← Язык

Язык · id 15043

بحوث ومقالات في اللغة

رمضان عبد التواب

Полный текст (254 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة: هذه البحوث والمقالات اللغوية، نشر بعضها في شتى المجلات العلمية في مصر والعالم العربي، وبعض مجلات الغرب، كمجلة مجمع اللغة العربية في مصر، ومجلة المجلة العربية، ومجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ومجلة المورد العراقية، والمجلة التذكارية للمستشرق الألماني "شبيتالر"، ومجلة قافلة الزيت، ومجلة المجمع العلمي العراقي. وبعضها بحوث ألقيتها في بعض المؤتمرات والندوات العلمية، كمؤتمر اللهجات العربية في أسيوط، وندوة التراث العربي بالقاهرة، وندوة جلال الدين السيوطي في أسيوط. وبعضها بحوث تقدمت بها إلى لجنة اللهجات، بمجمع اللغات العربية بالقاهرة، ونوقشت في مجالس المجمع ومؤتمراته، وتضمنت نتائجها بعض توصياته. وبعض هذه المقالات، نشر منذ خمسة عشر عاما، وبعضها حديث لم يمض عليه عام أو بعض العام. غير أنني لم أشا أن أنشر هذه البحوث وتلك المقالات، كما كتبتها أول مرة، بل أجريت قلمي فيها هنا وهناك. بالتعديل والتنقيح، والتهذيب والصقل، والحذف والإضافة، مدخلا فيها حصيلة قراءتي عبر السنوات الخالية، وجمعت النظير إلى نظيره في أبواب وفصول. ولم يدفعني إلى ذلك العمل، إلا حرص الزملاء والأصدقاء، من الباحثين والطلاب، على أن أجمع هذه البحوث في كتاب، وبعضها مما

стр. 2

تهافت الباحثون على تصوير نسختي الخاصة منه، كأسطورة الأبيات الخمسين، في كتاب سيبويه، ورأي في تفسير الشواذ في لغة العرب، وغيرها وإني لأرجو أن ينال عملي هذا رضا الزملاء والأصدقاء، بعد الله ، وأن يوفق الله إلى إخراج ما نشرته من قبل، في الدراسات القرآنية، وتحقيق التراث ونقده، من بحوث ومقالات امتد ببعضها العمر إلى عشرين عامًا أو يزيد. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب. د. رمضان عبد التواب

стр. 3

الباب الأول: في أصوات اللغة الفصل الأول: صوت القاف بين الفصحى واللهجات يعد صوت القاف من الأصوات التي عانت كثيرا من التغييرات التاريخية١، في اللغة العربية، فإن مقارنة اللغات السامية، تدل على أنه صوت شديد مهموس، ينطق برفع مؤخرة اللسان، وإلصاقها باللهاة، لكي ينحبس الهواء عند نقطة هذا الالتصاق، ثم يزول هذا السد فجأة، مع عدم حدوث اهتزازات في الأوتار الصوتية، ففي العبرية مثلا: Kol قول، وفي الآرامية: Kala قالا، وفي الحبشية: Kal قال، بمعنى: "صوت" في الجميع، وهو يقابل في العربية: "قول". وفي الآشورية: Kulu قول بمعنى: "صراخ"٢. وقد عد قدماء اللغويين العرب "القاف" من الأصوات المجهورة٣ في العربية الفصحى، فإن صدق وصفهم إياها بالجهر، كان ذلك النطق من التغييرات التاريخية في العربية القديمة. وقد بقي هذا النطق المجهور في أغلب البوادي، في اللهجات العربية المعاصرة٤، وإن تقدم مخرجه إلى الأمام قليلا، وأصبح كالكاف الفارسية.

стр. 4

غير أن هناك تغييرات أخرى كثيرة، طرأت على هذا الصوت في البلاد العربية، فهو ينطق صوتا مزجيا "Affricate" كالجيم الفصيحة، في بعض بلدان الخليج العربي، كالبحرين، فقد سمعت بعض أهلها يقولون: "الجبلة" بدلا من "القبلة". كما ينطق في مدينة "الرياض" وضواحيها، في الجزيرة العربية، صوتا مزجيا كذلك، غير أنه مكون من الدال والزاي "dz" في مثل قولهم: "دزبلة" في: "قبلة"، و"دزليب" في: "قليب"، وغير ذلك مما سمعته بنفسي هناك. وفي السودان وجنوبي العراق، تحول نطق القاف إلى غين، ففي حديث إذاعي مع أحد السودانيين، في إذاعة ركن السودان بالقاهرة، في شهر مارس سنة ١٩٧٨م، وردت الكلمات التالية: لغاء، وغناه ويغدر، والديموغراطية، وعلاغة، واغتصادي، وانتغلت، والاستغلال، بدلا من لقاء، وقناة، ويقدر، والديموقراطية، وعلاقة، واقتصادي، وانتقلت، والاستقلال. وفي اللهجة المصرية كلمتان قلبت فيهما القاف غينا على هذا النحو، هما: "يغدر" ومشتقاتها، بدلا من "يقدر"، و"زغزغ" بمعنى: حرك يده في خاصرة الصبي ليضحكه. والأصل فيها في العربية الفصحى: "زقزق"١. كما تطورت "القاف" إلى "كاف" في نطق الفلسطينيين في المدن٢، فهم يقولون مثلا: "كال" في: "قال"، و"برتكان" في: "برتقال"، و"كلته كتل" في "قتله قتلا"، وغير ذلك.

стр. 5

والتعليل الصوتي لكل هذه الانقلابات، سهل ويسير، فتأثير "قانون الأصوات الحنكية١" واضح في انقلاب القاف إلى نطق مزجي، في بعض بلدان الخليج "كالجيم الفصيحة"، وفي الرياض وضواحيها "دز". والدليل على ذلك أن القاف لا تعاني من هذا القلب إلا إذا وليتها كسرة، تماما كما يتطلب هذا القانون٢. كما أن ضياع الانفجار من القاف، وتزحزح مخرجها إلى الأمام قليلا، هو المسئول عن انقلابها غينها في نطق أهالي السودان وجنوبي العراق. وكذلك انقلابها كافا في نطق الفلسطينيين، ليس إلا تزحزحا في مخرجها قليلا إلى الأمام، مع ترقيقها، واحتفاظها بصفة الشدة في نطقها. هذه هي بعض التغييرات التاريخية لصوت القاف في اللهجات العربية المعاصرة، والتعليل الصوتي لحدوثها، غير أن ما يهمنا هنا هو انقلاب القاف همزة في لهجة القاهرة، وبعض اللهجات الأخرى. ويبدو أن هذا النوع من التطور في القاف، قديم في اللغات السامية، فقد نقل "بروكلمان"٣ عن "ليتمان"٤ أن القاف تحولت في أعلام "الفينيقية" في بعض الأحيان إلى همزة، ثم سقطت، كما سقطت الهمزات الأصلية في الفينيقية، فمثلا: العلم الفينيقي: "Himalkart" "حملقرت" تحول إلى: Himalar " "حملر".

стр. 6

والعلة الصوتية في هذا التطور، تتلخص في أن مخرج القاف، انتقل إلى الخلف "باحثا عن أقرب الأصوات شبها به من الناحية الصوتية، فتعمق القاف في الحلق عند المصريين، لا يصادف من أصوات الحلق ما يشبه القاف، إلا الهمزة، لوجود صفة الشدة في كل منهما"١. ولعل هذا التطور كانت له بداياته، في عصور الفصاحة، فقد أوردت المعاجم العربية، وكتب اللغة، مجموعة من الألفاظ، رويت لنا مرة بالقاف، وأخرى بالهمزة، والمعنى فيهما واحد. وفيما يلي بعض هذه الألفاظ: ١- يقال: قشبه بشر، وأشبه به، يعني: لامه وعابه "ما اختلفت ألفاظه للأصمعي ١٨-١٩ والإبدال لأبي الطيب ٢/ ٥٦١ وإصلاح المنطق ٤٠٦". ٢- القفز، والأفز، بمعنى: الوثب "الإبدال لأبي الطيب ٢/ ٥٦٢. ٣- القوم زُهاق مائة، وزُهاء مائة، أي: قريب من ذلك "الإبدال لأبي الطيب ٢/ ٥٦٢ وإصلاح المنطق ١٠٦ ويرى ابن فارس في مقاييس اللغة ٣/ ٣٣ أن الهمزة هنا هي التي أبدلت قافا". ٤- يقال: زنق على عياله، وزنا عليهم، إذا ضيق عليهم فقرا، أو بخلا "لسان العرب/ زنق ١٢/ ١١ زنأ ١/ ٨٤". ٥- روى ابن السكيت: قرم يقرم قرما، إذا أكل أكلا ضعيفا "اللسان/ قرم ١٥/ ٣٧٣" وهو قريب مما رواه ثعلب: أرمل ما على المائدة يأرمه، أي أكله "اللسان/ أرم ١٤/ ٢٧٩".

стр. 7

٦- القصر: الحبس "اللسان/ قصر ٦/ ٤٠٧". وروى الكسائي: "أصرني الشيء يأصرني: حبسني. وأصرت الرجل على ذلك الأمر، أي حبسته" "اللسان/ أصر ٥/ ٨٢". ٧- يقال: تأبض، وتقبض، يعني: شد رجليه "اللسان / أبض ٨/ ٢٧٩". ٨- روت المعاجم: "الوقبة: نقرة في الصخر يجتمع فيها الماء" اللسان/ وقب ٢/ ٣١" وهو قريب من قولها أيضا: "الوأبة: النقرة في الصخرة تمسك الماء" "اللسان/ وأب ٢/ ٢٩٠". ٩- روى أبو عمرو الشيباني: "الفشق: انتشار النفس من الحرص" "الصحاح/ فشق ٤/ ١٥٤٤ وانظر: الجيم ٣/ ٤٤". ولعل لهذا علاقة بقولهم: "تفشأ الشيء، أي انتشر" "الصحاح/ فشأ ١/ ٦٣". وقد تكون الصيغة الأخيرة ناتجة بسبب "الحذلقة في اللغة" "Hyperurbanismus" من "تفشى" بلا همز! ١٠- قفخته: ضربته على الرأس "الصحاح/ قفخ ١/ ٤٢٩"، يقال: "أفخته: ضربت يأفوخه، وهو الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل "الصحاح/ أفلح ١/ ٤١٩". أما انتشار هذه الظاهرة في اللهجات العربية الحديثة، فيذكر المستشرق "شيئا" في كتابه عن اللهجة المصرية١، أن "القاف قلبت همزة في القاهرة وضواحيها، وفي القليوبية، والواسطى، وجزء كبير من الفيوم، وبعض البلاد العربية الأخرى، وعلى الأخص في سوريا".

стр. 8

ويزيد عليه بوركلمان١، أن ذلك "التحول في صوت القاف إلى همزة، يوجد كذلك في تلمسان، وشمالي مراكش٢، وعند اليهود في شمال إفريقيا، وكذلك في اللغة المالطية، في معظم الأحوال". وإن كان الشيخ محمد علي الدسوقي يتعجب من أن "أهل جزيرة مالطة ينطقون بالقاف في جميع كلماتهم، التي ورثوها عن العرب الفاتحين، مع أن أهل مصر يستنكفون عن النطق بها"٣. ويخبرنا "برجشتر اسر" في الأطلس اللغوي الذي عمله لسوريا وفلسطين سنة ١٩١٥ بأن "نطق القاف همزة، يسود معظم مدن سوريا وفلسطين، فيما عدا القليل، ومع ذلك يوجد نطق القاف في المدن أحيانا بين غير المتعلمين"، كما ينقل عن "ليتمان" قوله: "إن المسيحيين في حلب، لا ينطقون إلا الهمزة، على العكس من المسلمين الذين لا ينطقون هناك إلا القاف". كما يقول ليتمان: "وقد سمعت الهمزة من يهودي متعلم، والقاف من مسلم غير مثقف"٤. هذا ... ومما يلفت النظر أن كثيرا من اللهجات التي قلبت فيها القاف همزة، لا تحتفظ بنطق الهمزات الأصلية في اللغة. ويبدو أن ترك هذه الهمزات الأصلية، تم في فترة قديمة، ولم يكن إلا امتدادا للهجات الحجازية القديمة في تسهيل الهمزة، ثم توقف هذا التغير بعد فترة، "فما دام هذا التغير قد أصاب جميع الكلمات، التي تقع تحت طائلته، يصبح القانون الذي

стр. 9

يفسره، وكأنه قد نسخ، ويمكن للغة أن تخلق مركبات صوتية جديدة، مشابهة كل الشبه للمركبات، التي كان التغير يعمل فيها سابقا، فهذه المركبات تبقي دون تغير، فيقال إنها لم تعد واقعة تحت سلطان القانون"١. وهكذا بعد أن توقفت ظاهرة التخلص من الهمزة، ومضت فترة من الزمن، أخذ صوت القاف يتحول إلى الهمزة، دون أن تجد لهجات الخطاب في ذلك حرجا.

стр. 10

الفصل الثاني: نظرية المحاكاة الصوتية ومناسبة اللفظ للمعنى يحاول بعض العلماء أن يفسر لنا نشأة اللغة الإنسانية، بما يسمى بنظرية "المحاكاة الصوتية" Onomatopoeia، وقد عرض لهذا الرأي من علماء المسلمين، العلامة ابن جني في كتابه "الخصائص" فقال١: "وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغة كلها، إنما هو الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيح الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس ... ونحو ذلك. ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد". وقد ارتضى "ابن جني" هذا الرأي، فقال معقبا عليه: "وهذا عندي وجه صالح، ومذهب متقبل". ومما قد يؤيد هذه النظرية، ما قد نجده في بعض الأحيان، من اشتراك بعض الأصوات في الكلمات التي تحاكي الطبيعة في عدة لغات، فإن الكلمة التي تدل على الهمس، هي في العربية كما نعرف: "همس"، وفي الإنجليزية: whisper وفي الألمانية Flustern وفي العبرية Safsaf صفصف، وفي الحبشية: Fasaya فاصي، وفي التركية Susmak، فالعامل المشترك بين هذه اللغات جميعها في تلك الكلمة، هو: صوت الصفير السين أو الصاد، وهو الصوت المميز لعملية الهمس في الطبيعة.

стр. 11

غير أن اشتراك اللغات في الكلمات المحاكية للطبيعة، على هذا النحو، أمر نادر. ولو كانت هذه النظرية صحيحة، للاحظنا اشتراكا بين اللغات في الكلمات التي تحاكي الطبيعة، مثل: الشق، والدق، والقطع، والصهيل، والعواء، والمواء، وما إلى ذلك. ولقد سمعت الديك العربي في بلاد العرب، والديك الألماني في بلاد الألمان، يصيحان بطريقة واحدة دون أدنى فرق، غير أننا نحاكي صوت الديك فنقول: كوكوكو! ويقول الألمان: kikeriki كيكيركي! ويرى بعض العلماء، بناء على هذه النظرية، أن مناسبة اللفظ للمعنى، مناسبة حتمية، بمعنى أن اللفظ يدل على معناه دلالة وجوب، لا انفكاك فيها. وممن نادى بهذا الرأي "عباد بن سليمان الصيمريط من المعتزلة، فقد ذهب إلى أن بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية، حاملة للواضع على أن يضع هذه اللفظة أو تلك، بإزاء هذا المعنى أو ذاك. ويروون عن بعض من تابعه على رأيه هذا، أنه كان يقول: إنه يعرف مناسبة الألفاظ لمعانيها، فسئل عن معنى كلمة: "إذغاغ"، وهي بالفارسية: الحجر، كما يقولون. فقال: أجد فيه يبسا شديدا، وأراه الحجر! ١ وإننا نشك كثيرا في صحة هذه الراوية، وصدق نظرية الصيمري، فإنه لو صح ما قاله، لاهتدى كل إنسان إلى كل لغة على وجه الأرض. نعم، قد يحدس الإنسان معنى كلمة من الكلمات في لغة من اللغات، بخبراته في هذه اللغة، فإن مجرد النطق باللفظ، يستدعي إلى الذهن أمثاله من الألفاظ، ويستدعي معها دلالاتها، ويستوحي المرء من كل هذا دلالة لذلك

стр. 12

اللفظ المجهول، على أساس ما اختزنه في حافظته، وقد يوفق في هذا الاستيحاء، غير أنه كثيرا ما يخيب، وهنا يؤدي اختلاف الخبرات السابقة إلى اختلاف الحدسات الناتجة. وخذ مثلا كلمة: "عتيد" فإنك إذا ذكرتها أمام من لا يعرف معناها الأصلي، وهو: "حاضر، معد، مهيأ"، فهو لا شك سيقيسها على كلمة: "عنيد" إن كانت من حصيلته اللغوية، فيعطيها نفس معناها، وهو: "جبار" أو "قوي مثلا"، أو يقيسها على كلمة: "عتيق" إن برزت له وقتئذ من بين خبراته اللغوية السابقة، فيعطيها نفس معناها، وهو: "قديم" أو "موغل في القدم". ومن أنصار المناسبة بين اللفظ والمعني، من علماء العربية، العلامة اللغوي أبو الفتح عثمان بن جني، الذي عقد في كتابه "الخصائص" بابا طويلا، جعل عنوانه: "باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني"١، ذكر فيه ألفاظا كثيرة من اللغة العربية، تؤكد كلها نظريته في مناسبة الصوت للمعنى الدال عليه. وأغلب الظن أن بذرة هذه الفكرة، قد وجدت عند قدامى النحويين واللغويين، قبل أن جني؛ لأنه يرجع في هذا الباب إلى بعض آراء الخليل وسيبويه، فهو يروي عن الخليل أن العرب قالوا في الدلالة على صوت الجندب: "صَرَّ"؛ لأن في صوته امتدادا واستطالة، أما البازي فدلت العرب على صوته بالفعل: "صرصر"؛ لأن فيه تقطيعا وعدم استمرار. كما يذكر عن سيبويه تفسيره لوجود الحركات الكثيرة، في المصادر التي جاءت

стр. 13

على وزن: "فعلان" بمناسبتها لدلالة هذا النوع من المصادر، على الاضطراب والحركة، مثل: الغليان" و"الهيجان" و"الطيران" و"الفوران"، وما أشبه ذلك. وأخذ ابن جني بعد ذلك، يذكر نظائر لهذا الذي أتى به الخليل وسيبويه، من مناسبة الصوت للمعنى، فعنده أن المصادر الرباعية المضعفة، إنما تأتي لتكرير الفعل، كالزعزعة، والقلقلة، والجرجرة، والصلصلة، وما إلى ذلك، فإن تكرير المقاطع هنا مناسب لتكرير الفعل، وحدوثه مرات متعددة. أما توالي الحركات في المصادر والصفات، التي تأتي على وزن: "فعلى" مثل: "الجمزَى" لحمار الوحش، و"البشكَى"، و"الحيدَى" من صفات المشي السريع، فإن ابن جني يرى أن هذه الحركات المتوالية في هذا الوزن من أوزان الكلمات العربية، إنما تناسب سرعة الحركة في الحمار الوحشي وصفات المشي المذكورة. كما يرى ابن جني أن تكرير عين الفعل، وهي وسطه، وقلبه، ومركزه، وأهم جزء فيه، يدل على تكرير الفعل والشدة فيه، مثل: "كسَّر" و"قطَّع" و"فتَّح" و"غلَّق" وغير ذلك. وهذا الذي ذكره ابن جني، يصح في بعض نصوص اللغة، دون غيرها، فلو أننا نظرنا مثلا إلى الآية القرآنية التي تقول: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَك﴾ ، لأحسسنا بصوت المزاليج وهي تحكم رتاج الأبواب، وينعدم هذا الإحساس مع الفعل: "أغلق"، الذي يدل على مجرد الإغلاق. غير أن هذا -كما قلنا- لا يطرد في كل نصوص اللغة. ولو راجعنا.

стр. 14

المعاجم العربية، لعرفنا أن هناك كلمات كثيرة، يستوي في معناها الصيغ المشددة وغيرها، والمجرد منها وغير المجرد، فمن ذلك مثلا: "بدأ يبدأ" و"أبدأ يُبدئ". والقرآن الكريم خير شاهد على أن معناهما واحد، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْق﴾ . ومثله كذلك. برقت السماء وأبرقت، وجنه الليل وأجنه، إذا أظلم عليه وستره، وحَدَّت المرأة على زوجها وأحدَّت بمعنى: تركت الزينة، وخسرت الميزان وأخسرته، أي: نقصته. وغير ذلك كثير. وقد نزع كثير من نقاد الأدب العربي القديم، منزع بعض اللغويين، في محاولة عقد الصلة بين اللفظ ومعناه، فهذا هو "ابن الأثير"، يكمل ما بدأه "ابن جني" وأسلافه من علماء اللغة، حول مناسبة الألفاظ للمعاني، فيقول١: "اعلم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان، ثم نقل إلى وزن آخر أكثر منه، فلا بد من أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا". ومن هنا نشأت الفكرة التي تقول إن "زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى". وقد ضرب "ابن الأثير" من الأمثلة على ذلك قولهم مثلا: "خَشُن" و"اخشوشن"، فمعنى: خشن، دون معنى: اخشوشن، لما فيه من تكرير العين وزيادة الواو.

стр. 15

كما يرى "ابن الأثير" أن "اقتدر" أقوى في الدلالة على القدرة من: "قدر" المجردة، وأن الإنسان يحس في قوله تعالى مثلا: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ بالدلالة على تفخيم الأمر، وشدة الأخذ، الذي لا يصدر إلا عن قوة الغضب. وإذا صدق هذا على بعض الأمثلة في اللغة، فإنه لا يصح أن يغيب عن بالنا، أنه ليس ثمة بين الاصطلاح اللغوي، والشيء الذي وضع له هذا الاصطلاح أية علاقة طبيعية، وإنما هي علاقة تقاليد، كما يقول: "أنطوان مييه"١. وهذا معناه عدم الارتباط الطبيعي بين الاسم والمسمى، فالضمائر: أنا وأنت وهو مثلا، ليس فيها شيء يدل بذاته على أحد الأشخاص، وإنما يستعمل لأنه في جماعة بشرية معينة، جرت التقاليد بأن تستعمل تلك الصيغ، ومن ثم نرى أكثر علماء اللغة دربة، عاجزا كغيره من الناس، أمام خطبة أو نص مكتوب في لغة مجهولة جهلا تاما. ولذلك يجب ألا ننساق وراء الفكرة التي تقول بأن "زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى"، ونعممها على كل مثال وجدت فيه هذه الظاهرة، فقد تكون هناك مثلا كلمتان تدلان على معنى معين، غير أن إحداهما مقتطعة في الأصل من الأخرى، وليست الثانية مزيدة منها، كما توهم علماء البصرة ذلك في "السين" و"سوف"، فقالوا إن "سوف" تدل على الاستقبال البعيد، و"السين" تدل على الاستقبال القريب. وليس في نصوص اللغة ما يشهد لتكلفهم هذا، فقوله تعالى مثلا: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ ليس معناه تحقق هذه الكفاية في الغد، كما أن قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ

стр. 16

رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ليس معناه تأخر الإعطاء عاما أو عامين، بل إن الحقيقة أن "سوف" أقدم من "السين" وأن "السين" جزء مقتطع منها، فمن الحقائق المقررة عند المحدثين من علماء اللغة أن كثرة الاستعمال تبلي الألفاظ١، وتجعلها عرضة لقص أطرافها، تماما كما تبلى العملات المعدنية والورقية، التي تتبادلها أيدي البشر. وهذا هو ما حدث لسوف، التي توجد في صورتها القديمة في الآرامية، وقد روى لنا اللغويون العرب صورا عدة من صور البلي اللفظي في هذه الكلمة، فقد ذكروا أن العرب يقولون: "سَوْ يكون، وسَفْ يكون، وسَايكون، وسَيَكون". وعندما جاء القرآن الكريم، سجل لنا إحدى صور التطور في "سوف"، مع الأصل الذي كان لا يزال يعيش معه جنبا إلى جنب، وروى لنا اللغويون العرب، صور التطور الأخرى، التي لم يكتب لها ما كتب لغيرها من الخلود، حين تبنتها الفصحى، ولغة القرآن الكريم.

стр. 17

الباب الثاني: في أبنية العربية والتطور اللغوي الفصل الأول: كراهة توالي الأمثال في أبنية العربية تميل اللغة العربية إلى التخلص من توالي المقاطع المتماثلة، فتحذف واحد منها، وذلك هو ما يسميه الألمان: Haplologische Sibenellipse ويسميه اللغويون العرب بكراهة توالي الأمثال. ونقصد بالمقاطع المتماثلة هنا، ما يشمل المقاطع ذات الأصوات الصامتة المتماثلة، أو المتقاربة في المخارج، ويحدث ذلك في أول الكلمة، أو في وسطها، أو في آخرها، كما أن العربية تميل كذلك أحيانا، إلى التخلص من توالي الأصوات المتماثلة، سواء أكانت حركات أم أصواتا صامتة، وإن لم تكن المقاطع متماثلة. والسبب في هذا صعوبة تتابع المقاطع والأصوات المتماثلة في النطق. ويقول "بروكلمان" Brockelmann: "إذا توالى مقطعان، أصواتهما الصامتة متماثلة، أو متشابهة جدا، الواحد بعد الآخر في أول الكلمة، فإنه يكتفى بواحد منهما، بسبب الارتباط الذهني بينهما"١. ويعد "برجشتراسر" هذا الظاهرة من الترخيم، فيقول: "ومن الترخيم ما هو جنس من التخالف، وهو حذف آخر مقطعين متتاليين، أولهما حرفان مثلان أو شبهان"٢. ونشرح فيما يلى أنواع هذه الظاهرة في العربية:

стр. 18

١- صيغ تَفَعَّلَ وتَفَاعَلَ وتَفَعْلَلَ، مع تاء المضارعة، يتكرر فيها المقطع: ta في بدايتها مثل: "تتقدم" و"تتقاتل" و"تتبختر". وحذف أحد هذين المقطعتين كثير الورود في العربية، وقول ابن مالك في ألفيته: وما بتاءين ابتدى قد يقتصر ... فيه على تا كتبين العبر "قد" فيه للتحقيق، أو للتقليل النسبي١، وقد ذكر الأشموني في شرح البيت، أن "هذا الحذف كثير جدا"٢. وهذه الظاهرة شائعة في القرآن الكريم، فقد وردت فيه مثلا كلمة: "تذكرون" ١٧ مرة بالحذف، في مقابل: "تتذكرون" ٣ مرات بلا حذف، ففيه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٢ والأعراف: ٥٧ والنحل: ٩٠ والنور: ١، ٧ والذاريات: ٤٩] وفيه ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] كما أن فيه: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣ وهود: ٢٤، ٣٠ والنحل: ١٧ والمؤمنون: ٨٥ والصافات: ١٥٥ والجاثية: ٢٣] في مقابل: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠ والسجدة: ٤] وفيه: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨] . وفي القرآن كذلك: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤] في مقابل: ﴿تَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] .

стр. 19

وفيه المضارع: "تولوا" خمس مرات، في مقابل: "تتولوا" أربع مرات، ففيه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: ٣٢ وهود: ٥٧ والنور: ٥٤] ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [هود: ٣] ﴿وَلَا تَوَلَّوْا﴾ [الأنفال: ٢٠] في مقابل: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ [محمد: ٣٨ والفتح: ١٦] ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا﴾ [هود: ٥٢] ﴿لَا تَتَوَلَّوْا﴾ [الممتحنة: ١٣] . كما أن فيه: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] بجانب: ﴿وَلَا تتَفَرَّقُوا﴾ [الشورى: ١٣] وفيه: ﴿تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧] إلى جانب: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَة﴾ [النحل: ٢٨] . وفيه إلى جانب ذلك كثير من الأفعال، التي ذكر كل واحد منها مرة واحدة بالحذف، مثل: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُون﴾ [الواقعة: ٦٥] ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ [هود: ١٠٥] ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] ﴿لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١٠] ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور: ١٥] ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] .

стр. 20

﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [البقرة: ٨٥] ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤] ١. ومن أمثلة ذلك في النثر أيضا قول ابن هشام في سيرة النبي: "فلما رآها رسول الله ﷺ تصوب من العَقَنْقَل"٢. وهذا الحذف ضروري عندما تتوالى ثلاثة مقاطع فيها التاء٣، كما في قول القطامي: وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تَتَبَّعَهُ اتباعا٤ والأصل: "تَتَتَبَّعه" وكما في قول النبي ﷺ : "لا تَتَايعوا في الكذب، كما يتتابع الفراش في النار" ٥، بدلا من "لا تتتايعوا". ومن أمثلة هذه الظاهرة في الشعر، ما ورد في كتاب "العين" للخليل بن أحمد من قوله: "وتهرعت الرماح إليه، إذا أقبلت شوارع. قال: عند الكريهة والرماح تهرع أراد: تتهرع"٦. كما وردت في قول بشر بن أبي خازم:

стр. 21

فكأن ظعنهم غداة تحملوا ... سفن تكفأ في خليج مغرب١ وقول المثقب العبدي: لمن طعن تطالع من ضبيب ... فما خرجت من الوادي لحين٢ وقول مالك بن الريب: ولا تنسيا عهدي خليلي بعدما ... تقطع أوصالي وتبلى عظاميا٣ وقول كعب بن زهير: فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول وما تمسك بالوصل الذي زعمت ... إلا كما يمسك الماء الغرابيل٤ وقول طفيل الغنوي: إذا خرجت يوما أعيدت كأنها ... عواكف طير في السماء تقلب٥ وقول حرقة بنت النعمان: فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف٦ وفي كل ما سبق من الأمثلة، لا يهم تعيين المحذوف، والقول بأنه المقطع الأول أو الثاني، كما أتعب اللغويون أنفسهم في هذا المجال، وحاولوا إقامة الأدلة النظرية على وجهة نظرهم، يقول صاحب إعراب القرآن: "وأصله تتذكرون، فحذفت إحدى التاءين، والمحذوفة الثانية؛ لأن التكرار

стр. 22

بها وقع، وليس الأول بمحذوف؛ لأن الأول علامة المضارعة، والعلامات لا تحذف"١. كما يقول شارح مراح الأرواح: "وتحذف التاء الثانية جوازا في مثل: تتقلد، وتتباعد، وتتبختر، أي فيما اجتمع فيه تاءان في أول مضارع: تَفَعَّل وتفاعل وتفعلل، وذلك حال كونه فعل المخاطب أو المخاطبة، مفردا أو مثنى أو مجموعة، والغائبة المفردة والمثناة دون المجموع، إحداهما حرف المضارعة، والثانية تاء الباب، واختلف في المحذوف، فذهب البصريون إلى أنه هو الثانية؛ لأن الأولى حرف المضارعة، وحذفها مخل -على ما حُكي عن المبرد. وذهب الكوفيون إلى أنه هو الأولى؛ لأن الثانية للمطاوعة، وحذفها مخل، ولأنها زائدة وحذفها أهون. واختار المصنف مذهب البصريين؛ لأن رعاية كونه مضارعا أولى؛ لأن الغرض من الاشتقاق، إنما هو الدلالة على اختلاف المعنى، باختلاف الصيغ. وأما المطاوعة وسائر معاني الأبواب فإنما هي بعد هذا الغرض، ولأن الثقل إنما يحصل عند الثانية. وأما إثبات التاءين فهو الأصل، لدلالة كل واحد منهما على معنى"٢. ومع أن سيبويه قال في كتابه٣: "فإن التقت التاءان في: تتكلمون، وتترسون، فأنت بالخيار، إن شئت أثبتهما، وإن شئت حذفت إحداهما"، فإنه عاد فقال بعد ذلك مباشرة: "وتصديق ذلك قوله : ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، و ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ . وإن شئت حذفت التاء الثانية، وتصديق ذلك قوله ﵎: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ ،

стр. 23

وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ . وكانت الثانية أولى بالحذف؛ لأنها هي التي تسكن وتدغم في قوله تعالى: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ ، ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ ، وهي التي يفعل بها ذلك في: يذَّكَّرون، فكما اعتلت هنا كذلك تحذف هناك". والظاهر أن عبارة: "وإن شئت حذفت إحداهما" مضافة إلى نص سيبويه، وهي ليست منه منه١! ٢- نون الأفعال الخمسة "يفعلون وتفعلون ويفعلان وتفعلان وتفعلين" مع نون الوقاية قبل ياء المتكلم، أو مع ضمير المتكلمين المنصوب. وكذلك الفعل المسند إلى نون النسوة قبل هاتين الحالتين. وهذه الظاهرة كثيرة الورود في الشعر، مثل قول الأعشى: أبالموتِ الذي لا بد أني ... ملاق لا أباك تخوفيني٢ أي: تخوفينني. وكذلك قول عمرو بن معديكرب: تراه كالثغام يعل مسكا ... يسوء الفاليات إذا فليني٣ أي: فلينني. وكذلك قول جميل: أيا ريح الشمال أما تريني ... أهيم وأنني بادي النحول٤ أي: ترينني. وكذلك قول ابن مقبل: عرجت فيها أحييها وأسألها ... فكدن يبكينني شوقا ويبكينا٥

стр. 24

أي: يبكيننا. أما قول الشاعر: انظر قبل تلوماني إلى ... طلل بين النقا فالمنحنى١ فقد قال فيه ابن جني: "يريد: تلومانني، فيجوز أن يكون حذف "أن" وهو يريدها، كأنه قال: قبل أن تلوماني، فحذف النون للنصب؛ لأنه قد أضاف "قبل"، وحكم الإضافة أن تكون إلى الأسماء، فإذا أضمر "أن" فكأنه قال: قبل لومكما. ويجوز أن يكون أضاف "قبل" إلى الفعل؛ لأنها ظرف، فجرى مجرى: أقوم يوم يقوم زيد، ثم حذف النون الثانية تخفيفا". وهذا القول الأخير يدل على وجهة نظر ابن جني، في أن المحذوف هنا هو النون الثانية، أو بعبارة أخرى: المقطع الثاني. وقد عبر عن ذلك مرة أخرى بصراحة، عندما قال: "يريد "فلينني" فحذف النون الآخرة، كما حذفها من "تخوفيني". وكانت الآخرة أولى بذلك في: تخوفيني؛ لأن الأولى علم الرفع، والثانية إنما كانت جيء بها في الواحد، ليسلم حرف الإعراب من الكسر، ويقع الكسر عليها، فتركت في الجمع على حد ما كانت عليه في الواحد، فلما اضطر في الجمع حرك النون التي هي علم الرفع بالكسر، ولم يمتنع من ذلك؛ لأنها ليست حرف الإعراب فيكره فيها الكسر"٢. ومن أمثال النثر قول ابن هشام: "ما الذي تهنئونا به؟ "٣، وقوله كذلك: "فقال لهم: أفلا تعطوني؟ "٤.

стр. 25

وفي الأغاني: "فأخبراه أنهما لا يعرفاني"١، وفيها كذلك: "ألا تجزينيه؟ ٢ وفيها أيضا: "هل لك في يد تولينيها؟ "٣. وفي عيون الأخبار: "لِمَ تزعجوني من جواركم؟ "٤. وفي تفسير الطبري على لسان رجل من بني النضير: "كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقا، ونقتل منهم، ولا يقتلونا٥". وفي حديث رواه البخاري، في الباب الخامس عشر، من كتاب الشهادات في صحيحه، على لسان عائشة ﵂ في حديث الإفك، أنها قالت: "ولئن قلت لكم إني لبريئة، والله يعلم أني لبريئة، لا تصدقوني بذلك"٦. ومن النصوص المتأخرة قول أسامة بن منقذ: "فكانوا يقاتلونا النهار كله"٧ هذا إلى أن ابن هشام يقول في مغني اللبيب، وهو يتحدث عن نون الوقاية: "ونحو تأمرونني، يجوز فيه الفك، والإدغام، والنطق بنون واحدة. وقد قرئ بهن في السبعة، وعلى الأخيرة فقيل: النون الباقية نون الرفع، وقيل: نون الوقاية، وهو الصحيح"٨.

стр. 26

وعلى الرغم من أن مرسوم المصحف في هذه الآية: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] بنون واحدة، "فقد قرأها ابن عامر: تأمرونني أعبد، بنونين الأولى مفتوحة، ونافع بواحدة مخففة، والباقون بواحدة مشددة"١. ٣- إنّ وأنّ ولكنّ وكأنّ ولعل، مع نون الوقاية قبل ياء المتكلم، أو ضمير المتكلمين المنصوب. يقول ابن هشام، وهو يتحدث عن نون الوقاية: إنها تلحق قبل ياء المتكلم المنتصبة بالحرف "نحو: إنني، وهي جائزة الحذف مع إن وأن ولكن وكأن، وغالبة الحذف مع لعل، وقليلته مع ليت"٢. أما أن ذلك غالب في "لعل"؛ فلأن اللام تشبه النون في أنهما من الأصوات المائعة Liquida ومن أمثلة ذلك قول جميل بن معمر العذري: فقالت لَعَنَّا يا جميل نبيعه ... وآجالنا من دون ذاك قريب٣ وقول الفرزدق: ألستم عائجين بنا لَعَنَّا ... نرى العرصات أو أثر الخيام٤ وقد روى هذا البيت الأخير: "لَغَنَّا" بالغين المعجمة، على أنها لغة في "لعل" عن الأصمعي٥. وقال ابن منظور: "ولَغَنَّ لغة في لعلّ. وبعض بني تميم يقولون: لغنك بمعنى: لعلك"٦ ثم ذكر بيت الفرزدق.

стр. 27

وإبدال الغين من العين صعب التفسير من الناحية الصوتية، ولعله تصحيف قديم لبيت الفرزدق، وإن خلا ديوانه منه! وأما قلة ذلك مع "ليت" فلأنه لا يوجد في هذه الحالة مقطعان متماثلان، أو متقاربان، وإنما سبب حذف النون معها هو الضرورة، ولذلك لا نجد لها أمثلة إلا في الشعر، كقول زيد الخيل الطائي: كمنية جابر إذ قال ليتي ... أصادفه ويهلك جل مالي١ ويقول الجوهري: "وإني وإنني بمعنى، وكذلك: "كأني وكأنني، ولكني ولكنني؛ لأنه كثر استعمالهم لهذه الحروف، وهم يستثقلون التضعيف، فحذفوا النون التي تلي الياء، وكذلك لعلِّي ولعلّني؛ لأن اللام قريبة من النون"٢. ويقول المبرد: "فالذي ذكرنا مما يحذف قولك: إنني، وكأنني، ولعلني؛ لأن هذه الحروف مشبهة للفعل مفتوحة الأواخر، فزدت فيها النون، كما زدتها في الفعل لتسلم حركاتها، ويجوز فيهن الحذف، فتقول: إني وكأني ولكني"٢. والحذف مع هذه الأحرف هو الشائع في القرآن الكريم، ففيه مثلا بالحذف لا غير: "وأنَّا" ٨ مرات "فإنّي" ٦ مرات "أئنا" ١٠ مرات "فإنّا" ١٠ مرات "ولكني" ٤ مرات "ولكنّا " مرتين "لعلّي" ٦ مرات. وفيه كذلك: "أنّا" ١٧ مرة، في مقابل: "أنّنا مرة واحدة، "بأنّا"

стр. 28

مرتين، في مقابل "بأنّنا" مرة واحدة، "إنّي" ١٢٤ مرة، في مقابل: "إنّني" ٦ مرات، "وإني" ١٣ مرة، في مقابل: "وإنني" مرة واحدة، "إنّا" ٥٣ مرة، في مقابل: "إنّنا" ٥ مرات، "وإنّا" ٣٣ مرة، في مقابل: "وإنّنا مرة واحدة١. ٤- الأفعال الخمسة إذا اتصل بها نون التوكيد: والحذف هنا لازم مطرد في العربية. يقول ابن عقيل: "الفعل المؤكد بالنون، إن اتصل به ألف اثنين، أو واو جمع، أو ياء مخاطبة، حرك ما قبل الألف بالفتح، وما قبل الواو بالضم وما قبل الياء بالكسر، ويحذف الضمير إن كان واوا أو ياء، ويبقى إن كان ألفا، فتقول: يا زيدان هل تضربانِّ؟ ويا زيدون هل تضربُنَّ؟ ويا هند هل تضربِنَّ؟ والأصل: هل تضربانِنَّ، وهل تضربونَنَّ، وهل تضربينَنَّ، فحذفت النون لتوالي الأمثال، ثم حذفت الواو والياء لالتقاء الساكنين، فصار: هل تضربُنَّ، وهل تضربِنَّ. ولم تحذف الألف لخفتها، فصار: هل تضربانِّ: وبقيت الضمة دالة على الواو، والكسرة دالة على الياء"٢. كما يقول سيبويه: "وإذا كان فعل الجميع مرفوعا، ثم أدخلت فيه النون الخفيفة أو الثقيلة، حذفت نون الرفع وذلك قولك: لتفعلُنَّ ذاك، ولتذهبُنَّ؛ لأنه اجتمعت فيه ثلاث نونات، فحذفوها استثقالا. وتقول: هل تفعلُنَّ ذلك؟ تحذف نون الرفع؛ لأنك ضاعفت النون، وهم يستثقلون

стр. 29

التضعيف، فحذفوها إذ كانت تحذف وهم في ذا الموضع أشد استثقالا للنونات، وقد حذفوها فيما هو أشد من ذا"١. هذا، ويعلل المبرد لذهاب النون هنا بتعليل غريب، فيرى أن النون حذفت، لكي تكون نظيرا للفتح في الفعل المسند للواحد، فيقول: "فإذا ثنيت أو جمعت، أو خاطبت مؤثنا فإن نظير الفتح في الواحد، حذف النون مما ذكرت لك، تقول للمرأة: هل تضربِنَّ زيدا ولا تضربِنَّ عمرا؟ فتكون النون محذوفة، التي كانت في تضربين، ألا ترى أنك إذا قلت: لن تضرب يافتي، قلت للمرأة إذا خاطبتها: لن تضربي، وكذلك: لن تضربا، ولن تضربوا، للاثنين والجماعة، فحذف النون نظير للفتحة في الواحد"٢. ٥- كلمة "بني" الداخلة على معرف باللام القمرية، مثل: بلحارث، وبلهجيم، وبلعنبر، وبلقين، يعني: بني الحارث، وبني الهجيم، وبني العنبر، وبني القين. وذلك كثير الورود في كتب التراث العربي، ففي تاريخ الطبري: "وأقبل رجلان أخوان من بلقين يقال لهما: ملك وعقيل"٣. وفي طبقات ابن سعد: "قالوا: إن بلمصطلق من خزاعة"٤. كما تبدأ حماسة أبي تمامة بقوله: "قال بعض شعراء بلعنبر"٥.

стр. 30

ويقول سيبويه في ذلك: "ومن الشاذ قولهم في بني العنبر وبني الحارث بلعنبر وبلحارث، بحذف النون، وكذلك يفعلون بكل قبيلة تظهر فيها لام المعرفة، فأما إذا لم تظهر اللام فيها فلا يكون ذلك؛ لأنها لما كانت مما كثر في كلامهم، وكانت اللام والنون قريبتي المخارج، حذفوها"١. ويقول المبرد: "ومما حذف استخفافا لأن ما ظهر دليل عليه، قولهم في كل قبيلة تظهر فيها لام المعرفة، مثل: بني الحارث، وبني الهجيم، وبنى العنبر، هو بلعنبر وبلهجيم، فيحذفون النون لقربها من اللام؛ لأنهم يكرهون التضعيف، فإن كان مثل: بني النجار، والنمر، والتيم، لم يحذفوا، لئلا يجمعوا عليه علتين: الإدغام والحذف"٢. كما يقول المبرد أيضا: "وكذلك كل اسم من أسماء القبائل تظهر فيه لام المعرفة، فإنهم يجيزون معه حذف النون التي في قولك: "بنو"، لقرب مخرج النون من اللام، وذلك قولك: فلان من بلحارث وبلعنبر وبلهجيم"٣. ويقول كذلك: "ومن كلام العرب أن يحذفوا النون إذا لقيت لام المعرفة ظاهرة، فيقولون في بني الحارث، وبني العنبر وما أشبه ذلك، بلحارث، وبلعنبر، وبلهجيم"٤. ويقول الزجاجي: "ومن الشاذ قولهم في بني الحارث وبني العنبر:

стр. 31

بلحارث وبلعنبر، فيحذفون النون، وكذلك يفعلون بكل قبيلة تظهر فيها لام المعرفة"١. ويقول الجوهري: "وقولهم: بلحارث، لبني الحارث بن كعب، من شواذ التخفيف؛ لأن النون واللام قريبا المخرج، فلما لم يمكنهم الإدغام لسكون اللام، حذفوا النون ... وكذلك يفعلون بكل قبيلة تظهر فيها لام المعرفة، مثل: بلعنبر، وبلهجيم. فإذا لم تظهر اللام فلا يكون ذلك"٢. وأخيرا يقول ابن يعيش: "ومما حذف استخفافا على غير قياس لأن ما ظهر دليل عليه، قولهم في كل قبيلة تظهر فيها لام المعرفة، ولا تدغم، نحو: بني العنبر، وبني العجلان، وبني الحارث، وبني الهجين: هؤلاء بلعنبر، وبلعجلان، وبلحارث، وبلهجين. فحذفوا النون لقربها من اللام، وهم يكرهون التضعيف، إذ الياء الفاصلة تسقط، لالتقاء الساكنين، ولا يفعلون ذلك في بني النجار، وبني النمر، وبني التيم، لئلا يجمعوا عليه إعلالين: الإدغام والحذف"٣. ٦- ومثل ما سبق: دخول حرف الجر "على" على معرف بأل القمرية، مثل قول الفرزدق: وما سبق القيسي من ضعف حيلة ... ولكن طفت عَلْماءِ قلفة خالد٤ وكذلك قول قطري بن الفجاءة:

стр. 32

غداة طفت عَلْماءِ بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل نحو تميم١ يريد في البيتين: "على الماء". وكذلك قول الشاعر: وللموت خير لامرئ من حياته ... بدارة ذل عَلْبلايا يوقر٢ يريد: "على البلايا". ويقول سيبويه في آخر كتابه: "ومثل هذا قول بعضهم: عَلْماءِ بنو فلان، فحذفوا اللام، يريد: على الماء بنو فلان، وهي عربية"٣. ويرى ابن الشجري أن هذا الحذف للتخفيف، فيقول: "ومما حذفوا من الحروف لاجتماعها مع لام التعريف، لام "على" فيما حكاه سيبويه من قولهم: عَلْماءِ بنو فلان، يريدون: على الماء، فهمزة الوصل سقطت في الدرج، وألف "على" سقطت لسكونها، وسكون لام "الماء"، وحذفت لام "على" تخفيفا"٤. وقد طرد الباب على وتيرة واحدة في العامية العربية اليوم، فأصبح يقال فيها مثلا: "عَلْباب" و"عَلْمكتب"، كما يقال فيها أيضا: "عَ السطح" و"عَ التراب"، وغير ذلك. ٧- ويشبه ما سبق كذلك: دخول حرفي الجر "من" و"عن" على معرفة بأل القمرية، قال ابن منظور: "قال أبو اسحاق: ويجوز حذف

стр. 33

النون من "من" و"عن" عند الألف واللام، لالتقاء الساكنين، وحذفها من "من" أكثر من حذفها من "عن"؛ لأن دخول "من" في الكلام أكثر من دخول "عن"١. ومن أمثلة ذلك٢، قول ابن ميادة: وما أنس مِلْأشياء لا أنس قولها ... وأدمعها يذرين حشو المكاحل٣ وقد كثر ذلك في شعر عمر بن أبي ربيعة، فمن ذلك قوله: فلم أنس مِلْأشياء لا أنس نظرتي ... إليها وتربيها ونحن لدى سلع٤ وقوله: فما أنس مِلْأشياء لا أنس موقفي ... وموقفها وهنا بقارعة النخل٥ وقوله: وما أنس مِلْأشياء لا أنس مجلسا ... لنا مرة منها بقرن المنازل٦ وقوله: فملآن لمت النفس بعد الذي مضي ... وبعد الذي آلت وآليت من قسم٧ وقوله: فملآن يثن الصبر نفسي أوتمت ... إذا انبت حبل من حبالك فانقضب٨

стр. 34

وقوله: وتعلم أن لها عندنا ... ذخائر مِلْحب لا تظهر١ وقوله: نجيين نقضي اللهو في غير محرم ... ولو رغمت ملكا شحين المعاطس٢ وقوله: عشية رحنا ملغميم وصحبتي ... تخب بهم عيس لهن رسيم٣ ومثل ذلك أيضا قول الشاعر: أبلغ أبا دختنوس مألكة ... غير الذي قد يقال مِلْكذب٤ ومثل قول الآخر: كأنهما مِلْآن لم يتغيرا ... وقد مر للدارين من بعدنا عصر٥ ومثل قول النابغة الجعدي: ولقد شهدت عكاظ قبل محلها ... فيها وكنت أعد مِلْفتيان٦ ومثل قول النابغة الجعدي كذلك:

стр. 35

ولبست مِلْإسلام ثوبا واسعا ... من سيب لا حرم ولا منان١ ومثل قول أعشى بن قيس بن ثعلبة: وأحكم من قس وأجرأ مِلَّذي ... بذي الفيل من خفان أصبح حاردا٢ ومثل قول عروة بن الورد: وما أنس مِلْأشياء لا أنس قولها ... لجارتها ما إن يعيش بأحورا٣ ومثل قول فضالة بن زيد العدواني: وكان سليطا مقولي متناذرا ... شذاه فصرت اليوم مِلْعي أبكما٤ ومثل قول القتال الكلابي: وما أنس مِلأشياء لا أنس نسوة ... طوالع من حوضي وقد جنح العصر٥ ومثل قول ذي الإصبع العدواني: أجعل مالي دون الدنا غرضا ... وما وهي مِلْأمور فانصدعا٦ ومثل قول الراجز: لو يستطيع فدية فداك ... بنفسه مِلْموت إن أتاك٧ ومثل قول الحارث بن خالد المخزومي: عاهد الله إن نجا مِلْمنايا ... ليعودن بعدها حرميا٨

стр. 36

ويقول المبرد بعد هذا البيت: "وقوله: مِلمنايا، يريد: من المنايا، ولكنه حذف النون لقرب مخرجها من اللام، فكانتا كالحرفين يلتقيان على لفظ، فيحذف أحدهما ومن كلام العرب أن يحذفوا النون، إذا لقيت لام المعرفة ظاهرة". ومثل قول العرجي: وما أنس مِلْأشياء لا أنس قولها ... لخادمها قومي اسألي لي عن الوتر١ ومثل قول عمرو بن السليح: دلفنا للأعاجم من بعيد ... بجمع مِلْجزيرة كالسعير٢ ومثل قول عدي بن زيد: يسارقن مِلْأستار طرفا مفترا ... ويبرزن من فتق الخدور الأصابعا٣ ومثل قول أبي قيس بن الأسلت: فولوا سراعا هاربين ولم يؤب ... إلى أهله مِلْجيش غير عصائب٤ ومثل قول عمرو بن كلثوم: فما أبقت الأيام مِلْمال عندنا ... سوى جذم أذواد محذفة النسل٥ ومثل قول تأبط شرا: فادركنا الثأر منها ولما ... ينج مِلْحيين إلا الأقل٦

стр. 37

ومثل قول الشاعر: ألا أبلغ بني عوف رسولا ... فما مِلْآن في الطير اعتذار١ ومثل قول جميل بن معمر العذري: وما أنس مِلْأشياء لا أنس قولها ... وقد قربت نضوي أمصر تريد٢ ومثل قول مليح بن الحكم الهذلي: فلما دنت مِلْأرض حتى تقربت ... إليها وحتى طبقت بالكلاكل٣ ومثل قول المرقش الأكبر: لم يشج قلبي مِلْحوادث إلـ ... لا صاحبي المتروك في تغلم٤ ٨- الفعل "استطاع" ومضارعه، في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] ، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢] . ويقول ابن السكيت: "ويقال: ما أستطيع، وما أسطيع، وما أستيع، بمعنى واحد"٥. ومن أمثلة ورود ذلك في الشعر، قول عدي بن زيد العبادي: ولا تقصرن عن سعي من قد ورثته ... فما اسطعت من خير لنفسك فازدد٦

стр. 38

وقول العباس بن مرداس: تأبى رفاعة مولاها وأنفسها ... أن يسلموني ولا يسطاع ما منعوا١ وقول المرار: ويرى دوني فلا يسطيعني ... خرط شوك من قتاد مسمهر٢ وقول يحيى بن زياد الحارثي: دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا٣ ٩- مصغر "ابن" عند إضافته إلى ياء المتكلم. وهذا الحذف لازم، إذ يقال دائما: "بُنَيّ"، وأصله: "بُنَيِّي". ١٠- مثال: مَيِّت، وهَيِّن، ولَيِّن، ونحوها، إذ تخفف أحيانا، فيقال: مَيْت، وهَيْن، ولَيْن. وهذا معناه حذف المقطع: "yi" فرارا من تكرار الياء. وقد وردت كلمة: "أَيِّم" بالتخفيف في بيت العجاج: وبطن أيْمٍ وقواما عُسلجا وقال عنه ابن السكيت: "والأصل: أيِّم، فخفف نحو، لَيِّن ولَيْن، وهَيِّن وهَيْن"٤. ١١- عبارة: ايْمُنُ الله، يقال فيها: "ايْمُ الله"!

стр. 39

١٢- كلمة: لله، يقال فيها: "لاهِ"، وذلك كما في قول ذي الإصبع العدواني: لاهِ ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني١ "أراد: لله ابن عمك، فحذف لام الجر واللام التي بعدها"٢. ١٣- الفعل المضارع إذا كان نوني الفاء وهو مسند لجماعة المتكلمين. وقد ورد ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى: "وكذلك نُجِّي المؤمنين" [الأنبياء: ٨٨] في قراءة ابن عامر وعاصم٣. وفي الآية تخريجات أخرى واهية، ذكرها ابن هشام فقال: "وقد يجيء هذا الحذف في النون. ومنه على الأظهر قراءة ابن عامر وعاصم: وكذلك نُجِّي المؤمنين، أصله: نُنَجِّي، بفتح النون الثانية. وقيل الأصل: نُنْجي، بسكونها، فأدغمت كإجّاصة وإجّانة. وإدغام النون في الجيم لا يكاد يعرف. وقيل: هو من نجا ينجو، ثم ضعفت عينه، وأسند لضمير المصدر. ولو كان كذلك لفتحت الياء؛ لأنه فعل ماض"٤. وهذا التخريج الثالث في كلام ابن هشام، هو الرأي الوحيد عند الفراء، في قوله: "وقد قرأ عاصم، فيما أعلم: نُجِّي، بنون واحدة ونصب "المؤمنين" كأنه احتمل اللحن، ولا نعلم لها جهة إلا تلك؛ لأن ما لم يسم فاعله إذا خلا باسم رفعه، إلا أن يكون أضمر المصدر في: نُجِّي، فنوى به

стр. 40

الرفع، ونصب "المؤمنين"، فيكون كقولك: ضُرِب الضرب زيدا، ثم تكنى عن الضرب، فتقول: ضرب زيدا. وكذلك نُجِّي النجاءُ المؤمنين"١. وقد رد ابن جني هذا الرأي الذي ارتآه الفراء، على النحو الذي قدمه ابن هشام من قبل، يقول ابن جني: "وأما قراءة من قرأ: وكذلك نُجِّي المؤمنين، فليس على إقامة المصدر مقام الفاعل، ونصب المفعول الصريح؛ لأنه عندما على حذف إحدى نوني: "نُنَجِّي"، كما حذف ما بعد حرف المضارعة في قول الله سبحانه: "تذكرون" أي تتذكرون. ويشهد أيضا لذلك سكون لام "نجي"، ولو كان ماضيا لانفتحت اللام إلا في الضرورة"٢. وقد أورد ابن الشجري معظم هذه الأقوال في أماليه، ثم قال: "وخطر لي في هذه القراءة وجه يخرج الفعل من بنائه للمفعول، وعن إدغام النون في الجيم، ولا يخرجه عن قياس العرب، وهو أن يكون القارئ نجي، أراد: ننجي، مفتوح النون مشدد الجيم، فحذف النون الثانية كراهة توالي مثلين متحركين، كما حذف التاء من قرأ: تذكرون، خفيف الذال، حذف التاء الثانية من تتذكرون، وكما حذفوا بإجماع التاء الثانية من تتنزل، وقرءوا كلهم: تنزل الملائكة والروح"٣. ١٤- مضارع وزن "أفعل". وأصل كراهة توالي الأمثال هنا في المضارع المسند إلى ضمير المتكلم، إذ الأصل فيه: "أؤكرم"، فصار بعد
следующие страницы →