← Язык

Язык · id 150601

تقويم اللسانين

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (183 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تلميذكم الصغير أبو الحسن علي بن العلامة السيد عبدالحنى رح الحسني رح - ٢ - ٢ - ١٣٨٧ هـ. أما هنا في المغرب فقد رحب بها غير واحد من القراء مكاتبة ومشافهة، ولا يظنن هذا المنتقد أن الجو خلا لَه، حتى يبيض ويصفر وينقر ما شاء أن ينقر، فإن بين قراء هذه المجلة العالمية فحولا لا يقعقع لهم بالشنان ولا يخدعون بالمغالطات والروغان، يزنون الأقوال بالقسطاس المستقيم، ويميزون بين الصحيح والسقيم، وسيحكمون بيني وبين هذا المعترض الذي نصب نفسه حكما، وتوهم أن حكمه لا ينتقض. وقبل أن أخوض معه غمار المعركة مستعينا عليه بالله الذي يحق الحق ويبطل الباطل، أذكر للقراء الأعزاء بعض ما أعرفه من أخباره، وأترك سائرها إلى أن يحين أوانه، كان هذا الرجل يدرس في فرنسا وكان مبتلي بهذا التنطع من أول أمره، فوجه انتقادا إلى أمير البيان الزعيم العربي الأوحد الذي: حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفر إلا وهو الأمير شكيب أرسلان ﵀، وكنت أنا إذ ذاك أدرس في جرمانية، وأحاضر اللغة العربية بجامعة (بُنْ) فكتب إلى الأمير شكيب المسائل التي انتقدها عليه المعترض والتمس مني الحكم، فنظرت فيها فوجدت الحق في أكثرها مع الأمير شكيب، ووجدت اعتراض المعترض ساقطا إلا في النادر. وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس ولكن الأمير شكيب ﵀، كان عنده من الإنصاف والتواضع ومكارم الأخلاق، ما يندر وجوده في هذا الزمان فلذلك لم يرد أن يجيبه حتى يعلم رأيي فيما انتقده عليه، ثم عرفت

стр. 142

المعترض بعد ذلك معرفة تامة، وكان يجمعنا بيت واحد، نشتغل فيه جميعا، وهو من الكتّاب المشهورين في النثر، وله نظم لا يبلغ حد الجودة، ولكن لا بأس به. وقد طرق هذا الباب الذي طرقته أنا اليوم من قبل في الصحف العراقية وفي الإذاعة ولم ينجح فيه، بل كان عامة القراء يستهزئون به، ولم أتعرض قط، إلى نقده، مع أني وجدت في ما كتبه ثغرات وأخطاء لأني أعلم أنه من الأساتذة القليلين الذين يكتبون إنشاء حسنا ويتكلمون كلاما قليل الخطأ، فغض الطرف عن هفوات هؤلاء عندي هو الصواب، والسعي في هدم ما بنوه من الفساد. وأنا لا أطمع أن يكون له من أصالة الرأي وسداده ما يحمله على أن يعاملني بمثل ما عاملته به، لأن طبعه لا يسمح له بذلك، وحسبي أن يكون انتقاده معتدلا خاليا من الجور وأمارات سوء القصد، ولكن الأمر كما قيل: وكل إناء بالذي فيه يرشح ١ - (بدون) قال المعترض: قال في مقالته (ويرخون العنان لأقلامهم بدون تبصر ولا تمييز، ثم قال: وإنما سميت زائدة، لأن الكلام يتم بدونها) فأنا أقول له، من استعمل كلمة (دون) من فصحاء الأمة العربية هذا الاستعمال؟ ولهذا المعنى؟ إن معنى بدونها، هو بأقل منها. المجيب: يالله للعجب، من جهل هذا المعترض بقواعد النقد! كيف يحتج بكلام المؤلفين من الفقهاء، كأن كلامهم قرآن، أو حديث نبوي، أو شعر امرئ القيس أو النابغة الذبياني، ومن قال لك: إن كلام الفقهاء حجة في اللغة العربية؟ يرجع إليه ويعتمد في الحكم عليه؟ كان يجب عليك قبل أن تتصدى للاعتراض أن

стр. 143

تعلم أن الحجة إنما هي في ما صح عن العرب في جاهليتهم، وفي دولة النبي ﷺ والخلفاء ودولة بني أمية قبل أن يختلط العرب بالأعاجم، وتفسد ألسنتهم، أما كلام المولدين، ولو كانوا من فحول الأدباء والشعراء كابن الرومي والبحتري والمتنبي، بل بشار بن برد أيضا لا يحتج بشعره مع قربه من العصر الأموي، فهذه حجتك التي جئت تصول بها؟ قال الراغب: في غريب القرآن: يقال للقاصر عن الشيء (دون) قال بعضهم هو مقلوب من الدنو والأدون الدنيء، وقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] أي ممن لم يبلغ منزلته منزلتكم في الديانة، وقيل في القرابة، وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨] أي ما كان أقل من ذلك، وقيل ما سوى ذلك، والمعنيان يتلازمان وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] أي غير الله وقيل معناه، إلهين متوصلا بهما إلى الله اهـ. فانظر إلى قول الراغب (وقيل ما سوى ذلك) يعني أن بعض اللغويين فسروا (مادون ذلك) بسوى ذلك، ثم قال والمعنيان متلازمان فبأيهما عبرت يفهم المعنى الآخر، ثم انظر إلى قوله فيما حكى الله تعالى عن عيسى بن مريم في آخر سورة المائدة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي غير الله، فقد استعملت هنا (دون) بمعنى غير، بغير اختلاف، فما هو جواب المعترض؟ وقال صاحب لسان العرب بعد ما ذكر تسعة معان، (الدون) وقال (يعني الفراء) في قوله تعالى: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ دون الغوص، يريد سوى الغوص من البناء، اهـ - سبأ. فهذا من استعمال (دون) بمعنى سوى، فماذا يقول المعترض في تفسير الفراء؟ ، وقال الفيروزابادي في القاموس،

стр. 144

(دون) بالضم، نقيض فوق، ويكون ظرفا بمعنى أمام ووراء وفوق ضد، وبمعنى غير، قيل ومنه ليس فيما دون خمس أواق صدقة، أي في غير خمس أواق، قيل ومنه الحديث، أجاز الخلع دون عقاص رأسها، أي بما سوى عقاص رأسها، أو معناه بكل شيء حتى عقاص رأسها، اهـ. أقول فقد رأيت نقل الفيروز أبادي عن أئمة اللغة أن (دون) تستعمل بمعنى (غير) لكن الاحتجاج على ذلك بالحديثين غير صحيح إذ يحتمل (دون) أن يكون في كل منهما بمعنى أقل، ولذلك حكاه بصيغة التمريض، ومعنى الحديث الأول، أن الزكاة لا تجب في أقل من خمس أواق من الفضة، والأوقية أربعون درهما. فالمقدار الذي تجب فيه الزكاة من الفضة لا يقل عن مائتي درهم، ومعنى الحديث الثاني، أن المرأة الناشز التي طلبت فراق زوجها كراهية له، يجوز أن تفتدي نفسها بكل ما تملك إلا ضفائر رأسها، هذا معنى الحديث، وقد اختلف الأئمة في هذه المسألة، وليس هذا محل ذكر الخلاف. وقال صاحب مجمع مجار الأنوار - وفيه (أي في الحديث) الحاكم يحكم بقتل، على من وجب عليه، دون الإمام، أي عنده أو هو بمعنى غير انتهى. وقال تعالى: في سورة الأنعام (١٤) ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. المعنى قل يا محمد، أغير الله أتخذ وليا، أتوجه إليه في جلب الخير ودفع الضر، والله خالق السموات والأرض، وغيره لا يخلق شيئا، بل هو نفسه مخلوق، والمخلوق لا يستحق أن يتخذ وليا، أي إلها، والله يطعم كل طاعم، ولا يحتاج إلى من

стр. 145

يطعمه، وكل طاعم، أي آكل محتاج إلى الله، والمحتاج لا يكون إلها. قل يا محمد لجميع الناس، إن الله أمرني أن أكون أول من أسلم وجهه إليه، ووحده في ربوبيته وعبادته، ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ خطاب للنبي ﷺ أو لكل من يصلح للخطاب، وقال تعالى في سورة الشورى (٦): ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ، اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. وقال تعالى فيها أيضا: (٩): ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وأمثال هاتين الآيتين كثيرة جدا في القرآن. والمراد بلفظ من (دونه) في آيتي الشورى هو بعينه المراد بغير الله في آية الأنعام فهذا تفسير القرآن بالقرآن، فماذا يقول فيه المعترض؟ وقال تعالى في سورة النجم (٥٧ - ٥٨) ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ والآزفة: القيامة. قال القاسمي في تفسيره: أي ليس لقيامها غير الله مبين لوقته كقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وكاشفة صفة محذوف، أي نفس كاشفة أو حال كاشفة، أو التاء للمبالغة، أو هو مصدر بني على التأنيث، ومن (دون الله) بمعنى غير الله، اهـ. أقول: ينبغي أن أمسك عِنان القلم بعد ما تبين الحق في هذه المسألة، ورجع المعترض، يجر أذيال الهزيمة، نادما على تفوه ما ليس له به علم. قوله (وهو فقيه، ولعله درس في الفقه زواج المرأة بدون مهرها أي بأقل من مهرها الخ)، أرجو أن أكون كما قال فقيها عند الله، وعند عباده المؤمنين، فقد قال النبي ﷺ (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)،

стр. 146

ذكره البخاري تعليقا في كتاب العلم من صحيحه، والعبارة التي ذكرها المعترض، ونسبها إلى كتب الفقه فاسدة، لم أرها في شيء من كتب الفقه التي اطلعت عليها من كتب أهل السنة، فإن كانت موجودة في فقه الشيعة الذين ينسب إليهم المعترض، فليذكر لنا أين وجدها، وعلى فرض وجودها، لا يصح الكلام إلا بتأويل، إذ ليس للمرأة مهر معين عند أهل الحديث، بدليل (التمس ولو خاتما من حديد) وبدليل (أملكناكها بما معك من القرآن) رواه البخاري وغيره، وحده بعض الفقهاء بربع دينار، لكن الفقهاء يقولون إذا لم يسم لها مهرا، أي صداقا، فلها صداق أمثالها، فإن صحت العبارة التي نسب إلى الفقه، كان الكلام على حذف مضاف (أي بدون مهر نظيراتها من النساء). وأنا لا أنكر أن دون تستعمل بمعنى أقل، بل كلامي لا يأباه، لأن (دون) هو الأقل منها، أي ناقص عنها، ولكن ضلاله كان في حصره معنى (دون) في أقل، وجهله أنها تكون بمعنى (غير) وبقية كلامه ساقط لا يحتاج إلى جواب. ٢ - واعتراضه على قولي (لعدم وجود أركانه) يقوله، لأن الوجود لا يعدم وإنما يعدم هو الموجود تنطع وتفلسف عقيم. قال في اللسان والقاموس - وجد من العدم فهو موجود، اهـ وقال الراغب في غريب القرآن: وقال بعضهم الموجودات ثلاثة أضرب، موجود لا مبدأ له ولا منتهى، وليس ذلك إلا الباري تعالى، وموجود له مبدأ ومنتهى، كالناس في النشأة الأخيرة، اهـ. وقال الراغب أيضا، الوجود أَضْرُب: وجود بإحدى الحواس الخمسة، نحو وجدت زيدا، ووجدت طعمَه، ووجدت صوتَه، ووجدت خشونته، ووجود بقوة الشهوة نحو، وجدت الشبع، ووجود بقوة الغضب، كوجود الحزن والسخط، ووجود بالعقل

стр. 147

أو بواسطة العقل، كمعرفة الله تعالى، اهـ. ومن ذلك تعلم أن وجود الشيء في نفسه هو ضد عدمه، ووجود الناس له، هو غير وجوده في نفسه، فإذا نفينا وجوده فقلنا لا وجود له انتفى باللازم وجود الناس له، أي إدراكهم إياه. وأركان التشبيه في الكاف الاستعمارية لا وجود لها في نفسها، ولا يدركها أحد، فوجود الناس لها معدوم، ولعل المعترض لا يفهم هذا المعنى، وهو متلهف إلى الطعن، فتوهم أنه وجد مطعنا، فارتد طعنه عليه في هذا كما وقع له في الأولى. فلا تحفرن بئراً تريد بها أخاً ... فإنك فيها أنت من دونه تقع كذاك الذي يبغى على الناس ظالما ... تصبه على رغم عواقب ما صنع قوله (إن الفصحاء لم يستعملوا كلمة (عدم) هذا الاستعمال) الخ، دعوى بلا دليل، ومتى نصبك الفصحاء قاضيا، ووضعوا زمام الفصاحة في يديك؟ ووكلوا أمرها إليك، تثبتها لمن تشاء وتنفيها عمن تشاء، ألا يحق لي أن أتمثل في حكمك هذا بالشطر الأول من قول الشاعر العربي القح: ما أنت بالحكم المترضى حكومته ... وأما الشطر الثاني فاتركه تكرها ٣ - قال المعترض: وقد خالف الفصاحة العربية باستعماله جمع القلة المنكر (أنفسا) مع أن مقتضى الحال يوجب استعمال (النفوس) أعني جمع الكثرة، فذوو الظلم كثيرون، أو كثير على الأفصح، وإنما قلت المنكر، لأن المعرف (بأل) أو الإضافة من هذا الجمع يجوز أن يستعمل للكثرة، الخ. يا أيها الناس: اقرءوا واسمعوا وتعجبوا من هذا المعترض الذي يصدر الأحكام واحدا بعد واحد بدون دليل ولا برهان، ولا استناد على قاعدة، ولا عزو إلى إمام فكأنه يظن أن القراء أطفال في المدرسة الابتدائية،

стр. 148

يتقبلون منه كلما حدثهم به، ودونكم ما قاله الأئمة في جمع القلة وجمع الكثرة، ونيابة أحدهما عن الآخر وضعا أو استعمالا. قال الأزهري في التصريح ج ٢ ص ٣٠٠، ما نصه: وله رأي لجمع التكسير الذي يتغير فيه بناء مفرده لفظا سبعة وعشرون بناء منها أربعة موضوعة للعدد القليل وهو من الثلاثة إلى العشرة بدخول العشرة على القول بدخول الغاية في المغيا، ولو قال وهو الثلاثة والعشرة، وما بينهما لكان أولى وهي أفعُل، بضم العين، كأكلب، جمع كلب، وأفعال كأجمال بالجيم جمع جمل، وأفعِلة بكسر العين، كأحمرة، جمع حمار، وفِعْلة، بكسر الفاء وسكون العين، كصِبْية جمع صبى، وخصت هذه الأوزان الأربعة بالقلة، لأنها تصغر على لفظها، نحو أكيلب، وأجيمال وأحيمرة، وصبية، بخلاف غيرها من الجموع فإنها ترد إلى واحدها في التصغير، وتصغير الجمع يدل على التقليل، وإليها أشار الناظم بقوله: أفعلة أفعل ثم فعلة ... تمت أفعال جموع قلة وليس من جموع القلة (فُعَل) بضم الفاء وفتح العين، كغرف، ولا (فعل) بكسر الفاء وفتح العين، كنعم، ولا فعلة بكسر الفاء وفتح العين، كقِرَدة خلافا للفراء. وثلاثة وعشرون موضوعة للعدد الكثير، وهو ما تجاوز العشر، وقد يستغنى ببعض أبنية القلة عن بناء الكثرة وضعا أو استعمالا، اتكالا على القرينة، قاله في التسهيل: قال الشاطبي: وحقيقة الوضع أن تكون العرب لم تضع أحد البناءين استغناء عنه بالآخر، والاستعمال أن تكون وضعتهما معا، ولكنها استغنت في بعض المواضع عن أحدهما بالآخر اهـ. فالأول كأرجل، جمع رِجْل بسكون الجيم، وأعناق جمع

стр. 149

عُنُق، وأفئدة جمع فؤاد قال الله تعالى: (٥، ٦) ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٨ - ١٢) ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ (١٤، ٤٣) ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ فاستغنى فيها ببناء القلة عن بناء الكثرة، لأنها لم يستعمل لها بناء كثرة. والثاني: كأقلام جمع قلم، قال الله تعالى: (٣١ - رقم الآية ٢٧) ﴿مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ والمقام مقام مبالغة وتكثير قطعا، وقد استعمل فيه وزن القلة، مع أنه سمع له وزن كثرة، وهو قلام، وقد يعكس، فيستغنى ببعض أبنية الكثرة عن بناء القلة وضعا أو استعمالا اتكالا على القرينة. فالأول كرجال جمع رجل بضم الجيم، وقلوب جمع قلب، وصردان بكسر الصاد، جمع صُرد، بضمها وفتح الراء، اسما لطائر، تقول: خمسة رجال بخمسة قلوب معهم خمسة صردان، فيستغنى بجمع الكثرة عن جمع القلة لعدم وضعه وليس منه، أي من هذا القسم، وهو ما لم تضع العرب له بناء قلة ما مثل به الناظم وأنبه من قولهم في جمع صفاة، وهي الصخرة الملساء، صفي بضم الصاد وكسر الفاء وتشديد الياء لقولهم في جمع قلتها، اصفاء حكاه الجوهري وغيره، بل هو من القسم الثاني، وهو ما وضعت العرب له بناء قلة، ولكنها استغنت ببناء الكثرة عنه كقوله تعالى (٢ - ٢٢٨) ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ نفسر ثلاثة بجمع الكثرة، مع وجود جمع القلة، كقوله ﷺ : (دعي الصلاة أيام إقرائك) وعلى ذلك يحمل قول الناظم: وبعض ذي بكثرة وضعا يفي ... كأرجل والعكس جاء كالصفي انتهى - وقد طالعت ما عندي من شرح الألفية كالأشموني بحاشية الصبان وابن عقيل وبحاشية الخضري وألفية ابن بونا بحاشيته، فوجدتهم لا يختلفون فيما نقلته عن التصريح،

стр. 150

واخترت كلامه، لأنه أوسع وأوضح. ومنه تعلم أن ما زعمه المعترض من أن جمع القلة لا يستعمل في موضع جمع الكثرة إلا إذا كان مضافا أو معرفا بالألف واللام، لا وجود له في كلام أولئك الأعلام ومحال أن يهملوه لو كان ثابتا في القواعد الصحيحة المسلمة. فنحن نطالبه بتصحيح النقل، إن كان ناقلا، وإن لم يكن ناقلا، فقد كذب على النحاة، واخترع قاعدة من عنديته، فإن جاء بالنقل عن بعض علماء اللغة قابلنا نقله بتلك النقول، وهي أكثر فيسقط نقله، أو يكون مرجوحا، ولو ثبتت القاعدة التي ادعاها ما أغنته شيئا، لأن جمع القلة المنكر قد استعمل في موضع جمع الكثرة في أفصح الكلام وأبلغه، وهو كتاب الله، قال تعالى في سورة لقمان: (٢٧) ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ والمقام يقتضي استعمال جمع الكثرة، ومع ذلك عدل عنه إلى التعبير بجمع القلة، اكتفاء بالقرينة، هذا مع أن للقلم جمع كثرة على (قلام). قال ابن منظور في لسان العرب، القلم: الذي يكتب به، والجمع أقلام وقلام، قال ابن بري: وجمع أقلام أقاليم، وأنشد ابن الأعرابي: كأنني حين آتيها لتخبرني ... وما تبين لي شيئا بتكليم صحيفة كتبت سرا إلى رجل ... لم يدر ما خط فيها بالأقاليم وقال أيضا في مادة: ط. ل. ح - وطلحة الطلحات، طلحة ابن عبيد الله بن خلف الخزاعي، ثم نقل عن ابن الأعرابي في طلحة هذا أنه، إنما سمي طلحة الطلحات بسبب أمه، وهي صفية بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة، زاد الأزهري، ابن عبد مناف، قال وأخوها أيضا طلحة بن الحارث، فقد تكنفه

стр. 151

هؤلاء الطلحات كما ترى، وقبره بسجستان، وفيه قال ابن قيس الرقيات: رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات قوله (أعظما) دفنوها، يريد عظام طلحة الطلحات المذكور، وهو من استعمال جمع القلة في موضع جمع الكثرة، لأن عظام الجسم كثيرة، وجمع القلة يدل على تسعة أو عشرة، فأين ما زعمه المعترض من أن جمع القلة إذا كان نكرة لا يستعمل في موضع جمع الكثرة. وقال تعالى في سورة القيامة: (٣) ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ فعبر بجمع الكثرة، لأن عظام الإنسان كثيرة، وعبر الشاعر بجمع القلة لوجود القرينة الدالة على أنه يريد الكثرة، فما يقول المعترض في هذه النصوص القاطعة؟ وهذه القواعد المحكمة؟ قوله (وكأنني بالدكتور) وقد قرأ هذا الاعتراض يلجأ إلى ثلاثة قروء. أقول في جوابه، أنا لا ألجأ إلى ثلاثة قروء، وإنما تلجأ إليها النساء وأشباههن من الرجال الذين يقاتلون من وراء جدر، وقد أقمت الدليل على بطلان ما ادعاه دون أن التجئ إلى ما توهمه. ٤ - قوله: فما معنى القنابل في اللغة العربية ؟ أقول في جوابه: جاء شقيق عارضاً رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح ومن قدمته نفسه دون غير ... رأى غيره التأخير ذاك التقدما أتظن أنه لا يعرف معنى القنابل والقنابر في الدنيا أحد غيرك، لقد كذبتك نفسك، أنا ما جاريت جهلة المترجمين، بل أنت

стр. 152

جاريتهم، وأجلبت بخيلك العجاف، ورجلك الضعاف، لتصحيح أخطائهم، وتقف في طريق المصلحين الناصحين لقومهم، لتكتسب بذلك شهرة، وما نقلت عن أولئك المؤرخين، ولم تسم أحدا منهم من استعمالهم القنبر والقنابر بالراء - لا يساوي عند علماء اللغة جناح بعوضة، لأنهم ليسوا من العرب، وكلامهم ليس بحجة، فالعرب لم تعرف هذه الأشياء المتفجرة التي تسمى في هذا الزمان (قنابل) وليس من واجباتها أن تضع لها لفظا، بل ذلك من واجباتنا نحن، وأنت تعلم أنه ليس للمتكلمين بالعربية دائرة معارف، أو موسوعة كما يسمونها، متفق عليها تجمع شتات ما نحتاج إليه، إما أن نستعمل اللفظ الذي اصطلح عليه جماهير الكتاب والقراء، ليكون كلامنا مفهوما عند قرائنا، وإما أن يخترع كل واحد منا ما يعجبه من الألفاظ فلا يفهمه أحد سواه، فكأنه يكتب لنفسه، لا لقراء كتابة أو مجلته، ولا شك أن الصواب هو اختيار الطريق الأول. وما المانع لنا أن نضع لفظ القَنْبَلة بفتح فسكون ففتح، الذي عبرت به العرب عن الطائفة من الناس ومن الخيل لما يسمى بالإنكليزية Bomb وبالفرنسية Bombe ولاسيما وقد شاع استعمال هذا اللفظ بين المتكلمين بالعربية من عرب وغيرهم، فيكون بالنسبة إلى أهل زماننا يدل على المعنيين كليهما؟ وما الذي يجعل لفظ (القنبر) أولى بالتعبير من القنبلة والقنبل، هل عندك شاهد من القرآن أو من كلام العرب الذين يحتج بكلامهم على صحة ما زعمت؟ أما القنبر في لغة العرب فدونكم معناه أيها القراء الأعزاء، قال ابن منظور في لسان العرب: والقبر والقبرة، والقنبر والقنبرة والقنبراء: طائر يشبه الحمرة، الجوهري القبرة واحدة القبر، وهو ضرب من الطير قال طرفة وهو يصطاد هذا الطير في صباه:

стр. 153

يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري ... قد ذهب الصياد عنك فابشري لا بد من أخذك يوما فاحذري ومثله باختصار في القاموس وفي حياة الحيوان للدميري ما نصه: القبرة، بضم القاف وتشديد الباء الموحدة، واحدة القبر، قال الجوهري: وقد جاء في الشعر (قنبرة) كما تقوله العامة، وقال البطليوسي في، أدب الكاتب، وقنبرة أيضا بإثبات النون، قال وهي لغة فصيحة، وهو ضرب من الطير يشبه الحمر، وكنية الذكر منه أبو صابر، وأبو الهيثم، والأنثى، أم العلعل، وأنشد أبيات طرفة المتقدمة، اهـ. فظهر مما تقدم أن استعمال القنبر فيما يسميه الأوربيون Bomb ليس من اللغة العربية في قبيل ولا ديبر: أقول لك أيها المعترض الكريم: إن احتجاجك بكلام غير العرب باطل، فالكلمة التي نبحث فيها لم تسمها العرب، لا قنبرة ولا قنبلة، ولنا أن نصطلح على تسميتها بما نشاء وليس ما يشتهيه بعضنا حجة على غيره، وأنا لا أعيب على المترجمين إلا خطأهم فيما عرفته العرب وتكلمت به، ومنعهم جهلهم من معرفته، فعبروا عنه بعبارات فاسدة، لا مستند لها، أما آلاف المحدثات من الأجرام والأعمال والآلات والمكتشفات فلا أتعرض لها، إذ لا يستطيع أن ينشرها إلا جماعة من العلماء اللغويين تنتخبهم الأمة العربية وتتلقى ما يضعونه من الكلمات بالقبول والاستعمال، ولا يستطيع شخص واحد أن يقوم بهذا العمل، فدع المغالطة واستقم، واقتصر على هذا القدر، وموعدنا الجزء التالي إن شاء الله.

стр. 154

تقويم اللسانين (١٥) تقويم اللسانين مستقيم وقد عدلت في تعديلك له عن العدالة (٢) ١ - قال المعترض الفاضل والناقد العادل: وقال (وعمت الفوضى في الإنشاء العربي) فما هذه الفوضى ؟ ومن استعملها هذا الاستعمال من فصحاء الأمة العربية؟ إنها من استعمال جهلة المترجمين الذين عاب عليهم الدكتور استعمالهم كلمات عربية في غير مواضعها، إنها ترجمة كلمة Anarchi. قال الأب بلو Belot في ترجمتها: عدم الحكم في الشعب، أمر فوضى، فالرجل على كونه غير عربي، استعمل الفوضى، صفة لا اسما كما استعملها الدكتور، فالفوضى صفة كالشتى، فالصواب، وعمت الحال الفوضى، وكأني بالدكتور يقول قد حذفنا الموصوف واتخذنا الصفة اسما، فنقول له، ليست هذه بقاعدة مطردة وأنت تدعو إلى اتباع كلام الفصحاء وأقوالهم، وهذا ليس بذاك ولا هناك، ثم ليس هذا موضع التدقيق والتحقيق، فنقول: إن الفوضى أصلها (الفضى) كشتى جمع شتيت، وهي مشتقة من الفعل (فضه يفضه فضا) أي فرقة تفريقا ثم أبدلت إحدى الضادين واوا، والتفرقة هي المعنى المراد بالفوضى، فالفوضى جمع كالشتى، تستعمل للجمع أو لما يمكن أن يتجزأ، وإن كان فكيف يجوز استعمالها اسما جامدا مع لزوم الوصفية الجمعية لها، اهـ. قال محمد تقي الدين: أيها المعترض الكريم، متى اصطفاك

стр. 155

فصحاء الأمة العربية نقيبا لهم، وفوضوا إليك أمر النقض والإبرام في الفصيح من لغتهم وغير الفصيح؟ لقد ارتقيت مرتقا صعبا، وطرت في غير مطارك، وأخاف عليك السقوط، إن ميزان الفصاحة ليس هو فهمك ولا ذوقك، وإنما هو قواعد وضعها الأئمة يرجع إليها ويعتمد في النقد عليها، وسأضع نقدك في الميزان، ليرى القراء، أيثقل، فتكون من المفلحين، أم يخف، فتكون من الخاسرين. وسنرى هل استعمالي لهذه الكلمة من استعمال جهلة المترجمين، أم نقدك أنت ينتمي إلى جهلة المنتقدين، أنا لم آخذ هذه الكلمة من معاجم آبائك الأجانب، لا من معجم بلو ولا من معجم غيره، وإنما أخذتها من كلام العرب الأقحاح، ومعاذ الله أن أكون في لغة قومي عالة على الأجانب، فاسمع ما يقوله أئمة اللغة العربية. قال ابن منظور في لسان العرب في مادة ف وض ما نصه، وقوم فوضى، مختلطون، وقيل هم الذين لا أمير لهم ولا من يجمعهم، قال الأفوه الأودي: لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا وصار الناس فوضى، أي متفرقين، وهو جماعة الفائض، ولا يفرد كما يفرد الواحد من المتفرقين، والوحش فوضى، متفرقة تتردد، اهـ. ومثله في القاموس للفيروزأبادي في مادة: ف وض، ثم قرأت مادة: ف ض ض، في القاموس فلم أجد فيها أثرا لما زعمه المعترض من أن أصل الفوضى، فضى، كشتى وشتيت، ولم يذكر للفوضى مفردا ومقتضى كلامه أن يكون فضيضا، وذلك ضل بتضلال. فالفوضى من مادة: ف وض، ومفردها (فائض) كما تقدم

стр. 156

من كلام لسان العرب، ومن المعلوم أن الهمزة في فائض منقلبة عن واو، قوله: كأني بالدكتور يقول. قد حذفنا الموصوف واتخذنا الصفة اسما. الخ، هذا كلام رجل لم يدرس علم النحو فهو يخبط خبط عشواء، أو كلما حذفنا الموصوف وجب علينا أن نتخذ الصفة اسما؟ من قال هذا من أئمة النحو؟ فهل درست ألفية ابن مالك أو ما يساويها من كتب النحو؟ الظاهر أنك لم تدرس شيئا من ذلك، فكيف تتصدر وتنصب نفسك حكما وإماما في علوم الأدب، وأنت لا تعرف ما في الألفية، يقول ابن مالك: وما من المنعوت، والنعت عقل ... يجوز حذفه، وفي النعت يقل قال ابن عقيل في شرحه: وهو أسهل شروح الألفية في شرح البيت السابق، يجوز حذف المنعوت وإقامة النعت مقامه إذا دل عليه دليل، نحو قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أي دروعا سابغات، وكذلك يحذف النعت إذا دل عليه دليل، لكنه قليل، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي البين، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي الناجين، انتهى. وقال الأشموني في شرحه لألفية ابن مالك، الشرح ممزوج بالمتن ما نصه: (وما من المنعوت والنعت عقل) أي علم (يجوز حذفه) ويكثر ذلك في المنعوت وفي (النعت يقل) فالأول شرطه، أما كون النعت صالحا لمباشرة العامل نحو ﴿أن اعمل سابغات﴾ أي دروعا سابغات، أو كون المنعوت بعض اسم مخفوض بمن أو في، كقولهم: منا ظعن ومنا أقام، أي منا فريق ظعن ومنا فريق أقام، وقوله: لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب ومسيم أصله لو قلت: ما في قومها أحد يفضلها لم تأثم، فحذف الموصوف وهو أحد، وكسر حرف المضارعة من تأثم، وأبدل

стр. 157

الهمزة ياء، وقدم جواب لو فاصلا بين الخبر المتقدم، وهو الجار والمجرور والمبتدأ المؤخر وهو أحد المحذوف، فإن لم يصلح ولم يكن المنعوت بعض ما قبله من مجرور بمن أو في، امتنع ذلك، أي إقامة الجملة وشبهها مقامه الأصلي إلا في الضرورة كقوله: لكم قبضة من بين أثرى وأقترا ... ترمي بكفي كان من أرمى البشر وقوله: كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع بين رجليه بشن انتهى. فظهر مما نقلته من كلام النحويين أنه يجوز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه بكثرة، بشرط أن تصلح الصفة التي حذف موصوفها لمباشرة العامل، بأن لا تكون جملة ولا شبه جملة، مع كون الموصوف فاعلا أو مفعولا أو مجرورا أو مبتدأ، لأن الجملة لا تصلح لذلك، قاله الخضري في حاشيته على ابن عقيل. وهذا الشرط ينطبق أتم الانطباق على عبارتي التي انتقدها المعترض جهلا وتهورا، فإننا نقول عمت الفوضى، أي الأحوال الفوضى، لا الحال كما قدره المعترض، لأن الحال مفرد والفوضى صفة للجمع كما تقدم في كلام لسان العرب، وهو كقوله تعالى في سورة سبأ: (١٠ - ١١) ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ يخبر الله تعالى أنه ألان الحديد، أي جعله لينا لداود قائلا له، اعمل دروعا واسعات ففي كلامه حذفت الأحوال وهي (فاعل) وأقيمت صفتها مقامها، وفي كلام العلي العظيم: حذفت (دروعا) وهي مفعول به، وأقيمت سابغات مقامها، وحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه يقال فيه، حدث عن البحر ولا حرج يستعمله الناس كل يوم في كتاباتهم وكلامهم بالعربية الفصحى

стр. 158

وبالعامية، ولا يكاد أحد يستغنى عن استعماله، قال الله تعالى في سورة المائدة: (٣٨) ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أي الرجل السارق والمرأة السارقة. وقال تعالى في أول سورة النور: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ أي الرجل الزاني لا ينكح إلا امرأة زانية، أو امرأة مشركة، وقال تعالى في سورة البقرة: (٢٨٠) ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ أي إن وجد شخص مدين ذو عسرة لا يجد ما يؤدي به دينه، فلا تضيقوا عليه وأمهلوه إلى أن يتيسر له قضاؤه. فكيف يزعم هذا المعترض المتخبط أن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه ليس من كلام الفصحاء، يا هادي الطريق ضللت: يا أيها الرجل المعلم غيره ... تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى هلا لنفسك كان ذا التعليم ... كيما يصح به وأنت سقيم أما إذا كانت الصفة جملة أو شبه جملة، فيشترط لحذف الموصوف بها أن يكون بعض اسم مجرور (بمن أو في) مثال المجرور بمن، قول العرب منا ظعن ومنا أقام، أي منا فريق ظعن، أي سافر، ومنا فريق أقام، ففريق الذي هو موصوف محذوف وهو بعض ما يدل عليه الضمير (نا) المجرور بمن، ومثال المجرور (بفي) قولهم، فينا سلم، وفينا هلك أي فينا فريق سلم وفريق هلك، وفيما سوى ذلك لا يجوز الحذف، قوله (لو قلت ما في قومها) البيت، قاله أبو الأسود الحماني يصف المرأة بالحسب والجمال. والموصوف المحذوف هنا تقديره (أحد) أي لو قلت أيها المعجب بها بجمالها وكمالها، ما في قومها أحد من النساء في الحسب،

стр. 159

وهو مفاخر الآباء والميسم، بكسر الميم، وهو الجمال لم تأثم، لأنك صادق في قولك، والمحذوف هنا وهو (أحد) بعض اسم مجرور بـ (في). قوله (لكم قبصة) البيت، وصدره، لكم مسجدا الله المزوران والحصى والحصى: العدد الكثير، وقِبصة بكسر القاف أيضا العدد الكثير من الناس، والشاهد في قوله من بين أثرى، والتقدير من بين رجل أثري، أي كثر ماله، ورجل أقتر أي قل ماله، فحذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه، مع أن الموصوف ليس بعض اسم مجرور بمن أو في لضرورة الشعر. أقول: إن كانت القصيدة التي مدح بها الكميت بني أمية كلها مثل هذا البيت، ولم يعاتبوه عليها، فإنهم كانوا حلماء. لأن البيت ركيك. وقوله (ترمى بكفى) البيت، التقدير، ترمى بكفى رجل كان من أرمى البشر، فحذف الموصوف وهو (رجل) وأقام الصفة مقامه، وهي جملة كان، وإنما فعل ذلك للضرورة كالذي قبله. قوله (كأنك من جمال بني أقيش) البيت، بنو أقيش بصيغة التصغير حي من العرب، وزعم بعضهم أنهم حي من الجن، وإبلهم وحشية شديدة النفور، وزعموا أنها كانت هي أيضا من الجن، والشن القربة اليابسة، ويقعقع يصوت، وجمال هذه القبيلة تنفر بدون سبب، فكيف إذا صوت مصوت بين أرجلها بضربه قربة يابسة، وأراد الشاعر ذم المهجو ووصفه بسرعة الغضب. والشاهد في حذف الموصوف للضرورة، والتقدير كأنك جمل من جمال بني أقيش، فإن قلت، وما الذي يضطرنا إلى تقدير هذا الموصوف، مع أن الكلام يتم بدونه، أقول، لو لم نقدره لم يكن في البيت ما يعود عليه ضمير رجليه، ولا بد له من شيء

стр. 160

يعود عليه أيها المعترض الكريم. أظنك أدركت زمان الإمام العلامة السيد محمود شكري الآلوسي، ﵀، ولم تكن من تلاميذه، بل حرمت الاستفادة من بحر علمه الغزير، ولم يصحبك التوفيق الذي صحب تلامذته، كالأستاذ محمد بهجة الأثري، وشاعر العرب معروف الرصافي وغيرهما، ولو أنك كنت من تلامذته لم تهد إلينا هذا الهذيان، متوهما أنه جواهر البيان. وقول المعترض: إن الفوضى، أصلها الفضى، كشتى جمع شتيت، وهي مشتقة من الفعل (فضه يفضه فضا) أي فرقه تفريقا، ثم أبدلت إحدى الضادين واوا، والتفرقة هي المعنى المراد بالفوضى فالفوضى جمع كالشتى، الخ. إن كان جمعا فما هو مفرده؟ على مقتضى زعمك يكون مفرده فضيضا، فإن كنت ناقلا فعليك بتصحيح النقل، فإني لم أجد في كتب اللغة أحدا أشار إلى شيء مما ذكرت، وقد تقدم أنه من مادة (ف وض) وإن كنت مخترعا لهذا الاشتقاق الفاسد، وظننت أنك تستطيع أن تروجه على قراء دعوة الحق أجمعين، فقد بلغ بك الغرور كل مبلغ. واعلم أيها القارئ العزيز، أنني لم أستفد لفظ الفوضى من كلام المترجمين الجاهلين أو العالمين كما هو شأن المعترض الذي اتخذ القسيس (انسطاس الكرملي) إماما معصوما في علوم اللغة العربية، ولم يأت علومها من أبوابها كما فعل غيره من أدباء العراق النبلاء، فكأن الشاعر عناه بقوله: إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ... ضللت، وإن تدخل من الباب تهتد وإنما أخذت ذلك اللفظ من شعر الأفوه الأودي أنشده بعض المؤلفين في علم العروض فقال:

стр. 161

لا يصلح الناس فوضى لا سُراة لهم ... والبيت لا يبتني إلا بأعمدة فإن تجمع أوتاد وأعمدة ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا ولا عمود إذا لم ترس أوتاد ... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا وليت شعري، ما معنى قوله: ثم ليس هذا موضع التدقيق والتحقيق؟ ما المراد بهذا أهو لفظ الفوضى؟ ، أم حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها؟ وأيهما قصده لم يكن لكلامه معنى. وقوله: فالفوضى، جمع كالشتى، تستعمل للجمع، أو لما يمكن أن يتجزأ، الخ أما كونها صفة جمع، فمسلم، ولكن إذا عرف ذلك، فكيف قدر موصوفها مفردا في تصحيحه الفاسد؟ بقوله فالصواب: وعمت الحال الفوضى؟ يصيب وما يدري ويخطي وما درى ... وكيف يكون النوك إلا كذلك ثم إن ادعاءه أن هذا اللفظ يكون صفة للجمع، أو لما يمكن أن يتجزأ، وإن كان مفردا، من أين علم أنه يكون صفة لما يمكن أن يتجزأ وإن كان مفردا، وما هو هذا الشيء الذي يتجزأ وهو مفرد، أهو جنة تتجزأ إلى أشجار؟ فنقول شجرة من جنة، أم روضة تتجزأ إلى أزهار؟ فنقول: زهرة من روضة، أم ماذا؟ ، وهل هذا الادعاء نقل أو اختراع؟ فإن كان نقلا فليصححه بأن ينسبه إلى قائله من الأئمة، وإن كان اختراعا فهو من تخيلاته الفاسدة ونيات غيره، فلا يساوي قلامة ظفر عند المحققين. ثم أقول له، والحال التي قدرتها محذوفة وجعلت الفوضى صفة لها والأمر الذي نقلته من كلام أبيك (بلو) الفرنسي وأعجبت به كل الإعجاب، هل هما من المفرد الذي يتجزأ؟ فكيف تجزئهما؟ أثلاثا أم أرباعا أم أخماسا، أو أجزاء لا يعرف عددها؟ هل فكرت

стр. 162

في هذا الأمر قبل أن تكتبه وترسله من بغداد إلى الرباط هدية ثمينة إلى أدباء المغرب وأدباء العالم؟ ما أخال أن أدباء العراق يرضون بخطتك هذه، ويعتبرونها شيئا مشرفا، وقد يعتبرونك كبراقش التي كانت تجني على أهلها، ونحن ننزه أدباء العراق المحققين عن مثل هذه السفاسف المرتجلة. ثم إن تمثيل الإمام ابن عقيل لحذف النعت أي الصفة بقوله تعالى في سورة البقرة: (٧١) ﴿قالوا، الآن جئت بالحق﴾ أي البين، فحذفت الصفة وهي البين، تمثيل غير صحيح، لأن موسى قال لهم ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزؤا، قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ فلم يكن بنو إسرائيل يعتقدون أن موسى أجابهم في أول الأمر بالحق المبهم، وفي آخر الأمر بالحق البين، بل ظنوا أنه يتخذهم هزؤا، وفهم موسى ذلك من كلامهم، فاستعاذ بالله منه، وعده من الجهل وهو السفه. وكذلك تمثيله بقوله تعالى في سورة هود (٤٦) ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي الناجين، لا حاجة إلى تقدير هذا النعت، لأن نوحا ﵇ حين قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ لم يرد بذلك أن يخبر أن الابن الهالك من ذريته، وإنما أراد أن يقول، إنه من أهله الذين يستحقون الرحمة والعفو لقربه من رسول الله نوح أحد أولي العزم، فأخبره الله أن ذلك الابن ليس من المؤمنين بما جاء به أبوه، فلا يستحق النجاة ولا الرحمة بالقرابة المجردة، فإنها لا قيمة لها عند الله، قال تعالى في سورة الطور: (٢١) ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. وقال تعالى في سورة الأنعام بعد ذكر الرسل: (٨٧ - ٨٨) ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ، وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فمن أشرك من ذرية الرسل

стр. 163

حبط عمله واستحق الخلود في العذاب، ولم تغن عنه قرابته من الرسول شيئا، والصواب ما مثَّل به الأشموني حيث قال والثاني كقوله تعالى: (١٨ - ٧٩) ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أي كل سفينة صالحة، وقوله: فلم أعط شيئا ولم أمنع ... أي شيئا طائلا وقوله: ورب أسيلة الخدين بكر ... مهفهفة لها فرع وجيد أي فرع فاحم، وجيد طويل. ٢ - قال المعترض، وقال (ربما استعمله بعض كبار الأساتذة الذين يرجى منهم المحافظة على صحة الاستعمال، أراد بالبعض هنا غير واحد منهم ، مع أن (بعض) لم تكرر في الجملة حتى تدل على غير الواحد فالمكررة كالقول الذي قاله الدكتور في نقده هذا (تحدث بعضهم إلى بعض) وكما في الآية الكريمة التي اتخذها شاهدا وهي (فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون) فإذا لم تكرر، وكان المضاف إليه الذي أضيفت ذا أجزاء منفصلة) أو ممكن فصلها دلت على واحد أو واحدة. أقول في جوابه بالعامية العراقية (ياباه شاباش) وبالعامية المصرية (عفارم) ما هذا العلم الغزير، والتحقيق البديع؟ والآن أضع في الميزان هذا النقد، ليعرف القراء الأعزاء قيمته. ادعى المعترض أن لفظ (بعض) إذا كرر دل على أكثر من واحد، وإذا لم يكرر، وكان المضاف إليه ذا أجزاء منفصلة، أو ممكن فصلها دل على واحد أو واحدة، أقول من وضع هذه القاعدة؟ إن كنت ناقلاً، فلم لم تَعْزُ ما نقلت إلى قائله وتذكر فيه الخلاف أو الإجماع إن كنت من المحققين كما تزعم، وإن كنت مخترعا،

стр. 164

ما أنت علي، ولا أبو الأسود، ولا الخليل ولا سيبويه، ولا من هو دونهم من النحاة واللغويين، فما تضعه من القواعد هوس لا قيمة له، وما أحسن ما قال بعضهم في أمثالك: تصدر للتدريس كل مهوس ... فحق لأهل العلم أن يتمثلوا لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... سفيه يسمى بالفقيه المدرس ببيت قديم شاع في كل مجلس ... كلاها وحتى سامها كل مفلس اسمع ما يقوله الأئمة في (بعض) قال ابن منظور في لسان العرب (بعض) الشيء، طائفة منه، والجمع أبعاض، قال ابن سيدة، حكاه ابن جني، فلا أدري أهو تسمح أم هو شيء رواه، واستعمل الزجاجي (بعضا) بالألف واللام فقال: وإنما قلنا البعض والكل مجازا، وعلى استعمال الجماعة له مسامحة، وهو في الحقيقة غير جائز، يعني أن هذا الاسم لا ينفصل عن الإضافة، قال أبو حاتم: قلت للأصمعي، رأيت في كتاب ابن المقفع: العلم كثير، ولكن أخذ البعض خير من ترك الكل، فأنكره أشد الإنكار وقال الألف واللام لا يدخلان في (بعض وكل). ومضى إلى أن قال وقوله تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ بالتأنيث في قراءة من قرأ به، فإنه أنث، لأن بعض السيارة سيارة، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه، لأن بعض الأصابع يكون اصبعا وأصبعين وأصابع، اهـ. تأمل قول ابن منظور في بيان قول العرب، ذهبت بعض أصابعه لأن بعض الأصابع، يكون أصبعا وأصبعين وأصابع، وكذلك (بعض الأساتذة) يكون أستاذا وأستاذين وأساتذة ولا فرق، فبطل بذلك ما زعمه المعترض من أن (بعضا) إذا لم يكرر يدل على واحد أو واحدة فقط. قوله: وشاهدنا كتاب الله العزيز ففيه: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ

стр. 165

السَّيَّارَةِ﴾ الخ أقول: نعم الشاهد كتاب الله. ولا حجة لك فيه، لأن لفظ (بعض) مذكر ومفرد، والضمير يعود عليه مفردا حسب لفظه، فليس فيه دليل على ما زعمت، لأننا نقول كما قال ابن منظور: إن (بعضا) إذا أضيف إلى جمع يدل على واحد أو اثنين أو أكثر، فنحن لا ننكر أنه يدل على واحد في بعض الأحيان، ولكننا ننكر ما ادعيت من أنه لا يدل إلا على واحد أو واحدة بالشرط الذي ذكرته من مخترعاتك. وقوله: ولولا أنزل على بعض الأعجمين فقرأه، أيها المعترض المسكين لقد استهدفت ونصبت نفسك للرماح دريته، نحن نعلم أن الله حرمك من حفظ القرآن ولكنه لم يحرمك من مصحف يوجد في خزانة كتبك فهلا راجعته قبل أن تحرف كتاب الله وتغيره، ففي أي سورة وجدت هذا اللفظ؟ وفي أي آية؟ لقد خانتك ذاكرتك الواهمة وأظنك تريد قوله تعالى في سورة الشعراء (١٩٨ - ١٩٩) ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وغاية ما في الآيتين أن (بعض) هنا تدل على واحد، وأنا لا أنكره، ولا حجة لك فيه، وكذلك يقال في آية التحريم وأما قول الشاعر: ولأنت تفرى ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى فلا أسلم أن (بعض) هنا تدل على واحد فقط، والقرينة والواقع يحتمان أنه يدل على أكثر من واحد، أما الواقع، فإن الذين يرسمون الخطط لعمل من الأعمال، ويعزمون على تنفيذها فريقان فريق ذوو عزائم ماضية وهمم عالية، ينفذون كل ما رسموا له خطة، وفريق ذوو عزائم واهية، وهمم سافلة، يقولون ما لا يفعلون ويعزمون على مالا ينفذون، ولا يمكن أن ينحصروا في واحد.

стр. 166

وأما القرينة، فإن الشاعر يريد أن ممدوحه من ذوي الهمم العالية الذين إذا قالوا فعلوا، وإذا وعدوا أنجزوا، وكثير من الناس تقصر هممهم عن التخلق بهذا الخلق، وعلى تأويل المعترض، يكون الناس كلهم ينجزون وعودهم ويوفون بعهودهم، وينفذون ما رسموا من الخطط إلا واحدا، فلا يكون فيه مدح، وقد ظهر أن هذا البيت حجة عليه ولا له. وأما بيت أبي دلامة وبيت بشار، فمع تسليمي لدلالة (بعض) فيهما على واحد أقول: لا حجة في كلام أحد من المولدين، وبشار بن برد كان مجوسيا عجميا، كان يزمزم على الطعام قبل أن يظهر إسلامه، ومع ذلك هو من فحول الشعراء المحدثين، ولا حجة في كلامه. أما قول لبيد: أو يعتلق بعض النفوس حمامها. فقد اختلفوا في دلالة (بعض) هنا، والصحيح أنها تدل على واحد، ولا حجة للمعترض فيه، لأن الخلاف بيني وبينه ليس في صحة دلالتها على واحد، وقال تعالى في سورة الزخرف: (٦٣) ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ، قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ، وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال الراغب في غريب القرآن: قال أبو عبيدة: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي كل الذي كقول الشاعر: أو يرتبط بعض النفوس حمامها ... وفي قوله هذا قصور نظر منه، وذلك أن الأشياء على أربعة أضرب: ضرب في بيانه مفسدة، فلا يجوز لصاحب الشريعة أن يبينه، كوقت القيامة، ووقت الموت، وضرب معقول، يمكن للناس إدراكه من غير نبي كمعرفة الله ومعرفته في خلق السموات

стр. 167

والأرض، فلا يلزم صاحب الشرع أن يبينه. ألا ترى أنه كيف أحال معرفته على العقول في نحو قوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وبقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ وغير ذلك من الآيات وضرب يجب عليه بيانه كأصول الشرعيات المختصة بشرعه، وضرب يمكن الوقوف عليه بما بينه صاحب الشرع كفروع الأحكام. وإذا اختلف الناس في أمر غير الذي يختص بالنبي بيانه فهو مخير بين أن يبين وبين أن لا يبين حسبما يقتضي اجتهاده وحكمته، فإذن قوله تعالى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ لم يرد به كل ذلك، وهذا ظاهر لمن ألقى العصبية عن نفسه، اهـ. قال محمد تقي الدين: قول الراغب (ضرب في بيانه مفسدة) الخ خطأه لأن صاحب الشريعة لا يعرف وقت القيامة لقوله تعالى في سورة الأعراف: (١٨٧) ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ وقوله سبحانه في سورة لقمان: (٣٤) ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. وقوله (وضرب معقول، يمكن للناس إدراكه) الخ، جرى في ذلك على مذهبه الاعتزالي أن العقل وحده كاف لمعرفة الله، والحق أن العقل وحده لا يكفى في ذلك، فلا بد من بيان الرسل، وسائر كلامه لا إشكال فيه. وعلى ما زعمه المعترض يكون معنى قوله تعالى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ ولأبين لكم مسألة واحدة من الذي تختلفون فيه، وكفى بقول يفضي إلى هذا فسادا، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة آل عمران: (٥٠) ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قال القنوجي في: فتح البيان، عن الربيع قال: كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حرم عليهم فيما جاء به موسى، لحوم الإبل والثروب، فأحلها

стр. 168

لهم على لسان عيسى وحرم عليهم الشحوم فأحلت لهم فيما جاء به عيسى، وفي أشياء من السمك وفي أشياء من الصيد، وفي أشياء أخر حرمها عليهم، وشدد عليهم فيها، فجاءهم عيسى بالتخفيف منه في الإنجيل، اهـ. فعلى قول المعترض لا يمكن أن يحل عيسى لبني إسرائيل إلا شيئا واحدا، وقد أحل لهم أشياء عديدة كما رأيت أيها القارئ الكريم، وهذه نصوص القرآن التي زعم أنها تنصره، فإذا بها تخذله لأنه ليس من أهل القرآن، لا حفظا ولا عملا وإيمانا، فإن القرآن يقول في سورة البقرة: (١٨٥) ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ، وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهو يأكل ويشرب في رمضان جهارا على أعين الناس، وهو شاهد غير مسافر، والقرآن يقول في غير ما آية: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وهو لا يقيم الصلاة، ولا يؤتي الزكاة ويحتج علي بنصوص الفقه في مسألة لغوية لا علاقة لها بالفقه. والمبتدئون من تلاميذ الأدب، فكيف بالعلماء يعلمون أن أقوال الفقهاء ليست حجة في اللغة، وهل سمعتم بفقيه لا يصلى ولا يصوم، ورأسه منذ عشرين سنة أبيض كالثغامة، يسوء الغانيات إذا رأينه؟ هذا آخر هذا المقال وموعدنا الجزء التالي بحول الله وقوته.

стр. 169

تقويم اللسانين (١٦) تقويم اللسانين مستقيم وقد عدلت في تعديلك له عن العدالة (٣) قال المعترض: وقال (فإن من كان عالما بالنحو في أي لغة كانت يتخذه مصباحا) وهذا التعبير كان أولى من غيره بتقويم اللسان، فإن مراده، من كان عالما بنحو لغة من اللغات يتخذه مصباحا، فاستعمل (أيا) هذا الاستعمال الغريب، وظن أن الضمير في (كان) يعود إلى اللغة، فألحق به تاء التأنيث، مع أن الفعل ينبغي أن يكون للعلم المفهوم من اسم الفاعل. وبيان ذلك من كان عالما بنحو لغة كائنا ما كان هذا العلم بالنحو، فإذا أراد اللغة وجب تقديمها فيقال (من كان عالما بلغة أي لغة كانت) فالفعل الذي يأتي بعد (أي) يعود ضميره إلى الاسم الذي قبلها وهذه أدنى مراتب الصحة أو دنياها، اهـ. أقول: هذا كلام رجل يجادل بالباطل ليدحض به الحق، قد شوى الحسد قلبه، وأغصه بريقه، فأراد أن يهدم ما بينته، ويفسد ما أصلحته " ﴿اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٨٢] ". قولي: في (أي) لغة كانت، جار ومجرور، في محل نصب متعلق بمحذوف حال من النحو، وكانت فعل تام، وفاعله ضمير مستترا جوازا تقديره، هي يعود على اللغة، وهذه الجملة في محل جر صفة للغة، وهذا كلام مستقيم لا إشكال فيه.

стр. 170

وقوله: فإذا أراد اللغة وجب تقديمها فيقال (من كان عالما بلغة، أي لغة كانت) أنا لم أرد العلم باللغة، وإنما أردت العلم بنحوها ولو أردت العلم بها لما وجب تقديم الموصوف مذكورا، فقد تقدم ما يشفي العليل ويروي الغليل في جواز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه بكثرة، وتقدمت الشواهد على ذلك، فمعنى كلامي من كان عالما بالنحو في أي لغة كيفما كانت، وهو واضح لكل ذي قلب سليم، وفهم غير سقيم. ١ - قال المعترض، وقال (ينتفع أهل الأرض بضوئها ودفئها وإنضاجها للثمار إلى غير ذلك) فكيف نصل (إلى غير ذلك) بالجملة، وهي لا تحتاج إلى (إلى) التي هي منتهى لابتداء الغاية، فلو قال (من ضوئها ودفئها إلى غير ذلك) لصح التعبير، فالصواب، العطف (غير ذلك) فتكون الجملة بضوئها ودفئها وإنضاجها للثمار إلى غير ذلك، اهـ. أقول: لقد طاش سهمك في هذه أيضا، ومن قال لك إن (إلى) محصورة في انتهاء الغاية ولو درست كتابا من كتب النحو المتوسطة لعرفت أن لها معاني أخرى غير انتهاء الغاية فدونك ما قاله الأشموني في شرحه لألفية ابن مالك في معاني (إلى) لتعلم أن ريحك لاقت إعصارا، وأن الحق لا يعدم أنصارا. قال الأشموني: وأما (إلى) فلها ثمانية معان: الأول: انتهاء الغاية مطلقا كما تقدم. الثاني: المصاحبة، نحو: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]. الثالث: التبيين، وهي المبنية لفاعلية مجرورها بعد ما يفيد حبا أو بغضا من فعل تعجب أو اسم تفضيل نحو: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾. الرابع: موافقة اللام نحو: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ وقيل لانتهاء الغاية، أي منته إليك. الخامس: موافقة في، نحو: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وقوله: فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب

стр. 171

السادس: موافقة مِنْ كقوله: تقول وقد عاليت بالكور فوقها ... أيسقى فلا يروى إلى ابن أحمرا السابع: موافقة عند كقوله: أم لا سبيل إلى الشباب وذكره ... أشهى إلي من الرحيق السلسل الثامن: التوكيد، وهي الزائدة، أثبت ذلك الفراء مستدلا بقراءة بعضهم ﴿أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ بفتح الواو، وخرجت على تضمين تهوى معنى تميل، اهـ. قال ابن منظور في لسان العرب: وتكون (إلى) بمعنى (مع) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] معناه مع أموالكم، وكقولهم، الذود إلى الذود إبل، وقال الله : ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي مع الله وقال : ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤] اهـ. فظهر أن استعمالي (لإلى) بمعنى (مع) صحيح مستقيم، وأن انتقاد المعترض سقيم. ٢ - قال المعترض: وقال (ورنفت صفو زلاله المعين مما يسوء كل طالب علم) فمن هنا للبيان والتفسير فكيف يكون الزلال لمعين مما يسيء كل طالب علم، وإذا عددناها للتعليل يكون ترنيق الصفو بسبب ما يسوء كل طالب علم وهو غير مراد الكاتب، فالصواب وذلك مما يسوء كل طالب علم على الابتداء والإخبار، اهـ. أقول: لم أقصد (بمن) بيانا ولا تعليلا، وإنما قصدت أن ترنيق الصفو مما يسوء كل طالب علم، إلخ، فهي هنا للتبعيض، والمبتدأ محذوف، التقدير: وهو أي الترنيق، مما يسوء إلخ، وهكذا يفهم أولو الألباب أجمعون، وإنما حمله

стр. 172

على التخطئة والتصويب ابتغاء العيوب وإلصاقها بالبراء، شأن كل مريب. ٣ - قال المعترض: وقال في الكاف التي سماها استعمارية (وهذا الاستعمال دخيل لا تعرفه العرب) أراد (لم تعرفه العرب) وإلا فإن العرب عارفة به، فالمراد نفي الماضي لا المستقبل، جاء في الصحاح (لا) حرف نفي لقولك، يفعل، لم يقع الفعل، إذا قال: هو يفعل غدا، قلت، لا يفعل غدا ولا تنفي الماضي إلا إذا كررت، أو عوض عن تكرارها، وليس هذا موضع الجدال، لأن الفعل في الجملة المنقودة مضارع جعلته (لا) للاستقبال مع أن المراد نفي معرفة العرب قديما، اهـ. أقول: من الشائع الذائع في كتب النحاة وعلى ألسنتهم، العرب لا تبدأ بساكن ولا تقف على متحرك، فهل معناه، لن تبدأ ولن تقف، بل المراد أنه ليس من عادتها ولا من شأنها أن تفعل ذلك، فالمعنى غير مقيد بالمعنى، ولو قلنا، لم تبدأ ولم تقف لم يحصل المراد، وكلام الصحاح قد ساء فهم المعترض له، فإن قوله (لا يفعل غدا) لا يدل على أن (لا) هي التي عينت الفعل للاستقبال، بل القرينة (غدا) هي التي عينته له قال ابن بونا في ألفيته: واجعل في الاستقبال الأمر واقعا ... وقل به والحال فيما ضارعا قال الناظم نفسه في شرح هذا البيت، أي المضارع، ولو (نفى) بلا خلافا لمن خصصها بالمستقبل، ومن وروده مع (لا) للحال قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، اهـ. فهذه حكاية حال ماضية، وهي تحكى بالمضارع كما رأيت شاهده في كتاب الله، ولكن فهم المعترض منحصر في دائرة

стр. 173

ضيقة لقلة علمه، ولأنه لم يأت البيوت من أبوابها. قال ابن منظور في لسان العرب في الكلام على (لا) ما نصه: قال الليث، العرب تطرح (لا) وهي منوية كقولك: والله أضربك، تريد والله لا أضربك، وأنشد: واليت آسى على هالك ... وأسأل نائحة ما لها فقول الليث وهو من أئمة اللغة: والعرب تطرح (لا) هو كقولي أنا (لا تعرفه العرب) إلا أن الفعل في كلامه مثبت، وهو في كلامي منفي (بلا) وقد تقدم أن (لا) لا تعينه للاستقبال، فبطل كلام المعترض، وقال ابن منظور أيضا، التهذيب، قال الفراء، والعرب تجعل (لا) صلة إذا اتصلت بحرف قبلها، وقال الشاعر: ما كان يرضى رسول الله دينهم ... والأطيبان أبوبكر ولا عمر ومثل هذا في أقوال أئمة اللغة كثير. وقوله: (وإلا فإن العرب عارفة به) من أعجب العجب، هل يستطيع أن يأتينا بدليل على أن العرب كانت تعرف الكاف الاستعمارية وتستعملها في كلامها؟ فأنا أتحداه أن يأتي بشاهد واحد عن العرب، بل لا يستطيع أن يأتي بدليل من كلام المولدين الذين جاءوا بعد العرب ولا يجده أبدا قبل هذا الزمان النحس، زمان الاستعمار المادي والسياسي واللغوي، والذي يؤسفني أن هذا المعترض يعلم يقينا أن هذه الكاف هي ترجمة Comme بالفرنسية، و AS بالإنكليزية و AIS بالجرمانية، وأن هذه الكلمات تأتي في هذه اللغات قبل الحال، وقد تأتي قبل غيرها، وتأتي للتشبيه أيضا، فاستعملها جهلة المترجمين استعمالا فاسدا، وهو يعلم فساده، ويجادل بالباطل عمدا ليغمط غيره

стр. 174

ويبخسه حقه، وينصب لنفسه عرشا يجلس عليه، ولم يدر أن من أم أن يرتفع بالباطل خفضه الحق، ولو أنه لم يجادل إلا فيما لا يعرفه، وقصر عنه فهمه لهان الخطب وما أحسن ما قال ذو الأصبع العدواني: الله يعلمني والله يعلمكم ... والله يجزيكم عني ويجزيني قوله (ولا تنفي الماضي إلا إذا كررت) باطل، فقد جاء الفعل الماضي في كلام العرب منفيا (بلا) غير متكررة، قال الشاعر: ردوا فو الله لا ذرناكم أبدا ... مادام في مائنا ورد لوراد قال العلامة المحقق أحمد بن أمين الشنقيطي العلوي في الدرر اللوامع شرح شواهد همع الهوامع للسيوطي بعد إيراد البيت المتقدم استشهد به على تعيين لماضي المنفي (بلا) للاستقبال، ذدناكم، كففناكم، وهو بالذال لا بالزاي، ولم أعثر على قائله، اهـ. واستشهد به أيضا على ذلك ابن بونا في حاشية ألفيته، واعلم أيها القارئ الكريم أن المضارع في كلام العرب يأتي بمعنى الماضي في مواضع، وأن الماضي يأتي للحال وللاستقبال بشروط وقرائن ذكرها السيوطي في همع الهوامع شرح جمع الجوامع له، وذكرها ابن بونا في ألفيته، وأظن أن المعترض لم يسمع بهذين الكتابين، فضلا عن أن يدرسهما، وحسبه ما كتبه إمامه القسيس (انسطاس الكرملي) والقسيس بلو الفرنسي، فبهما يصول ويجول ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. ٤ - قال المعترض: وقال (بين غث وسمين، وكدر معين) ظانا أن المعين هو الصافي والرائق مع أنه الجاري، وقد يكون الجاري رائقا أو كدرا بحسب أرضه وجريته ومنبعه وعينه وما

стр. 175

يحدث فيه، اهـ. أقول، صدق المعترض، فإن المعين هو الذي تراه العين، كما قال البيضاوي، وهو الماء الجاري، ولكن أكثر الماء الجاري، وهو البحر يكون صافيا على الدوام ولا يتكدر، فإن قيل إن البحر غير جار، نقول، بلى بدليل قول النبي ﷺ في الدعاء الذي كان يقوله إذا رأى قرية، اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب البحار، وما جرين، ورب الرياح وما ذرين .... الحديث، وإذا علمت أن ثلاثة أرباع الأرض يغطيها البحر، وأن الأنهار في أغلب الأوقات صافية، وكذلك العيون الجارية، ولا تكدر إلا عند نزول الأمطار وسيلان الأودية تعلم أن الجريان يلازم الصفاء، والتعبير باللازم وإرادة الملزوم شائع في كلام البلغاء والقرينة لا تبقي شكا في أني أريد الصافي، وكذلك قول الشاعر: إن حمامنا الذي نحن فيه ... أي ماء به! وأية نار! قد نزلنا به على ابن معين ... وروينا به صحيح البخار قوله (على ابن معين) فيه تورية، فالمقصود هو الماء المعين الصافي في الحمام، والمعنى الذي وري به هو الإشارة إلى الإمام الحافظ أحد أئمة الجرح والتعديل يحيى بن معين، وفي قوله صحيح البخار تورية، فإن المقصود بخار الحمام، والتورية بصحيح الإمام الحافظ أمير المؤمنين في الحديث أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، ومن المعلوم أن ماء الحمام غير جار ولكنه عبر باللازم وأراد الملزوم، والمناقشة في مثل هذه الصغائر من الشطط، والتماس العيوب للبراء. ٥ - قال المعترض: وقال (وستأتي في هذه المقالات إن شاء الله أمثلة عديدة توضح ذلك) أراد بعديدة (كثيرة) مع أن

стр. 176

العديدة هي المعدودة، قليلة كانت أو كثيرة، واستعمل (أمثلة) جمع القلة مع إرادته الكثرة، فالصواب مثل كثيرة، الخ. أقول: صدق المعترض في قوله: إن العديدة يراد به المعدودة، سواء أكانت قليلة أم كثيرة، إلا أن القرينة التي فهم بها هو (الكثرة) كافية لجعل القارئ يفهم الكثرة، واستعمال اللفظ في أحد مدلوله مع القرينة الصارفة عن إرادة مدلول الآخر شائع في كلام البلغاء جار على الأصول، لا سبيل إلى إنكاره فلا يعد عيبا ولا خطأ، إلا عند الذي أصيبت عين بصيرته بالحول، ونكب عن الصراط لمرض في قلبه ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. على أن ابن منظور في لسان العرب قال ما نصه، والعديد الكثرة، اهـ. وإذا كان العديد هو الكثرة، فلتكن العديدة كذلك، وعلى ذلك أقول: لو كان اعتراض هذا المعترض كله مثل هذين الاعتراضين الأخيرين لتلقيته بكل سرور، ولكن أكثره كان الباعث عليه القصور وسوء الفهم، أو إرادة السوء والغش المتعمد للقراء. وأما قوله: إن (أمثلة) جمع قلة، فقد تقدم الكلام عليه مستوفي في الجواب عن النقد الثالث. ٦ - قال المعترض، نعود إلى الكاف الاستعمارية التي جرب استعمالها في قول القائل (فلان كوزير لا ينبغي له أن يتعاطى التجارة) لأنه استعمال دخيل، مع أنه ذكر من معاني الكاف، (التعليل) فإذا قلنا: فلان لأنه وزير لا ينبغي أن يتعاطى التجارة، كان المراد مضمونا والمعنى واضحا، اهـ. أقول: إنني لا أحسن استعمال هذه الكاف، ولله الحمد، لأن طبعي يأباها كما يأباها طبع كل كاتب تعزف نفسه عن استعمال الألفاظ الدخيلة الاستعمارية التي غزت لغة الضاد،

стр. 177

وأفقدتها جمالها وفصاحتها، وأنا لا أعتقد أن المعترض يجهل هذا، ولكنه ركب رأسه، وحاد عن سواء السبيل بقصد أن يهدم ما بنيته من صروح الإصلاح فهدم نفسه كما قال المتنبي: وكم من مريد ضرَّه ضرَّ نفسه ... وهاد إليه الجيش أهدى وما هدى وزعمه أن الكاف الاستعمارية تؤول على أنها للتعليل زعم قليل، فقولنا: فلان كوزير لا يجوز له أن يتعاطى التجارة، لا يفهم منه أحد أن الكاف للتعليل إلا إذا كان فهمه عليلا، فاسمع أيها المعترض ما يقوله ابن هشام في المغنى. (الكاف المفردة) جارة وغيرها، والجارة حرف واسم، الحرف له خمسة معان، أحدها التشبيه، نحو زيد كالأسد، والثاني: التعليل أثبت ذلك قوم، ونفاه الأكثرون، وقيد بعضهم جوازه، بأن تكون الكاف مكفوفة بها، كحكاية سيبويه، كما أنه لا يعلم، فتجاوز الله عنه، والحق جوازه في المجردة من ما نحو: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أي أعجب لعدم فلاحهم، وفي المقرونة بما الزائدة كما في المثال، وبما المصدرية، نحو ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ الآية، قال الأخفش، أي لأجل إرسالي فيكم رسولا منكم فاذكروني، وهو ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ وأجاب بعضهم بأنه من وضع الخاص موضع العام، الذكر والهداية يشتركان في أمر واحد، وهو الإحسان، فهذا في الأصل بمنزلة: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ والكاف للتشبيه ثم عدل عن ذلك للإعلام بخصوصية المطلوب. وما ذكرناه في الآية من أن ما مصدرية، قاله جماعة وهو الظاهر وزعم الزمخشري وابن عطية وغيرهما أنها كافة، وفيه إخراج الكاف عما ثبت لها من عمل الجر بغير مقتض، واختلف في نحو قوله:

стр. 178

وطرفك إما جئتنا فاحبسنه ... كما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر فقال الفارسي: الأصل كيما فحذف الياء، وقال ابن مالك هذا تكلف، بل هي كاف التعليل، وما الكافة، ونصب الفعل بها لشبهها بكي في المعنى، وزعم أبو محمد الأسود في كتابه المسمى بنزهة الأديب، أن أبا علي حرَّف هذا البيت، وأن الصواب فيه: إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا ... لكي يحسبوا .... البيت شرح الغامض على بعض القراء من كلام المغنى. • قوله (جارة وغيرها) أي الكاف المفردة، منها كاف جارة، ومنها كاف غير جارة. • قوله (كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه) المعنى تجاوز الله عنه لأنه لا يعلم، أي غفر له لعدم علمه، أن ما فعله ذنب. • قوله (كما في المثال) يعني المتقدم من حكاية سيبويه، وهو كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه، فالكاف للتعليل، وما زائدة، والمصدر المؤول من أن وما بعدها فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت هكذا أعربه الأمير في حاشيته على المغنى والتقدير لثبوت عدم علمه سامحه الله فتجاوز عنه، والذي حمله على هذا التكلف أن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها، ولو اعتبرنا الفاء زائدة لم نحتج إلى هذا التقدير كله، فيكون الجار والمجرور متعلقا بما بعده، وهو تجاوز قوله (قال الأخفش: أي لأجل إرسالي) الخ فيه، إعمال ما بعد الفاء فيما قبلها، وقد سكت عنه الأمير، وهذا يدل على ما رجحته أنا في إعراب المثال المتقدم. • قوله (وقال بعضهم) الخ يعنى أن بعضهم جعل الكاف في (كما أرسلنا) للتشبيه وفي ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ لا للتعليل ومراده بالخاص إرسال الله الرسول، وذكر الناس لله

стр. 179

وشكرهم له يشملهم الإحسان، فالإرسال إحسان من الله إلى عباده، والذكر والشكر إحسان منهم في طاعته وعبادته، وبذلك يشبه قوله تعالى في سورة القصص: (٧٧): ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. •قوله (طرفك) الخ، هذا البيت لعمر بن أبي ربيعة، قاله السيوطي في حاشيته على المغنى، والمعنى، أن المحبوبة قالت للشاعر، بزعمه إن جئتنا فاحبس طرفك عني، وانظر إلى غيري ليظن الناس أنني لست محبوبتك، وأن محبوبتك حيث تنظر، وبذلك يبقى حبنا مستورا، فهكذا تستعمل كاف التعليل أيها المعترض المتعنت الغازي بلا سلاح، فلا جرم أن تكون عاقبتك الهزيمة والافتضاح. دعاني لشب الحرب بيني وبينه ... فقلت له لا لا، هلم إلى السلم فلما أبى ألقيت فضل عنانه ... إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم فكان صريع الخيل أول وهلة ... فبعدا له يختار جهلا على علم ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا، فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ، وَإِنْ تَنْتَهُوا، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ، وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ، وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. • قوله: ثم إنه لما عاب على القائل قوله لم يذكر له القول الصحيح فلنحسب أن القول المذكور دخيل، فما وجه الصواب؟ فالبراعة ليست في التخطئة وحدها، بل فيها وفي ذكر الوجه الصحيح، انتهى. أقول: أنا لا أعامل الكتاب كما يعامل معلم الإنشاء في المدرسة الابتدائية تلاميذه كما تفعله أنت، ثم إن الكاف الاستعمارية تستعمل ضروبا من الاستعمال الفاسد، وقد نقلت عن الأئمة معاني الكاف، واستعمالها بأمثلة موضحة من كلام

стр. 180

العرب، لا تبقي لبسا ولا إبهاما فإذا راعوا تلك القواعد، وتجنبوا الكاف الاستعمارية التي لا معنى لها، ولا ينطبق عليها كلام الأئمة، فليختاروا ما شاءوا من العبارات، لأن باب التعبير واسع، وضروب القول كثيرة، ومن تجنب الخطأ أدرك الصواب، فقولهم مثلا، حضر فلان المؤتمر كمراقب، فاسد، لأنه من باب تشبيه الشيء بنفسه، ولا يصح أن تكون الكاف للتعليل، كما زعم المعترض، إذ ينبغي أن يقال ليراقب، بلام التعليل، لأن استعمال القرآن والمثال الذي حكاه سيبويه كل ذلك يأبى أن نقول: حضرت المؤتمر كمراقب، ويراد بذلك: لأني مراقب. ٧ - قال المعترض: ونعود أيضا إلى منعه قول القائل (يجب علينا أن نسعى لخلق نهضة ثقافية) الخ، أقول في رده، الذي منع استعمال الخلق بمعنى الإيجاد والإنشاء، وخصه بنفسه سبحانه هو الله، والقرآن أكبر حجة في اللغة العربية على المؤمن به والكافر به، قال تعالى في سورة النحل: (١٧): ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ، أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فالذي يخلق هو الله والذي لا يخلق هو غير الله، فمن زعم أن غير الله يخلق، وكان ينتسب إلى الإسلام فقد كذب القرآن، وإن كان لا ينتسب إلى الإسلام، فهو جاهل باللغة العربية، فهما خطتا خسف. وقال تعالى في سورة النحل: (٢٠): ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ، وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. ومن المعلوم أن الآلهة التي اتخذوها من دون الله، منها من يعقل كالملائكة وعيسى وأمه، والصالحين، ومنها تماثيلهم التي يزعمون أن أرواحهم لا تفارقها، وهي الأصنام والأوثان، وقوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ يصدق على جميع ذلك، فمن
следующие страницы →