سلاسل الذهب
للإمام بدر الدين الزركشي
٧٤٥ - ٧٩٤ هـ
تحقيق ودراسة محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي
تقديم
د. عمر عبدالعزيز محمد. . . الشيخ عطية محمد سالم
стр. 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الثانية
١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م
تحقيق الكتاب
هذه الرسالة لنيل الشهادة العالمية العالية "الدكتوراه" نوقشت فى ١٦/ ٨/ ١٤٠٤ هـ ونالت مرتبة الشرف الأولى
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بقلم فضيلة الدكتور عمر عبد العزيز الأستاذ فى قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الحمد للَّه رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وأصلى وأسلم على نبينا وإمامنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد.
فإن من مهمات الغايات المتغياة فى التحقيق، والأهداف البارزة المتوخاة فيه، ثبيت النص صحيحا، وتضويئه، وتيسير فهمه بإذن اللَّه، وتسهيل الاستفادة منه بتوفيق اللَّه.
وهذا فى نظرى قد تحقق فى تحقيق فضيلة الأخ الدكتور محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطى رئيس قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية فى المدينة المنورة لكتاب من مهمات كتب أصول الفقه، هو كتاب "سلاسل الذهب" للعلامة بدر الدين محمد بن بهادر الزركشى المتوفى ٧٩٤ هـ، وتأتى ثمرة لجهده المبذول فى سبيله، وجاء نتيجة لعمله الذى قام به.
وإذا كان ذلك قد تطلب إمكانات علمية من شأنها بتوفيق اللَّه أن يصعد بالمحقق إلى مستوى هذا العمل، وأن تتوفر لديه أوليات علم أصول الفقه من علوم اللغة العربية وغيرها فى شتى العلوم فإنى أعتقد أن اللَّه قد وهب محققنا الفاضل هذه الأوليات، ومنحه تلك الإمكانات، فأجاد فى عمله، وأجاد فيه.
ونظرة واحدة فى أى مسألة من مسائلة المهمة تعطى صورة واضحة لما بذله المحقق من جهد، وما يملكه من رصيد علمى.
جزاه اللَّه خيرًا ووفقه وإيانا لما يحبه ويرضاه.
وصلى اللَّه على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
عمر بن عبد العزيز
فى ٢٤/ ١١/ ١٤١٠ هـ
بالمدينة المنورة
стр. 4
كلمة بقلم صاحب الفضيلة الشيخ عطية محمد سالم قاضى تميز بالمحكمة الكبرى بالمدينة المنورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على سيدنا رسول اللَّه ﷺ
بيد الشكر والعرفان وعين الرضا والإحسان تلقيت من فضيلة الأخ الدكتور. محمد المختار بن والدنا وشيخنا بل وعوض والدى العلامة الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطى الذى نشأت فى ظله وأولانى جل عنايته ﵀ مما أورثنى عنه مننا عظيمة وأيادٍ كريمة. ﵀ رحمة واسعة. وجعل فى أبنائه أحسن خلف لخير سلف وهذا ولده الأكبر الذى كساه اللَّه حلل العلم ووقاره وجمال الآداب ومكارم الأخلاق مما تميز به عن أقرانه. قد التزم جادة والده ونسج على منواله وجد واجتهد فحصل بفضل اللَّه على شهادات الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية مع ما كان حريصا عليه من التزود والنهل من بحار علوم والده.
وهذه رسالة الدكتوراه قد شرفنى بنسخة منها. وعلمت باعتزامه على طبعها وقد أحسن الظن لى وكرمنى بإتاحة الفرصة لى بعمل تقريظ لها. فجزاه اللَّه أحسن الجزاء.
وقبل البداءة بذلك فهنا اعتذار. وتبرير اعتذار إليه أنى لم أكن ممن وصلوا إلى مستوى تقريظ رسائل رفيعة المستوى كهذه. واعتذار إلى القراء الأفاضل أن أكتب عمن له على مثل هذا الحق.
ولكن المبرر لذلك هو ارتفاع صوت الحق من صميم عمله العلمى إذ أن ميزان العلم لا يتأثر بالعواطف. ولا يترجح بالرغبات.
стр. 5
ومعلوم أن شرف ورفعة العلم من شرف ورفعة المعلوم. وموضوع هذه الرسالة وهو "أصول الفقه" يجمع العلماء على رفعة شأنه وعلو منزلته فهو بقواعد الأحكام أساسها. وهو لجميع العلوم ميزانها. ومما سمعت من والدنا الشيخ محمد الأمين ﵀ أن علم الأصول يتناول جميع العلوم فمن علوم القرآن العام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول والمكى والمدنى.
ومن علوم الحديث كذلك وطرق الترجيح وأحوال الرواة وأحوال المجتهدين ومناهج الاجتهاد وولات الأوامر والنواهى وما إلى ذلك.
ومن علوم العربية متن اللغة وتصريف الكلمة ومبنى الأساليب فى علوم البلاغة ومن علوم البحث والجدل ترتيب الأدلة وميزان الترجيح. وكل ذلك خدمة ووسيلة لمعرفة واستخراج الأحكام الفرعية من عمومات أدلتها الإجمالية مما لا غنى لطالب علم عنه حتى قالوا جهلة الأصول عوام العلماء.
وهذا الكتاب الذى قدمه الباحث يعتبر فى هذا العلم قمة شامخة وشمسا مشرقة وبحرًا رائغًا. جاء فى عهد متأخر فاستوعب كل عمل متقدم. وقد يتميز بارتكازه على أسس ثلاثة أساسية الأصول الفقه: علم الكلام وعلوم العربية. والفقه. مع اختصاص مؤلفه بسعة علومه وإمامته فى عديد من العلوم. ظهرت آثار ذلك فى هذا الكتاب حيث زادت مراجعه فيه على ما فوق مائة مرجع.
وهذا مما يلزم الباحث أن يشمر عن ساعد الجد ويركب متن الصدق وقف العزم ليرتفع إلى هذا المستوى العلمى. ويساير هذا الإمام فى هذا العمل الجليل. وقد كان كذلك وللَّه الحمد.
وقد ظهرت آثار ذلك بفضل اللَّه وتوفيقه فى عمله فى القسمين القسم الدراسى حيث أبرز حقائق حياة المؤلف وأوضح معالم المجتمع الذى نشأ وعاش فيه والعصر الذى شهد أحداثه تتلاطم فيه تيارات السياسة الغامضة والحياة المضطربة وكيف كانت المؤثرات حول المؤلف من إيجابيات وسلبيات ودون هذا التراث أكثر من ثلاثين مؤلفًا فى العديد من الفنون والعلوم وفى القسم التحقيقى ساهم فى المنهج
стр. 6
العلمى. فقام بتعريفات تركها المؤلف وبتفصيل ما أجمل. حين يورد المؤلف قوله: وفى المسألة خلاف أو أقوال ولم يعرض صور الخلاف ولا يسوق الأقوال فيكملها الباحث بل ويساعد الطالب عندما يواجه عقبات الخلاف ويقف فى حيرة مترجح ما يراه راجحًا وقد يقتصر المؤلف فى بعض المسائل على عرضها من بعض جوانبها وتبقى فى حاجة تجلية بغير الجوانب فيكمل الباحث تلك الجوانب وكذلك شرحه للمصطلحات العلمية وخاصة فى علم الكلام مما ليس لكثير من الطلبة إلمامًا بها.
وهذا العمل كله بمثابة أضواء كاشفة على الكتاب تظهر أسراره وتكشف أستاره وتشع أنواره وهى كذلك مما يبرز شخصية الباحث. وهو لذلك أهل ولقد عرفته حفظه اللَّه منذ نشأته حيث حفظ كتاب اللَّه فى صغره وتلقى علوم الرسم والتجويد فى مسقط رأسه. ولما قدم إلى والده ﵀ هو وفضيلة أخيه الدكتور عبد اللَّه حصلا على الشهادة الدراسية الأولى فى العلم الأول ثم التحقا بالمعهد العلمى التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود بالمدينة. فحصلا على ثانوية المعهد وليسانس الجامعة ثم الدراسات العليا وحازا شهادة الليسانس ثم الدكتوراه. مع ملازمتهما دورس والدهما ﵀ ومن ظواهر ما اكتسباه من منهجية والدهما ﵀ أن أحدهما اتجه إلى الأصول وهو الدكتور المختار صاحب هذه الرسالة، والآخر اتجه إلى التفسير وهما المادتان اللتان كان ﵀ يوليهما عنايته ولكنهما بهذه المنهجية أكمل بعضهما بعضًا فى مواصلة حياة والدهما العلمية وإنهما بحق عندى ليمثلان الشخصية المثالية فى طلب العلم والمثابرة عليه وباللَّه التوفيق.
عطية محمد سالم
٢/ ١٢/ ١٤١٠ هـ
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شكر وتقدير
الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عبد اللَّه ورسوله وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد:
فأتقدم بجزيل الشكر والامتنان والتقدير لأستاذى الفاضل العلامة المتواضع فضيلة الدكتور عمر بن عبد العزيز محمد الذى كان لى الشرف فى إشرافه على هذه الرسالة، فبذل جهده ووقته فى توجيهى، وأمدنى بملاحظاته المفيدة وتوجيهاته القيمة السديدة، فكان له الفضل بعد اللَّه تعالى فى إخراجها إلى حيز الوجود، وبهذا المستوى، فجزاه اللَّه خير الجزاء وأمدّ فى عمره، ونفع المسلمين بعلمه.
كما أشكر لكل من ساعد فى إنجاز هذه الرسالة وخاصة القائمين على مكتبة الدراسات العليا بالجامعة.
كما أشكر للجامعة الإِسلامية والقائمين عليها سائلًا المولى أن يوفقهم لما فيه صلاح هذه الجامعة دنيا وأخرى.
* * *
стр. 8
سبب اختيار الموضوع
بدافع الرغبة فى إحياء تراثنا العظيم أخذت أبحث فى المخطوطات فوقع اختيارى على كتاب "سلاسل الذهب" للإمام بدر الدين الزركشى ﵀ وذلك للأسباب الآتية:
١ - أهمية الكتاب، فإنه بَحَثَ الأصول من ناحية لم يُبحث منها من قبل حيث ركز بحثه على ثلاثة علوم ذكر أنها مادة أصول الفقه، وهى علم الكلام، والعربية، والفقه.
٢ - لكونه من المخطوطات النادرة ولم يسبق نشره.
٣ - لأن مؤلفه يعد من الأئمة الأعلام فى جميع الفنون وخاصة أصول الفقه.
٤ - لأنى أريد أن يكون بحثى شاملًا لجميع مواضيع أصول الفقه، ولا يمكن ذلك إلا بتحقيق مخطوطة مختصرة مثل هذا الكتاب.
٥ - أن المكتبة الإسلامية أحوج إلى نشر التراث منها إلى كتابة الرسائل فى بحوث جزئية.
٦ - حسن الأسلوب، وكثرة الجمع مع صغر حجم الكتاب، وحسن خطه، ووضوحه.
* * *
стр. 9
مقدمة التحقيق
وهى مرتبة على أربعة فصول:
الفصل الأول: وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية فى عصر الإمام الزركشى، ومدى تأثره بالحالة السياسية.
المبحث الثانى: الحالة الاجتماعية فى عصره، ومدى تأثره بها.
المبحث الثالث: الحالة العلمية فى عصره، ومدى تأثره بها.
الفصل الثانى: ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: اسمه، ولقبه، وكنيته، وولادته، ونشأته.
المبحث الثانى: مكانته، وأخلاقه.
الفصل الثالث: ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: طلبه للعلم، ورحلته لطلبه، وشيوخه، وتلاميذه.
المبحث الثانى: مؤلفاته.
المبحث الثالث: وفاته، وأقوال الأئمة والمؤرخين فيه.
الفصل الرابع: ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالكتاب، ونسبته إلى المؤلف، وموضوعاته.
المبحث الثانى: مصادر المؤلف فى هذا الكتاب.
المبحث الثالث: وصف مخطوطة الكتاب ومنهجى فى التحقيق.
* * *
стр. 10
الفصل الأول فى أحوال الزركشى
ويشتمل على تمهيد وثلاثة مباحث
المبحث الأول: الحالة السياسية فى عصر الزركشى.
المبحث الثانى: الحالة الاجتماعية فى عصره.
المبحث الثالث: الحالة العلمية فى عصره.
* * *
стр. 11
تمهيد
تعتبر تراجم الرجال بمثابة المدارس للأجيال، ولذا كانت محل عناية العلماء والأدباء والكاتبين لاسيما كبار العلماء والزعماء وكل من قدم للأمة خدمات دينية أو دنيوية، ولذا يتحتم على من يريد الكتابة عن أى شخصية من هؤلاء أن يدرس الظروف المحيطة به، والوسط الذى عاش فيه منذ نعومة أظفاره حتى اشتد عوده ونضج فكره ليقف على الأسباب المؤثرة فى نبوغه والتى جعلته أحد العظماء؛ لأن تأثير البيئة فى الإنسان من المحسوسات الضرورية مثل تأثير الأبوين على الابن، والمدرسة والزملاء، والمعارف التى يتلقفها، وتأثير المعلم عليه، والكتب التى يطالعها، بالإضافة إلى الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تحدث عند الإنسان رد فعل سلبى أو إيجابى من حيث يدرى أو لا يدرى، وكل ذلك عوامل واقعية لها أثرها فى تكوين الشخصية، وتجعلنا نتناولها من قريب وتعيننا على فهم منهجها وطرقها فى الحياة.
وكل مجتمع يحمل عناصر خير وعناصر شر، وكل عنصر من هذين العنصرين يدعو الإنسان لاتباعه، والتكلم باسمه، فترى الناس على مشارب مختلفة فمنهم من يكون عنصر خير يدافع ويجاهد فى سبيله، ومنهم من يكون عنصر شر ينهمك فى الفساد والفجور، وكل منهم ميسر لما خلق له، وحينما ندرس حياة الإمام الزركشى مثلًا أو أى عظيم من العظماء المسلمين نجده متأثرًا بمجتمعه تأثرًا إيجابيًا أخذ خيره وعمل على نشره، ونهى عن الفساد، وعمل على كسره.
* * *
стр. 12
المبحث الأول الحالة السياسية فى عصر الإمام الزركشى
لقد عاش الزركشى من سنة ٧٤٥ هـ إلى سنة ٧٩٤ هـ، وعاصر فترتين من حكم المماليك.
الفترة الأولى: المماليك البحرية.
الفترة الثانية: المماليك الجراكسة أو الشراكسة (١).
أما فترة المماليك البحرية والتى تبدأ من سنة ٦٤٨ هـ حتى سنة ٧٨٤ هـ فقد قامت دولتهم بعد انتهاء دولة بنى أيوب بقتل آخر ملوكها نجم الدين أيوب الملك الصالح سنة ٦٤٨ هـ (٢).
وأول سلاطين المماليك البحرية عز الدين أيبك التركمانى الصالحى الذى تولى عام ٦٤٨ هـ، وقتل عام ٦٥٥ هـ، ثم جاء بعده ابنه المنصور نور الدين، ثم خلفه بعد سنتين الملك المظفر (يوسف بن قطز) ووقعت بينه وبين هلاكوا التترى موقعة عين جالوت سنة ٦٥٨ هـ التى انتصر فيها المسلمون وقتل فيها قائد المغول، واستخلص المسلمون منهم الشام بعد استيلائهم عليه، وتدميرهم المساجد، وإفسادهم فى الأرض بقتل النساء والأطفال والشيوخ، ثم وحد المظفر بين مصر والشام (٣) وجعل عليه أحد ملوك الترك، ثم قتل الملك المظفر على يد بيبرس بعد انتصاره على التتار سنة ٦٥٨ هـ، ثم تولى بيبرس الأيوبى على الديار المصرية
стр. 13
والشام والحجاز سنة ٦٥٨ هـ، ثم توالى الملوك بعده، وصار بعضهم يقتل بعضًا، وقامت الحروب بين المسلمين، واستمر وضعهم فى حالة يرثى لها إلى أن تولى الملك الناصر بن قلاوون حيث حكم وعُزل عدة مرات، كان آخرها عزله عام ٧٤١ هـ.
والذى يهمنا من أحداث هذه الفترة لدراسة حياة الإمام الزركشى ما كان فى مطلع القرن الثامن الهجرى من إرادة التتار غزو بلاد الشام ومصر بعد أن استولى الملك الناصر محمد بن قلاوون على الحكم بقليل فاستعد لقتال التتار، وزحف بجيوشه إلى الشام، ووقعت بينه وبين التتار معركة كانت الدائرة فيها على الملك الناصر وجيشه، فبالغ التتار فى التخريب والسلب والنهب والقتل إلا أن الناصر أخذ يعد العدة لملاقات أعدائه، وأعاد الكرة، فزحف إليهم ثانية عام ٧٠٢ هـ، ووقعت بينهم موقعة (مرج راهط) وانتصر فيها المسلمون انتصارًا حاسمًا، وقُضى على التتار قضاء مبرمًا، وخضعت بلاد الشام ثانية لسلطان مصر، ثم عاد الناصر إلى مصر، وبقى فى منصبه حتى ساءت العلاقة بينه وبين الظاهر بيبرس فرحل إلى الحج، ولكنه عندما وصل إلى الكرك خلع نفسه من السلطنة عام ٧٠٨ هـ بعد أن حكم فى هذه المدة قريبًا من تسع سنوات ونصف (١).
وتولى بعده السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وفى زمنه تفشت الأمراض، وعم الوباء، وارتفع سعر القمح وغيره من المواد وتشاءم الناس بطلعة المظفر بيبرس، ووقعت الوحشة بينه وبين عامة المصريين واضطربت الأوضاع، ووقعت المواجهة بينه وبين الناصر بن قلاوون حتى كانت نهاية المظفر على يد الناصر عام ٧٠٩ هـ (٢).
وهكذا ابتدأ القرن الثامن بالاضطرابات والفتن والحرص على السلطة والملك والحروب الطاحنة التى ذهب ضحيتها نفوس كثيرة، وأريقت دماء غزيرة، ولم
стр. 14
يكن ذلك خاصًا بمصر والشام، بل كان الحال فى المغرب والأندلس أسوء منه فى مصر والشام، ثم عاد الملك الناصر إلى ملك مصر مرة ثالثة واستمر من عام ٧٠٩ هـ إلى عام ٧٤١ هـ كما تقدم، وعندما عاد هذه المرة استبد بالأمر، وقام بالإصلاح، ورد المظالم، وأبطل المكوس حتى توفى عام ٧٤١ هـ (١). وكان عصره من أحسن عصور المماليك، واتسع أقصى الاتساع بعد أن نجح فى قهر التتار والصليبيين من الشام، واستطاع أن يثبت جدارته بحسن تصريف شؤون الدولة.
ولما توفى الناصر بن قلاوون دخلت دولة المماليك مرحلة جديدة فى تاريخها، وهى مرحلة عصر أبناء الناصر وأحفاده، واستمرت إلى نهاية المماليك البحرية وقيام دولة الشراكسة، واستمر حكم أولاد الناصر إلى عام ٧٦٢ هـ، وانتقل الحكم إلى أحفاده.
وأهم ما سجل التاريخ فى هذا العصر هو زيادة نفوذ الأمراء وتعاقب عدد كبير من أبناء الناصر وأحفاده من الأحداث فى منصب السلطنة، مما جعل الأمراء يتلاعبون بعقولهم، وعاش أهل مصر والشام فى أوضاع وتيارات داخلية متضاربة ومؤامرات متلاحقة بين الأفراد (٢).
بالإضافة إلى شدة الصراع بين السلاطين والذى أودى بالبلاد إلى حالة من الفوضى لا مثيل لها، وكثر الانحلال الخلقى حتى تحرك الصليبيون بحملة إلى الأسكندرية خربتها، وأغاروا على طرابلس بالشام، وقد فشلت محاولاتهم بفضل اللَّه، وهذا مما يدل على عدم هيبة دولة المماليك فى هذا العصر وضعفها (٣).
стр. 15
دولة المماليك الجراكسة (١)
من عام ٧٨٤ - ٩٨٤ هـ
قامت دولة المماليك الجراكسة على أنقاض دولة المماليك البحرية وأول سلاطينها السلطان الملك الظاهر أبو سعيد برقوق، تسلطن عام ٧٨٤ هـ، فبدأ بقتل رجال الدولة حتى أفناهم، واستكثر من استجلاب الجراكسة، فثار عليه الأمير يلبغا الناصرى عام ٧٩١ هـ، وأعيد الملك حاجى الذى كان آخر المماليك البحرية، وبعث برقوق إلى السجن، وبعد ذلك جهز البرقوق جيشًا فى الكرك وحارب به حتى استولى به وعاد إلى مصر، واستبد بالسلطة عام ٧٩٢ هـ، وبقى بها حتى مات عام ٨٠١ هـ، وفى هذه الفترة هلك خلق كثر بالطاعون والسيف من جراء الحروب المدمرة التى فتت فى عضد المسلمين، وكان ذلك من ميزات القرن الثامن الهجرى، هذا بالنسبة إلى مصر.
أما بلاد الشام التى رحل إليها الإمام الزركشى ودرس فيها فلم تكن أحسن حالًا فى هذا العهد من غيرها، بل كان أهلها مغلوبين على أمرهم محرومين من المشاركة فى الحكم، وفى أى أمر من أمور بلادهم (٢).
وهكدا ظل سلطان المماليك هو القوة الكبرى المسيطرة على مصر والشام وإن كان ما ذكرناه فى هذا العصر يعد من مساوئ الحكم المماليكى إلا أننا لا يمكننا أن ننكر أن المماليك كان لهم فضل كبير فى رد كيد التتار فى نحورهم وإراحة المسلمين من شرورهم وكذلك فى طرد الصليبيين وإبعادهم - فهم بذلك يكونون قد أزالوا خطرًا عظيمًا كان محدقًا بأهل الشام (٣).
стр. 16
تأثر الإمام الزركشى بالحالة السياسية
مما لا شك فيه أن استقرار الأوضاع والأمن من أكبر النعم على البشرية، وأى عالم يعيش فى مجتمع مضطرب تتنازعه الأهواء والفتن يتأثر بمجتمعه ويحزن له، وقد يثبط ذلك من عزمه ويقلل من حزمه، فيؤثر على تفكيره تأثيرًا مباشرًا، وهذا التأثر كما يكون سلبيًا بقلة العطاء والفت فى العضد يكون إيجابيًا كذلك من ناحية أخرى؛ لأن الغيورين على الدين وخاصة العلماء يشمرون عن ساعد الجد ليخدموا المجتمع الذى يعيشون فيه، فيزداد نشاطهم فيكتبون وينصحون ويرشدون، ونرى أن الزركشى تأثر هذا التأثر الإيجابى فنشط للكتابة والتصانيف ونفع الأمة، ومما ساعده على ذلك زهده وابتعاده عن المناصب فلم يعرف عنه أنه تقلد القضاء ولا استوزر، بل كان طريقه الوحيد التعلم والتعليم والتصنيف، ولم يشغله شاغل، ولم يمنعه مانع من طلب العلم رغم الاضطراب السياسى والحروب المدمرة الموجهة ضد الإسلام والمسلمين.
* * *
стр. 17
المبحث الثانى الحالة الاجتماعية فى عصره
كانت الأحوال الاجتماعية فى عصر المماليك مضطربة، ومُرة، فالحروب المدمرة والمجاعات من جهة، والأمراض الفتاكة والطبقية التى تسود المجتمع من جهة أخرى، كل هذا يجعل الإنسان فى ضيق من العيش، وقلة هناء، وقلق دائم، وكان المجتمع إذ ذاك يتألف من طبقات:
الطبقة الأولى: وهى طبقة السلاطين: وكانت هذه الطبقة متميزة عن غيرها منفردة بالحكم وتنظيم شئون الحروب، وكانت ترى أن بقية الناس أقل منها شأنا فينبغى ألا يشاركوا فى تنظيم الحياة الحربية، وينبغى ألا يكون لهم نصيب فى الحكم إلا فى بعض شئونه التى ليس لها كبير فائدة (١).
وكان السلاطين بيدهم مقاليد الأمور وإليهم يرجع الناس جميعًا، وكان بعض السلاطين يستبد بالأمور كالسلطان محمد بن قلاوون فى فترته الثالثة المتقدمة بعد أن ذاق المرارة من الأمراء فى فترته الأولى والثانية من سلطنته، وكان أكثر السلاطين يتأثر بالأمراء فى هذا العصر مما كان له السبب فى إساءة كثير من الأمور (٢).
الطبقة الثانية: المماليك: وقد حرص السلاطين عليهم حرصًا بالغ الأهمية، وكانوا طبقة منفصلة، حيث إنهم حرس السلطان وخاصته، فربوهم تربية سليمة، إما عسكرية، أو دينية، أو ثقافية، ويأتونهم بالعلماء فى مساكنهم ليعلموهم (٣).
وكان السلاطين ينظرون إليهم نظرة أبوة وحنان، وكان عامة الناس يرى من هؤلاء المماليك سوء المعاشرة والهوان ويكلفونهم المغارم (٣).
стр. 18
الطبقة الثالثة: طبقة العلماء والقضاة: وتشمل أرباب الوظائف الديوانية والفقهاء والعلماء والأدباء والكتاب، ولهم مميزات معينة، إلا أنهم يتعرضون بين الحين والآخر أو بعضهم للمهانة والاحتقار، فالغرض من التعامل مع هؤلاء هو الدفاع عن المماليك وإبعاد سخط العامة عليهم لما فى قلوب المجتمع من تعظيم أهل العلم (١).
والعلماء فى هذا العصر كغيره من العصور كانوا على قسمين، فمنهم من كان مجاهدًا فى سبيل اللَّه، لا تأخذه لومة لائم فى الحق، فهؤلاء يجددون الدين ويقيمونه، وكان من هؤلاء العظماء القاضى شمس الدين الحريرى المتوفى عام ٧٢٨ هـ، حُكى عن ابن قلاوون أنه قال: "إنى لا أخاف أحدًا إلا شمس الدين الحريرى".
ومنهم من كان يتملق للسلاطين ويتقرب منهم ابتغاء مرضاتهم والنفع الدنيوى على حساب دينهم والعياذ باللَّه من حال هؤلاء.
الطبقة الرابعة: التجار: وكانوا مقربين أحيانًا إلى السلاطين لأنهم يمدونهم بالمال فى أوقات الحرج والشدة، وهم يجمعون أموالًا كثيرة إلا أنهم تحت سطوة السلاطين. ورحمتهم، فأحيانًا يصادرون أموالهم، وأحيانًا يثقلونهم بالرسوم والضرائب الباهظة.
الطبقة الخامسة: العمال والصناع والسوقة والسقائين والمُكَارين والمعدمين: وقد عاش أفراد هذه الطبقة فى ضيق وعسر بالنسبة إلى المماليك وغيرهم من الطبقات، وقد يدفعهم هذا الذى عاشوه من الضيق إلى السلب والنهب والتسول والخداع والغش فى أوقات الاضطرابات.
الطبقة السادسة: الفلاحون: وهم السواد الأعظم من السكان، وكان نصيبهم فى عصر المماليك الإهمال والاحتقار مع إثقالهم بالمغارم وتسلط الأعراب عليهم ونهب محاصيلهم ومواشيهم.
стр. 19
ورغم هذا كانت الأمراض والأوبئة والفيضانات تودى بحياة الكثيرين وتعطل أجسام آخرين عن العمل.
فذكر فى حسن المحاضرة: أن فى سنة ٧٠٢ هـ حصل بالديار المصرية مرض كثير قل أن سلمت منه دار. . . . ولكن كان المرض سليمًا، والموت قليلًا، وفي سنة ٧٢١ هـ كان بالقاهرة حريق كبير دام أيامًا فى أماكن وأحرق جامع ابن طولون وما حوله بأسره، وفى سنة ٧٢٤ هـ رسم السلطان بإبطال الملاهى مما يدل على أن الفساد انتشر وضرب أطنابه، وفى سنة ٧٤٤ هـ شدد والى القاهرة على إراقة الخمور وعاقب عليها، وفى سنة ٧٦١ هـ وقع الوباء بالديار المصرية، وفى سنة ٧٦٧ هـ أخذ الفرنج مدينة الأسكندرية، وقتلوا وأسروا، فخرج السلطان لقتالهم ففروا، وفى سنة ٧٧٦ هـ وقع الفناء بالديار المصرية، وأشتد الغلاء، وفى سنة ٧٨٣ هـ ابتأد الطاعون، وفى سنة ٧٨٤ هـ وقع الغلاء بمصر (١).
* * *
стр. 20
تأثر الإمام الزركشى بالحالة الاجتماعية
إن الإنسان الذى يسعى لأن يكون كريمًا فى مجتمعه وله مكانة مرموقة فيه لابد وأن يتأثر بتأثر هذا المجتمع، ويفكر فى المشاكل التى تحيط به ويحدد موقفه منها، وقد تقدم أن الناحية الاجتماعية فى القرن الثامن الهجرى تنازعتها مؤثرات كثيرة من جهل ومرض وفقر وحروب مدمرة، كل ذلك يؤثر فى أى شخص يعايشه بغض النظر عن كونه عالمًا أو جاهلًا، لذا فإن الناحية الاجتماعية قد أثرت فى نشأة الزركشى وتكوينه، فتعلم أول أمره صنعة الزركشى التى هى صنعة آبائه ومن يعرفهم، ثم لما تعرف على العلماء تراه ترك الدنيا واتجه إلى العلم ينهل منه حتى أصبح من العلماء البارزين فى القرن الثامن، ومن حبه للعلم ترك كل عمل غيره حتى كان ينفق عليه بعض أقاربه ويكفيه مؤنته، وقطع نفسه فى سبيله، ولعل هذا من الأسباب التى جعلته قليل التأثر بالحياة الاجتماعية العامة، لأن عدم المسئولية وعدم الحقوق على الإنسان يجعله فى راحة أكثر وتفرغ أكثر فائدة - فاللَّه يرحمنا ووالدينا ويرحمه.
* * *
стр. 21
المبحث الثالث الحالة العلمية فى عصر الإمام الزركشى
يعد هذا العصر من الناحية العلمية عصرًا مجيدًا حيث قامت فيه حركة التأليف والتدريس وبناء المساجد والمدارس العلمية، ونشطت فيه نشاطًا كبيرًا بسبب المنافسة بين الأمراء والحكام، فهو يعتبر بحق عصر النشاط العلمى والتأليف لما جُمع فيه من العلوم فى فنون مختلفة مثل التاريخ واللغة وجميع فروع العلم الشرعى وفيها علوم القرآن من تفسير وأحكام تلاوة وإعراب وغير ذلك، وعلم الحديث رواية ودراية وما يتعلق بذلك من معرفة الرجال والتواريخ والطبقات، وكذلك علم الفقه وأصوله وغير ذلك من الفروع. وبالرغم من هذه الحركة الواسعة فى التأليف والتصنيف فقد كان أكثر علماء هذا العصر عاكفين على ما وصلهم من تراث السابقين، يفهمونه ويفيدون منه، ويشرحونه أحيانًا وأحيانًا، يختصرونه، فكانت حركتهم فى التأليف قاصرة على اختصار المطولات، وشرح المختصرات وجمع المتفرقات مع التقيد بأفكار وآراء السابقين لهم من الفقهاء والمتكلمين. وكان من نتيجة ذلك الاقتصار على المذاهب الأربعة فى الفقه تقليدًا منهم لمن قال بسد باب الاجتهاد فى القرن الرابع، ولم يظهر طابع الاستقلال بالرأى وإظهار الاجتهاد والتجديد والترجيح إلا فى تأليف نفر قليل على رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى عام ٧٢٨ هـ، وأبو إسحق الشاطبى المتوفى عام ٧٩٠ هـ (١).
وقد انتشر التصوف فى هذا العصر، حيث تكاثر مشايخ الصوفية، فبثوا تعاليمهم فى مصر، حيث وجدوا فيها تربة خصبة لنشر مبادئهم، وكثر المشعوذون
стр. 22
فأضلوا الناس حيث جعلوهم قبلة لهم فى أذكارهم، وقضاء حوائجهم (١). وصرف حقوق اللَّه تعالى المحضة للمخلوق والعياذ باللَّه.
وقد لخص لنا الأستاذ محمد أبو الفضل فى مقدمة الإتقان للسيوطى حالة هذا العصر بقوله بعد أن ذكر حال البلاد وما تعرضت له من فتن واضطرابات وبعد سقوط الخلافة العباسية ببغداد: "ولكن لأمر أراده اللَّه لحفظ كتابه وحماية دينه قامت مصر والشام فحملتا لواء الزعامة الإِسلامية، وأخذتا بزمام الحركة العلمية والأدبية، وأصبحتا الملجأ الوحيد لأبناء هذا اللسان فى مملكة واحدة حاضرتها القاهرة، ولغتها العربية، وغايتها حماية الدين والملة، فوجدوا فيها الحرم الآمن، والظل الوارف، والمورد العذب، ولم يجد الملوك والأمراء من المماليك ما يوطد سلطانهم ويمكن لحكمهم إلا أن يعظموا الدين وأهله، ويأخذوا بيد العلم والعلماء، ويرفعوا من قدرهم، فأسسوا المدارس والمعاهد، وأقاموا الربط والخوانق، وأرصدوا الأموال والضياع لطلاب العلم والمعرفة، وأنشأوا دور الكتب، وجلبو إليها أنفس الكتب والمصنفات، وأصبحت القاهرة، والأسكندرية، وأسيوط، وقوص، ودمشق، وحلب، وحمص تموج بأعيان العلماء من الفقهاء والأدباء والمؤرخين والشعراء وأصحاب المعاجم ومؤلفى الموسوعات" (٢).
ومن هذه المدارس التى أسست فى هذا العصر:
المدرسة المنصورية، والقبة، بناهما الملك المنصور بن قلاوون، ونظم بهما دروسًا أربعة على المذاهب الفقهية الأربعة، ودرسًا للطب، ودروسًا للحديث النبوى، ودرسًا للتفسير، وكان لا يتولى هذه الدروس إلا جلة العلماء (٣).
والمدرسة الكاملية (دار الحديث الكاملية) أنشأها السلطان ناصر الدين الكامل، ووقفها على المشتغلين بالحديث، ثم من بعدهم فقهاء الشافعية،
стр. 23
والمدرسة الحجازية أنشأتها ابنة السلطان الملك الناصر بن قلاوون.
والمدرسة الناصرية أنشأها الملك الناصر بن قلاوون سنة ٧٠٣ هـ، وكان بها إمام يؤم الناس فى الصلوات الخمس، وبها خزانة كتب عظيمة (١).
وهذا نموذج من النشاط العلمى فى هذا العصر، وفى وسط هذا الجو، وفى هذا العصر الزاخر بالعلم والعلماء نشأ الإمام الزركشى، وعاش حياته العلمية، وتثقف بثقافة عصره، ونهل من علمه، حتى صار علمًا من الأعلام، واستطاع فى مدة حياته القصيرة أن يترك الأثر الطيب، والعلم النافع للمسلمين، وبهذا لم ينقطع عمله، لحديث النبى -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم-: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث، إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (٢).
* * *
стр. 24
الفصل الثانى فى اسمه، وولادته، ونشأته، ومكانته، وأخلاقه
ويشتمل على مبحثين
المبحث الأول: اسمه، ولقبه، وكنيته، وولادته ونشأته.
المبحث الثانى: مكانته وأخلاقه.
стр. 25
المبحث الأول اسمه ولقبه وكنيته، وولادته ونشأته
أما اسمه: فمحمد بلا خلاف بين المترجمين له فى كتبهم، وإنما وقع الخلاف فى اسم والده هل هو: عبد اللَّه، أو هو: بهادر بن عبد اللَّه، وقد ذكر ابن حجر، وابن العماد الحنبلى، والمقريزى أن اسمه: "محمد بن بهادر بن عبد اللَّه بدر الدين الزركشى".
وذكر الداودى والسيوطى أن اسمه: "محمد بن عبد اللَّه بن بهادر الزركشى" (١).
والأقرب إلى الصواب من هذه الأسماء ما ذكره ابنه، لأنه أقرب الناس إليه وأعلمهم به.
أما سبب الخلاف فيرجع إلى منهج كل من العلماء الذين ترجموا له، فقد يقدم الواحد منهم لقبه، وقد يؤخره الآخر، وقد يذكر أحدهم الاسم كاملًا مع اللقب والكنية، وقد يختصر بعضهم فيحذف بعض الألقاب أو الكنى، وعلى كل حال فالخلاف فى هذا يسير. كما يحتمل أن يكون الابن اختصر من أسماء أجداده بعض الأسماء، وذكر الأشهر منهم عنده أو ذكر أحب الأسماء إليه.
أما لقبه: فيقال له: بدر الدين، المفتى، المنهاجى، المصنف.
أما كنيته: فهو أبو عبد اللَّه، واشتهر بالزركشى، كما اشتهر بالمنهاجى، لأنه
стр. 26
كان يحفظ كتاب المنهاج فى الفروع للإمام النووى. واتفق جميع المترجمين له أنه من أصل تركى، وأنه مصرى المولد والدار (١).
* * *
стр. 27
ولادته ونشأته
ولد الإمام الزركشى عام ٧٤٥ هـ -ذكر ابن حجر أنه رآه بخطه (١) - بالقاهرة، ونشأ بها حيث كانت فى ذلك الزمن مغمورة بالمدارس، غاصة بالفضلاء وحملة العلم، زاخرة بدور الكتب الخاصة والعامة، والمساجد الحافلة بطلاب العلم والمعرفة، والوافدين من شتى أنحاء العالم الإسلامى، كما تقدم فى الكلام على الحالة العلمية فى عصره (٢).
وكان من عائلة متوسطة الحال، فتعلم فى صغره صنعة الزركشى، إلا أنه كان مولعًا بحب العلم منذ صغره، فلذلك نراه وهو لم يتجاوز سن الحداثة بعد قد انتظم فى حلقات الدرس، وتفقه بمذهب الشافعى، وحفظ كتاب المنهاج فى الفروع كما تقدم، وتتبع مجالس الفقهاء والعلماء والمحدثين حتى صار إمامًا، وأصبح أهلًا للفتى والتدريس، وقد شهد له الجميع بالفضل والسبق، كما شهدوا له بحسن الخلق والتواضع والزهد فى الدنيا، والإقبال على العلم، ومما ساعده على ذلك عزلته وانقطاعه فى منزله وكفاية أقربائه له مؤنة الحياة، ذلك كان له أكبر الأثر فى حياته العلمية، وتنمية مواهبه، وإشباع رغبته من طلب العلم، ومواصلة الدرس والبحث طول وقته فى الكتب، وهذا البحث والانقطاع واضح من تلك المؤلفات الكثيرة والقيمة التى صنفها فى مدة حياته القصيرة، والتى جمع فيها جمعًا لم يتوافر لغيره من أكابر العلماء، ولم تقف همته العالية عند حدّ معين، ولم يقتصر على فن من فنون المعرفة، بل خاض فى جميع الفنون، وكان له الباع الطويل فيها، لأنه كان يتطلع دائمًا إلى المزيد من العلم بالقراءة والتدريس والتأليف مهما كلفه ذلك من جهد ومشقة واغتراب عن الأهل والوطن، وكان يزاحم العلماء ويحضر
стр. 28
مجالس الفضلاء من طبقة شيوخه مما يدل على علو شأنه ورفعة قدره ومنزلته عند أشياخه، وكان أكثر اشتغاله بالفقه وأصوله، وعلوم الحديث والقرآن والتفسير، وقد ترك بها مصنفات كثيرة (١).
ولم تقتصر ثقافته على العلوم الإِسلامية، بل كان له باع فى الأدب وإحاطة بلغة العرب مع رقة فى الطبع، واتساع فى مجال الفكر، وكان لذلك أثره فى فهمه لكتاب اللَّه، والوقوف على بعض أسراره.
قال فى كتابه البرهان: "وإنما يفهم بعض معانيه ويطلع على أسراره ومبانيه من قوى نظره، واتسع مجاله فى الفكر، وتدبره، وامتد باعه، ورقت طباعه، وامتد فى فنون الأدب وأحاط بلغة العرب" (٢).
ولهذا كان اشتغاله بهذه الفنون إنما كان لقصد محاولة فهم بعض معانى القرآن، لأن هذه العلوم أدوات ووسائل لابد منها لمن يتصدى للتفسير، وغيره من العلوم الشرعية، وقد شهد له الجميع بأنه كان محررا مصنفًا، وكان يكتب مصنفاته بنفسه، كما كان خطه ضعيفًا جدًا قل من يحسن استخراجه.
وبالجملة فقد عاش حياة عادية، لم ينقطع انقطاعًا تامًا عن الحياة بل كان على سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم- فقد تزوج، وكان له أسرة صالحة بنون وبنات، فمن البنين محمد، وله ذيل على كتاب اللآلىء المنثورة، وأبو الحسن على، وأحمد ويدعى عبد الوهاب وكان فى الثانية من عمره فى سنة وفاة والده. ومن البنات: عائشة، وفاطمة، وقد أجاز لهم جميع مؤلفاته (٣) - رحمه اللَّه تعالى.
* * *
стр. 29
المبحث الثانى مكانته وأخلاقه
كان ﵀ إمامًا من الأئمة الأفذاذ، له الباع الطويل فى مختلف العلوم الإِسلامية حيث كان أصوليًا، فقيهًا، محدثًا، مفسرًا، أدبيًا، فاضلًا، رضى الخلق، محمود الخصال، عذب الشمائل، متواضعًا رقيقًا، يلبس الخلق بن الثياب، ويرضى بالقليل من الزاد، لا يشغله عن العلم شىء من مطالب الدنيا.
قال ابن حجر: "كان منقطعًا فى منزله لا يتردد إلى أحد إلا إلى سوق الكتب، وإذا حضره لا يشترى شيئًا، وإنما يطالع فى حانوت الكتبى طول نهاره، ومعه ظهور أوراق يعلق فيها ما يعجبه، ثم يرجع فينقله إلى مصنفاته (١).
قال ﵀ فى كتابه البرهان: "اعلم أن بعض الناس يفتخر ويقول: كتبت هذا وما طالعت شيئًا من الكتب، ويظن أنه فخر، ولا يعلم أن ذلك غاية النقص، فإنه لا يعلم مزية ما قاله على ما قيل ولا مزية ما قيل على ما قاله، فبماذا يفتخر؟ ومع هذا ما كتبت شيئًا إلا خائفًا من اللَّه تعالى مستعينًا به، معتمدًا عليه، فما كان حسنًا فمن اللَّه وفضله، وما كان ضعيفًا فمن النفس الأمارة بالسوء" (٢).
ولا يتردد من قرأ فى كتبه فى أنه أشعرى العقيدة، شافعى المذهب.
* * *
стр. 30
الفصل الثالث فى طلبه للعلم، وشيوخه، وتلاميذه، ومؤلفاته، ووفاته. . . إلخ
ويشتمل على ثلاثة مباحث
المبحث الأول: طلبه للعلم ورحلته، وشيوخه، وتلاميذه.
المبحث الثانى: مؤلفاته.
المبحث الثالث: وفاته، وأقوال الأئمة والمؤرخين فيه.
стр. 31
المبحث الأول طلبه للعلم ورحلته، وشيوخه، وتلاميذه
أ- طلبه للعلم ورحلته
بدأ الإمام الزركشى من صغره فى طلب العلم والتحصيل كما تقدم، وأنه لازم الدرس، وتردد على حلقاته، وحفظ المنهاج فى الفروع، ولازم شيخه جمال الدين الأسنوى وأخذ عنه، وكان من أنجب تلاميذه وأفضلهم وأذكاهم، ثم سمع من الشيخ سراج الدين بن رسلان البلقينى، وأخذ عن مشائخه بمصر الآتى ذكرهم -إن شاء اللَّه- وحينما سمع بشهرة الشيخ شهاب الدين الأذرعى، والحافظ ابن كثير لم يكتف بما حصل عليه من العلم فى مصر، وبالمكانة والدرجة التى وصل إليها، فتحمل مشاق السفر والغربة طلبًا للعلم، فتوجه إلى حلب أولًا فأخذ عن الأذرعى الفقه والأصول (١). ثم سافر إلى دمشق ثانية حيث أخذ الحديث وعلومه على الحافظ وغيره، ثم رجع إلى القاهرة، وقد جمع أشتات العلوم، وأحاط بالأصول والفروع، وعرف الغامض والواضح، ووعى الغريب والنادر، واستقصى الشاذ والمقتبس بذكاء وفطنة، فأهله ذلك للإفتاء والتدريس والجمع والتصنيف.
* * *
стр. 32
ب- شيوخه
أخذ الزركشى عن جملة من العلماء الأفذاذ، منهم:
١ - جمال الدين الأسنوى (١) (٧٠٤ - ٧٧٢ هـ):
هو أبو محمد عبد الرحيم بن الحسن بن على بن عمر بن على إبراهيم بن على ابن جعفر جمال الدين الأسنوى، القرشى الأموى، الفقيه الشافعى الأصولى، شيخ الشافعية بالديار المصرية، نشأ فى بيت علم، واهتم والده بتعليمه من صغره، ونال المناصب وهو لا يزال فى شبابه.
تفقه على القطب السنباطى المتوفى عام ٧٢٢ هـ، وعلى شرف الدين البارزى المتوفى عام ٧٣٨ هـ، وعلى شمس الدين بن الأثير المتوفى عام ٧٣٥ هـ.
من تصانيفه: التمهيد، ونهاية السول على المنهاج فى الأصول، والأشباه والنظائر، والبحر المحيط فى الفقه، والبدور الطوالع فى الفروق، والجوامع، وتلخيص الشرح الصغير للرافعى، والمبهمات.
ودرس فى المدرسة الأقبغاوية، والمدرسة الفاضلية، والمدرسة الفارسية، والمدرسة الناصرية.
٢ - سراج الدين البلقينى (٢) (٧٢٤ - ٨٠٥ هـ):
هو عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكنانى، مجتهد عصره وعالم المائة الثامنة، بارع فى الفقه والأصول والحديث، وإليه رئاسة المذهب والإفتاء، له ترجيحات فى المذهب، خالف فيها ترجيحات النووى. أخذ الفقه عن التقى السبكى المتوفى عام ٧٣٥ هـ، والنحو عن أبى حيان المتوفى عام ٧٤٥ هـ، وله تصانيف فى الفقه
стр. 33
والحديث والتفسير منها: حواشى الروضة، وشرح البخارى، وشرح الترمذى، وحواشى الكشاف.
درس التفسير بالجامع الطولونى (١).
٣ - شهاب الدين الأذرعى (٢) (٧٠٨ - ٧٨٣ هـ):
هو أحمد بن حمدان بن أحمد بن عبد اللَّه بن عبد القادر بن عبد الغنى بن محمد بن أحمد بن سالم بن داود بن يوسف بن جابر الأذرعى نسبة إلى أذرعات الشام، الشافعى الإمام العلامة شيخ المذهب، أبو العباس، نشأ بدمشق وكان مشايخه يعجبون بقراءته، درس بدمشق وتفقه، وبرع، وساد، واشتهر حتى صار شيخ البلاد الشامية وأحفظ الناس لفروع المذهب، وكان يأخذ العهد على أصحابه ألا يتولوا القضاء، أخذ عن الحافظ الذهبى المتوفى عام ٧٤٨ هـ، والحافظ المزى المتوفى عام ٧٤٢ هـ.
من مصنفاته: المحتاج، وغنية المحتاج، والتوسط فى الفتح (فى عشرين مجلدًا)، واختصر الحاوى للماوردى، ودرس بالمدرسة الظاهرية، ودار الحديث البهائية.
٤ - الحافظ مغلطاى بن قليج التركى (٣) (٦٨٩ - ٧٦٢ هـ).
هو الحافظ علاء الدين مغلطاى بن قليج بن عبد اللَّه البكجرى الحكرى، كان إمامًا حافظًا بارعًا بفنون الحديث، علامة فى الأنساب، له أكثر من مائة مصنف منها: شرح البخارى، وشرح ابن ماجة، وإصلاح ابن الصلاح، والإعلام لسنته ﵇ فى شرح سنن ابن ماجة (فى خمس مجلدات)، والتحفة الحسيمة فى إصلاح حليمة، وزوائد ابن ماجة على الصحيحين، والواضح المبين فى من مات من المحبين، وغير ذلك.
стр. 34
٥ - عمر بن أميلة (١) (٦٧٩ - ٧٧٨ هـ):
هو عمر بن حسن بن فريد بن أميلة المراغى الحلبى ثم الدمشقى المشهور بابن أميلة، مسند العصر، كان صبورًا على الاشتغال والاستماع، وربما يحدث يومًا كاملًا من غير ملل ولا ضجر، وكثر تحديثه وسماع الناس له، وانتفع به، يقال إنه حدث قرابة خمسين سنة، وسمع من الفخر بن البخارى، وعلى بن المجاور، والعز الفارونى، والعز بن عساكر، ومحمد بن يعقوب بن النحاس وخرج له اليوسفى مشيخة.
٦ - الصلاح بن أبى عمر (٢) (٦٨٤ - ٧٨٠ هـ):
هو محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن أبى عمر محمد بن أحمد بن قدامة ابن مقدام المقدسى، أبو عبد اللَّه صلاح الدين بن أبى عمر المقدسى ثم الصالحى الحنبلى، ولى الإمامة بمدرسة جده أبى عمر، وحدث بأكثر مسموعاته، وعمر كثيرًا حتى صار مسند عصره، وتفرد بأكثر مسموعاته ومشايخه، وكان صبورًا على السماع محبًّا للحديث وأهله، ونزل الناس بموته درجة فى رواية الحديث، وهو آخر من كان بينه وبين النبى -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم- تسعة أنفس، بالسماع المتصل بشرط الصحيح، وقد أجاز لمن أدرك حياته وخاصة المصريين. أخذ عن التقى إبراهيم بن على الواسطى، وشمس الدين محمد بن الكمال عبد الرحيم.
٧ - الحافظ ابن كثير (٣) (٧٠٠ - ٧٧٤):
هو الإمام إسماعيل بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع البصرى القيسى ثم الدمشقى، عماد الدين، أبو الفداء، الإمام المحدث المفسر حافظ زمنه، ولد فى جندل من أعمال بصرى (٤)، ثم قدم دمشق مع أخيه بعد وفاة والدهما وعمره إذ ذاك
стр. 35
سبع سنين، وحفظ التنبيه، ومختصر ابن الحاجب، وصحب شيخ الإِسلام ابن تيمية وامتحن بسببه، وأكثر من الأخذ عنه، وكان سريع الحفظ، كثير الاستحضار، قليل النسيان، جيد الفهم، وله مشاركة فى العربية والشعر، واشتهر بالضبط والتحرير، وإليه يرجع المؤرخون والمفسرون والمحدثون، ومن شعره:
تمر بنا الأيام تترى وإنما ... نساق إلى الآجال والعين تنظر
فلا عائد ذاك الشباب الذى مضى ... ولا زائل هذا المشيب المكدر
وأخذ عن الحافظ المزى، وبرهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن الفزارى، وابن الفركاح، وأبو الثناء الأصفهانى، وابن قاضى شهبة.
وله مصنفات كثيرة منها: تفسير القرآن العظيم، البداية والنهاية فى التاريخ، وكتاب فى جمع المسانيد العشرة، واختصر تهذيب الكمال، وأضاف إليه ما تأخر فى الميزان سماه التكميل، وطبقات الشافعية، وله سيرة مختصرة، وشرح قطعة من صحيح البخارى.
٨ - أحمد بن محمد بن جمعة (١) (٦٤٨ - ٧٧٤ هـ):
هو أحمد بن محمد بن جمعة بن أبى بكر بن إسماعيل بن حسن الأنصارى الحلبى شهاب الدين أبو العباس، عرف بابن الحنبلى الشافعى، أخذ عن الخطيب الطائى بحلب، والبدر بن جماعة، ورحل فى طلب العلم وخاصة الحديث، وبرع فيه، وولى خطابة جامع حلب مدة عشرين سنة تقريبًا، وكان حسن الخلق، ويقول الشعر، ومن شعره ما نقله ابن حجر، وقال إنه وجده بخط الزركشى، وأن الزركشى نقله عنه عام ٧٦٤ هـ (٢):
معانقة الفقر خير لمن ... يعانقه من سؤال الرجال
ولا خير فى نيل من ماله ... عزيز النوال بذل السؤال
стр. 36
٩ - ابن هشام (١) (٧٠٨ - ٧٧٤ هـ):
هو عبد اللَّه بن يوسف بن أحمد بن عبد اللَّه بن هشام الأنصارى الشيخ جمال الدين الحنبلى، تفقه أولًا على مذهب الشافعى ثم انتقل إلى المذهب الحنبلى، اشتهر فى الأوساط العلمية، وأقبل الناس عليه، وتصدر لنفع الطالبين، وانفرد بالفوائد الغريبة والاستدراكات العجيبة، والتحقيق البارع، والاطلاع المفرط، والمقدرة على التصرف فى الكلام، وحسن الملكة التى كان يعبر بها عما يريد إسهابا أو إيجازًا مع التواضع والبر والشفقة ودماثة الخلق ورقة القلب، وكان كثير المخالفة لأبى حيان، أخذ عن أبى حيان والتاج التبريزى والتاج الفاكهانى.
من مصنفاته: مغنى اللبيب، وكتاب قيم فى النحو، وتعليق على الألفية، وعمدة الطالبين، وشذور الذهب، وقطر الندى، وشرح اللمحة لأبى حيان، وشرح البردة، والتذكرة (خمسة عشر مجلدًا). ومن شعره:
ومن يصطبر للعلم يظفر بنيله ... ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل
ومن لا يذل النفس فى طلب العلا ... يسيرا يعش دهرا طويلًا أخاذل
وله:
سوء الحساب أن يؤاخذ الفتى ... بكل شىء فى الحياة قد أتى
* * *
стр. 37
ج - تلاميذه
١ - شمس الدين البرماوى (١) (٧٦٣ - ٨٣١ هـ):
هو محمد بن عبد الدائم بن موسى النعيجى، العسقلانى الأصل، البرماوى المصرى، الشيخ الإمام العلامة الأوحد البارع القدوة المحقق شمس الدين، ذو الفنون المحدث الفقيه الأصولى خبير بالعربية والفرائض له مصنفات كثيرة، كان أجمع أهل زمانه للعلوم مع الاتساع فيها، أخذ عن ابن الملقن وابن جماعة، وكان الإمام بدر الدين الزركشى يعظمه ويقربه، وأذن له فى إصلاح مصنفاته.
٢ - ابن حجى (٢) (٧٦٧ - ٨٣٠ هـ):
هو نجم الدين أبو الفتوح عمر بن حجى بن موسى بن أحمد بن سعد السعدى الحسبانى الأصل، الدمشقى الشافعى، توفى والده وهو صغير فحفظ التنبيه فى ثمانية أشهر، وحفظ كثيرًا من المختصرات، أخذ عن أخيه شهاب الدين، وتعلم العربية، وكان فهمه أحسن من حفظه، وكان فى دار العدل مفتيًا، فوقعت له مشكلة، وضرب وسجن فى القلعة، وحج وعاد وتولى القضاء فى دمشق، وما زال فيه حتى قتل، وممن أخذ عنهم ابن الملقن والإمام الزركشى.
٣ - الشمنى (٣) (ولد بعد سنة بضع وستين وسبعمائة، وتوفى عام ٨٢١ هـ):
هو كمال الدين محمد بن حسن بن محمد بن محمد بن خلف اللَّه الشمنى نسبة إلى مزرعة بباب قسطنطينية، ثم الأسكندرى المالكى، اشتغل بالعلم من صغره فى بلده الأول حتى صار عالمًا، ثم قدم القاهرة وسمع من شيوخها وسمع فى الأسكندرية، وتقدم وصنف وتخرج على يد بدر الدين الزركشى والزين العراقى، وكان ينظم الشعر.
стр. 38
٤ - الورورى (١) (٧٤٧ - ٨٦١ هـ):
هو سراج الدين عمر بن عيسى بن أبى عيسى بن محمد بن أحمد الشيخ الورورى الشافعى، كان عالمًا دينًا خيرًا، سمع على البدر الزركشى وغيره، ولد عام سبعة وأربعين وسبعمائة، وتوفى عام واحد وستين وثمانمائة.
٥ - الأميوطى (٢) (٧٧٨ - ٨٦٧ هـ):
هو عبد الرحيم بن إبراهيم بن محمد الأميوطى، ولد بمكة ونشأ فيها، وحفظ القرآن، وسمع الكثير عن أبيه، ورحل إلى مصر بعد وفاة أبيه ولقى الزركشى وأخذ عنه.
٦ - الكتانى (٣) (٧٧٤ - ٨٥٢ هـ):
هو محمد بن أحمد بن محمد بن عثمان الكتانى، نشأ بالمدرسة الكهارية فى القاهرة، فقرأ القرآن على أبيه، وقرأ النحو على الأبشيطى، والبدر الزركشى.
٧ - الطوخى (٤):
هو محمد ولى الدين أبو الفتوح الطوخى، قرأ العمدة على الإمام بدر الدين الزركشى فى عام واحد وتسعين وسبعمائة.
٨ - الطنباوى (٥):
هو محمد بن عمر بن محمد بن ناصر الدين الطنباوى، وذكر السخاوى أنه كان يتردد على البدر الزركشى، وذكر قصة جرت للطنباوى وأن الزركشى طيب نفسه، فذهبت عنه المشكلة التى قصها للزركشى.
стр. 39
المبحث الثانى مؤلفاته
لقد خلف الإمام بدر الدين الزركشى مكتبة من تصانيفه شملت معظم العلوم حتى لقب بالمصنف كما تقدم.
أولًا: كتبه فى علوم القرآن والتفسير
١ - البرهان فى علوم القرآن (١):
وهو كتاب جمع فيه جمعًا لم يسبق إِليه فى علوم القرآن، ورتبة على سبعة وأربعين نوعًا، وقال هو فى مقدمته: "ما من نوع إلا ولو أراد إنسان استقصاءه لاستفرغ عمره ثم لم يحكم أمره فاقتصرنا من كلٍّ على أصوله والرمز إلى بعض فصوله" (٢).
وقد أدرج السيوطى فى إتقانه معظم الكتاب.
وقد قام الأستاذ عبد العزيز إسماعيل بدراسة البرهان وقارن بينه وبين الإتقان للسيوطى، وكان ذلك موضوع رسالة الدكتوراه فى كلية أصول الدين جامعة الأزهر بعنوان: "الزركشى ومنهجه فى علوم القرآن".
٢ - كتاب فى التفسير وصل فيه إِلى سورة مريم.
٣ - وله كشف المعانى فى الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ (٣).
стр. 40
ثانيًا: مؤلفاته فى علم الحديث
٤ - الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة. جمع فيه ما تفردت به عائشة -رضى اللَّه عنها- أو خالفت فيه غيرها من الصحابة، وترجم لها فى بدايته ترجمة موسعة، وأورد لها أربعين فضيلة (١).
والكتاب طبع لأول مرة بالمطبعة الهاشمية بدمشق عام ١٩٣٩ هـ بتحقيق الأستاذ/ سعيد الأفغانى.
٥ - التذكرة فى الأحاديث المشتهرة (٢). ولخصه السيوطى فى كتاب سماه: (الدرر المنتثرة فى الأحاديث المشتهرة) وزاد عليه.
٦ - التعليق على عمدة الأحكام (٣). وهو كتاب خرج فيه الأحاديث الواردة فى كتاب عمدة الأحكام للإمام عبد الغنى المقدسى المتوفى عام ٦٠٠ هـ.
٧ - تعليقه على علوم الحديث، أو (النكت على مقدمة ابن الصلاح) (٤)، وأحال إلى هذا الكتاب فى (سلاسل الذهب) فى مسألة (إجماع الأمم السابقة)، وذكره فيه باسم (خطأ ابن الصلاح)، وتوجد منه نسخة خطية فى مكتبة عارف حكمت، ونسخة فى مجمع اللغة العربية، وسجلت فى الجامعة لنيل شهادة الماجستير، ونسختان فى طب قابى سراى فى اسطنبول.
٨ - التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح (٥): وهو على ما وقع فى صحيح البخارى