← Язык

Язык · id 150601

تقويم اللسانين

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (183 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الدكتور محمد تقي الدين الهلالي تقويم اللسانين مكتبة المعارف ص. ب ٢٣٩ زنقة باب شالة أمام المسجد الأعظم الهاتف: ٢٦٥.٢٤ - الرباط

стр. 2

الطبعة الأولى ١٣٩٨ - ١٩٧٨ حقوق الطبع محفوظة

стр. 3

تقويم اللسانين

стр. 4

تقويم اللسانين (١) المراد باللسانين - اللسان والقلم، فإن العرب تقول: القلم أحد اللسانين. والمقصود هنا إصلاح الأخطاء التي تفاقم أمرها في هذا الزمان حتى أصبحت مألوفة عند أكثر الخاصة بَلْهَ العوام، فشوهت وجه اللسان العربي المبين، ورنقت صفو زلاله المعين، مما يسوء كل طالب علم، يحرص على حفظ لغة القرآن، وصيانتها من الإفساد والتشويه، والعبارات الجافية التي تشين جمالها، وتذهب ببهائها. ولم يزل علماء اللغة معتنين بهذا الموضوع، باذلين جهدهم في تنظيف الإنشاء العربي من الألفاظ الدخيلة، والتعابير الثقيلة. وقد ألف في ذلك الإمام أبو محمد القاسم بن علي الحريري كتابًا نفيسًا سماه: (درة الغواص في أوهام الخواص) وهو مطبوع متداول. وألف الشهاب الخفاجي كتاب (شفاء العليل في العامي والمولَّد والدخيل). وألف الشيخ إبراهيم اليازجي الناقد البصير كتابًا سماه: (لغة الجرائد) وألف الأديب أسعد داغر في ذلك كتابًا سماه (تذكرة الكاتب). وقد بدا لي أن أكتب مقالات في هذا الموضوع، أداء لواجب

стр. 5

لغة الضاد، وصونًا لجمالها من الفساد، راجيًا أن ينفع الله بما أكتبه تلامذتي في الشرق والمغرب وفي أوربا، وأنا على يقين أنهم يتلقون ما أكتبه بشوق وارتياح. وكذلك رفقائي الكُتَّاب المحافظون سيستحسنون ذلك. أما الكُتَّاب الذين يكرهون التحقيق ويرخون العنان لأقلامهم بدون تبصر ولا تمييز، بين غث وسمين، وكدر ومعين، فإنهم سيستثقلون هذا الانتقاد، وقد يعدونه تكلفًا وتنطعًا، وتقييدًا للحرية - بزعمهم - فلهؤلاء أقول: إني لم أكتب لكم، فما عليكم إلا أن تمروا على ما أكتب مرور الكرام، وتدعوه لغيركم الذين يقدرونه حق قدره، وهذا أوان الشروع في المقصود، وبالله أستعين، فهو نعم الناصر ونعم المعين. ١ - الكاف الدخيلة الاستعمارية: أما تسميتها دخيلة فلا إشكال فيه، لأنها لا توجد في الإنشاء العربي الذي قبل هذا الزمان. وأما تسميتها استعمارية، فلأنها دخلت في الإنشاء العربي مع دخول الاستعمار البلدان العربية، فإن جهلة المترجمين تحيروا في ترجمة كلمة تجيء في هذه اللغات قبل الحال، وهي في الإنكليزية (AS.) وفي الفرنسية (Comme) وفي الألمانية (ALS) مثال ذلك: فلان كوزير لا ينبغي له أن يتعاطى التجارة. وفلان يشتغل في الجامعة كمحاضر، وفلان مشهور ككاتب. وهذا الاستعمال دخيل لا تعرفه العرب، ولا يستسيغه ذوق سليم، وليس له في قواعد اللغة العربية موضع، ودونك البيان. قال ابن مالك: شبه بكاف وبها التعليل قد ... يعني وزائدًا لتوكيد ورد

стр. 6

(واستعمل اسما). تأتي الكاف في كلام العرب لأربعة أمور: ١ - التشبيه كقول المتنبي في ممدوحه: كالبحر يقذف للقريب جواهرًا ... جودًا، ويبعث للبعيد سحائبا كالشمس في كبد السماء وضوئها ... يغشى البلاد مشارقًا ومغاربًسا وأركان التشبيه أربعة - المشبه - والمشبه به، وأداة التشبيه - ووجه الشبه. فالمشبه في البيتين المذكورين هو الممدوح، والمشبه به، الشمس والبحر، وأداة التشبيه، الكاف، ووجه الشبه، حصول النفع للقريب والبعيد. فالشمس على فرط بعدها من الأرض، ينتفع أهل الأرض بضوئها ودفئها، وإنضاجها للثمار إلى غير ذلك، فكذلك الممدوح يصل إحسانه إلى من كان بعيدًا منه، ولا يقتصر على من كان قريبًا منه. والمشبه في البيت الأول هو الممدوح، والمشبه به هو البحر، وأداة التشبيه هي الكاف، ووجه الشبه، وصول الإحسان إلى القريب والبعيد. فالقريب يستخرج الجواهر من البحر، والبعيد ينتفع بمطر السحائب الناشئة من البحر، فكذلك الممدوح يعطي - من كان حاضرًا عنده - الجوائز والصلات، ويبعث بها إلى من كان بعيدًا عنه. وبهذا تعلم أن (الكاف) الاستعمارية لا يجوز أن تكون للتشبيه البتة لعدم وجود أركانه. ٢ - هو التعليل: تجيء الكاف للتعليل، كقوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ، وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [سورة البقرة: ١٩٨]. أي واذكروا الله، لأنه

стр. 7

هداكم. ٣ - أن تكون زائدة إذا دخلت على كلمة بمعناها ، وجعل منه قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: ١١] فإن قلت: إن كانت زائدة لا فائدة في ذكرها، فلماذا جاءت في القرآن؟ فالجواب، أن فائدتها التوكيد، وإنما سميت زائدة، لأن الكلام يتم بدونها، كما تزاد (من) للتوكيد كقوله تعالى في ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [سورة المائدة: ١٩]: فمن: هنا زيدت لتوكيد النفي، ولو حذفت لكان الكلام تامًا. ٤ - أن تكون اسما بمعنى مثل، كقول الشاعر: أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل الاستفهام هنا إنكاري. يقول الشاعر لأعدائه: كيف تنتهون عن ظلمكم وبغيكم، ولن ينهي ذوي الظلم شيء مثل الطعن المبيد، المهلك الذي لا يترك لهم شيئًا، لا أنفسًا ولا أموالًا، فإن ذهاب الزيت والفتيلة كناية عن الهلاك التام، وهذا ينبغي أن يقال للمستعمرين، إذا كانت الرماح التي يطعن بها حاضرة، وهي في هذا الزمان القنابل المحرقة التي لا تبقي ولا تذر. فهذه معاني الكاف عند العرب، وما سواها شاذ لم يجيء في الكلام البليغ. وإنما وقع جهلة المترجمين في هذا الاستعمال الفاسد لضعفهم في اللغتين أو إحداهما، فلا يستطيعون إدراك معنى الجملة مجتمعة ليصوغوا في اللغة الأخرى جملة تؤدي المعنى المطلوب بألفاظ جيدة الاستعمال، واقعة في مواضعها التي يقتضيها النظم الفصيح. وهذا العجز هو الذي يلجئهم إلى أن يبدلوا كل مفرد في إحدى اللغتين بمفرد آخر في اللغة الأخرى، فيجيء التركيب

стр. 8

فاسدًا معوجًا، لا تستسيغه أذواق الفصحاء في اللغة التي ينقل إليها المعنى: وستأتي في هذه المقالات، إن شاء الله، أمثلة عديدة توضح ذلك. وليس المترجمون العرب وحدهم هم الذين يقعون في أخطاء الترجمة، بل يقع فيها كبار العلماء الأوربيين. وقد أحصيت الأخطاء الموجودة في ترجمة (جورج سيل) للقرآن الكريم بالإنكليزية، فوجدت في الجزء الأول وحده، وهو حزبان بتجزئة المغاربة ستين خطأ. و (جورج سيل) مستشرق انكليزي كبير، وقد تبعه من بعده من المترجمين في أخطائه، حتى الأستاذ محمد (مار ماديوك بكثال) المسلم الإنجليزي، ﵀، تبعه في أول خطأ كبير ارتكبه وقد ناظرته في ذلك مناظرة طويلة حتى اقتنع ورجع عن خطئه، وكان ذلك في ترجمة قوله تعالى في «﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾» [سورة البقرة ١٣]. فإنهما ترجماها بما معناه (أليسوا سفهاء؟ ) وسبب وقوعهما في هذا الخطأ عدم التمييز بين (ألا) الاستفتاحية البسيطة، و (ألا) المركبة من همزة الاستفهام ولا النافية فإن (ألا) في قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ استفتاحية خالية من النفي، يجب أن تترجم بلفظ إنكليزي يدل على التوكيد. ومثال المركبة الذي أوردته على الأستاذ الانكليزي المذكور فاقتنع بوجود الفرق بين الكلمتين قوله تعالى ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الملك: ١٤]: وليس كل الكُتَّاب البلغاء في العصر الحاضر، يتورطون في استعمال الكاف الاستعمارية، فإن فيهم طائفة من عليتهم، لا تشين إنشاءها بذلك الاستعمال.

стр. 9

٢ - فترة: شاع استعمال الفترة في هذا الزمان في وقت العمل فيقولون: فترة الصباح، وفترة الظهيرة، وفترة المساء، يريدون بذلك زمان العمل. قال البيضاوي في قوله تعالى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [سورة المائدة: ١٩] أي جاءكم على حين فتور من الإرسال وانقطاع من الوحي. اهـ قال ابن منظور في لسان العربي: والفترة: ما بين كل نبيين. وفي الصحاح: ما بين كل رسولين من رسل الله من الزمان الذي انقطعت فيه الرسالة. وفي الحديث: فترة ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. اهـ ومن ذلك تعلم أن الفترة ليست وقت العمل، بل هي ما بين عملين: فالوقت الذي لا يكون فيه عمل، هو الذي يجب أن يسمى فترة، وقد عكسه عامة الكتاب والمذيعين. ومن سوء الحظ أن أكثر الناس في هذا الزمان لا يتعلمون الإنشاء في مدارس اللغة العربية ولا في كتب اللغة العربية، وإنما يتلقونه من الإذاعات والصحف، فكل خطأ يشيع في هذين المصدرين، تنطلق به الألسنة والأقلام بدون تفكير ولا تمييز، وربما استعمله بعض كبار الأساتذة الذين يرجى منهم المحافظة على صحة الاستعمال، وجمال اللغة العربية، وتنقيتها من المولد والدخيل الذي لا حاجة إليه. ٣ - الخلق: كثر استعمال الخلق في هذا الزمان بمعنى الإنشاء أو الإيجاد. يقال مثلا: يجب علينا أن نسعى لخلق نهضة ثقافية وهو استعمال فاسد، جاء من جهله المترجمين لكلمة في اللغات

стр. 10

الأوربية مشتركة، تستعمل في إنشاء الله تعالى المخلوقات وإيجادها على غير مثال سابق، وتستعمل في تلك اللغات أيضا في معنى الإنشاء المطلق. أما في اللغة العربية فإن الخلق بمعنى الإيجاد والإنشاء خاص بالله تعالى. ومن أسمائه سبحانه: الخالق والخلاق قال تعالى ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سوره النحل ١٧] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [سوره النحل: ١٩ - ٢٠]. وقال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [سورة الرعد: ١٦]. أما في هذا الزمان الذي اختلت فيه الموازين والمقاييس وصار الناس فوضى في الإنشاء العربي، فلم يبق الخلق خاصًا بالله تعالى، بل صار الناس كلهم خالقين وخلاقين. قال في لسان العرب: خلق: الله تعالى، وتقدس الخالق والخلاق: وفي التنزيل: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [سورة الحشر: ٢٤] , وفيه: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]: وإنما قدم أول وهلة، لأنه من أسماء الله تعالى: الأزهري: ومن صفات الله تعالى الخالق والخلاق. ولا تجوز هذه الصفة بالألف واللام لغير الله، وهو الذي أوجد الأشياء جميعها، بعد أن لم تكن موجودة: وأصل الخلق التقدير، فهو باعتبار تقدير ما منه وجودها بالاعتبار للإيجاد على وفق التقدير: خالق: والخلق في كلام العرب: ابتداع الشيء على مثال لم يسبق

стр. 11

إليه. وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سبق إليه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] اهـ: ويطلق الخلق أيضا على التقدير قال في اللسان: وخلق الأديم يخلقه خلقا، قدره لما يريد قبل القطع، وقاسه ليقطع منه مزاد أو قربة أو خفا. قال زهير يمدح رجلا. ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري يقول: أنت إذا قدرت أمرا قطعته وأمضيته، وغيرك يقدر مالا يقطعه لأنه ليس بماضي العزم، وأنت مضاء على ما عزمت عليه. اهـ أقول: وقد رأيت أهل البادية في الصحراء يدبغون جلد البعير ويقطعونه نعالا، فكلما احتاج أحدهم إلى نعلين يضع قدمه اليمنى على قطعة كبيرة من الجلد المذكور، فيأتي الشخص الذي يقطع النعلين ويخط خطا إلى جانب القدم دائرًا بها، وذلك هو الخلق ثم يقطع النعل على ذلك التخطيط، وذلك القطع هو الفري، ثم يفعل ذلك بالقدم الأخرى، فتجيء النعلان على قدر القدمين بلا زيد ولا نقص: فقول الشاعر: ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ـض القوم يخلق ثم لا يفري يريد أن ممدوحه متى عزم على شي نفذ عزمه، وغيره يعزم ويقدر، ثم لا ينفذ شيئا، لأنه خائر العزيمة، ضعيف الإرادة. والمعنى الثالث للخلق هو الكذب. قال تعالى ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] أي تكذبون كذبا. وقال الشاعر: لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيلة من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليلة

стр. 12

٤ - بينما: لقد اعتدى عامة كتاب العصر على هذه الكلمة، فشوهوا جمالها، وسلخوها عن معناها الحقيقي، وألبسوها معنى مكذوبا، فإنهم يستعملونها في معنى (على حين) كقول بعضهم: كما أن هذه المحاولات قد اتخذت أشكالا مختلفة، بعضها اقتصادي صرف، وبعضها سياسي صرف (بينما) البعض الآخر اتخذ الشعارين معا. فهذا الاستعمال فاسد مختلق، لا أصل له في كلام العرب، وهو أيضا من جنايات جهلة المترجمين، فإنهم ترجموا كلمه while الانكليزية فوضعوا مكانها (بينما) فظلموهما جميعا والترجمة الصحيحة لهذه الكلمة (على حين أو في حين). أما الاستعمال الصحيح العربي لـ (بينما) , فإنها تكون في صدر الكلام، ولا بد لها من جملتين كأدوات الشرط. فمن ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذا طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر - الحديث: وكقول الشاعر: وبينما المرء في الأحياء مغتبط إذ هو في الرمس تعفوه الأعاصير يبكي الغريب عليه ليس يعرفه وذو قرابته في الحي مسرور وشواهد ذلك في كلام العرب لا تعد ولا تحصى. ٥ - وتحدثوا لبعضهم البعض: هذا أيضا استعمال فاسد ناشئ عن فقدان الملكة في اللغة العربية والصواب: وتحدث بعضهم إلى بعض، كما قال تعالى ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾ [سورة القلم: ٣٠]. والذي أوقعهم في هذا الخطأ جهلهم بالنحو، فإن من كان عالما

стр. 13

بالنحو في أي لغة كانت، يتخذه مصباحا، يضئ له طريق إنشائه سواء أكان كاتبا أم متكلما، فلا يضع قدمه إلا بعد أن يبصر موطئها، أما الجاهل بالنحو، فإنه يمشي كالأعمى يضع قدمه دون أن يرى موطئها، فتزل به القدم ويسقط في حفر الأخطاء. ٦ - والأدهى من ذلك: هذا الخطأ أيضا ناشئ عن الجهل بالنحو، فكل من يعرف أحكام اسم التفضيل أقل معرفة لا يقع في هذا الخطأ. قال ابن مالك في الألفية: وأفعل التفضيل صله أبدا ... تقديرًا أو لفظًا بمن إن جردا قال ابن عقيل في شرحه لألفية ابن مالك: لا يخلو أفعل التفضيل عن أحد ثلاثة أحوال. الأول: أن يكون مجردا. الثاني: أن يكون مضافا. الثالث: أن يكون بالألف واللام، فإن كان مجردًا، فلابد أن تتصل به (مِنْ) لفظا أو تقديرا، جارة للمفضل عليه نحو: زيد أفضل مِنْ عمرٍو، ومررت برجل أفضل من عمرو، وقد تحذف (مِنْ) ومجرورها لدلالة عليهما كقوله تعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾» أي وأعز نفرًا منك. وفهم من كلامه: أن أفعل التفضيل إذا كان (بأل) أو مضافا، لا تصحبه (من) فلا تقل: زيد الأفضل من عمرو، ولا زيد أفضل الناس من عمرو اهـ. فتبين أن قولهم: والأدهى من ذلك خطأ، لأن أفعل التفضيل إذا دخلت عليه (أل) لا تلحقه «من». ومن العجيب أن أفعل التفضيل في الإنكليزية والألمانية جار على هذا المنوال.

стр. 14

تقويم اللسانين (٢) ١ - قاتل ضد: هذه العبارة، وما أشبهها من المصائب الاستعمارية اللغوية التي نكبت بها اللغة العربية: والأصل في ذلك أن (قاتل) في اللغة الإنكليزية والألمانية من الأفعال اللازمة التي لا يتعدى فعلها إلى المفعول به إلا بحرف، وهو في الإنكليزية against وفي كل من الألمانية والفرنسية لفظ يقابله يتعدى به الفعل إلى مفعوله: والمترجم الجاهل هو الذي يضع مقابل كل كلمة من اللغة التي يترجمها كلمة تقابلها من اللغة التي ينقل إليها المعنى، ولم يدر أن (قاتل) في اللغة العربية فعل متعد بنفسه لا يحتاج إلى حرف. قال تعالى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]. وقد شاع ذلك التعبير الفاسد، كقولهم مثلا (أمريكا تقاتل ضد فيتنام الشمالية). وإذا نظرنا في هذه الجملة بعين الناقد البصير الذي يدري ما يقول، نجدها تدل على ضد ما يريده قائلها، وتعكس مراده، لأن الضد هو العدو. قال صاحب اللسان: الضد كل شيء ضاد شيئا ليغلبه. اهـ.

стр. 15

وقال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]: أي أعداء. فإذا قلنا: إن أمريكا تقاتل ضد فيتنام الشمالية، كان معناه: أن أمريكا تقاتل عدو (فيتنام الشمالية) أي تقاتل نفسها، وهذا مسخ للغة العربية، يدمي قلب كل من يحبها، ويغار عليها، ويريد لها الانتعاش، فالحياةَ، فالازدهارَ، وأن يعاد لها مجدها فتساير ركب الحضارة الإنسانية، وتكتسي حلة التقدم في مجال المدنية، وتنال الحظ الأوفر اللائق بمكانتها من التعبير عن العلوم والآداب، حتى يستغنى الناطقون بها عن تكفف اللغات الأجنبية. ٢ - جمع الرومي على رومان: مما هو شائع على ألسنة الكتاب والخطباء والمعلمين والأساتذة التعبير بلفظ (الرومان)، فإذا سألناهم عن مفرده وقف حمار الشيخ في العقبة، أو أجابوا بأنه جمع رومي، وهذا جواب غير صحيح. والحقيقة أن هذا التعبير مأخوذ من اللغات الأوربية كالإنكليزية مثلا. والألف والنون يقابلان الياء في العربية (فرومان) في هذه اللغة نسبة إلى رومة. يقال للواحد، والجمع بزيادة سين ساكنة فيه، فاستعمله جهلة المترجمين بلفظه، ولم يعلموا أن ترجمته الصحيحة في المفرد (رومي) وفي الجمع (روم). قال الله تعالى ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤]: والعرب تطلق لفظ الروم على الاغريقيين والإيطاليين، ومن إليهم. قال ابن منظور في لسان العرب: والروم جيل

стр. 16

معروف، وأحدهم رومي، ينتمون إلى عيصو بن إسحاق النبي ﵇. ورومان بالضم، اسم رجل. قال الفارسي: رومي وروم، من باب زنجي وزنج: قال ابن سيدة: ومثله عندي فارسي، وفرس، قال: وليس بين الواحد والجمع إلا الياء المشددة كما قالوا: تمرة وتمر، ولم يكن بين الواحد والجمع إلا الهاء. اهـ فرومان في اللغة العربية لا يدل على جيل من الناس، وإنما هو علم يسمى به الرجال، ورومان أبو قبيلة. قال الفيروز آبادي في القاموس: ورومان (بالضم) (موضع) ورومان الرومي، وابن نعجا صحابيان، وأم رومان، أم عائشة الصديقية، والروماني (موضع) باليمامة، ورومية، «بلد» بالمدائن خرب، و (بلد) بالروم سوق الدجاج، فيه فرسخ، وسوق البر ثلاثة فراسخ، وتقف المراكب فيه على دكاكين التجار في خليج معمول من النحاس، ارتفاع سوره ثمانون ذراعا في عرض عشرين، فيما نقله ابن خرداذبه، فإن يك كاذبا فعليه كذبه. اهـ وقد تبين بما ذكرنا أن لفظ (رومان) لا وجود له في العربية، وإنما يوجد للمفرد رومي وللجمع روم: وقد توسع الكتاب في هذا الزمان فقالوا: يوناني ويونان، فكأنهم قاسوه على رومي وروم، وزنجي وزنج: والذي في القاموس هو: واليونانيون جيل انقرضوا. اهـ وقول الفيروز آبادي: انقرضوا، له في ذلك عذر، لأن بلاد اليونانيين في زمانه كانت ولاية من ولايات الدولة العثمانية ووجود الشعوب مرتبط باستقلال دولها، وما بالعهد من قدم. ففي الأمس القريب، كنت أنا بنفسي، كلما سألني سائل

стр. 17

في أوربا أو في آسيا، وحتى في إفريقية، كلما سألني سائل، من أين أنت أقول: من المغرب فيبادر بسؤال آخر، أنت من المغرب الإسباني أو من المغرب الفرنسي، أو من طنجة الدولية؟ فأقول: المغرب بلد واحد، وهو للمغاربة، فلا يريد أن يصدقني أحد، كأن المغرب خلقه الله، يوم خلق السموات والأرض مجزأ ثلاثة أجزاء، مع أن تقسيمه نشأ منذ زمان قريب، ولم يستمر إلا ثلاثا وأربعين سنة. وأغرب من ذلك أني لما أردت التجنس بالجنسية العراقية سنة ١٩٣٤ قدمت طلبًا إلى الدوائر المختصة في البصرة فبقيت الأوراق تنتقل من دائرة إلى دائرة مدة شهرين، ثم بعثت إلى بغداد العاصمة، فسافرت لأتعقبها إلى بغداد، وبقيت شهرين أستنجد وأتشفع حتى وصلت الأوراق إلى يد مدير وزارة الداخلية، فأخذ جواز سفري يتأمله وأنا واقف أمامه، وإلى جانبي الأستاذ كمال الدين الطائي من كبار علماء بغداد تفضل بمرافقتي ليعينني ويشفع لي، فقال المدير: بفظاظة، ما هي جنسيتك؟ فقلت: مغربي فاستشاط غضبًا وقال: (جنسية هتشي ماكو) يعني لا توجد جنسية هكذا، قل: فرنسي، فقلت بل هي موجودة، فانظر ما هو مكتوب على الجواز باللغة الفرنسية (أمبير شريفيان) أي الدولة الشريفية، فلم يقتنع بذلك، فقلت له: هل كنت أنت إنكليزيا قبل سنتين؟ أي قبل المعاهدة الأخيرة، فقال لي: (حنا كنا عثمانيين، ومن بعد صرنا عراقيين) فقلت له أنا: (ونحن دولة مغربية منذ ما يزيد على ألف سنة، منذ أسس الإمام إدريس بن عبد الله الدولة المغربية واستقلت عن الدولة العباسية) فجذبني الأستاذ كمال الدين من ثيابي وقال لي: دع هذه القضية، فسأتعقبها أنا، لأنه رأى أن القضية قد دخلت في طور خطير بالجدال مع مدير

стр. 18

الداخلية. فكتب ذلك المدير على أوراقي: (الطلب مرفوض)، وبذلك أحبط لي عمل أربعة أشهر، ولكن الله رحم ضعفي وغربتي، فسقطت تلك الوزارة، وكانت إحدى وزارات جميل المدفعي، ولم تلبث في الحكم إلا اثني عشر يوما، ولا توجد فيما أعلم وزارة عراقية تماثلها في قصر العمر. وجاءت بعدها وزارة علي جودة الأيوبي فأعدت الطلب وحصلت على الجنسية في ثلاثة أيام بمساعدة النبيل الشهم عارف قفطان العاني، وكان صديقًا حميمًا لعلي جودة الأيوبي. وفي سنة ١٣٤١ هـ حججت الحجة الأولى، ووقع خصام بيني وبين صاحب حانوت بمكة فعيَّرني، وزعم أني فرنسي، فقلت له: أنت إنكليزي، فنحن في البلية سواء، وكان في زمان الشريف حسين بن علي إذن فلا غرابة في قول صاحب القاموس: إن اليونانيين انقرضوا. والذي يهمنا هنا هو أنه لا يقال: يوناني ويونان، وإنما يقال: يوناني ويونانيون. ومن ذلك قولهم: ألماني وألمان والصواب: جرماني وجرمانيون، لأن البلاد التي تسمى في هذا الزمان ألمانية، كانت العرب تسميها (جرمانية) هكذا سماها ابن الفقيه البغدادي المتوفى في أواخر المائة الثالثة للهجرة في كتابه الذي سماه (كتاب البلدان) وذكر فيه جغرافية العالم: وقد ترجمته مع الأستاذ (باول كالي) باللغة الجرمانية ولفظ «ألمانية» فرنسي، فإذا أردنا أن نتساهل ونترك اللفظ العربي، ونستعير اللفظ الفرنسي وجب علينا أن نقول (ألماني وألمانيون) والأفضل لنا أن نستعمل اللفظ العربي ونحييه ونستغني به.

стр. 19

استطراد: كل من يقرأ مقالاتي يعلم أن الاستطراد محبب إلى فيما أقرؤه وفيما أكتبه، لأن الاستطراد كالطعام المؤلف من ألوان متعددة، ولذلك رأيت أن أذكر تفسير أول سورة الروم تتميمًا للفائدة وتلوينًا للغذاء. قال البيضاوي في تفسيره: ﴿آلم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ أرض العرب منهم، لأنها الأرض المعهودة عندهم، أو في أدنى أرضهم من العرب، واللام بدل من الإضافة ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أي من إضافة المصدر إلى المفعول. وقرئ غَلْبِهِم، وهو لغة: كالجلب والجلب ﴿سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. روي أن فارس غزوا الروم فوافوهم بأذرعات وبصرى، وقيل بالجزيرة، وهي أدنى أرض الروم من الفرس، فغلبوا عليهم، وبلغ الخبر مكة ففرح المشركون وشمتوا بالمسلمين وقالوا: أنتم والنصارى أهل كتاب، ونحن وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرهن عليكم، فنزلت. فقال لهم أبوبكر: لا يُقِرَّنَّ الله أعينكم، فو الله لتظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين. فقال له أبي بن خلف: كذبت، اجعل بيننا أجلا أُنَاحِبُكَ عليه، فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما، وجعلا الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبوبكر رسول الله ﷺ فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخِطْرِ وماده في الأجل، فجعلاه مائة قلوص إلى تسع سنين. ومات أُبَي من جرح رسول الله ﷺ بعد قفوله من أحد. وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، فأخذ أبو بكر الخِطْر من ورثة أُبَي، وجاء به إلى رسول الله ﷺ فقال: تصدق به. واستدلت به الحنفية على جواز العقود الفاسدة في

стр. 20

دار الحرب، وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار. والآية من دلائل النبوة، لأنها إخبار عن الغيب: وقرئ غَلَبَت (بالفتح)، وسيغلبون (بالضم)، ومعناه: أن الروم غلبوا على ريف الشام، والمسلمون سيغلبونهم. وفي السنة التاسعة من نزولها غزاهم المسلمون، وفتحوا بعض بلادهم، وعلى هذا تكون إضافة الغلب إلى الفاعل. توضيحات لكلام البيضاوي: ١ - قوله (واللام بدل من الإضافة) يعني أن أداة التعريف في (الأرض) بدل من الضمير المضاف إليه. والتقدير: غلبت الروم في أقرب أرضهم وهي أرض العرب التي كانوا مستولين عليها، لأن أذرعات وبصرى هما من بلاد الشام، وبلاد الشام ليست ملكا للروم، وإنما استولوا عليها بالتسلط والقهر، هذا على القول بأن المراد بالأرض (بصرى وأذرعات) وأما على القول بأنها الجزيرة، فهي كذلك ليست للروم، بل هي من بلاد العرب، لأنها واقعة بين دجلة والفرات. ٢ - قوله (من إضافة المصدر إلى المفعول) يعني، وهم من بعد غلبة الفرس لهم سيغلبون الفرس في مدة لا تتجاوز البضع، وهو مابين ثلاث إلى تسع. ٣ - قوله (روي أن فارس غزوا الروم) من المعلوم أن البيضاوي، مع علمه بالنحو والصرف واللغة والفقه الشافعي والأصول، وعلم الكلام مزجي البضاعة في علم الحديث. ففي تفسيره أحاديث موضوعة يذكرها في فضائل السور. وروي بصيغة الفعل المبني للنائب لا يستعملها أهل الحديث إلا إذا كان المروي ضعيفا، فلذلك أردت أن ألم بتخريج هذا الحديث وبيان رتبته.

стр. 21

أما تخريجه فقد رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير بطرق تختلف ألفاظها، ويتفق معناها في الجملة، ورواه كذلك سنيد بن داوود في تفسيره. وروايته أقرب إلى ما ذكره البيضاوي. وأما رتبته فقد قال الترمذي في بعض طرقه: حسن غريب، وفي بعضها حسن صحيح. ٤ - قوله (أناحبك عليه) أي أراهنك وأخاطرك. والقلوص الشابة من النوق. ٥ - قوله (ومات أُبي بن خلف من جرح رسول الله) (ص). قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد ج ٢ ص ٩٣: أدرك رسول الله ﷺ أُبي بن خلف (يعني في غزوة أحد) على جواد له، يقال له العود، زعم عدو الله أنه يقتل رسول الله ﷺ فلما اقترب منه، تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة فطعنه بها، فجاءت في ترقوته، فَكَرَّ عدو الله منهزما. فقال له المشركون: والله ما بك من بأس، فقال: والله، لو كان ما بي بذي المجاز لماتوا أجمعون. وكان يعلف فرسه بمكة ويقول: أقتل عليه محمدا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله تعالى، فلما طعنه، تذكر عدو الله قوله: أنا قاتله، فأيقن بأنه مقتول من ذلك الجرح، فمات منه في طريقه بسرف مرجعه إلى مكة اهـ. ٦ - قوله (وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية) الخ. الحديبية بصيغة التصغير وتخفيف الياء على الصحيح عند أهل اللغة. موضع يبعد عن مكة بنحو عشرة أميال. وقع فيه الصلح بين النبي ﷺ وبين أهل مكة في ذي القعدة سنة ست للهجرة.

стр. 22

٧ - قوله (واستدلت به الحنفية على جواز العقود الفاسدة في دار الحرب) الخ. يعني أن الحنفية استدلوا بمراهنة أبي بكر الصديق مع أُبي بن خلف، وعلم النبي ﷺ بذلك وإقراره عليه، وأمره أبا بكر أن يتصدق بما ربحه من الإبل، استدلوا بذلك على جواز القمار وغيره من العقود المحرمة، مع أعداء الإسلام في دار الحرب، ومنع ذلك الشافعية، وأجابوا عن الاحتجاج بفعل أبي بكر أن ذلك كان قبل أن يحرم القمار، وحينئذ لا حجة فيه على جواز القمار مع المحاربين ولا غيره من المحرمات كالربى، فلا يجوز التعامل بالربا، لا مع المسلمين ولا مع المسالمين، ولا مع المحاربين، وهذا هو الصحيح، لأن المراهنة على ما يظهر كانت في مكة قبل الهجرة. ويؤيد ذلك ما جاء في بعض روايات الحديث أن هزيمة الروم وقعت بعد المراهنة بسبع سنين. ومن المعلوم أن آية تحريم القمار، وهي قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] نزلت بالمدينة. والخمر التي حرمت مع القمار في الآية كانت حلالا عند ما قدم النبي ﷺ المدينة، وكانت تشرب ويتجر فيها، ثم حرمت بعد ذلك أولا في أوقات الصلاة بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] ثم حرمت بتة بآية المائدة. ٨ - قوله (والآية من دلائل النبوة) الخ. هذه معجزة باقية خالدة يستوي في إدراكها من كان في زمان النبي ﷺ وشاهدها بنفسه، ومن يأتي بعد ذلك إلى يوم القيامة، لأن سورة الروم مكية، وكان المسلمون عند نزولها في غاية القلة

стр. 23

والضعف يسخر منهم أعداؤهم ولا يأبه بهم أحد. وقد أخبر الله سبحانه في أول هذه السورة أن الروم البيزنطيين هزمهم الفرس شر هزيمة، وكان الروم أعظم دولة في الغرب، والفرس أعظم دولة في الشرق الأدنى على الأقل، ولم تجر العادة أن دولة عظيمة تمنى بهزيمة منكرة تلم شعثها وتجمع شملها، وتعيد الكرة في بضع سنين فتهجم على الدولة التي هزمتها وتكيل لها صاعًا بصاع. فلو قال قائل بعد هزيمة جرمانية (ألمانيا): «إن الدولة الجرمانية ستعيد الكرة على أعدائها وتهزمهم في بضع سنين»، ثم وقع الأمر طبق ما قال ذلك القائل لصدقه جميع الناس في كل ما يقول وآمنوا به، فماذا يقول المنكرون لمعجزات القرآن من غلاة أعدائه الأجانب، وأذنابهم من الأغمار، من سكان البلاد العربية والإسلامية، في هذه المعجزة الخالدة؟ ؟ وكم وكم من أمثالها في القرآن لمن تدبر القرآن، وسلمت عين بصيرته من غشاوة التعصب الممقوت والجهل والتهور والطيش. ٩ - قوله (وقرئ: غلبت (بالفتح)، وسيغلبون (بالضم) الخ. هذه قراءة ضعيفة خارجة عن السبع، شاذة. والمعنى على هذه القراءة: غلبت الروم فارس، وسيغلبهم العرب المسلمون. وقد غزا المسلمون الروم قصاصًا منهم في السنة التاسعة من نزولها. والقراءة الأولى هي المعتمدة. ١٠ - قوله (وعلى هذا تكون إضافة الغلب إلى الفاعل) يعني على القراءة الشاذة، يكون المصدر مضافا إلى فاعله. والتقدير: من بعد أن غلب الروم الفرس سيغلبون - بضم الياء وفتح اللام - أي يغلبهم المسلمون. وهذا آخر المقال الثاني من تقويم اللسانين. وموعدنا الجزء التالي بحول الله وقوته.

стр. 24

تقويم اللسانين (٣) ١ - في أية مناسبة: من الأخطاء التي شاعت وذاعت في هذا الزمان تأنيث (أي) إذا أضيفت إلى مؤنث كقولهم: يمكن أن يجيء في أية لحظة، ولم ترد أية أنباء، وهذا الاستعمال كثير يسمع في كل وقت من الإذاعات، ويقرأ في الصحف، وهو فاسد، فإن (أيًا) إذا أضيفت إلى مؤنث أو مذكر أو جمع، كيفما كان، تبقى على حالها. قال الله تعالى في سورة الانفطار ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. وقال تعالى في سورة المؤمن ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ؟ ﴾ وقال تعالى في سورة الرحمن ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قال الخضري في حاشيته على ابن عقيل في الكلام على الحكاية بعد تقرير حكم (أي) المحكي بها، وبيان أنها تتبع اللفظ الذي حكي بها في الإعراب والتذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع ما نصه: خرج المسؤول بها ابتداء فلا يحكى بها شيء، بل تكون بحسب العوامل، ومفردة مذكرة لا غير مثل من، وشذ قوله: بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عارًا عليّ وتحسب؟ وقال الصبان في حاشيته على الأشموني مثل ذلك.

стр. 25

وقول الخضري: ابتداء، احترز بذلك من المسؤول بها حكاية، فإنها تذكر وتؤنث، فإذا قال لك قائل: جاءني رجل تقول: أي. وإذا قال لك: جاءتني امرأة تقول: أية. فأي مسؤول بها في الحالين، إلا أنك إذا سألت بها ابتداء تلزم الإفراد والتذكير. وإذا سألت بها حكاية تجيء على حسب المحكي. ٢ - نسيت أنا الآخر: هذا خطأ شائع في البلاد العربية، يقول شخص مثلًا: نسي صديقي وعده ونسيت أنا الآخر، أو نسي هو الآخر. فاستعمال الآخر هنا خطأ محض. والصواب: ونسيت أنا أيضا. وهذا الاستعمال موجود في اللغة العامية المصرية بإبدال الهمزة راء، يقولون مثلا: نسيت أنا (راخر) والظاهر أن أول من ارتكب هذا الخطأ عامة الكتاب المصريين، لأنه موجود في لغتهم العامية فاستعملوه في الفصحى، وتبعهم غيرهم من عامة كتاب البلاد العربية والمتكلمين بها من غير العرب. ٣ - اعتناق الدين: قال صاحب اللسان: وعانقه معانقة وعناقا: التزمه، فأدنى عنقه من عنقه. وقيل المعانقة في المودة، والاعتناق في الحرب. قال: يطعنهم ما ارتموا، حتى إذا أطعنوا ... ضارب، حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا وقد يجوز الافتعال في موضع المفاعلة، فإذا خصصت بالفعل واحدا دون الآخر لم تقل إلا عانقه في الحالين. قال الأزهري: وقد يجوز الاعتناق في المودة كالتعانق، وكلٌّ في كلٍّ جائز. اهـ.

стр. 26

فظهر أن المعانقة والاعتناق كلاهما مأخوذ من إدناء العنق من العنق، والدين ليس له عنق. ولا يعانق من دخل فيه. فالفعل هنا من جانب واحد. والعرب لا تقول أبدا: اعتنق الإسلام، أو اعتنق النصرانية، أو اعتنق الفكرة، وإنما تقول: أسلم، وتنصّر، واعتقد كذا وكذا قال تعالى في سورة آل عمران (٢٠) ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ، وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. ومثل هذه العبارات في الكتاب والسنة كثيرة جدا. ولا يوجد التعبير باعتناق الإسلام في أي موضع. لا يقال: إن اعتناق الإسلام استعارة، لأنا نقول: ليس كل استعارة مستحسنة، ولو كان التعبير بالاعتناق مستحسنا لعبر به القرآن أو السنة أو فصحاء العرب. وقال الفيروز أبادي في القاموس: وأسلم: انقاد وصار مسلما. اهـ. أقول: أسلم في اللغة إذ كان لازما، معناه: انقاد واستسلم وأما في اصطلاح الشريعة فمعناه: انقاد إلى ما جاء به رسول الله ﷺ وقبله كله في الظاهر، فإن كان قبوله له ظاهرًا وباطنًا فهو مسلم حقا ومؤمن، وإن كان قد قبل ما جاء به النبي ﷺ وانقاد له في الظاهر فقط فهو منافق، تجري عليه أحكام الإسلام، وهو في الحقيقة كافر. قال تعالى في سورة الحجرات (١٤) ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلَكِنْ قُولُوا: أَسْلَمْنَا، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وإن كان هذا الفعل متعديا فمن معانيه: إخلاص التوجه إلى الله تعالى.

стр. 27

قال تعالى في سورة النساء (١٢٥) ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، وَهُوَ مُحْسِنٌ، وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. ومن معانيه: الإلقاء في الهلكة قال صاحب اللسان: قال ابن الأثير: يقال: أسلم فلان فلانا إذا ألقاه في الهلكة ولم يَحْمِه من عدوه، وهو عام في كل من أسلم إلى شيء، لكن دخله التخصيص، وغلب عليه الإلقاء في الهلكة. ومنه الحديث: إني وهبت لخالتي غلاما فقلت لها: لا تسلميه حجاما ولا صائغا ولا قصابا، أي لا تعطيه لمن يعلمه إحدى هذه الصنائع. اهـ أقول: والعجب من ابن منظور، كيف وقع في خطأ عامي، وهو تعديته (أعطى) إلى المفعول الثاني باللام، وهو متعد بنفسه إلى مفعولين يقال: أعطاه الله علما. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ولكن لكل سيف نبوة، ولكل جواد كبوة، والكمال لله. ومن أسلم المتعدي قول النبي ﷺ : المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، أي لا يخذله بل يحميه ويدافع عنه. والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن عمر. وهذا التعبير أيضا من استعمار لغة الأجانب واستعبادها للغة العربية فهو في الإنكليزية (Embrace) وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، ولم يقل: يعتنقون دين الله. ٤ - البساطة: يقال: هذا شيء بسيط، وتكلم ببساطة، وهذا لا يعتقده إلا البسطاء، وذلك كله خطأ قال صاحب اللسان: ورجل بسيط: منبسط بلسانه، وقد بسط بساطة. الليث: البسيط المنبسط

стр. 28

اللسان، والمرأة بسيط. ورجل بسيط اليدين: منبسط بالمعروف، وبسيط الوجه متهلل، وجمعها: بسط. اهـ. أقول: فقد رأيت أن البسيط والبساطة لا يدلان على ما يريد الكتاب بهما، فإنهم يريدون بالبسيط من الناس الغر والمغفل، ويريدون بالبسيط من الأمور، السهل الهين، وذلك كله بعيد عن استعمال العرب، بل هو ضده، لأن البسيط في اللغة العربية، هو الواسع، ومن أجل ذلك سميت الأرض البسيطة لسعتها. والبساطة كما تقدم في كلام العرب طلاقة الوجه. وأصل هذا الخطأ آت من اصطلاح الأطباء في تسميتهم الدواء الذي هو من مادة واحدة بسيطا، ويقابله: المركب الذي يتألف من أجزاء، كل جزء من مادة. وقد استعمله الفلاسفة أيضا فقسموا الجهل إلى قسمين: جهل بسيط، وجهل مركب، فالجهل البسيط هو أن يكون الشخص جاهلا، ويعلم أنه جاهل، والجهل المركب أن يكون الشخص جاهلا، ويجهل أنه جاهل، فجهله مركب من جهلين. قال بعض الشعراء على لسان حمار الطبيب توما: قال حمار الحكيم توما ... لو أنصفوني ما كنت أُركب لأن جهلي غدا بسيطا ... وراكبي جهله مركب ومما يحكي من أخبار هذا الطبيب أنه قرأ في كتاب (الحبة السوداء شفاء من كل داء) فقرأها خطأ (الحية السوداء شفاء من كل داء) فأخذ حية سوداء وصار يعالج بها المرضى، فكانوا يموتون من سمها. وليس بالكاتب حاجة إلى أن يترك اللغة الفصحى ويستعمل اصطلاحا طبيا ليعبر به عما يريده إلا إذا كان باقليا من أهل

стр. 29

العي والحصر. وقد ارتقى الكتاب من ذلك إلى خطأ آخر، وهو استعمال التبسيط فيقولون: كتاب مبسط، يعني أنه ألف بلغة سهلة غير معقدة. ويقولون: يجب تبسيط قواعد النحو، أي تسهيلها وتيسيرها، فانتقلوا من إلى خطأ، لأن التبسيط هو التوسيع، فهو بمعنى البسط، إلا أن التبسيط فيه مبالغة كالتقتيل بمعنى القتل، أي كثرته. وفعل المضاعف إذا اشترك مع الثلاثي في معنى واحد دل الرباعي على الكثرة والمبالغة في اللغة العربية، وفي أختيها العبرانية والآرامية. ٥ - نكران الذات: ومن الأخطاء التي جاءت مع الاستعمار تعبيرهم بـ (نكران الذات) عن الإيثار، وهذه العبارة ترجمة فاسدة للفظ الإنكليزي (self-denial) والتعبير العربي الصحيح عن هذا المعنى هو. الإيثار قال تعالى في سورة الحشر (٩) ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ وضد الإيثار هو: الاسئثار ويسميه جهال الكتاب (أنانية) نسبة فاسدة إلى لفظ (أنا) وهو أيضا من الترجمة الفاسدة للفظ الإنكليزي (selfishness) وقد يعبرون عن هذا المعنى أيضا بحب الذات، وهو تعبير فاسد، لأن كل إنسان يحب نفسه وليس ذلك بعيب، وإنما يعاب عليه أن يبالغ في حب نفسه إلى حد الاستئثار بالطيبات، وغَمْط حقوق الناس، وكذلك لا ينبغي للإنسان أن ينكر نفسه، ولا يستطيع ذلك لو حاوله. وكيف ينكر نفسه، وهو يعلم العلم الضروري أنه موجود؟ وإذا أنكر الإنسان نفسه، فبمن يعترف؟ وهذا كله ناشئ عن الجهل باللغة العربية، وعدم تعلمها من مصادرها الصحيحة.

стр. 30

٦ - التصدير والتوريد: ومن الأخطاء الشائعة الذائعة استعمالهم لفظ التصدير فيما تخرجه البلاد من البضائع ليباع في خارجها فيقولون مثلًا: المغرب يصدر الفوسفاط والحوامض والسردين، فدعنا نبحث في صحة هذا التعبير قال في اللسان: وصدر كتابه جعل له صدرًا، وصدره في المجلس فتصدر اهـ. والصواب في هذا أن يعبر بالإصدار. ثم قال صاحب اللسان: وقد أصدر غيره وصدره، والأول أعلى. وفي التنزيل العزيز: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾. قال ابن سيدة: فإما أن يكون هذا على نية التعدي، كأنه قال: حتى يصدر الرعاء إبلهم، ثم حذف المفعول. وإما أن يكون يصدرها هنا غير متعد لفظا ولا معنى، لأنهم قالوا: صدرت عن الماء: فلم يعدوه. اهـ وقال البيضاوي في قوله تعالى في سورة القصص (٢٣) ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ تصرف الرعاة مواشيهم عن الماء حذرًا عن مزاحمة الرجال، وحذف المفعول، لأن الغرض هو بيان ما يدل على عفتهما، ويدعوه إلى السقي لهما ثمت دونه. وقرأ أبو عمرو وابن عامر (يصدر) أي ينصرف. اهـ أقول: قول البيضاوي: (تصرف الرعاة مواشيهم) يرجح الوجه الأول من الوجهين اللذين نقلهما صاحب اللسان عن ابن سيدة، وهو أن يصدر فعل متعد حذف مفعوله، لأن البلاغة تقتضي حذفه كما أشار إليها البيضاوي، لأن الغرض لا يتعلق به، وإنما المراد الدلالة على عفاف ابنتي شعيب وكراهيتهما للاختلاط بالرعاة.

стр. 31

وعلى قراءة يصدر الرعاء (بفتح الياء) لا يختلف المعنى، لأن الرعاء لا بد أن تكون معهم مواش، وإلا لم يكونوا رعاة، فالمواشي مفهومة من المقام، إذا قلنا: إن الفعل الثلاثي لازم، وهو الذي رجحه ابن سيدة. ويؤيده قوله تعالى في سورة الزلزلة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ قال البيضاوي في تفسيره: (يصدر الناس) من مخارجهم من القبور إلى الموقف. اهـ حاصله: أن الصدر (بفتحتين) هو الرجوع من الماء بعد وروده لشرب أو سقي ماشية أو غير ذلك. ثم استعمل في كل خارج من شيء إلى شيء آخر. وفعله ثلاثي من باب نصر، وهو فعل لازم على الأصح، فإذا دخلت عليه الهمزة صار متعديًا يقال: أورد الماشية ثم أصدرها، أي صرفها عن الماء، ثم استعمل الإصدار في كل إخراج. فالصواب أن يقال مثلا: إن المملكة المغربية تصدر الفسفاط والحوامض والسردين (بضم التاء وإسكان الصاد). وأما التوريد: فقال في اللسان، قال أبو حنيفة: الورد نور كل شجرة وزهر كل نبتة، واحدته وردة. قال: والورد ببلاد العرب كثير ريفية وبرية وجبلية. ووَرُد الشجر: نَوَّرَ، ووردت الشجرة إذا خرج نورها. ثم قال: وورد الثوب: جعله وردًا. ويقال: وردت المرأة خدها إذا عالجته بصبغ القطنة المصبوغة. ثم قال: تقول: وردت الإبل والطير هذا الماء وردًا. ثم قال: ابن سيدة: وورد الماء وغيره وردًا وورودًا. وورد عليه: أشرف عليه، دخله أو لم يدخله قال زهير: فلما وردن الماء زرقًا جمامة ... وضعن عصي الحاضر المتخيم

стр. 32

معناه: لما بلغن الماء أقمن عليه. ثم قال: وكل من أتى مكانًا، منهلًا أو غيره، فقد ورده. ثم قال الجوهري: ورد فلان ورودًا: حضر، وأورده غيره واستورده أي أحضره. ثم قال: وفي حديث أبي بكر: أخذ بلسانه وقال: هذا الذي أوردني الموارد أراد الموارد المهلكة. اهـ قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة القصص: (٢٣) ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ وصل إليه، وهو بئر كانوا يسقون منها ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾: وجد فوق شفيرها ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾ جماعة كثيرة مختلفين ﴿يَسْقُونَ﴾ مواشيهم. وقال تعالى في سورة هود (٩٧ - ٩٨) ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ. يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ، وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾. قال البيضاوي: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي مرشد، أو ذي رشد، وإنما هو غي محض، وضلال صريح ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إلى النار كما يقدمهم في الدنيا إلى الضلال يقال: قدم: بمعنى تقدم ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحقيقه، ونزل النار لهم منزلة الماء، فسمى إتيانها موردًا. ثم قال ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ أي بئس المورد الذي وردوه، فإنه يراد لتبريد الأكباد، وتسكين العطش، والنار بالضد. والآية كالدليل على قوله ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ فإن من كان هذه عاقبته لم يكن في أمره رشد. أو تفسير له، على أن المراد بالرشيد ما يكون مأمون العاقبة حميدها. اهـ حاصله: أن التوريد معناه أن تخرج الشجرة وردها،

стр. 33

وأن تصبغ المرأة خدها بلون الورد. فالصواب أن يقال في جلب البضائع من خارج البلاد: الإيراد والاستيراد. وفي إخراج البضائع منها: الإصدار. ٧ - التعبير بالعمل الجنسي عن المباشرة: من العبارات الأجنبية التي تزري بمن يعبر بها، وتدل على أنه مزجى البضاعة في لغة الضاد، ترك عبارات القرآن، وهي أجمل وأبلغ، وأوجز لفظًا، وأوضح معنى، وأبعد عن التصريح بما لا يستحسن التصريح به، والتعبير بعبارة أجنبية ثقيلة مبهمة، طويلة اللفظ أعجمية، لا جرم أنه لا يعبر بها إلا من لا يعرف القرآن وبلاغته، وأسرار إعجازه، ومن لا يعرف القرآن لا يمكن أن يعرف اللغة العربية معرفة تمكنه من ناصيتها، سواء أكان مسلمًا أم غير مسلم، فإن الأدباء من نصارى العرب يحرصون كل الحرص على قراءة القرآن لا ليدينوا بالإسلام بل ليتمكنوا من الفصاحة إذا تكلموا أو كتبوا باللغة العربية، ومن الفهم الصحيح إذا قرأوا ما كتب بها، وبعضهم لم يكتف بقراءة القرآن، بل حفظه عن ظهر قلب، كالشيخ ناصيف اليازجي والشيخ إبراهيم اليازجي، فلذلك جاءت تآليفها في الأدب العربي لابسة حلة من البهاء والبلاغة تسحر الألباب، نظيفة من الدخيل والمولد، والتراكيب الأعجمية الثقيلة الباردة. وقد كان الشيخ إبراهيم اليازجي حريصًا على التعبير بعبارة القرآن كل الحرص، ولما دعاه النصارى ليرشدهم في ترجمة الأناجيل كان يختار لهم العبارات البليغة فيرفضونها تعصبًا، زاعمين أنها تشبه عبارات القرآن. (انظر كتابه كشف المخبا في الرحلة إلى أوربا)، ومجلة الضياء ثمانية مجلدات، ومجلة البيان مجلد واحد، ولغة الجرائد جزء، والواسطة في أخبار

стр. 34

مالطة جزء. وقد عبر القرآن عن هذا المعنى بعبارات من أبلغ الكنايات وأجملها، وأدلها على المعنى، ولم يصرح قط باللفظ المخصص لهذا الحدث. قال تعالى في سورة البقرة: (١٨٧). ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ، وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وقال تعالى في سورة البقرة أيضًا: (٢٣٧) ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً، فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. وقال تعالى في سورة النساء: (٤٣) ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ، فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. فهذه ثلاثة ألفاظ، المباشرة، والمسيس، والملامسة كلها كنايات. وفي اللغة العربية كنايات أخرى لأداء هذا المعنى لا تعد ولا تحصى، فما حاجتنا إلى جلب تلك العبارة الأجنبية الركيكة الغامضة التي تمسخ الإنشاء العربي، وتخدش وجهه، وتسجل العجز عن لغة الضاد، وتصمها بما هي منه براء؟ على أن لفظ الجماع الذي يعبر به الفقهاء في كتب الفقه وفي الوثائق هو أيضا كناية. قال في القاموس: وجماع الشيء جمعه، يقال: جماع الخباء الأخبية، أي جمعها لأن الجماع ما جمع عددًا. ثم قال: والمجامعة المباضعة، وجامعه على أمر كذا اجتمع معه. اهـ على أن التشدد في أمر الألفاظ ينافي طباع العرب ويسيء إلى أدب اللغة العربية بل وإلى اللغة نفسها، فإن العرب تتساهل في التعبير والتلفظ، وإنما تتورع في الأقوال والأفعال التي تعد

стр. 35

محرمة شرعًا، ولا ترى العرب أن تتأدب بأدب الكنيسة النصرانية وأتباعها الذين يقول لسان حالهم ومقالهم: افعل كل شيء، ولا تقل شيئا والعكس عند العرب هو الصواب. فالحريري في مقاماته كان عفيف النفس، ولكنه لم يتحرج من التعبير عن المعاني والأشياء الواقعة التي لا ينفك الناس عنها. ومن يريد أن يقلد الكنيسة وأتباعها، ويستهجن مخالفتها يلزمه أن يحذف أربعة أخماس المقامات الحريرية، ويحذف قسمًا كبيرًا من الأدب العربي شعره ونثره، وذلك هو الخسران المبين. وقد كان ابن عباس سائرًا محرمًا في طريقه إلى الحج، فأخذ ينشد بيتًا وهو: وهن يهمسن بنا هميسا ... أن تصدق الطير ننك لميسًا فقال له رجل: كيف تقول هذا، وأنت محرم بالحج، وقد قال الله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ فقال له ابن عباس: إنما الرفث ما كان بحضرة النساء. أكتفي بهذا القدر وموعدنا المقال التالي بحول الله وقوته.

стр. 36

تقويم اللسانين (٤) ١ - الحياة السياسية، والحياة الثقافية، والحياة الاقتصادية ، وما أشبه ذلك من العبارات المأخوذة من اللغات الأوربية بعد ترجمتها ترجمة فاسدة قولهم: الحياة السياسية والحياة الفكرية، والحياة الاقتصادية، والحياة الزوجية، فيكون للشخص الواحد أنواع من الحياة، والحياة في كلام العرب واحدة، وهي نقيض الموت، كما في لسان العرب والقاموس وغيرهما، وتستعمل في المجاز على النحو الذي ذكره الراغب في غريب القرآن حيث قال: الحياة تستعمل على أوجه، الأول للقوة النامية الموجودة في النبات والحيوان، ومنه قيل: نبات حي، قال ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. الثاني: للقوة الحساسة، وبه سمي الحيوان حيوانًا، قال : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فقوله: إن الذي أحياها، إشارة إلى القوة النامية. وقوله: لمحيي الموتى، إشارة إلى القوة الحساسة.

стр. 37

الثالث: للقوة العاملة العاقلة كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ وقول الشاعر: لقد ناديتَ لو أسمعتَ حيًا ... ولكن لا حياة لمن تنادي والرابع: عبارة عن ارتفاع الغم، وبهذا النظر قال الشاعر: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء وعلى هذا قوله : ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم﴾ أي هم متلذذون لما روى في الأخبار الكثيرة في أرواح الشهداء. والخامس: الحياة الأخروية الأبدية، وذلك يتوصل إليه بالحياة التي هي العقل والعلم قال الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وقوله ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ يعني بها الحياة الأخروية الدائمة. والسادس: الحياة التي يوصف بها الباري، فإنه إذا قيل فيه تعالى: هو حي، فمعناه: لا يصح عليه الموت، وليس ذلك إلا لله . والحياة باعتبار الدنيا والآخرة ضربان: الحياة الدنيا والحياة الآخرة قال : «فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا» وقال : ﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ أي الأعراض الدنيوية، وقال: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ أي حياة الدنيا. وقوله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ كان يطلب أن يريه الحياة الأخروية المعراة عن شوائب الآفات الدنيوية. وقوله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾

стр. 38

أي يرتدع بالقصاص من يريد الإقدام على القتل، فيكون في ذلك حياة الناس. وقال : ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي من نجاها من الهلاك. وعلى هذا يكون قوله مخبرا عن إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، قَالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ أي أعفو فيكون إحياء. اهـ فالحياة في اللغة نقيض الموت قال تعالى في سورة الملك: (٢) ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال البيضاوي: قدرهما، أو أوجد الحياة وأزالها حسبما قدره، وقدم الموت لقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾. اهـ وقال تعالى في سورة النجم (٤٤) ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ ومقابلة الموت بالحياة في الكتاب العزيز، جاءت في مواضع كثيرة. ومن الاستعمال الفاسد، قولهم: فلان اعتزل الحياة السياسية. يريدون بذلك، اعتزل السياسة، فيقحمون لفظ الحياة تقليدًا للغات الأجنبية، وليس في إقحامه فائدة، ولكنه يخدش وجه البلاغة العربية ويمسخها. والحاصل أن الإنسان ليس له إلا حياة واحدة، متى زالت مات، فيجب على الأديب أن ينزه كلامه عن ذلك الاستعمال، ولا يستعمل لفظ الحياة إلا في الموضع المناسب له كما جاء في كتاب الله. وفي لسان العرب، سواء أراد الحقيقة أو المجاز. قوله إيضاح لكلام الراغب: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ قال البيضاوي: مثل به من هداه الله ، وأنقذه من الضلال، وجعل له نور الحجج والآيات يتأمل بها في الأشياء، فيميز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل. اهـ أقول: شبه الله الضالين الذي لا يهتدون إلى الحق، ولا يتمسكون به بالأموات. وأهل الهدى والاستقامة بالأحياء فالمراد

стр. 39

بالقوة العاملة العاقلة في كلام الراغب التي تعمل عملا صالحا، وتعقل الحق وتميزه من الباطل. قوله (وقد ناديت) البيت: يروى بعده: ولو نارا نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد شبه الشاعر من يدعى إلى النجدة وعمل الخير والإحسان ولا يستجيب لذلك بالميت، فنفى عنه الحياة، وشبهه في البيت الثاني بالرماد الذي لم يبق فيه شيء من النار. وشبه من يدعوه إلى فعل الخير والإحسان بمن ينفخ في رماد، راجيا أن يوقد منه نارًا. ومثل ذلك قولهم: فلان يضرب في حديد بارد، قال الشاعر يهجو رجلا اسمه سعيد، ويصفه بالبخل: هيهات تضرب في حديد بارد ... إن كنت تطمع في نوال سعيد والصواب أن يقال: الشؤون الاقتصادية، والشؤون السياسية، والشؤون المنزلية، والشؤون الزوجية، الخ. ويقال: اعتزل التمثيل بدلًا من قولهم: اعتزل الحياة التمثيلية، وهجر الرياضة البدنية، بدلا من قولهم: اعتزل الحياة الرياضية. ٢ - استعمالهم الإمكانيات بمعنى الطاقة والقدرة أو الإمكان: وهذا اللفظ الدخيل ترجمة فاسدة للكلمة الأجنبية (Possibilities) ولا حاجة بهم إلى هذا التعبير المستعار الركيك، فإن فنون القول في لغة الضاد كثيرة طيبة لا ضيق فيها، فبدل أن يقول الشخص: ليس عندي إمكانيات للإقدام على هذا العمل، يسعه أن يقول: لا أستطيعه، لا طاقة لي به، لا يمكنني، لا سبيل إليه، إلى غير ذلك من الكلمات الطيبة العربية الخالصة الأصيلة، فإن هذا المعنى موجود منذ وجد العرب والعجم، وفي

стр. 40

لغتهم عبارات تفي به على أحسن وجه، فما بالنا نترك جواهرنا مهملة، ونستعير أحجار الأجانب، فمتى نعيد للغتنا شبابها وأصالتها وخلوصها، إن بقينا نتكفف الأعجمين، ونعرض عن كنوزنا وتراثنا؟ ! قال ابن منظور في اللسان: قال أبو منصور: ويقال: أمكنني الأمر يمكنني فهو ممكن، ولا يقال: أنا أمكنه، بمعنى أستطيعه، ويقال: لا يمكنك الصعود إلى هذا الجبل، ولا يقال أنت تمكن الصعود إليه. اهـ أقول: ومن كتاب هذا الزمان من يقول: أمكن لي ولا يمكن لي، متوهما أن الفعل لازم فيعديه باللام، وهو خطأ. ٣ - أجاب على: ومن الشائع في هذا الزمان قولهم: أجاب على سؤاله، ولا يمكنني الجواب عليه، والصواب تعدية الفعل (بعن) فيقال: أجاب عن سؤاله. قال في اللسان: والإجابة رجع الكلام تقول: أجابه عن سؤاله. اهـ وتجيء على بمعنى (عن) قال القحيف: إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها قال ابن هشام في المغنى بعد إيراده هذا البيت شاهدًا على مجيء (على) بمعنى «عن»: ويحتمل أن رضي ضمن معنى: عطف. وقال الكسائي: حمل على نقيضه وهو سخط. اهـ. وقال العيني والصبان مثل ما قال ابن هشام في تضمين (رضي) معنى عطف، أي فلذلك عدي (بعلى). والشاعر يضطر
следующие страницы →