تسحب اسكانر
١- موقف طييء من الهمزة:
يبدو أنه قبيلة طييء، كانت تميل إلى التخلص من صوت الهمزة، في مثل: يؤاخي، ويؤاكل، ويؤاسي، فتبدلها حرفا من جنس حركة ما قبلها، فتصير الأمثلة السابقة، يواخي، ويواكل، ويواسي١، وتشتق الماضي من هذه الصيغ الجديدة، فتقول: واخيت، وواكلت، وواسيت.
ويؤيد كراهية طييء لنطق الهمزة، ما روى لنا عنهم من أنهم كانوا يبدلون الهمزة في بعض المواضع هاء، فقد "حكى ابن جني عن قطرب أن طيئا تقول: هن فعلت فعلت، يريدون: إن فيبدلون ٢". وهذا يذكرنا بما حدث في اللغة العبرية، إذ قلبت فيها همزة "إن" الشرطية، هاء كذلك، فيقال فيها: hinne "هني" = إن.
ولم يقتصر الأمر في قلب الطائيين الهمزة هاء على "إن" الشرطية وحدها، بل حكى ذلك عنهم في همزة الاستفهام كذلك، يقولون: "هزيد فعل ذلك؟ يريدون: أزيد فعل ذلك؟ ٣ ". ومثل هذا حادث في اللغة العبرية كذلك.
أما ما رواه لنا الفراء عن طييء، من أنهم كانوا يهمزون ما لا يستحق الهمز، في قوله: "وربما غلطت العرب في الحرف، إذا ضارعه آخر من الهمز، فيهمزون غير المهموز، سمعت امرأة من طييء تقول: رثأت زوجي
стр. 212
بأبيات. ويقولون: لبأت بالحج، وحلأت السويق، فيغلطون"١ فليس هذا الهمز منهم إلا حذلقة، أو مبالغة في التفصح وتقعرا في الكلام، وكلها اصطلاحات من عندنا لما يقابل في اللاتينية Hyperurb anismus وفي الإنجليزية: Overcorr ectness ٢، وهو اصطلاح اتخذ لدى علماء اللغة، للصيغ التي تنتج بسبب الحرص الشديد، على محاكاة اللغة الأدبية، ممن لا يملك زمامها من عامة الشعب، فهو يحاول أن يرد العامية التي يتحدث بها إلى نمط اللغة الأدبية، وهو في محاولته هذه لا يفرق بين الظواهر الجديدة والقديمة، في لغة الخطاب، فإذا رد كلمة جديدة إلى القديم أصاب، أما إذا فعل مثل ذلك مع الكلمات التي احتفظت بالأصل القديم، وشابهت مع ذلك الجديد، فإنه حينئذ يكون متقعرا ومتحذلقا، وذلك كمن يعرف أن الصوت المركب: aw مثلا في العربية الفصحى، يقابل حركة الضم الممالة: "o" في العامية، وذلك مثل: صُوم في صَوْم، وعُوم في عَوْم، ونُوم في نَوْم، ويُوم في يَوْم، فهو إذا رد هذه الكلمات إلى أصلها كان مصيبا في كلامه، غير أن هناك كلمات لها مثل هذه الصورة في الأصل، في اللغة الفصحى نفسها، مثل: "ثُوم" و"حُوت" و"رُوح" وغير ذلك.
وهنا يحاول ذلك المتفصح أن يقلب هذه الضمات الأصيلة إلى الصوت
стр. 213
المركب، الذي تتميز به اللغة الفصحى، فيقول: ثَوْم وحَوْت ورَوْح، قياسا على ما فعله في تلك الكلمات السابقة، وعندئذ يأتي بشيء لا هو في لهجات الخطاب، ولا هو في اللغة الفصحى. وليس ما فعله إلا نوعا من أنواع القياس الخاطئ.
وعلى هذا النحو يمكن تفسير همز ما ليس أصله الهمز، في خبر الفراء السابق؛ لأن أولئك الطائيين يتركون الهمز في كلامهم -كما سبق أن عرفنا- فيقولون مثلا: فقيت عينه، ووجيت بطنه، بلا همز، ولكنهم يسمعون اللغة الأدبية في شعر الشعراء، ومواقف الجد من القول، وفيها: فقأت عينه، ووجأت بطنه، بالهمز، فيقولون بناء على هذا: حلأت السويق، ولبأت بالحج، ورثأت الميت، عن طريق القياس الخاطئ، مبالغة في التفصح، بدلا من: حليت ولبيت ورثيت. كما يمكن فهم ما روي عنهم من أنهم كانوا يهمزون: "السؤدد"١، وهو من سوَّدته، أي جعلته سيدا، فلا أثر للهمز في أصله. وبمثل هذا أيضا يمكن أن يفسر الهمز عند طيئ للألف المقصورة، في مثل: "حُبْلَأ" بدلا من: "حُبْلَى"٢.
٢- جهر السين والصاد:
السين والصاد من الأصوات الأسنانية اللثوية، المهموسة أي التي
стр. 214
لا تتذبذب معها الأوتار الصوتية. والسين هي مرقق الصاد، والصاد هي مفخم السين.
وقد روي عن قبيلة طيئ أنها كانت تجهر الصوتين، أي تجعل الأوتار الصوتية، تتذبذب معهما، وقد دل اللغويون على هذا الجهر فيهما بقلبهما زايا، فقالوا: إن طيئا تقول في: سقر: زقر، وفي الصقر: زقر، وفي الصراط: زراط. والزاي هي المقابل المجهور للسين. أما المقابل المجهور للصاد، فهو الزاي المفخمة التي تشبه نطق العوام للظاء، في مثل كلمة: ظلم.
وأغلب الظن أن الطائيين كانوا ينطقون الصاد نطقا مماثلا لهذا النطق، غير أن اللغويين دلوا عليه بالزاي المرققة، لعدم وجود رمز للزاي المفخمة في الكتابة العربية، وإن كان هؤلاء اللغويون يتحدثون عما يسمونه بإشمام الصاد صوت الزاي، فقد قرأ كل من حمزة والكسائي وخلف ورويس قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ ١، وقوله : ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ ٢ فإشمام الصاد زايا. وقد سمى ابن سينا هذا النطق: "الزاى الظائية" وقال عن نطقها: "يكون وسط اللسان فيها أرفع، والاهتزاز في طرف اللسان خفي جدا"٣.
ويزعم ابن الكلبي أن هذه الظاهرة تسمى: "الرسو" و"التمعدد"، وهو يفسر قول حاتم طيئ:
إلههم ربي وربي إلههم ... فأقسمت لا أرسو ولا أتمعدد
стр. 215
قال: الرسو أن يقال للصقر: زقر، ولسقر: زقر، وللصراط: زراط، وللصقعب: زقعب ... قال: وسمعت أبا أسماء وغير واحد من طيئ يقولون: اللهم إنا نعوذ بك من شر زقر. وهذا كلام معد، فلذلك قال: لا أتمعدد"١.
ومع أن حاتما الطائي ينفي هذه الظاهرة عن نفسه -إن صح تفسير ابن الكلبي للبيت- فقد روي أنه هو نفسه قد قلب الصادر زايا، في حكاية رواها لنا مؤرج السدوسي، فقال: "وكانت عنزة أسروا حاتم طيئ، فغزت رجالهم، وتُرك مع النساء والضعفة من الرجال، فقالوا له: افصد لنا، فقام إلى ناقة فعقرها، فقالوا له: أهكذا الفصد؟ وأوجعوه ضربا. قال: هكذا فزدي أنه، يريد: فصدى أنا"٢.
ويقيد أبو الطيب اللغوي، انقلاب الصادر زايا في لغة طيئ، بسكونها؛ إذ يقول: "ويقال: هي المزدعة والمصدغة، للمخدة. وطيئ تقلب كل صاد، ساكنة زايا. قال الأصمعى: كان حاتم الطائي أسيرا في عنزة، فجاءته النساء بناقة ومفصد، وقلن له: افصد هذه الناقة، فأخذ المفصد فلتم في سبلتها، أي نحرها، وقال: هكذا فزدي أَنَهْ، أي: فصدى أنا"٣.
стр. 216
٣- قلب الياء والواو في مثل: "بَقِيَ" و"سَرُو" ألفا.
من المعروف في اللغة العربية الفصحى، أن الياء والواو إذا تحركتا وفتح ما قبلهما، قلبتا ألفين، مثل: سَعَى، وأصلها: سَعَيَ، دعا، وأصلها: دَعَوَ. فإن كان ما قبلهما مكسورا أو مضموما، لم تقلب واحدة منهما ألفا. ولذلك بقيت الياء في مثل: "رضي" والواو في مثل: "سرو" لاختلال شرط الفتح قبلهما.
أما قبيلة طيئ، فإنها تطرد الباب على وتيرة واحدة، ولطيئ توسع في اللغات"١ كما روي عنها، فهي هنا تطرد الباب على وتيرة واحدة، فتقلب كل ياء أو واو متحركة ألفا، بشرط تحرك ما قبلها على الإطلاق، دون تخصيص هذه الحركة بالفتح. قال الجوهري: "وطيئ تقول: بقا وبقت، مكان: بقي وبقيت. وكذلك أخواتها من المعتل"٢.
كما يقول القزاز القيرواني: "ومما يجوز للشاعر أن يقول في دُهِيَ: دُهَا، وهي لغة لطيئ. وكذلك يجوز له أيضا أن يفعل في الواو. وحُكي أن ذلك في طيئ أيضا، وأنهم يقولون في قرنوة وعرقوة: قرناة وعرقاة، فيصنعون في الواو ما صنعوا في الياء من البدل"٣.
ويمتلئ شعر الطائيين بهذه الظاهرة، ويتضح ذلك بصورة خاصة في شعر زيد الخيل الطائي، فمن ذلك قوله:
стр. 217
أفي كل عام مأتم تبعثونه ... على محمر ثوبتموه وما رُضَا١
وكذلك قوله:
تجدون خمشا بعد خمش كأنه ... على فاجع من خير قومكم نُعَا٢
وقوله كذلك:
لعمرك ما أخشى التصعلك ما بَقَا ... على الأرض قيسي يسوق الأباعرا٣
وقوله أيضا:
فردوا علينا ما بَقَا من نسائنا ... وأبنائنا واستمتعوا بالأباعر٤
وقوله:
فلولا زهير أن أكدر نعمة ... لقاذعت كعبا ما بَقَيْتُ وما بَقَا٥
وقوله:
فليت أبا شريح جار عمرو ... حَيَا عوف وغيبه القبور٦
стр. 218
وقوله:
نصول بكل أبيض مشرفي ... على اللاتي بَقَا فيهن ماء١
كما يقول جوين بن عامر الطائي:
وأسمر مربوع رَضَاه ابن عازب ... فأُعْطَى ولم ينظر ببيع حلال٢
وكذلك يقول البولاني٣.
نستوقد النبل بالحضيض ونصـ ... ـطاد نفوسا بُنَتْ على الكرم٤
كما قال رجل من طيئ:
إذا لم يكن مال يرى شنفت له ... صدور رجال قد بَقَا لهم وفر٥
وهذه الظاهرة، وإن عزيت في المصادر العربية إلى طيئ وحدها، فإننا نجد لها أمثلة لدى شعراء من قبائل أخرى غير قبيلة طيئ، فمثلا يقول بشر بن أبي خازم الأسدي:
بدعلبة براها النص حتى ... بلغت نضارها وفَنَا السنا٦
ومثله قول طفيل الغنوي:
لزجرت قلبا لا يريع إلى الصبا ... إن الغوي إذا نُهَا لم يُعْتِبِ٧
стр. 219
وكذلك قال طفيل الغنوي:
فلما فَنَا ما في الكنائن ضاربوا إلى ... القرع من جلد الهجان المجوب١
كما يقول المستوغر بن ربيعة التميمي:
هل ما بَقَا إلا كما قد فاتنا ... يوم يكر وليلة تحدونا٢
ويقول زهير بن أبي سلمى المزني:
تربع صارة حتى إذا ما ... فَنَا الدحلان عنه والإضاء٣
ويقول معن بن أوس المزني:
أعاذل هل يأتي القبائل حظها ... من الموت أم أُخْلَا لنا الموت وحدنا٤
كما يقول كلثوم بن صعب "؟ ":
فليت غدا يوم سواه وما بَقَا ... من الدهر ليل يحبس الناس سرمدا٥
وقد فطن إلى ذلك بعض علماء العربية، كابن سلام الذي يقول: "بقا وفنا لغتان لطيئ، وقد تكلمت بهما العرب، وهما في لغة طيئ أكثر"٦، كما يقول ابن دريد: "وما رُضَا في معنى: ما رَضِيَ، وهي لغة لطيئ، وقد تكلم بها بعض العرب"٧، غير أنها "لغة فاشية في طيئ"٨. وبعض هؤلاء الشعراء من قبائل تجاور طيئا، كبشر بن أبي خازم الأسدي، كما أن زهير بن أبي سلمى كان متزوجا من طائية٩.
стр. 220
وقد رويت لنا بعض أبيات الشعر، وفيها هذه الظاهرة، بلا نسبة لشاعر معين، فيمكن لذلك أن تكون لبعض الطائيين أو لغيرهم، فمن ذلك قول الشاعر:
ألا ليت عمي يوم فرق بيننا ... سُقَا السم ممزوجا بشب يماني١
وقول لآخر:
لم تلق خيل قبلها ما قد لَقَتْ ... من غب هاجرة وسير مسأد٢
وقول امرأة:
يا من بمقلته زُهَا الدهر ... قد كان فيك تضاءل الأمر٣
وبعض شعراء طيئ كانوا يحرصون على طريقة العربية الفصحى في هذه الظاهرة، فلا يقبلون الياء ألفا، إلا إذا فتح ما قبلها، كحاتم الطائي الذي يقول:
كريم لا أبيت الليل جاذ ... أعدد بالأنامل ما رزيت
إذا ما بت أشرب فوق ريي ... لسكرت في الشراب فلا رويت
إذا ما بت أختل عرس جاري ... ليخفيني الظلام فلا خفيت
أأفضح جارتي وأخون جاري ... معاذ الله أفعل ما حييت٤
كما يقول كذلك:
تبع ابن عم الصدق حيث لقيته ... فإن ابن عم السوء إن سر يُخلف٥
стр. 221
ولم تقتصر هذه الظاهرة على الأفعال المعتلة عند طيئ، فإنهم يقلبون كل ياء ألفا، إذا تحركت وتحرك ما قبلها في الأسماء كذلك، فيقولون: ناصاة١، وباداة٢، وتوصاة٣، وخظاه بظاة٤، وفالاة٥، وباناة٦ وباقاة٧، وأوداة٨، في: ناصية، وبادية، وتوصية، وخظية بظية، وفالية، وبانية، وباقية، وأودية.
وقد ورد بعض ذلك في شعر طيئ، كقول حريث بن عتاب الطائي:
لقد آذنت أهل اليمامة طيئ ... بحرب كناصاة الحصان المشهر٩
ومثل ذلك قول حاتم الطائي:
فقلت لأصباة صغار ونسوة ... بشهباء من ليل الثمانين قرت١٠
يريد: أصبية، جمع: "صبي".
стр. 222
وقد وردت هذه الظاهرة في شعر امرئ القيس كذلك في قوله:
رب رامٍ من بني ثغل ... مخرج كفيه من ستره
عارض زوراء عن نشم ... غير باناة على وتره١
يريد: غير بانية. والبانية من القسي، التي لصق وترها بكبدها حتى كاد ينقطع وترها في بطنها من لصوقة بها، وهو عيب فيها.
ويبدو حرص حاتم الطائي على استخدام العربية الفصحى مرة أخرى، في قوله:
يا كعب إنا قديما أهل رابية ... فينا الفعال وفينا المجد والخير٢
٤- ألف المقصور ياء:
روي لنا عن قبيلة طيئ أنهم كانوا يقولون في مثل: أَفْعَى وحُبْلَى، وغيرهما مما ينتهى في العربية الفصحى بالألف المقصورة، أَفْعَيْ وحُبْلَيْ، بالياء في الوقف والوصل. ويشارك طيئا فزارة وناس من قيس، في هذه الظاهرة في الوقف فقط، قال سيبويه: "قول بعض العرب في أَفْعَى: هذه أَفْعَىْ، وفي حُبْلَى: هذه حُبْلَيْ وفي مُثَنَّى: هذا مُثَنَّيْ، فإذا وصلت صيرتها ألفا، وكذلك كل ألف في آخر الاسم. حدثنا الخليل وأبو الخطاب أنها لغة لفزارة وناس من قيس، وهي قليلة: فأما الأكثر والأعرف فأن تدع الألف في الوقف على حالها، ولا تبدلها ياء، فإذا وصلت استوت اللغتان ... وأما طيئ فزعموا أنهم يدعونها في الوصل على حالها في الوقف"٣.
стр. 223
كما يقول أبو علي الفارسي: "الياء في الأواخر وقعت موقع الألف في الوصل والوقف، وذلك لغة طيئ فيما حكاه "سيبويه" عن أبي الخطاب وغيره من العرب، وذلك قولهم في أَفْعَى: أَفْعَيْ ... كما أن ناسا يقولون: أفعيْ في الوقف، فإذا وصلوا قالوا: رأيت الأفعى فاعلم. وجعلت طيئ الحرف في الوصل والوقف ياء"١.
ويرى علماء العربية أن الألف المقصورة هي الأصل، وأن الياء في مثل: حبليْ وأفعيْ، في لهجة طيئ وغيرها، ليست إلا انقلابا لتلك الألف، انظر مثلا إلى قول ابن جني: "ومنهم من يبدل هذه الألفات في الوقف ياء"٢.
غير أن الاطلاع على اللغات السامية من جانب، وتحكيم القوانين الصوتية من جانب آخر يدلان على أن مثل: حبليْ وأفعيْ بالياء، أسبق في سلسلة التطور اللغوي من: أفعى وحبلى بالألف.
فإن النظر إلى الأفعال الناقصة، مثل: رمى ودعا، وهي تماثل في صورتها هذه، صورة الأسماء المقصورة في الفصحى، يرينا أنها في أصلها الأول في اللغات السامية، كانت تتصرف تصرف الصحيح تماما. والدليل على ذلك وجود هذا الأصل القديم في اللغة الحبشية الجعزية، وهي إحدى اللغات السامية، ففيها مثلا يقال: "صَحَوَ" في: صحا، و"تَلَوَ" في: تلا، و"رَمَيَ" في: رمى. وليس الأمر مقصورا في الحبشية على الأفعال
стр. 224
الناقصة، بل إن الأفعال الجوفاء، يعامل شيء منها معاملة الصحيح كذلك، فيقال فيها مثلا: "دَيَنَ" في: دان، و"بَيَنَ" في: بان، وغير ذلك١.
ولم تبق من هذه المرحلة في اللغات السامية الأخرى إلا بقايا قليلة في العربية، من الأفعال الجوفاء، مثل: حَوِرَ، وعَوِرَ، وهَيِفَ، واستحوذ، واستنوق، وغيرها. وإذا رجعنا بالاسم المقصور إلى هذه المرحلة القديمة فإنه يكون مثل: هُدَيٌ، وفَتَيٌ، وعَصَوٌ، وقَفَوٌ، وما إلى ذلك.
أما المرحلة الثانية في تطور الأفعال المعتلة والأسماء المقصورة، فهي مرحلة التسكين، أو سقوط الحركة بعد الواو والياء للتخفيف، فيصبح الفعل على نحو: قَضَيْ ودَعَوْ، كما تصبح الأسماء المقصورة على نحو: أَفْعَيْ وعَصَوْ.
وقد فطن العلامة "ابن جني" بحسه اللغوي، إلى ضرورة وجود هذه المرحلة في طريق تطور الأفعال المعتلة، فقال: "ومن ذلك قولهم: "إن أصل قام: قَوَمَ، فأبدلت الواو ألفا، وكذلك باع، أصله: بيع، ثم أبدلت الياء ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو لعمري كذلك، إلا أنك لم تقلب واحدا من الحرفين، إلا بعد أن أسكنته، استثقالا لحركته، فصار إلى: قَوْمَ وبَيْعَ"٢.
وقد بقيت هذه المرحلة عند قبيلة طيئ، فيما روي لنا من الأمثلة السابقة: أَفْعَيْ وحُبْلَيْ ومُثَنَّيْ وغيرها. وقد كنا في انتظار أن يظهر الفرق
стр. 225
بين الأصل الواوي، والأصل اليائي في المقصور في هذه الحالة، ويبدو أن تلك كانت الحال في بداية الأمر، فكان يقال: هذه حُبْلَيْ وهذه عَصَوْ.
ولكن يبدو أن بعض طيئ قد قاست الواوي على اليائي، فقالت في الجميع: حُبْلَيْ وعَصَيْ، على حين قاس ناس منهم اليائي على الواوي، فقالوا: حُبْلَوْ وعَصَوْ، يقول أبو علي الفارسى: "الياء يبدلها من الألف في الوقف والوصل طيئ، والواو يبدلها منها بعض طيئ"١. كما يقول ابن جني: "ومنهم من يبدل هذه الألفات في الوقف ياء، فيقول: هذه عَصَيْ، ورأيت حُبْلَيْ، وهذه رَجَيْ، أي الناحية، يريد: رَجا. ومنهم من يبدلها في الوقف أيضا واوا، فيقول: هذه عَصَوْ وأَفْعَوْ وحُبْلَوْ"٢.
ويبدو أن بعض الأفعال المعتلة، قد وصلت إلى هذه المرحلة عند طيئ كذلك يدلنا على هذا، ذلك الرجز الذي يساق في المصادر العربية، للاستشهاد على قلب ألف المقصور ياء عند طييئ. وأغلب الظن أنه لواحد من رجازهم، يقول:
إن لطي نسوة تحت الغَضَيْ ... يمنعهن الله ممن قد طَغَيْ
بالمشرفيات وطعن بالقَنَيْ٣
يريد: الغضا، وطغى، والقنا.
ووصول المقصور إلى هذه المرحلة عند طيئ وغيرها، هو الذي
стр. 226
يفسر لنا صورة هذه المقصور عندهم، عندما يضاف إلى ياء المتكلم؛ إذ كانوا يقولون في مثل: هَوَايَ وهُدَايَ: هَوَىَّ "هَوَيْ + يَ" وهُدَيَّ "هُدَىْ + يَ" وغير ذلك.
ففي حديث طلحة بن عبيد الله: "فوضعوا اللج على قفيَّ" يعني السيف على قفاي١، فقد نصت المصادر على أن: "قفيَّ" هنا لغة طائية، وقالوا: وكانت عند طلحة امرأة طائية".
وقالوا: "وكانت عند طلحة امرأة طائية".
وقد عرفت هذه الظاهرة عند غير طيئ كذلك، قال الفراء: "وهي لغة في بعض قيس وهذيل: يا بُشْرَيَّ، كل ألف أضافها المتكلم إلى نفسه، جعلها ياء مشددة، أنشدنى القاسم بن معن "لأبي ذؤيب الهذلي":
تركوا هَوَيَّ وأعتقوا لهواهم ... ففقدتهم ولكل جنب مصرع
وقال لي: بعض بني سليم: آتيك بموليَّ فإنه أروى منى. قال: أنشدنى المفضل "للمنخل اليشكري":
يطوف بي عكب في معد ... ويطعن بالصملة في قفيَّا
فإن لم تثأروا لي من كعب ... فلا أوريتما أبدا صديَّا٢
فهذا النص للفراء يعزو الظاهرة لبعض قيس وهذيل وبعض بني سليم ولليشكريين كذلك. وقد صدق ابن جني حين قال: "هذه لغة فاشية في هذيل وغيرهم"٣.
стр. 227
ومما يصدق هذا أيضا، ورودها في بيت لأبي داود الإيادي، وهو:
فأبلوني بليتكم لعلِّي ... أصالحكم وأستدرج نَوَيَّا١
وبيت آخر لأبي السود الدؤلي "من بكر" وهو:
أحبهم لحب الله حتى ... أجيء إذا بعثت على هَوَيَّا٢
كان هذه كله في المرحلة الثانية من مراحل: تطور المقصور والأفعال المعتلة في العربية واللغات السامية، أما المرحلة الثالثة، فهي تلك المرحلة التي تسمى في عرف اللغويين المحدثين: "انكماش الأصوات المركبة"٣.
والأصوات المركبة في العربية هي الواو والياء المسبوقتان بالفتحة، في مثل: "قَوْل" و"بَيْت" فإن الملاحظ في تطور اللغات هو انكماش هذه الأصوات، وتحولها إلى حركات ممالة، مثل قولنا في العامية، يُوم، وصُوم، ونُوم، بدلا من: يَوْم، وصَوْم، ونَوْم. ومثل قولنا كذلك، بَيِت، ولَيِل، وعَيِن، بدلا من: بَيْت ولَيْل، وعَيْن.
وهذه المرحلة هي الشائعة في اللغة الحبشية في الأفعال الجوفاء، ففيها مثلا: "قُومَ" بمعنى: قام، و"شِيَط" بمعنى: باع، وغير ذلك. كما توجد هذه المرحلة أيضا، في اللهجات العربية التي تميل، في مثل قوله تعالى:
стр. 228
"والضحى، والليل إذا سجى، ما ودعك ربك، وما قلى" في قراءة من أمال١.
أما المرحلة الرابعة والأخيرة في تطور الأسماء المقصورة، والأفعال الناقصة والجوفاء، فتتمثل في التحول من الإمالة إلى الفتح الخالص، ونحن نلحظ ذلك في تطور عبارة: "السلام عليكم" إلى: "السلام علاكم" في بعض لهجات الخطاب القديمة والحديثة، فقد مرت هذه اللهجات بالإمالة أولا، ثم الفتح الخالص.
ونحن نلحظ مثل هذا التطور في العربية القديمة، في قول بعض العرب: "إن الرجز لعاب، أي لعيب. والرجز: ارتعاد مؤخر البعير"٢، كما جاء في قولهم: "تبت إليك فتقبل تابتي، وصمت إليك فتقبل صامتي، أي توبتي وصومتي. ذكره الواحدي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ .
قال ابن عباس ﵄: هي لغة بلحارث بن كعب، وهي قبيلة من اليمن"٣، وهي تلك القبيلة التي روي لنا عنها أنها كانت تلزم المثنى الألف في جميع أحواله٤، فقد قال أبو زيد الأنصاري في تفسير قول الراجز:
طارت علاهن فشل علاها
"وعلاها" أراد: عليها. ولغة بلحارث بن كعب قلب الياء الساكنة، إذا
стр. 229
انفتح ما قبلها ألفا، يقولون: أخذت الدرهمان، واشتريت ثوبان، والسلام علاكم. وهذه الأبيات على لغتهم"١.
وهذا الطور الأخير، هو الذي وصلت إليه العربية، في المقصور والناقص والأجوف، في نحو: الفتى والهدى، وحبلى وأفعى، ودعا وسعى، وقام وباع، وغير ذلك.
٥- لغة أكلوني البراغيث:
من المعروف في العربية، أن الفعل يجب إفراده دائما، حتى وإن كان فاعله مثنى أو مجموعا، أي أنه لا تتصل به علامة تثنية ولا علامة جمع، للدلالة على تثنية الفاعل أو جمعه، فيقال مثلا: "قام الرجل" و"قام الرجلان" و"قام الرجال"، بإفراد الفعل: "قام" دائما؛ إذ لا يقال في الفصحى مثلا: "قاما الرجلان" ولا "قاموا الرجال".
تلك هي القاعدة المطردة في العربية الفصحى، شعرا ونثرا. أما قبيلة طيئ، فقد روي لنا عنها٢ أنها كانت تلحق الفعل علامة تثنية للفاعل المثنى، وعلامة جمع للفاعل المجموع. وتُعرف هذه الظاهرة عند النحاة العرب، بلغة "أكلوني البراغيث".
стр. 230
وقد سبق أن عرفنا أن هذه اللغة هي الأصل في اللغات السامية١، كما عرفنا أن هناك ركاما لغويا كثيرا من هذه الظاهرة، في القرآن الكريم، والحديث الشريف، والشعر العربي القديم.
وقد استمرت هذه الظاهرة في أشعار المولدين من الطائيين وغيرهم، فها هو أبو تمام الطائي، يمتلئ ديوان شعره بالأبيات التي جاءت على هذه اللغة، مثل قوله:
شجى في الحشى ترداده ليس يفتر ... به صُمْنَ آمالي وإني لمفطرُ
وقد قال عنه أبو العلاء المعري في هذا الموضع٢: "يبين في كلام الطائي أنه كان يختار إظهار علامة الجمع في الفعل، مثل قوله: صمن آمالي، ولو قال: صام آمالي لاستقام الوزن. وقد جاء بمثل ذلك في غير هذا الموضع".
ومن أمثلة ذلك في شعره أيضا.
وغدا تبين كيف غب مدائحي ... إن مِلْنَ بي هممي إلى بغداد٣
ومنها كذلك قوله:
ولو كان الأرزاق تجري على الحجا ... هَلَكْنَ إذن من جهلهن البهائم٤
стр. 231
وقد جاءت بعض أمثلة هذه الظاهرة في شعر المتنبي، فمن ذلك قوله:
ورمى وما رمتا يداه فصابني ... سهم يعذب والسهام تريح١
وقال كذلك:
نفديك من سيل إذا سئل الندى ... هول إذا اختلطا دم ومسيح٢
وإذا كانت العربية الفصحى، قد تخلصت رويدا رويدا من هذه الظاهرة فإن بقاياها ظلت حية، عند بعض القبائل العربية القديمة، كقبيلة طيئ. وقد حُكيت لنا هذه اللغة كذلك عن قبيلة: "بلحارث بن كعب"٣، وقبيلة: "أزد شنوءة"٤، وهما من القبائل اليمنية، التي تمت لأصل قبيلة طيئ بصلة٥.
٦- ذو الموصولة:
تستخدم قبيلة طييء "ذو" اسما موصولا. وهم اسم موصول قديم في اللغات السامية، منه بقايا في لغة الشعر العبرية٦. ومن أمثلته فيها: Halo adonay zu Hatanu lo "أليس الرب الذي أخطأنا إليه"٧.
стр. 232
وقد ورد كذلك في نفش عربي قديم، هو "نقش النمارة"، الذي اكتشفه المستشرق "رينيه ديسو"، في مدفن امرئ القيس بن عمرو بن عدي ويرجع تاريخه إلى سنة ٣٢٨ بعد الميلاد، ففي السطر الأول من هذا النقش، نقرأ الجملة التالية: "تي نفس مر القيس بر عمرو ملك العرب كله ذو أسر التج"، وهي تعني: "هذا قبر امرئ القيس بن عمرو ملك العرب كلها الذي حاز التاج"١.
وقد شاع استخدام "ذو" هذه في كلام أهل طيئ، اسما موصولا عاما للمفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث، بصورة واحدة لا تتغير في كل ذلك٢.
وهي كثيرة الورود بهذه الصورة في أشعار طيئ، فمن أمثلة ذلك قول سنان الفحل الطائي:
فإن الماء ماء أبي وجدي ... وبئري ذو حفرت وذو طويت٣
وقول قيس بن جروة الطائي الملقب بعارق:
لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم ... لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه٤
стр. 233
وقول قوّال الطائي:
قولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا ... هلم فإن المشرفي الفرائض١
وقوله كذلك:
أظنك دون المال ذو جئت تبتغي ... ستلقاك بيض للنفوس قوابض٢
وقول ملحة الجرمي الطائي:
يغادر محض الماء ذو هو محضه ... على إثره إن كان للماء من محض
يروي العروق الهامدات من البلى ... من العرفج النجدي ذو باد والحمض٣
وقول حاتم الطائي:
إذا ما أتى يوم يفرق بيننا ... بموت فكن يا وهم ذو يتأخر٤
وقوله كذلك:
ومن حسد يجور عليَّ قومي ... وأي الدهر ذو لم يحسدوني٥
وقوله أيضا:
كلوا ما به خضرا وصفرا ويانعا ... هنيئا وخير النفع ذو لا يكدر٦
стр. 234
كما قال رجل من طيئ أدرك الإسلام:
فإن بيت تميم ذو سمعت به ... فيه تنمت وأرست عزها مضر١
وقد وردت هذه الظاهرة كذلك في شعر رجل من بني أسد "وقبيلة أسد تجاور طيئا" وهو منظور بن سحيم الفقعسي الأسدي، في قوله:
فإما كرام موسرون أتيتهم ... فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا٢
كما وردت هذه الظاهرة أيضا في أمثال قبيلة طيئ، نحو قولهم: "أتى عليهم ذو أتى"٣، أي: أتى عليهم الذي أتى على الناس، وهو الموت.
وجاءت كذلك في قول زيد الخيل الطائي لبني فزارة، وذكر عامر بن الطفيل: "إني أرى في عامر ذو ترون"٤. ويروي الجاحظ عن الأصمعي أنه قال: "قال أبو سليمان الفقعسي لأعرابي من طيئ: أبامرأتك حمل؟ قال: لا وذو بيته في السماء، ما أدري! والله ما لها ذنب تشتال به، وما آتيها إلا وهي ضبعة"٥.
كما وردت "ذو" الموصولة أيضا، على لسان "حذيفة بن سور العجلاني" حين قابل الأصمعي، فسأله من هو؟ قال الأصمعي: أنا عبد الملك بن قريب الأصمعي. فقال حذيفة: ذو يتتبع الأعراب، فيكتب ألفاظهم؟ "٦.
стр. 235
ويبدو أن قبيلة طيئ، لم تكن كلها تجعل ذو الموصولة، ملازمة لحالة واحدة دائما، فقد كان بعض الطائيين يجريها مجرى "ذي" بمعنى صاحب، فيقيسها عليها، ويعربها بالحروف. قال المرادي: "وبعض طيئ يعرب "ذو" الطائية، إعراب التي بمعنى: صاحب، فيقول: جاء ذو قام، ورأيت ذا قام، ومررت بذي قام"١ وقد حكى ذلك ابن الدهان أيضا٢. وعلى لغة هؤلاء روي قول منظور بن سحيم السابق:
فإما كرام موسرون أتيتهم ... فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا٣
كما أن بعض الطائيين، يفرق بين المذكر والمؤنث في الموصول، فيجعل "ذو" للمذكر مطلقا، مفردا ومثنى ومجموعا، و"ذات" للمؤنث مطلقا، مفردا ومثنى ومجموعا كذلك٤، قال ابن الشجري: "وذو موحدة على كل حال في التثنية والجمع، وكذلك ذات موحدة مضمومة في كل حال"٥. وحكى هذه اللغة الجزولي٦.
وقد جاء عليها ما رواه الفراء في كتابه: "لغات القرآن" من أنه سمع
стр. 236
أعرابيا من طيئ يسأل ويقول: "بالفضل ذو فضلكم الله به، وبالكرامة ذات أكرمكم الله به"١، أي بها.
وبعض هؤلاء الطائيين، يصرف هذا الاسم تصريفا كاملا، يختلف في المفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث٢، فيقول: هذا ذو نعرف، وهذان ذوا نعرف، وهؤلاء ذوو نعرف، وهذه ذات نعرف، وهاتان ذواتا نعرف، وهؤلاء ذوات نعرف. ويضمون التاء من: "ذات" و"ذوات" على كل حال.
وأنشد الفراء على هذه اللغة، قول رؤبة بن العجاج:
جمعتها من أينق موارق ... ذوات ينهضن بغير سائق٣
وخلاصة القول في هذه المسألة، أن طيئا تنقسم في "ذو" الموصولة، على أربع فرق:
الأولى: توحد "ذو" دائما وتبنيها على الضم.
الثانية: توحد "ذو" دائما، وتعربها إعراب "ذي" بمعنى: صاحب.
الثالثة: تجعل "ذو" لمفرد المذكر ومثناه وجمعه، و"ذات" لمفرد المؤنث ومثناه وجمعه.
стр. 237
الرابعة: تصرف "ذو" على حسب الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث.
والفرقة الأولى، تمثل الظاهرة في صورتها القديمة، بدليل ما في العبرية، والنقوش العربية القديمة. وما عند غير هذه الفرقة، تطور لعب فيه القياس اللغوي دورا كبيرا.
٧- الوقف على تاء التأنيث:
من المعروف أن العربية الفصحى، تقف على تاء التأنيث في الاسم بالهاء١، ولكن قبيلة طيئ وحدها، من بين القبائل العربية القديمة، كانت تقف على هذه التاء بغير إبدال، فتبقيها تاء كحالتها في الوصل سواء بسواء، "قال الفراء: والعرب تقف على كل هاء مؤنث بالهاء إلا طيئا، فإنهم يقفون عليها بالتاء، فيقولون: هذه أَمَتْ، وجَارِيَتْ، وطَلْحَتْ"٢.
وقد ذكر سيبويه هذه الظاهرة، وإن لم يسم القبيلة التي تخصها، وروى ذلك عن أبي الخطاب الأخفش، فقال: "وزعم أبو الخطاب أن ناسا من العرب يقولون في الوقف: طلحت، كما قالوا في تاء الجميع قولا واحدا في الوقف والوصل"٣.
стр. 238
وعلى هذه اللغة، جاء قول بعضهم: "وعليه السلام والرحمتْ"١، وقول أبي النجم العجلي:
الله نجاك بكفي مَسْلَمَتْ ... من بعدما وبعدما وبعد مت
صارت نفوس القوم عند الغَلْصمَتْ ... وكادت الحرة أن تُدعَى أَمَتْ٢
وقول سور الذئب:
بل جوز تيهاء كظهر الحَجَفَتْ٣
وهذا الذي تصنعه قبيلة طيئ، هو ما يوجد في اللغتين: الأكادية والحبشية٤ من اللغات السامية، أخوات اللغة العربية. وهو يروى كذلك عن اللغة الحميرية، قال ابن منظور: "والوثب: القعود، بلغة حمير، يقال: ثِبْ، أي: اقعد. ودخل رجل على ملك من ملوك حمير، فقال له الملك: ثب، أي اقعد، فوثب فتكسر، فقال الملك: ليست عندنا عَرَبِيَّتْ، من
стр. 239
دخل ظفار حمر، أي تكلم بالحميرية. وقوله: عربيت، يريد: العربية، فوقف على الهاء بالتاء، وكذلك لغتهم"١.
وقد حدث ذلك أيضا في كثير من المؤنثات العربية، التي دخلت اللغة التركية، ولذلك كتبها الأتراك بالتاء المفتوحة، ومنها كثير من الأعلام العربية، التي جاءتنا من تركيا بصورتها الجديدة، مثل: طلعت، وعزت، وألفت، وقسمت، ونعمت، وحشمت، ومدحت، وعفت، وبهجت، وعصمت، وشوكت، ومرفت، وثروت، وغيرها.
فهذه الأعلام ليست في الحقيقة، إلا الصورة التركية، للمصادر والأسماء العربية التالية: طلعة، وعزة، وألفة، وقسمة، ونعمة، وحشمة، ومدحة، وعفة، وبهجة، وعصمة، وشوكة، ومرفة، وثروة، ونحوها.
غير أن المصادر العربية، تروي لنا كذلك أن قبيلة طيئ، كانت تقف على تاء جمع المؤنث السالم وما يماثلها بالهاء، وهذا ما يحكيه قطرب عنهم٢، فقد سمع بعضهم يقول: "دفن البناه من المكرماه" يريد: دفن البنات من المكرمات، ويقول: "كيف الإخوة والأخواه" يريد: كيف الإخوة والأخوات. ومثل ذلك أيضا قولهم: "هيهاه" و"أولاه" في: هيهات وأولات٣.
стр. 240
ويبدو أن ذلك لم يكن لغة لهم جميعا، بدليل قول بعض المصادر العربية في عرض هذه الظاهرة: "وسمع إبدالها هاء في قول بعضهم"١.
ونحن نفترض في بعض هؤلاء الطائيين، أنهم كانوا يقفون على تاء التأنيث في المفرد بالهاء٢، كما في العربية الفصحى تماما، غير أن هؤلاء القوم قاسوا تاء جمع المؤنث السالم، على تاء تأنيث المفرد، ولا سيما تلك التاء التي تقع في المفرد بعد ألف، مثل تاء: صلاة، وزكاة، وحياة، وقناة، وأداة، وأناة، ونجاة، وحماة، وفلاة، ووفاة، وحصاة، ونواة، وفتاة، ودواة، ومهاة، وغيرها.
وقد فطن إلى هذا، الشيخ خالد الأزهري، فقال وهو يتحدث عن المثال: دفن البناه من المكرماه: "بإبدال تاء الجمع هاء في الوقف، تشبيها بتاء التأنيث الخالصة"٣.
وفي بعض اللهجات العربية المعاصرة، كلهجة "القصيم" في الجزيرة العربية، قياس عكسي في هذه الظاهرة؛ إذ يقف الناس في لهجات الخطاب هناك على تاء التأنيث المسبوقة بالألف في المفرد، بالتاء، قياسا على الوقف على تاء جمع المؤنث السالم بالتاء.
стр. 241
الفصل الثاني: من امتداد اللهجات العربية القديمة في بعض اللهجات المعاصرة
في ظن كثير من الناس أن اللهجات الحية المعاصرة في البلاد العربية المختلفة، ليست إلا انحطاطا من العربية الفصحى، وليس هذا الظن إلا وليدا لاعتقادهم بأن العربية الفصحى، كانت هي اللغة الوحيدة السائدة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، وأنها فسدت باختلاطها باللغات المجاورة، عقب الفتوحات الإسلامية.
غير أن ذلك الظن، ليس إلا سرابا خداعا، فقد روي لنا الكثير والكثير جدا، عن تعدد اللهجات العربية القديمة، بتعدد القبائل المختلفة، وهذا يتفق مع ما ينادي به بعض المحدثين من علماء اللغة، من أنه يستحيل على أية مجموعة بشرية تشغل مساحة شاسعة من الأرض، أن تحتفظ في لهجات الخطاب بلغة موحدة.
نعم ... فقد كانت الجزيرة العربية قبل الإسلام، تموج بشتى اللهجات المتباينة، التي يخالف بعضها بعضا، في شيء من الصوت، أو البنية، أو الدلالة، أو التركيب ... ولكن اللغويين العرب، لم يصفوا لنا تلك اللهجات العربية القديمة وصفا دقيقا كاملا في كثير من الأحيان، وذلك لانشغالهم في المقام الأول بالعربية الفصحى، تلك اللغة الأدبية المشتركة، بين مجموع القبائل العربية، والتي كانوا يستخدمونها في مواقف الجد من القول، وينظمون بها أشعارهم، ويصبون فيها حكمهم وأمثالهم، ثم شرفها الله تعالى، فأنزل كتابه الكريم، بأعلى ما تصبو إليه هذه اللغة من فصاحة وبلاغة.
стр. 242
ومنذ ذلك الحين، ارتبطت هذه اللغة بالقرآن الكريم، واجتهد النحاة واللغويون في دراستها، وتحديد معالمها، من نواحي الأصوات، والصيغ والأبنية، والدلالة، وتركيب الجملة، ووظيفة الكلمة في داخل هذا التركيب.
ومع أن الهدف الأساسي عند هؤلاء اللغويين، كان هو محاولة رسم معالم اللغة الأدبية، لغة القرآن الكريم والشعر والخطابة، وغير ذلك من الفنون الأدبية، وهي تلك اللغة التي اصطلحنا على تسميتها بالفصحى، فإننا نراهم يروون لنا في بعض الأحيان، مقتطفات مبتورة، عن تلك اللهجات العربية القديمة، معزوة إلى أصحابها حينا، وغير معزوة حينا آخر، ومختلطة بالفصحى كذلك في بعض الأحيان.
وتمتلئ المصادر العربية القديمة، بالحديث عن كثير من خصائص هذه اللهجات القديمة، كفحفحة هذيل، وعنعنة تميم، وتلتلة بهراء، وكشكشة ربيعة، وكسكسة هوزان، وقطعة طيئ، وعجعجة قضاعة، وغير ذلك من الظواهر اللهجية، الملقبة بألقاب مختلفة عند اللغويين العرب، كما حدثونا عن شيء كثير من الظواهر، التي لم يلقبوها لهذه القبيلة أو تلك.
وإن من يتأمل هذا الذي روي لنا عن اللهجات القديمة، في بطون المصادر العربية، يخرج بنتيجة صريحة واضحة، وهي أن ما نراه الآن في بعض لهجاتنا الحية المعاصرة، ليس في بعض ظواهره، إلا امتدادا لهذا الذي روي لنا في القديم.
وفيما يلي نضرب بعض الأمثلة على ذلك:
стр. 243
نحن نعرف أن العربية الفصحى، تفتح حرف المضارعة في الثلاثي، في نحو: يكتب، ويفتح ويضرب، ويقول، ويبيع، ويروي، وغير ذلك، على حين نرى كثيرا من اللهجات الحية المعاصرة في البلاد العربية المختلفة تكسر حرف المضارعة في هذه الأمثلة وأشباهها. وهذا عينه هو ما رواه لنا أكثر القدماء١ عن قبيلة "بهراء"، وتعرف هذه الظاهرة عند هؤلاء القدماء باسم: "تلتلة بهراء".
وعزاها صاحب لسان العرب إلى كثير من القبائل العربية، فقال: "وتِعلم، بالكسر: لغة قيس، وتميم، وأسد، وربيعة، وعامة العرب. وأما أهل الحجاز، وقوم من أعجاز هوزان، وأزد السراة، وبعض هذيل، فيقولون: تَعلم، والقرآن عليها. وزعم الأخفش أن كل ما ورد علينا من الأعراب، لم يقل إلا تِعلم بالكسر"٢. ويقول الفراء إن النون في نستعين "مفتوحة في لغة قريش. وأسد وغيرهم يكسرها"٣.
وقد جاءت هذه الظاهرة، في رجز لحكيم بن معية الربعي، وهو:
لو قلت ما في قومها لم تِيثم ... يفضلها في حسب وميسم٤
стр. 244
أي: "لم تأثم"، التي صارت بعد كسر حرف المضارعة: "تِئثم"، وخففت الهمزة فصارت: "تِيثم" كما في البيت.
وقد روى ابن جني بيتا عن أعرابي من بني عقيل، كسرت فيه الهمزة في الفعل: "أخاف"، فقال: وأنشدني عقيلي فصيح لنفسه:
فقومي هم تميم يا مماري ... وجوثة ما إِخاف لهم كثارا
فكسر الهمزة من: "إخاف"١.
كما روى ابن الأنباري بيتا للمرار الفقعسي، كسر فيه التاء من: "تعلم" في قوله:
قد تِعلم الخيل أياما تطاعنها ... من أي شنشنة أنت ابن منظور
وقال بعده: "قال أبو بكر: قال أبي: أنشدنيه أبو جعفر: قد تِعلم، بكسر التاء، وقال: هي لغة بني أسد، يقولون: تِعلم، وإِعلم، ونِعلم، ومثله كثير"٢.
وقد قرئ بهذه اللغة، في بعض القراءات الشاذة، فقد رُوي عن يحيى بن وثاب، والأعمش، وطلحة بن مصرف، وحمزة بن حبيب الزيات، أنهم قرءوا قوله تعالى: "ولا تِركنوا للذين ظلموا فتِمسكم النار" [هود: ١١٣] بكسر التاء في الفعلين. وقال ابن جني في التعليق على هذه القراءة: "هذه لغة تميم، أن تكسر أول مضارع ما ثاني ماضيه مكسور، نحو عَلِمْت تِعْلَم، وأنا إِعْلَم، وهي تِعْلَم، ونحن نِرْكَب. وتقل في الياء، نحو: يِعْلَم، ويِرْكَب، استثقالا للكسرة في الياء، وكذلك ما في أول ماضيه همزة وصل مكسورة، نحو: تِنطلق، ويوم تِسود وجوه وتِبيض وجوه"٣.
стр. 245
وهذه الظاهرة -ظاهرة كسر حرف المضارعة- سامية قديمة، توجد في العبرية١، والسريانية٢، والحبشية٣. والفتح في أحرف المضارعة، حادث في رأيي، في العربية القديمة، بدليل عدم وجوده في اللغات السامية الأخرى، وبدليل ما بقي من الكسر في كثير من اللهجات العربية القديمة.
وهناك دليل ثالث على أصالة الكسر في حروف المضارعة، في اللغات السامية، وهو استمراره حتى الآن في اللهجات العربية الحديثة كلها؛ إذ نقول مثلا: "مين يِقرا ومين يِسمع؟ "، بكسر حرف المضارعة، في لغة التخاطب اليومية، ولم يبق فتح حرف المضارعة في اللهجات الحديثة -فيما أعلم- إلا في لهجة نجد، إذا كانت فاء المضارع ساكنة، مثل: يَرْمي، ويَلْعب، ويَرْكض. ولا يكسر حرف المضارعة في هذه اللهجة، إلا إذا كان ما بعده متحركا، مثل: يِسُوق، ويِنُوم "مضارع: نام"، ويسابق، ويلاكم، ويهاوش، وغير ذلك.
وقد بقيت بعض آثار هذا القديم، في العربية الفصحى نفسها، في بعض الأمثلة؛ إذ يكسر في الفصحى حرف المضارعة، في: "إِخال" بمعنى: "أظن" في كثير من النصوص التي وصلت إلينا. ومن شواهده قول أبي ذؤيب:
فغبرت بعدهم بعيش ناصب ... وإِخالُ أني لاحق مستتبع٤
стр. 246
وقول العباس بن مرداس:
قد كان قومك يحسبونك سيدا ... وإِخالُ أنك سيد معيون١
وقول زهير بن أبي سلمى:
وما أدري وسوف إِخالُ أدري ... أقوم آل حصن أم نساء٢
وقول كعب بن زهير:
أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إِخالُ لدينا منك تنويل٣
وهذا هو ما سميناه هنا من قبل: "الركام اللغوي للظواهر المندثرة في اللغة"، ومعناه أن الظاهرة اللغوية، قبل أن تموت، قد تبقى منها أمثلة، تعين على معرفة الأصل.
ومن الأمثلة التي تؤيد ما نذهب إليه، من أن اللهجات المعاصرة ليست إلا امتدادا لشيء من اللهجات العربية القديمة أيضا، ما يشيع في بعض اللهجات العربية الحديثة، في مصر وغيرها، من استعمال اسم المفعول من الفعل الأجوف اليائي على التمام، أي على وزن مفعول، دون إعلال يطرأ عليه، فيقول الناس في مصر مثلا: "فلان مديون، أي عليه دين، ومريوح، أي ضعيف لا يقدر على حمل الأثقال، ومطيور، أي متسرع في عمله، ومخيول: أي منشغل بما في خياله من أوهام. كما يقال في
стр. 247
بعض البلاد العربية عن الثوب إنه مخيوط، وعن فلان من الناس إنه مهيوب، وعن الشيء إنه معيوب ومبيوع، وعن الحب إنه مكيول ... وغير ذلك.
والعربية الفصحى تُعِل هذه الأسماء وما يشابهها بما يسمى الإعلال بالنقل، فتقول مثلا: مَدِين، ومَخِيط، ومَعِيب، ومَبِيع، ومَكِيل، وغير ذلك.
غير أن هذا الذي قد شاع في اللهجات العامية المعاصرة، ليس إلا لهجة لقبيلة تميم١، من القبائل العربية القديمة. قال البغدادي في التعليق على قول العباس بن مرداس السلمي:
قد كان قومك يحسبونك سيدا ... وإِخالُ أنك سيدا مَغْيُون
"قوله: "مغيون، جاء على لغة تميم. ولغة غيرهم: مَغِين ... ومغيون -بالغين المعجمة- اسم مفعول من قولهم: غِين على قلبه، أي: غُطِّي عليه. وفي الحديث: "وإنه ليغان على قلبي". ولكن الناس ينشدونه بالباء، وهو تصحيف. وقد رُوي بالعين غير المعجمة، أي مصاب بالعين. والأول هو الوجه، وكلاهما مما جاء فيه التصحيح، وإن كان الاعتلال فيه أكثر كقولهم: "طعام مزيوت، وبر مكيول، وثوب مخيوط. والقياس: مَغِين، ومَزِيت، ومَكِيل، ومَخِيط"٢.
وقد أشار سيبويه إلى هذه اللغة، وإن لم ينسبها إلى تميم، فقال: "وبعض العرب يخرجه على الأصل، فيقول: مخيوط ومبيوع"٣. وكثير
стр. 248
من هذه الكلمات السابقة، تذكر في بعض المعاجم العربية، بالتصحيح والإعلال، جنبا إلى جنب، دون نسبة إلى قبيلة معينة"١.
ومن الأمثلة على موضوعنا كذلك: ما شاع على ألسنة الناس من قولهم في لهجات الخطاب: "ظلموني الناس" و"لامني العواذل" و"زارونا الجيران" و"تَنُّو صاحي لحد ما رجعوا العيال من بره"، أي بإلحاق الفعل علامة جمع، وهو متقدم على الفاعل المجموع.
ومن المعروف في العربية الفصحى، أن الفاعل يجب إفراده دائما، حتى وإن كان فاعله مثنى أو مجموعا، أي أنه لا تتصل به علامة تثنية ولا علامة جمع، للدلالة على تثنية الفاعل أو جمعه، فيقال مثلا: "قام الرجل" و"قام الرجلان" و"قام الرجال" بإفراد الفعل: "قام" دائما؛ إذ لا يقال في الفصحى مثلا: "قاما الرجلان" ولا "قاموا الرجال".
تلك هي القاعدة المطردة في العربية الفصحى، شعرا ونثرا. أما قبيلة طيئ القديمة، فقد روي لنا عنها٢ أنها كانت تلحق الفعل علامة تثنية للفاعل المثنى، وعلامة جمع للفاعل المجموع. وقد حُكيت لنا هذه اللغة
стр. 249
كذلك، عن قبيلة "بلحارث بن كعب"١، وقبيلة "أزد شنوءة"٢، وهما من القبائل اليمنية، التي تمت لأصل قبيلة طيئ بصلة٣.
وقد عرفنا من قبل٤ أن مقارنة اللغات السامية أخوات العربية، وهي: العبرية والآرامية والحبشية والأكادية، تدل على أن الأصل في تلك اللغات، أن يلحق الفعل علامة التثنية والجمع، للفاعل المثنى والمجموع، كما تلحقه علامة التأنيث، عندما يكون الفاعل مؤنثا، سواء بسواء.
كما ذكرنا من قبل أيضا أن هذه اللغة هي التي تعرف عند علماء النحو باسم "لغة أكلوني البراغيث". ويبدو أنها كانت شائعة كذلك في عصر الحريري "المتوفى سنة ٥١٦هـ" الذي عدها من اللحن٥، ورد عليه الشهاب الخفاجي، فقال: "وليس الأمر كما ذكره، فإن هذه لغة قوم، من العرب، يجعلون الألف والواو، حرفي علامة للتثنية والجمع، والاسم الظاهر فاعلا، وتعرف بين النحاة بلغة: أكلوني البراغيث؛ لأنه مثالها الذي اشتهرت به، وهي لغة طيئ، كما قاله الزمخشري. وقد وقع منها في الآيات، والأحاديث، وكلام الفصحاء ما لا يحصى"٦.
стр. 250
وقد بقيت هذه الظاهرة، شائعة -كما قلنا- في كثير من اللهجات العربية الحديثة. وهي امتداد للأصل السامي واللهجات العربية القديمة، بلا شك.
ومن الظواهر اللغوية الشائعة في اللهجات المعاصرة، وهي امتداد للقديم كذلك: ظاهرة سقوط الهمزة، في غير أول الكلمة كثيرا، مثل قولنا في لهجات الخطاب: بير، وياكل، وراس، ويملا، ويقرا، وريّس، وخطيّة، ورُوس، وفوس، وعَباية، ومِلاية، ويودي، وجِينا، ومروة، ونحو ذلك، بدلا من بئر، ويأكل، ورأس، ويملأ، ويقرأ، ورئيس، وخطيئة، ورءوس، وفئوس، وعباءة، وملاءة، ويؤدي، وجئنا، ومروءة، وغير ذلك في العربية الفصحى.
كما يقع الهمز من أوائل بعض كلمات العامية، في حالات قليلة، مثل: سنان، في أسنان، وسبوع، في: أسبوع، وإيه اللي صابك؟ في: أصابك، وبراهيم، وسماعين، في: إبراهيم وإسماعيل، ويوم الحد، في: يوم الأحد، وغير ذلك.
وليست هذه الظاهرة في اللهجات المعاصرة، إلا امتدادا لما كان عند الحجازيين القدماء، في نطقهم لهذه الكلمات وأمثالها.
ومع أن هذا الصوت أصيل في اللغات السامية، فإن الجهد العضلي الذي يتطلبه في نطقه، أدى إلى ضياعه في كثير من اللغات السامية، واللهجات الحجازية القديمة في العربية، قال ابن يعيش: "اعلم أن الهمزة