← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم كانوا يعلمون المعجز، ويفرقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه. والله أعلم. ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية: الأول: سحر الكلدانيين والكشدانيين الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة؛ وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم، وأنها تأتي بالخير والشر؛ وهم الذين بعث الله إليهم إبراهيم الخليل ( ﷺ ) (١) مبطلًا لمقالتهم ورادًا لمذهبهم؛ وقد استقصى في (كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم) المسنوب إليه كما ذكره القاضي ابن خلكان وغيره. ويقال: إنه تاب منه، وقيل: (بل) (٢) صنفه على وجه إظهار الفضيلة، لا على سبيل الاعتقاد، وهذا هو المظنون به؛ إلا أنه ذكر فيه (طرائقهم) (٣) في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون، وما يلبسونه وما يتنسكون به. قال: والنوع الثاني: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية؛ ثم استدل على أن الوهم له تأثير بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه. قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان، أو الدوران؛ وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت منطبعة للأوهام. قال: وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق (٤) [و (له) (٥) أن يستدل على ذلك] (٤) (٦) [بما ثبت في "الصحيح" (٧): أن رسول الله ﷺ قال: "العين حق] (٦) ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين". قال: فإذا عرفت هذا فنقول: النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قويةً جدًّا، فتستغني في هذه (الأفعال) (٨) عن الاستعانة (بالآلات) (٩) والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات. وتحقيقه أن النفس إذا كانت (مشتغلةً عن) (١٠) البدن، شديدة الانجذاب إلى عالم السموات، صارت كأنها روح من الأرواح السماوية؛ فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، وإذا كانت ضعيفةً شديدة التعلق بهذه الذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تأثير ألبتة إلا في هذا البدن. ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس (والرياضة) (١١). قلت: وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال؛ وهو على قسمين: تارة تكون حالًا صحيحةً

стр. 597

شرعيةً يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله ( ﷺ ) (١) ويترك ما نهى الله تعالى عنه ورسوله ﷺ ؛ فهذه الأحوال مواهب من الله تعالى، وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله ( ﷺ ) (١)، ولا يتصرف بها في ذلك، فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إياهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجال (لعنه الله) (٢) له من الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعًا لعنه الله. وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وبسط هذا يطول جدًّا، وليس هذا موضعه. قال: والنوع الثالث من السحر: الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن خلافًا للفلاسفة والمعتزلة؛ وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار وهم الشياطين. قال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى (والدخن) (٣) والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل (تسخير) (٤). النوع الرابع من السحر: التخيلات، والأخذ بالعيون والشعبذة؛ ومبناه على أن البصر قد (يخطئ) (٥) ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى ذا الشعبذة الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق نحوه عمل شيئًا آخر عملًا بسرعة شديدة؛ وحينئذٍ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه؛ فيتعجبون منه جدًّا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله. قال: وكلما كانت الأحوال التي تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل أشد كان العلم أحسن؛ مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدًّا، أو مظلم، فلا تقف القوة (الباصرة) (٦) على أحوالها (بكلالها) (٧) والحالة هذه. قلت: وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ [طه: ٦٦] قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم. النوع الخامس من السحر: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب

стр. 598

الهندسية؛ كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب (مرةً) (١) بالبوق من غير أن يمسه أحد. ومنها الصور التي تصورها الروم والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصورونها ضاحكةً وباكيةً. إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطيف أمور (المخاييل) (٢) قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل. قلت: يعني ما قاله بعض المفسرين: إنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي، فحشوها زئبقًا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها. قال الرازي: ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال بالآلات الخفيفة. قال: وهذا في الحقيقة لا ينبغى أن يعد من باب السحر؛ لأن لها (أسبابًا) (٣) معلومةً (متيقنةً) (٤)، من اطلع عليه قدر عليها. قلت: ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يرونهم إياه من الأنوار؛ كقضية قمامة الكنيسة التي لهم (بالبلد) (٥) المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على (الطغام) (٦) (منهم) (٧)، وأما الخواص فهم يعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم. (وفيهم شبه) (٨) للجهلة الأغبياء من (متعبدي) (٩) الكرامية، الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد (من قال رسول الله ﷺ فيهم) (١٠): "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (١١). وقوله: "حدثوا عني ولا تكذبوا عليَّ فإنه من يكذب عليَّ يلج النار" (١٢).

стр. 599

ثم ذكر ههنا حكايةً عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر (حزين) (١) الصوت ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور ترق له فتذهب فتلقى في وكره من ثمر الزيتون، (ليتبلغ) (٢) به، فعمد هذا الراهب إلى (صنعة) (٣) طائر على شكله، وتوصل إلى أن جعله أجوف، فإذا دخلته الريح يسمع (منه) (٤) صوت كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابًا من ناحية، فتدخل (الريح) (٥) إلى داخل هذه الصورة، فيسمع صوتها كذلك الطائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه؟ ففتنهم بذلك، (وأوهم) (٦) أن هذه من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله (المتتابعة) (٧) إلى يوم القيامة. قال الرازي: النوع السادس من السحر: الاستعانة بخواص الأدوية يعني في الأطعمة (والدهانات) (٨). قال: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الحواص، فإن أثر المغناطيس مشاهد. قلت: يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعى الفقر، ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص مدعيًا أنها أحوال له من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات. قال: النوع السابع من السحر: (تعليق القلب) (٩)؛ وهو أن يدعى الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور؛ فإذا اتفق أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل، قليل التمييز، اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرهب والمخافة؛ فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة؛ فحينئذٍ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء. قلت: هذا النمط (يقال له: "التنبلة") (١٠)؛ وإنما يروج على الضعفاء العقول من بني آدم.

стр. 600

وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه؛ فإذا كان (المتنبل) (١) حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره. قال: النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة (والتضريب) (٢) من وجوه (خفية) (٣) لطيفة؛ وذلك شائع في الناس. قلت: النميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش (بين الناس) (٤)، وتفريق قلوب المؤمنين؛ فهذا حرام متفق عليه، فأما (إن) (٥) كانت على وجه الإصلاح (بين الناس) (٤) وائتلاف كلمة المسلمين كما جاء في الحديث (٦): "ليس بالكذاب من ينم خيرًا". أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة؛ فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث (٧): "الحرب خدعة"، وكما فعل نعيم (٨) بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظة: جاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك؛ فتناكرت النفوس وافترقت، وإنما يحذو على مثل هذا: الذكاء والبصيرة النافذة. والله المستعان. ثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر، وشرح أنواعه وأصنافه. قلت: وإنما أدخل كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه؛ ولهذا جاء في الحديث (٩): "إن من البيان (سحرًا) " (١٠). وسمى السحور، لكونه يقع خفيًا آخر الليل. والسحر: الرئة وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه؛ كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سحره؛ أي: انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة (١١) ﵄: "توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري"، وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] أي: أخفوا عنهم عملهم. والله ﵎ (١٢) أعلم.

стр. 601

فصل وقد ذكر الوزير (أبو المظفر) (١) يحيى بن محمد بن هبيرة ﵀ في كتابه (الإشراف على مذاهب الأشراف) بابًا في السحر؛ فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة فإنه قال: لا حقيقة له عنده؛ واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله؛ فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن تعلمه (ليتقيه) (٢) أو ليجتنبه فلا يكفر. ومن تعلمه معتقدًا جوازه، أو أنه ينفعه، كفر. وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر. وقال الشافعي ﵀: إذا تعلم السحر قلنا له صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر. قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك، وأحمد: نعم، وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا. فأما إن قتل بسحره إنسانًا فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك، أو يقر بذلك في حق شخص معين، وإذا قتل فإنه يقتل حدًا عندهم إلا الشافعي فإنه قال: يقتل والحالة هذه قصاصًا. قال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد - في المشهور عنهم -: لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل. وأما ساحر أهل الكتاب؛ فعند أبي حنيفة أنه يقتل كما يقتل الساحر المسلم. وقال مالك وأحمد والشافعي: لا يقتل؛ يعني: (لقصة) (٣) لبيد بن (أعصم) (٤). واختلفوا في المسلمة الساحرة؛ فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل، ولكن تحبس. وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل. والله أعلم. وقال أبو بكر (٥) الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي؛ قال: قرأ على أبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - عمر بن هارون، حدثنا يونس، عن الزهري؛ قال: يقتل ساحر المسلمين، ولا يقتل ساحر المشركين؛ لأن رسول الله ﷺ سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها (٦). [وقد نقل القرطبي (٧) عن مالك ﵀ أنه قال في الذمي يقتل إن قتل سحره. وحكى ابن حويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر] (٨):

стр. 602

[إحداهما: أنه يستتاب، فإن أسلم وإلا قتل. والثانية: أنه يقتل وإن أسلم. وأما الساحر المسلم فإن تضمن سحره كفرًا كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ لكن قال مالك: إذا ظهر عليه لم تقبل توبته؛ لأنه كالزنديق؛ فإن تاب قبل أن يظهر عليه، وجاءنا تائبًا قبلناه (ولم نقتله) (١)، فإن قتل سحره قتل. وقال الشافعي: فإن قال: لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية. مسألة: وهل يسأل الساحر حلًا لسحره؟ فأجازه سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري (٢). وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة (٣). وكره (٤) ذلك الحسن البصري. وفي "الصحيح" (٥) عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، هلا تنشرت؟ فقال: "أما الله فقد شفاني، وخشيت أن أفتح على الناس شرًا". وحكى القرطبي (٦) عن وهب: أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين، ثم تضرب بالماء، ويقرأ عليها آية الكرسي، ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات، ثم يغتسل بباقيه، فإنه يذهب ما به. وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته. قلت: أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك؛ وهما المعوذتان، وفي الحديث (٧): "لم يتعوذ] (٨) .......................

стр. 603

[(المتعوذون) (١) بمثلهما" وكذلك قراءة آية الكرسي (٢) فإنها مطردة للشيطان] (٣). [وقال أبو عبد الله (٤) القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء، خلافًا للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفراينى من الشافعية حيث قالوا: إنه تمويه وتخييل؛ قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة. والشعوذي: البريد لخفة سيره. قال ابن فارس: وليست هذه الكلمة من كلام أهل البادية] (٥). [قال القرطبي: ومنه ما يكون كلامًا يحفظ، ورقى من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين ويكون أدويةً وأدخنةً وغير ذلك. وقال: وقوله ﵇: "إن من البيان لسحرًا" يحتمل أن يكون مدحًا كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذمًا للبلاغة، قال: وهذا أصح؛ قال: لأنها تصوب الباطل حتى توهم السامع أنه حق، كما قال عليه الصلاة (٦) والسلام: "فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له … " الحديث] (٧). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾. نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم؛ وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من (التنقص) (٨)، عليهم لعائن الله؛ فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا يقولون راعنا، (ويورون) (٩) بالرعونة؛ كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾ [النساء: ٤٦]. وكذلك جاءت الأحاديث (١٠) بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون: السام عليكم؛

стр. 604

و (السام) (١): هو الموت؛ (ولهذا) (٢) أمرنا أن نرد عليهم بـ"وعليكم". (وأنه) (٣) يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا. والغرض أن اللّه تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولًا وفعلًا؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾. وقال الإمام (٤) أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، حدثنا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، (وجعل) (٥) الذلة والصغار على من خالف أمري. ومن تشبه بقوم فهو منهم". [وروى أبو داود (٦) عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، به: "من تشبه بقوم فهو منهم"] (٧)؛ ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد، والوعيد على التشبه بالكفار

стр. 605

في أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم وأعيادهم، وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا، ولم نقرر عليها. وقال ابن (١) أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مسعر، عن معن وعون، أو أحدهما: أن رجلًا أتى عبد اللّه بن مسعود، فقال: اعهد إلي. فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. وقال الأعمش (٢)، عن خيثمة؛ قال: ما تقرءون في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه في التوراة: يا أيها المساكين. وقال محمد بن إسحاق (٣): حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿رَاعِنَا﴾ أي: (أرعنا) (٤) سمعك. وقال الضحاك (٥): عن ابن عباس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قال: كانوا يقولون للنبي ﷺ : أرعنا سمعك، وإنما: "راعنا" كقولك: "عاطنا". وقال ابن أبي (٦) حاتم: وروى عن أبي العالية، وأبي مالك، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة نحو ذلك. وقال مجاهد (٧): ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ لا تقولوا خلافًا. وفي رواية: لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك. وقال عطاء (٨): لا تقولوا: ﴿رَاعِنَا﴾ كانت لغةً تقولها الأنصار، فنهى الله عنها.

стр. 606

وقال الحسن (١): ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قال: الراعن من القول: السخري منه؛ نهاهم الله أن يسخروا من قول محمد ﷺ ، وما يدعوهم إليه من الإسلام. وكذا روي عن ابن جريج أنه قال مثله. وقال أبو صخر (٢): ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فيقول: أرعنا سمعك، فأعظم الله رسوله ﷺ أن يقال ذلك له. وقال السدي (٣): كان رجل من اليهود من بني قينقاع يدعى رفاعة بن (زيد) (٤) يأتي النبي ﷺ ، فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك، واسمع غير مسمع. وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسم غير مسمع غير صاغر، (وهي) (٥) كالتي في "سورة النساء". فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا: راعنا. وكذا قال عبد الرحمن (٦) بن زيد بن أسلم بنحو من هذا. قال ابن جرير (٧): والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ : راعنا؛ لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولوها لنبيه ﷺ نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنه قال (٨): "لا تقولوا للعنب: الكرم، ولكن قولوا: (الحبلة) " (٩)، و"لا تقولوا: عبدي، ولكن قولوا: فتاي" (١٠)؛ وما أشبه ذلك. وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (يبين تعالى بذلك) (١١) شدة (عداوة) (١٢) الكافرين من أهل الكتاب والمشركين الذين حذر الله تعالى من مشابهتهم للمؤمنين، ليقطع المودة بينهم وبينهم، (وينبه) (١٣) تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشبرع التام الكامل الذي شرعه لنبيهم محمد ﷺ يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.

стр. 607

﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾. قال ابن أبي (١) طلحة، عن ابن عباس ﵄: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما نبذل من آية. وقال ابن جريج (٢)، عن مجاهد: "ما ننسخ من آية"؛ [أي: ما نمحو من آية. وقال ابن أبي (٣) نجيح، عن مجاهد: "ما ننسخ من آية"] (٤)؛ قال: نثبت خطها، ونبدل حكمها. حدث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁. وقال ابن أبي (٥) حاتم: وروي عن أبي العالية، ومحمد بن كعب القوظي نحو ذلك. وقال الضحاك (٦): ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما ننسك. وقال عطاء (٧): أما ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ فما (نترك) (٨) من القرآن. وقال ابن أبي حاتم (٩): يعني ترك، ﴿مَا﴾ (١٠) ينزل على محمد ﷺ . وقال السدي (١١): ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ سخها: قبضها.

стр. 608

وقال ابن أبي حاتم (١): يعني: قبضها رفعها؛ مثل قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" (٢). وقوله: "لو كان لابن آدم واديان من (مال) (٣) لابتغى لهما ثالثًا" (٤). وقال ابن جرير (٥): ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما ننقل من حكم آية إلى غيره، فنبدله ونغيره؛ وذلك أن نحول الحلال حرامًا والحرام حلالًا، والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ: من "نسخ الكتاب"، وهو: نقله (من) (٦) نسخة (إلى) (٧) أخرى غيرها فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل (عبادة إلى غيرها) (٨)، وسواء نسخ حكمها أو خطها؛ إذ هي في (كلتا) (٩) حالتيها منسوخة. وأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد النسخ. والأمر في ذلك قريب؛ لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء. (ولخص) (١٠) بعضهم: أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر؛ فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل، وعكسه، والنسخ لا إلى (بدل) (١١). وأما تفاصيل أحكام النسخ، وذكر أنواعه وشروطه (فمبسوط) (١٢) في (فن) (١٣) أصول الفقه. وقال الطبراني (١٤): حدثنا أبو شبيل عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل، عن سلميان بن أرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه؛ قال: قرأ رجلان

стр. 609

سورةً أقرأهما رسول الله ﷺ ، فكانا يقرآن بها، (فقاما) (١) ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا (غاديين) (٢) على رسول الله ﷺ ، فذكرا ذلك له؛ فقال رسول الله ﷺ : "إنها مما نُسخ وأُنسى، فالهوا عنها" فكان الزهري يقرؤها: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ بضم النون (خفيفة) (٣). سليمان بن أرقم ضعيف (٤). [قد روى (أبو بكر) (٥) بن الأنباري (٦)، عن أبيه، عن نصر بن داود] (٧)، (٨) [عن (أبي عبيد) (٩)، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن (يونس) (١٠)، وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف مثله مرفوعًا: ذكره القرطبي (١١)] (٨). وقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ فقرئ على وجهين: "ننساها" و"ننسها" فأما من قرأها بفتح النون والهمزة بعد السين فمعناه: نؤخِّرها. قال علي بن أبي طلحة (١٢)، عن ابن عباس: "ما ننسخ من آية أو ننسأها": يقول: ما نبدِّل من آية أو نتركها لا نبدلها. وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: أو ننسأها نثبت خطها ونبدل حكمها. (وقال) (١٣) عبيد بن عمير (١٤)، ومجاهد (١٥)،

стр. 610

وعطاء (١)، أو ننسأها: نؤخرها ونرجئها. وقال عطية العوفي (٢): أو ننسأها: نؤخرها فلا ننسخها. وقال السدي (٣) مثله أيضًا، وكذا (قال) (٤) الربيع بن أنس (٥). وقال الضحاك (٦): "ما ننسخ من آية أو ننسأها"؛ يعني: الناسخ من المنسوخ. وقال أبو العالية (٧): "ما ننسخ من آية أو ننسأها": نؤخرها عندنا. وقال ابن أبي حاتم (٨): حدثنا عبيد اللّه بن إسماعيل البغدادي، حدثنا خلف، حدثنا الخفاف، عن إسماعيل - يعني: (ابن مسلم) (٩) -، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: خطبنا عمر ﵁، فقال: يقول الله : "ما ننسخ من آية أو ننسأها"؛ أي: نؤخرها. وأما على قراءة (أو ننسها): فقال عبد الرزاق (١٠)، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: كان الله ينسي نبيه ﷺ ما يشاء، وينسخ ما يشاء. وقال ابن جرير (١١): حدثنا سوار بن عبد الله، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال - في قوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ -؛ قال: إن نبيكم ﷺ قرآنًا ثم نسيه. وقال ابن أبي حاتم (١٢): حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا محمد بن الزبير الحراني، عن

стр. 611

الحجاج - يعني: الجزري -، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: كان مما ينزل على النبي ﷺ الوحي بالليل، وينساه بالنهار؛ فأنزل الله : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. قال ابن أبي حاتم: قال (لي) (١) أبو جعفر بن نفيل: ليس هو الحجاج بن أرطاة، هو شيخ لنا جَزَري. وقال عبيد بن عمير (٢): (أو ننسها): نرفعها من عندكم. وقال ابن جرير (٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة؛ قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: "ما ننسخ من آية أو ننسها"؛ قال: قلت له فإن سعيد بن المسيب يقرأ "أو تنساها"؛ قال: فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب، ولا على آل المسيب؛ قال: قال الله جل ثناؤه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى]، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]. وكذا رواه عبد الرزاق، عن هشيم. وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٤) من حديث أبي حاتم الرازي، عن آدم، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، به، وقال: "على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". قال ابن أبي حاتم: وروى عن محمد بن كعب، وقتادة، وعكرمة نحو قول سعيد.

стр. 612

وقال الإمام (١) أحمْدِ (حدثنا يحيى) (٢)، حدثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال عمر: عليٌّ أقضانا، وأُبي أقرؤنا، وإنا لندع [بعض ما يقول [أُبي، وأُبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فلن أدعه لشيء، والله يقول] (٣) ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾] (٤) قال البخاري (٥): (حدثنا عمرو بن علي) (٦)، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر: اقرؤنا أُبيَّ، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أُبي؛ (وذلك أن) (٧) أُبيا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ ، وقد قال الله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أي: في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة (٨)، عن ابن عباس: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يقول: خير لكم في المنفعة وأرفق بكم. وقال أبو العالية (٩): ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ فلا نعمل بها، "أو ننسأها"؛ أي: نرجئها عندنا. نأت بها، أو نظيرها. وقال السدي (١٠): ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقول: نأت بخير من الذي نسخناه، أو مثل الذي تركناه. وقال قتادة (١١): ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقول: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي. وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾:

стр. 613

(يرشد تعالى) (١) بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر، وهو المتصرف؛ فكما (يخلقهم) (٢) كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقى من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء - كذلك يحكم في عباده بما يشاء؛ فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء؛ وهو الذي يحكم ما يريد؛ لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون؛ ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ؛ فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى؛ فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره، واتباع رسله في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم، وبيان بليغ لكفر اليهود، وتزييف شبهتهم، لعنهم الله، في دعوى استحالة النسخ؛ إما عقلًا كما زعمه بعضهم جهلًا وكفرًا؛ وإما نقلًا كما تخرصه آخرون منهم افتراءً وإفكًا. قال الإمام أبو جعفر (٣) بن جرير ﵀: فتأويل الآية: ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السموات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، (وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء) (٤)، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي بما أشاء، وأقر فيهما ما أشاء. ثم قال (٥): وهذا الخبر وإن كان خطابًا من الله تعالى لنبيه ﷺ على وجه الخبر عن عظمته فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام (لمجيئهما) (٦) بما جاءا به من عند اللّه بتغيير ما غيَّر الله من حكم التوراة؛ فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته، وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه. قلت: الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر والعناد؛ فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى؛ لأنه يحكم ما يشاء؛ كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حل بعضها، وكان نكاح الأختين مباحًا لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها. [وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل] (٧) [من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل] (٨)، وأشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه. وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية فلا تصرف الدلالة في المعنى؛ إذ هو المقصود،

стр. 614

وكما في كتبهم مشهورًا من البشارة بمحمد ( ﷺ ) (١) والأمر باتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته عليه (الصلاة و) (٢) السلام، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته، وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مغياة إلى بعثته ﵇، فلا يسمى ذلك نسخًا؛ كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقيل: إنها مطلقة، وإن شريعة محمد ﷺ نسختها، فعلى كل تقدير فوجوب (اتباعه) (٣) (متعين) (٤)؛ لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدًا بالله ﵎ (٥). [ففي هذا المقام (بيَّن) (٦) تعالى جواز النسخ ردًا على اليهود عليهم لعائن الله، حيث قال تعالى: [﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾] (٧) (٨). [﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧) … ﴾ الآية، فكما أن له الملك بلا منازع فكذلك له الحكم بما يشاء: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقرئ في "سورة آل عمران" التي نزل صدرها خطابًا مع أهل الكتاب وقوع النسخ (عند اليهود) (٩) في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]، الآية كما سيأتي تفسيره. والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحكمة البالغة؛ وكلهم قال بوقوعه. وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن. وقوله (هذا) (١٠) ضعيف مردود مرذول. وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشر بعد الحول لم يجب عن ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت المقدس لم يجب بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ وغير ذلك. والله أعمل] (١١). ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾. نهى الله (تبارك) (١٢) وتعالى (المؤمنين) (١٣) في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي ﷺ عن الأشياء قبل كونها؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين

стр. 615

لكم؛ ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة؛ ولهذا جاء في "الصحيح" (١): " (إن) (٢) أعظم المسلمين (في المسلمين) (٣) جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم (من أجل) (٤) مسألته". ولهذا جاء في الصحيحين "إن أعظم المسلمين حِرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته". ولما سئل (٥) رسول الله ﷺ عن الرجل يجد مع امرأته رجلًا فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك؛ فكرة رسول الله ﷺ المسائل وعابها، ثم أنزل الله حكم الملاعنة. ولهذا ثبت في "الصحيحين" (٦) من حديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال. وفي "صحيح مسلم" (٧): "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه". وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج؛ فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله ﷺ ثلاثًا. ثم قال ﵇: "لا، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم"؛ ثم قال: "ذروني ما تركتكم … " الحديث. (ولهذا) (٨) قال أنس بن مالك (٩) (﵁) (١٠): نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (١١): أخبرنا أبو كريب، أخبرنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب؛ قال: إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن الشيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب. وقال البزار (١٢): حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن

стр. 616

جبير، عن ابن عباس (﵄) (١) قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد ﷺ ؛ ما سألوه إلا عن ثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقره:٢١٧]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة:٢٢٠] يعني: هذا وأشباهه. وقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بل تريدون. أو هي على بابها في الاستفهام؛ وهو إنكاري، وهو يعم المؤمنين والكافرين؛ فإنه ﵇ رسول الله إلى الجميع؛ كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]. قال محمد بن إسحاق (٢): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس؛ قال: قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد: يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه. وفجر لنا أنهارًا نتبعك ونصدقك. فأنزل الله من قولهم ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾. وقال أبو جعفر الرازي (٣)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ قال: قال رجل: يا رسول الله، لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل؟ فقال النبي ﷺ : اللهم لا نبغيها - ثلاثًا - ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل؛ كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبةً على بابه وكفارتها؛ فإن كفر كانت له خزيًا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيًا في الآخرة، فما أعطاكم اللّه خير مما أعطى بني إسرائيل. قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء]. وقال (٤): "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن". وقال (٥): "من همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك"؛ فأنزل الله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾. وقال مجاهد (٦): ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يريهم الله جهرةً.

стр. 617

قال: سألت قريش محمدًا ﷺ أن يجعل لهم "الصفا" ذهبًا، قال: "نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل"؛ فأبوا ورجعوا. وعن السدي (١) وقتادة (٢) نحو هذا. والله أعلم. والمراد أن الله ذم من سأل الرسول ﷺ عن شيء على وجه التعنت، والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ تعنتًا وتكذيبًا وعنادًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ أي: ومن (يشتر) (٣) الكفر بالإيمان ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال. وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم]. وقال أبو العالية (٤): يتبدل الشدة بالرخاء. ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾. يحذر (تبارك و) (٥) تعالى عباده المؤمنين عن سلوك (طرائق) (٦) الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم؛ ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح؛ ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه؛ كما قال محمد بن إسحاق (٧): حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن

стр. 618

ابن عباس؛ قال: كان حيي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب، من أشد يهودٍ للعرب حسدًا؛ إذ خصهم الله برسوله ﷺ ؛ وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا؛ فأنزل الله فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ … ﴾ الآية. [وقال عبد الرزاق (١)، عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (٢) قال: هو كعب بن الأشرف. وقال ابن أبي حاتم (٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك، عن أبيه: أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو النبي ﷺ (وفيه) (٤) أنزل الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ … ﴾ إلى قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾. وقال الضحاك (٥)، عن ابن عباس: إن رسولًا أميًّا يخبرهم بما في أيديهم من (الرسل والكتب) (٦) والآيات، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا وحسدًا وبغيًا. وكذلك قال الله تعالى: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ يقول (٧): من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئًا، ولكن الحسد حملهم على الجحود؛ فعيرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة؛ وشرع لنبيه ﷺ وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار (بما أنزل الله (٨) عليهم)، وما أنزل من قبلهم بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم. وقال الربيع (٩) بن أنس: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ من قبل أنفسهم. وقال أبو العالية (١٠): [﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾] (١١) من بعد ما تبين (لهم) (١٢) أن محمدًا رسول الله، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدًا وبغيًا؛ إذ كان من غيرهم. وكذا قال قتادة (١٣)، والربيع بن أنس (١٤) والسدي.

стр. 619

وقوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا … ﴾ [آل عمران: ١٨٦]. قال علي بن أبي طلحة (١)، عن ابن عباس - في قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ نسخ ذلك قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ … ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فنسخ هذا عفوه عن المشركين. وكذا قال أبو العالية (٢)، والربيع بن أنس (٣)، وقتادة (٤)، والسدي (٥): إنها منسوخة بآية السيف؛ ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. وقال ابن أبي حاتم (٦): حدثنا أبي، حدثنا (أبو اليمان) (٧)، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره؛ قال: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى؛ قال الله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩]. وكان رسول الله ﷺ من العفو ما أمره الله به حتى أذن الله (فيهم بقتل) (٨) فقتل الله به من قتل من صناديد قريش. وهذا (إسناد) (٩) صحيح ولم أره في شيء من الكتب الستة؛ [ولكن له أصل في "الصحيحين" (١٠)، عن أسامة بن زيد] (١١) (﵄ - (١٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يحثهم) (١٣) تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة؛ من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد؛ ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر]، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يعني: أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه، سواء كان خيرًا أو شرًا؛ فإنه سيجازي كل عامل بعمله.

стр. 620

وقال أبو جعفر بن جرير (١) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هذا الخبر من الله للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين أنهم مهما فعلوا من خير أو شر، سرًا وعلانيةً، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء، فيجزيهم بالإحسان خيرًا وبالإساءة مثلها. وهذا الكلام وإن كان (خرج) (٢) مخرج الخبر فإن فيه وعدًا ووعيدًا، وأمرًا وزجرًا؛ وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ليجدِّوا في طاعته؛ (إذا) (٣) كان ذلك (مذخورًا) (٤) لهم عنده حتى يثيبهم عليه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وليحذروا معصيته. قال: وأما قوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ فإنه مبصر، صرف إلى: "بصير"، كما صرف مبدع إلى: "بديع"، ومؤلم إلى: "أليم". والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم (٥): حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو (يقترئ) (٦) هذه الآية: سميع بصير - يقول: "بكل شيء بصير". ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾. يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على (ملتها) (٧)، كما أخبر (الله) (٨) عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه (يعذبهم) (٩) بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم (من) (١٠) دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودةً، ثم ينتقلون إلى الجنة، ورد عليهم تعالى في ذلك. وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة؛ فقال: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾. وقال أبو العالية (١١): أماني تمنوها على الله بغير حق.

стр. 621

وكذا قال قتادة (١)، والربيع بن أنس (٢). ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ قال أبو العالية (٣)، ومجاهد (٤)، والسدي، والربيع بن أنس: حجتكم. وقال قتادة (٥): بينتكم على ذلك. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي: فيما تدعونه) (٦). ثم قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ … ﴾ الآية [آل عمران: ٢٠]. وقال أبو العالية (٧)، والربيع (٨): ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يقول: من أخلص لله. وقال سعيد بن جبير (٩): ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ أخلص. ﴿وَجْهَهُ﴾ قال: دينه ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: (متبع) (١٠) فيه الرسول ﷺ فإن (للعمل) (١١) المتقبل شرطين: أحدهما: أن يكون خالصًا لله وحده. والآخر: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل؛ ولهذا قال (رسول الله) (١٢) ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" رواه مسلم (١٣) من حديث عائشة عنه عليه (الصلاة و) (١٤) السلام، فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعًا للرسول (محمد) (١٥) ﷺ المبعوث إليهم وإلى الناس كافةً. وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩].

стр. 622

[وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)﴾] (١) [الغاشية]. وروي عن أمير المؤمنين عمر (﵁) (٢) أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي. وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله (تعالى) (٣) فهو أيضًا مردود على فاعله. وهذا حال (المنافقين والمرائين) (٤)؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢] وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون] ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. وقوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وأمنهم مما يخافونه من المحذور، فـ ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبلونه، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى مما يتركونه؛ كما قال سعيد بن جبير: فـ ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: في الآخرة؛ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يعني: لا يحزنون) (٥) للموت. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ (يبين) (٦) به تعالى تناقضهم وتباغضهم، وتعاديهم وتعاندهم؛ كما قال محمد بن إسحاق (٧): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ ، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ : فقال رافع بن حُريملة: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى والإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى، وكفر بالتوراة؛ فأنزل الله في ذلك في قولهما: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: إن كلًا يتلو في كتابه تصديق من كفر به؛ (أن) (٨) يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ اللّه عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى، وما جاء من التوراة من عند الله؛ وكل يكفر بما في (يدي) (٩) صاحبه. وقال مجاهد (١٠) في تفسير هذه الآية: قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء.

стр. 623

وقال قتادة (١): ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: (بلى) (٢). قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: بلى؛ قد كانت أوائل اليهود على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا. وعنه رواية أخرى؛ كقول أبي العالية (٣)، والربيع بن أنس (٤)، في تفسير هذه الآية: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ . وهذا القول يقتضي أن كلًا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى؛ ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه مع علمهم بخلاف ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: وهم يعلمون أن شريعة التوراة والإنجيل كل منهما قد كانت مشروعةً في وقت، (ولكن) (٥) تجاحدوا فيما بينهم (عنادًا وكفرًا) (٦)، ومقابلةً للفاسد بالفاسد؛ كما تقدم عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها. والله أعلم. وقوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ بين بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا به من القول؛ وهذا من باب الإيماء والإشارة. وقد اختلف فيمن عني بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فقال الربيع بن أنس (٧)، وقتادة (١): ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ قالا: وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم. وقال ابن جريج (٨): قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى، وقبل التوراة والإنجيل. وقال السدي (٩): ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فهم العرب؛ قالوا: ليس محمد على شيء. واختار أبو جعفر بن جرير (١٠) أنها عامة تصلح للجميع، وليس ثم دليل قاطع يعين واحدًا من هذه الأقوال، (فالحمل) (١١) على الجميع أولى. والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: إنه تعالى (يجمع) (١٢) بينهم يوم المعاد، ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه، ولا يظلم مثقال الذرة.

стр. 624

وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج: ١٧] وكما قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ [سبأ: ٢٦]. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾. اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا (﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾) (١)، وسعوا في خرابها على قولين: أحدهما: ما رواه العوفي في "تفسيره" (٢) عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال: هم النصارى. وقال مجاهد (٣): هم النصارى، كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه. وقال عبد الرزاق (٤): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هو بختنصر وأصحابه، خرب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى. وقال سعيد (٥)، عن قتادة؛ قال: أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بُغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس. وقال السدي (٦): كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس، حتى خربه، وأمر (به) (٧) أن تطرح فيه الجيف؛ وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا. وروى نحوه عن الحسن البصري (٨). القول الثاني: ما رواه ابن جرير (٩): حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب؛ قال:

стр. 625

ابن زيد - في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هؤلاء المشركون حين حالوا بين رسول الله ﷺ يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نحر هديه بذي طوى، وهادنهم، (وقال) (١) لهم: ما كان أحد يصد عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده. فقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق. وفي قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: إذ قطعوا من يعمرها بذكره، ويأتيها للحج والعمرة. وقال ابن أبي حاتم (٢)، ذكر عن سلمة؛ قال: محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس - أن قريشًا منعوا النبي ﷺ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ثم اختار ابن جرير (٣) القول الأول. واحتج بأن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس. قلت: والذي يظهر - والله أعلم - القول الثاني، كما قاله ابن زيد، و (روي عن) (٤) ابن عباس؛ لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس كان دينهم أقوم من دين اليهود، وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولًا إذ ذاك؛ لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى بن مريم؛ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. وأيضا فإنه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول ﷺ وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام. وأما اعتماده على أن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنها رسول الله ﷺ وأصحابه، واستحوذوا عليهم بأصنامهم وأندادهم وشركهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٧]. وقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ [الفتح: ٢٥] فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]، فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها مصدودًا عنها؛ فأي خراب لها أعظم من ذلك؟ وليس المراد من عمارتها زخرفتها، وإقامة صورتها فقط؛ إنما عمارتها بذكر الله فيها، وإقامة شرعه فيها، ورفعها من الدنس والشرك. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ هذا خبر معناه الطلب؛ أي: لا

стр. 626

تمكِّنوا هؤلاء، إذا قدرتم عليهم، من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية؛ ولهذا لما فتح رسول الله ﷺ مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: "ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته" (١). وهذا كان تصديقًا وعملًا بقوله (تعالى) (٢): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. وقال بعضهم: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلًا عن أن يستولوا عليها، (و) (٣) يمنعوا المؤمنين منها. والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وغيرهم. وقيل: إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفًا، يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم. وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول (الحرم) (٤) وأوصى رسول الله ﷺ (٥) أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن يجلى اليهود والنصارى منها. ولله الحمد والمنة. وما ذاك إلا (لتشريف) (٦) أكناف المسجد الحرام، وتطهير البقعة التي بعث الله فيها رسوله إلى الناس كافةً بشيرًا ونذيرًا، صلوات الله (وسلامه) (٧) عليه. وهذا هو الخزي لهم في الدنيا؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام صدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة أُجْلوا عنها. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ على ما انتهكوا من حرمة البيت وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، (والدعاء إلى) (٨) غير الله عنده، والطواف به عربًا، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله. وأما من فسره (ببيت) (٩) المقدس؛ فقال كعب الأحبار (١٠): إن النصارى لما ظهروا على بيت

стр. 627

المقدس (خربوه) (١)، فلما بعث الله محمدًا ﷺ أنزل عليه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ … ﴾ الآية؛ فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفًا. وقال السدي (٢): فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه، أو قد أُخيف بأداء الجزية فهو يؤديها. وقال قتادة (٣): لا يدخلون المساجد إلا مسارقةً. قلت: وهذا لا ينفى أن يكون داخلًا في معنى عموم الآية؛ فإن النصارى لما ظلموا بيت المقدس بامتهان الصخرة التي كانت تصلي إليها اليهود عوقبوا شرعًا وقدرًا بالذلة فيه، إلا في أحيان من الدهر (امتحن) (٤) بهم بيت المقدس. وكذلك اليهود لما عصوا الله فيه أيضًا أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم. والله أعلم. وفسر هؤلاء الخزي في الدنيا بخروج المهدي عند السدي (٥)، وعكرمة، ووائل بن داود. وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون. والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله. وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة؛ كما قال الإمام أحمد (٦): حدثنا

стр. 628

الهيثم بن خارجة، حدثنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن (حلبس) (١)، سمعت أبي يحدث عن (بسر) (٢) بن أرطاة؛ قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة". وهذا حديث حسن؛ وليس (هو) (٣) في شيء من الكتب الستة، وليس لصحابيه وهو بسر بن أرطاة - ويقال: ابن أبي أرطاة - حديث سواه، وسوى حديث (٤): "لا تقطع الأيدي في الغزو " (٥). ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾. وهذا - والله أعلم - فيه تسلية للرسول ﷺ وأصحابه الذين أخرجوا من مكة، وفارقوا مسجدهم ومصلاهم؛ وقد كان رسول (٦) الله ﷺ يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة [بين يديه؛ فلما قدم المدينة وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، ثم صرفه الله إلى الكعبة] (٧) بعد؛ ولهذا يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الناسخ والمنسوخ" (٨): حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن

стр. 629

جريج، وعثمان بن عطاء؛ عن عطاء؛ عن ابن عباس؛ قال: أوَّل ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا، والله أعلم، شأن القبلة؛ قال (الله) (١) تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾ فاستقبل رسول الله ﷺ فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى (البيت) (٢) العتيق ونسخها، [وصرفه إلى البيت العتيق] (٣) فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]. وقال علي بن أبي طلحة (٤): عن ابن عباس؛ قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة؛ وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أهلها اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)] (٥)﴾ [البقرة: ١٤٢]، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. وقال عكرمة (٦)، عن ابن عباس: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قال: قبلة الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا. وقال مجاهد (٧): ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (حيثما) (٨) كنتم فلكم قبلة تستقبلونها (للكعبة) (٩). وقال ابن أبي حاتم (١٠) ................................................................

стр. 630

- بعد رواية الأثر المتقدم -، عن ابن عباس (في) (١) نسخ القبلة، عن عطاء، عنه: وروي عن أبي العالية، والحسن، وعطاء الخراساني، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم نحو ذلك. وقال ابن جرير (٢): وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة؛ وإنما (أنزلها تعالى) (٣) ليعلم نبيه ﷺ وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك وناحيةً إلا كان جل ثناؤه في ذلك (الوجه) (٤) وتلك الناحية؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان؛ كما قال تعالى: ﴿[وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ] (٥) وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم التوجه إلى المسجد الحرام؛ هكذا قال. وفي قوله (٦): وإنه تعالى لا يخلو منه مكان إن أراد علمه تعالى فصحيح؛ فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورةً في شيء من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. قال ابن جرير (٧): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ إذنًا من الله أن يصلي التطوع حيث توجه من شرق أو غرب في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة (٨)، وشدة الخوف، حدثنا أبو كريب (٩)، حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك - هو ابن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر - أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته؛ ويذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. ويتأول هذه الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. ورواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طرق عن عبد الملك بن

стр. 631

أبي سليمان، به. وأصله في "الصحيحين" من حديث (١) ابن عمر، وعامر بن ربيعة من غير ذكر الآية. وفي "صحيح (٢) البخاري" من حديث نافع، عن ابن عمر - أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها؛ ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ . [مسألة: ولم يفرق الشافعي (٣) في المشهور عنه بين سفر المسافة وسفر العدوى (٤)؛ فالجميع (عنده) (٥) يجوز التطوع فيه على الراحلة، وهو قول أبي حنيفة، خلافًا لمالك وجماعته. واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري التطوع على الدابة في المصر. وحكاه أبو يوسف، عن أنس بن مالك ﵁، واختاره أبو جعفر الطبري حتى للماشي أيضًا] (٦). قال ابن جرير (٧): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قوم عميت عليهم القبلة فلم يعرفوا شطرها، فصلوا على أنحاء مختلفة، فقال الله (تعالى) (٨): لي المشارق والمغارب فأين وليتم وجوهكم (فهنالك) (٩) وجهي، وهو قبلتكم (فيعلمكم) (١٠) بذلك أن صلاتكم ماضية. حدثنا (أحمد) (١١) بن إسحاق الأهوازي، أخبرنا أبو أحمد الزبيري، أخبرنا أبو الربيع السمان،

стр. 632

عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلًا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدًا يصلي فيه، فلما (أن) (١) أصبحنا إذا نحن قد صلينا (على) (٢) غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله، لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة!؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الآية. ثم رواه (٣) عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن أبي الربيع السمان، بنحوه. ورواه الترمذي عن محمود بن غيلان، عن وكيع؛ وابن ماجه، عن يحيى بن حكيم، عن أبي داود، عن أبي الربيع السمان. ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن سعيد بن سليمان، عن أبي الربيع السمان - واسمه أشعث بن سعيد البصري. وهو ضعيف الحديث. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن، وليس إسناده بذاك، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث يضعف (٤) في الحديث". قلت: وشيخه (عاصم) (٥) أيضًا ضعيف (الحديث) (٦). قال البخاري: "منكر الحديث". وقال ابن معين: "ضعيف لا يحتج به" وقال ابن حبان: " متروك". والله أعلم. وقد روى من طريق آخر عن جابر (٧)؛ فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذا الآية: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن علي بن شبيب، حدثني أحمد بن عبيد الله بن الحسن؛ قال: وجدت في كتاب أبي: حدثنا عبد الملك العرزمي، عن عطاء، عن جابر؛ قال: بعث رسول الله ﷺ سريةً كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة هي ها هنا قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطوطًا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي ﷺ ، فسكت؛ وأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. ثم رواه من حديث محمد بن (٨) عبيد الله العرزمي، عن عطاء، عن جابر، به.

стр. 633

وقال الدارقطني (١): قرئ على عبد الله بن عبد العزيز وأنا أسمع: حدثكم داود بن عمرو: حدثنا محمد بن (يزيد) (٢) الواسطي، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير، فأصابنا غيم فتحيرنا؛ فاختلفنا في القبلة، فصلى كل (رجل) (٣) منا على حدة، وجعل أحدنا يخط بين يديه؛ لنعلم أمكنتنا؛ فذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فلم يأمرنا بالإعادة؛ وقال: "قد (أُجزأت) (٤) صلاتكم". ثم قال الدارقطني: كذا قال: "عن محمد بن سالم، وقال غيره، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عطاء - وهما ضعيفان - ". ورواه ابن مردويه (٥) أيضًا من حديث الكلبي، عن أبي صالح؛ عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ بعث سريةً؛ فأخذتهم ضبابة فلم يهتدوا إلى القبلة فصلوا لغير القبلة؛ ثم استبان لهم بعد ما طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبلة؛ فلما جاءوا إلى رسول الله ﷺ حدثوه؛ فأنزل الله ( ) (٦) هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله (٧) يشد بعضها بعضًا؛ وأما إعادة الصلاة لمن تبين (له) (٨) خطؤه ففيها قولان للعلماء، وهذه (دلائل) (٩) على عدم القضاء. والله أعلم. قال ابن جرير (١٠): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي، كما حدثنا (١١) محمد بن بشار، حدثنا (معاذ بن هشام) (١٢)، حدثني أبي، عن قتادة - أن النبي ﷺ قال: إن أخًا لكم قد مات، فصلوا عليه. قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟ قال: فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ

стр. 634

الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] قال قتادة: فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. وهذا غريب. والله أعلم. (فائدة) (١): [وقد قيل: إنه كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يبلغه الناسخ إلى الكعبة، كما حكاه القرطبي (٢) عن قتادة. وذكر القرطبي (٢) [أنه ﵇ لما مات صلى عليه] (٣)، فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب؛ قال: وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه (٤): أحدها: أنه ﵇ شاهده حين سوى عليه؛ طويت له الأرض. الثاني: أنه لما لم يكن عنده من يصلي عليه صلى عليه. واختاره ابن العربي. قال القرطبي: ويبعد أن يكون ملك مسلم ليس عنده أحد من قومه على دينه. وقد أجاب ابن العربي عن هذا: لعلهم لم يكن عندهم] (٥) [شرعية الصلاة على الميت. وهذا جواب جيد. الثالث: أنه ﵊ إنما صلى عليه ليكون ذلك كالتأليف لبقية الملوك. (والله أعلم) (٦)] (٧). وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث أبي معشر، [عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة وأهل الشام وأهل العراق" وله مناسبة ها هنا. وقد أخرجه الترمذي (٨)، وابن ماجه، من حديث أبي معشر] (٩)، واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني، به: "ما بين المشرق والمغرب قبلة". وقال الترمذي: "وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه؛ ثم قال الترمذي (١٠): حدثني الحسن بن (بكر) (١١) المروزي، حدثنا المعلى بن

стр. 635

منصور، حدثنا عبد الله بن جعفر (المخرمي) (١)، عن عثمان بن محمد بن المغيرة الأخنسي، عن (سعيد) (٢) المقبري، عن أبي هريرة (﵁) (٣)، عن النبي ﷺ ؛ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"؛ ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وحكى عن البخاري أنه قال: "هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح". قال الترمذي: "وقد روى عن غير واحد من الصحابة: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"؛ منهم: عمر بن الخطاب (٤)، وعلي (٥)، وابن عباس (٦) ﵃ أجمعين) (٧) ". وقال ابن عمر (٨): "إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة". ثم قال ابن مردويه: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا يعقوب بن يوسف مولى بني
следующие страницы →