وقول العباس بن مرداس:
قد كان قومك يحسبونك سيدا ... وإِخالُ أنك سيد معيون١
وقول زهير بن أبي سلمى:
وما أدري وسوف إِخالُ أدري ... أقوم آل حصن أم نساء٢
وقول كعب بن زهير:
أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إِخالُ لدينا منك تنويل٣
وهذا هو ما سميناه هنا من قبل: "الركام اللغوي للظواهر المندثرة في اللغة"، ومعناه أن الظاهرة اللغوية، قبل أن تموت، قد تبقى منها أمثلة، تعين على معرفة الأصل.
ومن الأمثلة التي تؤيد ما نذهب إليه، من أن اللهجات المعاصرة ليست إلا امتدادا لشيء من اللهجات العربية القديمة أيضا، ما يشيع في بعض اللهجات العربية الحديثة، في مصر وغيرها، من استعمال اسم المفعول من الفعل الأجوف اليائي على التمام، أي على وزن مفعول، دون إعلال يطرأ عليه، فيقول الناس في مصر مثلا: "فلان مديون، أي عليه دين، ومريوح، أي ضعيف لا يقدر على حمل الأثقال، ومطيور، أي متسرع في عمله، ومخيول: أي منشغل بما في خياله من أوهام. كما يقال في
стр. 247
بعض البلاد العربية عن الثوب إنه مخيوط، وعن فلان من الناس إنه مهيوب، وعن الشيء إنه معيوب ومبيوع، وعن الحب إنه مكيول ... وغير ذلك.
والعربية الفصحى تُعِل هذه الأسماء وما يشابهها بما يسمى الإعلال بالنقل، فتقول مثلا: مَدِين، ومَخِيط، ومَعِيب، ومَبِيع، ومَكِيل، وغير ذلك.
غير أن هذا الذي قد شاع في اللهجات العامية المعاصرة، ليس إلا لهجة لقبيلة تميم١، من القبائل العربية القديمة. قال البغدادي في التعليق على قول العباس بن مرداس السلمي:
قد كان قومك يحسبونك سيدا ... وإِخالُ أنك سيدا مَغْيُون
"قوله: "مغيون، جاء على لغة تميم. ولغة غيرهم: مَغِين ... ومغيون -بالغين المعجمة- اسم مفعول من قولهم: غِين على قلبه، أي: غُطِّي عليه. وفي الحديث: "وإنه ليغان على قلبي". ولكن الناس ينشدونه بالباء، وهو تصحيف. وقد رُوي بالعين غير المعجمة، أي مصاب بالعين. والأول هو الوجه، وكلاهما مما جاء فيه التصحيح، وإن كان الاعتلال فيه أكثر كقولهم: "طعام مزيوت، وبر مكيول، وثوب مخيوط. والقياس: مَغِين، ومَزِيت، ومَكِيل، ومَخِيط"٢.
وقد أشار سيبويه إلى هذه اللغة، وإن لم ينسبها إلى تميم، فقال: "وبعض العرب يخرجه على الأصل، فيقول: مخيوط ومبيوع"٣. وكثير
стр. 248
من هذه الكلمات السابقة، تذكر في بعض المعاجم العربية، بالتصحيح والإعلال، جنبا إلى جنب، دون نسبة إلى قبيلة معينة"١.
ومن الأمثلة على موضوعنا كذلك: ما شاع على ألسنة الناس من قولهم في لهجات الخطاب: "ظلموني الناس" و"لامني العواذل" و"زارونا الجيران" و"تَنُّو صاحي لحد ما رجعوا العيال من بره"، أي بإلحاق الفعل علامة جمع، وهو متقدم على الفاعل المجموع.
ومن المعروف في العربية الفصحى، أن الفاعل يجب إفراده دائما، حتى وإن كان فاعله مثنى أو مجموعا، أي أنه لا تتصل به علامة تثنية ولا علامة جمع، للدلالة على تثنية الفاعل أو جمعه، فيقال مثلا: "قام الرجل" و"قام الرجلان" و"قام الرجال" بإفراد الفعل: "قام" دائما؛ إذ لا يقال في الفصحى مثلا: "قاما الرجلان" ولا "قاموا الرجال".
تلك هي القاعدة المطردة في العربية الفصحى، شعرا ونثرا. أما قبيلة طيئ القديمة، فقد روي لنا عنها٢ أنها كانت تلحق الفعل علامة تثنية للفاعل المثنى، وعلامة جمع للفاعل المجموع. وقد حُكيت لنا هذه اللغة
стр. 249
كذلك، عن قبيلة "بلحارث بن كعب"١، وقبيلة "أزد شنوءة"٢، وهما من القبائل اليمنية، التي تمت لأصل قبيلة طيئ بصلة٣.
وقد عرفنا من قبل٤ أن مقارنة اللغات السامية أخوات العربية، وهي: العبرية والآرامية والحبشية والأكادية، تدل على أن الأصل في تلك اللغات، أن يلحق الفعل علامة التثنية والجمع، للفاعل المثنى والمجموع، كما تلحقه علامة التأنيث، عندما يكون الفاعل مؤنثا، سواء بسواء.
كما ذكرنا من قبل أيضا أن هذه اللغة هي التي تعرف عند علماء النحو باسم "لغة أكلوني البراغيث". ويبدو أنها كانت شائعة كذلك في عصر الحريري "المتوفى سنة ٥١٦هـ" الذي عدها من اللحن٥، ورد عليه الشهاب الخفاجي، فقال: "وليس الأمر كما ذكره، فإن هذه لغة قوم، من العرب، يجعلون الألف والواو، حرفي علامة للتثنية والجمع، والاسم الظاهر فاعلا، وتعرف بين النحاة بلغة: أكلوني البراغيث؛ لأنه مثالها الذي اشتهرت به، وهي لغة طيئ، كما قاله الزمخشري. وقد وقع منها في الآيات، والأحاديث، وكلام الفصحاء ما لا يحصى"٦.
стр. 250
وقد بقيت هذه الظاهرة، شائعة -كما قلنا- في كثير من اللهجات العربية الحديثة. وهي امتداد للأصل السامي واللهجات العربية القديمة، بلا شك.
ومن الظواهر اللغوية الشائعة في اللهجات المعاصرة، وهي امتداد للقديم كذلك: ظاهرة سقوط الهمزة، في غير أول الكلمة كثيرا، مثل قولنا في لهجات الخطاب: بير، وياكل، وراس، ويملا، ويقرا، وريّس، وخطيّة، ورُوس، وفوس، وعَباية، ومِلاية، ويودي، وجِينا، ومروة، ونحو ذلك، بدلا من بئر، ويأكل، ورأس، ويملأ، ويقرأ، ورئيس، وخطيئة، ورءوس، وفئوس، وعباءة، وملاءة، ويؤدي، وجئنا، ومروءة، وغير ذلك في العربية الفصحى.
كما يقع الهمز من أوائل بعض كلمات العامية، في حالات قليلة، مثل: سنان، في أسنان، وسبوع، في: أسبوع، وإيه اللي صابك؟ في: أصابك، وبراهيم، وسماعين، في: إبراهيم وإسماعيل، ويوم الحد، في: يوم الأحد، وغير ذلك.
وليست هذه الظاهرة في اللهجات المعاصرة، إلا امتدادا لما كان عند الحجازيين القدماء، في نطقهم لهذه الكلمات وأمثالها.
ومع أن هذا الصوت أصيل في اللغات السامية، فإن الجهد العضلي الذي يتطلبه في نطقه، أدى إلى ضياعه في كثير من اللغات السامية، واللهجات الحجازية القديمة في العربية، قال ابن يعيش: "اعلم أن الهمزة
стр. 251
حرف شديد مستثقل، يخرج من أقصى الحلق؛ إذ كان أدخل الحروف في الحلق، فاستثقل النطق به؛ إذ كان إخراجه كالتهوّع، فلذلك الاستثقال ساغ فيه التخفيف، وهو لغة قريش، وأكثر أهل الحجاز، وهو نوع استحسان لثقل الهمزة، والتحقيق لغة تميم وقيس"١.
ولهذا السبب لم يبق هذا الصوت على حاله، في كثير من اللغات السامية، منذ زمن قديم، ولم يكن العرب على سواء في معاملة هذا الصوت، في العصر الجاهلي، فلم يكن ينطق به على صورته الأصلية إلا القبائل النجدية، وبخاصة تميم وقيس. ويسمى اللغويون العرب نطقهم هذا: بتحقيق الهمز، كما رأينا في نص ابن يعيش السابق.
وقد تبنت العربية الفصحى لغة القرآن الكريم، هذا التحيقق للهمز، وسارت فيه على الأصل إلا في كلمات قليلة اقترضتها من اللغة القرشية٢.
أما القبائل الحجازية٣، وعلى رأسها قبيلة قريش، فإنها كانت تسقط الهمزة من نطقها، في غير أول الكلمة، في غالب الأحيان٤، قال
стр. 252
أبو زيد الانصاري: "أهل الحجاز وهذيل، وأهل مكة والمدينة لا ينبرون، وقف عليها عيسى بن عمر، فقال: ما آخذ من قول تميم إلا بالنبر، وهم أصحاب النبر، وأهل الحجاز إذا اضطروا نبروا. قال: وقال أبو عمر الهذلي: قد توضيت، فلم يهمز وحولها ياء، وكذلك ما أشبه هذا من باب الهمز"١.
وقال ابن منظور: "ولم تكن قريش تهمز في كلامها. ولما حج المهدي قدم الكسائي يصلي بالمدينة، فهمز، فأنكر أهل المدينة عليه، وقالوا: تنبر في مسجد رسول الله ﷺ بالقرآن؟! "٢.
كما قال ابن عبد البر في التمهيد: "قول من قال: نزل القرآن بلغة قريش، معناه عندي: في الأغلب؛ لأن لغة غير قريش موجودة في جميع القرآن، من تحقيق الهمزة ونحوها، وقريش لا تهمز"٣.
وهذا كله معناه أن لهجة الحجازيين الأصلية، تسهيل الهمز. أما قول عيسى بن عمر الثقفي فيما تقدم: "فإذا اضطروا نبروا"، فيمكن أن يكون معناه أن الحجازيين، إذا اصطنعوا اللغة المشتركة، أي اللغة العربية الفصحى، حققوا الهمز، كما يمكن أن يكون عيسى بن عمر قد قصد بذلك، الهمزة التي توجد في أول كلمة.
ولذلك يعد الجواليقي "المتوفى سنة ٥٣٩هـ" سقوط الهمز من أول الكلمة، على ألسنة الناس في عصره، من اللحن، فقد روي لنا مثلا أن
стр. 253
الناس كانوا يسقطون همزة "أبو" في كلامهم، فقال: "وهو أبو رياح، لهذا الذي يلعب به الصبيان وتديره الريح، ولا تقل: بُرْياح. وكذلك يقولون للقرد: بُوزَنَّة، وإنما هو: أبو زَنَّة، وهي كنيته".
ولا تزال هذه الظاهرة شائعة في تونس والجزائر مثلا، في قولهم: "بومدين" و"بوتفليقة"، و"جميلة بوحريد". وكان لنا زميل تونسي بجامعة ميونخ اسمه: "عثمان بوغانمي". كما تشيع هذه الظاهرة في بعض الأسماء في الجزيرة العربية، مثل: "باحسين" و"باخشوين" و"باكلا" و"بابطين".
ولسنا نريد هنا الإكثار من الأمثلة، التي تدل على مذهبنا، في أن كثيرا من الظواهر اللهجية المعاصرة في العربية، ليست إلا امتدادا لشيء من القديم. ويكفي أن نذكّر هنا بكشكشة ربيعة، التي تشيع في بلاد الخليج العربي، وبعض قرى مصر، وكسكسة هوزان، التي تشيع في كثير من بلاد نجد، وإبدال بني تميم الجيم ياء، وامتداد ذلك في جنوبي العراق وبلدان الخليج، في مثل: مسيد، ودياي، وريال، بدلا من: مسجد، ودجاج، ورجل ...
وغير ذلك كثير كثير ... يحتاج بحثه واستقصاؤه إلى شيء من الصبر، وكثير من الجهد ... الصبر على قراءة المطولات من أمهات كتب العربية، والجهد في التقصي والتتبع والتفسير ... والله الموفق.
стр. 254
فهرس الكتاب:
الموضوع ص
مقدمة ٥
الباب الأول: في أصوات اللغة ٧
الفصل الأول: صوت القاف بين الفصحى واللهجات ٩
الفصل الثاني: نظرية المحاكاة الصوتية ومناسبة اللفظ للمعنى ١٧
الباب الثاني: في أبنية العربية والتطور اللغوي ٢٥
الفصل الأول: كراهة توالي الأمثال في أبنية العربية ٢٧
الفصل الثاني: رأي في تفسير الشواذ في لغة العرب ٥٧
الباب الثالث: في أصول الاحتجاج اللغوي ٨٧
الفصل الأول: أسطورة الأبيات الخمسين في كتاب سيبويه ٨٩
الفصل الثاني: حاجة تراثنا اللغوي إلى التهذيب والتنقية ١٤١
الباب الرابع: في تاريخ العربية ١٦٣
الفصل الأول: الفصحى وتحديات العصر ١٦٥
الفصل الثاني: الفصحى بين الجمود والتحرر ١٧٩
الباب الخامس: في مناهج البحث اللغوي ١٨٩
الفصل الأول: في أصول البحث العلمي وتحقيق النصوص ١٩١
الفصل الثاني: مصادر كتاب "المزهر" للسيوطي ٢٠٣
الباب السادس: في اللهجات العربية ٢٢٥
الفصل الأول: الخصائص اللغوية لقبيلة طيئ القديمة ٢٢٧
الفصل الثاني: من امتداد اللهجات العربية القديمة في بعض اللهجات المعاصرة ٢٦٣
قائمة المصادر العربية ٢٧٧
قائمة المصادر الإفرنجية ٢٨٨