وقال الضحاك وقتادة: غاض ماؤها فذهب فلم يبق فيها قطرة (٨). وقال الضحاك أيضًا: ﴿سُجِّرَتْ﴾: فجرت (٩). وقال السدي: فتحت وصيرت. وقال الربيع بن خثيم: ﴿سُجِّرَتْ﴾: فاضت (١٠). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ أي: جمع كل شكل إلى نظيره كقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح البزار، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن النعمان بن بشير أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾

стр. 4490

- قال:- الضرباء؛ كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله؛ وذلك بأن الله يقول: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ [الواقعة] قال: هم الضرباء" (١). ثم رواه ابن أبي حاتم من طرق أُخر عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، أن عمر بن الخطاب خطب الناس فقرأ ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ فقال: تزوجها: أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم (٢)، وفي رواية هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به الجنة أو النار (٣)، وفي رواية عن النعمان قال: سئل عمر عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ قال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار (٤) فذلك تزويج الأنفس. وفي رواية عن النعمان أن عمر قال للناس: ما تقولون في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾؟ فسكتوا. قال: ولكن أعلمه هو الرجل يزوج نظيره من أهل الجنة، والرجل يزوج نظيره من أهل النار ثم قرأ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ (٥) [الصافات: ٢٢]. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ قال: ذلك حين يكون الناس أزواجًا ثلاثة (٦). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ قال: والأمثال من الناس جمع بينهم (٧)، وكذا قال الربيع بن خثيم والحسن وقتادة (٨) واختاره ابن جرير، وهو الصحيح. قول آخر في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾: قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن سوار، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يسيل وادٍ من أصل العرش من ماء فيما بين الصيحتين، ومقدار ما بينهما أربعون عامًا، فينبت منه كل خلق بلي من الإنسان أو طير أو دابة، ولو مرَّ عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم على وجه الأرض قد نبتوا، ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ (٩)، وكذا قال أبو العالية وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري أيضًا في قوله

стр. 4491

تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ أي: زوجت بالأبدان (١). وقيل: زوج المؤمنون بالحور العين وزوج الكافرون بالشياطين. حكاه القرطبي في التذكرة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ هكذا قراءة الجمهور ﴿سُئِلَتْ﴾. والموءودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات، فيوم القيامة تسأل الموءودة على أي ذنب قتلت ليكون ذلك تهديدًا لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذًا؟. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ أي: سألت. وكذا قال أبو الضحى: سألت؛ أي: طالبت بدمها (٣). وعن السدي وقتادة مثله. وقد وردت أحاديث تتعلق بالموءودة: فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود وهو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة، عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: حضرت رسول الله ﷺ في ناس وهو يقول: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم ولا يضر أولادهم ذلك شيئًا" ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ : "ذلك الوأد الخفي وهو الموءودة سئلت" (٤). ورواه مسلم من حديث أبي عبد الرحمن المقري وهو: عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب (٥). ورواه أيضًا ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن إسحاق السيلحيني، عن يحيى بن أيوب، ورواه مسلم أيضًا وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك بن أنس ثلاثتهم عن أبي الأسود به (٦). وقال الإمام أحمد (٧): حدثنا ابن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل، هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: "لا" قلنا: فإنها كانت وأدت أختًا لنا في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: "الوائدة والموءودة في النار، إلا أن يدرك الوائدة الإسلام فيعفو الله عنها" (٨). ورواه النسائي من حديث

стр. 4492

داود بن أبي هند به (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "الوائدة والموءودة في النار" (٢). وقال أحمد أيضًا: حدثنا إسحاق الأزرق، أخبرنا عوف، حدثتني حسناء ابنة معاوية الصريمية، عن عمها قال: قلت يا رسول الله من في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والموءودة في الجنة" (٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا قُرة قال: سمعت الحسن يقول: قيل: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: "الموءودة في الجنة" (٤). هذا حديث مرسل من مراسيل الحسن، ومنهم من قبله. وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة فمن زعم أنهم في النار فقد كذب يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ (٥) قال ابن عباس: هي المدفونة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني وأدت بناتٍ لي في الجاهلية قال: "أعتق عن كل واحدة منهن رقبة" قال: يا رسول الله إني صاحب إبل، قال: "فانحر عن كل واحدة منهن بدنة". قال الحافظ أبو بكر البزار: خولف فيه عبد الرزاق (٦)، ولم يكتبه إلا عن الحسين بن مهدي عنه. وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: أخبرنا أبو عبد الله الظهراني -فيما كتب إليَّ- قال: حدثنا عبد الرزاق فذكره بإسناده مثله، إلا أنه قال: وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية، وقال في آخره: "فأهدِ إن شئت عن كل واحدة بدنة" (٧). ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين قال: قدم قيس بن عاصم على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني وأدت

стр. 4493

اثنتي عشرة ابنة لي في الجاهلية أو ثلاث عشرة قال: "أعتق عددهن نسمًا" قال: فأعتق عددهن نسمًا، فلما كان في العام المقبل جاء بمائة ناقة فقال: يا رسول الله هذه صدقة قومي على أثر ما صنعت بالمسلمين. قال علي بن أبي طالب: فكنا نريحها ونسميها القيسية (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ قال الضحاك: أعطي كل إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله. وقال قتادة: صحيفتك يا ابن آدم تملي فيها ثم تطوى ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر الرجل ماذا يملي في صحيفته (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)﴾ قال مجاهد: اجتذبت (٣). وقال السدي: كشفت. وقال الضحاك: تنكشط فتذهب. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾ قال السدي: أُحميت. وقال قتادة: أوقدت قال: وإنما يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم (٤). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾ قال الضحاك وأبو مالك وقتادة والربيع بن خثيم: أي قربت إلى أهلها (٥). وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ هذا هو الجواب؛ أي: إذا وقعت هذه الأمور حينئذ تعلم كل نفس ما عملت وأحضر ذلك لها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [القيامة]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة، حدثنا ابن المبارك، حدثنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: لما نزلت: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ قال عمر: لما بلغ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ قال: لهذا أجرى الحديث (٦). ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾. روى مسلم في صحيحه والنسائي في تفسيره عند هذه الآية من حديث مسعر بن كدام، عن

стр. 4494

الوليد بن سريع، عن عمرو بن حريث قال: صليت خلف النبي ﷺ الصبح فسمعته يقرأ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ (١). ورواه النسائي، عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن الحجاج بن عاصم، عن أبي الأسود، عن عمرو بن حريث به نحوه (٢). قال ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن رجل من مراد، عن علي ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ قال: هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل (٣). وقال ابن جرير: حدثثا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت خالد بن عرعرة، سمعت عليًا وسئل عن: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ فقال: هي النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل (٤). وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن خالد، عن علي قال: هي النجوم (٥). وهذا إسناد جيد صحيح إلى خالد بن عرعرة وهو: السهمي الكوفي. قال أبو حاتم الرازي: روى عن علي وروى عنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا فالله أعلم، وروى يونس، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: أنها النجوم (٦)، رواه ابن أبي حاتم. وكذا روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم أنها النجوم (٧). وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا هوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن بكر بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ قال: هي النجوم الدراري التي تجري تستقبل المشرق (٨). وقال بعض الأئمة، إنما قيل للنجوم: الخنس؛ أي: في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها وفي حال غيبوبتها يقال لها: كنس، من قول العرب: أوى الظبي إلى كناسه، إذا تغيب فيه. وقال الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)﴾ قال: بقر الوحش (٩)،

стр. 4495

وكذا قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عبد الله ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ ما هي يا عمرو؟ قلت: البقر. قال: وأنا أرى ذلك (١)، وكذا روى يونس، عن أبي إسحاق، عن أبيه. وقال أبو داود الطيالسي، عن عمرو، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ قال: البقر تكنس إلى الظل (٢)، وكذا قال سعيد بن جبير. وقال العوفي، عن ابن عباس هي الظباء (٣)، وكذا قال سعيد أيضًا ومجاهد والضحاك (٤). وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد: هي الظباء والبقر (٥). وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم ومجاهد أنهما تذاكرا هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ فقال إبراهيم لمجاهد: قل فيها بما سمعت، قال: فقال مجاهد كنا نسمع فيها شيئًا وناس يقولون إنها النجوم، قال: فقال إبراهيم: قل فيها بما سمعت، قال: فقال مجاهد كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حجرتها، فقال إبراهيم إنهم يكذبون على عليّ (٦)، هذا كما رووا عن علي أنه ضمن الأسفل الأعلى والأعلى الأسفل، وتوقف ابن جرير في المراد بقوله: ﴿بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ هل هو النجوم أو الظباء وبقر الوحش؟ قال: ويحتمل أن يكون الجميع مرادًا (٧). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ فيه قولان: أحدهما: إقباله بظلامه، وقال: مجاهد أظلم (٨). وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ (٩). وقال الحسن البصري: إذا غشي الناس (١٠)، وكذا قال عطية العوفي (١١). وقال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر (١٢)، وكذا قال

стр. 4496

مجاهد وقتادة والضحاك وكذا قال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ أي: إذا ذهب فتولى (١). وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري سمع أبا عبد الرحمن السلمي قال: خرج علينا علي ﵁ حين ثوب المُثوِّب بصلاة الصبح فقال: أين السائلون عن الوتر؟ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ هذا حين أدبر (٢). حسن. وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر، قال: لقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ أي: أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضًا (٣): حتى إذا الصبح له تنفسا … وانجاب عنها ليلها وعسعسا أي: أدبر، وعندي أن المراد بقوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أقبل وإن كان يصح استعماله في الإدبار أيضًا لكن الإقبال ههنا أنسب، كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل وبالفجر وضيائه إذا أشرق كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل] وقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى] وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] وغير ذلك من الآيات. وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة ﴿عَسْعَسَ﴾ تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم. وقال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن عسعس دنا من أوله وأظلم، وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتًا. عسعس حتى لو يشا أدنا … كان له من ضوئه مقبس يريد لو يشاء إذ دنا أدغم الذال في الدال، قال الفراء: وكانوا يزعمون أن هذا البيت مصنوع (٤). وقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ قال الضحاك: إذا طلع. وقال قتادة: إذ أضاء وأقبل. وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وهو المروي عن علي ﵁ (٥). وقال ابن جرير: يعني ضوء النهار إذا أقبل وتبين (٦). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾ يعني: إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم؛ أي: ملك شريف حسن الخلق بهي المنظر وهو: جبريل ﵊، قاله ابن عباس والشعبي وميمون بن مهران والحسن وقتادة والربيع بن أنس والضحاك وغيرهم (٧). ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ كقوله

стр. 4497

تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم] أي: شديد الخلق شديد البطش والفعل ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي: له مكانة عند الله ومنزلة رفيعة. قال أبو صالح في قوله تعالى: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ قال: جبريل يدخل في سبعين حجابًا من نور بغير إذن (١) ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: له وجاهة وهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى. قال قتادة: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: في السموات (٢)؛ يعني: ليس هو من أفناد الملائكة بل هو من السادة والأشراف معتنى به انتخب لهذه الرسالة العظيمة. وقوله تعالى: ﴿أَمِينٍ﴾ صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جدًا أن الربَّ يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل، كما زكى عبده ورسوله البشري محمدًا ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ قال الشعبي وميمون بن مهران وأبو صالح ومن تقدم ذكرهم: المراد بقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ يعني: محمدًا ﷺ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ يعني: ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء وهي المذكورة في قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم] كما تقدم تفسير ذلك وتقريره، والدليل عليه أن المراد بذلك جبريل ﵇، والظاهر والله أعلم أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤيا وهي الأولى، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم] فتلك إنما ذكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعد سورة الإسراء. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ أي: وما محمد على ما أنزله الله إليه بظنين؛ أي: بمتهم ومنهم من قرأ ذلك بالضاد؛ أي: ببخيل بل يبذله لكل أحد (٤). قال سفيان بن عيينة: ظنين وضنين سواء؛ أي: ما هو بكاذب وما هو بفاجر، والظنين المتهم، والضنين البخيل (٥). وقال قتادة: كان القرآن غيبًا فأنزله الله على محمد فما ضن به على الناس بل نشره وبلغه (٦) وبذله لكل من أراده، وكذا قال عكرمة وابن زيد وغير واحد (٧) واختار ابن جرير قراءة الضاد.

стр. 4498

(قلت): وكلاهما متواتر ومعناه صحيح كما تقدم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥)﴾ أي: وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم؛ أي: لا يقدر على حمله ولا ينبغي له كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ [الشعراء]، وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾؟ أي: فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن مع ظهوره ووضوحه وبيان كونه حقًا من عند الله ؟ كما قال الصديق ﵁ لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين وأمرهم فتلوا عليه شيئًا من قرآن مسيلمة الكذاب الذي هو في غاية الهذيان والركاكة فقال: ويحكم أين تذهب عقولكم؟ والله إن هذا الكلام لم يخرج من إل؛ أي: من إله (١). وقال قتادة: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾ أي: عن كتاب الله وعن طاعته (٢). وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧)﴾ أي: هذا القرآن ذكر لجميع الناس يتذكرون به ويتعظون ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ أي: من أراد الهداية فعليه بهذا القرآن فإِنه منجاة له وهداية، ولا هداية فيما سواه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ أي: ليست المشيئة موكولة إليكم فمن شاء اهتدى ومن شاء ضلَّ، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله تعالى رب العالمين. قال سفيان الثوري، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (٣). آخر تفسير سورة التكوير، ولله الحمد والمنّة.

стр. 4499

سُورَةُ الانفِطَارِ وهي مكية قال النسائي: أخبرنا محمد بن قدامة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن محارب بن دثار، عن جابر قال: قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطول فقال النبي ﷺ : "أفتان أنت يا معاذ؟ أين كنت عن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ (١)؟ وأصل الحديث مخرج في الصحيحين ولكن ذُكر ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ في إفراد النسائي (٢). وقد تقدم من رواية عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من سره أن ينظر إلى يوم القيامة رأي عين فليقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ " (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾. يقول تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ أي: انشقت كما قال تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ أي: تساقطت ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: فجر الله بعضها في بعض (٤). وقال الحسن: فجر الله بعضها في بعض فذهب ماؤها (٥). وقال قتادة: اختلط عذبها بمالحها (٦). وقال الكلبي: ملئت.

стр. 4500

﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ قال ابن عباس: بحثت (١). وقال السدي: تبعثر تحرك فيخرج من فيها (٢) ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ أي: إذا كان هذا حصل هذا. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾؟ هذا تهديد لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب؛ حيث قال: "الكريم" حتى يقول قائلهم: غرَّه كرمه، بل المعنى في هذه الآية: ما غرَّك يا ابن آدم بربك الكريم؛ أي: العظيم حتى أقدمت على معصيته وقابلته بما لا يليق. كما جاء في الحديث: "يقول الله تعالى يوم القيامة: يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ ". قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، أن عمر سمع رجلًا يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾؟ فقال عمر: الجهل (٣). وقال أيضًا: حدثنا عمر بن شيبة، حدثنا أبو خلف، حدثنا يحيى البكاء، سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ قال ابن عمر: غَرَّه -والله- جهله (٤)، قال: وروي عن ابن عباس والربيع بن خثيم والحسن مثل ذلك (٥). وقال قتادة: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ شيء ما غرَّ ابن آدم غير هذا العدو الشيطان (٦). وقال الفضيل بن عياض: لو قال لي: ما غرَّك بي؟ لقلت: ستورك المرخاة (٧). وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم (٨). قال البغوي: وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال: ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ دون سائر أسمائه وصفاته كأنه لقنه الإجابة (٩)، وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل؛ لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور، وقد حكى البغوي عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الأسود بن شريق ضرب النبي ﷺ ولم يعاقب في الحالة [الراهنة] (١٠) فأنزل الله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (١١)؟ وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)﴾ أي: ما غرك بالرب الكريم ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)﴾ أي: جعلك سويًا مستقيمًا معتدل القامة منتصبها في أحسن الهيئات والأشكال.

стр. 4501

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا جرير، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بشر بن جحاش القرشي أن رسول الله ﷺ بصق يومًا في كفه فوضع عليها أصبعه ثم قال: "قال الله : يا ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة؟ " وكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبى شيبة، عن يزيد بن هارون، عن جرير بن عثمان به (١). قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وتابعه يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن عبد الرحمن بن ميسرة (٢). وقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ قال مجاهد: في أي شبه أب أو أُم أو خال أو عم (٣). وقال ابن جرير: [حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا مطهر بن الهيثم، حدثنا موسى بن علي بن رباح] (٤)، حدثني أبي، عن جدي، أن النبي ﷺ قال له: "ما ولد لك؟ " قال: يا رسول الله ما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية. قال: "فمن يشبه؟ " قال: يا رسول الله من عسى أن يشبه إما أباه وإما أمه. فقال النبي ﷺ عندها: "مه لا تقولن هكذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله تعالى كل نسب بينها وبين آدم؟ أما قرأت هذه الآية في كتاب الله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ " قال: شكلك (٥). وهكذا رواه ابن أبي حاتم والطبراني من حديث مطهر بن الهيثم به (٦)، وهذا الحديث لو صحَّ لكان فيصلًا في هذه الآية ولكن إسناده ليس بالثابت؛ لأن مطهر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن موسى بن علي وغيره ما لا يشبه حديث الأثبات. ولكن في الصحيحين عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، قال: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "فما ألوانها" قال: حُمُر، قال: "فهل فيها من أورق" قال: نعم، قال: "فأنى أتاها ذلك" قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق" (٧). وقد قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾: إن شاء في صورة قرد وإن شاء في صورة خنزير (٨)، وكذا قال أبو صالح: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ إن شاء في صورة كلب وإن شاء في صورة حمار وإن شاء في صورة خنزير (٩).

стр. 4502

وقال قتادة: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ قال: قادر والله ربنا على ذلك، ومعنى هذا القول عند هؤلاء أن الله قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام حسن المنظر والهيئة. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾ أي: إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ يعني: وإن عليكم لملائكة حفظة كرامًا فلا تقابلوهم بالقبائح فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان ومسعر، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد، عن ابن عباس: قال: قال رسول الله ﷺ : "أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين الجنابة والغائط، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو ببعيره أو ليستره أخوه" (١). وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار فوصله بلفظ آخر فقال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن حفص بن سليمان، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند ثلاث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره" ثم قال حفص بن سليمان: لين الحديث وقد روي عنه واحتمل حديثه (٢). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا مبشّر بن إسماعيل الحلبي، حدثنا تمام بن نجيح، عن الحسن يعني: البصري، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارًا إلا قال الله تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة" ثم قال: تفرد به تمام بن نجيح وهو صالح الحديث (٣). (قلت): وثقه ابن معين وضعفه البخاري وأبو زرعة وابن أبي حاتم والنسائي وابن عدي ورماه ابن حبان بالوضع وقال الإمام أحمد: لا أعرف حقيقة أمره. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقلوسي، حدثنا بيان بن حمران، حدثنا سلام، عن منصور بن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله ملائكة يعرفون بني آدم -وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم- فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان، وإذا

стр. 4503

نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا: هلك الليلة فلان"، ثم قال البزار: سلام هذا أحسبه سلام المدائني، وهو: لين الحديث (١). ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾. يخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا الله ولم يقابلوه بالمعاصي، وقد روى ابن عساكر في ترجمة موسى بن محمد، عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، عن عبيد الله، عن محارب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إنما سمَّاهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء" (٢). ثم ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم ولهذا قال: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥)﴾ أي: يوم الحساب والجزاء والقيامة ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾ أي: لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة ولا يخفف عنهم من عذابها ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة ولو يومًا واحدًا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧)﴾ تعظيم لشأن يوم القيامة ثم أكده بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾ ثم فسره بقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا يقدر أحد على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، ونذكر ههنا حديث: "يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار لا أملك لكم من الله شيئًا" وقد تقدم في آخر تفسير سورة الشعراء (٣). ولهذا قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] وكقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] وكقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة]. [قال] (٤) قتادة: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ والأمر والله اليوم لله، ولكنه لا ينازعه فيه يومئذٍ أحد (٥). آخر تفسير سورة الانفطار، ولله الحمد.

стр. 4504

سُورَةُ المُطَفِّفِينَ وهي مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾. قال النسائي وابن ماجه: أخبرنا محمد بن عقيل، زاد ابن ماجه وعبد الرحمن بن بشر قالا: حدثنا علي بن الحسين بن واقد، حدثني أبي، عن يزيد وهو: ابن أبي سعيد النحوي مولى قريش، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ فحسنَّوا الكيل بعد ذلك (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن النضر بن حماد، حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن هلال بن طلق قال: بينما أنا أسير مع ابن عمر فقلت: من أحسن الناس هيئة وأوفاهم كيلًا أهل مكة أو أهل المدينة قال: حُقَّ لهم، أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ (٢). وقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا ابن فضيل، عن ضرار، عن عبد الله المكتب، عن رجل، عن عبد الله قال: قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن إن أهل المدينة ليوفون الكيل، قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل وقد قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ حتى بلغ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (٣). والمراد بالتطفيف ههنا: البخس في المكيال والميزان إما بالإزدياد إن اقتضى من الناس وإما بالنقصان إن قضاهم، ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل بقوله

стр. 4505

تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ أي: من الناس ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ أي: يأخذون حقهم بالوافي والزائد ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ أي: ينقصون، والأحسن أن يجعل كالوا ووزنوا متعديًا ويكون هم في محل نصب، ومنهم من يجعلها ضميرًا مؤكدًا للمستتر في قوله: كالوا ووزنوا ويحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وكلاهما متقارب. وقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾ [الإسراء] وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ [الرحمن] وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال. ثم قال تعالى متوعدًا لهم: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥)﴾؟ أي: ما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر في يوم عظيم الهول كثير الفزع جليل الخطب، من خسر فيه أدخل نارًا حامية؟ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ أي: يقومون حفاة عراة غرلًا في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم ويغشاهم من أمر الله تعالى ما تعجز القوى والحواس عنه. قال الإمام مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه" (١). رواه البخاري من حديث مالك وعبد الله بن عون كلاهما عن نافع به، ورواه مسلم من الطريقين أيضًا، وكذلك رواه أيوب بن يحيى وصالح بن كيسان وعبد الله وعبيد الله ابنا عمر ومحمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر به (٢). ولفظ الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يوم يقوم الناس لرب العالمين لعظمة الرحمن يوم القيامة، حتى إن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم" (٣). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني سليم بن عامر، حدثني المقداد؛ يعني: ابن الأسود الكندي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين -قال:- فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يُلجِمُه إلجامًا" (٤). رواه مسلم عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة والترمذي عن سويد، عن ابن

стр. 4506

المبارك، كلاهما عن ابن جابر به (١). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، أن أبا عبد الرحمن حدثه، عن أبي أُمامة أن رسول الله ﷺ قال: "تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل ويزاد في حرها كذا كذا، تغلي منها الهوام كما تغلي القدور، يعرقون فيها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق" (٢). انفرد به أحمد. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو عشانة حيي بن يؤمن أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ وسط فيه -وأشار بيده فألجمها فاه، رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده هكذا- ومنهم من يغطيه عرقه" وضرب بيده إشارة (٣)، انفرد به أحمد، وفي حديث: "أنهم يقومون سبعين سنة لا يتكلمون"، وقيل: يقومون ثلاثمائة سنة، وقيل: يقومون أربعين ألف سنة، ويقضي بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" (٤). وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عون الزيادي، أخبرنا عبد السلام بن عجلان، سمعت أبا يزيد المدني، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لبشير الغفاري: "كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه ثلاثمائة سنة لرب العالمين من أيام الدنيا لا يأتيهم فيه خبر من السماء ولا يؤمر فيهم بأمر؟ " قال بشير: المستعان الله، قال: "فإذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من كرب يوم القيامة وسوء الحساب" ورواه ابن جرير من طريق عبد السلام به (٥). وفي سنن أبي داود: أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة (٦). وعن ابن مسعود يقومون أربعين سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يكلمهم أحد قد ألجم العرق برهم وفاجرهم (٧).

стр. 4507

وعن ابن عمر: يقومون مائة سنة رواهما ابن جرير (١). وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن أزهر بن سعيد الحواري، عن عاصم بن حميد، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يفتتح قيام الليل: يكبر عشرًا ويحمد عشرًا، ويسبح عشرًا ويستغفر عشرًا ويقول: "اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني" ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة (٢). ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾. يقول تعالى: حقًا ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ أي: أن مصيرهم ومأواهم لفي سجين فعيل من السجن وهو الضيق، كما يقال: فسيق وشريب وخمير وسكير ونحو ذلك، ولهذا عظم أمره فقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾؟ أي: هو أمر عظيم وسجن مقيم وعذاب أليم، ثم قد قال قائلون: هي تحت الأرض السابعة، وقد تقدم في حديث البراء بن عازب في حديثه الطويل: يقول الله في روح الكافر: اكتبوا كتابه في سجين. وسجين هي تحت الأرض السابعة (٣)، وقيل: صخرة تحت الأرض السابعة خضراء، وقيل: بئر في جهنم. وقد روى ابن جرير في ذلك حديثًا غريبًا منكرًا لا يصح فقال: حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الواسطي، عن شعيب بن صفوان، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الفلق جبٌّ في جهنم مغطى، وأما سجين فمفتوح" (٤). والصحيح أن سجينًا مأخوذ من السجن وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة، ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين] وقال ههنا: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾ وهو يجمع الضيق والسفول كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ [الفرقان]. وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾ ليس تفسيرًا لقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾ وإنما هو تفسير

стр. 4508

لما كتب لهم من المصير إلى سجين؛ أي: مرقوم مكتوب مفروغ منه لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد. قاله محمد بن كعب القرظي. ثم قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾ أي: إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين، وقد تقدم الكلام على قوله: ﴿وَيْلٌ﴾ بما أغنى عن إعادته، وأن المراد من ذلك الهلاك والدمار كما يقال: ويل لفلان، وكما جاء في المسند والسنن من رواية بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك الناس، ويل له، ويل له" (١). ثم قال تعالى مفسرًا للمكذبين الفجار الكفرة: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾ أي: لا يصدقون بوقوعه ولا يعتقدون كونه ويستبعدون أمره، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾ أي: معتد في أفعاله؛ من تعاطي الحرام والمجاوزة في تناول المباح والأثيم في أقواله إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر. وقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ أي: إذا سمع كلام الله تعالى من الرسول يكذب به ويظن به ظن السوء فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ [النحل] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان]. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا أنَّ هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله ﷺ ، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا، ولهذا قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾. والرين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للأبرار، والغين للمقربين. وقد روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن العبد إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه وإن زاد زادت، فذلك قول الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ ". وقال الترمذي: حسن صحيح، ولفظ النسائي "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، فإِن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ (٢) ".

стр. 4509

وقال أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإِن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، وذاك الران الذي ذكر الله في القرآن ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ " (١). وقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت (٢)، وكذا قال مجاهد بن جبير وقتادة وابن زيد وغيرهم (٣). وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ أي: لهم يوم القيامة منزل ونزل سجين ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم. قال الإمام أبو عبد الله الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه يومئذٍ (٤)، وهذا الذي قاله الإمام الشافعي ﵀ في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة]، وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة وفي روضات الجنات الفاخرة. وقد قال ابن جرير: [حدثني محمد بن عمار الرازي] (٥)، حدثنا أبو معمر المقري، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ قال: يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية. أو كلامًا هذا معناه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ أي: ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ أي: يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ والتصغير والتحقير (٦). ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾. يقول تعالى: حقًا ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾ وهم بخلاف الفجار ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ أي: مصيرهم إلى عليين وهو بخلاف سجين.

стр. 4510

قال الأعمش: عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبًا وأنا حاضر عن ﴿سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٧] قال: هي الأرض السابعة وفيها أرواح الكفار، وسأله عن ﴿عِلِّيِّينَ﴾ فقال: هي السماء السابعة وفيها أرواح المؤمنين (١). وهكذا قال غير واحد: إنها السماء السابعة (٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾ يعني: الجنة (٣). وفي رواية العوفي عنه: أعمالهم في السماء عند الله (٤). وكذا قال الضحاك: وقال قتادة: عليون: ساق العرش اليمنى (٥). وقال غيره: عليون: عند سدرة المنتهى (٦)، والظاهر: أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع، ولهذا قال تعالى معظمًا أمره ومفخمًا شأنه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩)﴾ ثم قال تعالى مؤكدًا لما كتب لهم: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾ وهم الملائكة. قاله قتادة (٧). وقال العوفي، عن ابن عباس: يشهده من كل سماء مقربوها (٨). ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢)﴾ أي: يوم القيامة هم في نعيم مقيم وجنات فيها فضل عميم ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ وهي السرر تحت الحجال ينظرون قيل: معناه ينظرون في ملكهم وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد. وقيل: معناه ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)﴾ إلى الله ، وهذا مقابل لما وصف به أولئك الفجار ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله وهم على سررهم وفرشهم، كما تقدم في حديث ابن عمر: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أعلاهم لمن ينظر إلى الله في اليوم مرتين" (٩). وقوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ أي: تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم؛ أي: صفة الترافة والحشمة والسرور والدعة والرياسة مما هم فيه من النعيم العظيم. وقوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥)﴾ أي: يسقون من خمر من الجنة، والرحيق من أسماء الخمر، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وابن زيد (١٠).

стр. 4511

قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن سعد أبي المجاهد الطائي، عن عطية بن سعد العوفي، عن أبي سعيد الخدري -أراه قد رفعه إلى النبي ﷺ - قال: "أيما مؤمن سقى مؤمنًا شربة ماء على ظمأ سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن أطعم مؤمنًا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مؤمن كسا مؤمنًا ثوبًا على عري كساه الله من خضر الجنة" (١). وقال ابن مسعود في قوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: أي خلطه مسك (٢). وقال العوفي، عن ابن عباس: طيب الله لهم الخمر فكان آخر شيء جعل فيها مسك ختم بمسك (٣)، وكذا قال قتادة والضحاك. وقال إبراهيم والحسن: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: عاقبته مسك (٤). وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن وضاح، حدثنا أبو حمزة، عن جابر، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي الدرداء ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ قال: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم، ولو أن رجلًا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها (٥). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ قال: [طينه] (٦) مسك (٧). وقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أي: وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون وليتباهى ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون، كقوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ [الصافات]. وقوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)﴾ أي: ومزاج هذا الرحيق الموصوف من تسنيم؛ أي: من شراب يقال له تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه. قاله أبو صالح والضحاك، ولهذا قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ أي: يشربها المقربون صرفًا وتمزج لأصحاب اليمين مزجًا.

стр. 4512

[قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق وقتادة وغيرهم] (١) (٢). ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾. يخبر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين؛ أي: يستهزئون بهم ويحتقرونهم، وإذا مرُّوا بالمؤمنين يتغامزون عليهم؛ أي: محتقرين لهم ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)﴾ أي: وإذا انقلب؛ أي: رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم انقلبون إليها فاكهين؛ أي: مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحتقرونهم ويحسدونهم ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ أي: لكونهم على غير دينهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾ أي: وما بعث هؤلاء المجرمون حافظين على هؤلاء المؤمنين ما يصدر منهم من أعمالهم وأقوالهم ولا كلفوا بهم؟ فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم، كما قال تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾ [المؤمنون] ولهذا قال ههنا: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني: يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أي: في مقابلة ما ضحك بهم أولئك ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥)﴾ أي: إلى الله في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون ليسوا بضالين بل هم من أولياء الله المقربين ينظرون إلى ربهم في دار كرامته. وقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾؟ أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقيص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله. آخر تفسير سورة المطففين، ولله الحمد والمنّة.

стр. 4513

سُورَةُ الانشِقَاقِ قال مالك، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة قرأ بهم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها (١)، رواه مسلم والنسائي من طريق مالك به (٢). وقال البخاري: حدثنا أبو النعمان، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن بكر، عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ فسجد، فقلت له. فقال: سجدت خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه (٣)، ورواه أيضًا عن مسدد، عن معتمر به. ثم رواه عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن التيمي، عن بكر، عن أبي رافع فذكره (٤). وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن سليمان بن طرخان التيمي به، وقد رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان بن عيينة، زاد النسائي وسفيان الثوري كلاهما عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة، قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ (٥) [العلق]. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾. يقول تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ وذلك يوم القيامة ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أي: استمعت لربها

стр. 4514

وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق، وذلك يوم القيامة ﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: وحُق لها أن تطيع أمره؛ لأنه العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شيء وذلَّ له كل شيء، ثم قال: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾ أي: بسطت وفرشت ووسعت. قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، أن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة مدَّ الله الأرض مدَّ الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه، فأكون أول من يدعى وجبريل عن يمين الرحمن، واللهِ ما رآه قبلها، فأقول: يا ربِّ إن هذا أخبرني، أنك أرسلته إليَّ. فيقول الله : صدق ثم أشفع، فأقول: يا ربِّ عبادك عبدوك في أطراف الأرض، قال: وهو المقام المحمود" (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤)﴾ أي: ألقت ما في بطنها من الأموات وتخلَّت منهم. قاله مجاهد وسعيد وقتادة ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ (٢) كما تقدم. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ أي: إنك ساع إلى ربك سعيًا وعامل عملًا ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر. ويشهد لذلك ما رواه أبو داود الطيالسي عن الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "قال جبريل يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه" (٣). ومن الناس من يعيد الضمير على قوله: ﴿رَبِّكَ﴾؛ أي: فملاق ربك، ومعناه: فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك، وعلى هذا فكلا القولين متلازم. قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ يقول: تعمل عملًا تلقى الله به خيرًا كان أو شرًا (٤). وقال قتادة: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ إن كدحك يا ابن آدم لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل ولا قوة إلا بالله (٥). ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ أي: سهلًا بلا تعسير؛ أي: لا يحقق عليه جميع دقائق أعماله، فإن من حوسب كذلك هلك لا محالة. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من نوقش الحساب عذب" قالت: فقلت: أفليس قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾؟ قال: "ليس ذاك بالحساب ولكن ذلك العرض من نوقش

стр. 4515

الحساب يوم القيامة عُذِّب" (١). وهكذا رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير من حديث أيوب السختياني به (٢). وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو عامر الخزاز، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا معذبًا" فقلت: أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾؟ قال: "ذاك العرض إنه من نوقش الحساب عُذِّب" وقال بيده على إصبعه [كأنه] (٣) ينكت (٤)، وقد رواه أيضًا عن عمرو بن علي، عن ابن أبي عدي، عن أبي يونس القشيري، عن ابن أبي مُليكة، عن القاسم، عن عائشة فذكر الحديث (٥)، أخرجاه من طريق أبي يونس القشيري واسمه: حاتم بن أبي صغيرة (٦) به. قال ابن جرير: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا مسلم، عن الحريش بن الخريت أخي الزبير، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة، قالت: من نوقش الحساب -أو من حوسب- عُذِّب. قال: ثم قالت: إنما الحساب اليسير عرض على الله تعالى وهو يراهم (٧). وقال أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته: "اللَّهم حاسبني حسابًا يسيرًا" فلما انصرف قلت: يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال: "أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه؛ إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذٍ هلك" (٨). صحيح على شرط مسلم. وقوله تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ أي: ويرجع إلى أهله في الجنة. قاله قتادة والضحاك (٩)، ﴿مَسْرُورًا﴾ أي: فرحًا مغتبطًا بما أعطاه الله . وقد روى الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه قال: "إنكم تعملون أعمالًا لا تعرف، ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله فمسرور أو مكظوم" (١٠).

стр. 4516

وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ أي: بشماله من وراء ظهره تثنى يده إلى ورائه ويعطى كتابه بها كذلك ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١)﴾ أي: خسارًا وهلاكًا ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣)﴾ أي: فرحًا لا يفكر في العواقب ولا يخاف مما أمامه، فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل. ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ أي: كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله ولا يعيده بعد موته. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما (١)، والحور هو: الرجوع. قال الله: ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾ يعني: بلى سيعيده الله كما بدأه ويجازيه على أعماله خيرها وشرها، فإنه كان به بصيرًا؛ أي: عليمًا خبيرًا. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾. روي عن علي وابن عباس وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وشداد بن أوس وابن عمر ومحمد بن علي بن الحسين ومكحول وبكر بن عبد الله المزني وبكير بن الأشج ومالك وابن أبي ذئب وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون أنهم قالوا: الشفق: الحمرة (٢). وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن ابن خُثيم، عن ابن لبيبة، عن أبي هريرة قال: الشفق: البياض (٣)، فالشفق: هو حمرة الأفق إما قبل طلوع الشمس؛ كما قاله مجاهد، وإما بعد غروبها؛ كما هو معروف عند أهل اللغة. قال الخليل بن أحمد: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب قيل: غاب الشفق. وقال الجوهري: الشفق: بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قريب من العتمة، وكذا قال عكرمة: الشفق الذي يكون بين المغرب والعشاء. وفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق" (٤)، ففي هذا كلِّه دليل على أن الشفق هو كما قاله الجوهري والخليل.

стр. 4517

ولكن صحَّ عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦)﴾ هو النهار كله (١)، وفي رواية عنه أيضًا أنه قال: الشفق الشمس (٢). رواهما ابن أبي حاتم، وإنما حمله على هذا قرنه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ أي: جمع كأنه أقسم بالضياء والظلام. وقال ابن جرير: أقسم الله بالنهار مدبرًا وبالليل مقبلًا (٣). وقال ابن جرير: وقال آخرون: الشفق اسم للحمرة والبياض. وقالوا: هو من الأضداد (٤). قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ وما جمع (٥). قال قتادة: وما جمع من نجم ودابة (٦)، واستشهد ابن عباس بقول الشاعر: مستوسقات لو يجدن سائقًا (٧) وقال عكرمة: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ يقول ما ساق من ظلمة إذا كان الليل ذهب كل شيء إلى مأواه (٨). وقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)﴾ قال ابن عباس: إذا اجتمع واستوى (٩)، وكذا قال عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ومسروق وأبو صالح والضحاك وابن زيد (١٠). ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)﴾ إذا استوى. وقال الحسن: إذا اجتمع إذا امتلأ (١١)، وقال قتادة: إذا استدار (١٢). ومعنى كلامهم أنه إذا تكامل نوره وأبدر جعله مقابلًا لليل وما وسق. وقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال البخاري: أخبرنا سعيد بن النضر، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد قال: قال ابن عباس: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ حالًا بعد حال، قال: هذا نبيكم ﷺ (١٣)، هكذا رواه البخاري بهذا اللفظ. وهو محتمل أن يكون ابن

стр. 4518

عباس أسند هذا التفسير عن النبي ﷺ كأنه قال: سمعت هذا من نبيكم ﷺ ، فيكون قوله نبيكم مرفوعًا على الفاعلية من قال، وهو الأظهر، والله أعلم كما قال أنس: لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه سمعته من نبيكم ﷺ (١). وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، أن ابن عباس كان يقول: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال يعني: نبيكم ﷺ : "حالًا بعد حال" (٢)، وهذا لفظه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا بعد حال (٣). وكذا قال عكرمة ومُرة الطيب ومجاهد والحسن والضحاك ومسروق وأبو صالح (٤). ويحتمل أن يكون المراد ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ حالًا بعد حال، قال هذا. يعني المراد بهذا نبيكم ﷺ فيكون مرفوعًا على أن هذا ونبيكم يكونان مبتدأ وخبرًا والله أعلم، ولعلَّ هذا قد يكون هو المتبادر إلى كثير من الرواة كما قال أبو داود الطيالسي وغندر: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال: محمد ﷺ (٥). ويؤيد هذا المعنى قراءة عمر وابن مسعود وابن عباس وعامة أهل مكة والكوفة لترَكبَن بفتح التاء والباء (٦). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن الشعبي: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء (٧). وهكذا روي عن ابن مسعود ومسروق وأبي العالية ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ سماء بعد سماء (٨). (قلت): يعنون ليلة الإسراء. وقال أبو إسحاق والسدي، عن رجل، عن ابن عباس: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ منزلًا على منزل (٩)، وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس مثله وزاد: ويقال: أمرًا بعد أمر وحالًا بعد حال (١٠).

стр. 4519

وقال السدي نفسه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ أعمال مَنْ قبلكم منزلًا بعد منزل. (قلت): كأنه أراد معنى الحديث الصحيح: "لتركبن سنن مَنْ كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى قال: "فمن؟ " (١). وهذا محتمل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا ابن جابر أنه سمع مكحولًا يقول في قول الله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال: في كل عشرين سنة تحدثون أمرًا لم تكونوا عليه (٢). وقال الأعمش: حدثنا إبراهيم قال: قال عبد الله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾، قال: السماء تتشقق ثم تحمر ثم تكون لونًا بعد لون (٣). وقال الثوري، عن [قيس] (٤) بن وهب، عن مُرَّة، عن ابن مسعود: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال: السماء مَرَّة كالدهان ومَرَّة تنشق (٥). وروى البزار من طريق جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ يا محمد يعني حالًا بعد حال، ثم قال: ورواه جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس (٦). وقال سعيد بن جبير ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال: قوم كانوا في الدنيا خسيس أمرهم فارتفعوا في الآخرة، وآخرون كانوا أشرافًا في الدنيا فاتضعوا فى الآخرة (٧). وقال عكرمة: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا بعد حال فطيمًا بعد ما كان رضيعًا، وشيخًا بعد ما كان شابًا. وقال الحسن البصري: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ يقول: حالًا بعد حال، رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقرًا بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقمًا بعد صحة (٨). وقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن عبد الله بن زاهر، حدثني أبي، عن عمرو بن شمر، عن جابر هو: الجعفي، عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن ابن آدم لفي غفلة مما خلق له إن الله تعالى إذا أراد خلقه قال للملك: اكتب رزقه، اكتب أجله،

стр. 4520

اكتب أثره، اكتب شقيًا أو سعيدًا. ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله إليه ملكًا آخر فيحفظه حتى يدرك، ثم يرتفع ذلك الملك ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا حضره الموت ارتفع ذانك الملكان وجاءه ملك الموت فقبض روحه، فإذا دخل قبره ردَّ الروح في جسده. ثم ارتفع ملك الموت وجاء ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة انحطَّ عليه ملك الحسنات وملك السيئات، فانتشطا كتابًا معقودًا في عنقه، ثم حضرا معه واحدًا سائقًا وآخر شهيدًا (١). ثم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢] " قال رسول الله ﷺ : ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ قال: "حالًا بعد حال" ثم قال النبي ﷺ : "إن قدامكم لأمرًا عظيمًا لا تقدرونه فاستعينوا بالله العظيم" (٢) هذا حديث منكر، وإسناده فيه ضعفاء ولكن معناه صحيح، والله أعلم. ثم قال ابن جرير بعد ما حكى أقوال الناس في هذه الآية من القراء والمفسرين: والصواب من التأويل قول من قال: لتركبن أنت يا محمد حالًا بعد حال وأمرًا بعد أمر من الشدائد، والمراد بذلك وإن كان الخطاب موجهًا إلى رسول الله ﷺ جميع الناس وأنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأحواله أهوالًا (٣). وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ أي: فماذا يمنعهم من الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر؟ وما لهم إذا قرئت عليهم آيات الله وكلامه وهو هذا القرآن لا يسجدون إعظامًا وإكرامًا واحترامًا؟ وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢)﴾ أي: من سجيتهم التكذيب والعناد والمخالفة للحق ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾ قال مجاهد وقتادة: يكتمون في صدورهم (٤). ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ أي: فأخبرهم يا محمد بأن الله قد أعدَّ لهم عذابًا أليمًا. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذا استثناء منقطع يعني: لكن الذين آمنوا؛ أي: بقلوبهم وعملوا الصالحات؛ أي: بجوارحهم ﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قال ابن عباس: غير منقوص (٥). وقال مجاهد والضحاك: غير محسوب (٦)، وحاصل قولهما أنه غير مقطوع كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]. وقال السدي: قال بعضهم: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص.
следующие страницы →