← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقد أخرجاه (١) من وجه آخر، عن أنس، بنحوه. وفي "صحيح مسلم" (٢)، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قريب من هذا السياق، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وحكاية البخاري كما تقدم عن عكرمة هو المشهور - أن "إيل" هو الله. وقد رواه سفيان (الثوري) (٣)، عن خصيف، عن عكرمة (٤). [ورواه عبد بن حميد، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة] (٥). ورواه ابن جرير (٦)، عن الحسين بن يزيد (الطحان) (٧)، عن إسحاق بن منصور، عن قيس (عن) (٨) عاصم، عن عكرمة أنه قال: إن جبريل اسمه: "عبد الله"، وميكائيل اسمه: (عبيد الله) (٩). إيل: الله. ورواه (١٠) يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله سواء. وكذا قال غير واحد من السلف، كما سيأتي قريبًا. [وقال الإمام أحمد (١١) في أثناء حديث: "سمرة بن جندب": حدّثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال لي علي بن الحسين: اسم جبريل: "عبد الله"؛ واسم ميكائيل: "عبيد الله"] (١٢). ومن الناس من يقول: "إيل" عبارة عن "عبد"، والكلمة الأخرى هي اسم الله؛ لأن كلمة "إيل" لا تتغير في الجميع فوزانه: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، عبد القدوس، عبد السلام، عبد الكافي، عبد الجليل؛ "فعبد" موجودة في هذا كله؛ واختلفت الأسماء (المضاف) (١٣) إليها، وكذلك جبرائيل، وميكائيل، وعزرائيل، وإسرافيل، ونحو ذلك. وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف. والله أعلم.

стр. 562

ثم قال ابن جرير (١): وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت [بين عمر بن الخطاب (﵁) (٢) وبينهم] (٣) في أمر النبي ﷺ . ذكرُ من قال ذلك (٤): حدثني محمد بن المثنى، حدثني ربعي بن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: نزل عمر الروحاء، فرأى رجالًا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها؛ فقال: (ما هؤلاء) (٥)؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله ﷺ صلى ها هنا، قال: فكره ذلك، وقال: (إنما) (٦) رسول الله ﷺ أدركته الصلاة بواد (فصلاها) (٧)، ثم ارتحل فتركه. ثم أنشأ يحدثهم؛ فقال: كنت أشهد اليهود يوم (مدراسهم) (٨)، فأعجب من التوراة كيف تصدق (الفرقان) (٩)، ومن (الفرقان) (٩) كيف يصدق التوراة، (فبينا) (١٠) أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب، ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك. قلت: ولم ذلك؟ قالوا: (إنك) (١١) تغشانا وتأتينا. فقلت: إني آتيكم فأعجب من (الفرقان) (٩) كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق (الفرقان) (٩). قالوا: ومر رسول الله ﷺ ؛ فقالوا: يا ابن الخطاب؛ ذاك صاحبكم فالحق به. قال: فقلت لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه، وما استودعكم من كتابه؛ هل تعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا. فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه. فقالوا: فأنت عالمنا وكبيرنا، فأجبه أنت. قال: أما إذ نشدتنا بما نشدتنا (به) (١٢)

стр. 563

فإنا نعلم أنه رسول الله. قلت: ويحكم، (فأنى) (١) هلكتم؟! قالوا: (إنا لم نهلك) (٢). قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله (ثم لا تتبعونه) (٣) ولا تصدقونه؟ قا لوا: إن لنا عدوًا من الملائكة وسلمًا من الملائكة؛ وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة. قلت: ومن عدوكم؛ ومن سلمكم؛ قالوا: عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل (٤) قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا. وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة التخفيف ونحو هذا. قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما ؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره. قال: فقلت: فوالذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما. وما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبريل. قال: ثم قمت. فاتبعت النبي ﷺ ، فلحقته وهو خارج من خوخة لبني فلان، فقال: يا ابن الخطاب؛ ألا أقرئك آيات نزلن قبل. فقرأ عليّ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ … ﴾ حتى قرأ (هذه) (٥) الآيات. قال: قلت: (بأبي وأمي) (٦) يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا (أريد أن) (٧) أخبرك، وأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر. وقال ابن أبي حاتم (٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد؛ أنبأنا عامر؛ قال: انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود، فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون محمدًا في كتبكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم أن تتبوه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولًا إلا جعل له من الملائكة كفلًا، وإن جبريل كفل محمدًا، وهو الذي يأتيه، وهو عدونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا؛ لو كان ميكائيل الذي يأتيه أسلمنا. قال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما منزلتهما عند الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن شماله. قال عمر: وإني أشهد: ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبرائيل، وما كان جبرائيل ليسالم عدو ميكائيل.

стр. 564

فبينا هو عندهم إذ مر النبي ﷺ ؛ فقالوا: هذا صاحبك يا ابن الخطاب. فقام إليه عمر، فأتاه، وقد أنزل الله : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾. وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر؛ ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر؛ فإنه لم يدرك (زمانه) (١). والله أعلم. وقال ابن جرير (٢): حدثنا (بشر) (٣)، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة؛ قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما (أبصروه) (٤) رحبوا به، فقال لهم عمر: أما والله (ما جئت) (٥) [لحبكم، ولا لرغبة فيكم، ولكن جئت] (٦) لأسمع منك. فسألهم وسألوه، فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال لهم: جبريل. فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء، يطلع محمدًا على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب والسَّنَةِ، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء بالخصب والسلم. فقال لهم عمر: (تعرفون) (٧) جبريل وتنكرون محمدًا ﷺ ؟! ففارقهم عمر عند ذلك، وتوجه نحو النبي ﷺ ليحدثه حديثهم، فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ … ﴾ (الآيات) (٨). ثم (قال) (٩): حدثني المثنى، حدثنا آمد، حدثنا أبو جعفر، حدثنا قتادة؛ قال: بلغنا أن عمر أقبل إلى اليهود يومًا … فذكر نحوه. وهذا [في تفسير آدم، وهو] (١٠) أيضًا منقطع، وكذلك رواه أسباط (١١) عن السدي، عن عمر مثل هذا، أو نحوه، وهو منقطع أيضًا. وقال ابن أبي حاتم (١٢): حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن يعني: (الدشتكي) (١٣)، حدثنا أبو جعفر، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى - أن يهوديًا (لقي) (١٤) عمر بن الخطاب، فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا. فقال عمر: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ قال: فنزلت على لسان عمر ﵁.

стр. 565

[ورواه عبد بن حميد، عن (أبي النضر) (١) هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر - هو الرازي] (٢). وقال ابن جرير (٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان هو الذي ينزل عليكم (لتبعناكم) (٤)؛ فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة. فإنه عدو لنا، قال: فنزلت هذه الآية. حدثنا (٥) يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، بنحوه. [وقال عبد الرزاق (٦): أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود: إن جبريل (عدونا) (٧)؛ لأنه ينزل بالشدة والسنة، وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب، فجبريل (عدونا) (٧)؛ فقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ … ﴾ الآية] (٨). وأما تفسير الآية فقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: من عادى جبريل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله، بإذنه له في ذلك؛ فهو رسول من رسل الله مَلَكيٌّ -، (عليه وعلى سائر إخوانه من الملائكة السلام) (٩) ومن عادى رسولًا فقد عادى جميع الرسل، [كما أن من امن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل] (١٠)، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء] فحكم عليهم بالكفر المحقق إذ آمنوا ببعض الرسل، وكفروا ببعضهم؛ وكذلك من عادى جبريل فإنه عدو لله؛ لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه؛ كما قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء]. وقد روى البخاري في "صحيحه" (١١)، عن أبي هريرة (﵁) (١٢)؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من عادى لي وليًا فقد بارزني بالحرب".

стр. 566

ولهذا غضب الله لجبريل على من عاداه، فقال (تعالى) (١): ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المتقدمة ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: هدًى لقلوبهم، وبشرى لهم بالجنة؛ وليس ذلك إلا للمؤمنين. كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء]. ثم قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي. ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. (وجبريل وميكال): وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة ثم في عموم الرسل، ثم خصصنا بالذكر؛ لأن السياق في الانتصار لجبريل، وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم، وميكائيل وليهم، فأعلمهم (الله تعالى) (٢) أن من عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا؛ لأنه أيضًا ينزل على (الأنبياء) (٣) بعض الأحيان كما قرن برسول الله ﷺ في ابتداء الأمر، ولكن جبريل أكثر وهي وظيفته، وميكائيل موكل بالقطر والنبات وهذاك بالهدى وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل (موكل بالصور للنفخ) (٤) للبعث (يوم) (٥) القيامة. ولهذا جاء في "الصحيح" (٦) أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". وقد تقدم ما حكاه البخاري، ورواه ابن جرير، عن عكرمة (وغيره) (٧) أنه قال: "جبر"، و"ميك"، و"إسراف": عبد، و"إيل": الله. وقال ابن أبي حاتم (٨): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس؛ قال: إنما

стр. 567

كان قوله جبرائيل كقوله عبد الله، وعبد الرحمن. وقيل: جبر: عبد، وإيل: الله. وقال محمد بن إسحاق (١)، عن الزهري، عن علي بن الحسين؛ قال: (تدرون) (٢) ما اسم جبريل من أسمائكم؟ قلنا: لا؛ قال: اسمه عبد الله. قال: فتدرون ما اسم ميكائيل من أسمائكم؟ قلنا: لا؟ قال: اسمه (عبيد الله) (٣)؛ وكل اسم مرجعه إلى إيل فهو إلى الله (٤). قال ابن أبي حاتم: وروى عن عكرمة، ومجاهد، والضحاك، ويحيى بن يعمر نحو ذلك. ثم قال (٥): (حدثنا) (٦) أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثني عبد العزيز بن عمير؛ قال: اسم جبريل في الملائكة خادم الله، قال: فحدثت به أبا سليمان الداراني فانتفض؛ وقال: لهذا الحديث أحب إلي من كل شيء في دفتر كان بين يديه. وفي جبريل وميكائيل لغات وقراءات تذكر في كتب اللغة والقراآت، (٧) (ولم نطول كتابنا هذا بسرد ذلك) (٧) إلا أن يدور فهم المعنى عليه، أو يرجع الحكم في ذلك إليه، وبالله الثقة وهو المستعان. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فيه إيقاع المظهر مكان المضمر، حيث لم يقل: فإنه عدو؛ بل قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ كما قال الشاعر (٨): لا أرى الموت يسبق الموت شيء … سبق الموت ذا الغنى والفقيرا وقال الآخر (٩): ليت الغراب غداة ينعب (دائبًا) (١٠) … كان الغراب (مقطع) (١١) الأوداج وإنما أظهر الله هذا الاسم ها هنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى (أولياء الله) (١٢) فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدم في الحديث: "من عادى لي وليًا فقد آذنته بالمحاربة". وفي الحديث الآخر (١٣): "إني لأثار لأوليائي كما يثأر الليث الحرب"، وفي الحديث الصحيح (١٤): "من كنت

стр. 568

خصمه خصمته" (١). ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾. قال الإمام أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ (الآية) (٢): أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك؛ وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود ومكنونات سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأُ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم، وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة؛ فأطلع الله في كتابه الذي أنزله (إلى) (٣) نبيه محمد ﷺ ؛ فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف (نفسه) (٤)، ولم يدعه إلى هلاكها الحسد والبغي؛ إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد ﷺ من الآيات البينات التي وصف من غير تعلم تعلمه من بشر، (ولا أخذ شيء) (٥) منه عن آدمي. كما قال الضحاك (٦)، عن ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يقول: فأنت تتلوه عليهم، وتخبرهم به غدوةً وعشيةً، وبين ذلك؛ وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابًا؛ وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه؛ يقول الله (تعالى) (٧): (في ذلك لهم عبرة) (٨) وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون. وقال محمد بن إسحاق (٩): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير؛ عن

стр. 569

ابن عباس؛ قال: قال ابن صوريا (الفطيوني) (١) لرسول الله ﷺ : يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك؛ فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾. وقال مالك بن الضيف (٢): حيث بعث رسول الله ﷺ وذكرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد ﷺ : والله ما عهد إلينا في محمد، وما أخذ علينا ميثاقًا؛ فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. وقال الحسن البصري (٣) في قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: نعم، ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه؛ يعاهدون اليوم وينقضون غدًا. وقال السدي (٤): لا يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ . وقال قتادة (٥): ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي: نقضه فريق منهم. وقال ابن جرير (٦): أصل النبذ الطرح والإلقاء؛ ومنه سمى اللقيط منبوذًا، ومنه سمي النبيذ، وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء؛ قال أبو الأسود الدؤلي: نظرت إلى عنوانه فنبذته … كنبذك نعلًا أخلقت من نعالكا قلت: فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها؛ ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره؛ وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ونصرته؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ … ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧] وقال ها هنا: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ أي: طرح طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد ﷺ وراء ظهورهم؛ أي: تركوها، كأنهم لا يعلمون ما فيها، وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه؛ ولهذا أرادوا (كيد الرسول) (٧) ﷺ ، وسحروه في مشط (ومشاقة) (٨) وجف طلعة

стр. 570

ذكر، تحت راعوفة ببئر (ذي أروان) (١)؛ وكان الذي تولى ذلك منهم رجل يقال له: لبيد بن الأعصم، لعنه الله، (وقبحه) (٢)؛ فأطلع الله على ذلك رسول الله ﷺ ، وشفاه منه، وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطًا في "الصحيحين" (٣)، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ كما سيأتي بيانه. قال السدي (٤): ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ قال: لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة، فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت؛ فلم يوافق القرآن؛ فذلك قوله: ﴿وَكَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقال قتادة (٥) في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال: إن القوم كانوا يعلمون؛ ولكنهم نبذوا علمهم، وكتموه، وجحدوا به. وقال العوفي في "تفسيره" (٦)، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ وكان حين ذهب ملك سليمان، ارتد فئام من الجن والإنس واتبعوا الشهوات؛ فلما (رَجَعَ) (٧) الله إلى سليمان ملكه، وقام الناس على الدين كما كان، (وأن) (٨) سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان ﵇ حدثان ذلك؛ فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان؛ وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان؛ (أخفاه منا) (٩)؛ فأخذوا به، فجعلوه دينًا؛ فأنزل الله (تعالى) (١٠) ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ واتبعوا الشهوات التي كانت (تتلوا الشياطين) (١١) وهي المعازف واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله. وقال ابن أبي حاتم (١٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: كان آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحروًا وكفرًا؛ وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها.

стр. 571

قال: فأكفره جهال الناس، وسبوه، ووقف (علماؤهم) (١)، فلم يزل (جهالهم) (٢) يسبونه حتى أنزل الله على محمد ﷺ : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. وقال ابن جرير (٣): حدثني أبو السائب سلم بن جنادة السوائي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان سليمان ﵇ إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من نسائه، أعطى الجرادة - وهي امرأة - خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان ﵇ بالذي ابتلاه به أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال: هاتي خاتمي، فأخذه ولبسه؛ فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس. قال: فجاءها سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي؛ فقالت: كذبت، لست سليمان؛ قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به. قال: فانطلقت الشياطين، فكتبت في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفر، (ثم دفنوها) (٤) تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها (فقرءوها) (٥) على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، قال: فبرئ الناس من سليمان ﵇ (٦) (وأكفروه) (٧) حتى بعث الله محمدًا ﷺ ؛ فأنزل عليه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. ثم قال ابن جرير (٨): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران - وهو ابن الحارث - قال: بينما نحن عند ابن عباس رضي الله (عنهما) إذ جاء رجل، فقال له: من أين جئت؟ قال: من العراق. قال: من أيه؟ قال: من الكوفة. قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن عليًا خارج إليهم، ففزع؟ ثم قال: ما تقول؟ لا أبا لك! لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، أما إني (سأحدثكم) (٩) عن ذلك، إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء، فيجئ أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا (جرب منه صدق) (١٠) كذب معها سبعين كذبةً؛ قال: فتشربها قلوب الناس، قال: فأطلع الله عليها سليمان ﵇، فدفنها تحت كرسيه. فلما توفي سليمان ﵇ قام شيطان الطريق؛ فقال: (ألا) (١١) أدلكم على كنزه الممنع الذي لا كنز له مثله؟ تحت الكرسي.

стр. 572

فأخرجوه، فقال: هذا سحر، فتناسخها الأمم حتى (بقاياها) (١) ما يتحدث به أهل العراق؛ فأنزل الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا … ﴾. (ورواه) (٢) الحاكم في "مستدركه"، عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، به. وقال السدي (٣): في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: على عهد سليمان؛ قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما يكون في الأرض؛ من موت، أو غيب، أو أمر؛ فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا؛ فلما أمنتهم الكهنة كذبوا لهم، وأدخلوا فيه غيره؛ فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمةً، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا ذلك في بني إسرائيل - أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك الكتب، فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه؛ ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال: لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه. فلما مات سليمان، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خلف تمثل (شيطان) (٤) في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل؛ فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي، وذهب معهم (فأراهم) (٥) المكان، وقام ناحيته؛ فقالوا له: فادن؛ فقال: لا، ولكني ها هنا في أيديكم، فإن لم تجدوا فاقتلوني. فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر، ثم طار وذهب، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرًا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب. فلما جاء محمد ﷺ خاصموه بها، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. وقال الربيع بن أنس (٦): إن اليهود سألوا محمدًا ﷺ زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله ما سألوه عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا، وإنهم سألوه عن السحر، وخاصموه به؛ فأنزل الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب؛ فكتبوا فيه السحر والكهانة، وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت (مجلس) (٧) سليمان، وكان ﵇ لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك

стр. 573

السحر، وخدعوا الناس؛ وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه، (ويحسد) (١) الناس عليه؛ فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث؛ فرجعوا من عنده، وقد (خزيوا) (٢) (وأدحض) (٣) الله حجتهم. وقال مجاهد (٤) في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ قال: كانت الشياطين تستمع الوحي، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها، فأرسل سليمان ﵇ إلى ما كتبوا من ذلك، فلما توفي سليمان وجدته الشياطين، وعلمته الناس وهو السحر. وقال سعيد بن جبير (٥): كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر، فيأخذه منهم فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه، (فَدَنَتْ) (٦) إلى الإنس؛ فقالوا لهم: (أتدرون العلم) (٧) الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزانته، وتحت كرسيه؛ (فاستثارته) (٨) الإنس، (واستخرجوه) (٩) (وعملوا) (١٠) بها، فقال أهل (الحجا) (١١): كان سليمان يعمل بهذا، وهذا سحر؛ فأنزل الله تعالى على (لسان) (١٢) نبيه محمد ﷺ براءة سليمان ﵇، فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. وقال محمد بن (١٣) إسحاق بن (يسار) (١٤): عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود (عليه) (١٥) السلام، فكتبوا أصناف السحر: من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا وكذا، حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب، ثم ختموه بخاتم على نقش (خاتم) (١٦) سليمان، وكتبوا في عنوانه: هذا ما كتب اصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود ﵇ (١٧) من ذخائر كنوز العلم. ثم دفنوه تحت كرسيه، واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل (حتى) (١٨)

стр. 574

أحدثوا ما أحدثوا، فما عثروا عليه قالوا: والله ما كان (سليمان) (١) إلا بهذا، فأفشوا السحر في الناس، (فتعلموه وعلموه) (٢)، فليس هو في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله، فلما ذكر رسول الله ﷺ - فيما نزل عليه من الله - سليمان بن داود، وعده فيمن عد من المرسلين، قال من كان بالمدينة من (يهود) (٣): ألا تعجبون من محمد؟! يزعم أن ابن داود كان نبيًا، والله ما كان إلا ساحرًا؛ وأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. وقال ابن جرير (٤): حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثنا حجاج، عن أبي بكر، عن شهر بن حوشب؛ قال: لما سلب سليمان ملكه كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان؛ فكتبت: من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس، وليقل كذا وكذا. ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس، وليقل كذا وكذا. فكتبته وجعلت عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود ﵇ من ذخائر كنوز العلم؛ ثم دفنته تحت كرسيه. فلما مات سليمان ﵇ قام إبليس - لعنه الله - خطيبًا، فقال: يا أيها الناس؛ إن سليمان لم يكن نبيًا، إنما كان ساحرًا، فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته؛ ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه؛ فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحرًا، هذا سحره، بهذا تعبدنا، وبهذا قهرنا. فقال المؤمنون: بل كان نبيًا مؤمنًا. فلما بعث الله النبي (محمدًا) (٥) ﷺ (جعل يذكر الأنبياء) (٦) (حتى) (٧) ذكر داود وسليمان؛ فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء؛ إنما كان ساحرًا يركب الريح؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ … ﴾ الآية. وقال ابن جرير (٨): حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، حدثنا المعتمر بن سليمان؛ قال: سمعت عمران بن (حدير) (٩)، عن أبي مجلز؛ قال: أخذ سليمان ﵇ من كل دابة عهدًا، فإذا (أصيب رجل) (١٠) فسأل بذلك العهد خلي عنه، (فزاد) (١١) الناس السجع والسحر؛ فقالوا: هذا يعمل به سليمان (بن داود ﵇ (١٢)؛ فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.

стр. 575

وقال ابن أبي حاتم (١): حدثنا عصام بن رواد، حدثنا آدم، حدثنا المسعودي، عن زياد مولى (مصعب) (٢)، عن الحسن: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ قال: ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة. وقال (٣): حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي، حدثني سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (وأتبعته) (٤) اليهود على ملكه؛ وكان السحر قبل ذلك في الأرض لم يزل بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان. فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام. ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب (الفهم) (٥). والله الهادي. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب من بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم، ومخالفتهم (الرسول محمدًا ﷺ ) (٦) ما تتلوه الشياطين؛ أي: ما ترويه وتخبر به، وتحدثه الشياطين، على ملك سليمان. وعداه بـ"على"؛ لأنه ضمن "تتلو" تكذب. وقال ابن جرير (٧): "على" ها هنا بمعنى "في"؛ أي: تتلو في ملك سليمان. ونقله عن ابن جريج وابن إسحاق. قلت: والتضمين أحسن وأولى. والله أعلم. وقول الحسن البصري ﵀: وقد كان السحر قبل (زمن) (٨) سليمان بن داود - صحيح لا شك فيه؛ لأنه السحرة كانوا في زمان موسى ﵇ وسليمان بن داود بعده؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾ [البقرة: ٢٤٦] ثم (ذكر) (٩) القصة بعدها؛ وفيها ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال قوم صالح، وهم قبل إبراهيم الخليل ﵇ لنبيهم صالح: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي: المسحورين على المشهور (١٠).

стр. 576

وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ اختلف الناس في هذا المقام؛ فذهب بعضهم إلى أن "ما" نافية، أعني التي في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. [قال القرطبي (١): "ما" نافية، (ومعطوفة) (٢) على قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾] (٣). [ثم قال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ (أي: السحر) (٤) وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل وميكائيل، فأكذبهم الله. وجعل قوله: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدلًا من "الشياطين"؛ قال: وصح ذلك إما لأن الجمع يطلق على الاثنين، كما في قوله (تعالى) (٥): ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] أو لكونهما لهما أتباع، أو ذكرا من بينهم لتمردهما؛ فتقدير الكلام عنده: يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت. ثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية، وأصح. ولا يلتفت إلى ما سواه] (٦). وروى ابن جرير (٧) بإسناده، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ … ﴾ الآية؛ يقول: لم ينزل الله السحر. وبإسناده (٨) عن الربيع بن أنس، في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ قال: ما أنزل الله عليهما السحر. قال ابن جرير (٩): فتأويل الآية على هذا: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت؛ فيكون قوله ببابل هاروت وماروت من المؤخر الذي معناه (المقدم) (١٠). قال: فإن قال لنا قائل: كيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ من السحر، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ وما أنزل (الله السحر) (١١) على الملكين، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ببابل هاروت وماروت؛ فيكون معنيًا بالملكين جبريل وميكائيل ﵇؛ لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه محمدًا ﷺ أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان ﵇ مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان: اسم أحدهما

стр. 577

هاروت، واسم الآخر ماروت؛ فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمةً عن الناس، وردًا عليهم. هذا لفظه بحروفه. وقد قال ابن أبي حاتم (١): (حدثت) (٢) عن عبيد الله بن موسى، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ قال: ما أنزل (الله) (٣) على جبريل وميكائيل السحر. (قال ابن أبي حاتم) (٤): وحدثنا الفضل بن شاذان، أخبرنا محمد بن عيسى، أخبرنا يعلى - يعني: ابن أسد، أخبرنا (بكر) (٥) -؛ يعني: ابن مصعب، أخبرنا الحسن بن أبي جعفر: أن عبد الرحمن بن أبزى كان يقرؤها: "وما أنزل على الملكين داود وسليمان". وقال أبو العالية: لم ينزل عليهما السحر؛ يقول علما الإيمان والكفر؛ فالسحر من الكفر؛ فهما ينهيان عنه أشد النهي. رواه ابن أبي حاتم (٦). ثم شرع ابن جرير (٧) في رد هذا القول، وأن "ما" بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر، اختبارًا لعباده وامتحانًا، بعد (أن) (٨) بيَّن لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل. وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أُمرا به. وهذا الذي سلكه غريب (٩) جدًّا، وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن، (كما زعمه ابن حزم) (١٠). وروى ابن أبي حاتم (١١) بإسناده عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقرؤها: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ ويقول: هما علجان من أهل بابل. ووجه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخلق، لا بمعنى الإيحاء في قوله (تعالى) (١٢): ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ

стр. 578

الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]. ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣]. وفي الحديث (١): "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواءً"؛ وكما يقال: "أنزل الله الخير والشر". [وحكى القرطبي (٢) عن ابن عباس، وابن أبزى (والضحاك) (٣)، والحسن البصري أنهم قرءوا: ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ بكسر اللام؛ قال ابن أبزى: وهما داود، وسليمان. قال القرطبي: فعلى هذا تكون ما نافية أيضًا] (٤). وذهب آخرون إلى الوقف على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (و"ما" نافية) (٥). [قال ابن جرير (٦): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وسأله رجل عن قول الله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾] (٧) فقال (الرجل) (٨): يعلمان الناس ما أنزل عليهما أو يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؛ فقال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت. ثم روى (٩) عن يونس، عن أنس بن عياض، عن بعض أصحابه: أن القاسم قال في هذه القصة: لا أبالي أي ذلك كان. إني آمنت به. وذهب (كثيرون) (١٠) من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في "مسنده" ﵀، كما سنورده إن شاء الله تعالى. [وحكاه القرطبي (١١) عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر وكعب الأحبار، والسدي، والكلبي] (١٢). [وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصًا لهما، فلا تعارض حينئذٍ كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، وفي قول: إنه كان من الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [البقرة: ٣٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، مع أن شأن هاروت وماروت على ما ذكر أخف مما وقع من إبليس لعنه الله (تعالى) (١٣)] (١٤).

стр. 579

ذكر الحديث الوارد في ذلك إن صح سنده ورفعه وبيان الكلام عليه: قال الإمام أحمد بن حنبل (١) ﵀ (تعالى) (٢) - في "مسنده": حدثنا (يحيى بن أبي بكير) (٣) حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن عبد الله بن عمر (﵁) (٤): أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: "إن آدم ﵇ لما أهطبه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب؛ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] قالوا: ربنا؛ نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان. قالوا: ربنا هاروت وماروت؛ فأهبطا إلى الأرض، ومثلت لهما الزهرة امرأةً من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك. فقالا: والله لا نشرك بالله شيئًا أبدًا، فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها؛ فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا: لا والله، لا نقتله أبدًا، فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها؛ فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصبي. فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئًا أبيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا". وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في "صحيحه"، عن الحسن (بن) (٥) سفيان عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن أبي بكير - به. وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء. وروى عن ابن عباس، وأبي أُمامة بن

стр. 580

سهل بن حنيف، ونافع، وعبد الله بن كعب بن مالك. وروى عنه ابنه عبد السلام، وبكر بن مضر، وزهير بن محمد، وسعيد بن سلمة، وعبد الله بن لهيعة، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن أيوب، وروى له أبو داود وابن ماجه. وذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل"، ولم يحك فيه شيئًا من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال. وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ . وروى له متابع من وجه آخر، عن نافع؛ كما قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد؛ حدثنا هشام (بن علي بن هشام) (١)، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سرجس، عن نافع، عن ابن عمر، سمع النبي ﷺ يقول … فذكره بطوله. وقال أبو جعفر (٢) ابن جرير ﵀ (٣): حدثنا القاسم، أخبرنا الحسين - وهو سنيد بن داود "صاحب التفسير"، أخبرنا الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع؛ قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل قال: يا نافع، انظر: طلعت الحمراء؟ قلت: لا، مرتين أو ثلاثًا. ثم قلت: قد طلعت. قال: لا مرحبًا بها ولا أهلًا. قلت: سبحان الله! نجم مسخر سامع مطيع! قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ . أو قال: قال لي رسول الله ﷺ : إن الملائكة قالت: يا رب!، كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال: فاختاروا ملكين منكم. قال: فلم يألوا جهدًا أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت. وهذان أيضًا غريبان جدًّا. وأقرب (ما في) (٤) هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي ﷺ ، كما قال عبد الرزاق في "تفسيره" (٥)، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب الأحبار؛ قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم، وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت؛ فقال لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلًا، وليس بيني وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئًا، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر، قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه. رواه ابن جرير من طريقين؛ عن عبد الرزاق، به. ورواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن عصام، عن مؤمل، عن سفيان الثوري، به.

стр. 581

ورواه ابن جرير أيضًا: حدثني المثنى، حدثنا المعلَّى - وهو ابن أسد -، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة، حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار … فذكره. فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت (١) في أبيه من مولاه نافع؛ فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم. ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين: قال ابن جرير (٢): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن عمير بن سعيد؛ قال: سمعت عليًا ﵁ يقول: كانت الزهرة امرأةً جميلةً من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت (عليهما) (٣) إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به (أحد) (٤) يعرج به إلى السماء؛ فعلماها فتكلمت به، فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكبًا. وهذا الإسناد (رجاله ثقات) (٥)، وهو غريب جدًّا. وقال ابن أبي حاتم (٦) حدثنا الفضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا أبو معاوية، عن (ابن أبي خالد) (٧)، عن عمير بن سعيد، عن علي (﵁) (٨). قال: هما ملكان من ملائكة السماء؛ يعني: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾.

стр. 582

ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" بسنده عن (مغيث) (١)، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي مرفوعًا. وهذا لا يثبت من هذا الوجه. ثم رواه من طريقين آخرين (٢): عن جابر، عن أبي الطفيل: عن علي (﵁) (٣)؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله الزهرة؛ فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت". وهذا أيضًا لا يصح. وهو منكر جدًّا. والله أعلم. وقال ابن جرير (٤): حدثني المثنى بن إبراهيم؛ حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد؛ عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، وابن عباس - أنهما قالا جميعًا: لما كثر بنو آدم وعصوا دعت الملائكة عليهم (والأرض) (٥) والجبال: ربنا (لا تمهلهم) (٦)؛ فأوحى الله إلى الملائكة: إني (أزلت) (٧) الشهوة والشيطان من قلوبكم، [وأنزلت الشهوة والشيطان في قلوبهم] (٨)، ولو نزلتم لفعلتم أيضًا. قال: فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا؛ فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم؛ فاختاروا هاروت وماروت؛ فأهبطا إلى الأرض، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس يسمونها "بيذخت"؛ قال: فوقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥] فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختاروا عذاب الدنيا. وقال ابن أبي حاتم (٩): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا

стр. 583

(عبيد الله) (١) - يعني: ابن عمرو - عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو ويونس بن خباب، عن مجاهد؛ قال: كنت نازلًا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: (انظر) (٢) (طلعت) (٣) الحمراء؟ لا مرحبًا بها ولا أهلًا، ولا حياها الله، هي صاحبة الملكين، قالت الملائكة: يا رب؛ كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك؛ ويفسدون في الأرض؟ قال: إني ابتليتهم؟ فلعل إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون. قالوا: لا، قال: فاختاروا من خياركم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت؛ فقال لهما: إني مهبطكما إلى الأرض، وعاهد إليكما أن لا تشركا ولا تزنيا ولا تخونا. فأهبطا إلى الأرض، وألقى عليهما الشبق، وأهبطت لهما الزهرة في أحسن صورة - امرأة - فتعرضت لهما، فراوداها عن نفسها؛ فقالت: إني على دين لا يصح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله، قالا: وما دينك؟ قالت المجوسية. قالا: الشرك! هذا شيء لا نقربه، فمكثت عنهما ما شاء الله (تعالى) (٤) ثم تعرضت لهما (فأراداها) (٥) عن نفسها؛ فقالت: ما شئتما غير أن لي زوجًا، وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني، وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء فعلت؛ فأقرا لها بدينها، وأتياها فيما يريان، ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا بها إلى السماء اختطفت منهما، وقطعت أجنحتهما فوقعا خائفين نادمين يبكيان؛ وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين؛ فإذا كان يوم الجمعة أجيب. فقالا: لو أتينا فلانًا فسألناه فطلب لنا التوبة. فأتياه، فقال: (رحمكما) (٦) الله، كيف (يطلب) (٧) أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا: إنا قد ابتلينا. قال: ائتياني يوم الجمعة، فأتياه، فقال: ما جبت فيكما بشيء، ائتياني في الجمعة الثانية؛ فأتياه، فقال: اختارا، فقد خيرتما - إن (أحببتما) (٨): (معاناة) (٩) الدنيا، وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله. فقال أحدهما: إن الدنيا لم يمض منها إلا القليل. وقال الآخر: ويحك! إني قد أطعتك في الأمر الأول، فأطعني الآن، إن عذابًا يفنى ليس كعذاب يبقى (وإننا) (١٠) يوم القيامة على حكم الله، فأخاف أن يعذبنا، قال: لا؛ إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة ألا يجمعهما علينا، قال: فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا في بكرات من حديث في قليب مملوءة من نار عاليهما سافلهما. وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر - وقد تقدم في رواية ابن جرير من حديث معاوية بن صالح، عن نافع، عنه - رفعه.

стр. 584

وهذا أثبت وأصح إسنادًا؛ ثم هو - والله أعلم - من رواية ابن عمر، عن كعب كما تقدم بيانه من رواية سالم، عن أبيه. وقوله: إن الزهرة نزلت في صورة امرأة حسناء - وكذا في المروي عن عليٍّ - فيه غرابة جدًّا. وأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم (١): حدثنا عصام بن رواد، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، حدثنا الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس رضي الله (عنهما) (٢)؛ قال: لما وقع الناس من بعد آدم ﵇ فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله قالت الملائكة في السماء: يا رب؛ هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك قد وقعوا فيما وقعوا فيه، وركبوا الكفر، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر؛ فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم؛ فقيل: إنهم في غيب، فلم يعذروهم؛ فقيل لهم: اختاروا من أفضلكم ملكين آمرهما وأنهاهما. فاختاروا هاروت وماروت؛ فأهبطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما (الله) (٣) أن يعبداه ولا يشركا به شيئًا، ونهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، وعن الزنا والسرقة وشرب الخمر؛ فلبثا في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في (زمان) (٤) إدريس ﵇، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وإنهما أتيا عليها؛ فخضعا لها في القول، وأراداها على نفسها؛ فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها؛ فسألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنمًا فقالت: هذا أعبده. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا، فذهبا فغبرا ما شاء الله ثم أتيا عليها، فأراداها على نفسها، ففعلت مثل ذلك؛ فذهبا ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها؛ فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا أحد الخلال الثلاث؛ إما أن تعبدا هذا الصنم، وإما أن تقتلا هذه النفس، وإما أن تشربا هذا الخمر، فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون هذا شرب الخمر، فشربا الخمر؛ فأخذت فيهما، فواقعا المرأة، فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه، فلما ذهب عنهما السكر، وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة، أرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه، فعجبوا كل العجب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشيةً، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض؛ فنزل في ذلك: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فقالا: أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له؛ فاختارا عذاب الدنيا؛ فجعلا ببابل، فهما يعذبان. وقد رواه الحاكم في "مستدركه" مطولًا عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام،

стр. 585

عن إسحاق بن راهويه، عن حكام بن سلم الرازي، وكان ثقةً، عن أبي جعفر الرازي - به. ثم قال: "صحيح الإسناد. لم يخرجاه"؛ فهذا أقرب ما روي في شأن الزهرة. والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم (١): حدثنا أبي، حدثنا مسلم، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني، حدثنا يزيد - يعني: الفارسي -، عن ابن عباس قال: إن أهل السماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون بالمعاصي؛ فقالوا: يا رب؛ أهل الأرض كانوا يعملون بالمعاصي، فقال الله: أنتم معي، وهم في غيب عني. فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثةً. فاختاروا منهم ثلاثةً على أن يهبطوا إلى الأرض على أن يحكموا بين أهل الأرض، وجعل فيهم شهوة الآدميين، فأُمروا ألا يشربوا خمرًا، ولا يقتلوا نفسًا، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن. فاستقال منهم واحد فأقيل؛ فأهبط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها: مناهية؛ فهوياها جميعًا، ثم أتيا منزلها فاجتمعا عندها، فأراداها؛ فقالت لهما: لا، حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني. فقالا: لا نسجد، ثم شربا من الخمر، ثم قتلا، ثم سجدا، فأشرف أهل السماء عليهما. وقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما، فأخبراها؛ فطارت فمسخت جمرةً، وهي هذه الزهرة، وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا؛ فهما مناطان بين السماء والأرض. وهذا السياق فيه (زيادات) (٢) كثيرة، وإغراب ونكارة. والله أعلم بالصواب. وقال عبد الرزاق (٣): قال معمر: قال قتادة، والزهري، عن عبيد الله بن عبد الله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ كانا ملكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس، وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فحافا لها، ثم ذهبا يصعدان، فحيل بينهما وبين ذلك، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. وقال معمر: قال قتادة: فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما ألا يعلما أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر. وقال أسباط (٤)، عن السدي: إنه قال: كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم؛ فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشرًا من الشهوات فبها يعصونني، قال هاروت وماروت: ربنا، لو أعطيتنا تلك الشهوات، ثم نزلنا، لحكمنا بالعدل، فقال لهما: انزلا، فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس؛ فنزلا ببابل دنياوند، فكانا يحكمان حتى إذا أمسيا عرجا؛ فإذا أصبحا هبطا؛ فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما حسنها، واسمها بالعربية "الزهرة" وبالنبطية "بيذخت"، وبالفارسية "أناهيد"؛ فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني، قال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك. فقال الآخر: هل

стр. 586

لك أن أذكرها لنفسها؟ قال: نعم. ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا لنرجو رحمة الله. فلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها؛ فقالت: لا حتى تقضيا لي على زوجي. فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خربةً من الخرب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك. فلما أراد الذي يواقعها قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء؟ وبأي كلام تنزلان منها؟ فأخبراها؛ فتكلمت فصعدت فأنساها الله تعالى ما تنزل به، فثبتت مكانها، وجعلها كوكبًا؛ فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها؛ وقال: هذه التي فتنت هاروت وماروت. فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا، فعرفا الهلكة، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة؛ فاختارا عذاب الدنيا، فعلقا ببابل وجعلا يكلمان الناس كلامهما، وهو السحر. وقال (ابن أبي نجيح) (١)، عن مجاهد (٢): أما شأن هاروت وماروت فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات؛ فقال لهم ربهم تعالى: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض؛ فاختاروا؛ فلم يألوا هاروت وماروت؛ فقال لهما حين أنزلهما: أَعجبتما من بني آدم من ظلمهم ومعصيتهم، وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء وراء؛ وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا كذا؛ فأمرهما بأمور ونهاهما؛ ثم نزلا على ذلك، ليس أحد أطوع لله منهما؛ فحكما فعدلا؛ فكانا يحكمان (النهار) (٣) بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا فكانا مع الملائكة؛ وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم، فقضيا عليها. فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه؛ فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل الذي وجدت؟ قال: نعم. فبعثا إليها أن ائتيانا نقض لك، فلما رجعت قالا وقضيا لها، فأتتهما فكشفا لها عن عورتيهما؛ وإنما كانت (سوآتهما) (٤) في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذاتها، فلما بلغا ذلك واستحلا افتتنا، فطارت الزهرة، فرجعت حيث كانت. فلما أمسيا عرجا فزجرا فلم يؤذن لهما، ولم تحملهما أجنحتهما؛ فاستغاثا برجل من بني آدم؛ فأتياه؛ فقالا: ادع لنا ربك. فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء. فوعدهما يومًا، وغدا يدعو لهما، فدعا لهما؛ فاستجيب له؛ فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال: ألا تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد، وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟ فأُمرا أن ينزلا ببابل فثم عذابهما.

стр. 587

وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان يصفقان بأجنحتهما. وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين؛ كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم؛ وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط، ولا إطناب؛ فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى. والله أعلم بحقيقة الحال (١). (وقد ورد) (٢) أثر غريب، وسياق عجيب في ذلك، أحببنا أن ننبه عليه: قال الإمام أبو جعفر بن جرير (٣) ﵀ (تعالى) (٤): حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: قدمت على امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته حداثة ذلك تسأله عن (شيء) (٥) دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به؛ قالت عائشة ﵂ لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ فيشفيها، (كانت) (٦) تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت؛ كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك؛ فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبتُ أحدهما وركبتِ الآخرَ، فلم يكن (شيء) (٧) حتى وقفنا ببابل، فإذا برجلين معلقين بأرجلهما؛ فقالا: ما جاء بك؟ (فقلنا: نتعلم) (٨) السحر. فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري، فارجعي، فأبيتُ وقلت: لا. قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت ففزعت ولم أفعل، فرجعت إليهما؛ فقالا: أفعلت؟ فقلت: نعم. فقالا: هل رأيت شيئًا؟ فقلت: لم أر شيئًا. فقالا: لم تفعلي؛ ارجعي إلى بلادك

стр. 588

ولا تكفري (فإنك على رأس أمرك) (١) (فأربت) (٢) وأبيت. فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه؛ فذهبت [فاقشعررت وخفت، ثم رجعت إليهما؛ وقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟] (٣) [قلت: لم أر شيئًا. فقالا: كذبت، لم تفعلي؛ ارجعي إلى بلادك ولا تكفري؛ فإنك على رأس أمرك؛ فأربت وأبيت؛ فقالا: اذهبي إلى التنور فبولي فيه، فذهبت إليه فبلت فيه] (٤)، فرأيت فارسًا مقنعًا بحديد خرج مني فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه؛ فجئتهما، فقلت: قد فعلت. فقالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسًا مقنعًا خرج مني فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه. فقالا: صدقت؛ ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا، وما قالا لي شيئًا، فقالت: بلى، لم تريدي شيئًا إلا كان. خذي هذا القمح فابذري؛ فبذرت، وقلت: أطلعي فأطلعت، وقلت: (أحقلي) (٥) فأحقلت. ثم قلت: افركي فأفركت، ثم قلت: أيبسي فأيبست، ثم قلت: اطحني فأطحنت. ثم قلت: اخبزي فأخبزت. فلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان (سقط) (٦) في يدي، وندمت والله يا أم المؤمنين، ما فعلت شيئًا ولا أفعله أبدًا. ورواه ابن أبي حاتم، عن الربيع بن سليمان، به مطولًا كما تقدم؛ وزاد بعد قولها: ولا أفعله أبدًا - فسألت أصحاب رسول الله ﷺ حداثة وفاة رسول الله ﷺ ، وهم يومئذ متوافرون، فما دَرَوا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه إلا أنه قد قال لها ابن عباس، أو بعض من كان عنده: لو كان أبواك حيين أو أحدهما. قال هشام: فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان. قال ابن أبي الزناد: وكان هشام يقول: إنهم كانوا من أهل الورع (وخشية من الله) (٧). ثم يقول هشام: لو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نوكى أهل حمق وتكلف بغير علم. فهذا إسناد جيد إلى عائشة ﵂. وقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى أن الساحر له تمكن في قلب الأعيان؛ لأن هذه المرأة بذرت واستغلت في الحال.

стр. 589

وقال آخرون: بل ليس له قدرة إلا على التخييل؛ كما قال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق لا بابل ديناوند؛ كما قاله السدي (١) وغيره. ثم الدليل على أنها بابل العراق ما قاله ابن أبي حاتم (٢): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن صالح، حدثني ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري - أن علي بن أبي طالب - ﵁ قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي ببابل، فإنها ملعونة (٣). وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، (حدثني ابن لهيعة) (٤) ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري: أن عليًا مر ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة؛ فلما فرغ قال: إن حبيب ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي بأرض بابل؛ فإنها ملعونة. حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة، عن حجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري، عن علي بمعنى حديث سليمان بن داود؛ قال: فلما خرج (مكان) (٥): "برز". وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود؛ لأنه رواه وسكت (٦) عليه، ففيه من الفقه كراهية

стр. 590

الصلاة بأرض بابل، كما تكره بديار ثمود الذي نهى (١) رسول الله ﷺ عن الدخول إلى منازلهم إلا أن يكونوا باكين. قال أصحاب الهيئة: وبُعد ما بين بابل وهي من إقليم العراق عن البحر المحيط الغربي، ويقال له أوقيانوس، سبعون درجةً، ويسمون هذا طولًا، وأما عرضها وهو بُعد ما بينهما وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب، وهو المسامت لخط الاستواء، اثنتان وثلاثون درجة. والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ قال أبو جعفر (٢) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس؛ قال: فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر؛ وذلك أنهما علما الخير والشر، والكفر والإيمان؛ فعرفا أن السحر من الكفر؛ قال: فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلمه، فإذا تعلمه خرج منه النور، فنظر إليه ساطعًا في السماء؛ فيقول: يا حسرتاه! يا ويله! ماذا أصنع؟ وعن الحسن (٣) البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: نعم، أنزل الملكان بالسحر، ليعلما الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلى به الناس؛ فأخذ عليهما الميثاق ألا يعلما أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر. رواه ابن أبي حاتم. وقال قتادة (٤): كان أخذ عليهما ألا يعلما أحدًا حتى يقولا إنما نحن فتنة؛ أي: بلاء ابتلينا به؛ فلا تكفر. وقال السدي (٥): إذا أتاهما إنسان يريد السحر وعظاه، وقالا له: لا تكفر؛ إنما نحن فتنة؛ فإذا أبى قالا له: ائت هذا الرماد فبل عليه؛ فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء؛ وذلك الإيمان، وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكل شيء؛ وذلك غضب الله؛ فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ … ﴾ الآية. وقال سنيد (٦)، عن حجاج، عن ابن جريج - في هذه الآية -: لا يجترئ على السحر إلا كافر، وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار؛ ومنه قول الشاعر:

стр. 591

وقد فتن الناس في دينهم … وخلى ابن عفان شرًا طويلًا وكذلك قوله تعالى، إخبارًا عن موسى ﵇ حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك، ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، واستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر (١) البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله؛ قال: "من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ". وهذا إسناد (صحيح) (٢). وله شواهد أخر. وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون فيما يتصرفون من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف. وهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في "صحيحه" (٣)، من حديث الأعمش، عن (أبي سفيان) (٤) طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ ؛ قال: "إن الشيطان (يضع) (٥) عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلةً أعظمهم عنده فتنةً، يجيءُ أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا؛ فيقول إبليس: لا، والله ما صنعت شيئًا! ويجيءُ أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله؛ قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه، ويقول: نعم (أنت) " (٦). (٧) [ورجح شيخنا أبو الحجاج المزي فتح النون، وراجعته فثبت على ذلك، والمشهور عند النحاة الكسر، واحتج به بعضهم على جواز كون فاعل "نعم" مضمرًا؛ وهو قليل] (٧). وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق أو نحو ذلك، أو عقد أو بغضة أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة. والمرء: عبارة عن الرجل وتأنيثه امرأة، ويثنى كل منهما ولا يجمعان. والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال سفيان (٨) الثوري: إلا بقضاء الله.

стр. 592

وقال محمد (١) بن إسحاق: إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد. وقال الحسن البصري (٢): ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال: نعم؛ من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط؛ ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله؛ كما قال الله تعالى. وفي رواية (٣) عن الحسن أنه قال: لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة (الرسول) (٤) ﷺ لمن فعل فعلهم ذلك - أنه ما له في الآخرة من خلاق، قال ابن (٥) عباس، ومجاهد (٦)، والسدي (٧): من نصيب. وقال عبد الرزاق (٨)، عن معمر، عن قتادة: ما له في الآخرة من (حجة) (٩) عند الله، (وقال) (١٠): قال الحسن: ليس له دين وقال (سعيد) (١١)، عن قتادة ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ قال: ولقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة (١٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ﴾ البديل ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان ومتابعة (الرسل) (١٣) لو كان لهم علم بما وعظوا به ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم لكان مثوبة الله على ذلك خيرًا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ [القصص]. وقد (يستدل) (١٤) بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية

стр. 593

عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف. وقيل: بل لا يكفر، ولكن حده ضرب عنقه؛ لما رواه الشافعي (١)، وأحمد بن حنبل ﵏ (٢)؛ قالا: أخبرنا سفيان - (هو ابن عيينة) (٣) -، عن عمرو بن دينار، أنه سمع بجالة بن عبدة يقول: كتب عمر بن الخطاب ﵁ أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر. وقد أخرجه البخاري (٤) في "صحيحه" أيضًا. وهكذا صح (٥) أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها، فأمرت بها فقتلت. قال الإمام أحمد بن حنبل: (صح عن) (٦) ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ قتل الساحر. وروى الترمذي (٧) من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الأزدي أنه قال:

стр. 594

قال رسول الله ﷺ : "حد الساحر ضربة بالسيف"، ثم قال: "لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث. والصحيح عن الحسن، عن جندب (موقوف) " (١). قلت: قد رواه الطبراني من وجه آخر عن الحسن، عن جندب مرفوعًا. والله أعلم. وقد روي (٢) من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه؛ فقال الناس: سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان من الغد جاء مشتملًا على سيفه؛ وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه، فضرب عنق الساحر؛ وقال: إن كان (ساحرًا) (٣) فليحي نفسه؛ وتلا قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك، فسجنه ثم أطلقه. والله أعلم. وقال (الإمام) (٤) أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثني أبو إسحاق، عن حارثة؛ قال: كان عند بعض الأمراء رجل يلعب، فجاء جندب (مشتملًا) (٥) على سيفه فقتله. قال: أُراه كان ساحرًا (٦). وحمل الشافعي ﵀ قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركًا. والله أعلم. فصل حكى أبو عبد الله الرازي في "تفسيره"، عن المعتزلة، أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كفروا من اعتقد وجوده.

стр. 595

قال: وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارًا، والحمار إنسانًا، إلا أنهم قالوا: إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة؛ فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا؛ خلافًا للفلاسفة والمنجمين والصابئة، ثم استدل على وقوع السحر، وأنه بخلق الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ومن الأخبار أن رسول الله ﷺ سُحِرَ، وأن السحر عمل فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة ﵂، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر؛ قال: وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثيرة، ثم قال بعد هذا: المسألة الخامسة: في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور: اتفق المحققون على ذلك؛ لأن العلم لذاته شريف؛ وأيضًا لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ولأن السحر لو لم يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز معجزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب؛ فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا، وما يكون واجبًا فكيف يكون حرامًا وقبيحًا؟ هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة؛ وهذا الكلام فيه نظر من وجوه: أحدها: قوله العلم بالسحر ليس بقبيح إن عنى به ليس بقبيح عقلًا فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا، وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا ففي هذه الآية الكريمة تبشيع لتعلم السحر. وفي "الصحيح" (١): "من أتى عرافًا أو كاهنًا فقد كفر بما أُنزل على محمد". وفي "السنن" (٢): "من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر". وقوله: ولا محظور - اتفق المحققون على ذلك. كيف لا يكون محظورًا مع ما ذكرناه من الآية والحديث. واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم وأين نصوصهم على ذلك؟ ثم إدخاله علم السحر في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين العلم الشرعي؛ ولم قلت إن هذا منه؟ ثم ترقيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به - ضعيف؛ بل فاسد؛ لأن (أعظم) (٣) معجزات رسولنا ﵊ هي القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلًا، ثم من المعلوم بالضرورة أن

стр. 596

الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم كانوا يعلمون المعجز، ويفرقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه. والله أعلم. ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية: الأول: سحر الكلدانيين والكشدانيين الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة؛ وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم، وأنها تأتي بالخير والشر؛ وهم الذين بعث الله إليهم إبراهيم الخليل ( ﷺ ) (١) مبطلًا لمقالتهم ورادًا لمذهبهم؛ وقد استقصى في (كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم) المسنوب إليه كما ذكره القاضي ابن خلكان وغيره. ويقال: إنه تاب منه، وقيل: (بل) (٢) صنفه على وجه إظهار الفضيلة، لا على سبيل الاعتقاد، وهذا هو المظنون به؛ إلا أنه ذكر فيه (طرائقهم) (٣) في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون، وما يلبسونه وما يتنسكون به. قال: والنوع الثاني: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية؛ ثم استدل على أن الوهم له تأثير بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه. قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان، أو الدوران؛ وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت منطبعة للأوهام. قال: وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق (٤) [و (له) (٥) أن يستدل على ذلك] (٤) (٦) [بما ثبت في "الصحيح" (٧): أن رسول الله ﷺ قال: "العين حق] (٦) ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين". قال: فإذا عرفت هذا فنقول: النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قويةً جدًّا، فتستغني في هذه (الأفعال) (٨) عن الاستعانة (بالآلات) (٩) والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات. وتحقيقه أن النفس إذا كانت (مشتغلةً عن) (١٠) البدن، شديدة الانجذاب إلى عالم السموات، صارت كأنها روح من الأرواح السماوية؛ فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، وإذا كانت ضعيفةً شديدة التعلق بهذه الذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تأثير ألبتة إلا في هذا البدن. ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس (والرياضة) (١١). قلت: وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال؛ وهو على قسمين: تارة تكون حالًا صحيحةً

стр. 597

شرعيةً يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله ( ﷺ ) (١) ويترك ما نهى الله تعالى عنه ورسوله ﷺ ؛ فهذه الأحوال مواهب من الله تعالى، وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله ( ﷺ ) (١)، ولا يتصرف بها في ذلك، فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إياهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجال (لعنه الله) (٢) له من الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعًا لعنه الله. وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وبسط هذا يطول جدًّا، وليس هذا موضعه. قال: والنوع الثالث من السحر: الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن خلافًا للفلاسفة والمعتزلة؛ وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار وهم الشياطين. قال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى (والدخن) (٣) والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل (تسخير) (٤). النوع الرابع من السحر: التخيلات، والأخذ بالعيون والشعبذة؛ ومبناه على أن البصر قد (يخطئ) (٥) ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى ذا الشعبذة الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق نحوه عمل شيئًا آخر عملًا بسرعة شديدة؛ وحينئذٍ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه؛ فيتعجبون منه جدًّا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله. قال: وكلما كانت الأحوال التي تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل أشد كان العلم أحسن؛ مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدًّا، أو مظلم، فلا تقف القوة (الباصرة) (٦) على أحوالها (بكلالها) (٧) والحالة هذه. قلت: وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ [طه: ٦٦] قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم. النوع الخامس من السحر: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب

стр. 598

الهندسية؛ كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب (مرةً) (١) بالبوق من غير أن يمسه أحد. ومنها الصور التي تصورها الروم والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصورونها ضاحكةً وباكيةً. إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطيف أمور (المخاييل) (٢) قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل. قلت: يعني ما قاله بعض المفسرين: إنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي، فحشوها زئبقًا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها. قال الرازي: ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال بالآلات الخفيفة. قال: وهذا في الحقيقة لا ينبغى أن يعد من باب السحر؛ لأن لها (أسبابًا) (٣) معلومةً (متيقنةً) (٤)، من اطلع عليه قدر عليها. قلت: ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يرونهم إياه من الأنوار؛ كقضية قمامة الكنيسة التي لهم (بالبلد) (٥) المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على (الطغام) (٦) (منهم) (٧)، وأما الخواص فهم يعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم. (وفيهم شبه) (٨) للجهلة الأغبياء من (متعبدي) (٩) الكرامية، الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد (من قال رسول الله ﷺ فيهم) (١٠): "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (١١). وقوله: "حدثوا عني ولا تكذبوا عليَّ فإنه من يكذب عليَّ يلج النار" (١٢).

стр. 599

ثم ذكر ههنا حكايةً عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر (حزين) (١) الصوت ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور ترق له فتذهب فتلقى في وكره من ثمر الزيتون، (ليتبلغ) (٢) به، فعمد هذا الراهب إلى (صنعة) (٣) طائر على شكله، وتوصل إلى أن جعله أجوف، فإذا دخلته الريح يسمع (منه) (٤) صوت كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابًا من ناحية، فتدخل (الريح) (٥) إلى داخل هذه الصورة، فيسمع صوتها كذلك الطائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه؟ ففتنهم بذلك، (وأوهم) (٦) أن هذه من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله (المتتابعة) (٧) إلى يوم القيامة. قال الرازي: النوع السادس من السحر: الاستعانة بخواص الأدوية يعني في الأطعمة (والدهانات) (٨). قال: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الحواص، فإن أثر المغناطيس مشاهد. قلت: يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعى الفقر، ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص مدعيًا أنها أحوال له من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات. قال: النوع السابع من السحر: (تعليق القلب) (٩)؛ وهو أن يدعى الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور؛ فإذا اتفق أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل، قليل التمييز، اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرهب والمخافة؛ فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة؛ فحينئذٍ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء. قلت: هذا النمط (يقال له: "التنبلة") (١٠)؛ وإنما يروج على الضعفاء العقول من بني آدم.

стр. 600

وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه؛ فإذا كان (المتنبل) (١) حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره. قال: النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة (والتضريب) (٢) من وجوه (خفية) (٣) لطيفة؛ وذلك شائع في الناس. قلت: النميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش (بين الناس) (٤)، وتفريق قلوب المؤمنين؛ فهذا حرام متفق عليه، فأما (إن) (٥) كانت على وجه الإصلاح (بين الناس) (٤) وائتلاف كلمة المسلمين كما جاء في الحديث (٦): "ليس بالكذاب من ينم خيرًا". أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة؛ فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث (٧): "الحرب خدعة"، وكما فعل نعيم (٨) بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظة: جاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك؛ فتناكرت النفوس وافترقت، وإنما يحذو على مثل هذا: الذكاء والبصيرة النافذة. والله المستعان. ثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر، وشرح أنواعه وأصنافه. قلت: وإنما أدخل كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه؛ ولهذا جاء في الحديث (٩): "إن من البيان (سحرًا) " (١٠). وسمى السحور، لكونه يقع خفيًا آخر الليل. والسحر: الرئة وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه؛ كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سحره؛ أي: انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة (١١) ﵄: "توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري"، وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] أي: أخفوا عنهم عملهم. والله ﵎ (١٢) أعلم.
следующие страницы →