← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

و "النيات": جَمْعُ "نية" (١)، [فيُرفَع] (٢) بالضَمّة، ويُنصَب ويُجَرّ بالكَسْرة. [جَرَّه] (٣)؛ لأنه جَمْعُ مُؤنّث سَالِم. (٤) ورُوي "بالنِّيَّةِ" (٥)، أفرَدَها؛ لأنَّ المصْدَرَ المفْرد يقُوم مَقَام الجمْع، وإنما يجمعُ لاختلاف الأنواع. وأصلها: "نَوْيَة"، فقُلبت "الواو" يَاءً، ثم أُدْغِمَت في "الياء" بعدها (٦)، ومنهم من خَفّف، فقال: "نِيَة"، وهو من "وَنِي، يني" (٧) إذا "أبطأ وتأخّر" (٨). قال امرؤ القيس (٩): مِسَحٌّ إِذا مَا السّابِحَاتُ على الوَنَى ... أثرْنَ الغُبارَ بالكَدِيد المُرَكَّل (١٠)

стр. 37

أي: "على الإبْطَاء". (١) قالوا: ولذلك احتاجَت النّية في تصحيحها إلى إبطاء. (٢) والألِف واللام في "الأعمال" للعَهْد [في] (٣) العبادات المفتَقرة إلى نية، فيخرُج من ذلك إزالة النجاسة، والمتروكات كُلها والمعاصي؛ لأنّه يُعاقَب عليها، وإنْ لم تكُن بنية ولا قَصْد. (٤) والألِف واللام في "النيات" للعَهْد أيضًا؛ لأنَّ المراد: "ما يختصّ بتلك الأعْمَال، دون غيرها". (٥) و"الأعْمالُ": جَمْعُ قِلّة (٦)، ..................................................

стр. 38

وجَمْعُ المُؤنّث السّالِم (١) جَمْعُ قِلّة أيضًا؛ فحَسُن التَّقابُل. (٢) وجُمُوعُ القِلّة [تجْمَعُها] (٣) أبياتٌ ثلاثة، أنشَدنيها الشَّيخُ الأَدِيب سِرَاج الدِّين الدّمنهُوري ﵀، لنفْسه: جمُوع قِلَّة: أجْمَالٌ وأحْمِرةٌ ... [وأَفْلُس] (٤) غِلْمَة، والسَّالمان مَعَا كَتبَة لابن دَهّان، وقَد نَقَلَ الفَرّا ... ثَلاثًا: حِجَج [حِبَبَة ترعَا] (٥) وأصْدِقَاء عَن التبريز، وابْن سَرى (٦) فِعْلَة عَنْه فِي اسْم الجُمُوع (٧)

стр. 39

وَعَا (١).

стр. 40

قوله: "وإنما لكُلِّ امرئٍ مَا نَوَى". قال الشّيخُ تقيّ الدِّين (١): يقتضي أنَّ من نَوَى شَيئًا حَصل له، وما لم ينوه لم يحصل له. (٢) [ثم قال: فرقٌ بين قولنا: "مَن نوى شيئًا لم يحصل له غيره"، وبين قولنا: "مَن لم ينو شيئًا لم يحصل له"] (٣). (٤) قال: والحديثُ [محتَمِل] (٥) للأمرَين -يعني: قوله: "إنما الأعمَالُ بالنّيات"- وآخِرُه يشير إلى المعنى الأوّل (٦). قوله: "وإنما لكُلّ امْرئ ما نوى". "ما": مَوصُولة، بمَعنى "الذي" (٧)، وجُمْلة "نوَى" صِلة لا مَحَلّ لها، والعَائِدُ ضَمير مَفْعُول محذُوف، تقديره: "مَا نَوَاه". وإنّما حُذِف؛ لأنه ضَمير مَنْصُوب مُتَّصل بالفِعْل، ليس في الصِّلة ضَمير غيره. (٨) وسيأتي

стр. 41

الكَلامُ على الصِّلة والموصُول في الأوّل من "باب الأيمان والنذور". وفاعلُ "نوى" ضَميرُ "امرئٍ". ومَحَلُّ الصّلة مع الموصول مُبتدأ، والخبر في المجرور. وتقَدَّم ما قاله "السَّكّاكي" في الحصْر؛ فيكُونُ المحْصورُ: "ما نَوى". ولو جاءَ الكَلامُ: "وإنما لامرئٍ ما نوى" صَحّ، إلا أنه يُبطِل فائِدة عُمُوم "كُلّ"؛ لأنّ التقديرَ: " [إنما] (١) لكُلّ امْرئٍ مُكَلَّف جَزَاء مَا نَوَى". ويجُوز أنْ تكُون ["ما" مَوصُوفة] (٢)؛ فيكُون التقدير: "وإنّما لكُلّ امْرئٍ جزاء شَيءٍ نَوَاه"، [فترجع] (٣) الصِّلة صفَة، والعَائِدُ على حَاله. (٤) ويجُوزُ أن تكُون "ما" مَصْدَرية [حَرْفًا على المختَار] (٥)؛ فلا يُحتَاجُ إلى عائدٍ على الصَّحيح، والتقديرُ: "لكُلِّ امْرئٍ جَزاء نيّته". (٦) والفاعِلُ المقَدَّر في "نَوَى" ضميرٌ مَرْفوعٌ مُتّصلٌ مُسْتَترٌ، تقديرُه: "لكُلّ امرئٍ الذي نَواه هُو" (٧)، لكنّه لا يُقدَّرُ شَيءٌ بعد العَائد، [كما لا يُذكَر] (٨) بعده، [قالوا: إلا أنْ يكُون] (٩) في تأخيره فائدة، [ق ٤]؛ ............................................

стр. 42

[فلا] (١) يشكل، كقَولهم: "أعْجَب زيدًا ما كَرهه عَمرو"؛ لأنَّ الفَاعلَ مُقَدَّم في الرُّتبة، ولو لم يَظهَر اختَلّ المعْنى؛ [لأنَّ] (٢) اللفظ يبقى: "أعْجَب زيدًا ما كَرهه"، فيحتمل أنْ يكُون الفَاعِلُ "ضَمير زَيد". (٣) ففي ذِكْره وتأخيره فائدة، ولما اتّصل بالفِعْل الذي هو "نوَى" ضَمير "امرئ" وَجَب تقْديمُ المجرُور؛ ليعُود الضّميرُ على مَا قبله؛ فلا يجوزُ: "وإنما ما نواه لكُلّ امْرئ". وذهَبَ الكُوفيون إلى إعمال الظّرف والمجرور وإن لم يعتمد، فرفعوا بهما بغير شَرطٍ، فأعْمَلوا "لكُلّ امْرئ" مَثَلا في "مَا نَوَى"، وأعْرَبُوه فَاعِلًا به، وأَبَى ذلك سيبويه، إلا إذا وَقَعَت صفَة لموصُوف (٤) أو صِلَة لموصُول (٥) أو حَالًا لذي حَال (٦) أو خَبرًا لذي خَبر (٧). (٨) إذا ثبت ذلك: فاعْلم أنَّ مَا لـ "كُلّ" إذا أُضيفَت إلى نَكِرَة من خَبر أو ضَمير أو غيرهما يجيء على وِفْق المضَاف إليه، كقَوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] (٩)، وكَما جَاءَ هُنا. (١٠)

стр. 43

قال ابنُ مالك: وقد يجيء على وِفْق "كُلّ"، كَقَوله ﵇: "كُلُّ سُلَامَى عَلَيْه صَدَقَة" (١)، فذَكَّرَ الضّميرَ على وِفْق "كُلّ". والوَجْهُ: أنْ يُؤَنَّث على وِفْق "سُلامَى". (٢) وسيأتي الكَلامُ في "كُلّ" مُستوفى في الحديث السَّادس من "الاستطابة"، والكَلامُ على "مَرْء" و "امرئ" في الثّالث والسَّادس من "الزّكاة". واعلم أنّ همزة "امرئ" همزة وَصْل (٣)، وكذلك تثنيته وتأنيثه، وتكُون في غير ما ذُكر في: "اسم"، و "اسمان"، و"اثنان"، و"اثنتان"، و"ابن"، و "ابنان"، و "است"، و"ابنم"، و "ايمن الله" في القَسَم، و "الألف واللام" للتعريف. (٤) قوله: "فمَن كَانت هِجْرته إلى الله ورَسُوله". لـ"مَن" أقسَامٌ تأتي بعد هذا في الحديث الرّابع وفي العَاشِر، وهي هُنَا شَرْطيّة مَحلّها رَفْع بالابتداء، وبُنيت لتضمّنها معنى حَرْف الشرط (٥)، وخبرها اختُلِف فيه، فقيل: في فِعْلها، وقيل: في جَوَابها، وقيل: حيث

стр. 44

كَان الضّميرُ العَائِد عليها، وقيل: في فعْلها وجَوابها معًا. و"كان" -هُنا- النّاقصة تحتاجُ إلى اسم، وخبرُ اسمها: "هِجْرته". (١) ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وتُقدَّر [بمَعنى] (٢): "حضر". (٣) وكقول الشّاعر: إذا كَانَ الشّتَاء فأدْفِئُوني ... فإنَّ الشّيخَ تهْرمُه الشّتَاء (٤) وتُقدَّر بـ: "وُجد". (٥) وتكُون بمعنى "كَفَل"، كقولهم: "الصبي كُنتُه"، بمعنى "كَفلتُه". وبمعنى "غَزَل"، كقولهم: "الصُّوف كُنتُه"، أي "غَزَلتُه". (٦) ومتى دَخَلَ الشرطُ على كَان انتقَلَت بذلك إلى الاستقبال. قالوا: وتُقدَّر بمَعْنى "تَبيَّن وظَهَر". وذلك [خِلافًا] (٧) للمُبرد؛ .........................................

стр. 45

فإنّه أبْقَاه على مُضيّه. (١) فقوله في الحديث: "مَن كانت هِجْرته" بمَعنى: "تبيّن أو ظَهَر في الوجُود أنّ هِجْرته لله"، أو ما هذا مَعْناه. (٢) والضّميرُ في "هِجْرته" يعُود على "مَن". و"إلى الله": "إلى" لانتهاء الغاية، ولها مَعَان تأتي بعد هذَا، والمعنى: "إلى رضَا الله عنه" (٣). و"رسُول": "فَعُولٌ" بمعنى "مُفْعَل"، وهو قليلٌ عندهم. (٤) قال القاضي أبو مُحمّد بن عَطيّة: العَرَبُ تُجري "رَسُول" مَجْرَى المصدَر، فتَصف به الجمْع والواحِد والمؤَنّث، من ذلك قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ﴾ (٥) [الشعراء: ١٦]. (٦) قوله: "فهجْرته إلى الله ورسُوله": "الفاءُ" هنا سببية، وهي جَوابُ الشَّرط،

стр. 46

وجوابُ الشَّرط إذا كان جُملة اسمية فلا بُدّ من "الفاء" أو "إذا"، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]. و"الفاءُ" في جَوَاب الشرط للتسبيب والتعقيب. (١) وسيأتي في "باب الاستطابة" أقسام "الفَاء". واعلم أنَّ قاعدةَ الشَّرط وجَوابه [اختلافهما] (٢)؛ فيكُون الجزاءُ غيرَ الشّرط، نحو: "مَن أطَاعَ أُثيب، ومَن عَصَى عُوقِب"، وقد [جَاء] (٣) جملة الشّرط هنا هي جملة الجزاء بعَينه، فذاك بمثابة قولك: "من أكل أكل، ومَن شرب شرب"، وذلك غير مُفيد، لأنه من تحصيل الحاصل. (٤) وقد أجَاب الشّيخُ تقيّ الدّين عن هذا السُّؤال، بأنَّ الشرطَ والجزاءَ وإن اتّحدا في اللفظ [فإنّه] (٥) لم يتّحدا في المعنى. والتقديرُ: "من كَانت هِجْرتُه إلى الله ورَسُوله قَصْدًا ونية فهجْرتُه إلى الله ثَوَابًا وأجْرًا". (٦) قال جمالُ الدّين ابن مالك: من ذلك قوله ﷺ في حَديث حُذيفة: "وَلَوْ مُتَّ مُتَّ على غيرِ الفِطْرَةِ" (٧). وجَاز ذلك؛ لِتَوقُّف الفَائِدة على الفَضلة. ومنه قوله تعالى:

стр. 47

﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، فلولا قوله في الأوّل: "على غَيْر الفِطْرَة"، وفي الثّاني: ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ما صَحّ، ولم يكُن في الكَلام فَائِدة. (١) قُلتُ: وإعْرابُ "قَصْدًا ونية" يَصحُّ أنْ يكُون خَبرَ كَان، أي: "ذَات قَصْدٍ وذَات نية". وتتعلّق "إلى" بالمصدر. ويَصحُّ أنْ يَكُون "إلى الله" الخبَر، و"قَصْدًا" مَصْدَر في مَحلّ الحال. (٢) وأما قوله: "ثوابًا وأجْرًا": فَلا يصحُّ فيه إلا الحال من الضّمير في الخبر. (٣) وقوله: "إلى دُنيا": قَال جَمَالُ [الدّين] (٤) ابن [مالك] (٥): "دُنيا" مُؤَنّثُ "أدْنَى"، و"أدْنَى" أفعَلُ التفضيل، وأفعَلُ التفضيل إذا نُكِّر لَزِم الإفرادَ والتذكير، وامتنع تأنيثه وتثنيته وجَمعه؛ ففي استعمال "دُنيا" بتأنيث مع كونه مُنكّرًا إشْكالٌ، فكانَ حَقّه ألا يُستعمَل، كما لا يُستعمَل "قُصوى" و"كُبرى"، إلا أنَّ "دُنيا" خُلعت عنها الوصفية غالبًا، وأُجْريَت مجرَى ما لم يكُن قَط وَصْفًا مما وَزْنه "فُعلى"، كـ "رُجعى" و" [بُهمى] (٦) ". (٧)

стр. 48

ومِن وروده [مُنكَّرًا] (١) مُؤنّثًا قَول الفَرَزْدَق: لا تُعْجبنَّك دُنيا أنْت تَاركهَا ... كَم نَالَهَا مِن أُنَاس ثُم قد ذَهَبُوا؟ ! (٢) قَال أثيرُ الدين أبو حيّان: "دُنيا" تأنيثُ "أدنى"، ويرجع إلى "الدنُوّ"، بمعنى "القُرْب"، وألِفُه للتأنيث. (٣) قال أبو محمّد بن عَطيّة ﵀، عند قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]: "حُسْنَى" على وزن "فُعلى"، ولا تجيءُ "فُعلى" عند سيبويه إلا معرفة، إلا أنْ يُزال عنها معنى التفضيل وتبقى مَصدرًا، كـ "العُقبَى". (٤) قَالَ أثير الدين أبو حيّان: لـ"أفعل" استعمالات، أحدها: أنْ [تكُون] (٥) بـ"مِنْ" ظاهِرَة أو مُقدَّرة أو مُضَافَة إلى نَكِرة؛ فهذه لا تتعرَّف. الثّاني: أنْ تكُون بـ"أل"؛ فتكُون مَعْرفة. الثّالث: أنْ تُضَافَ إلى مَعْرفة؛ وفي تَعْريفها به خِلاف. (٦) وأما "فُعلى": فلها استعمالان، [بالألِف] (٧) واللام، والإضَافة؛ فتكون مَعْرفة بهما على خِلاف، واستعمالها إذا كانت للتفضيل بغيرهما شَاذّ. (٨) قَال أبو بكر ابن السّرّاج، من "المقصور والممدود" (٩): [تُكتب] (١٠) "دُنيا"

стр. 49

بـ"الألِف"، وهذه لُغة نَجْد وتميم خاصّة، إلا أنَّ أهلَ الحجاز وبني أسَد يُلحقونها ونظائرها بالمصادر ذوات "الواو"؛ فيقُولون: ["دَنْوَى"] (١)، بفتح أوّله، [كـ"شَروى"] (٢)، وكذلك يَفعَلون بكُلّ "فُعلى"، يضعون موضع لامها واوًا ويفتحون أولها ويقلبون ياءَها واوًا. وأمّا أهلُ اللغة الأخْرَى: فيضُمُّون "الدال" ويقلبُون "الواوَ" "ياءً"؛ لأنّهم يَستثقلون الضَمّة و"الواو". (٣) قُلتُ: وعلى هذا تُكْتَب بـ"اليَاء". قوله: "يُصيبها": جُمْلة من فعْل وفَاعِل ومَفعُول، في مَحَل صفة لـ"دُنيا". ومتى تقدّمَت النّكرة على الظروف أو المجرورات أو الجُمل كانت صفات، وإن تقدَّمت المعرفة كانت أحوَالًا. هذا ما لم يمنع من ذلك مانع. (٤) ومثلُ هذه الجُملة في الإعْراب: قوله: "أو امْرأة يَنكحُها". وقوله: "فهِجْرَتُه إلى مَا هَاجَرَ إليه": جَوَابُ الشّرْط، و"هِجْرتُه" مُبتدأ، والخبرُ مُتعَلِّق بالمجْرُور. (٥) ولم يقُل: "فهِجْرَتُه إلى دُنيا"، كما قَال في الشّرْط [والجزَاء] (٦) الأوّل. قال بعضهم: فيه تحقيرٌ للدنيا (٧)؛ إذ لم يُكَرِّرها ولا ما يتعلَّق بها، وفي الشَّرط الأوّل ذكر

стр. 50

الله ورسُوله، وهو مَحلُّ تبرُّك وتعظيم؛ فحَسُن الأوّل دون الثّاني. والله أعلم. الحديث الثّاني [٢]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" (١). الكَلامُ على لَفْظ "حَديث"، والقَوْلُ في "الثّاني" مِثْل القَوْل في "الأوّل". وجُملة "لا يَقبَلُ" معْمُولة للقَول. واعلم أنَّ مَا جَاء من الأسْمَاء المرَكَّبة تَركيبَ إضَافة -مثل: "أبي هرَيرة" و"أبي قُحَافة"- إذا قُصد به ذَات مُفرَدَة وفَهم منها السَّامعُ مَعنى العَهْد الذي يُفهَم من "زيد" مثلًا للشّخص صَار في حَدّ السَّواء في الإفادة. وإن كان العَلَم هو الذي علّق في أوّل أحواله على مُسَمّى بعَينه لا يَتعدّى إلى غَيره؛ فقد صَار هذا بمَنزلته؛ لأنّه عند السّامع لا يتعدّى إلى غيره، ثُم إنّه بعد النقل أبقوه على إعْرابه، فالجزءُ الأوّل إن كان إعْرابه بالحرَكَات، مثل: "عبد ربّه"؛ فإعْرابه بالحرَكَات، فتقُول: "جَاء عَبدُ ربّه"، و"رأيتُ عَبدَ ربّه"، و "مَرَرتُ بعَبدِ ربّه"، تُعْربه بالحرَكَات الثّلاث. (٢) وإنْ كان إعرابُه بالحُروف: أعرَبته بالحُروف، فتقول: "جَاءَ أبو هريرة"، و"رأيتُ أبا هرَيرة"، و"مَرَرتُ بأبي هريرة". [وإنْ] (٣) كَانَ الثّاني لا يَنصرفُ منعته الصَّرف، لا يتغيرُ عن مَوضُوعه قبل [النقل] (٤)، وهو عندهُم من قَبيل الأعْلام؛ لأنّ الأعْلامَ عنْدَهم تنقَسم إلى مُفرَد،

стр. 51

كـ"زَيد" و"هند" (١)، ومُرَكّب، وهو ثلاثةُ أنواع: - ١ - تركيب إسناد، كـ"برق نحْره"، و"شَابَ قَرْنَاها". وحُكْمُه: الحكاية. (٢) ومنه قوله: نُبّئْتُ [أخْوالي] (٣) بني يَزيدُ ... ظُلمًا عَلينا لهمُ فديدُ (٤) والكَلامُ على "يَزيدُ" يأتي في الرّابع من "الإمَامَة". وأما بقية البيت ففيه إعراب. قال الشيخُ أبو عمرو بن الحاجب: "بني يزيد" [لا يَحْسُنُ] (٥) أنْ يكُون بَدَلًا؛ لأنَّ البَدلَ هو المقصُودُ بالذِّكْر، ولَو جَعَلتَه بَدَلًا احْتَاجَ إلى مَوْصُوفٍ مُقَدَّر، وهم "الأخْوَال" أو ما يقُوم مَقَامهم، ولا فائدةَ لهذا التقدير مع الاستغناء عنه؛ فتعيّن أنْ

стр. 52

يكُون صفة، وقد يجوزُ البدلُ على قُبحه. (١) وقوله: "علينا لهم فَديد" جُملة في مَوْضع المفعول الثالث لـ"نُبئت". و"ظُلمًا" في موضع المفعُول من أجْله، وقد يكُون في مَوضع النصب على الحال على [قُبحه] (٢). (٣) ٢ - النوع الثاني: المرَكَّب تركيبَ مَزْج، وهو كُلّ اسمين ينزل ثانيهما منزلة تاء التأنيث مما قبلها. وحُكْمُ الأوّل: أنْ يُفتَح آخره -كـ"بَعْلَبَك"، و"حَضرَمَوت"- إلا أن يكون "ياء"؛ فيُسكَّن، كـ "مَعدي كرب"، و"قالي قلا". وحُكمُ الثاني: أن يُعْرَب بالضّمّة والفتحة. (٤) ٣ - النوع الثالث: المرَكَّب تركيبًا إضافيًا، وهو الغَالبُ، كما جَاء هنا، وهو كُلُّ اسمين ينزل ثانيهما مَنزلة التنوين، كـ"عَبْد الله"، و"أبي قُحَافة"، و"أبي هرَيْرَة". وحُكْمُ هذا النوع: أنْ يَجري الأوّل بحَسب العوامل، [ويَجْري] (٥) الثَّاني على الإضَافة. (٦) و"أب": أصله "أبو"، بدَليل التثنية، تقُول: "أبَوَان"، كما تقُول: "حَمَوان" و"هَنَوان" و"أخَوَان"، ويجُوزُ فيها كُلها [النقصُ] (٧) .................

стр. 53

والقَصْر (١)، ولهذا مَوْضعٌ [تُذْكَر] (٢) فيه. قوله: "لا يَقبَلُ الله": "لا" نافية، و"يَقبلُ" فِعْل مُضَارع، و"الله" فاعل، و"صَلاةَ أحَدكم" مَفعول ومُضَافٌ إليه، وهو مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلى فَاعِله، والجُمْلةُ مُسْتَأنَفَةٌ لا مَحلَّ لها مِن الإعْرَاب، وتَقدَّم قَريبًا ذِكْرُ الجُمَل التي لا مَحلَّ لها. والمعنى: "لا قَبُولَ لصَلاة أحَدِكُم حتى يتوضّأ"، فهو نَكِرَةٌ في سياق النفي؛ فيقتضي العُمُوم. قوله: "أحدكم": الهمزةُ بَدَل من "واو"؛ لأنّه بمَعنى: "واحد منكم"، وإبدالُ الهمْزة إذا كَانَت أوْلى من "الواو" (٣) قَليلٌ، وجاء منه: "امرأة أناة"، أصله "وناة"؛ لأنّه من "الوَنى". وقيل: الهمزةُ هنا أصْلٌ. (٤) وفرَّق ثعلب بين "واحد" و"أحَد" بأنّ "واحدًا" يدخُله الإفراد والجمع والتثنية، و"أحَد" لا يَدخُلُه ذلك، يُقال: "الله أحَد"، ولا يُقالُ: "زَيدٌ أحَد"؛ لأنَّ الأحَدِيَّة خُصُوصية بالله تعالى، و"زَيدٌ" تكُونُ منه حَالات. (٥) ونُقِض على "ثَعْلَب" بالعَدَدِ المعْطُوف؛ تقول: "أحَد وعشرون"، و" اثنان

стр. 54

وعشرون". (١) إذا ثبت ذلك: فقوله: "أحَدِكُم" أتَمُّ مَعْنىً من قَوله: "لا يَقبَلُ الله صَلاتكم" لأنَّ نَفي القبُول عن الأفراد أشْمَلُ من نفيه عن الجموع؛ لأنَّ "أحَدًا" تعُمُّ كُل فَرْد، ولا يخرجُ عن عُمومها بعضُ أفْرادها؛ لدلالتها على مَاهية الجُمُوع، بخلافِ خِطَابِ [المجمُوع] (٢) بضميرهم؛ فإنه قد يَدْخُله التخصيصُ، والعَرَبُ لا تَعْدِلُ عن لَفْظٍ إلى لَفْظٍ إلا لفَائدةٍ، ولذلك أمثلةٌ كثيرة. قال أبو حيّان: "أحَد" هنا [بمعنى] (٣) "واحد"، وليس هو المقْصُور على النفي وشبهه في نحْو: "مَا قَام أحَدٌ". والفَرقُ بينهما: أنَّ أصْلَ هذا -أعني: المقصُور على النفيُ- هَمزة وحَاء ودَال، والآخَر: واو وحَاء ودَال، و"الهمزةُ" فيه بَدَلٌ من "واو". (٤) وسيأتي شيءٌ منه في الأوّل من "ترك الجهر". قوله: "إذا أحْدَث": "إذا" ظرْفٌ لما يُستقبل من الزمان. (٥) (٦) واختُلف في العَامل فيه، فقيل: فِعْله، وقيل: جَوَابه، وذلك باختلاف حالتين، إنْ قُدِّر فعله مجزومًا به كان هو العاملُ فيه، وإلا فالعاملُ الجوَاب، وقد رُجِّح (٧) بأنَّ العَاملَ فعله، [بقَوْلهم] (٨): "إذا قام زيدٌ اليومَ قام عَمرو غَدًا"، والجوابُ عامِلٌ في

стр. 55

"غدًا"، وهو لما يُستقبل، و"إذا" لما يُستقبل، والفِعْلُ لا يَعْملُ في ظَرْفَين [لمعْنى] (١) واحِد. (٢) (٣) فإن قيل: فـ"اليوم" معمولُ "قام" أيضًا، ولا يعملُ في "إذا" على ما تَقَرَّر آنفًا؟ ! فالجوابُ: أنّ "إذا" و"اليوم" [مُتنافيان] (٤)؛ فـ"إذا" لما يُستقبل، و"اليوم" للحاضر؛ فتَعيّن عَمَل الفِعْل الذي بعْد "إذا"، ولا يكُونُ في مَحلّ جَرّ بها. (٥) وعلى القَوْل بأنَّ العَاملَ جَوَابها: يَكونُ فِعْلُها في مَحلّ جَرّ بها. (٦) قالوا: مما يُرجِّح عَمَل فِعْلها فيها: كونُ جَوابها جُملة اسمية بالفاء، والفاء -في الصَّحيح عندهم- لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فيما قبْلها. (٧)

стр. 56

إذا ثَبَت ذلك: فجَوَابُ "إذا" هُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عليه ما قبْلَها، أي: "إذا أحْدَث أحدُكم لا يَقبَلُ اللهُ صَلاته حَتّى يتوضّأ". (١) وسَيأتي القَولُ على "إذا" بزيادةٍ على هذا في الحديث الثّاني من "السواك". قال أبو حيّان: خَرَجَت "إذا" الشَّرْطيّة عن أخوَاتِها بأنّها إذا كَان جَوَابُها نَفيًا جَاز سُقُوطُ الفَاء منه، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ﴾ [الجاثية: ٢٥]. (٢) وقد تجيءُ "إذا" مُجَرَّدَة من مَعْنى الشَّرْط، نحْو قَوْله تَعَالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]. (٣) قال ابنُ مالك: وقد جَاء الجزْمُ بها في الشِّعْر وفي النَّثر، من ذلك قوله ﷺ لعَليٍّ وفاطمَةَ: "إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُما تُسَبِّحَا اللهَ تَعَالى ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ" (٤) بحَذْف عَلامَة الرَّفْع (٥)، وكذا: "تَحْمَدَا" و"تُكَبِّرا". (٦) وجَاءَ الجوَابُ المُقَدَّر هُنا مَنْفيًّا بـ "لا"، كَقَوْله تَعَالى: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ﴾ [يس: ٢٣]. (٧)

стр. 57

قَالوا: ويجُوزُ نَفي جَوَاب الشَّرْطِ بـ"لَا"، ولا يجُوزُ بـ"ما". والعِلّةُ في ذلك: أنّ "ما" تنفي الحال، والشَّرْطُ يقتضي الاستقبال؛ فنَاسَب "لا" دُون "ما"؛ لأنَّ "لا" تنفي المستقْبل، بخلاف "ما". (١) ومن ذلك قول كَعْب بن زُهير: إذَا [يُسَاوِرُ] (٢) قِرْنًا لَا يَحلُّ لَهُ ... أنْ يَترُكَ القِرْنَ إلَّا وَهُوَ مَفْلُولُ (٣) وسيأتي في الثّاني من "صلاة العيدين" تمام الكلام على جَواب الشرط. والله أعلم. و"حتى" تأتي بمَعنيين، لانتهاءِ الغَايَة، وللتعليل؛ فتُقَدَّر الأوْلى (٤) بـ"إلى" والثانية (٥) بـ"كَي". (٦)

стр. 58

وتأتي بمَعْنى "إلا أنْ"، ذَكَرَه ابنُ مَالك (١) (٢)، وأنْشد عليه: ليْسَ العَطَاءُ مِن الفُضول سَماحَة ... حتّى تَجُودَ ومَا لَدَيْك قَليلٌ (٣) وجَعَل بعضُهم من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: "إلا أنْ يقُولا". (٤) وأنْكَر أبو حَيان مجيئها بمَعْنى "إلّا" المشَدَّدَة. (٥) وإبدالُ الحاءِ عَيْنًا لُغَةٌ في "حتّى" (٦) (٧)، .....................................

стр. 59

وسُمِع [فيه] (١) الإمَالة (٢). وتكُون (٣) حَرْف ابتداء إذا دَخَلَت على مَاض (٤) أو مُضَارع مَرْفُوع، نحْو قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (٥) بالرَّفْع (٦) (٧)، وكذلك إذا دَخَلَت على

стр. 60

الجُمْلَة الاسمية أو "إذا"، نَحْو قَوْله: .......................... ... حَتّى مَاء دِجْلَة أشْكَل (١) (٢) و﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر: ٧١، ٧٣]. (٣) وجَعَلَها الزّمخشَري مَعَ "إذا" حرْف جَرّ. (٤) فالفِعْلُ هنا مَنْصُوبٌ بإضْمَار "أنْ" بعْد "حَتّى" (٥)، ولا يجُوزُ إظْهَارُها، والفِعْلُ بَعْدَها في مَحلِّ جَرّ بها. (٦) ويجبُ هنا تقْدير "حتى" بـ "إلى" التي للغَاية؛ لأنَّ الكَلامَ يصير: "إذا أحْدَث أحدُكم لا تُقبَلُ صَلاته إلى أنْ يتوَضّأ"، ولا يجُوزُ تقْديرُها بـ "إلّا" المُشَدَّدة؛ لأنَّ الكَلامَ يصير: "لا يَقبَلُ الله صَلاةَ أحَدكُم إلاّ أنْ يَتَوَضّأ"، ومَفهُومُه (٧): "أنّه لَو صَلّى قَبْل الوُضُوءِ ثم تَوضّأ قُبِلَت"؛ فيَفسُد المَعْنى بتَقْدِيرها. (٨)

стр. 61

وسيأتي في الخامِس من "صَلَاة العيدين" طَرَف من أحْكَام "حتّى". الحديث الثّالث [٣]: " عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ ﵃ قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". (١) قوله: "قَالوا": في محل خبر "أنّ" المُشددة مُقدّرة، أي: "أنّهم قالوا" لتقوم مقام الفاعل لمتعلّق حرف الجر، أي: "رُوي أنّهم". و"قال رسُول الله ﷺ ... إلى آخره" محكيّ بالقول. و"العَاص" يُروى بـ "الياء" وبغير "ياء"؛ فإن كان بغير "ياء" كان إعرابه بالحركات على "الصّاد"، فتقول في الرّفع: "جاء العاصُ" بالرفع، وفي النصب: "رأيتُ العاص". ولعله منقولٌ من "العيص"، وهو: "الشجر الملتف" (٢). ولفظة "ويل" مصدر، لا فعل له. وقيل: فعله "وال" "ويلاً". ورَدّه الشيخ أثير الدين أبو حيّان، وقال: هو مصنوع، يعني: "وال". قال: ولم تجيء من هذه المادة التي فاؤها "واو" وعينها "ياء" إلا: "ويل"، و "ويح"، و"ويس" و: ويب: (٣).

стр. 62

قلت: وقيل لا يجيء في الكلام ما فاؤه وعَينه "واو" إلا: "يوم" و ["يوح"] (١). ولا يثنى "ويل". وقد جمع (٢) في قول امرئ القيس: وَيَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيزَةٍ ... فَقَالَتْ لَكَ الْوَيْلَاتُ إِنَّكَ مُرْجِلِ (٣) وإذا أُضيف "ويل" فالأحْسَنُ فيه النّصب، قال تعالى: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ [طه: ٦١]. وزعم بعضهم أنّه إذا أضيف لا يجوز فيه إلا النصب، وإذا أفرد يجوز فيه الرفع والنصب. (٤) وهو هنا مرفوع بالابتداء، ومُسّوغ الابتداء معنى الدّعاء. وقيل: هو عَلَم (٥)، اسم وادٍ في جهنم، نعُوذ بالله منه. قال الشّيخُ جمال الدين ابن مَالك في قوله ﵇: "وَيْلُ أُمِّهِ، [مِسْعَرُ] (٦) حَرْبٍ" (٧): أصْله: "ويْ لأمه"، فحذف "الهمزة" تخفيفًا؛ لأنّه كَلام كثُر استعماله،

стр. 63

وجَرَى مجرى المثل. ومن العَرب مَن يضُمّ "اللام". وفي ضَمّها وجهان: - أحدهما: أن يكون ضُم اتباعًا للهمز، [وكما] (١) كسرت "الهمزة" اتباعًا للأم في قراءة مَن قرأ: "فلإِمّه الثُّلُث" (٢)، ثم حذفت "الهمزة" وبقِيَ تابع حركتها على ما كان عليه. الوجه الثاني: أن يكُون الأصْل: "ويل لأمه" بإضافة "ويْل" إلى ["لأم"] (٣) تنبيهًا على ثكلِها وويلها. قال: والأوّل أجوَد؛ ليتّحد معنى المكسور والمضْموم. و"وي" من أسماء الأفعال بمعنى "أتعجب"، فـ"لأمه" متعَلّق به. و"مسعر حرب" منصوبٌ على التمييز. انتهى. (٤) قوله: "للأعقَاب مِن النار": حرفُ الجر يتعلّق بالخبر، أي: "كائن للأعقَاب"، و"من النار" يتعلّق بمُتعلّق الخبر، و"الأعْقَاب" جمع قِلّة (٥)، وقد تقدّم ذكر جموع القلة قريبًا. والألِف واللام يحتمل أن تكُون للعَهْد، والمراد: "الأعقَاب التي رآها كذلك لم

стр. 64

يمسّها مَاء". ويحتمل أن لا يخصّ تلك الأعْقَاب التي رآها، وتكون للأعقاب التي صفتها هَذه الصّفة التي لا تعمّ بالطُهر. ولا يجُوز أنْ تكُون الألِف واللام للعُموم المطْلَق (١). وقد رُوي في بعض الروايات: "رَآنَا وَنَحْن نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا" (٢). وقوله: "مِن النّار": "مِن" لابتداء الغَاية، ويحتمل أن تكُون بمعنى "في" كما قيل في قوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ فاطر: ٤٠، (٣)، وعلى قَول مَن فسّر "الويل" بأنّه "واد في جهنم" تكُون "مِن" للتبعيض؛ لأنّ "جهنم" بعض دَرَكَات النار، وهي المختصّة بعُصَاة المؤمنين، ثم لك أن تُعلّق "مِن النار" بمتعلّق الخبر. ولا يتعلق "من النار" بصفة لـ"ويل" إذا جعلت الخبر في "للأعقاب"؛ لأنه لا يفصل بين الصفة والموصوف بالخبر (٤). ولا يتعلق "من النار" بالمصدر نفسه، ويجعل "للأعقاب" مُتعلقًا بالخبر؛ لأنّ المصدر لا يفصل بينه وبين متعلّقه بالخبر. (٥) وقد قيل: إنما يمتنع ذلك في المصدر المنحلّ إلى "أنْ"، وأمّا غيره فلا (٦)، وهو

стр. 65

كسَائر الأسماء. وللشيخ (١) أثير الدّين (٢) بحْثٌ دقيق في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] اشتَمَل على فوائد من أحْكَام المصدر وما يتعلّق به. (٣) فقال: "مستقر" مبتدأ، و"لكم" الخبر، وهو مُصحّح لجواز الابتداء بالنكرة، و"في الأرض" متعلّق بالعَامل في الخبر، ولا يتعلق بـ "مستقر" سواء أريد به مكان الاستقرار أو المصدر، أي: "ولكم في الأرض استقرار"؛ لأن اسم المكان لا يعمل، والاسم الموصول لا يتقدّم معموله عليه. ولا يجوز أن يكون "في الأرض" خبر، و"لكم" [متعلّق] (٤) بـ"مُستقر"؛ لما تقَدّم، ولا في موضع الحال من "مُستقر"؛ لأنّ العَامل إذ ذاك فيها يكون الخبر، وهو عامِل معنوي، والحال متقَدّمة على جُزأي الإسناد، ونظيره: "قائمًا زيد في الدار" و"قائمًا في الدار زيد"، وذلك لا يجوز بإجماع. وقوله: "ومتاعًا إلى حين": حرف الجر يجوز أن يتعلق بصفة لـ"متاع"؛ فيتعلق بمحذُوف، أي: "كائن إلى حين". ويجوز أن يتعلّق بـ"متاع"؛ لأنّه في معنى "تمتع" و"استمتاع"، ويكون من باب الإعمال؛ لطلب "مستقر" له، ومتى أعمل فيه الثاني -وهو "متاع"- لم يحتج إلى إضمار في الأول؛ لأنه فضلة؛ فالأولى حذفه، ولا يكون معمولًا للأوّل؛ لأنه لا يحذف ضميره من الثاني على الأفصح.

стр. 66

فإن قيل: لا يجوز أن يكون من باب الإعمال، وإن كان كل من "مستقر" و "متاع" يقتضيه المعنى؛ لأنّ الأوّل لا يصح أنْ يعمل فيه لما يلزم من الفصْل بين المصدَر ومعموله بالعطوف، والمصدَر موصُول؛ فلا يفصل بينه وبين معمُوله. قلتُ: المصدر من حيث هو مصْدَر لا يكون موصُولًا، إلا أنْ يلحظ فيه معنى الحدوث؛ فيقدر بحرف مصدري وفعل، فحينئذ يكون موصولًا. فإن لم يلحظ فيه ذلك: لم يكن موصولًا، نحو: "لزيد معرفة بالنحو" و "نظر بالطب" و"ذكاء ذكاء الحكماء"، فمثل هذا لا يُتقدّر بحرف مصدري وفعل، حتى إنّ النحويين ذكروا أنّ هذا المصدر إذا أضيف لم يحكَم على الإسم بعده برفع ولا نصب، فقولك: "يعجبني قيام زيد" مثل قولك: "يعجبني خاتم زيد" (١)، وهذا الذي قاله الشيخ ﵀ فيه فوائد يحتاج إليها المعرب؛ فلذلك ذكرته بنصه. ومن ذلك قولهم في قوله تعالى: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ [غافر: ١٠]، ذكروا أنّ العامل في "إذ" لا يجوز أن يكون المقت الله"، ولا "مقت" الثاني. أمّا الثاني: فلفساد المعنى؛ لأنهم إذ دعوا إلى الإيمان ما مقتوا أنفسهم. وأما الأوّل: فلأنه مصدر، وقد فصل بينه وبين متعلقه بالخبر؛ فالعامل إذن فعل محذوف، أي: "مقتكم إذ تدعون". وقال الزمخشري: العامل: "لمقت". ورُدّ عليه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ﴾ [الطارق: ٨، ٩]. قالوا: التقدير: "يرجعه يوم"؛ للعلة المتقدّمة (٢).

стр. 67

وقوله في الحديث: "عن عمرو بن العاص" قد تقدّم أنه يُروَى بإثبات "الياء" وحذفها، وهو المشهورُ عند المحَدّثين. الحديث الرّابع [٤]: " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ [مَاءَ] (١)، ثُمَّ ليَسْتَنثِرْ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الإِنَاءِ ثَلاثًا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ". وَفي لَفْظٍ لِمُسْلِمِ: "فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمِنْخَرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ". وَفي لَفْظٍ: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ" (٢). = تقدّم الكلام على متعلّق حرف الجر في الحديث الأوّل؛ فالتقدير: "روي عن أبي هريرة"، فيكون "أنّ رسول الله" في محلّ رفع مفعولًا لم يُسَم فاعله. و"اللام" في "ليجعل" و"ليستنشق" لام الأمر. وإنما جُزمت لمشاركتها "لم" في دخولها على غير واجب، وهو ما لم يحصل، ويؤمر بها الغائب (٣). وتأولوا قوله تعالى: "فبذلك فلتفرحُوا" (٤) على قراءة مَن قرأب بـ"التاء"، على أنّه أراد العُموم؛ فأتى بعَلامتي الغيبة والحضور ليعم الجميع؛ لأنّ المأمُور جماعة بعضهم

стр. 68

غائب وبعضهم حاضر. وإنما كسرت فرقًا بينها وبين "لام التوكيد"، وتسكن "الواو" و "الفاء" (١). واختلف في "ثم". و"مَن" اسم شرط (٢)، ولها أقسام غير هذا: - استفهامية، نحو: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]. وموصولة، نحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٨١]. وموصوفة، نحو قولك: "مررتُ بمن معجب لك" (٣). وقول حَسّان: فكفَى بِنا فَضْلًا عَلى مَنْ غَيِرنا ... حُبُّ النَّبِيّ محَمَّدٍ إيَّانا (٤) [ق ٨] قوله: "إذا توضّأ": تقَدّمت "إذا" في الحديث الثاني من أوّل الكتاب، و"أحَد" فيه أيضًا، والمراد: "إذا أراد أحَدكم"، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [الإسراء: ٤٥]، و ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] (٥)، وكذلك قوله: "من استجمر". قوله: "فليجعل في أنفه": المجرور يتعَلّق بـ"جَعَل".

стр. 69

و"جَعَل" لها مَعَان، منها: - المقَارَبة: بمَعنى أنها وضعت لدنو الخبر؛ فتحتَاج إلى اسم وخبر، نحو قولك: "جَعَل زيد يفعل كَذا"، ويجب كَون الخبر فعلًا عند الأكثرين. ومما وَرَد نَادرًا قوله في الحديث: "فَجَعَلَ كلَّمَا جَاءَ ليَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ" (١). قال ابن مالك: كان من حقّه أن يكون فعلًا مضارعًا، فجاء خبرها جملة إنشائية مصَدّرة بـ "كُلما"، وهو مبني على أصل متروك، وهو أنّ الأصل دخولها وأخواتها على المبتدأ والخبر، مثل "كان"، فترك الأصل، ثم رجع إلى الأصل شذوذًا. (٢) وتجيء "جَعَل" بمعنى "صيّر"؛ فيتعدّى إلى مفعولين، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠]. (٣) وتجيء بمعنى "خلق"، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]. (٤) وتجيء بمعنى "سمّى"، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]. (٥) وبمعنى "ألقى"، كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٣٧] (٦). وهذا معناها هنا، أي: "فليلق في أنفه ماء"، أو بمعنى "صير"، أي: "فليصير

стр. 70

في أنفه ماء". واعلم أنّ أسماء الشّرط كُلها وما في معناها من الأسماء التي يجب أن لا يتقَدّم معمولها عليها لا يخلو من أن يكون الواقع بعدها فعلًا أم لا. فإن لم يقع بعدها فعل -نحو: "مَن الذي يأتيني أكرمه"- فهي في موضع رَفْع بالابتداء. وإن وقع فعل فلا يخلو من أن يكُون مُتصرفًا أو غير متصرّف. فإن كان من الأفعال التي لا تتصرف -كـ "ليس" و"عسى"- فهي في محلّ رَفْع بالابتداء أيضًا. وإن كان من الأفعال المتصرّفة: فلا يخلو من أن يكُون مُتعديًا إلى مفعُول أم لا. فإن كان لا يتعَدّى فهي في محلّ رَفع بالابتداء أيضًا. وإن كان مُتعدّيًا: فلا يخلو أن يكُون فيه ضَمير يعُود على "مَن" أم لا -كما هنا: "مَن استجمر"- فيكون في محلّ رَفْع بالابتداء. وإن لم يكن -نحو: "مَن قام غلامه أكرمه"- فهي في محلّ رَفْع بالابتداء. وإن لم يكن فلا يخلو من أن يتصل بالفعل ضمير منصوب أم لا. فإن اتصل -نحو: "من أكرمته أكرمه"- جاز في "مَن" وَجْهان، أحدهما: الرفع بالابتداء، والثاني: النصب من باب الاشتغال. (١) قوله: "وإذا [استيقظ] (٢) أحدكم من نومه فليغسل يديه": حرفُ الجر يتعلّق بـ"يستيقظ" (٣)،

стр. 71

و"يديه" مفعول لـ "يغسل"، وعلامة نصبه "الياء"؛ لأنه تثنية "يد"، وهو منقوص غير مقيس؛ لأنّ إعرابه على الحرف الباقي بعد الحذف، والمنقوص المقيس إعرابه على الحرف المحذوف، فغير المقيس إذا ثني لا يرد المحذوف منه، كـ"يد" و"دم"؛ فتقول: "يدان" و"دمان" على الأشهر. واستثني من ذلك: "أخ"، و"أب"، و"حم"، و"هن"، ردوا فيها المحذوف؛ فقالوا: "أخوان"، و"أبوان"، و"حموان"، و"هنوان" (١)، ولهذا موضع يذكر فيه. و"قبل": ظرفُ زمان، ويجيء ظرف مكان في نحو قولهم: "داري قبل دارك". والوا قع بعدها مخفُوض بها؛ ولذلك دخَلت "أنْ" على الفعْل الواقع بعدها لتسوغ الإضافة. (٢) وسيأتي عليها الكلام في الرّابع من "باب تسوية الصفوف". قَالَ الشّيخُ تاج الدّين الفاكهاني: إن قُلت: مَا الفائدة في قوله: "من نومه"، ومعلوم أنّ الاستيقاظ إنما يكون من النوم؟ قلتُ: لا ينحصر في النوم؛ لمشاركة الغشية والغفلة في ذلك. (٣)

стр. 72

فإن قلت: لم أضاف الضمير لـ "أحَد"، ومعلوم أنّ أحَدًا لا يستيقظ من نوم غيره؛ فلم لا قال: "من النوم" أو "من نوم"؟ قلت: إنما قال ذلك لمعنىً جَليل لَطيف جدًّا، وهو الإشارة والتنبيه على أنّ نومه ﷺ مُغاير لنومنا؛ إذ كان ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه. فإن قلت: قوله: "أحدكم" يُعطي ذلك. قلت: أجَل، لكن جاء على طريق المبالغة والتأكيد، وربما يسمي أهل علم البيان مثل هذا: " [توطئة] (١) "، وهو أن يكون المعنى مستقلًا بالأوّل، ويؤتى بالثاني لما ذكر. (٢) قوله: "أن يُدخُلها": "أنْ" المصْدَرية النّاصبة للفِعل المضَارع. ولـ"أنْ" أقسَام. قال الهروي: لها سبعة مواضع: - أحدها: أن تدخل على الفعلين المستقبل والماضي؛ فتكون هي مع الفعل اسمًا بمعنى المصدر. الثاني: المخفّفة من الثقيلة، ويليها الاسم والفعل [الماضي] (٣) والمستقبل. فإذا وليها الاسم: ذلك فيه وجهان: النصب على نية تثقيلها، كقولك: "علمتُ أنْ زيدًا قائم"، يريد: "أنّ زيدًا قائم". ومنه قول الشّاعر: فَلَو أَنْكِ فِي يَوْم الرّخَاءِ سَأَلتِنِي ... فراقك لمْ أَبْخَلْ وأَنْتِ صَديقُ (٤)

стр. 73

الثاني: الرفع على أنّك تريد بها الثقيلة، وتضمر اسمها فيها، وتجعل ما بعدها مبتدأ وخبرًا في موضع خبرها، كقولك: "علمت أنْ زيدٌ قائم"، ومنه: "أكثر قولي أنْ لا إله إلا الله"، أي: "أنّه لا إله إلا الله". فإن وليها الفعل الماضي أو المستقبل: فقال ابنُ مالك في "التسهيل" (١) ما معناه: فإن دخلت على فعل اقترن غالبًا بـ"قد" أو بـ"لو" أو بحرف تنفيس أو نفي، أو يكون الفعل غير متصرف وفيه معنى الدّعَاء. الثالث: تكون زائدة للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ (٢) [يوسف: ٩٦]. الرابع: تكون بمعنى "أي" مفسرة، نحو قولك: "دعوت الناس أنْ ارجعوا"، المعنى: "أي ارجعوا". ولا موضع لها من الإعراب. ولا تجيء إلا بعد كَلام تام فيه معنى القَول (٣). الخامس: تكون بمعنى "لئلا"، كقولك: "ربطت الفرس أن ينفلت"، أي: "لئلا ينفلت"، وكقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: "لئلا تضلّوا". (٤) السّادس: تكون بمعنى "إذ"؛ كقولك: "كلمني زيد أن قام عمرو"، أي: "إذ

стр. 74

قام عمرو"، وكقوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ﴾ [ص: ٤]. (١) السابع: تكون بمعنى "ألّا"، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ﴾ [آل عمران: ٧٣]. انتهى (٢). قال أبو حيّان: "أن" حرفٌ ثنائي الوضع (٣)، والجزم بـ"أنْ" لغة بني صباح (٤). وتوصل بالماضي، نحو: "عجبت من أن أتيته"، والأمر المتصرف على خلاف فيه، نحو: "أرسَلت إليه بأنْ افعل". ومتى لقيت المضارع لم يفصل بينهما بشيء. وأجَاز بعضهم الفصل بالظرف، نحو: "يعجبني أنْ اليوم تقوم". وأجاز الكوفيون الفصل بالشرط، نحو: "يعجبني أن إن تقم يخرج زيد". وأجاز الفرّاء تقديم معمول معمولها عليها، نحو: "يعجبني زيدا أن يضرب"، ومنعه الجمهور (٥). ويأتي في العاشر الفرق بين المصدر المقدّر بـ"أنْ" والمصدر الصريح. وفاعل " [يدخلهما] (٦) " ضمير يعود على "أحدكم"، و "في الإناء" يتعلّق

стр. 75

بـ" [يدخلهما] (١) ". و"في": للوعاء حقيقة، مثل ما وَقَع هنا، ومجازًا، مثل: "أنا مهتَمّ في حاجتك". وتجيء للسّببية، نحو قوله: " [إِنَّهُمَا] (٢) لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ" (٣)، ومنه: "فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" (٤). وتجيء بمعنى "على"، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨]، أي: "عليه". وتكون بمعنى "مع"، كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٥) [الفجر: ٢٩, ٣٠]، أي: "مع عبادي". وتجيء بمعنى "بعد"، قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، أي: "بعد عامين". وبمعنى "مِن"، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٩]، أي: "مِن كُلّ أمة". ومنه قول امرئ القيس: ألَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي ... بِصُبْحٍ وَمَا الْإِصْبَاحُ فِيكَ بِأَمْثَل (٦)
следующие страницы →