← Язык

Язык · id 150601

تقويم اللسانين

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (183 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تقويم اللسانين (٤) ١ - الحياة السياسية، والحياة الثقافية، والحياة الاقتصادية ، وما أشبه ذلك من العبارات المأخوذة من اللغات الأوربية بعد ترجمتها ترجمة فاسدة قولهم: الحياة السياسية والحياة الفكرية، والحياة الاقتصادية، والحياة الزوجية، فيكون للشخص الواحد أنواع من الحياة، والحياة في كلام العرب واحدة، وهي نقيض الموت، كما في لسان العرب والقاموس وغيرهما، وتستعمل في المجاز على النحو الذي ذكره الراغب في غريب القرآن حيث قال: الحياة تستعمل على أوجه، الأول للقوة النامية الموجودة في النبات والحيوان، ومنه قيل: نبات حي، قال ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. الثاني: للقوة الحساسة، وبه سمي الحيوان حيوانًا، قال : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فقوله: إن الذي أحياها، إشارة إلى القوة النامية. وقوله: لمحيي الموتى، إشارة إلى القوة الحساسة.

стр. 37

الثالث: للقوة العاملة العاقلة كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ وقول الشاعر: لقد ناديتَ لو أسمعتَ حيًا ... ولكن لا حياة لمن تنادي والرابع: عبارة عن ارتفاع الغم، وبهذا النظر قال الشاعر: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء وعلى هذا قوله : ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم﴾ أي هم متلذذون لما روى في الأخبار الكثيرة في أرواح الشهداء. والخامس: الحياة الأخروية الأبدية، وذلك يتوصل إليه بالحياة التي هي العقل والعلم قال الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وقوله ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ يعني بها الحياة الأخروية الدائمة. والسادس: الحياة التي يوصف بها الباري، فإنه إذا قيل فيه تعالى: هو حي، فمعناه: لا يصح عليه الموت، وليس ذلك إلا لله . والحياة باعتبار الدنيا والآخرة ضربان: الحياة الدنيا والحياة الآخرة قال : «فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا» وقال : ﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ أي الأعراض الدنيوية، وقال: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ أي حياة الدنيا. وقوله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ كان يطلب أن يريه الحياة الأخروية المعراة عن شوائب الآفات الدنيوية. وقوله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾

стр. 38

أي يرتدع بالقصاص من يريد الإقدام على القتل، فيكون في ذلك حياة الناس. وقال : ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي من نجاها من الهلاك. وعلى هذا يكون قوله مخبرا عن إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، قَالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ أي أعفو فيكون إحياء. اهـ فالحياة في اللغة نقيض الموت قال تعالى في سورة الملك: (٢) ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال البيضاوي: قدرهما، أو أوجد الحياة وأزالها حسبما قدره، وقدم الموت لقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾. اهـ وقال تعالى في سورة النجم (٤٤) ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ ومقابلة الموت بالحياة في الكتاب العزيز، جاءت في مواضع كثيرة. ومن الاستعمال الفاسد، قولهم: فلان اعتزل الحياة السياسية. يريدون بذلك، اعتزل السياسة، فيقحمون لفظ الحياة تقليدًا للغات الأجنبية، وليس في إقحامه فائدة، ولكنه يخدش وجه البلاغة العربية ويمسخها. والحاصل أن الإنسان ليس له إلا حياة واحدة، متى زالت مات، فيجب على الأديب أن ينزه كلامه عن ذلك الاستعمال، ولا يستعمل لفظ الحياة إلا في الموضع المناسب له كما جاء في كتاب الله. وفي لسان العرب، سواء أراد الحقيقة أو المجاز. قوله إيضاح لكلام الراغب: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ قال البيضاوي: مثل به من هداه الله ، وأنقذه من الضلال، وجعل له نور الحجج والآيات يتأمل بها في الأشياء، فيميز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل. اهـ أقول: شبه الله الضالين الذي لا يهتدون إلى الحق، ولا يتمسكون به بالأموات. وأهل الهدى والاستقامة بالأحياء فالمراد

стр. 39

بالقوة العاملة العاقلة في كلام الراغب التي تعمل عملا صالحا، وتعقل الحق وتميزه من الباطل. قوله (وقد ناديت) البيت: يروى بعده: ولو نارا نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد شبه الشاعر من يدعى إلى النجدة وعمل الخير والإحسان ولا يستجيب لذلك بالميت، فنفى عنه الحياة، وشبهه في البيت الثاني بالرماد الذي لم يبق فيه شيء من النار. وشبه من يدعوه إلى فعل الخير والإحسان بمن ينفخ في رماد، راجيا أن يوقد منه نارًا. ومثل ذلك قولهم: فلان يضرب في حديد بارد، قال الشاعر يهجو رجلا اسمه سعيد، ويصفه بالبخل: هيهات تضرب في حديد بارد ... إن كنت تطمع في نوال سعيد والصواب أن يقال: الشؤون الاقتصادية، والشؤون السياسية، والشؤون المنزلية، والشؤون الزوجية، الخ. ويقال: اعتزل التمثيل بدلًا من قولهم: اعتزل الحياة التمثيلية، وهجر الرياضة البدنية، بدلا من قولهم: اعتزل الحياة الرياضية. ٢ - استعمالهم الإمكانيات بمعنى الطاقة والقدرة أو الإمكان: وهذا اللفظ الدخيل ترجمة فاسدة للكلمة الأجنبية (Possibilities) ولا حاجة بهم إلى هذا التعبير المستعار الركيك، فإن فنون القول في لغة الضاد كثيرة طيبة لا ضيق فيها، فبدل أن يقول الشخص: ليس عندي إمكانيات للإقدام على هذا العمل، يسعه أن يقول: لا أستطيعه، لا طاقة لي به، لا يمكنني، لا سبيل إليه، إلى غير ذلك من الكلمات الطيبة العربية الخالصة الأصيلة، فإن هذا المعنى موجود منذ وجد العرب والعجم، وفي

стр. 40

لغتهم عبارات تفي به على أحسن وجه، فما بالنا نترك جواهرنا مهملة، ونستعير أحجار الأجانب، فمتى نعيد للغتنا شبابها وأصالتها وخلوصها، إن بقينا نتكفف الأعجمين، ونعرض عن كنوزنا وتراثنا؟ ! قال ابن منظور في اللسان: قال أبو منصور: ويقال: أمكنني الأمر يمكنني فهو ممكن، ولا يقال: أنا أمكنه، بمعنى أستطيعه، ويقال: لا يمكنك الصعود إلى هذا الجبل، ولا يقال أنت تمكن الصعود إليه. اهـ أقول: ومن كتاب هذا الزمان من يقول: أمكن لي ولا يمكن لي، متوهما أن الفعل لازم فيعديه باللام، وهو خطأ. ٣ - أجاب على: ومن الشائع في هذا الزمان قولهم: أجاب على سؤاله، ولا يمكنني الجواب عليه، والصواب تعدية الفعل (بعن) فيقال: أجاب عن سؤاله. قال في اللسان: والإجابة رجع الكلام تقول: أجابه عن سؤاله. اهـ وتجيء على بمعنى (عن) قال القحيف: إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها قال ابن هشام في المغنى بعد إيراده هذا البيت شاهدًا على مجيء (على) بمعنى «عن»: ويحتمل أن رضي ضمن معنى: عطف. وقال الكسائي: حمل على نقيضه وهو سخط. اهـ. وقال العيني والصبان مثل ما قال ابن هشام في تضمين (رضي) معنى عطف، أي فلذلك عدي (بعلى). والشاعر يضطر

стр. 41

إلى مثل ذلك، وأما الناثر فله مندوحة عن استعمال النادر وهؤلاء الكتاب الذين يستعملون (على) بعد «أجاب» جاهلون بالنحو، لا يعرفون أنه يتعدى بعن، وكيفما كان الأمر، فإن هذا الاستعمال ليس من الأخطاء الفاحشة في النثر، أما في الشعر، فهو جائز لا يعاب. ٤ - القيم الدينية والأخلاقية: ومن المعلوم أن القيم هنا جمع قيمة، ولا معنى لاستعمالها هنا. قال ابن منظور في اللسان: والقيمة واحدة القيم والقيمة ثمن الشيء بالتقويم. اهـ وإذا قلنا: القيم الدينية أو القيم الأخلاقية، يكون المعنى: الأثمان الدينية، والأثمان الأخلاقية، والدين والأخلاق لا تقويم فيهما ولا بيع ولا شراء، وهذا الاستعمال أيضا مأخوذ من اللغات الأجنبية، ولا ينبغي استعماله في العربية، ولا حاجة إليه، لأن استعمال الأخلاق ومكارم الأخلاق، والتمسك بالدين، وما أشبه ذلك، يغني عنه، وليس هذا من المخترعات حتى نبحث له عن اسم، أو نترجم اللفظ الأجنبي، ونستعمله! ! ٥ - الأسرة: ومن ذلك تعبيرهم عن أهل البيت الواحد (بالأسرة)، وهو من استعمال جهلة المترجمين، ترجموا به لفظ (Family) الإنكليزي وأخيه الفرنسي، وكانوا يترجمون هذا اللفظ من قبل (بعائلة) فعاب ذلك عليهم النقاد، لأن العائلة في اللغة العربية هي المرأة الفقيرة قال تعالى في سورة الضحى: «وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى» أي وجدك فقيرًا فأغناك. وقال تعالى في سورة التوبة (٢٨): ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً، فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي إن خفتم فقرًا، فانتقلوا إلى ترجمته (بأسرة) وهو انتقال من خطأ إلى

стр. 42

خطأ آخر، والعبارة الصحيحة هي: بيت، أو أهل بيت، قال تعالى في سورة هود (٧٣) ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وقال تعالى في سورة الأحزاب (٣٣) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فأهل البيت في آية هود: إبراهيم وسارة زوجه ومن يكون معهما على سبيل التبعية ونحوها. والمراد بأهل البيت في آية الأحزاب النبي ﷺ وأزواجه وأولاده والتابعون كالموالي. وقال تعالى في سورة الذاريات (٣٦) ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ والمراد بالبيت هنا لوط وأهل بيته إلا امرأته، فإن الله استثناها من الناجين وجعلها من الهالكين. أما معنى الأسرة فدونك ما قاله صاحب اللسان: وأسرة الرجل: عشيرته ورهطه الأدنون، لأنه يتقوى بهم. اهـ وقال تعالى في سورة الإنسان (٢٨) ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ قال البيضاوي: أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب. اهـ فالأسر هو إحكام الربط وقوته، ومن ذلك سميت عشيرة الرجل (أسرة) لأنه يتقوى بهم. وقال الصبان في حاشيته على الأشموني عند قول ابن مالك في التنازع في العمل من ألفيته: واختار عكسا غيرهم ذا أسرة ما نصه: ضبطه الشيخ خالد بفتح الهمزة، وفسره الغزى: بالجماعة القوية، لكن في القاموس: الأسرة (بالضم): الدرع الحصينة، ومن الرجل الرهط الأدنون. اهـ وقال ابن منظور في اللسان: وفي الحديث: زنى رجل في أسرة من الناس. الأسرة: عشيرة الرجل. وأهل بيته. اهـ

стр. 43

وقال في مجمع البحار: وفيه (أي في الحديث) زنى رجل في أسرة من الناس. الأسرة: عشيرة الرجل وأهل بيته، لأنه يتقوى بهم. اهـ والمراد بأهل بيته هنا هو المراد بعشيرته الأقربين، لا زوجته وأولاده فقط. أما قولهم: أسرة المدرسة، يعنون المدير والمدرسين فيها، وأسرة تحرير الصحيفة يعنون مؤسسها والمحررين فيها. ورئيس التحرير، فله وجه، وهو مقصود ابن مالك بقوله المتقدم: واختار عكسا غيرهم ذا أسرة أي ذا جماعة قوية، شبه المتعاونون على أمر بالأقارب، فاستعير لهم لفظ الأسرة بجامع التعاون في كل. ٦ - النشاطات: ومن ذلك استعمالهم النشاطات، يريدون بها الأعمال، وهو أيضا مأخوذ من جهلة المترجمين لكلمة (Energy) الإنكليزية، وقد أولع في استعماله عامة الكتاب حتى الذين لا يعرفون شيئا من اللغات الأجنبية. ومن سوء الحظ أن أكثر الخطباء والكتاب صاروا يأخذون لغتهم من الصحف والمجلات والإذاعة، لا من الدراسة، والقرآن وكلام العرب البلغاء، كما يجب أن يفعلوا وكما كان الناس يفعلون في زمان شباب اللغة العربية، فإلى الله المشتكى. قال ابن منظور في اللسان: النشاط ضد الكسل، يكون

стр. 44

ذلك في الإنسان والدابة. نشط نشاطا، فهو نشيط، ونشطه هو وأنشطه، الأخيرة عن يعقوب. الليث: نشط الإنسان ينشط نشاطا، فهو نشيط طيب النفس للعمل، والنعت ناشط، وتنشط لأمر كذا. وفي حديث عبادة: بايعت رسول الله ﷺ على المنشط والمكره. المنشط مفعل من النشاط، وهو الأمر الذي تنشط له وتخف إليه وتؤثر فعله، وهو مصدر بمعنى النشاط. اهـ فقد رأيت أن معنى النشاط ليس هو المعنى الذي يقصدونه، والنشاط مصدر لا يجمع، إذ لا حاجة إلى جمعه، فإنه يدل على القليل والكثير، كما قال تعالى في سورة الفرقان (١٤): ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ فلم يقل الله تعالى: لا تدعوا ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورا كثيرة، لأن الثبور مصدر يدل على القليل والكثير، فإذا أردنا الكثرة وصفناه ولم نجمعه. قال ابن منظور في اللسان: وفي حديث الدعاء: أعوذ بك من دعوة الثبور، هو الهلاك، وقد ثبر يثبر ثبورًا. وثبره الله أهلكه إهلاكا لا ينتعش. فمن ذلك يدعوا أهل النار: واثبوراه! فيقال لهم: «لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا» قال الفراء: الثبور مصدر، ولذلك قال ثبورا كثيرا، لان المصادر لا تجمع. ألا ترى أنك تقول: قعدت قعودا طويلا: وضربته ضربا كثيرا. اهـ وكذلك يقال في النشاط مثلًا: هؤلاء العملة يعملون بنشاط كثير. فلا حاجة إلى جمع النشاط، ولو جمع لم يجمع على نشاطات، بل على نشط (بضمتين) كقَذَال وقُذُل. ٧ - وصف الجمع بالمفرد: ومن ذلك وصفهم الجمع بالمفرد، فيقولون: رايات بيضاء،

стр. 45

وإبل حمراء، والكتب الصفراء، والصواب: رايات بيض، وإبل حمر، وصحائف صفر. قال الله تعالى في سورة فاطر (٢٧) ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ الجدد جمع جدة، بضم الجيم وفتح الدال، وهي الطريق في الجبل، والغربيب: شديد السواد، يقال: أسود غِربِيب (بكسر الغين والباء)، وأحمر قان، وأبيض ناصع، وأخضر حانئ، وأصفر فاقع. وقال تعالى في سورة المرسلات (٣٣) «كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ» ولم يقل صفراء. وقال ابن عقيل عند قول ابن مالك في الخلاصة: (فعل لنحو أحمر وحمرا) ما نصه: من أمثلة جمع الكثرة: فُعْل، وهو مطرد في وصف يكون المذكر منه على أفعل، والمؤنث منه على فعلاء نحو: أحمر، وحمر، وحمراء، وحُمْر. وقال الخضري في حاشيته: قوله (فُعْل) لنحو الخ. أي بضم فسكون، لكن يجب كسر فائه في جمع ما عينه ياء، كبيض في أبيض وبيضاء. ٨ - الرضوخ: ومن ذلك تعبيرهم عن الإذعان (بالرضوخ) يقولون: هدده فرضخ له، أي أذعن، وهو من الأخطاء الفاحشة، لأن معنى رضخ له، أعطاه عطاءً قليلًا. قال ابن منظور في اللسان: ورضخ له من ماله يرضخ رضخًا: أعطاه. ويقال: رضخت له من مالي رضيخة وهو القليل والرضيخة والرضاخة: العطية. وقيل: الرضخ والرضيخة العطية

стр. 46

المقاربة. وفي الحديث أمرت له برضخ وفي حديث عمر: أمرنا لهم برضخ. الرضخ: العطية القليلة. اهـ. ٩ - السابع والأخير: هذه أيضا عبارة مأخوذة من اللغات الأجنبية تقليدًا بلا علم ولا هدى، والصواب: السابع وهو الأخير، لأننا إذا قلنا: السابع والأخير دل ذلك على اثنين، لأن العطف يقتضي المغايرة. ١٠ - لوحده وبمفرده: ومن ذلك قولهم: ذهب لوحده، وقاتلهم بمفرده، وذلك من أفحش الخطأ وأقبحه، وأبعده عن لغة العرب الفصحاء، فالصواب أن يقال: ذهب وحده، وقاتلهم وحده، (بفتح الدال منصوب على الحال) قال ابن مالك في الألفية: والحال إن عرف لفظا فاعتقد ... تنكيره معنى كوحدك اجتهد قال الأشموني: وَكَلَّمْتُهُ فاهُ إلى فيِ، وأرسلها العراك، وجاءوا الجماء الغفير، فوحدك وفاه، والعراك، والجماء أحوال، وهي معرفة لفظا، لكنها مؤولة بنكرة، والتقدير: اجتهد منفردا، وكلمته مشافهة، وأرسلها معتركة، وجاءوا جميعا. وإنما التزم تنكيره لئلا يتوهم كونه نعتا، لأن الغالب كونه مشتقا، وصاحبه معرفة. اهـ قول الأشموني في تفسير (فاه إلى في) أي مشافهة، فيه نظر، لأن مشافهة مصدر، والأولى أن يقدر اسم فاعل، أي مشافهًا له. وقوله (أرسلها معتركة) يعني أرسل الإبل معتركة، يزاحم بعضها بعضا. قال الصبان في حاشيته لو قال: معاركة كما قال

стр. 47

ابن الخباز لكان أحسن، لأن اسم فاعل العراك معارك لا معترك. اهـ أقول: وأحسن منهما جميعا أن يقال: معاركا بعضها بعضا، لأننا إذا قلنا: معاركة (بكسر الراء) نسبنا العراك إليها كلها، والعراك لا يقع إلا بين فريقين، ولا يقع من فريق واحد، وقال الصبان: في بيان قوله (الجماء الغفير) أي الجماعة الجماء من الجموم، وهو الكثرة، والغفير من الغفر، وهو الستر، أي ساترين لكثرتهم وجه الأرض. اهـ. وهذا آخر هذه الحلقة وموعدنا الجزء التالي إن شاء الله.

стр. 48

تقويم اللسانين (٥) كلمة أقدمها بين يدي المقال: لم أقدم على الكتابة في هذا الموضوع حتى أيقنت أن قراء اللغة العربية وكتابها والمتكلمين بها في أشد الحاجة إليه، وأنهم يتلقونه بغاية الترحيب كما يتلقى الظمآن العذب الفرات البارد، وقد صدق ظني في ذلك، فجاءتني رسائل عديدة من الأقطار البعيدة والقريبة تصدق ما ظننت. ولما وصلت إلى مدينة النبي ﷺ ، ثم إلى مكة اجتمعت بوفود بيت الله من جميع أقطار العالم، وجدت قراء مقالاتي من العلماء والأساتذة والتلاميذ فوق ما كنت أقدر، ووجدت كثيرا منهم متلهفين إلى هذا الموضوع الجديد (تقويم اللسانين) فزادني ذلك نشاطا واغتباطا، وجعلت قول الحسود والقالي والمتعسف في الموضع اللائق به من الإهمال والإعراض، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا نهتدي لولا أن هدانا الله. ١ - استعمال (حيث) للتعليل: يقال مثلًا: لم ينجح فلان في الامتحان حيث لم يكن مواظبا على حضور الدروس، والصحيح أن يقال: لأنه لم يكن مواظبا. الخ ....

стр. 49

ومن ذلك (حيثيات الحكم المستعملة في المحاكم، إذا أراد الحاكم أن يصدر حكمه يعلله بقوله: وحيث أن المدعى عليه ثبتت براءته بشهادة الشهود، وحيث المدعي (بالكسر) لم يأت ببينة تشهد له ثم يستمر على هذا الشكل يعطف حيث على مثلها حتى يمل القارئ والسامع. وصواب ذلك أن يقال: ولما ثبتت براءة المدعى عليه بشهادة العدول، ولم يأت المدعي (بالكسر) ببينة تثبت دعواه، ثم يعطف ما شاء بعد ذلك على هذا النمط، ثم يقول: حكمنا ببراءته بعد انتهاء تعليل الحكم. وبيان ذلك أن (حيث) ظرف مكان يقال: اجلس حيث يليق بك أن تجلس، أي في الموضع الذي يليق بك أن تجلس فيه. قال الراغب: (حيث) عبارة عن مكان مبهم يشرح بالجملة التي بعده نحو قوله تعالى ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ اهـ قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة (١٤٩) ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ ومن أي مكان خرجت للسفر ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إذا صليت. اهـ وقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي في أي موضع كنتم من أرض الله الواسعة توجهوا بوجوهكم نحو البيت في صلاتكم. وقال البيضاوي في قوله تعالى في سورة الأعراف (١٨٢) ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي سنستدنيهم إلى الهلاك قليلا قليلا، وأصل الاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما نريد بهم، وذلك أن تتواتر عليهم النعم، فيظنوا

стр. 50

أنها لطف من الله تعالى بهم فيزدادوا بطرًا وانهماكا في الغي حتى يحق عليهم كلمة العذاب اهـ أقول: يقول الله تعالى: سنقربهم من العذاب، ونأخذهم به من الجهة التي لا يتوقعونه منها بتكثير النعم عليهم، وتأخير العذاب عنهم حتى يزدادوا بطرا وطغيانا ويغتروا، ويظنوا أن الله ما أكثر عليهم تلك النعم إلا وهو راضٍ عنهم، كما قال تعالى في سورة المؤمنين (٥٥ - ٥٦) ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وقال تعالى في سورة سبأ (٣٧) ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا، وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. يعني أن كثرة الأموال والأولاد عند المرء لا تدل على أنه من المقربين عند الله، لأن ذلك قد يكون استدراجا ومكرا، والذي يدل على رضوان الله هو الإيمان والعمل الصالح، فصاحبه هو الذي يضاعف الله أجر عمله، ويكون يوم القيامة منعما في الغرفات، آمنا من عذاب الله. وتجيء (حيث) مجرورة بالباء فلا تخرج عن سنتها، وهي الدلالة على ظرف المكان، قال شاعر يحث بني العباس على الفتك ببني أمية بعد أن أظفرهم الله عليهم: أنزلوها بحيث أنزلها الله ... بدار الهوان والإفلاس والضمير في أنزلوها، يعود على أمية بمعنى القبيلة، أي أنزلوا بني أمية بالمكان الذي أنزلهم الله به من الذل. وتجيء أيضا مجرورة بإلى كذلك، كقول الأدباء: إذا سمعوا بهلاك إنسان يكرهونه: إلى حيث ألقت رحلها أم

стр. 51

قشعم، وذلك إشارة إلى قول زهير بن أبي سلمى في المعلقة: فشد ولم يفزع بيوتًا كثيرة ... لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم فحمل حضين بن ضمضم على خصمه، ولم يخف بيوتًا كثيرة، أي لم يتعرض لها في الموضع الذي ألقت فيه رحلها أي نزلت فيه أم قشعم، وهي المنية أي الموت، أي هجم على خصمه في الموضع الذي حان فيه هلاكه، فأرداه قتيلا. وهنا جرت (حيث) بإضافة لدى إليها، وهي مبنية على الضم في اللغة الفصحى، وبعض العرب يفتحونها، وبعضهم يكسرون ثاءها. ولا تضاف إلا إلى جملة فعلية نحو قوله تعالى في سورة الأنعام (١٢٤) ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وقوله تعالى في سورة الطلاق (٢ - ٣) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ أي من الجهة التي لا يظن أن الرزق يأتيه منها. أو إلى الجملة الاسمية نحو: أقم حيث المقام طيب، واظعن حيث الظعن سهل، وحيث في ذلك مضافة إلى الجملة الفعلية أو الاسمية، وقد يحذف خبر المبتدأ في الجملة الاسمية نحو: هذا المنزل طيب من حيث الكلأ، والبعد عن طريق القوافل. أما من حيث الماء فليس بجيد، وتقدير الخبر فيهما موجود. وقد تضاف (حيث) إلى مفرد شذوذا كقول الشاعر: أما ترى حيث سهيل طالعا ... نجم يضيء كالشهاب لامعا (بجر سهيل). قال العيني، وتبعه الصبان: ترى بصرية، وطالعا مفعولها، وحيث ظرف، ثم قال الصبان: وقيل: مفعولها حيث، وطالعا

стр. 52

حال من سهيل اهـ والقول الذي حكاه بصيغة التمريض هو الصواب الذي يستحق التصدير، أي أما ترى مكان سهيل حال كونه طالعا، وقد قلد الصبان العيني، وقلده كذلك الخضري في حاشيته على ابن عقيل، والعيني إمام محقق في علوم العربية، لا في علوم الدين، ولكنه غير معصوم، وخطؤه في هذه المسألة ظاهر. وقيل سهيل مرفوع على الابتداء، وخبره محذوف تقديره موجود، فلا شاهد فيه، على إضافة حيث إلى المفرد. وهناك شاهد آخر على إضافتها إلى المفرد لا أريد أن أطيل بذكره. وجزم ابن هشام في (المغني) أن حيث قد تدل على الزمان، واحتج على ذلك بقول الشاعر: حيثما تستقم يقدر لك ... الله نجاحا في غبر الأزمان أما أئمة اللغة جعلوا استعمالها للزمان خطأ، وخصصوها بالمكان. قال في القاموس: (حيث) كلمة دالة على المكان كحين في الزمان، ويثلث آخره: اهـ وقد تقدم ذلك مبسوطا. ٢ - قولهم علماني وعقلاني خطأ، والصواب علمي وعقلي: وجُهَّال هذا العصر يطلقون العلماني على ما بني على العلم من العقائد والأفكار المضادة للدين، فيقولون: دولة علمانية، أي لا تنتسب إلى أي دين، بل تعتمد في شؤونها على العلم، وهي جديرة بأن تسمى جهلية، لأن الدين هو المبني على العلم اليقيني، ولسنا بصدد انتقاد هذا اللفظ من حيث المعنى، فإنه ساقط، وقد تبين في مقالات: دواء الشاكين وقامع المشككين أن السواد الأعظم من العقلاء الأحرار الذين يستطيعون أن يعبروا عما يعتقدون بلا خوف، يؤمنون بالله وبالدين.

стр. 53

أما الشعوب المغلوبة على أمرها فلا يحكم عليها بشيء حتى تعود لها حريتها في اعتقادها. وإنما ننتقد هذه العبارة ونبين براءة اللغة العربية منها. فالنسبة إلى العلم: علمي. قال ابن هشام في كتابه (أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك) ما نصه: باب النسب. إذا أردت النسب إلى شيء فلا بد لك من عملين في آخره: أحدهما أن تزيد عليه ياء مشددة تصير حرف إعرابه، والثاني أن تكسره فتقول في النسب إلى دمشق: دمشقي. اهـ وهكذا فعلنا في النسب إلى العلم، فقد كسرنا آخر الكلمة ليناسب الياء، وزدناه ياء مشددة. فزيادة الألف والنون في قولهم: علماني لا وجه لها، وإنما جاءت من الجهل بقاعدة النسب ولا يمكنهم أن يقولوا: إن هذه نسبة على غير قياس، لأن ما جاء من ذلك يقتصر فيه على السماع ولا يقاس عليه. قال ابن مالك في آخر النسب من ألفيته: وغير ما أسلفته مقررا ... على الذي ينقل منه اقتصرا قال الأشموني في شرحه لألفية ابن مالك: يعني أن ما جاء من النسب مخالفا لما تقدم من الضوابط شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه، وبعضه أشذ من بعض. فمن ذلك قولهم في النسب إلى البصرة: بصري - بكسر الباء - وإلى الدهر: دهري - بضم الدال - وإلى مرو: مروزي، وإلى الري: رازي، وإلى خراسان: خَرسي وخُرسي، وإلى جلولاء وحروراء - موضعين جلولي وحروري، وإلى البحرين: بحراني، وإلى أمية: أُموي - بفتح الهمزة - وإلى السهل: سُهلي - بضم السين - وإلى بني الحبلي - وهم حي من الأنصار منهم عبدالله بن أبي سلول المنافق، وسمي أبوهم الحبلى لعظم بطنه - حُبَلي- بضم الحاء وفتح الباء - ومنه قولهم: رقباني، وشعراني، وجماني، ولحياني، للعظيم الرقبة والشعر والجمة واللحية.

стр. 54

وقولهم في النسب إلى الشام واليمن وتهامة: رجل شآم ويمان وتهام، وكلها مفتوحة الأول اهـ. قال في لسان العرب: والربي والرباني: الحَبْر، ورب العلم وقيل الرباني الذي يعبد الرب، زيدت الألف والنون للمبالغة في النسب. وقال سيبويه: زادوا ألفا ونونا في الرباني إذا أرادوا تخصيصًا بعلم الرب دون غيره، كأن معناه: صاحب علم بالرب دون غيره من العلوم. وهو كما يقال رجل شعراني ولحياني ورقباني، إذا خص بكثرة الشعر، وطول اللحية، وغلط الرقبة، فإذا نسبوا إلى الشعر قالوا: شعري، وإلى الرقبة قالوا: رقبي، وإلى اللحية: لحيي. والربي منسوب إلى الرب، والرباني: الموصوف بعلم الرب. ابن الأعرابي: الرباني العالم المعلم الذي يُغَذّي الناس بصغار العلم قبل كباره. وقال محمد بن علي بن الحنفية لما مات عبدالله بن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة. وروي عن علي أنه قال: الناس ثلاثة: علم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق. قال ابن الأثير: هو منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون للمبالغة، قال: وقيل: هو من الرب، بمعنى التربية، كانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها. والرباني: العالم الراسخ في العلم والدين، أو الذي يطلب بعلمه وجه الله. وقيل: العالم: العامل المعلم. وقيل: الرباني: العالي الدرجة في العلم. قال أبو عبيد: سمعت رجلا عالما بالكتب يقول: الربانيون: العلماء بالحلال والحرام، والأمر والنهي. قال: والأحبار:

стр. 55

أهل المعرفة بأنباء الأمم، وبما كان ويكون. قال أبو عبيد: وأحسب الكلمة ليست بعربية، إنما هي عبرانية أو سريانية، وذلك أن أبا عبيدة زعم أن العرب لا تعرف الربانيين، قال أبو عبيد، وإنما عرفها الفقهاء وأهل العلم اهـ. أقول: لله در أبي عبيد وأبي عبيدة فقد أصابا شاكلة الصواب. قال كروسمن Crossmann في معجمه العبراني الإنكليزي في تفسير الرباني ما معناه: هو العالم المتقي، لكن كل ما جاء في القرآن فهو عربي، سواء أكان عربيًا غير مشترك، أي خاصا باللغة العربية، أم كان لفظا مشتركا بين العربية وأخواتها الساميات، أم كان لفظًا غير عربي في الأصل، ولكن العرب تكلمت به فصار عربيًا بالاستعمال ككلمتي جبريل وميكائيل، فكل ما بين دفتي المصحف فهو عربي، إلا أن عامة العرب لا تعرف الألفاظ العلمية، وإنما يعرفها علماؤها كورقة ابن نوفل، وأمية بن أبي الصلت. ومن ذلك تعلم أن قولهم: علماني هو أمر عدواني على اللغة العربية، وما أشبهه من السخافات كالعقلاني والشخصاني فهو مثله، فأين المجامع العلمية في بغداد ودمشق والقاهرة؟ لماذا لا تذب عن اللغة العربية، وتسعى في تطهيرها، وإخراج القذى من طرفها، وترويق شرابها، ليكون عذبًا سائغًا للشاربين. ٣ - كم هو جميل وكم أنا مسرور وما أشبه ذلك: وهذا من التراكيب الأعجمية الخالصة، فإن الذي تستعمله العرب في هذا المعنى هو: ما أجمله، وأجمل به، وهما صيغتا التعجب، ولا مكان لاستعمال (كم) هنا، سواء أكانت خبرية أم استفهامية. ويحسن هنا أن أتكلم باختصار في الاستعمال الصحيح (لكم)، وإنما أترك الإطناب، لأنه يستلزم ذكر

стр. 56

اختلاف النحويين، وذلك يشوش على كثير من القراء، ويعسر عليهم الاستفادة. وأسهل العبارات في ذلك وأجملها عبارة أبي محمد القاسم بن علي الحريري ﵀ في المُلحة: باب كم الخبرية: واجرر بكم ما كنت عنه مخبرا ... معظما لقدره مكثرا تقول كم مال أفادته يدي ... وكم إماء ملكت وأعبد قال الحريري في الشرح: اعلم أن (كم) اسم موضوع للعدد المبهم جنسا ومقدارا، ولها موضعان: الاستفهام والخبر المقترن بالتكثير. ولما كان العدد نوعين: أحدهما مجرور، والآخر منصوب، شبه كل واحد من موضعيها بأحد من نوعي العدد، فنصبوا ما بعدها على التمييز في الاستفهام، على ما نبينه في شرح نوع التمييز، وجروا ما بعدها بالإضافة في الأخبار. ويجوز أن يقع الاسم الذي بعد (كم) الخبرية واحدا وجمعا، كقولك: كم عبد ملكت، وكم عبيد ملكت؟ كما أن العدد المجرور قد يكون واحدا في مثل قولك: مائة ثوب، ويكون جمعا في مثل قولك: ثلاثة أثواب، إلا أن من شرط جرها الاسم أن يكون الاسم يليها، فان فصل بينهما فاصل انتصب على التمييز كما ينتصب في الاستفهام، فتقول في الخبر: كم لي عبدا، كما تقول في الاستخبار: كم عبدا لك؟ وقال في المنصوبات: باب كم الاستفهامية: وكم إذا جئت بها مستفهما ... فانصب وقل كم كوكبا تحوي السما قد ذكرنا في شرح باب الإضافة أن كم الخبرية يجر ما بعدها، وكم الاستفهامية ينصب ما بعدها على التمييز، تشبيها لها بالعدد المنصوب على التمييز، ولهذا جاء مفسرها واحدا

стр. 57

ولم يجئ جمعا، كما أن المنصوب بعد العدد الذي هو الذي أحد عشر إلى تسعة وتسعين لا يكون إلا واحدا، وكم الاستفهامية قد تقع موقع المبتدأ في مثل قولك: كم عبد لك؟ فكم مبتدأ، ولك الخبر، ونصبت عبدا على التمييز. وقد تقع موقع المفعول به في مثل قولك: كم رجلا رأيت؟ ، وتقع موقع الجار والمجرور تارة بحرف الجر في مثل قولك: بكم دراهم بعت، وتارة بالإضافة في مثل قولك: ابن كم سنة أنت؟ اهـ. وقد راجعت الترجمة الإنكليزية لقوله تعالى في سورة البقرة (١٧٥) ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ وترجمة قوله تعالى في سورة مريم (٣٨) ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ وترجمة قوله تعالى في سورة الكهف (٢٦) ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾، وهذه صيغ تعجب، وهي من الله تعالى للتعجب، فوجدت المترجم ترجمها كلها بأدوات الاستفهام, إذ لا يوجد في الإنكليزية صيغة تعجب، ومن هنا جاء معظم البلاء فإن لغة المستعمر الغالب استعمرت اللغة العربية كما استعمرت أهلها، فغيرت تراكيبها، وشوهت محاسنها، وتركتها جسد بلا روح، فالمفردات عربية، والتراكيب أعجمية. ٤ - تعبيرهم بالتمني عن الدعاء وإرادة الخير: لم يزل المسلمون، والعرب الجاهليون قبلهم يدعون الله بالخير لمن يحبون، ويدعون بالشر على من يبغضون إلى زمان الدولة العثمانية، فإن الكلمة التي كانت تكتب قبل التوقيع في آخر الرسالة (داعيكم) يعنون الداعي لكم، ولما جاء الاستعمار، وتغلبت لغاته ترجموا اللفظ الانجليزي I wish you بقولهم: أتمنى لكم، وهي ترجمة فاسدة، لأن الفعل الإنكليزي المذكور يعبر عن الإرادة والرغبة الشديدة.

стр. 58

أما التمني فهو طلب المستحيل أو ما فيه عسر، والأكثر استعماله في طلب المستحيل، قاله الأشموني قالوا: ولا يستعمل التمني فيما هو واجب الوقوع. فمثال المستحيل قول الشيخ: ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب وقوله تعالى في سورة النساء (٧٣) ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وقول الشاعر: ليت وهل ينفع شيئا ليت ... ليت شبابا بوع فاشتريت قال الأشموني: وأما قوله تعالى ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ مع أنه واجب، فالمراد: تمنيه قبل وقته. اهـ يعني قبل الأجل المحدود، وهو مستحيل. وقال تعالى في سورة البقرة (٩٦) ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ، وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يعني ولتجدنهم، أي اليهود - مع زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه - أحرص الناس على طول حياة، وأحرص من الذين أشركوا، وهم المجوس، فإن أحدهم يهنئ صاحبه بقوله: (هزار نوروز مهرجان) يعني تعيش ألف سنة، وتشهد ألف عيد واحتفال ولو هنا للتمني قاله البيضاوي، وهذا أيضا من المستحيل. قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة النساء (٣٢) ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ من الأمور الدنيوية، كالجاه والمال، فلعل عدمه خير والمقتضى للمنع كونه ذريعة إلى التحاسد والتعادي، لعدم الرضا بما قسم الله له، وأنه تشبه لحصول لشيء له من غير طلب، وهو مذموم

стр. 59

لأن تمني ما لم يقدر له معارضة لحكمة القدر، وتمني ما قدر له بكسب بطالة وتضييع حظ، وتمني ما قدر له بغير كسب ضائع ومحال اهـ. وروى أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث شداد ابن أوس أن النبي ﷺ قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني». وقال الشاعر: تمنوا لي الموت الذي يشعب الفتى ... وكل امرئ والموت يلتقيان وقال الآخر: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر فإن حان يوما أن يموت أبوكما ... فلا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر وقولا هو المرء الذي لا خليله ... أضاع ولا خان الصديق ولا غدر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر وكانت المرأة في الجاهلية تلزم الحداد والبكاء على الميت سنة كاملة. وهذا كله في استعمال التمني بمعنى طلب المستحيل وإما استعماله بمعنى طلب الأمر العسير فكقول الشاعر: ليت هندًا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما نجد واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد قال في لسان العرب: التمني: حديث النفس بما يكون وما لا يكون، والتمني: السؤال للرب في الحوائج. وفي الحديث: (إذا تمنى أحدكم فليستكثر، فإنما يسأل ربه)، وفي رواية، فليكثر قال ابن الأثير: التمني تشهي حصول الأمر المرغوب فيه، وحديث النفس بما يكون وبما لا يكون. والمعنى إذا سأل الله

стр. 60

حوائجه وفضله فليكثر، فان فضل الله كثير، وخزائنه واسعة اهـ ويجمع بين الحديث المشار إليه - على فرض ثبوته - وبين الحديث المتقدم، على أن التمني الذي في هذا الحديث هو سؤال الله، مع محاسبة النفس والعمل الصالح، فيرجع إلى الدعاء وهو المطلوب. فالصواب أن يقال مثلا: أرجو أن تكونوا بخير وعافية، وأرجو لكم سفرا سعيدا. ويقال للمريض: أرجو لك شفاء عاجلا، أو أسأل الله لك.

стр. 61

تقويم اللسانين (٦) ١ - قولهم: تنبأ بكذا وكذا: يريدون أنه علم بصدق الفراسة وقوة الحدس ما سيكون في المستقبل كما قال الشاعر: الألمعي الذي يظن بك الظن ... كان قد رأى وقد سمعا وفي الخبر: اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله. رواه البخاري في التاريخ والترمذي عن أبي سعيد. وبعضهم يقول: تكهن بكذا وكذا، وهذا شيء لا يمكن التكهن به، وسنرى معنى تنبأ الحقيقي. قال في اللسان: قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلا ويقول: تنبأ مسيلمة، بالهمز، غير أنهم تركوا الهمز في النبي كما تركوه في الذرية والبرية والخابية. ثم قال: ويقال: تنبى الكذاب إذا ادّعى النبوة، وتنبى كما تنبى مسيلمة الكذاب وغيره من الدجالين المتنبين. ثم قال: وتنبأ الرجل: ادعى النبوة اهـ. وقال شاعر أندلسي في أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي يخاطب أحد أمراء الأندلس حين رآه ينشد شعر المتنبي: تنبأ عجبا بالقريض ولو درى ... بأنك تروى شعره لتألها وقد عرفت أن معنى (تنبأ) ادعى النبوة، وهي الإنباء

стр. 62

عن الله تعالى. وقصص المتنبئين مذكورة في العقد الفريد وغيره من كتب الأدب، والمتنبئون هم الذين ادعوا النبوة، واستعمال تنبأ بمعنى أخبر بشيء يقع في المستقبل استعمال استعماري، من استعباد اللغات الأوربية للغة العربية، فإن جهال المترجمين يترجمون الفعل الإنكليزي Prophesy بقولهم: تنبأ، ويترجمون (prophecy) بالنبوة يريدون بذلك الإخبار بالشيء قبل وقوعه، والصواب أن يقال: توقع وتفرس، وحدس أنه يقع كذا وكذا. وقال في معجم أوكسفورد في معنى (بروفيساي prophecy) يتكلم كنبي، وقال في معنى (بروفيت prophet) هو الموحى إليه المخبر عن الله فظهر لك أن الأوربيين يستعملون تنبأ بمعنى يتكلم كما يتكلم النبي، والنبي كثيرا ما يخبر بالمغيبات، فهذا الاستعمال في لغتهم شائع. وقد توهم المترجمون أن كل ما ساغ في لغتهم يسوغ في لغتنا، خصوصا ولغتهم لغة القوي القاهر، ولغتنا لغة الضعيف المغلوب على أمره. ومعنى (بروفيت) في اللغة الإنكليزية لا يختلف عن معناه في اللغة العربية، فهو الموحى إليه المخبر عن الله تعالى، وحق لغتنا علينا أن ننظفها من كل استعمال دخيل، محافظين على جمالها ونضارتها وبهجتها. ويقال في الكلام الفصيح: صدق حدسه، وتحقق ظنه، والمخطئون يقولون: صدقت نبوته. ٢ - ينبغي عليه: ومن الأخطاء الشائعة في هذا الزمان في الإذاعات والصحف قولهم: ينبغي عليه أن يفعل كذا وكذا، فيعدون ينبغي بعلى، وهذا دليل على إهمال اللغة، وطرح العناية بها جانبًا وذلك شأن الأمم المخذولة المنحطة، السائرة إلى الاضمحلال. وقد رأينا أسلافنا كيف اعتنوا بلغة القرآن، وخدموها أحسن خدمة،

стр. 63

فضبطوا مخارج حروفها وصفاتها، وتجويد النطق بها، وحققوا معاني كلماتها، وتركيب جملها، وجودة أسلوبها وبلاغتها، وتركوها لنا في غاية الكمال والجمال، فلم نكن خير خلف لخير سلف. ومن المعلوم أن القرآن هو أول كتاب ينطق بلغة العرب الخالصة، ولا يستطيع أحد معرفة اللغة العربية، وفصاحتها وبلاغتها، وأسرارها إلا بدراسة القرآن، واتخاذه إمامًا ومنارًا يهتدى به في علومها، هذا بالنسبة إلى غير المسلمين الذين لا يهمهم من القرآن إلا ما فيه من فصاحة وبلاغة وأنه حجة في اللغة العربية، فكيف بالمسلمين الذين يجب عليهم - إن كانوا مسلمين حقًا - أن يتخذوا القرآن إماما وسراجًا منيرًا، يتبعونه ويهتدون به في دينهم، يحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ويتخذونه حكمًا، فيه شريعتهم، ومنهاج أخلاقهم، وهدايتهم، وشفاء صدورهم، وروح أرواحهم كما قال تعالى في سورة الكهف (١ - ٣) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾. قال ابن كثير: قد تقدم في أول التفسير أنه تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أعظم نعمة أنعمها على أهل الأرض، إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتابا مستقيما لا اعوجاج فيه، ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم، واضحًا بينًا جليًا، نذيرًا للكافرين، بشيرًا للمؤمنين.

стр. 64

ولهذا قال ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أي لم يجعل فيه اعوجاجا، ولا زيغا ولا ميلا، بل جعله معتدلا مستقيما، ولهذا قال ﴿قَيِّمًا﴾ أي مستقيما ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي لمن خالفه وكذبه ولم يؤمن به، ينذر بأسًا شديدًا، عقوبة عاجلة في الدنيا، وآجلة في الأخرى ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي من عند الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي بهذا القرآن، الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ أي مثوبة عند الله جميلة ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ في ثوابهم عند الله، وهو الجنة، خالدين فيه أبدا، دائما، لا زوال له ولا انقضاء اهـ. قوله (وهو الجنة) الذي أراه أن الأجر الحسن الذي يمكث فيه المؤمنون أبدًا لا يختص بنعيم الجنة، بل ينتظم سعادة الدنيا والآخرة، لأن الله وعد بذلك في غير ما آية من كتابه العزيز لقوله تعالى في سورة النحل (٩٧) ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وحكمة الله تعالى وعدله يقتضيان ثواب الدارين لكل أمة صالحة، وعقاب الدارين لكل أمة فاسقة، وأدلة هذا في القرآن كثيرة. فسبب ما يقاسيه المسلمون في هذا الزمان من الشقاء هو إهمال القرآن، وجعله وراء ظهورهم. والخطأ الذي نحن الآن بصدد إصلاحه لا يقع ويشيع إلا في أمة أهملت القرآن، لأن هذا الفعل تكرر استعماله في القرآن فجاء في ستة مواضع أحدها قوله تعالى في سورة الفرقان (١٧ - ١٨) ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ؟ قَالُوا: سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ، وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ

стр. 65

حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾. معنى هاتين الآيتين أن الله تعالى يسأل المشركين يوم القيامة الذين كانوا يعبدون الملائكة والأنبياء والصالحين، كعيسى وأمه، وسائر من عبد من الصالحين، فيقول لهم: أأنتم أمرتم هؤلاء أن يعبدوكم، فيتبرؤون منهم منزهين الله تعالى عن الشريك قائلين: سبحانك، ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء، أي لا يليق بنا أن نتخذ المشركين أولياء، أو نرضى بعملهم، ولكن متعتهم وآباءهم بالنعم، ولم تعجل لهم العذاب، فتركوا كتابك، واتبعوا أهواءهم، وكانوا في علمك هالكين، فحق عليهم العذاب. ففعل (ينبغي) لا ينبغي أن يتعدى بعلى، وإنما ينبغي أن يتعدى باللام. ٣ - مع أنباء وآراء وما أشبهها من الصرف: كل من يستمع إلى الإذاعات يعلم أن بعض المذيعين يمنعون صرف كل جمع من جموع التكسير جاء على أفعال، كأنباء وآراء، وأحزاب، والذي ورطهم في ذلك أنهم رأوا (أشياء) جمع شيء ممنوعة من الصرف فقاسوا عليها ما يشابهها في اللفظ لجهلهم. وقد اتفق النحاة على منع صرف (أشياء)، واختلفوا في تعليله اختلافًا كثيرًا، لو ذكرته هنا لشوش على كثير من القراء، وأيْأَسَهُم في فهم المقصود، فأقتصر على ذكر القول الراجح، وهو قول الخليل وسيبويه. قال صاحب اللسان: وأشياء: لفعاء عند الخليل وسيبويه اهـ وبيان ذلك أن لام الكلمة تقدمت على فائها وعينها فصارت (لفع) اتصلت بها ألف التأنيث الممدودة، فصارت (لفعاء) وهو وزن أشياء، باعتبار الهمزة الأولى آخر الكلمة في الأصل تقدم على

стр. 66

أولها وثانيها، فلم يبق إلا المد والهمزة، وذلك ما يسمى بألف التأنيث الممدودة كما في أصدقاء وأغنياء وغيرهما من الجموع، وكما في خضراء وحمراء وصحراء وغيرهن من الأسماء المفردة. والذي حملهم على هذا التأويل أنها جاءت ممنوعة من الصرف في القرآن، قال تعالى في سورة المائدة (١٠١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. وقال ابن حمدون على الأزهري: أشياء، جمع شيء، وأصله شياء فكرهوا اجتماع همزتين بينهما حاجز غير حصين وهو الألف فقدموا الهمزة الأولى - لام الكلمة على الفاء والعين، فصار أشياء، فهو ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة. اهـ. أقول: علة منعه من الصرف غير معلومة يقينا، وتعليلات النحويين حدس وتخيل قلَّ ما يثبت أمام النقد، والمقصود بها ترسيخ القواعد في ذهن الطالب. أما أنباء وآراء وما أشبههما فلا معنى لمنعها من الصرف، وقد أصبح الإنشاء عند المتكلمين باللغة العربية لا يستفاد من المدرسة وقراءة كلام البلغاء، وحفظ أشعارهم، وإنما يؤخذ من الإذاعات والصحف، وذلك دليل على أن علم العرب اليوم بلغتهم ضحل، وذلك دليل على التخلف، وهم يرون الشعوب المتقدمة كبريطانيا وجرمانية وفرنسا تبذل الجهود والأموال في رفع مستوى لغاتها ونشرها في الدنيا كلها، فأين التقدم الذي يتبجح به بعضهم؟ ٤ - التعبير عن افتتاح المدرسة ونحوها بالتدشين: يقولون: دشن المدرسة، أو المصرف، يعنون افتتحهما باحتفال، وهذا الفعل لم أجده في شيء من معاجم اللغة التي عندي إلا في المنجد، ولا عبرة به، لأنه يخلط الدخيل بالأصيل، وفي القاموس دشن: أعطى، وتدشن أخذ، وداشان: بلد،

стр. 67

والداشن معرب الدشن، يعنون به الثوب الجديد لم يلبس، والدار الجديدة لم تسكن اهـ. وفي اللسان: داشن معرب من الدشن، وهو كلام عراقي، وليس من كلام أهل البادية، كأنهم يعنون به الثوب الجديد الذي لم يلبس، أو الدار الجديدة التي لم تسكن ولا استعملت اهـ. وقول صاحب اللسان: كلام عراقي، وليس من كلام أهل البادية، يؤيده ما قرأته في معجم لعالم عراقي موصلي نسيت اسمه الآن، ضمنه الكلمات السريانية التي دخلت في اللغة العراقية، فذكر منها (دشن) الدار الجديدة، أي سكنها لأول مرة. ومن سوء الحظ أنه ليس عندي في هذا الوقت معجم سرياني، ولو كان عندي ما قدرت أن أستفيد منه لضعف بصري، وعدم وجود من يعرف اللغة السريانية هنا. وكيفما كان الأمر فاستمال الفعل دشن وما يشاركه في الاشتقاق بمعنى افتتاح المعرض أو المدرسة ليس من كلام العرب ولا حاجة إليه والذوق السليم يكرهه. ٥ - جمع النية على نوايا: ومما يحزن ويسوء كل من له غيرة على لغة القرآن أن أكثر الخطباء والكتاب يجمعون (النية) على «نوايا» وذلك دليل على إفلاسهم وجهلهم بقواعد اللغة العربية السهلة، لأن النية فعلة، بكسر فسكون، وعينها واو، بدليل: نوى ينوي، فأصلها (نوية) حكمت عليها القاعدة الصرفية الشهيرة بقلب الواو ياء وإدغامها في مثلها. والقاعدة هي قولهم: اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، وقد

стр. 68

شبه علماء الصرف هذين الحرفين عند اجتماعهما وسبق أحدهما بالسكون بالحجر والصحفة من الخزف، أو الصيني والحجر، فالصحفة هي الواو، والحجر هو الياء، فمتى وقعت الصحفة على الحجر، وهي الواو الساكنة انكسرت الصحفة، كما في تية، ومتى وقع الحجر على الصحفة، أي سبقت الياء الواو، وهي ساكنة انكسرت الصحفة، وهي الواو، فالانكسار خاص بالواو، سواء أتقدمت أم تأخرت. ومثال تقدم الياء على الواو (سيد) فان أصله (سيود) بدليل الفعل: يسود، حكمت عليه القاعدة المذكورة بإبدال الواو وياء وإدغام الياء فيها. وفعلة بكسر فسكون، كحِكْمة، وقِرْبة، وهي السقاء، إنما تجمع جمع تصحيح على فعلات كما في الحديث المتفق عليه (إنما الأعمال بالنيات) وتجمع جمع تكسير على فِعَل - بكسر ففتح - كحكمة وحِكَم، وقِرْبة وقِرَب، وشيمة وشيم، وذلك كثير، ولا تجمع البتة على فعائل، لأنها لفظ ثلاثي، والذي يجمع على فعائل هي الكلمات الرباعية، كبرية وبرايا، وضحية وضحايا، وفضيلة وفضائل. وقد جمعت النية على (ني) بكسر النون وتشديد الياء، كسدرة وسدر، وهو نادر، قال النابغة الجعدي: أنك أنت المحزون في أثر الحي ... فإن تنوِ نِيّهم تقم قال صاحب اللسان: قيل في تفسيره: ني جمع نية، وهذا نادر: قال ابن الأعرابي: قلت للمفضل: ما تقول في هذا البيت؟ قال: فيه معنيان: أحدهما يقول: قد نووا فراقك، فإن تنو كما نووا تقم فلا تطلبهم. والثاني قد نووا السفر، فإن تنو كما نووا تقم صدور الإبل في طلبهم انتهى. أقول: والمعنى الأول هو الظاهر، وهذا البيت من بحر

стр. 69

المنسرح. ٦ - هذا العمل له ما يبرره: ومن أخطائهم قولهم: لهذا العمل ما يبرره، وكأنهم يريدون بالتبرير أن يجعل من البر وهو الإحسان. وقد بحثت فلم أجد في لسان العرب، وهو أكبر معجم عند العرب اليوم، برَّر على وزن فعَّل، كعلَّم وإنما وجدت برَّ وأبرَّ، وهذا من أخطاء المترجمين للفظ الإنكليزي Jastify والصواب أن يقال: لهذا العمل ما يسوغه، أي يجعله سائغا، فلا يعاقب فاعله ولا يلام. ٧ - قولهم: يعشق الصحافة ويعشق العلم: قال في القاموس: العشق والمعشق كمقعد، عجب المحب بمحبوبه، أو إفراط الحب، ويكون في عفاف وفي دعارة، أو عمى الحس عن إدراك عيوبه، أو مرض وسواسي يجلبه إلى نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور اهـ. قال الحافظ ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس في أثناء انتقاده على بعض الصوفية استعمالهم لفظ العشق في حب الله تعالى قال: لا يعشق إلا ما ينكح. وكلام صاحب القاموس يؤيده، فإن قوله: يكون في عفاف وفي دعارة، يدل على أن العشق لا يستعمل استعمالا صحيحًا إلا في حب يتعلق بمن تمكن مباشرته، والشخص الذي تمكن مباشرته، وهو المعشوق، يكون ممتنع الوصول، فيزيد ذلك الامتناع في إذكاء نار العشق في قلب العاشق، فإن كان تقيا عفيفا صبر وامتنع عن طلب الوصال، إيثارا لما يبقى على ما يفنى، أو تجنبًا للعار، وإن كان غير عفيف اندفع في طلب الوصال بدون مبالاة، وهذا هو الذي عبر عنه اللغويون بالدعارة. وكلتا الحالين لا تتفق إلا مع المعشوق الذي تمكن مباشرته.

стр. 70

أما الصحافة والعلم والمعرفة والرياضة وما أشبه ذلك، فالصواب أن يعبر فيها بالحب، وكذلك حب الله ، وحب رسوله والمؤمنين، لا ينبغي أن يعبر عنه بالعشق. ويدل على ذلك أيضا قول صاحب القاموس (أو مرض وسواسي يجلبه إلى نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور) فإن من أحب الله ورسوله والعلم وأهله لا يجلب لنفسه مرضًا وسواسيًا أبدًا، بل يزداد عقله قوة وصحة. وكذلك القول بأن العشق عمى الحس عن إدراك عيوب المعشوق، لا يتناسب إلا مع من تمكن مباشرته. ويروى حديث في العشق ذكره داود الأنطاكي في كتابه (تزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق) ص ٦ هذا نصه: عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (من عشق فعف، فمات دخل الجنة). زاد الخطيب عنه: فظفر، ثم أبدل قوله (دخل الجنة) بقوله «مات شهيدا»، وفي أخرى (فكتم). والحديث بسائر ما ذكر صححه مغلطاي، وأعله البيهقي والجرجاني والحاكم في التاريخ بضعف سويد وتفرده به. ورواه ابن الجوزي مرفوعا وأبو محمد بن الحسن موقوفا، وأخرج الخطيب عن عائشة رفعه أيضا. وحاصل الأمر أما صحته أو حسنه، والجواب عن تفرد سويد المنع بوروده عن غيره، وحكايته تحديثا، وكونه قبل عماه، فلا تدليس اهـ. والعجب من هذا الرجل الذي قضى عمره في علم الطب والفلسفة كيف تكلم على هذا الحديث كأنه من علماء الحديث، ولا غرابة في ذلك، فإن المسلمين في زمان عزهم وارتقائهم كانت لهم ثقافة جامعة عالية لا تشبهها أي ثقافة من ثقافات العصر

стр. 71

الحاضر وإذا أردت تزداد أن علمًا بذلك فعليك بمطالعة كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة، فإنك ترى أولئك الأطباء الذين ترجم لهم متبحرين متفننين في علوم كثيرة، إذا رأيت اطلاعهم في كل علم منها تقول: إنهم لا يحسنون غيره، وهذه مزية خاصة بعلماء الإسلام. أما المثقفون في هذا العصر، فأغلبهم لا يحسن من العلوم إلا ما اختص به، ومن عجائب ما رأيت في ذلك أني كنت أتحدث في مستشفى العيون التابع لجامعة بُون بألمانيا مع رئيس المستشفى، وهو أحد العلماء العشرة الذين يتألف منهم مجلس الجامعة الأعلى، وهو الدكتور البروفيسور (شميت schmit) وكان ذلك سنة ١٩٥٤ م فوجدته يعتقد وجود الدولة العثمانية واستمرار سلاطينها، مع أنه بلغ الغاية في علم الطب، حتى أنه يدعى من الولايات المتحدة ليسافر إلى هناك لإجراء الأعمال الجراحية وإلقاء المحاضرات، وقد بلغ جهله بالتاريخ إلى ما رأيت. وهذا الحديث أيضا يدل على أن العشق لا يكون إلا لمن تمكن مباشرته. ثم راجعت الجامع الصغير فوجدته ذكر حديثين في هذا الباب، أحدهما عن عائشة، ونصه: (من عشق فعف، ثم مات، مات شهيدا). رواه الخطيب، وأشار إليه السيوطي بعلامة الضعف. والثاني: عن ابن عباس: (من عشق فكتم وعف فمات، فهو شهيد). رواه الخطيب، وأشار إليه السيوطي بعلامة الضعف أيضا. وإن صدق الأنطاكي في نقله صحة الحديث عن الإمام الحافظ علاء الدين مغلطاي، فإنه حجة في علم الحديث. ويؤيد ما ذكرناه أن حب الله، ذكر في القرآن، في مواضع عديدة، ولم يعبر عنه بالعشق. وحب الرسول ﷺ جاء

стр. 72

في الحديث. أخرج البخاري من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين). والأحاديث التي جاء فيها حب الله ورسوله، وحب المؤمنين بعضهم بعضا كثيرة، ولم يرد في شيء منها التعبير بالعشق.

стр. 73

تقويم اللسانين (٧) ١ - قال عنه: من البدع المحدثات في الكلام العربي التي شاعت وذاعت في زمان الاستعمار، وكثرة ما يترجم من اللغات الأعجمية حين ضعفت الشعوب العربية، ولم يبق لها قول إلا ما تنقله من كلام المستعمرين المتغلبين قولهم (قال عنه) أنه كذا وكذا مدحًا أو ذما، وهذا خطأ، والصواب أن يقال (قال فيه). والأدلة على هذا أكثر من أن تحصى أقتصر على قليل منها. قال ابن منظور في مادة (ق ول) وفي حديث سعيد بن المسيب حين قيل له: ما تقول في عثمان وعلي؟ فقال: أقول فيهما ما قولني الله تعالى (٥٩ - ١٠) ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. وفي حديث علي، ﵇: سمع امرأة تندب عمر فقال: أما والله ما قالته، ولكن قولته، أي لقنته وعُلِّمته وألقي على لسانها، يعني من جانب الإلهام، أي أنه حقيق بما قالت فيه اهـ. الشاهد هنا في ثلاثة مواضع في قول سعيد بن المسيب: أولهما قوله (أقول فيهما ما قولني الله تعالى) والثاني في سؤال من سأله (ما تقول في عثمان وعلي؟ ) والثالث في خبر علي مع المرأة، وقد فسر صاحب اللسان بقوله (إنه حقيق بما قالت فيه)

стр. 74

ومعنى حقيق هنا: جدير بما قالت فيه تلك المرأة من المدح والثناء. ومراد سعيد بن المسيب بتلاوة الآية أنه يقول فيهما خيرًا. وبيان ذلك أن الله تعالى أثنى على المهاجرين في سورة الحشر بقوله (٨) ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. وأثنى على الأنصار بقوله (٩) ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأثنى على التابعين لهم بإحسان بقوله (١٠) ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ذِكْرُ تفسير الحافظ ابن كثير لهذه الآيات باختصار: قال ابن كثير: يقول تعالى مبينا حال الفقراء المستحقين لمال الفيء إنهم الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلا من الله ورضوانا، أي خرجوا من ديارهم، وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله ورضوانه يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أي هؤلاء الذين صدَّقوا قولهم بفعلهم، وهم سادات المهاجرين. والفيء كل مال أخذه المسلمون من أعدائهم بدون قتال، كأموال بني النضير، وهي المعنية بهذه الآية. ثم قال تعالى مادحا للأنصار، ومبينا لهم فضلهم وشرفهم وكرمهم، وعدم حسدهم، وإيثارهم مع الحاجة فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي سكنوا دار الهجرة من المهاجرين، وآمنوا قبل كثير منهم. قال عمر (يعني في وصيته عند موته): وأوصي الخليفة بعدي

стр. 75

بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم كرامتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم. رواه البخاري. ثم روى عن أحمد بسنده إلى أنس قال: قال المهاجرون: يارسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا في كثير، لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في الهناء (الهنأ ما أتاك من الرزق بلا مشقة) حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله قال: لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم اهـ. ومعناه أن النبي ﷺ لما آخى بين المهاجرين والأنصار صار الأخ الأنصاري يقوم بالعمل كله في أرضه ويقاسم أخاه المهاجر الغلة والثمرة. فخاف المهاجرون أن كل ما عملوه من عمل مقبول عند الله يكون أجره لإخوانهم الأنصار الذين كفوهم مؤونة العمل، وأشركوهم في الغلة والثمرة، فأخبرهم النبي ﷺ أن أجرهم ثابت لهم، إن كافؤوا إخوانهم الأنصار بالثناء والشكر ودعوا الله لهم. روى أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: من لم يشكر الناس، لم يشكر الله. وروى البخاري بسنده إلى يحيى بن سعيد، سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال دعا النبي ﷺ الأنصار أن يقطع لهم البحرين، قالوا: لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال أما لا فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم أثرة اهـ. قال في مجمع البحار: وفي الحديث ستلقون بعدي أثرة - بفتحتين - اسم من آثر يوثر إيثارا، أي أعطى، أراد أنه يستأثر عليكم، فيفضل غيركم في نصيبه من الفيء. والاستئثار: الانفراد بالشيء اهـ.
следующие страницы →