← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

و"يديه" مفعول لـ "يغسل"، وعلامة نصبه "الياء"؛ لأنه تثنية "يد"، وهو منقوص غير مقيس؛ لأنّ إعرابه على الحرف الباقي بعد الحذف، والمنقوص المقيس إعرابه على الحرف المحذوف، فغير المقيس إذا ثني لا يرد المحذوف منه، كـ"يد" و"دم"؛ فتقول: "يدان" و"دمان" على الأشهر. واستثني من ذلك: "أخ"، و"أب"، و"حم"، و"هن"، ردوا فيها المحذوف؛ فقالوا: "أخوان"، و"أبوان"، و"حموان"، و"هنوان" (١)، ولهذا موضع يذكر فيه. و"قبل": ظرفُ زمان، ويجيء ظرف مكان في نحو قولهم: "داري قبل دارك". والوا قع بعدها مخفُوض بها؛ ولذلك دخَلت "أنْ" على الفعْل الواقع بعدها لتسوغ الإضافة. (٢) وسيأتي عليها الكلام في الرّابع من "باب تسوية الصفوف". قَالَ الشّيخُ تاج الدّين الفاكهاني: إن قُلت: مَا الفائدة في قوله: "من نومه"، ومعلوم أنّ الاستيقاظ إنما يكون من النوم؟ قلتُ: لا ينحصر في النوم؛ لمشاركة الغشية والغفلة في ذلك. (٣)

стр. 72

فإن قلت: لم أضاف الضمير لـ "أحَد"، ومعلوم أنّ أحَدًا لا يستيقظ من نوم غيره؛ فلم لا قال: "من النوم" أو "من نوم"؟ قلت: إنما قال ذلك لمعنىً جَليل لَطيف جدًّا، وهو الإشارة والتنبيه على أنّ نومه ﷺ مُغاير لنومنا؛ إذ كان ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه. فإن قلت: قوله: "أحدكم" يُعطي ذلك. قلت: أجَل، لكن جاء على طريق المبالغة والتأكيد، وربما يسمي أهل علم البيان مثل هذا: " [توطئة] (١) "، وهو أن يكون المعنى مستقلًا بالأوّل، ويؤتى بالثاني لما ذكر. (٢) قوله: "أن يُدخُلها": "أنْ" المصْدَرية النّاصبة للفِعل المضَارع. ولـ"أنْ" أقسَام. قال الهروي: لها سبعة مواضع: - أحدها: أن تدخل على الفعلين المستقبل والماضي؛ فتكون هي مع الفعل اسمًا بمعنى المصدر. الثاني: المخفّفة من الثقيلة، ويليها الاسم والفعل [الماضي] (٣) والمستقبل. فإذا وليها الاسم: ذلك فيه وجهان: النصب على نية تثقيلها، كقولك: "علمتُ أنْ زيدًا قائم"، يريد: "أنّ زيدًا قائم". ومنه قول الشّاعر: فَلَو أَنْكِ فِي يَوْم الرّخَاءِ سَأَلتِنِي ... فراقك لمْ أَبْخَلْ وأَنْتِ صَديقُ (٤)

стр. 73

الثاني: الرفع على أنّك تريد بها الثقيلة، وتضمر اسمها فيها، وتجعل ما بعدها مبتدأ وخبرًا في موضع خبرها، كقولك: "علمت أنْ زيدٌ قائم"، ومنه: "أكثر قولي أنْ لا إله إلا الله"، أي: "أنّه لا إله إلا الله". فإن وليها الفعل الماضي أو المستقبل: فقال ابنُ مالك في "التسهيل" (١) ما معناه: فإن دخلت على فعل اقترن غالبًا بـ"قد" أو بـ"لو" أو بحرف تنفيس أو نفي، أو يكون الفعل غير متصرف وفيه معنى الدّعَاء. الثالث: تكون زائدة للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ (٢) [يوسف: ٩٦]. الرابع: تكون بمعنى "أي" مفسرة، نحو قولك: "دعوت الناس أنْ ارجعوا"، المعنى: "أي ارجعوا". ولا موضع لها من الإعراب. ولا تجيء إلا بعد كَلام تام فيه معنى القَول (٣). الخامس: تكون بمعنى "لئلا"، كقولك: "ربطت الفرس أن ينفلت"، أي: "لئلا ينفلت"، وكقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: "لئلا تضلّوا". (٤) السّادس: تكون بمعنى "إذ"؛ كقولك: "كلمني زيد أن قام عمرو"، أي: "إذ

стр. 74

قام عمرو"، وكقوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ﴾ [ص: ٤]. (١) السابع: تكون بمعنى "ألّا"، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ﴾ [آل عمران: ٧٣]. انتهى (٢). قال أبو حيّان: "أن" حرفٌ ثنائي الوضع (٣)، والجزم بـ"أنْ" لغة بني صباح (٤). وتوصل بالماضي، نحو: "عجبت من أن أتيته"، والأمر المتصرف على خلاف فيه، نحو: "أرسَلت إليه بأنْ افعل". ومتى لقيت المضارع لم يفصل بينهما بشيء. وأجَاز بعضهم الفصل بالظرف، نحو: "يعجبني أنْ اليوم تقوم". وأجاز الكوفيون الفصل بالشرط، نحو: "يعجبني أن إن تقم يخرج زيد". وأجاز الفرّاء تقديم معمول معمولها عليها، نحو: "يعجبني زيدا أن يضرب"، ومنعه الجمهور (٥). ويأتي في العاشر الفرق بين المصدر المقدّر بـ"أنْ" والمصدر الصريح. وفاعل " [يدخلهما] (٦) " ضمير يعود على "أحدكم"، و "في الإناء" يتعلّق

стр. 75

بـ" [يدخلهما] (١) ". و"في": للوعاء حقيقة، مثل ما وَقَع هنا، ومجازًا، مثل: "أنا مهتَمّ في حاجتك". وتجيء للسّببية، نحو قوله: " [إِنَّهُمَا] (٢) لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ" (٣)، ومنه: "فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" (٤). وتجيء بمعنى "على"، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨]، أي: "عليه". وتكون بمعنى "مع"، كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٥) [الفجر: ٢٩, ٣٠]، أي: "مع عبادي". وتجيء بمعنى "بعد"، قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، أي: "بعد عامين". وبمعنى "مِن"، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٩]، أي: "مِن كُلّ أمة". ومنه قول امرئ القيس: ألَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي ... بِصُبْحٍ وَمَا الْإِصْبَاحُ فِيكَ بِأَمْثَل (٦)

стр. 76

أراد: "منك". وتجيء بمعنى "إلى"، قال الله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: "إلى أفواههم". وتكون بمعنى "الباء"، قال زيد الخيل: وَيرْكَبُ يَوْمَ الرَّوعِ فيها فَوَارِسٌ ... بَصيرونَ في طَعْنِ الأَبَاهِرِ والكُلَى (١) أي: "بصيرون بطعن". (٢) قوله: "ثلاثًا": مصدر؛ لأنه عَدَد، وعَددُ المصدر مصدر (٣)، أي: "ثلاث مرات" أو "ثلاث غسلات". ومنه قولهم: "أنتِ طالق ثلاثًا"، أي: "ثلاث تطليقات". وكسرت "إنّ" هنا لأنها في ابتداء الكلام، وكذلك تكسر إذا كان في خبرها "اللام"، وبعد "واو" الحال، وبعد "حتى" التي هي حرف ابتداء (٤).

стр. 77

وتفتح وتكسر، والكسر أجوَد، في أربعة مواضع، بعد القَسَم والقول و "أَمَا" و"إذا" التي للمُفاجأة (١). أما إذا كان [القول] (٢) فعلًا مضارعًا بـ"تاء" خطاب تقدّمَته أداة استفهام لم يفصل بينهما: فإنها تفتَح؛ لأنها تسدّ حينئذ مَسَد مفعُولين للقَول، نحو: "أتقول زَيد منطلقًا؟ "، أي: "أتظن زيدًا مُنطلقًا؟ " (٣). وتجيء "إنّ" بمَعنى "نَعَم"، وقد تأوّلوا ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ﴾ [المائدة: ٦٩]. (٤) ومنه قوله: "إنّ وراكبها". قيل: وفَدَ عبد الله بن فضالة على عبد الله بن الزبير، فقال: "إنّ ناقتى تعبت ودبرت". فقال: "ارْقَعْها بجِلدٍ، [واخْصِفْها] (٥) بهُلْبٍ، وسِرْ بِهَا [البردَين] (٦) ". فقال له: "إني جئتك مُستحْملًا لا [مُستَسْيرًا] (٧)، فلَعَن الله ناقة حملتني إليك". فقال: "إنّ وراكبها"، أي: "نَعَم وراكبها". (٨)

стр. 78

وقوله: "لا يَدْري": في محلّ خبر "إنّ". قال صاحبُ "الصّحاح": يُقال: "دريته" و"دريت به" "دريًا" و"تدرية" و"درية" و"دراية"، أي: "علمت به". (١) قال: وإنما قالوا: "لا أدر" بحذف "الياء" تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، كما قالوا: "لم أبل" و"لم يك". انتهى (٢). فـ"يدري" هنا بمعنى العلم؛ فيتعدّى إلى ما يتعدّى إليه "علم" بمعنى "عرف" المتعدّي إلى واحد، ويتعَدّى إلى اثنين بـ"الهمزة"، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾ [الأحزاب: ٦٣]، فـ"لعلّ" عَلّقت الفِعْل عن المفعُول الثّاني. قلتُ: أصلُ "درى" أنْ يتعَدّى بـ"الباء"، تقول: "دريت بزيد"، وقد تحذف على قلّة. فإذا أدخلت همزة النقل تعَدّى إلى واحد بنفسه وإلى آخر بحرف الجر؛ فتقول: "أدريت زيدًا بعمرو" (٣). قلت: وعلى هذا إذا قلت: "أدريت زيدًا عمرًا" انتصب "عمرو" بإسقاط حرف الجر.

стр. 79

وكذا قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣]: إن ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ منصوبٌ بإسقاط حرف الجر (١). وقوله: "أين باتت يده؟ ): "أين" هنا اسم استفهام، ويُقال فيها سؤال عن المكان، مبنية لتضمّنها معنى حرف الاستفهام (٢). ونظيرها في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، قال أبو حيان: "ما" الأولى نافية، والثانية استفهامية، و"أدري" مُعلّق بها، وموضعها رَفْع بالابتداء، و"يفعل" الخبر، والجملة في موضع مفعول "أدري" المعلقة. (٣) وأجاز الزمخشري في "ما" أن تكُون موصولة منصوبة. (٤) وتعقب عليه بأنّ "ما" لو كانت موصولة لقَال: "بما يفعل"؛ لأن المشهور في "درى" أنه يتعدّى بـ"الباء"، كقوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: ١٦]. وكثيرًا ما علقت "درى" في القرآن. والأولى أن تكون استفهامية. (٥) [وتأتي] (٦) شرطًا مصحوبة بـ"ما" و"أين" غالبًا، نحو قوله: "أمّا ما". وهي

стр. 80

مبنية، لتضمنها معنى حرف الشرط (١). فـ"أين" هنا في موضع نصب بالفعل بعدها، نصب الظروف. ويحتمل أن تكون بمعنى "كيف"؛ فيكون موضعها حَالًا (٢) من "يده"، أي: "في أي حالة باتت يده". وتقَدّم "أين" على العامل لما فيه من معنى الاستفهام. و"أين" و "أنى" أخوات في الشرط والمكان، لكن يختلف المعنى إذا قدّرت "أين" بـ "كيف"، فتأمله (٣). والجملة من قَوله: "أين باتت يده؟ " في محلّ مفعُول "يَدْري". وعَلّق الاستفهام الفِعْل عن العَمَل فيه، لأنّ الاستفهام لا يَعْمَل فيه ما قبله، وقد تقَدّم. واعلم أنّك تقُول: "أين زيد قائم؟ " و"قائمًا"، على أن يكون "زيد" مبتدأ، والخبر في الظرف الذى هو "أين"، فيكون فيه استقرار مقدّر ليتعلّق به الظرف، وحقّه أن يقدّر العامل مؤخرًا عن الظرف المتضمّن للاستفهام. فإن رفعت "قائمًا" كان خبرًا عن "زيد"، وكان "أين" منصوبًا به. وإن نصبت "قائمًا" نصبته على الحال من ضَمير الاستقرار في الخبر. (٤)

стр. 81

فلو قلت: "متى زيد قائم؟ " بالرفع جاز على ما تقرّر في "أين زيد قائم؟ ". وإنْ نصبت قائمًا لم يجز؛ لأنّ "متى" ظرْف زَمَان، وظرفُ الزّمَان لا يكُون خَبرًا عن الجثّة (١). إذا ثبت ذلك: فـ"التاء" في قوله: "باتت" تاء التأنيث الدّالّة على تأنيث الفَاعِل. وفي الإنسَان أعْضَاء مؤَنّثة لا يجوز تذكيرها، وهي: "اليد" و "العنق" و"الأذن" و"الكبد" و"الكرش" و"الورك" و"الضلع" و"الفخذ" و"الساق" و"القدم" و"العقب" و"العضد" و"الإصبع" و"الرِّجْل" و"الكف" و"العجز" و"الكراع" و"القِتب" -بالكسر، من أقتاب البطن، وهي الأمعاء- و"السن" و"اليمين" و"الشمال" (٢). قوله: "وفي لفظ لمسلم": أي: "ورُوي في لفظ لمسلم"؛ فيتعلّق "في لفظ" بـ"رُوي". و"لمسلم" يتعلق بصفة، أي: "كائن لمسلم"، أو يتعلّق بـ "لفظ"؛ لأنه مصدر، ويحتمل أن يتعلّق بـ"روي" الذي يتعلّق به "في لفظ". وعلى الوجهين الأخيرين لا يكون للمجرور تقدير كوني ولا استقرار. أو يقدّر: "وجاء في لفظ"؛ فتكون الجملة بعده في محلّ فاعل، على أنه إسناد إلى اللفظ لا إلى مدلوله، وعلى الأوّل: في محلّ مفعول لم يُسمَّ فاعله (٣).

стр. 82

قوله: " [فليستنشق] (١) ": "الفاء" جَوابُ الشرط، و"اللام" لام الأمر، والفِعْل مجزوم بها. والجمهورُ على تسكين "اللام" إجراءً له مجرَى "فعل" المكسُور "العَين" في تخفيفه، كـ"فخِذ" و"كتِف"، وكذلك كُلّ ما جاء منه في القرآن، نحو: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وكسر "لام" الأمر لُغَة مشهورة. قال في "المجيد": ونقل صاحبُ "التسهيل" أنّ فتحها لُغة، وعيّن ابنه أنها لُغَة سليم، وقال: حكاها الفراء، وظاهر كلامهما الإطلاق في فتحها. ونقل صاحب "الإعراب" -وهو أبو الحكم الخضراوي (٢) - عن الفرّاء أنّ من العَرب مَن يفتَح هذه "اللام" لفتحة " [الياء] (٣) " بعدها، قال: فلا تفتح إن انضم ما بعدها أو كسر (٤).

стр. 83

وليس المراد بقوله: ["يستنشق"] (١) الطّلَب، بل هو كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، بمعنى "أوقد نارًا" (٢)، ومثله: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] بمعنى: "غني" (٣). وعدَّ الشيخ أبو حيّان للاستفعال اثني عشر معنى، انظرها في "المجيد" (٤). وقوله: "بمنخريه": "الباء" باء الآلة، مثل: "نجرتُ بالقدوم" (٥). و"من الماء" يتعلّق بـ "يستنشق". و"من" للتبعيض، أو لبيان الجنس (٦). ومحلّ "ليستنشق" رَفع، مفعُول لم يُسَم فاعله لـ "رُوِيَ" على الحكاية، أو رَفع على الفَاعِلية إن قدّرت "جَاء" (٧). قوله: "وفي لَفْظ": تقَدّم قريبًا.

стр. 84

الحديث الخامس [٥]: " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ". (١) وفي رواية: "لا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِم وَهُوَ جُنُبٌ" (٢). قوله: "لا يبُولَن": "لا" ناهية، و"يبُولَن" فِعل مُضَارع مُؤكّد بنون التأكيد، مجزُوم بالنهي محلًّا. والجملَة معمُولة للقَول، والقَول خَبر "أنّ"، و"أنّ" وما بعدها في محلّ مفعُول لم يُسَمّ فَاعِله لمتعَلّق حَرْف الجر (٣). واعلم أنه متى اتّصل بالفعل المضَارع إحْدَى النّونات الثلاث -نونا التأكيد الشديدة والخفيفة، و"نون" جماعة المؤنث- بُنيَ. وذَهب ابن مالك وطائفة إلى أنّ الحال كذلك ما لم يتّصل به ضَمير تثنية أو ضَمير جماعة المذَكّرين أو ضَمير الوا حِدة المخَاطبة، نحو: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ [يونس: ٨٩]، و ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، و ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ (٤) [مريم: ٢٦] فتعرب؛ لأنّ فيها فاصِلًا مُقدّرًا بين "لام" الكلمة وبين "نون" التوكيد (٥).

стр. 85

أمّا قوله سبحانه: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥]: فمُعربة كذلك؛ لأنّ فيها فاصلًا مُقدّرًا بين "النون" الأولى التي هي "لام" الكلمة وبين "نون" التوكيد، فأصله: "ليسجنونه"، فاستثقل اجتماع ثلاث نونات؛ فحذفت "نون" الرفع، فالتقى ساكنان؛ فحذفت "الواو" لاعتلالها، وبقي التوكيد. وأمّا ﴿تَتَّبِعَانِّ﴾ [يونس: ٨٩]: فإن الفاصل ملفوظ به، وهو "الألِف" في: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ [يونس: ٨٩]. وزَعَم بعضهم أنّ المؤكّد بـ"النون" مُعرَب مُطلقًا، فهي إذًا [ثلاثة] (١) مذاهب. (٢) ثم "نُون" التأكيد تختص بالأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض والقَسَم. ويقلّ وقوعها مع النفي؛ [ولذلك] (٣) تأولوا قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ﴾ [الأنفال: ٢٥]. (٤) وكثر وقوعها في الفعل المضارع الوا قع بعد "إمّا"، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ (٥) ............................................................

стр. 86

[مريم: ٢٦]. (١) وقوله: "أحدكم": مرفوع على الفاعلية. وتقَدّم في الحديث الثّاني القول في "أحَد". وقوله: "في الماء الدّائم": حَرْفُ الجر يتعَلّق بـ"يبولنّ"، و"الدّائم" صفة للماء، تبعه في إعرابه وإفراده وتذكيره وتعريفه (٢). وأصْلُ "الماء": "موه"؛ لأنهم يُصغرونه: "مويه"، ويجمعونه: "أمواه"، فلما تحرّكَت "الواو" في "موه" قُلبت ألِفًا؛ لتحرّكها وانفتَاح مَا قبلها، فلما اجتَمَع "الألِف" و"الهاء" -وهما حَرْفَان خَفيّان- قُلبت "الهاء" "همزة" (٣). والألِف واللام فيه لبيان الجنس الحقيقي، لا الجنس الشّامل، ويجوز أن تكون للعَهْد الذّهني لا للعَهْد الخَارج.

стр. 87

وتجيء الألِف واللام لتعريف العَهد، وتعريف الجنس، وللحضور، وللمح الصفة، وزائدة، وبمعنى "الذي" و"التي"، وللغَلَبة. (١) وكُلّها تأتي بأمثلتها [مفرقة] (٢) حسب تفرّق مواضعها بعد. قوله: "الذي لا يجري": صِفَة ثانية، وصِلَة "الذي" الفِعْل، والعَائدُ ضَميرُ الفَاعِل، وهي صِفَة مُؤكّدة، كقوله تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (٣) [الحاقة: ١٣]؛ لأنّ "الدائم" هو: الذي لا يجري (٤). ويحتمل أن يكون المحلّ منصوبًا بفِعْل محذُوف خَرَج مخرَج البيان، أو مرفوعًا بتقدير "هو". وقوله: "ثم يغتسل منه": يحتمل الرّفع والنّصب والجَزْم، فالجَزْم بالعَطْف على الفِعْل المجزُوم المحلّ. قال جمالُ الدّين ابن مالك (٥): "ثُمّ" حملت على "الواو" في هذا الحديث، [وانتصب] (٦) " [يغتسل] (٧) " بإضمار "أن" بعدها، كما هو بعد "الواو".

стр. 88

قال: ونظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ (١) بالنصب، قُرئ بالرّفع والنّصب والجزْم. (٢) قلتُ: أمّا الجزم فبالعَطْف على "يخرج". وأمّا الرّفع: فعلى أنّه خَبر مُبتدأ محذُوف، أي: "ثُمّ هو يُدْرِكُه"، وفيه عَطف الجمْلَة الاسمية على الجمْلَة الفِعْلية الشّرطيّة (٣). قَالَ أبو حيّان: وعليه حمل يُونس قول الأعشى: إِنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الْخَيْرِ عَادَتُنَا ... أَوْ تَنْزِلُونَ فَإِنَّا مَعْشَرٌ نُزُلُ (٤) أي: "أو أنتم تنزلون". (٥)

стр. 89

قَالَ: وخرّج على أنّ رفع "الكَاف" منقولٌ من "الهاء"، كأنّه أرَاد أنْ يقف فنقل، كقوله: عَجِبْتُ وَالْدَّهْرُ كَثِيْرٌ عَجَبُه ... مِنْ عَنَزِيَ سَبَّنِي لَمْ أَضْرُبهُ (١) فنقل حركة "الهاء" إلى "الباء" المجزومة (٢). وأمّا قراءة النّصب: فعلى إضمار "أن"، كقوله: .............................. ... وَيَاْوِي إِلَيْهَا الْمُسْتجِيرُ [فَيُعْصَمًا] (٣) قال ابنُ جني: وليس هذا بالسّهل، وجَاء به الشِّعر لا القُرآن، ومنه: يسَأَتْرُكُ مَنْزِلِي ليَنِي تَمِيمٍ ... وَأَلْحَقُ بِالحجَازِ فَأَسْتَرِيحَا (٤)

стр. 90

قال أبو حيّان: والآية أقوَى من هذا؛ لتقدّم الشّرط قبل [المعطوف] (١). (٢) قلتُ: أراد أنّ الشّرط قد جَاء النصب في العَطْف على جَوابه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] على قراءة النصب (٣). قال جمالُ الدين ابن هشام: أجَاز ابن مالك الثلاثة أوجُه في "يغتسل منه"، الرفع بتقدير "هو"، وبه جاءت الرّواية، والجزم للعَطْف على موضع فِعْل النهي والنصب. (٤) قال ابن مالك: فأعطى "ثُم" حكم "واو" الجمع (٥).

стр. 91

قال ابن هشام: فتوهّم تلميذه أبو زكريا النووي ﵀ (١) أنّ المراد: [إعطاؤها] (٢) حكمها في [إفادة] (٣) معنى الجمع؛ فقال: لا يجوز النصب؛ لأنه يقتضي أنّ المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما. وهذا لم يقُله أحَد، بل القول منهيٌّ عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا، وإنما أراد ابن مالك إعطاء حُكمها في النصب لا في المعيّة (٤). قال القرطبي: بعض الناس أجاز: "ثم يغتسل منه" بجَزم "اللام" على العطف على "يبولن"، وهذا ليس بشيء؛ إذ لو أراد ذلك لقال: "ثم لا يغتسلن"؛ لأنه إذ ذاك عطف فعل على فعل، لا عطف جملة على جملة، وحينئذٍ يكون الأصل مساواة الفعلين في النهي عنهما وتوكيدهما بـ"النّون" المشدّدة، فإنّ المحلّ الذي توارَدَا عليه هو شيء واحِد، وهو "الماء". فعُدُوله عن "ثم لا يغتسلن" دَليلٌ على أنّه لم يُرد العَطف، وإنما جاء "ثم يغتسل" على التنبيه على مآل الحال، ومعناه: "أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه فيمتنع عليه استعماله لما أوقع فيه من البول". وهذا مثل قوله ﵇: "لا يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يُضاجعها" (٥) ..........................................................

стр. 92

[برفع] (١) "يُضاجعها"، ولم يروه أحَد بالجزم ولا تخيله فيه؛ لأنّ المفهُومَ منه إنما نهاه عن ضَرْبها؛ لأنّه يحتاج إلى مُضَاجَعتها في ثاني حَال، فتمتنع عليه لمَا أساء عِشْرتها (٢). قوله: "وفي رواية": أي: "وجاء في رواية"، فيتعلّق حَرْف الجر بالفِعْل. ويكُون قوله: "لا يغْتَسل أحَدكم .... إلى آخره" فَاعل "جَاء" من باب الإسناد إلى اللفظ لا إلى المدلول. قوله: "لا يغْتَسِل أحَدكم": يحتمل النّهي؛ فيكون الفعلُ مجزومًا. ويحتمل الرّفع على أنّ "لا" نافية. والاعتمادُ على الرواية. والنفي بمَعنى النهي (٣). قوله: "وهو جُنب": جملة من مُبتدأ وخبر، في محلّ الحال من "أحَدكم"، وجَاء الرّبط بين الحال وصَاحبه بـ"الواو" والضّمير، وهو الأفصح (٤). و"جُنب": اسم جَرَى مجرَى المصْدَر؛ فيقَدّر هنا: "وهو ذو جَنَابة"؛ لأنّ المصَادر لا تكُون أخبارًا عَن الجثَث (٥). قَالَ الزّمخشري: "الجُنُب" يسْتَوي فيه الواحِد والجمْع والمذكّر والمؤنّث؛ لأنّه

стр. 93

جَرَى مجرَى المصْدَر، وهو "الاجتناب". (١) قَالَ أبو حيّان: هَذا هو المشهُور الفَصيح، وجاء جمعه بالواو والنون؛ قالوا: "قوم جنبون". وكسّروه فقالوا: "أجْنَاب". وثنّوه فقالوا: "جنبان" (٢). الحديث السادس: [٦]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قال: [قال رَسُولُ اللهِ ﷺ ] (٣): "إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي الإنَاءِ فاغْسِلُوه سَبْعًا أولَاهُن بالترَاب" (٤). وفي رواية: "إحْدَاهُن بِالتُّرَابِ". وفي رواية: "فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ" (٥). قوله: "إذا شرب": تقَدّم القَول على "إذا" في الثّاني من أوّل الكتاب، وعلى مُتعلّق المجرور. والألِف واللام في "الكَلب" يحتمل أنْ تكُون للجنس في جميع الكلاب. ويحتمل أن تكُون للعَهد، وهي الكلاب غير المأذون في اتخاذها.

стр. 94

ويُروَى: "إِذَا وَلَغَ" (١) بفَتْح "اللام"، وفيه لُغَة بكَسْرها. واختُلف (٢) هَل الشّرب والولُوغ بمعنى؟ فقيل: "وَلَغ": "أدْخَل لسانه في الإناء ولحسه، شرب أو لم يشرب، كان فيه ماء أو لم يكن"، بخلاف الشرب (٣). قَالَ في "الصّحاح": ليس شيء من الطير يلغ غير الذباب. وحكى أبو زيد: "وَلَغ الكَلبُ في شَرابنا"، و"بشرابنا" و"من شرابنا" (٤). وقوله: "في الإناء": يتعلّق بـ "شرب" أو "ولغ"، وتقَدّم القول على "في" في الحديث الرابع. و"الفاء" في قوله: "فاغسله" جَوابُ "إذا". والعَامِلُ في الظّرف فِعْله أو جَوابه على ما تقَدّم بيانه قَريبًا. وقوله: "سبعًا": مصْدَر؛ لأنّه عَدد "غسلات"، وهي جمع "غسلة"، وعَدَدُ المصدر مَصدَر (٥).

стр. 95

وقوله: "أولاهُن بالتراب": مُبتدأ، والخبر في المجرور، وإنما لم يظهر الإعراب في المبتدأ لأنه مقصُور، والإعرابُ يكون في التقدير من الأسماء فيما آخره "ألِف" وهو المقصور، وفيما أضَافه المتكلّم إلى نفسه، وفيما آخره "ياء" قبلها كَسرة في حالتي الرّفع والجر، وفيما عدا ذلك يكون لفظًا، ويلحق به نحو: "مسلميّ" رفعًا (١). و"أولى" تأنيث "أوّل" (٢)، فهو أفعل التفضيل. ويجيء الكلام عليه مُستوفى في الحديث الثّاني من "باب القراءة في الصلاة". والتقدير: "أولاهن غسلة بالتراب" (٣). وجاء: "أولاهُن التراب" (٤) بإسْقَاط الخافِض. ومنه: "أمرتُك الخير" و"أمرتُك بالخير". (٥)

стр. 96

قال ابنُ مالك: في الحديث: "كَان يَأمر الغَريمَ يُحبَس" (١)، أي: "بالغَريم أنْ يحبَس". (٢) فإن قلت: لا يتمّ الاستدلال مع أمر؛ لأنه [لا يتعدّى] (٣) بالحرف وبنفسه. قلتُ: فقد قال ابن مالك: جاء في الصحيح: "صَلاةُ الرَّجُلِ في الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ في بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْس وَعِشْرِين دَرَجَة" (٤)، المراد: "بخمس"، لكنه أبقى العمل بعد الحذف، وهو قليلٌ. انتهى. (٥) والمختارُ عندهم عند سقوط الخافض النصب (٦)، ومنه قولهم في إعراب:

стр. 97

﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١، ٢]: أنّه في محلّ نصب بإسقاط حَرْف القَسَم (١). والعَرَبُ تقول: "اللهَ لأفعلن" بالنصب. (٢) ومما جَاء مجرورًا قولهم: "خَيرٍ" بالجر في جَوابِ مَن قَال: "كيف أصْبَحْت؟ " (٣). إذا ثبت ذلك: فالجُمْلة مِن المبتدأ والخبر في محلّ نصب صِفَة لـ "سبعًا"، فإنّ المراد: "مُبتدأة بالتراب" (٤). قوله: "وفي رواية": تقَدّم أنّ حَرْف الجر مُتعَلّق بفِعْل محذُوف، أي: "جَاء في رواية"، ويكون " [إحْدَاهُن] (٥) بالترَاب" الفَاعِل على الحكَاية والإسناد إلى اللفظ. قوله: "وفي رِوَايةٍ: فاغْسِلُوه سَبْعًا": الإعرابُ كالذي قبله. و"الفاء" في "فاغسِلُوه" جَوابُ للشرط المقَدّر.

стр. 98

وفي رواية: "إذا وَلَغ الكَلبُ فاغسِلُوه" (١). وقوله: "وعَفّروه": الفِعلُ في "عَفر" مخففًا: "يَعفِر عفرًا"، ومن (عفَّر): "يعفِّر تعفيرًا" (٢). وقوله: "الثامنة": أي: "في الثامنة"؛ فيجيء فيه ما تقَدّم من تقدير الخَافِض، ويجوز أن تكُون "الثّامنة، بَدَلًا من الضّمير، أي: "عَفّروه الثّامنة بالتراب" (٣). فإن قُلت: لو قَال: "وعفّروه الثّامنة" لعُلم أنّه بالتراب؛ لأنه لا يكون التعفير إلا به. والجوابُ: أنّ "عفر" تضَمّن معنى فِعْل آخَر، وهو الخَلْط، أي: "اخلطوا الغَسْلة الثامنة بالتراب"؛ فلو لم يأت التركيب هكذا لتوهّم أنّ "التعفير" بغير خَلط بالماء. وقد أضَاف ابن دُريد "العَفر" إلى "التراب" في قوله: هُمُ الأُلَى إنْ فَاخَرُوا قَالَ الْعُلَى ... بفي امرئ فآخركم عَفْرُ الْبَرَى (٤) فأضاف "العَفر" إلى "البرا"، و"البرا": "التراب"، والشيء لا يُضَاف إلى نفسه، لكنه لما كان "العفر": "تراب يخالط لونه غيره"، فتجب الإضافة؛ لأنه أخَصّ من

стр. 99

"البرا" (١). (٢) واعلم أنّ "الثّامنة" في الحديث صِفَة لمحذُوف تقديره: "الغَسْلَة الثّامنة"، وهو [هنا] (٣) اسم الفَاعِل من فعله، وهو "ثمن"، كـ"خامس" "خمس"، و"رابع" من "ربع"، ولذلك يجب أن يُذكَّر مع المذكّر، ويُؤَنّث مع المؤنّث. إذا ثبت ذلك: فلك في استعماله ثلاثة أوْجُه: - أحدها: إفراده وتجريده، فتقُول: "ثاني"، "ثالث"، "ثان". الثاني: أن تستعمله مع أصله ليُفيد أنّ الموصوف به بعض العَدد؛ فتقول: "خامس خمسة"، "ثامن ثانية"، أي: "بعض المعدود". ويجب إضافته إلى أصله، قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠]. الثالث: أن يضاف إلى ما هو دون أصله ليفيد معنى التصيير؛ فتقول: "هذا رابع ثلاثة"، أي: "جاعل الثلاثة أربعة"، وكذلك: "ثامن سبعة"، أي: "مصير السبعة ثمانية"، قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، ويجوز حينئذٍ إضافته وإعماله. كما يجوز الوجهان في جاعل ومُصيّر، فيقرر بذلك أن أصل "ثامن": "ثمانية" إن كان فعله "ثمن". ولفظ "ثمان" من الأسماء المنقوصة، آخره "ياء"، قبلها كسرة، وقد تكرّر ذلك

стр. 100

في الأحاديث وفي كلام العرب، ووقع منه في تركيب الكلام ما يخالف أصله وبناءه. (١) قال في "الصّحاح": هو في الأصل منسوبٌ إلى "الثمن"؛ لأنه الجزء الذي صَيّر السبعة "ثمانية"؛ فهو ثُمنها، ثم فتحوا أوّله؛ لأنهم يغيرون في ياء النسب -كما قالوا: "دهريّ" و"سهليّ" بالضم- ثم حذفوا منه إحْدى ياءَي النّسَب، وعوضوا منها "الألِف"، كما فعلوا في المنسوب إلى "اليمن". (٢) قلتُ: يريد أنّ الأصل أن يُقال: "ثمني" كـ"يمني"، فلما حذفت إحدى الياءين عُوض منها "الألِف"؛ فقيل: "ثماني" كـ"يماني"، فصار في حكم المنقوص الذي آخره "ياء" قبلها كسرة، وتسقط "الياء" مع التنوين -كما تسقط مع تنوين "قاضٍ"- وتثبت في حال النصب، كالمنقوص؛ فتقول: "رأيت ثماني رجَال". وليس هو كـ"جوارٍ" جمع "جارية"؛ لأنه لا ينصرف، فالتنوين فيه تنوين عوضٍ، والتنوين هنا تنوين صرف. (٣) قال في "الصّحاح": وأمّا قول الشّاعر: ولقد شرِبْتُ ثَمانِيًا وثَمانِيا ... وثمانَ عَشْرَةَ واثْنتَيْنِ وأربَعَا (٤)

стр. 101

فكان حقه أن يقول: "ثماني عشرة"، وإنّما حذفت "الياء" على لُغة مَن يقول: "طوال الأيد". (١) قلت: ووقَع في الحديث من حديث أبي برزة ﵁ قال: "غَزَوْتُ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أو ثَمَانِيَ" (٢) بإثبات "الياء"، وهو مُشكِل على هذه القاعدة؛ لأنّ الواجبَ أن يقول: "أو ثمانيًا" بالتنوين. قال ابنُ مالك: يتخرّج في ذلك ثلاثة أوْجُه: - أحدها: وهو أجْوَدها أن يكون أراد: "أو ثماني غزوات"، ثم حذف المضاف إليه، وأبقى المضاف على ما كان عليه قبل الحذف، لدلالة ما تقَدّم من مثل المحذُوف، وهَذا من الاستدلال بالمتقَدّم على المتأخّر، وهو في غير الإضافة كثير، كقوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. الوجه الثاني: أن تكون الإضافة غير مقصُودة، وترك التنوين لمشابهة "جوارٍ" لفظًا ومعنى. أمّا اللفظ: فظاهر. وأمّا المعنى: فلأن "ثمانٍ" وإن لم يكن له واحد من لفظه فإنّ مدلوله جمع، وقد اعتبر مجرد الشبه اللفظي في "سراويل"، فأُجريَ مجرَى "سرابيل"؛ فلا يستبعد إجراء "ثمان" مجرى "جوارٍ". الوجه الثالث: أن يكون في اللفظ "ثمانيًا" بالنصب والتنوين، إلا [أنه] (٣) كُتب على اللغة [الربيعية] (٤)، فإنهم يقفون على المنوّن المنصُوب بالسكُون؛ فلا يحتاج

стр. 102

الكاتب على لُغتهم إلى "ألِف"؛ لأنّ مَن أثبتها في الكتابة لم يُراع إلا جانب الوقْف، فإذا كان يحذفها في الوقف لزمه أن يحذفها خَطًّا. (١) وقد قيل ذلك في قوله: "إنّ الله حَرّم عليكم عُقوق الأمّهات ووَأد البنَات ومَنَع وهَات" (٢)، أي: "ومنعًا" بحذف "الألِف"؛ لما ذكرت لك (٣). الحدِيث السّابع: [٧]: " عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّهُ رَأَى عُثْمانَ دَعَا بِوَضُوءِ، فأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إنَائِهِ، فَغَسَلَهُما ثَلاثَ مَرَّاتِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ في الْوَضُوءِ، ثُمَّ تمضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَيَدَيْهِ إلَى المرْفَقَيْنِ ثَلاثَا، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رسول الله ﷺ تَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتين، لا يحدِّثُ فِيهما نَفْسَهُ غَفَر الله لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٤).

стр. 103

ولا بُدّ من تقدير "قد" عند الأكثرين، إلا أن يكون أصله شرطًا، [نحو: "لأضربنه] (١) ذَهَب أو مكَث"، أو وقع بعد "إلّا"، نحو: "ما تكلّم إلّا قال خيرًا". (٢) ففي هذين المثالين تمتنع "الواو". وقد قالوا: تمتنع "قد" وتجب "الواو" إذا نُفي الفعل ولم يكن ضمير يعود على صاحب الحال، نحو: "جاء زيد وما طلعت الشّمس" (٣). قوله: "فأفرَغ على يديه": معطوفٌ على "دعا"، و"الفاء" للتعقيب. لكن ثَمَّ فعل مُقدّر معلُوم من فَحْوى الكَلام، تقديره: "دَعَا بوضوء فأُحْضر فأفْرَغ". و"على يديه" يتعلّق بـ "أفرَغ". وفاعلُ "أفرَغ" ضَميرٌ يعود على "عُثمان". و"يديه" تثنية "يَد"، وقد تقَدّم القَول على تثنية المنقُوص في الحديثِ الرّابع من الأوّل. وحرفُ الجر من قوله: "مِن إناء" يتعلّق بـ "أفرَغ". وتنكيرُ "الإنَاء" يقتضي أنّه غير "الإنَاء" الذي دَعَا به؛ لأنّه لو كَان الثّاني الأوّل لعَرَّفه، والقَاعدة في ذلك أنّ الاسمين إذا كانا مُعرّفين بالألِف واللام كان الأوّل الثّاني، وإن كانا نكرتين كَان الأوّل غير الثاني، فإن كان الأوّل معرفة دون الثّاني كان الثّاني غيره، وإن كان الثّاني معرفة دون الأوّل كان غيره أيضًا. (٤) فهنا جاء نكرتين،

стр. 104

ولو كان "الوضوء" هنا "الإناء" لقال: "فأفرغ على يديه منه" أو "من الوضوء". قالوا: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (١) [الشرح: ٥، ٦]، قيل: "لَنْ يَغْلِب عُسْرٌ يُسْرَين" (٢). (٣) قوله: "فغسلهما ثلاثًا": الفاعِلُ مُستتر ضَميره "عثمان" ﵁. و"ثلاثًا" مصدر، كما مرّ قريبًا. قوله: "ثم أدْخَل يَدَيه في الوضوء": "ثُمّ" هنا لترتيب الأخبار؛ فلا مُهْلَة فيها (٤)، و"في الوضوء" متعلّق بـ "أدخَل"، والظرفية في حرْف الجر [حقيقية] (٥)، بمعنى أنّ "الوضوء" هُو "الإناء"، وكذلك إنْ كَان "الوضوء" لمطلَق الماء أو للماء الذي يُعَدّ للفِعْل. قوله: "ثم تمضمض واستنشق واستنثر": كُلّها معطُوفات، وقد يَستدلّ بهذا مَن يقول: "الواو" للترتيب (٦)؛ لأنّ "المضمَضة" متقدّمة، وما بعدها على ترتيب الحديث.

стр. 105

قوله: "ثُم غَسَل وجْهَه ويديه إلى المرفقين": اختُلِف في المعطُوفَات على معمُول عامل: هل يعمل فيها عامل مُقدّر غير العامل الأوّل؟ أو إنما إعرابه على سبيل التبعية لما قبله؟ في ذلك خلاف. فاختار بعض البصريين من النحويين أن يكون العَامل مُقدّرًا في كُل حرف عطف، وقالوا: إذا قلنا: "جاء زيد وعمرو"، و"رأيت زيدًا وعمرًا"، و"مررت بزيد وعمرو"، فلا يخلو من أن يكون التقدير: "جاءني زيد وجاءني عمرو"، أو تكون "الواو" العاملة، وهذا لا يصح؛ لأنّ "الواو" في الحالات الثّلاث واحِدة، فكيف ترفع مرة، وتنصب مرّة، وتجر ثالثة؟ ! فالحقّ: أن يكون التقدير: "جاءني زيد وجاءني عمرو"، إلا أنه استغنى عن ذكر "جاءني" ثانيًا بدلالة الأوّل عليه. وقيل: العاملُ في الأوّل هو العامل في الثّاني، ولا يُقدَّر تكريره؛ لأنه قد يعطف على الأوّل ما لا يجوز أن يدخُل عليه عامِل الأوّل، نحو قولهم: "كُلّ شَاة وسخلتها"، و"يا زيد والحارثَ"، و"رُب رَجُل وأخيه". (١) قوله: "إلى المرفقين": "إلى" حرف جر، ويأتي الكَلام عليها في الحديث الثّاني من "باب الوتر". والفرقُ بين "إلى" و"حتى" مع كونهما لانتهاء الغَاية وجَارّتين أنّ ما بعد "إلى" داخلٌ فيما قبلها عند الاكثرين، إلا أنْ يقترن به قرينة، و"حتى" على العكس. وفرق آخر: أنّ "إلى" تجرّ الظّاهر والمضْمَر، و"حتى" لا تجرّ إلا الظّاهر (٢).

стр. 106

وعَلامَةُ الجر في "المرفقين": "الياء"؛ لأنه مُثنى، ويتعلّق بـ "غَسَل". و"ثلاثًا" مصْدَر. قال: "ثُمّ مَسَح رأسَه": معطُوفٌ على "غَسَل". قال: "ثُمّ غَسَل كِلتا رِجْليه": عَلامَةُ النّصب فتْحَة مُقَدّرة؛ لأنّ "كِلتَا" متى أُضيف إلى ظَاهر كَان الإعرابُ مُقَدّرًا، وإن أُضيف إلى مُضمَر كَان الإعرابُ بالحرف، كالمثنّى، على اللغَة الفَصيحة. وقد قيل: إنّ الإعراب يُقَدّر مُطلقًا. وقيل: بالحرْف مُطْلقًا (١). وسيأتي في الحديث الثّالِث مِن "كتاب الحيض" تتمته عند قوله: "كِلانا جُنُب". قوله: "ثُمّ قَالَ" يعني: "عثمان" ﵁ "رأيت رَسُولَ الله ﷺ توَضّأ": الرّؤية بَصَرية؛ فتتعَدّى إلى واحد (٢). وجملة "توضّأ" في محلّ الحال، أي: "مُتوضئًا"، ويُقدّر بـ "قد". وقوله: "نَحْو": إنْ قَدّرتها بمَعنى "قريب" فتكون ظَرفًا على التوسع في المكان، أي: "قارب فِعلي فعله"، بمعنى "أنّ مَن قاربته فقد قاربك". وإن قدّرتها بمعنى "مثل" كان فيه تجوّز أيضًا؛ لأنه لا يَقدِر أحَد على مثل وضوء النبي ﷺ مِن كُل وَجْه، لا في نيته ولا في إخلاصه ولا في عِلْمه بكَمال طهارته واستيعاب غَسل

стр. 107

أعضائه. (١) و"النحو" في اللغة: "القَصْد" و"المثل"، تقول: "هذا نحو زيد" أي: "مثل زيد". ويكون للمِقدار، مثل: "جاءوا نحو مائة رجُل". ويكون للشّطر، كما أنّ "الشّطر" يكون بمعنى "النحو" في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أي: "جهة المسجد ونحوه"؛ فيكون هُنا ظرفًا. ويكون للنوع والتقسيم، نحو: "هذا الشيء على خمسة أنحَاء". (٢) ومتى قَدّرتها بمعنى "مثل" كانت نَعتا لمصْدَر محذُوف، أي: "توضّأ وضوءًا مثل وضوئي". واختار سيبويه أن تكُون حَالًا؛ لأنّ حَذفَ الموصوف دون الصفة لا يجوز، إلّا في مواضع معدودة تأتي في التاسع من "باب صفة الصّلاة". وتقديرُ الحال هنا من محذُوف، أي: "توضّأ الوضوء مثل وضوئي". (٣) فإنْ قدّرت "نحو" بمعنى "قريبًا" كانت ظَرفًا. (٤) قَالَ الشّيخُ تقيّ الدّين: ويكون قُربًا مجَازًّيا (٥). قوله: "مَن توضّأ نحو وضوئي هَذَا": "مَن" اسمُ شَرط محلّه رَفع بالابتداء، وهو مبني، كأسماء الشرط؛ لتضمّنها معنى حَرف الشرط (٦)، وهو "إنْ". والخبرُ في فعل الشّرط، أو جَوابه، أو فيهما، أو في ما فيه ضمير منهما (٧)، وتقَدّم ذلك في الحديث

стр. 108

الرّابع. و"هذا" بَدَل أو نَعْت، وبُنيَ اسم الإشارة لافتقاره إلى مُشَار إليه (١). قوله: "ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه": جملة "لا يحدّث" في محلّ صفة لـ"رَكعتين"، والعَائدُ الضّمير في قوله: "فيهما". و"ركعتين" مفعول على التبعية؛ لأنّ "صلى" لا يتعَدّى إلا إلى مَصْدره، فـ "صلى" مُضَمَّنٌ معنى "رَكَع"، وسيأتي في الخامس من "صلاة الجماعة". وقوله: "غُفر له ما تقَدّم مِن ذَنبه": جَوَابُ الشّرط، و"ما" موصُولة، أي: "الذي تقَدّم مِن ذَنبه". ولا يجوز أن تكون موصوفة ولا مصدرية؛ لفساد المعنى. و"غُفِر" مبني لما لم يُسَمّ فَاعِله، ومفعوله الذي لم يُسَمّ فاعله: "ما" وصلتها، والعَائدُ: فَاعِلُ "تقَدّم". و"الذّنب": "الجُرْم"، وهو اسم مصْدر (٢). الحديث الثّامِن: [٨]: عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "شَهِدْت عَمْرَو بْنَ أَبِى حَسَنٍ سَال عَبْدَ اللهِ بْنَ زيدِ عَنْ وُضوءِ رسول الله ﷺ ؟ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءِ، فتَوَضأَ لَهُمْ وضوءَ رَسولِ الله ﷺ فَأكفَأَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيه في التَّوْرِ، فَتمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا بِثَلاثِ غَرْفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ في التور فَغَسَلَ وَجْهَة ثَلاثًا ويديه إلَى المرْفَقَيْنِ، ئم أَدْخَلَ يَدَهُ، فَمَسَحَ رَأْسَة، حَتَّى ذَهَبَ بِهِما إلَى

стр. 109

قَفَاهُ، ثُمَّ ذهب بهما إلَى المكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ". وَفي رِوَايَه: "أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ". (١) الإعراب: تقَدّم القَول في متعَلّق حَرف الجر، والتقدير هنا خلاف التقدير فيما سبق من الأحاديث قبله؛ وذلك لأنّ "عَن" تكرّرت وتغيّر مُتعلّقها، فقوله: "قَالَ: شَهدت" جملة في محلّ نَصْب خبرًا عن "أن" مشدودة محذوفة مع اسمها مُقدّرَة بمفعُول به، التقدير: "ورُوي عن عمرو أنه رَوَى عن أبيه أنّه قال"، فـ "أنّه روَى" بفتح" الواو" على أنّه مفعُول لم يُسَمّ فاعله. ومحلّ "أن" [المقدّرة] (٢) الثّانية نَصب على أنّه مفعُول به. ويجوز أن يكون "عن" الثّانية بَدَلًا من "عن" الأولى. والأوّل أرجَح؛ لأنه جَاء مُصرّحًا به في الخامس من "الاستطابة" (٣). و"عَمرو" يُكتَب بـ "الواو" فَرقًا بينه وبين "عُمر"، وذلك في حَالتي الرّفع والجر (٤). وإذا وصف بـ "ابن" مُضافًا إلى عَلَم حُذف التنوين من الاسم و"الألِف" من "ابن". فقولنا: "العَلَم" احترازًا من غَير العَلَم، نحو: "قام رَجُل ابن زيد"، واحترزنا بوصف بـ "ابن" عن الوصف بغير "ابن"، نحو: "جاء زيد صاحب عمرو"؛

стр. 110

فلا يحذَف التنوين من الموصُوف. وكذلك إن وقع "ابن" بين عَلَمين ولم يكُن وَصفًا لم يجز حَذْف التنوين، كقولك: "زيد بن عمرو"، فـ"زيد" مبتدأ، و"ابن عمرو" خبره. ويكتب إذا وقع وصْفًا بين عَلَمين بغير "ألِف"؛ لأنك لما حذفت التنوين من الموصُوف لَفْظًا حَذفت "الألِف" من الصّفة خَطًا لتطابق الصّفة الموصوف في الحذف. وعلّة حذف التنوين هنا هو علّة جَواز الاتباع في نحو: "يا زيد ابن عمرو". (١) فتبيّن لك بذلك أنّ وجود التنوين في الموصوف بـ "ابن" في اللفظ وهمزة "ابن" في الخط متلازمان، فإذا سقط التنوين لَفظًا سقطت "الهمزة" خطًّا، وإذا ثبت التنوين لفظًا ثبتت "الهمزة" خَطًّا (٢). وقد استثنى المحدِّثون من ذلك إذا نُسِب الابن إلى أمّه، كما ورد في "عبد الله ابن بحينة"، فإنّ "بحينة" أمّه، فيكتبون "ابن" بـ "الألِف" حتى يُعلَم أنّ النسبة إلى مُؤنّث. ومنه: "عبد الله بن أُبي ابن سلول"، يكتبون "ابن سلول" بـ "الألِف"، ويُنوّنون "ابنًا". ولذلك قالوا: إذا وَقَع "ابن" في أوّل السّطر تثبت "الألِف" (٣)، جعلوا افتراق
следующие страницы →