← Язык

Язык · id 15043

بحوث ومقالات في اللغة

رمضان عبد التواب

Полный текст (254 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ويقول المبرد بعد هذا البيت: "وقوله: مِلمنايا، يريد: من المنايا، ولكنه حذف النون لقرب مخرجها من اللام، فكانتا كالحرفين يلتقيان على لفظ، فيحذف أحدهما ومن كلام العرب أن يحذفوا النون، إذا لقيت لام المعرفة ظاهرة". ومثل قول العرجي: وما أنس مِلْأشياء لا أنس قولها ... لخادمها قومي اسألي لي عن الوتر١ ومثل قول عمرو بن السليح: دلفنا للأعاجم من بعيد ... بجمع مِلْجزيرة كالسعير٢ ومثل قول عدي بن زيد: يسارقن مِلْأستار طرفا مفترا ... ويبرزن من فتق الخدور الأصابعا٣ ومثل قول أبي قيس بن الأسلت: فولوا سراعا هاربين ولم يؤب ... إلى أهله مِلْجيش غير عصائب٤ ومثل قول عمرو بن كلثوم: فما أبقت الأيام مِلْمال عندنا ... سوى جذم أذواد محذفة النسل٥ ومثل قول تأبط شرا: فادركنا الثأر منها ولما ... ينج مِلْحيين إلا الأقل٦

стр. 37

ومثل قول الشاعر: ألا أبلغ بني عوف رسولا ... فما مِلْآن في الطير اعتذار١ ومثل قول جميل بن معمر العذري: وما أنس مِلْأشياء لا أنس قولها ... وقد قربت نضوي أمصر تريد٢ ومثل قول مليح بن الحكم الهذلي: فلما دنت مِلْأرض حتى تقربت ... إليها وحتى طبقت بالكلاكل٣ ومثل قول المرقش الأكبر: لم يشج قلبي مِلْحوادث إلـ ... لا صاحبي المتروك في تغلم٤ ٨- الفعل "استطاع" ومضارعه، في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] ، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢] . ويقول ابن السكيت: "ويقال: ما أستطيع، وما أسطيع، وما أستيع، بمعنى واحد"٥. ومن أمثلة ورود ذلك في الشعر، قول عدي بن زيد العبادي: ولا تقصرن عن سعي من قد ورثته ... فما اسطعت من خير لنفسك فازدد٦

стр. 38

وقول العباس بن مرداس: تأبى رفاعة مولاها وأنفسها ... أن يسلموني ولا يسطاع ما منعوا١ وقول المرار: ويرى دوني فلا يسطيعني ... خرط شوك من قتاد مسمهر٢ وقول يحيى بن زياد الحارثي: دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا٣ ٩- مصغر "ابن" عند إضافته إلى ياء المتكلم. وهذا الحذف لازم، إذ يقال دائما: "بُنَيّ"، وأصله: "بُنَيِّي". ١٠- مثال: مَيِّت، وهَيِّن، ولَيِّن، ونحوها، إذ تخفف أحيانا، فيقال: مَيْت، وهَيْن، ولَيْن. وهذا معناه حذف المقطع: "yi" فرارا من تكرار الياء. وقد وردت كلمة: "أَيِّم" بالتخفيف في بيت العجاج: وبطن أيْمٍ وقواما عُسلجا وقال عنه ابن السكيت: "والأصل: أيِّم، فخفف نحو، لَيِّن ولَيْن، وهَيِّن وهَيْن"٤. ١١- عبارة: ايْمُنُ الله، يقال فيها: "ايْمُ الله"!

стр. 39

١٢- كلمة: لله، يقال فيها: "لاهِ"، وذلك كما في قول ذي الإصبع العدواني: لاهِ ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني١ "أراد: لله ابن عمك، فحذف لام الجر واللام التي بعدها"٢. ١٣- الفعل المضارع إذا كان نوني الفاء وهو مسند لجماعة المتكلمين. وقد ورد ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى: "وكذلك نُجِّي المؤمنين" [الأنبياء: ٨٨] في قراءة ابن عامر وعاصم٣. وفي الآية تخريجات أخرى واهية، ذكرها ابن هشام فقال: "وقد يجيء هذا الحذف في النون. ومنه على الأظهر قراءة ابن عامر وعاصم: وكذلك نُجِّي المؤمنين، أصله: نُنَجِّي، بفتح النون الثانية. وقيل الأصل: نُنْجي، بسكونها، فأدغمت كإجّاصة وإجّانة. وإدغام النون في الجيم لا يكاد يعرف. وقيل: هو من نجا ينجو، ثم ضعفت عينه، وأسند لضمير المصدر. ولو كان كذلك لفتحت الياء؛ لأنه فعل ماض"٤. وهذا التخريج الثالث في كلام ابن هشام، هو الرأي الوحيد عند الفراء، في قوله: "وقد قرأ عاصم، فيما أعلم: نُجِّي، بنون واحدة ونصب "المؤمنين" كأنه احتمل اللحن، ولا نعلم لها جهة إلا تلك؛ لأن ما لم يسم فاعله إذا خلا باسم رفعه، إلا أن يكون أضمر المصدر في: نُجِّي، فنوى به

стр. 40

الرفع، ونصب "المؤمنين"، فيكون كقولك: ضُرِب الضرب زيدا، ثم تكنى عن الضرب، فتقول: ضرب زيدا. وكذلك نُجِّي النجاءُ المؤمنين"١. وقد رد ابن جني هذا الرأي الذي ارتآه الفراء، على النحو الذي قدمه ابن هشام من قبل، يقول ابن جني: "وأما قراءة من قرأ: وكذلك نُجِّي المؤمنين، فليس على إقامة المصدر مقام الفاعل، ونصب المفعول الصريح؛ لأنه عندما على حذف إحدى نوني: "نُنَجِّي"، كما حذف ما بعد حرف المضارعة في قول الله سبحانه: "تذكرون" أي تتذكرون. ويشهد أيضا لذلك سكون لام "نجي"، ولو كان ماضيا لانفتحت اللام إلا في الضرورة"٢. وقد أورد ابن الشجري معظم هذه الأقوال في أماليه، ثم قال: "وخطر لي في هذه القراءة وجه يخرج الفعل من بنائه للمفعول، وعن إدغام النون في الجيم، ولا يخرجه عن قياس العرب، وهو أن يكون القارئ نجي، أراد: ننجي، مفتوح النون مشدد الجيم، فحذف النون الثانية كراهة توالي مثلين متحركين، كما حذف التاء من قرأ: تذكرون، خفيف الذال، حذف التاء الثانية من تتذكرون، وكما حذفوا بإجماع التاء الثانية من تتنزل، وقرءوا كلهم: تنزل الملائكة والروح"٣. ١٤- مضارع وزن "أفعل". وأصل كراهة توالي الأمثال هنا في المضارع المسند إلى ضمير المتكلم، إذ الأصل فيه: "أؤكرم"، فصار بعد

стр. 41

حذف أحد المقطعين المتماثلين: "أُكْرِمُ"، ثم حملت باقي صيغ المضارعة على هذه الصيغة، طردا للباب على وتيرة واحدة"١. وقد فطن إلى ذلك أبو العباس المبرد، فقال: "أكرم يُكرم، وأحسن يُحسن. وكان الأصيل: يؤكرم، ويؤحسن، حتى يكون على مثال: يدحرج؛ لأن همزة: أكرم مزيدة، بحذاء دال: دحرج، وحق المضارع أن ينتظم ما في الماضي من الحروف، ولكن حذفت هذه الهمزة؛ لأنها زائدة، وتلحقها الهمزة التي يعني بها المتكلم نفسه، فتجتمع همزتان، فكرهوا ذلك وحذفوا إذ كانت زائدة، وصارت حروف المضارعة تابعة للهمزة التي يعني بها المتكلم نفسه، كما حذفوا الواو التي في: "يَعِد" لوقوعها بين ياء وكسرة. وصارت حروف المضارعة تابعة للياء"٢. ويقول ابن جني في ذلك: "قولهم: أنا أكرم، حذفوا الهمزة التي كانت في: "أكرم"، لئلا يلتقي همزتان؛ لأنه كان يلزم: أنا أؤكرم، فحذفوا الثانية، كراهة اجتماع همزتين، ثم قالوا: نكرم وتكرم ويكرم، فحذفوا الهمزة، وإن كان لو جاءوا بها لما اجتمع همزتان، ولكنهم أرادوا المماثلة، وكرهوا أن يختلف المضارع، فيكون مرة بهمزة وأخرى بغير همزة، محافظة على التجنيس في كلامهم"٣. كما يقول أبو البركات بن الأنباري: "وكذلك قالوا: "أكرم، والأصل فيه: أؤكرم، فحذفوا إحدى الهمزتين استثقالا لاجتماعهما. وقالوا: نكرم،

стр. 42

وتكرم، ويكرم، والأصل فيها: نؤكرم وتؤكرم، ويؤكرم ... فحذفوا الهمزة، وإن لم يجتمع فيها همزتان، حملا على: أكرم، ليجري الباب على سنن واحد"١. وقد يضطر بعض الشعراء إلى استخدام الأصل، الذي لا تتوالى فيه الأمثال، مثل قول ليلى الأخيلية: تدلت على حص ظماء كأنها ... كرات غلام في كساء مُؤرنب٢ ومثل قول الآخر: وصاليات ككما يُؤثفين٣ وقول الثالث: فإنه أهل لأن يُؤَكرما٤

стр. 43

١٥- عبارة: وعَبَدَ الطاغوت، في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] ، فقد عد لها ابن جني١ عشر قراءات مختلفة، إحداها من جهة أحمد بن يحيى ثعلب، مبنية على كراهة توالي المقاطع المتقاربة في المخارج والصفات، يقول: "ومن جهته "أحمد بن يحيى" أيضا: وعبد الطاغوت، وقال: أراد عَبَدَةَ، فحذف الهاء. قال: ويقال: عبدة الطاغوت والأوثان، ويقال للمسلمين: عباد"٢. ومن الطريف أن الطبري يرى أنه "لو قرئ: وعبد الطاغوتِ، بالكسر، كان له مخرج في العربية صحيح"٣، ثم يقول: "وإن لم أستجز اليوم القراءة بها، إذ كانت قراءة الحجة من القرأة بخلافها. ووجه جوازها في العربية أن يكون مراد بها: وعَبَدَةَ الطاغوت، ثم حذفت الهاء للإضافة". كما يقول الفراء: "وكان أصحاب عبد الله "بن مسعود" يقرءون: وعبد الطاغوتِ، على فعل، ويضيفونها إلى الطاغوت، ويفسرونها: خدمة الطاغوت. ولو قرأ قارئ: وعَبَدَ الطاغوتِ، كان صوابا جيدا، يريد: عبدة الطاغوت، فيحذف الهاء، لمكان الإضافة"٤.

стр. 44

والحقيقة أن التاء لم تحذف للإضافة، كما يرى ذلك الطبري والفراء، وإنما حذفت لكراهة توالي المقاطع المتقاربة في الصفات. وقد تحير: "نولدكه" Th. Noldeke في معنى هذه الآية، فظن فيها نوعا من القلب، وقال في الفصل الذي كتبه عن "لغة القرآن" في كتابه: "مقالات جديدة في علم اللغات السامية"١: "وهناك نوع من القلب في: من لعنه الله، وغضب عليه، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، فإن ترتيب الكلمات على حسب المعنى المراد يكون كالآتي: "من عبد الطاغوت ولعنه ... الخنازير"!! ١٦- ويشبه الآية القرآنية: عدا الأمر في قول زهير: إن الخليط أجدوا البين فانجردوا ... وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا٢ فقد قال فيه الجوهري: "أراد: عدة الأمر، فحذف الهاء عند الإضافة"٣. تلك هي معظم أمثلة ظاهرة كراهية توالي الأمثال في العربية. ولا تقتصر هذه الظاهرة على العربية وحدها، ففي الفصيلة السامية أمثلة

стр. 45

تؤخذ إسكانر كثيرة لها، مثال ذلك كلمة: " arya في اللغة السريانية، بمعنى: "ليث" أصلها: aryaya ١. ومن اللغات الأوروبية مثلا كلمة: Der Beamte بمعنى: "الموظف" في الألمانية، فأصلها: der Beamtete ٢. ومثال ذلك أيضا الكلمة الألمانية: Stipendium بمعنى: "منحة دراسية"، فهي مستعارة في القرن السادس عشر الميلادي من اللاتينية: Stipendium بمعنى: "ضريبة" أو "صرف الأجر". وهي مركبة في اللاتينية من كلمتين، وأصلها Stipi - pendium الكلمة الأولى: Stips بمعنى: "مساعدة مالية" أو "تبرع" "والثانية": Pendere بمعنى: "صرف" ٣. وليس الحذف هو السبيل الوحيد للفرار من كراهة توالي الأمثال في العربية، بل هناك طريق آخر هو قلب أحد الصوتين المتماثلين صوتا آخر، يلغب أن يكون من الأصوات المتوسطة المائعة، أو من أصوات العلة، وهو ما يسمى بالمخالفة الصوتية Dissimilation. وهناك طريق ثالث، هو إيجاد فاصل بين الصوتين المتماثلين، يخفف من ثقل اجتماعهما، كما هو الحال في توكيد الفعل المسند إلى نون النسوة، إذ تزيد فيه اللغة العربية ألفا بين نون النسوة ونون التوكيد. وهذه الألف يسميها الصرفيون بالألف الفارقة.

стр. 46

وقد لخص جلال الدين السيوطي كل هذه الحالات الثلاث أحسن تلخيص، فقال "وهو يسمى المخالفة بالقلب": "اجتماع الأمثال مكروه، ولذلك يفر منه إلى القلب أو الحذف أو الفصل، فمن الأول: قالوا في دهدهت الحجر: دهديت، قلبوا الهاء الأخيرة ياء، كراهة اجتماع الأمثال. وكذلك قولهم في: حاحا زيد: حيحا زيد، قلبوا الألف ياء لذلك. وقال الخليل: أصل "مهما" الشرطية: ماما، قلبوا الألف الأولى هاء، لاستقباح التكرير ... وكذلك: دينار، وديباج، وقيراط، وديماس، وديوان، أصلها: دِنَّار، ودِبَّاج، ودِوَّان، قلب أحد حرفي التضعيف ياء لذلك. ولَبَّى أصله: لَبَّبَ، قلبت الباء الثانية، التي هي اللام ياء؛ هربا من التضعيف، فصار: لبي، ثم أبدلت الياء ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار: لَبَّى. "ومن الثاني: حذف أحد مثلى ظللت ومسست وأحسست، فقالوا: ظلت، ومست، وأحست. وحذف إحدى الياءين من: سيّد، وميّت، وهيّن، وليّن. وقيل: وهو مقيس على الأصح. وقال ابن مالك: يحفظ ولا يقاس عليه ... "ومن ذلك "الثالث" قال ابن عصفور: لم تدخل النون الخفيفة على الفعل، الذي اتصل به ضمير جمع المؤنث؛ لأنه يؤدي إلى اجتماع المثلين، وهو ثقيل فرفضوه لذلك، ولم يمكنهم الفصل بينهما بالألف، فيقولون: هل تضربنانْ؟ لأن الألف إذا كان بعدها ساكن غير مشدد حذفت، فيلزم أن يقال: هل تضربنَنْ؟ فتعود إلى مثل ما فررت منه، فلذلك عدلوا عن إلحاق الخفيفة، وألحقوا الشديدة، وفصلوا بينهما وبين نون الضمير بالألف، كراهية اجتماع الأمثال، فقالوا: هل تضربنانِّ؟ "١.

стр. 47

الفصل الثاني: رأي في تفسير الشواذ في لغة العرب كثيرا ما تقابلنا في كتب النحو العربي عبارة: "وهي لغة شاذة"١. وقد اجتهد علماء العرب في تعريف هذا الشاذ، وحصر أمثلته المختلفة٢، غير أنهم لم يذكروا شيئا عن الأسباب، التي تؤدي إلى وقوع الأمثلة الشاذة، في لغة من اللغات. وقبل أن نعرف شيئا عن أهم الأسباب، التي يحدث من أجلها الشاذ في اللغة، نود أن نؤكد هنا شيئا، فرغ منه المحدثون من علماء اللغات، منذ فترة طويلة، وهو أن اللغة كائن حي؛ لأنها تحيا على ألسنة المتكلمين بها، وهم من الأحياء٣، وهي لذلك تتطور وتتغير بفعل الزمن، فهي عبارة عن سلسلة متلاحقة الحلقات، يسلم بعضها إلى بعض، وكل حلقة منها تتكون من مجموعة من الظواهر المطردة القواعد؛ لأن كل لغة لا بد لها من منطق معين، حتى تصلح لكي يتفاهم بها أهلها. وهذا المنطق هو ما نطلق عليه اسم "القواعد المطردة".

стр. 48

تؤخذ إسكانر غير أننا نلحظ في كل حلقة من حلقات التطور اللغوي، أمثلة شاذة عن تلك القواعد المطردة، ويرجع السبب في وجودها في اللغة، في غالب الأحيان، إلى واحد من ثلاثة أمور، فإما أن تكون تلك الشواذ، بقايا حلقة قديمة، ماتت واندثرت، وهو ما نسميه نحن: "الركان اللغوي للظواهر المندثرة في اللغة"، وإما أن يكون هذا الشاذ بداية وإرهاصا لتطور جديد، لظاهرة من الظواهر، تسود حلقة تالية، وتقضي على سلفها في الحلقة القديمة، وإما أن يكون ذلك الشاذ، شيئا مستعارا من نظام لغوي مجاور. وكل مثال شذ لسبب من الأسباب الثلاثة السابقة، على القواعد المطردة، في حلقة من حلقات التطور اللغوي، إنما كان مطردا في بيئته، وتوافقا مع القواعد السائدة في تلك البيئة، فالركام اللغوي، كان أمرا مطردا في تلك الحلقة، التي بادت واندثرت. وبدايات التطور في ظاهرة من ظواهر اللغة، نراها سائدة مطردة بعد ذلك، في حلقتها الجديدة، التي آلت إليها لغة من اللغات. وكذلك تلك الأمثلة المستعارة في أية لغة، من نظام لغوي مجاور، هي شاذة هنا، غير أنها قد تكون مطردة تمام الاطراد، في ذلك النظام اللغوي المجاور. والشكال التالي بين كل هذه الأمور بوضوح، مع ملاحظة أن العلامة "*" تعنى المرحلة المندثرة، والعلامة = تعنى المرحلة الحالية، والعلامة O تعنى المرحلة التالية، والعلامة × تعنى: "النظام اللغوي المجاوري: يوجد شكل رسم يسحب إسكانر

стр. 49

واصطلاح "الركام اللغوي" اصطلاح صنعناه نحن، قياسا على: "الركام الحجري"، ذلك الاصطلاح الجغرافي، الذي يعنون به تلك الأحجار، التي تجرفها السيول والانهيارات الثلجية، من مكان إلى مكان. أما نحن فنعنى بمصطلحنا "الركام اللغوي" بقايا الظواهر اللغوية المندثرة؛ لأننا نعتقد أن الظاهرة اللغوية الجديدة، لا تمحو الظاهرة القديمة بين يوم وليلة، بل تسير معها جنبا إلى جنب مدة من الزمن، قد تطول وقد تقصر، وهي حين تتغلب عليها، لا تقضي على أفرادها قضاء مبرما، بل يتبقى منها بعض الأمثلة، التي تصارع الدهر، وتبقى على مر الزمن. ومن أمثلة ذلك: مراحل تطور الأفعال المعتلة في اللغة العربية، وأخواتها اللغات السامية، فقد تركت بعض هذه المراحل ركاما لغويا في تلك اللغات هنا وهناك. ونعني بالأفعال المعتلة ما كان منها "أجوف"، مثل، قال، وباع، وخاف، وطال أو ناقصا، مثل: دعا، وقضى، أو من نوع "اللفيف المقرون"، مثل روى، وهوى، فإن كل هذا الأفعال، وما شابهها، بصورتها التي ذكرناها هنا، تعد آخر مرحلة من مراحل تطورها في اللغات السامية. أما أولى هذه المراحل، فإنها كانت: قول، وبيع، وخوف، وطول، ودعو، وقَضَى، ورَوَى، وهَوَى، على نمط الصحيح تماما. وهذه المرحلة بقيت كما هي في اللغة الحبشية١، في بعض الأفعال الجوفاء، وفي كل الأفعال الناقصة، أو من نوع اللفيف المقرون، مثال الأجوف فيها:

стр. 50

تسحب إسكانر وقد بقيت من هذه المرحلة، عدة أفعال في العربية، مثل: "عور". بمعنى: فقد إحدى عينيه، و "حور"، والحور: نقاء بياض العين واشتداد سوادها، و "هيف" بمعنى: ضمر بطنه، و "استحوذ" في مثل قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة ٥٨/ ١٩"، و "استنوق الجمل"، وهو مثل عربي، يقال إن "طرفة بن العبد" هو أول من قاله، حين سمع "المتلمس" ينشد شعرا له، ويقول فيه: وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم١ والصيعرية: سمة للنوق، فجعلها المتلمس للجمل، وسمعه طرفة ينشد البيتن فقال: استنوق الجمل، فضحك الناس، وسارت مثلا. أما المرحلة الثانية في تطور هذه الأفعال المعتلة، فهي مرحلة التسكين، أو ضياع الحركة بعد الواو والياء للتخفيف، فيصبح الفعل على نحو: قول:، وبيع وخوف وقضي، ورمى ... الخ. وقد فطن العلامة "ابن جني" بحسه اللغوي، إلى ضرورة وجود هذه المرحلة في طريق تطور الأفعال المعتلة، فقال: "ومن ذلك قولهم: إن أصل قام: قوم، فأدبلت الواو ألفا، وكذلك: باع، أصله: بيع، ثم أبدلت الياء

стр. 51

ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها. وهو لعمري كذلك، إلا أنك لم تقلب واحدا من الحرفين إلا بعد أن أسكنته، استثقالا لحركته، فصار إلى: قوم، وبيع"١. وقد بقيت هذه المرحلة عند قبيلة طيئ، فقد روى لنا عنها أنها تقول مثلا: "حبلى" و"أفعى" و"هدى"، وما شابه ذلك، في الوصل والوقف٢. وأغلب الظن أن الراجز الذي قال: وفرج منك قريب قد أتى وزميله الذي قال: يمنعهن الله ممن قد طغى إنما كان من شعراء هذه القبيلة كذلك٣. ولعل هذه الظاهرة كانت شائعة عند قبيلة "هذيل" كذلك لأنهم كانوا عندما يضيفون المقصور إلى ياء المتكلم، في مثل: "هداي" و"هواي" وغيرهما، يقولون، هدى "= هدى + ي"، وهوى "= هوى + ي" وغير ذلك. وعلى لغتهم جاء قول أبي ذؤيب الهذلي: سبقوا هويَّ وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا ولكل جنب مصرع٤ كثيرا، وقالوا عنه إنه "لغة بني بكر بن وائل، وأناس كثير من تميم٥، كما

стр. 52

يروى عن قبيلة ربيعة كذلك١. ومن أمثلته قول القطامي: إذا هدرت شقاشقه ونشبت ... له الأظفار تُرْك له المدار٢ وقول القطامي كذلك: ألم يجز التفرق جند كسرى ... ونُفْخوا في مدائنهم فطاروا٣ وقول الأخطل: وما كل مغبون ولو سَلْف صفقه ... براجع ما قد فاته برادد٤ وقول الأخطل كذلك: فإن أهجه يضجر كما ضَجْر بازل ... من الأدم دَبْرت صفحتاه وغاربه٥ وقول الشاعر: وقالوا ترابي فقلت صدقتم ... أبي من تراب خَلْقه الله آدما٦ وقول الآخر: فإن النبيذ الصرد إن شُرْب وحده ... على غير شيء أحق الكَبْد جوعها٧ وقول أبي خراش الهذلي:

стр. 53

ولحم امرئ لم تطعم الطير مثله ... عشية أمسى لا يبين من البَكْم١ وقول الشاعر: ألا يا ليتها لُدْغت ... وأدعى كيم ذي أرقى٢ وقول أبي النجم العجلي: لو عُصْر منها البان والمشك انعصر٣ وقوله كذلك: حتى إذا ما رَضْي من كمالها٤ وقول الراجز: رُجْم به الشيطان في هوائه٥ وقول الآخر: قالت أراه دالفا قد دُنْي له٦ ومن أمثال العرب قولهم: "لم يُحرم من فُصْد له"٧. والمرحلة الثالثة في تطور الأفعال المعتلة، هي تلك المرحلة التي تسمى في عرف اللغويين المحدثين: "انكماش الأصوات المركبة"٨ kontraktion der Diphthonge والأصوات المركبة في العربية هي: الواو والياء المسبوقتان

стр. 54

تسحب إسكانر بالفتحة، في مثل: "قول" و "بيت"، فإن الملاحظ في تطور اللغات، هو انكماش هذه الأصوات، فتتحول الواو المفتوح ما قبلها إلى ضمة طويلة ممالة، كقولنا في اللهجة المصرية مثلا: Som, nom, yom بدلا من "يوم" و "نوم" و "صوم". وكذلك تنكمش الياء المفتوحة ما قبلها، فتتحول إلى كسرة طويلة ممالة، كقولنا في اللهجة المصرية مثلا: let , zet , bet f بدلا من "بيت" و "ليل" و "زيت" وغير ذلك. وهذه المرحلة هي الشائعة في اللغة الحبشية، في الأفعال الجوفاء١، ففيها مثلا: "باع" وغير ذلك كما توجد هذه المرحلة أيضا، في اللهجات العربية التي تميل، في مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ في قراءة من أمال ٢. وفي ذلك يقول الزجاج: "والإمالة إلى الكسر، لغة بنى تميم وكثير من العرب. ووجهها أنها الأصل في ذوات الياء، فأميلت لتدل على ذلك"٣. أما المرحلة الرابعة والأخيرة في تطور تلك الأفعال المعتلة، فتتمثل في التحول من الإمالة إلى الفتح الخالص، ذلك أن الحركة الممالة الناتجة من انكماش الصوت المركب، كثيرا ما تتطور في اللغات المختلفة، فتتحول إلى فتحة طويلة٤، فمثلا كلمة: "فأين" تطورت بعد سقوط الهمز منها إلى: "فين" Fen، بدلا من "فين"، وفي بعض اللهجات: "وين".

стр. 55

تسحب إسكانر wen المتطورة عن "وين" بعد سقوط الهمز من "وأين". غير أننا نسمع بعض أهال مصر العليا، ينطقون الكلمة الأولى بالفتح الخالص، فيقولون: "فإن" بدلا من "فين" fen الشائعة فيما عدا ذلك في بلاد مصر، أي أن التطور في هذا الصوت المركب، كان على النحو التالي: a > e > ay. وهذا التطور الأخير، هو الذي وصلت إليه العربية في مثل: "قام" و "باع" و "خاف" و "دعا" " وقضى" و "رمى"١. كما وصلت اللغة العبرية في مثل: توجد فقرة سرياني يجسب أن تسحب إسكانر؟ ؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وقد حدث مثل ذلك في لغة طييء، في الأفعال المعتلة المكسورة العين في الماضي كذلك، مثل قولهم: "رضا" في "رضى"، و "فنا" في: "فني"، و "هذا" في: "هدى" وغير ذلك ٢. تلك هي مراحل تطور الأفعال المعتلة، وقد رأينا كيف خلفت تلك المراحل ركاما لغويا، في العربية الفصحى، واللغات السامية، واللهجات العربية المختلفة، ومن كل ذلك نرى أن ما يقوله النحاة من أن "قال" مثلا، أصلها: "قول"، صحيح: بصرف النظر عن تعليلهم هذا، بتحرك الواو

стр. 56

وانفتاح ما قبلها، وإن كان ابن جني مثلا يزعم أن ذلك الأصل لم يوجد في العربية يوما ما، إذ عقد في "الخصائص" بابا سماه: "باب مراتب الأشياء وتنزيلها تقديرا وحكمًا لازمانا ووقتا"، وقال فيه: "هذا الموضع كثير الإيهام لأكثر من يسمعه، لا حقيقة تحته، وذلك كقولنا: الأصل في قام: قوم، وفي باع: بيع ... وفي استقام: استقوم ... فهذا يوهم أن هذه الألفاظ وما كان نحوها -مما يدعى أن له أصلا يخالف ظاهر لفظه- قد كان مرة يقال، حتى إنهم كانوا يقولون في موضع: قام زيد: قوم زيد، وكذلك نوم جعفر، وطول محمد ... وليس الأمر كذلك، بل بضده، وذلك أنه لم يكن قط مع اللفظ به إلا على ما تراه وتسمعه. وإنما معنى قولنا: إنه كان أصله كذا، أنه لو جاء مجيء الصحيح ولم يعلل، لوجب أن يكون مجيئه على ما ذكرنا، فأما أن يكون استعمل وقتا من الزمان كذلك، ثم انصرف عنه فيما بعد إلى هذا اللفظ، فخطأ لا يعتقده أحد من أهل النظر"١. ويحاول ابن جني أن يؤكد فكرته تلك مرة أخرى في كتابه: "سر صناعة الإعراب". غير أنه يعود فيعترف بأن الظاهرة اللغوية القديمة، قد تبقى منها أمثلة تعين على معرفة الأصل، وهو ما نسميه هنا: "بالركام اللغوي"، يقول ابن جني: "فبهذا ونحوه استدل أهل التصريف على أصول الأشياء المغيرة، كما استدلوا بقوله عز اسمه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ ، على أن أصل استقام: استقوم، وأصل استباع: استبيع، ولولا ما ظهر من هذا ونحوه، لما أقدموا على القضاء بأصول هذه الأشياء، ولما جاز ادعاؤهم إياها"٢.

стр. 57

وهكذا نرى ابن جنى، لا يريد أن يعترف بوجود الأصل القديم لهذه الظاهرة في الواقع اللغوي، غير أنه حين عثر على مثال من "الركام اللغوي" وهو قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ اضطر إلى الاعتراف به. ومن أمثلة "الركام اللغوي" كذلك، ما نعرفه من إلحاق الفعل علامة تثنية أو جمع في بعض ما روي لنا من أمثلة في العربية، فمن المعروف في العربية الفصحى، أن الفعل يجب إفراده دائما، حتى وإن كان فاعله مثنى أو مجموعا، أي أنه لا تتصل به علامة تثنية ولا علامة جمع، للدلالة على تثنية الفاعل أو جمعه، فيقال مثلا: "قام الرجل" و"وقام الرجلان" و"قام الرجال"، بإفراد الفعل: "قام" دائما، إذ لا يقال في الفصحى مثلا: "قاما الرجلان" ولا "قاموا الرجال". وعلى هذا النحو، جاءت جمهرة الجمل الفعلية في القرآن الكريم، يقول الله تعالى مثلا: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ولم يقل: قاتلوا معه. كما قال جل شأنه: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] ولم يقل: همتا طائفتان. تلك هي القاعدة المطردة في العربية الفصحى شعرا ونثرا. غير أنه قد وردت في كتاب الله تعالى بعض آيات، لحق الفعل فيها علامة جمع للفاعل المجموع، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] ، وقوله : ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] .

стр. 58

وقد أكثر النحويون والمفسرون علماء اللغة العرب، القول في تخريج هاتين الآيتين الكريمتين، فقد قال الإمام القرطبي، في تفسير الآية الأولى مثلا: " ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ ، أي عمي كثير وصم، بعد تبين الحق لهم بمحمد ﵇، فارتفع "كثير" على البدل من الواو، كما تقول: رأيت قومك ثلثيهم، وإن شئت كان على إضمار مبتدأ، أي العمي والصم كثير منهم. ويجوز أن يكون على لغة من قال: أكلوني البراغيث"١. كما قال في الآية الثانية: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ، أي تناجوا فيما بينهم بالتكذيب، ثم بين من هم، فقال: الذين ظلموا، أي الذين أشركوا، فالذين ظلموا بدل من الواو في "أسروا" وهو عائد على الناس المتقدم ذكرهم. قال المبرد: وهو كقولك: إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله، فبنو بدل من الواو في: انطلقوا. وقيل: هو رفع على الذم، أي هم الذين ظلموا. وقيل: على حذف القول، أي يقول الذين ظلموا. وقول رابع: أن يكون منصوبا بمعنى: أعنى الذين ظلموا وأجاز الفراء أن يكون خفضا بمعنى: اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم، فهذه خمسة أقوال. وأجاز الأخفش الرفع على لغة من قال: أكلوني البراغيث، وهو حسن. وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، ومجازة: والذين ظلموا أسروا النجوى"٢. تلك هي آراء المفسرين والنحاة واللغويين العرب، في هذه الظاهرة، وهم فيها مقلبون لكل الأوجه الممكنة في العربية، من التخريج والتأويل. غير

стр. 59

تسحب إسكانر أن مقارنة اللغات السامية، أخوات العربية، تؤدي إلى معرفة أن الأصل في تلك اللغات، أن يلحق الفعل عامة التثنية والجمع للفاعل المثنى والمجموع، كما تلحقه علامة التأنيث، عندما يكون الفاعل مؤنثا سواء بسواء١. ففي اللغة العربية مثلا: توجد فقرة سرياني تسحب إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟.؟؟؟؟؟؟؟ وترجمته الحرفية: "لا يقومون الأشرار بالعدل٣". ومثل ذلك في الآرامية في مثل: فقرة سرياني تسحب إسكانر؟؟ ؟؟ وكذلك الحال في الحبشة في نحو وترجمته الحرفية: "وكثروا أطفالهم ٦".

стр. 60

وقد تخلصت العربية الفصحى، من هذه الظاهرة رويدا رويدا، غير أن بقاياها ظلت حية عند بعض القبائل العربية القديمة، كما بقيت بعض أمثلتها في الفصحى، وهو ما نسميه هنا بالركام اللغوي. وتعرف هذه الظاهرة عند النحاة العرب بلغة "أكلوني البراغيث"، وقد عرفت بهذا الاسم؛ لأن سيبويه هو أول من مثل لها في كتابه، واختار هذا المثال فقال: "في قول من قال: أكلوني البراغيث"١، كما قال في موضع آخر: "ومن قال: أكلوني البراغيث، قلت على حد قوله: مررت برجل أعورين أبواه"٢. وإن كان قد ضرب لهذه الظاهرة أمثلة أخرى في كتابه، فقال: "واعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، وضرباني أخواك، فشبهوا هذه بالتاء التي يظهرونها في: قالت فلانة، فكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامة، كما جعلوا للمؤنث علامة، وهي قليلة"٣. وقد حكيت هذه اللغة عن قبيلة "بلحارث بن كعب"، كما حكاها أهل البصرة عن قبيلة "طيئ"، وبعض النحاة يحكيها عن قبيلة "أزد شنوءة"٤. وقد بقيت هذه الظاهرة شائعة في كثير من اللهجات العربية الحديثة، كقولنا مثلا في لغة الخطاب، في مصر: "ظلموني الناس" و"زارونا الجيران" وغير ذلك. كما بقيت بعض أمثلتها في القرآن الكريم، والحديث الشريف، واحتفظ بها الكثير من أبيات الشعر العربي القديم.

стр. 61

أما القرآن الكريم، فقد سبق الحديث عما فيه من أمثلة هذه الظاهرة. ومما جاء في الحديث الشريف قوله ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" ١، بدلا من: "تتعاقب فيكم ملائكة" وإن كان بعض العلماء يرى في هذا الحديث أنه مختصر من حديث طويل، وأن الواو فيه ضمير يعود على اسم ظاهر متقدم، وليس علامة جمع، وأن أصل الحديث: "إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار"٢. أما أبيات الشعر القديم، التي وردت فيها هذه الظاهرة، فما أكثرها في دواوين الشعر العربي، ومن أمثلة ذلك قول عمرو بن ملقط الطائي، وهو شاعر جاهلي: ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه٣ بدلا من: ألفيت عيناك. ومثله قول أمية بن أبي الصلت: يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـل أهلي فكلهم يعذل٤ بدلا من: يلومني أهلي. وكذلك قول أبي عبد الرحمن العتبي: رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر٥ أي: رأت الغواني: كما يقول الفرزدق:

стр. 62

ولكن ديافي أبوه وأمه ... بحوران يعصون السليط أقاربه١ أي: يعصر أقاربه. ويقول ابن قيس الرقيات: تولى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعد وحميم٢ أي: أسلمه مبعد وحميم. وكذلك يقول عروة بن الورد: دعيني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير وأبعدهم وأهونهم عليهم ... وإن كانا له نسب وخير٣ أي: كان له نسب وخير. ومثله قول مجنون ليلى: ولو أحدقوا بي الإنس والجن كلهم ... لكي يمنعوني أن أجيك لجيت٤ أي: ولو أحدق الإنس والجن. وإنما أطلنا في ذكر هذه الأمثلة، لنبرهن على شيوع الظاهرة في الشعر العربي. ومن "الركام اللغوي" كذلك، مجيء ما تصرف من "أفعل بالهمزة"، في مثل قول ليلى الأخيلية. تدلت على حص ظماء كأنها ... كرات غلام في كساء مؤرنب٥

стр. 63

وقول الراجز: وصاليات ككما يؤثفين١ وقول الآخر: فإن أهل لأن يؤكرما٢ وقد تخلصت العربية الفصحى من الهمز في هذه الأمثلة وما شابهها، بسبب ما يسمى "كراهة توالي الأمثال في أبنية العربية". وتتحقق هذه الكراهة في الأصل في المضارع المسند إلى ضمير المتكلم، إذ الأصل فيه: "أؤكرم" فصار بعد حذف أحد المقطعين المتماثلين: "أكرم"، ثم حملت باقي صيغ المضارعة والتصاريف الأخرى، على هذه الصيغة، طردا للباب على وتيرة واحدة٣. ومع ذلك بقيت من "الركام اللغوي" لهذه الظاهرة، تلك الأمثلة السابقة. وإذا كانت العربية الفصحى، قد آثرت تطبيق نظرية "المخالفة النوعية بين الحركات" في جمع المؤنث السالم، الذي ينصب بالكسرة بدلا من الفتحة٤، فإن الأصل وهو النصب قد بقي لنا في شيء من الركام اللغوي، فيما روي لنا عن أبي خيرة الأعرابي، أنه قال: "استأصل الله عرقاتَهم٥"، وفيما رواه الكوفيون عن بعض العرب من قولهم: "سمعت لغاتَهم، وقول الرياشي: سمعت بعض العرب يقول: أخذت إراتَهم٦.

стр. 64

ولعل من هذا "الركام اللغوي" كذلك، ما وصل إلينا من نصب الجزأين بعد "ليت" في مثل قول عبد الله بن مسلم الهذلي: لكنه شاقه أن قيل ذا رجب ... يا ليت عدة دهري كله رجبا١ وقول العجاج: يا ليت أيام الصبا رواجعا٢ وقول الشاعر: ألا يا ليتني حجرا بوادٍ ... أقام وليت أمي لم تلدني٣ ومن ذلك أيضا قولهم في الأمثال: "ليت القسي كلها أرجلا"٤. ويقال إن نصب "ليت" للجزأين لغة لبني تميم٥. ويقول ابن سلام: "وهي لغة لهم. سمعت أبا عون الحرماني يقول: ليت أباك منطلقا، وليت زيدا قاعدا"٦. ولعل السرفي نصب الجزأين على هذا النحو، أن "ليت" أصلها: "رأيت"٧، بدليل بقاء هذا الأصل، بعد تخفيف الهمز، في اللهجات العامية، إذ يقال في مصر مثلا: "يا ريتني غني! ". وقد قلبت راؤها لاما منذ زمن بعيد في الفصحى، وحمل التمني في معناها، على الترجي في "لعل"،

стр. 65

فعملت علمها، ومع ذلك بقي لنا الأصل في هذا "الركام اللغوي" الذي رأيناه في الشواهد السابقة، وقد قاس الفراء والكسائي على تلك الشواهد، بناء على مذهبهما في توسيع دائرة القياس اللغوي١. وهناك أمثلة أخرى لهذه النظرية -نظرية الركام اللغوي- في العربية، يضيق المقام عن ذكرها وكلها تبرهن بما لا يدع مجالا للشك، على أن الظاهرة اللغوية، عندما تتطور، لا تموت أو تندثر تماما، وإنما تبقى منها بقايا تدل عليها، وفي ذلك يقول العالم اللغوي فندريس: "التغيير لا يكون تاما إطلاقا، فكثيرا ما تبقى الصيغ القديمة، إلى جانب الصيغ المستحدثة، حتى لتلاحظ في النظام العام للغات التي لها تاريخ طويل، والتي عانت تطورا ضخما، كالفرنسية أو الإنجليزية، مزيجا من النظم التي تضم حالات مختلفة"٢. أما السبب الثاني من أسباب الشذوذ في اللغة، وهو ما سميناه من قبل: "بدايات التطور" أو "إرهاص التطور" لظاهرة من الظواهر اللغوية، فإن خير أمثلة ما نراه في العربية الفصحى، في صيغتي: "تفعَّل" و"تفاعل"، إذ رويت لنا فيهما صورة أخرى هي: "اتفعَّل" و"اتفاعل".

стр. 66

والصورة الأولى لهاتين الصيغتين أقدم من الثانية، وعليها جمهرة الأفعال التي رويت لنا في الفصحى، مثل: تعلم، وتكلم، وتقاتل، وتضارب، ومنها في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] ، وقوله جل شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ، وقوله : ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] ، وقوله : ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ، [البقرة: ١٥٨] ، وقوله جل وعلا: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] . كما روى لنا من الصورة الثانية، بعض الأمثلة في العربية الفصحى، ومنها في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤] ، وقوله : ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات: ٨] ، وقوله : ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] ، وقوله جل شأنه: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُون﴾ [النمل: ٦٦] . وهذا التطور حدث أولا في مضارع صيغتي: "تفعل" و"تفاعل"، إذ تتأثر التاء فيهما -بعد تسكينها للتخفيف- بفاء الفعل، إذا كانت صوتا من أصوات الصفير، كالسين والشين، أو الأصوات الأسنانية، كالدال والتاء، فتقلب صوتا من جنس هذه الأصوات، ثم قيست على ذلك صيغة الفعل الماضي، فالفعل: "اذكر" مثلا، مقيس على "يذكر". وأصله كما قلنا: "يَتْذَكَّر" بتسكين التاء للتخفيف من: "يَتَذَكَّر".

стр. 67

ولقد كانت هذه الظاهرة في سبيل التطور في العربية الفصحى، عندما جاء الإسلام، ولذلك نجد أمثلتها في القرآن الكريم، جنبا إلى جنب في بعض الأحيان، مع الصيغ القديمة التي لم يحدث فيها تطور. ونحن نعد هذا دليلا على أن التطور اللغوي، في أية ظاهرة لغوية، لا يحدث فجأة، فيقضي بين يوم وليلة على كل أثر للقديم. ففي القرآن الكريم أمثلة كثيرة للصورتين الحديثة والقديمة، في سياق لغوي متشابه إلى حد كبير، مما يؤيد ما نذهب إليه من أن معناهما واحد، وأن إحدى الصورتين أصل للأخرى، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] إلى جانب قوله في آية أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . كما يقول الله : ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ [يس: ١٨] . ويقول : ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] ، إلى جانب قوله في موضع آخر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] . ومثله قوله جل شأنه: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] إلى جانب قوله في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩] . بل إن الآية والواحدة لتحتوي في بعض الأحيان، على الصورتين معا، كقوله تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] .

стр. 68

وقد ظل هذا التطور سائرا في طريقه في لهجات الخطاب، حتى ساد وحده، وقضى على الظاهرة القديمة، ففي اللهجة العامية المصرية نقول مثلا: فلان اصدعت دماغه، واسرع في كلامه. ولا أثر للصيغة القديمة في لهجات الخطاب، إذ لا يقال فيها مثلا: فلان تصدعت دماغه، وتسرع في كلامه. وكذلك الحال في صيغة: "تفاعل" إذ ماتت هي الأخرى، وحلت محلها صيغة "اتفاعل" التي شاهدنا مولدها في عصر نزول القرآن الكريم، إذ نقول الآن في لهجات الخطاب: فلان اشَّاتم مع فلان، واصَّالحوا سوا، بدلا من: تشاتم، وتصالحوا. بل لقد سادت صيغتا: اتفعل واتفاعل، في اللهجة العامية المصرية، حتى ولو لم يكن في الأصل صوت من أصوات الصفير، أو الأصوات الأسنانية، كقولنا مثلا في لهجة الخطاب: "اتفرج" و"اتبهدل" وغير ذلك. ومن أمثلة بدايات التطور في الظواهر اللغوية، في العربية الفصحى كذلك، ما حدث في صيغة: "انفعل"، منذ عصور العربية الأولى، فقد كانت هذه الصيغة موضوعة للدلالة على مطاوعة الفعل الثلاثي، أي قبول أثر هذا الفعل، مثل: "كسرت الإناء فانكسر"، و"فتحت الباب فانفتح"١.

стр. 69

ومن شواهد المطاوعة في الشعر العربي العربي القديم، قول أبي قيس بن الأسلت: محاجنهم تحت أقرابه ... وقد شرموا جلده فانشرم١ وقول سهم بن حنظلة الغنوي: حتى يصادف مالا أو يقال فتى ... لاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا٢ وقول سويد بن كراع: فإن تزجراني يابن عفان أنزجر ... وإن تتركاني أحم عرضا ممنعا٣ وقول ذي الرمة: سيلا من الدعص أغشته معارفها ... نكباء تسحب أعلاه فينسحب٤ ولما كان فاعل هذا الفعل المطاوع، ضميرا يعود على مفعول الفعل السابق عليه في جملته، أصبح الفعل المطاوع مشبها في المعنى للمبني للمجهول، في نحو: "كُسر الإناء" و"فتح الباب"، إذ لا يذكر مع المبني للمجهول غالبا، إلا ما هو مفعول به في المعنى، وأصبح من الممكن أن ينوب هذا المطاوع مناب المبني للمجهول. وقد بدأت هذا الظاهرة في التطور، في عصر نزول القرآن الكريم، ولذلك نجد الفعل المطاع واردًا في النص القرآني، في سياق الأفعال المبنية للمجهول، في بعض الأحيان، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ،

стр. 70

تسحب اسكانر وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ١-٥] ، وقوله . ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: ١-٤] ، وقوله : ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١، ٢] . تلك كانت بداية التطور في هذه الظاهرة حينذاك. وقد ظل هذا التطور سائرا على ألسنة العامة، وفي لهجات الخطاب، شيئا فشيئا، حتى كادت صيغة المبني للمجهول الأصلية، تندثر في كثير من اللهجات العربية الحديثة، وينوب عنها في الدلالة عن الجهل بالفاعل، صيغة: "انفعل"، إذا يقول العامة في مصر مثلا: "فلان انضرب علأة سخنة، وعيط لما انفق من العياط"! وما حدث في هذه اللهجات الحديثة، حدث مثله تماما في اللغة العبرية القديمة، إذ أصبح المبني للمجهول فيها من الثلاثي هو: بـ " تسحب إسكانر] nif al أي تقابل صيغة "انفعل" في العربية، وضاعت منها الصيغة الأصلية للمبني للمجهول كذلك. أما السبب الثالث من أسباب الشذوذ في اللغة، وهو أن يكون ذلك الشاذ شيئا مستعارا من نظام لغوي مجاور، فقد فطن إليه "ابن جني" حين قال: "وما اجتمعت فيه لغتان أو ثلاث أكثر من أن يحاط به. فإذا ورد شيء من ذلك، كأن يجتمع في لغة رجل واحد لغتان، فقد يجوز أن تكون لغته في

стр. 71

الأصل إحداهما، ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلة أخرى، وطال بها عهده، وكثر استعماله لها، فلحقت لطول المدة، واتصال استعمالها بلغته الأولى"١. كما يعيب ابن جني على اللغويين العرب أنهم "جمعوا أشياء على وجه الشذوذ عندهم، وادعوا أنها موضوعة في أصول اللغة على ما سمعوه بأخرة من أصحابها، وأُنْسُوا ما كان ينبغي أن يذكروه، وأضاعوا ما كان واجبا أن يحفظوه". ثم يقول بعد ذلك: "واعلم أن أكثر ذلك وعامته، إنما هو لغات تداخلت فتركبت. هكذا ينبغي أن يعتقد، وهو أشبه بحكمة العرب"٢. ومن الأمثلة على ذلك في العربية الفصحى، ما نراه فيها من كلمات غير مهموزة في نصوصها، فمن المعروف أن الفصحى اتخذت طريق تحقيق الهمز، وهو الأمر الذي عرفته قبيلة "تميم" كذلك. كما روي لنا أن بعض القبائل العربية لم تكن تهمز في كلامها، ومنها قبيلة "قريش". قال أبو زيد الأنصاري: "أهل الحجاز وهذيل، وأهل مكة والمدينة لا ينبرون، وقف عليها عيسى بن عمر، فقال: ما آخذ من قول تميم إلا بالنبر، وهم أصحاب النبر، وأهل الحجاز إذا اضطروا نبروا"٣. والنبر هو: الهمز، قال ابن منظور "والنبر: همز الحرف: ولم تكن قريش تهمز في كلامها. ولما حج المهدي، قدم الكسائي يصلي بالمدينة، فهمز فأنكر أهل المدينة عليه، وقالوا: تنبر في مسجد رسول الله ﷺ ، بالقرآن؟! "٤.

стр. 72

تسحب اسكانر كما يقول الإمام الرضي: "اعلم أن الهمزة، لما كان أدخل الحروف في الحلق، ولها نبرة كريهة، تجري مجرى التهوي، ثقلت بذلك على لسان المتلفظ بها، فخففها قوم - وهم أكثر أهل الحجاز ولا سيما قريش، روى عن أمير المؤمنين على رضي الله تعالى عنه: نزل القرآن بلسان قريش، وليسوا بأصحاب نبر، ولولا أن جبريل ﵇ نزل بالهمز على النبي ﷺ ، ما همزنا - وحققها غيرها، والتحقيق هو الأصل كسائر الحروف، والتخفيف استحسان١". ومع ذلك كله، فإننا نرى في الفصحى أمثلةغير مهموزة، وحقها الهمز، ولا تفسير لها إلا بذلك المبدأ، وهو الاستعارة من نظام لغوي مجاور. ومن أمثلة ذلك، كلمة: "ناس"، فإن الأصل فيها هو: "أناس" المستعملة في الفصحة كذلك ٢. والديل على أن الهمزة أصلية في الكمة، وجودها في بعض اللغات السامية كالعبريةن فهي فيها توجد فقرة تسحب إسكانر "إيش بمعنى: رجل، والياء فيه بدل من النون، بدليل وجودها في الجمع، كما أن هناك مفردا نادرا الاستعمال في العبرية، يحتوي على هذه النون كذلك، وهو: Enos "إنوش"، ويقابل في العربية كلمة: "إنس".

стр. 73

ومن أمثلة هذه الظاهرة كذلك: الفعل "يرى" فهو مضارع "رأى" وعينة همزة -كما ترى، غير أن العربية الفصحى، التي آثرت تحقيق الهمز في نطقها، هي التي استعارت هذا النطق الخالي من الهمز، من قريش ومن جرى مجراها من القبائل المجاورة، ومثل ذلك تماما نراه في فعلي الأمر: "كُلْ" و"خُذْ" في الوصل والابتداء، وكذلك في فعلي الأمر: "مُرْ" و"سَلْ" في الابتداء فقط. وماضي هذه الأفعال الأربعة مهموز -كما تعرف، وهو: أكل، وأخذ، وأمر، وسأل. وكذلك كلمة: "النبي"، تستعملها الفصحى بلا همز، مع أن فعلها هو: "تنبأ". وإذا كانت العربية الفصحى تهمز الكلمات: "أرجأ". و"الكفء" و"برأ" و"ذرأ"، فإن "مرجون" في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] لا تكون حينئذ إلا استعارة من نظام لغوي مجاور، مثلها في ذلك مثل: "أرجه" في قوله : ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١، والشعراء: ٣٦] و"كفوا" في قوله سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ، و"البرية" في قوله جل شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة﴾ [البينة: ٦، ٧] ، و" ذرية" في قوله عز اسمه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] . وكذلك الحال في كلمة: "الله" التي يقول فيها سيبويه: "وكان الاسم -والله أعلم: إله، فلما أدخل فيه الألف واللام، حذفوا الألف، وصارت الألف واللام خلفا منها"١.

стр. 74

وإذا كانت حركة الضمير في ضمير النصب والجر للغائب المفرد المذكر، تتأثر بما قبلها من كسرة طويلة أو قصيرة أو ياء، فتقلب الضمة كسرة١، في العربية الفصحى، فيقال مثلا "ضَرَبْتِهِ"، و"عَلَيْهِ" بدلا من "ضَرَبْتِهُ" و"عَلَيْهِ"، فإن القرآن الكريم، وهو الممثل الأعلى لهذه العربية، قد جاءت به في قراءة حفص عن عاصم، بعض الأمثلة، التي لم يحدث فيها مثل هذا التأثر الصوتي، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣] ، وقوله : ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّه﴾ [الفتح: ١٠] ، وقد انتقل إليها ذلك من اللغة الحجازية، التي حافظت على الأصل في حركة هذا الضمير، يقول سيبويه: "فالهاء تكسر إذا كان قبلها ياء أو كسرة ... وذلك قولك: مررت بهي قبل، ولديهي مال، ومررت بدارهي قبل وأهل الحجاز يقولون: مررت بهو قبل، ولديهو مال. ويقرءون: فخسفنا بهو وبدارهو الأرض"٢. كما يقول المبرد: "فأما أهل الحجاز خاصة، فعلى الأمر الأول فيها، يقرءون: فخسفنا بهو وبداره الأرض. ومن لزم اللغة الحجازية قال: عَلَيْهُ مال"٣. وهذا مثال أخير لظاهرة الشذوذ عن طريق انتقال اللغة، فمن خصائص اللغة الحجازية فك الإدغام في الأفعال المضارعة المجزومة

стр. 75

بالسكون، والأمر المأخوذ منها. وقد جرى القرآن الكريم على لغتهم، إلا في أمثلة قليلة جاءت بالإدغام على لغة بني تميم. وقد فطن إلى ذلك قدامي اللغويين العرب، قال الزجاج: "وأهل الحجاز يظهرون التضعيف. وهذه الآية: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ فيها اللغتان جميعا، فقوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ ، على لغة أهل الحجاز، وقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ ، على لغة غيرهم من العرب"١. كما قال الزركشي٢: "أنزل الله القرآن بلغة الحجازيين إلا قليلا فإنه نزل بلغة التميميين، فمن القليل إدغام: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٤] ، فإن الإدغام في المجزوم والاسم المضاعف لغة تميم، ولهذا قل، والفك لغة أهل الحجاز، ولهذا كثر، نحو: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، و ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] و ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] و ﴿مَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] و ﴿احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧] وغير ذلك كثير".
следующие страницы →