← Язык

Язык · id 150601

تقويم اللسانين

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (183 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يوردهم النار أي يدخلهم إياها وشبهت النار بالمورد وهو الماء الذي يقصد للشرب، والاستقاء أي أخذ الماء والتزود منه فعبر الكتاب العزيز بأورد، وأما قدم المسافر فهر بكسر الدال في الماضي وفتحها في المضارع، كما أشار إليه صاحب القاموس بقوله كعلِم. ٣ - ومن ذلك قولهم جلسة الأمس: يعنون بذلك الجلسة التي وقعت في نهار اليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه. وهذا خطأ سببه الجهل باللغة وعدم التفريق بين معنى الأمس بالألف واللام وأمس بدونهما وبين اللفظين بَوْن بعيد تضل فيه القطى، فإنه إذا جاء بالألف واللام معناه الزمان الذي قبل زمانك دون تعيين يوم قريب أو بعيد وأما أمس بدون الألف واللام فمعناه نهار اليوم الذي قبل يومك. وأما الليلة التي قبل يومك فتسمى البارحة وأكثر الكتاب لا يميزون بين أمس والبارحة فيظنوهما سواء قال سليمان بن عمر الملقب بالجمل في حاشيته على تفسير الجلالين عند قوله تعالى رقم (٢٤) من سورة يونس: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾. ما نصه: قوله بالأمس المراد به الزمن الماضي لا خصوص اليوم الذي قبل يومك، وأما أمس الذي هو اسم لنهار اليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه، ففيه لغتان للعرب: لغة الحجاز ولغة تميم، أما أهل الحجاز فهو مبني عندهم على الكسر في حال الرفع والنصب والجر تقول مضى أمسِ، بكسر السين، فهو فاعل مبني على الكسر في محل رفع. وتقول في النصب فعلت ذلك أمس، فأمس ظرف مبني على الكسر في محل نصب وتقول ما رأيته مذ أمس فمذ حرف جر، وأمس مبني على الكسر في محل جر، وفي كل هذه الأحوال تكسر السين من أمس بدون تنوين

стр. 107

أما لغة تميم فإنهم يجرونه على إعراب ما لا ينصرف تقول على لغتهم مضى أمسُ بالرفع بدون تنوين، فأمسُ فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في آخره وتقول في النصب فعلت ذلك أمسَ بدون تنوين فأمس ظرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره، وتقول في حال الجر ما رأيته مذ أمْسَ فمذ حرف جر وأمس مجرور وعلامة جره الفتحة النائبة عن الكسرة لأنه اسم لا ينصرف وعلى هذه قول الشاعر: لقد رأيت عجبا مذ أمسا ... يأكلن ما في رحلهن همسا عجائزا مثل السعالى خمسا ... لا ترك الله لهن ضرسا فقوله (مذ أمسَ) الألف زائدة لإطلاق القافية وأمس مجرور وعلامة جره الفتحة النائبة عن الكسرة لأنه اسم لا ينصرف، والسعالى جمع سعلاة، قال صاحب القاموس السِّعلاة والسعلاء بكسر السين فيهما الغول أو ساحرة الجن وتشبه المرأة العجوز عند إرادة ذمها بالسعلاة، قال الشاعر: يا قبح الله بني السعلاة ... زيد بن عمرو من شرار النات قاله يهجو بني زيد بن عمرو، وشبه أمهم العجوز بالسعلاة وقوله في آخر البيت من شرار النات يعني من شرار الناس بإبدال السين تاء. وقال أبو حيان في تفسيره المسمى بالبحر المجلد الخامس ص ١٤٤ في تفسير الآية المتقدمة ما نصه وقوله كأن لم تغن بالأمس مبالغة في التلف والهلاك حتى كأنها لم توجد قبل ولم يقم بالأرض بهجة خضرة نضرة تسر أهلها وهو من غنى بكذا، أقام به. قال الزمخشري والأمس مثل في الوقت كأنه قيل كأن لم تغن آنفا اهـ - وليس الأمس عبارة عن مطلق الوقت ولا هو مرادف لقوله آنفا لأن آنفا معناه الساعة. والمعنى كأن لم يكن لها وجود فيما مضى من الزمان، انتهى كلام أبي

стр. 108

حيان وهو واضح في أن الأمس تدل على الزمان الماضي قبل النطق بها من غير تعيين ليوم بعينه وقد خطأ أبو حيان الزمخشري في التعبير عن ذلك الوقت الماضي بقوله آنفا لأن معنى، آنفا: وقت قريب جدا من وقت النطق فلذلك عبروا عنه بالساعة أي في هذه الساعة. وهذا اللفظ بمعناه الذي أشار إليه أبو حيان موجود في سورة محمد رقم (١٦) قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ معناه: من المنافقين من يستمع إليك يا محمد، وأنت تحدث الناس، حتى إذا خرجوا من عندك قال المنافقون للمؤمنين الذين آتاهم الله العلم بكتابه وسنة رسوله، ماذا قال محمد آنفا أي في هذه الساعة حين كنا عنده، ولقد صدق أبو حيان في تخطئة الزمخشري فإن الأمس تدل على وقت من الزمان الماضي غير معين، وقال الإمام بن جرير الطبري في تفسيره الجزء الحادي عشر صفحة ٧٢ ما نصه قوله أتاها أمرنا ليلا أو نهارا يقول جاء الأرض أمرنا: يعني قضاءنا بهلاك ما عليها من النبات إما ليلا أو نهارا فجعلناها: يقول فجعلنا ما عليها حصيدا يعني مقطوعة مقلوعة من أصولها وإنما هي محصودة صرفت إلى حصيد كأن لم تغن بالأمس يقول كأن لم تكن تلك الزروع والنبات على ظهر الأرض نابتة قائمة على الأرض قبل ذلك بالأمس وأصله من غني (بكسر النون) فلان بمكان كذا، يغنى (بفتح النون) به إذا أقام به كما قال النابغة الذبياني: غنيت بذلك إذ هم لي جيرة ... منها بعطف رسالة وتودد يقول فكذلك يأتي الغناء على ما يتباهون به من دنياهم وزخارفها فيغنيها ويهلكها كما أهلك أمرنا وقضاؤنا نبات هذه الأرض بعد حسنها وبهجتها حتى صارت كأن لم تَغْنَ بالأمس كأن لم يكن قبل ذلك نبات على ظهرها انتهى كلام ابن جرير

стр. 109

وعبارة البغوي والخازن موافقة لما نقلنا عن الإمام ابن جرير، ثم تأملت كلام النسفي في تفسيره فوجدته قد اقتدى بالزمخشري فأخذ كلامه بلفظه وقد رأيت ما رد به أبو حيان عليه، وقال صاحب المصباح في (أمس) اسم علَم على اليوم الذي قبل يومك ويستعمل فيما قبله مجازا وهو مبني على الكسر وبنو تميم تعربه إعراب مالا ينصرف فتقول ذهب أمس بما فيه بالرفع، قال الشاعر: لقد رأيت عجبا مذ أمسا ... عجائزا مثل السعالى خمسا انتهى كلام المصباح - وقال ابن هشام في القطر، ص ٢٠ وأما أمس إذا أردت به اليوم الذي قبل يومك فأهل الحجاز يبنونه على الكسر فيقولون مضى أمس واعتكفت أمس، وما رأيته مذ أمس بالكسر في الأحوال الثلاثة، قال الشاعر: منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها حمراء صافية اليوم أعلم ما يجيء به ... وطلوعها من حيث لا تمسي وغروبها صفراء كالورس ... ومضى بفصل قضائه أمس انتهى كلام ابن هشام، ثم ذكر بعد ما نقلت عنه ما تقدم في كلام المصباح أن بني تميم يعربونها إعراب مالا ينصرف إلا أنه ذكر تفصيلا في ذلك لم أر نقله فراجعوه إن شئتم، وقد يدخل الألف واللام على أمس الذي يراد به نهار اليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه لضرورة الشعر قال: زهير بن أبي سلمى في معلقته: وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم ومن استعمال الأمس بمعنى الزمان الماضي قول بعض المحدثين:

стр. 110

إن الوجوه التي قد ... كنت تعرفها بالأمس كانوا هنا ... واليوم قد رحلوا يعني الأحبة كانوا هناك فيما مضى من الزمان واليوم لا يوجدون. وخير ما يحتج به في هذا المقام قول الله تعالى المتقدم ذكره في سورة يونس: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ ولا يصح بوجه أن يراد به كأن لم تكن قبل يوم واحد كما رأيت نصوص الأئمة في ذلك إذا تقرر هذا فاعلم أن صاحب لسان العرب وصاحب القاموس ذكرا كلاما مفصلا في أحكام (أمس) اللفظية ولم يحققا معناه إذا كان بالألف واللام وإذا كان بدونها وإذا أريد بأمس يوم من الأيام الماضية فإنه يعرب وينون تقول لم يقع ذلك في أي أمس من الأموس أي لم يقع هذا الأمر في أي يوم من الأيام الماضية ومن ذلك تعلم أن أمس إذا كان نكرة يجمع على أموس في جمع الكثرة وأمُس، بضم الميم، كفلس وأفلس في جمع القلة ويظهر لي أن أداة التعريف تدخل على أمس النكرة ولا تدخل على أمس إذا كان معرفة إلا لضرورة الشعر كما تقدم مثاله. ٤ - ومن ذلك قولهم في الشيء الذي هو في غاية الكمال أو الجمال (ممتاز) وهو مأخوذ من اللغات الأجنبية لأن العرب لا تقول في الاستحسان والتفوق ممتاز بل تقول حسن، جميل جدا، فائق، بلغ الغاية في الكمال، ونحو ذلك. أما الممتاز فهو الذي يتميز عن غيره، قال تعالى في سورة يس رقم (٥٩) ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ جاء في تفسير الجلالين في هذه الآية ما نصه: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ سلامٌ مبتدأ (قولا) أي بالقول خبره ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ بهم، أي يقول لهم سلام عليكم (و) يقول ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي انفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم، اهـ.

стр. 111

قال محمد تقي الدين في إعراب قوله تعالى سلام ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ وجوه أحدها ما ذكره وأحسن منه أن يقال سلام مبتدأ وسوغ الابتداء بالنكرة أمور منها العموم، وقولا مفعول مطلق لفعل مقدر، تقديره سلام. يقال لهم قولا، والجملة الفعلية في محل رفع، خبر المبتدأ، أما المعنى فهو أن الله يقول للمؤمنين السعداء: سلام عليكم، تكريما لهم وهم في دار كرامته ويقول للمجرمين الكافرين والمنافقين امتازوا اليوم أيها المجرمون انفردوا وتميزوا عن المؤمنين لتنالوا العذاب المهين، فالمجرمون ممتازون عن المؤمنين وليس ذلك من المدح في شي فقد يتميز الإنسان أو الشيء عن غيره بالحسن أو القبح أو السعادة أو الشقاء فإطلاق ممتاز للاستحسان من غزو اللغات الأوربية للغة القرآن نسأل الله أن يأخذ بيدها ويرد لها شبابها وجمالها، وقال صاحب القاموس وتميز القوم وامتازوا صاروا في ناحية، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي تميزوا وقيل انفردوا عن المؤمنين. ٥ - ومن الأخطاء الشائعة عند المذيعين والمعلمين إلا قليلا منهم كسر الجيم من جُدة وهي بضم الجيم مدينة معروفة على ساحل البحر الأحمر وهي فرضة مكة شرفها الله، قال صاحب القاموس والجُد بالضم ساحل البحر بمكة كالجدة، وجدة موضع بعينه منه، اهـ، نفهم منه أن الجُد بضم الجيم، والجدة بالضم أيضا اسم بساحل البحر بقرب مكة، وجدة موضع بعينه من ذلك الساحل. قال محمد تقي الدين: - وهذه الكلمة من مثلثات اللغة العربية التي هي بحر زاخر بالألفاظ والمعاني والمراد بالكلمة المثلثة هي التي يتغير معناها بتغير حركة الحرف الأول منها فيكون لها إذا فتح الحرف الأول منها معنى وإذا ضم يكون لها

стр. 112

معنى ثان وإذا كسر يكون لها معنى ثالث، فالجَدة، بفتح الجيم أم الأب وأم الأم والجُدّة بضم الجيم، ساحل البحر بقرب مكة، والجِدة بكسر الجيم، ضد البلى والقدم، وفي لغة القرآن من هذه المثلثات شيء كثير خصه بالتأليف إمام النحو قطرب فنظم قصيدة ضمنها كثيرا من المثلثات منها قوله: الغَمر ماء غزرا ... والغُمر ذو جهل سرا والغِمر حقد سترا ... من عجم أو عرب أفاد بذلك أن الغَمر بفتح الغين، هو الماء الكثير والغِمر بكسرها هو الحقد الكامن في الصدر والغُمر، بضم الغين هو الجاهل الذي لا يميز بين الحق والباطل، والحالي والعاطل وهكذا كل أبيات هذه القصيدة، ويوجد كتاب أوسع من ذلك وأشمل للمثلثات وهو مثلثات العرب لبعض المتأخرين واسمه حسن قويدر.

стр. 113

تقويم اللسانين (١١) ١ - ومن الأخطاء الشائعة في هذا الزمان في الإذاعة وعلى ألسنة الناس استعمال التصليح في معنى الإصلاح ، ولم نجد ذلك في كتب اللغة ولا في القرآن الكريم الذي هو أساس اللغة العربية، أما القرآن فقد قال تعالى في سورة النساء ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، وقال تعالى في سورة الحجرات ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وهو كثير في القرآن، وكله من أصلح، وأما كتب اللغة فقد قال صاحب القاموس (الصلاح) ضد الفساد كالصلوح، صلح، كمنح وكرم وهو صلح، بالكسر، وصالح، وصلح، وأصلح ضد أفسده، اهـ. ٢ - ومن العبارات المأخوذة من اللغات الأجنبية (الأوربية) التعبير عن علماء الدين برجال الدين وهو تعبير ظاهر الفساد لأن كل من كان له دين يدين به سواء أكان من العلماء بالدين أم لم يكن منهم فهو من رجال الدين، ورجال الدين عند النصارى هم أصحاب الرتب الدينية وهي متفاوتة عندهم كتفاوت رتب قواد الجيوش، فكما أن رتب قادة الجيش تبتدئ من ملازم وتنتهي في رتبة مشير فكذلك رتب رجال الدين عند طوائف النصارى، فعند الكاثوليكيين تبتدئ من أدنى قسيس يجوز له أن يؤم الناس في كنيسة وتنتهي في رتبة البابا، وعند

стр. 114

البروتستانتيين الذي لا يؤمنون بالبابا لهم رتب معلومة عندهم، أما الإسلام فليس فيه رهبانية ولا رتب دينية، ولكن ينقسم المسلمون إلى علماء بالكتاب والسنة وعلومهما ترجع إليهم العامة في الاستفتاء والقضاء وإمامة الصلاة، وليس في الإسلام رتب دينية ولا بابوية ولا رهبانية، ولا مجمع يمنح الرتب الدينية ويسلبها فالصواب إذن التعبير بعلماء الدين، قال تعالى في سورة المجادلة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] اهـ. ٣ - ومن الأخطاء الشائعة التي يأسف لها من كان عنده أدنى شيء من محبة اللغة العربية والغيرة عليها جمعهم المدير وهو الذي يدبر شؤون مصلحة من مصالح الدولة على مدراء توهما منهم أنه من باب فَعِيل بفتح الفاء وكسر العين، الذي يجمع على فُعَلاء بضم الفاء وفتح العين، كحكيم وحُكماء وكريم وكُرماء وبخيل وبُخلاء، وبينهما بون شاسع، لا يلتبس أحدهما بالآخر إلا على من ليس له من علم اللغة العربية أدنى نصيب، فإن المدير وزنه مفعل من أدار يدير الرباعي فالصواب جمعه جمع مذكر سالما على مديرين، كمقيم من أقام يجمع على مقيمين، قال الله تعالى في سورة الحج، وبعد قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٤، ٣٥] قال ابن مالك في الألفية: ولكريم وبخيل فعلا ... وناب عنه أفعلاء في المعل كذا لما ضاهاهما قد جعلا ... لاما ومضعفا وغير ذلك قل قال ابن عقيل في شرح هذين البيتين، من أمثلة جمع الكثرة فعلاء هو مقيس في فعيل بمعنى فاعل صفة لمذكر عاقل غير

стр. 115

مضاعف ولا معتل نحو ظريف وظرفاء وكريم وكرماء وبخيل وبخلاء وأشار بقوله كذا لما ضاهاهما إلى ما شابه فعيلا في كونه دالا على معنى وهو كالغريزة يجمع على فعلاء، نحو عاقل وعقلاء وصالح وصلحاء وشاعر وشعراء وينوب عن فعلاء في المضاعف والمعتل أفعلاء نحو شديد وأشداء وولي وأولياء وقد يجيء أفعلاء جمعا لغير ما ذكر نحو نصيب وأنصباء وهين وأهوناء، والقياس نصباء وهوناء. توضيح لكلام ابن عقيل: رب قائل يقول إن كلام ابن عقيل واضح لا يحتاج إلى توضيح، وتوضيح الواضحات من الفاضحات، فأقول على رسلك إني أحب أن يستفيد من هذه المقالات، القراء كلهم أو أكثرهم وأنا أعلم أن فيهم ضعفاء يصعب عليهم أن يفهموا كلام ابن عقيل فهما تاما ولذلك يدرس في الجامعات والمعاهد ولو كانت قراءته تكفى ما احتاج الطلبة إلى مدرسين يوضحونه لهم، فأقول في توضيحه فيه مسائل: الأولى: - إن هذا الجمع وهو فعلاء وأخوه أفعلاء من جموع الكثرة وقد تقدم ذكر جموع القلة في هذا الباب من كلام ابن مالك وشرحه لابن عقيل وهي أربعة. الثانية: قوله كل فعيل بمعنى فاعل احترز به من فعيل بمعنى مفعول كقتيل بمعنى مقتول وجريح بمعنى مجروح وكحيل بمعنى مكحول وكسير بمعنى مكسور فقد تقدم ذكر جمعها فبخيل إذا وصف به شخص فهو فاعل البخل وهو المتصف به وكريم وهو فاعل الكرم المتصف به وهكذا يقال في ظريف وشريف وعظيم وما أشبه ذلك. الثالث: احترز بقوله (صفة) من فعيل اسما كقضيب

стр. 116

فلا يجمع على فعلاء واحترز بقوله (مذكر) من مؤنث كشريفة المؤنث فإنه يجمع على شرائف وشريفات، واحتزر بقوله، عاقل من فعيل صفة لغير العاقل كمكان فسيح أي متسع فلا يجمع على فعلاء بل يجمع على فسح، بضمتين، واحتزر بقوله، بمعنى فاعل من فعيل بمعنى مفعول كقتيل، وقد تقدمت الإشارة إليه. واحتزر بقوله غير مضاعف من المضاعف كشديد وخليل فإنهما يجمعان على أفعلاء كما سيأتي قريبا، واحتزر بقوله غير معتل اللام من معتل الآخر كولي وصفي فإنهما يجمعان على أفعلاء. الرابعة: إن ما شابه فعيلا المذكور في معناه وإن خالفه في لفظه يجمع كذلك على فعلاء إذا كان دالا على معنى هو كالغريزة أي لازم لمن اتصف به لا ينفك عنه كعاقل وعقلاء وصالح وصلحاء وما أشبه ذلك فعاقل وصالح يشبهان بخيلا وكريما في المعنى لأنهما يدلان على صفة لازمة للموصوف بخلاف آكل وضارب فإنهما صفتان لا تلازمان الموصوف وإنما يتصف بهما في بعض الأحيان. الخامسة: إذا كان فعيل مضاعفا، أعني أن عينه ولامه حرف واحد متكرر كشديد وجليل فإنه ينوب عن فعلاء أخوه أفعلاء فتقول أخلاء وأشداء وأجلاء، وكذلك إذا كان معتل اللام كولي وغني وسخي فإنه يجمع على أفعلاء كأولياء وأغنياء وأسخياء. السادس: جاء جمع فعيل على أفعلاء لغير ما ذكر بقلة فيما لم توجد فيه الشروط المتقدمة كنصيب وأنصباء فإن نصيباً اسم وليس بصفة وهين وأهوناء فإنه ليس فعيلا وهو صفة ليست خاصة بالعقلاء. ٤ - ومن المصائب التي جاء بها الاستعمار الأجنبي

стр. 117

(العملية) استعملوها أولا في الجراحات الطبية فأخذوا يقولون فلان أدخل المستشفى فأجريت له عملية جراحية ثم توسعوا فيها فصاروا يعبرون بها عن كثير من الأعمال فيقولون عملية التفتيش وعملية إنزال البضائع من الباخرة فيقحمونها قبل مصدر يدل على المعنى المطلوب فتكون عبثا وتكثيرا للكلام بلا فائدة وهذا الاستعمال مأخوذ من اللغات الأجنبية ترجم بها جهال المترجمين الكلمة الفرنسية operation وبالإنكليزية آبريشن، ولم تستعملها العرب ولا من جاء بعدهم من الكتاب والشعراء والمؤلفين واستعمالها يخدش وجه اللغة العربية ويشينها فينبغي للأديب الذي يحافظ على جمال لغة القرآن وفصاحتها ألا يستعملها في إنشائه فإن كان ولا بد فليقل علاج جراحي أو عمل جراحي، أما عملية التفتيش أو عملية إنزال البضائع من الباخرة ففي مثل ذلك يحذفها ويعبر بالتفتيش أو إنزال البضائع بدون ذكر العملية وبالله التوفيق. ٥ - ومن الكلمات الدخيلة التي جاء بها هذا العصر التبسيط يقال شرح الكتاب شرحا بسيطا ويقال يجب تبسيط كتب النحو يريدون بذلك التسهيل. أخذ ذلك من لفظ بسيط وقد تقدم انتقاد استعماله في نقد استعمال البساطة للتعبير عن السهولة في النقد الثاني عشر من تقويم اللسانين وهذا أيضا مما أخذ من اللغات الأجنبية بلا علم ولا هدى قال صاحب القاموس المحيط بسطه، نشره كبسطه بالتشديد اهـ فالبسط والتبسيط معناهما التوسيع والنشر قال الله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، وقال تعالى في سورة القصص في قصة قارون لما رآه الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها حين خرج عليهم بزينته وأمواله: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩].

стр. 118

فرد عليهم الذين أوتوا العلم والإيمان بقولهم: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص: ٨٠] مما أوتي قارون من بهجة الحياة الدنيا وزينتها فلما رأوا ما حل به من الهلاك حين خسف الله به وبداره الأرض ندموا على ما فرط منهم كما حكى الله عنهم بقوله ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢] قوله سبحانه يبسط الرزق لمن: أي يوسعه لمن يشاء من عباده، ويقدر أي يضيقه على من يشاء من عباده، وقولهم شيء بسيط هو ترجمة للكلمة الأجنبية simple يراد به شيء سهل غير مركب غير معقد وأخذوا منه بجهلهم بسّطه بتشديد السين جعله بسيطا أي سهلا غير معقد أو قليلا أو حقيرا، وكل ذلك ضلال مبين. ٦ - ومن الأمثال العربية قولهم ليس الخبر كالعِيان بكسر العين ومعناه لا يستوي ما سمعته وأخبرت به وما رأيته بعينك وقد نظم هذا المعنى شاعر، فقال: يا ابن الكرام لا تدنو فتبصر ما ... قد حدثوك فما راءٍ كمن سمعا فالعيان، بكسر العين، هو المعاينة والمشاهدة أي الرؤية بالعين وكثير من المتكلمين بالعربية يفتح العين في العيان فتعمى الكلمة أي تفسد فإبصارها في كسرها وعماها في فتحها ومن كان عنده علم بقواعد العربية يدرك ذلك لأن العيان بكسر العين مصدر عاين ومثله المعاينة كقاتل قتالا ومقاتلة وجادل جدالا ومجادلة وحاسبه حساباً ومحاسبة، قال ابن مالك في الألفية: لفاعل الفعال والمفاعلة ... وغير ما جر السماع عادله ٧ - ومن الأخطاء الشائعة بين المذيعين والقراء قولهم كسب فلان المعركة والسباق، بكسر سين كسِب ، والصواب فتحها في

стр. 119

الماضي وكسرها في المضارع قال تعالى في سورة البقرة: «لَهَا مَا كَسَبَتْ» بفتح السن، وقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِه﴾ [النساء: ١١١] فقوله لها ما كسبت أي لكل نفس جزاء ما عملت من خير، وعليها عقاب ما اكتسبت من شر، وقال صاحب القاموس كسَبه بفتح السين يكسِبه بكسرها كسباً وتكسب واكتسب طلب الرزق أو كسب أصاب واكتسب تصرف وبإنعام النظر في ما نقلته هنا يظهر لك خطأ آخر وهو استعمال لهم كسب بمعنى ربح كأنه يقابل خسر فيقولون ليس في هذه الصفقة كسب بل فيها خسارة وقد عرفت فساد ذلك. ٨ - ومن الأخطاء التي يقع فيها كثير من المذيعين والقراء كسر الذال من كذب وهذا الفعل لفظه مشهور جدا مذكور في القرآن وهو بفتح الذال من الباب الثاني من الفعل الثلاثي كضرب يضرب بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع ومن ضعف اللغة العربية في هذا الزمن أن أكثر المدرسين والطلبة المتخرجين في الجامعات لا يعرفون الأبواب الستة التي أولها فعَل يفعُل بفتح العين في الماضي وضمها في المضارع وثانيها فعَل يفعِل بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع كضَرب يضرِب وكسب يكسب، وثالثها فعَل يفعَل بفتح العين في الماضي والمضارع كنصح ينصح وقطع يقطع وهذا الباب لا بد أن يكون عينه أي الحرف الثاني منه أو لامه الحرف الثالث منه حرف حلق، ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا فعل واحد وهو أبَى يأبى فإن عينيه وهي الباء مفتوحة في الماضي والمضارع مع أن عينه ولامه ليستا من حروف الحلق، فهذا الباب محصور في كون عينه أو لامه حرف حلق إلا ما استثنى. غير أن الأفعال التي عينها أو لامها من أحرف الحلق لا تنحصر في هذا الباب بل تكون فيه وفي غيره كدخل يدخل فإنه من باب نصر ينصر، وصحب يصحب فإنه من الباب الرابع

стр. 120

الذي سنذكره بعد وكنت أشبه ذلك في زمن الاستعمار حين أقرر هذه القاعدة للطلبة بالدولة المستعمرة بكسر الميم، والشعب المستعمَر بفتحها ففعَل يفعَل بفتح العين في الماضي والمضارع شبيه بالشعب المستعمر لا يجوز له أن يخرج من الحلق فإن الشعب الذي تستعمره فرنسا مثلا لا يجوز لأحد من أهله وإن كان ملكا أن يتصل بدولة غير فرنسا والشعب الذي تستعمره بريطانيا لا يجوز لأحد من أهله وإن كان ملكا أن يتصل بدولة أخرى كفرنسا مثلا، وقد وقع لي مثل ذلك حين كنت ضيفا على ملكة (بهوبال) في زمن الاستعمار الإنكليزي في الهند فقد جاءها بعض المتعصبين المبغضين لأهل الحديث، نضر الله وجوههم في الدنيا والآخرة وبالخصوص العالم المحدث الشيخ محمد بن حسين بن محسن الحديدي الأنصاري اليمني إلى الملكة وقال لها إن هذا الشخص الذي في ضيافتك وهو محمد تقي الدين الهلالي ليس عربيا من جزيرة العرب كما أخبرك به شيخه، ولكنه من عرب المغرب، ومن شروط الحماية البريطانية التي يجب عليك التزامها أن لا تتصلي بدولة أجنبية ولا برعاياها فراجت هذه المكيدة على الملكة وأرسلت إلي تعتذر وأمرت رئيس الضيافة الكرنل عبد القيوم خان أن ينقلني من دار الضيافة الملكية إلى بيته ويكرمني ولم يأذن له في ذلك شيخنا المذكور ﵀ ونقلني إلى ضيافته تغمده الله برحمته. أما الأفعال التي يوجد فيها حرف الحلق عينا أو لاماً فهي كالدولة المستعمرة حرة تخالط أهل مستعمراتها وتخالط من تشاء من الدول. الرابع: فعِل يفعَل بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع وهذا قياس مطرد سواء أكان متعديا كعلِم يعلَم أو لازما كفرح يفرح.

стр. 121

الخامس: فعُل يفعُل بضم العين في الماضي والمضارع معا كحسن يحسن وعظم يعظم وكرم يكرم. السادس: فعِل يفعِل، بكسر العين في الماضي والمضارع معا كورث يرث وولي يلي وعدد هذا القسم لا يزيد على ستة أفعال وهي على هذا الترتيب في الكثرة والقلة في كلام العرب، والباب الأول والثاني سماعيان لا ينضبطان إلا بالحفظ، والثالث كثير في كلام العرب يقرب أن يكون قياسيا، أما الرابع والخامس فهما قياسيان، والسادس قليل عدده، سهل حفظه، فإن قيل هذه الأفعال غير القياسية التي تحتاج إلى الحفظ هي مما جعل اللغة العربية صعبة التعلم، وجعل الشباب يعرضون عنها ويقبلون على اللغات الأوربية، أقول في جوابه: من جهل شيئا عاداه، إن اللغة العربية أسهل من اللغات الأوربية الشائعة، فالفرنسية فيها أفعال وتصاريف خارجة عن القياس، تزيد على الألف وفيها صعوبات أخرى ليس هذا مقام بسطها واللغة الإسبانية مثلها في صعوبة معرفة الأفعال، واللغة الألمانية فيها صعوبات كثيرة جدا في أفعالها وأسمائها ومعرفة المبني والمعرب من الأسماء وإعرابها أصعب، من إعراب اللغة العربية لأن المعربات في اللغة الألمانية، لا يتغير إعرابها لا في الوقف، ولا في الوصل، وفيها صعوبات أخرى، ليس هذا محل بسطها، وأما الإنكليزية فإن أكثر كلماتها تكتب بخلاف ما تقرأ وقد عكف أحد كبار العلماء البريطانيين على دراسة هذه المسألة فخرج بنتيجة وهي أن التلميذ الإنكليزي لو كتب اللغة الإنكليزية كما ينطق بها لوفر ذلك عليه سنتين كاملتين يتفرغ فيهما لدراسة علوم أخرى وطرح بحثه أمام مجلس العموم الإنكليزي فاختلف النواب فأخذت الآراء وذلك ما يسمى بالاقتراع أو أخذ الأصوات فكان أكثر الآراء مع المانعين لتغيير كتابة اللغة الإنكليزية القائلين نكتبها

стр. 122

كما كتبها أسلافنا وإن كانت معرفة الكلمات على ما هي عليه يكلف أبناءنا دراسة سنتين كاملتين، والحق أن السبب الذي بغَّض الناس في اللغة العربية ليس إعرابها ولا صعوبة قواعدها ولكن خذلان أهلها لها، وعدم شعورهم بواجب خدمتها فضيعوها كما ضيعوا غيرها من الواجبات. وإلى اللقاء في المقال التالي بعون الله. كتب بالمدينة النبوية في ليلة سابع رمضان المبارك سنة ١٣٩١

стр. 123

تقويم اللسانين (١٢) ١ - شاع في هذا الزمان قولهم (تأكدت من شيء) وأنا متأكد منه ، وهو خطأ قال في اللسان (أكد العهد والعقد لغة في وكده وقيل هو بدل والتأكيد لغة في التوكيد) فقال صاحب القاموس (أكد الحنطلة رأسها وأكده تأكيدا وكده والأكيد الوثيق) وقال صاحب المنجد (أكد ووكد العهد أو السرج شده وأوثقه تأكد وتوكد توثق واشتد، الأكيد المحكم الوثيق، وقال أيضا أكد ووكد الشيء قرره، تأكد وتوكد تقرر، الأكيد: الثابت) اهـ. وقال البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ بعد توثيقها بذكر الله تعالى. ومنه أكد بقلب الواو همزة اهـ - وقال الأشموني في شرح الألفية التوكيد هو في الأصل مصدر ويسمى به التابع المخصوص، ويقال أكد توكيدا تأكيدا، وهو بالواو أكثر. شرح ما تقدم: قول صاحب اللسان أكد العهد والعقد لغة وكده نفهم منه أن التوكيد أصله بالواو. والتأكيد بالهمزة لغة فيه وقال بعضهم ليس هو لغة، وإنما أبدلت الواو همزة. فعلى القولين يقال أكدت العهد واليمين ووكدتهما توكيدا وتأكيدا فهما موكدان ومؤكدان،

стр. 124

وقول صاحب القاموس أكد الحنطة داسها أي درسها ليتميز حبها من تبنها. والحنطة هي البُر بالضم، وتسمى القمح فالحنطة مأكودة، - وأكده تأكيدا أكد العهد أو اليمين يؤكده تأكيدا ووكده كذلك فهو موكد ومؤكد. ووكده بالتخفيف ثلاثيًا وأكده فهو موكود وأكيد وفعيل هنا بمعنى مفعول والتوكيد التوثيق، وقول صاحب المنجد أكد ووكد العهد أو السرج شده وأوثقه، نفهم منه أن توكيد العهد واليمين توثيق معنوي وتوكيد السرج توكيد حسي، وتأكد العهد أو السرج مطاوع أكد. وعليه نقول أكدت العهد والخبر والسرج مثلا، فتأكد أي توثق وصار محكما، والعجب من صاحب اللسان وصاحب القاموس إذ أهملا فعل المطاوعة وهو تأكد ومن دواعي الأسف أنه لا يوجد عندي الآن من كتب اللغة إلا الثلاثة المذكورة، وسائر كلامه واضح - وقوله وتعالى ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] دليل على أن التوكيد بالواو أفصح من التأكيد بالهمزة سواء أقلنا قلب الواو همزة أم قلنا أنها بدل منه، وإطلاق التوكيد في كتب النحو على التابع مجاز من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل لأن التابع موكد بكسر الكاف للمتبوع فإذا قلنا جاء زيد نفسه، أو عينه لدفع احتمال أن يكون المراد جاء كتابه أو رسوله فإن النفس والعين مؤكدتان لمجيء زيد حقيقة لا مجازا وكلام الأشموني واضح، نفهم من ذلك كله أن العهد واليمين والخبر وما أشبه، يتأكد أو لا يتأكد، أما المتكلم فلا يؤكد ولا يتأكد فلا يقال أكدت فلانا فتأكد حتى يستطيع هو أن يقال أنا متأكد، بقي أن يقال إذا كان قول الكاتب أو المتكلم أنا متأكد من ذلك الأمر خطأ فما هو الصواب؟ علمنا يرحمك الله فالجواب أنه يجب أن يقول أنا مستيقن هذا الخبر أو أنا مستيقن لهذا الخبر قال تعالى في سورة النمل: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ

стр. 125

ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣ - ١٤] فالضمير في استيقنتها يعود على الآيات المبصرة أي البينة المذكورة قبل هذا، وقال تعالى في سورة الجاثية حكاية عن الكافرين المكذبين بالبعث ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] قال صاحب اللسان: اليقين العلم وإزاحة الشك وتحقيق الأمر، وقد أيقن يوقن إيقانا، فهو موقن، ويقن ويَيقن فهو يَقِن، واليقين نقيض الشك، والعلم نقيض الجهل، تقول علمته يقينا، وفي التنزيل ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] أضاف الحق إلى اليقين وليس هو من إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحق هو غير اليقين إنما هو خالصه واضحه فجرى مجرى إضافة البعض إلى الكل، وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] أي حتى يأتيك الموت، كما قال عيسى بن مريم، على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]. وقال ما دمت حيا وإن لم تكن عبادة لغير حي لأن معناه اعبد ربك أبدا، واعبده إلى الممات، وإذا أمر بذلك فقد أمر بالإقامة على العبادة، ويقنت الأمر، بالكسر، ابن سيدة: يقن الأمر يقنا ويقنا وأيقن به وتيقنه واستيقن به واستيقنه وتيقنت بالأمر واستيقنت به كله بمعنى واحد، وأنا على يقين منه وإنما صارت الياء واواً في قولك موقن للضمة قبلها وإذا صغرته رددته إلى الأصل وقلت مييقن وربما عبروا بالظن عن اليقين وباليقين عن الظن، قال أبو سدرة الأسدي ويقال: تحسب هواس وأيقن أنني ... بها مفتقد من واحد لا إنما مره يقول: تشمم الأسد ناقتي يظن أنني أفتدي بها منه وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته وإنما سمى الأسد هواسا لأنه يهوس الفريسة أي يدقها اهـ. ٢ - ومما شاع في هذا الزمن استعماله قولهم عاش

стр. 126

أحداثها، أي أحداث الأيام، أو أحداث الحرب، وهذا استعمال غير صحيح لأن الأحداث ليست ظرف مكان ولا زمان حتى تنصب بتقدير (في) يقال عاش مائة سنة، فمائة منصوب على أنه ظرف زمان قال الحريري في ملحة الإعراب: الظرف منصوب على إضمار في ... تقول صام خالد أياما فاعتبر الظرف بذاك واكتف ... وغاب ظهرا وأقام عاما فهذه ظروف زمان منصوبة بتقدير في، وتقول في ظرف مكان جلست أمام زيد أو خلفه وجلست تحت الشجرة وفوق السطح فهذه ظروف مكان بتقدير (في) أما الأحداث فليست ظرف زمان ولا مكان، فلا يصح أن تكون منصوبة بإضمار حرف الجر ولا يصح أن تكون مفعولا به لعاش لأنه فعل لازم، لا يقال إذا كانت الأحداث مضافة إلى الأيام يجوز أن تقوم مقامها فتكسب الظرفية بإضافتها إليها كما وقع في مائة سنة وألف سنة كما قال تعالى في ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] وتقول أقمت في البلد سبعة أيام فأنت ترى أن العدد لما أضيف إلى الظرف اكتسب الظرفية منه، فلماذا لا تكسب الأحداث الظرفية إذا أضيفت إلى ظرف كقولهم عاش الأحداث تلك الأيام مغايرة للأيام بل هي مظروفة والأيام ظرفها فإن الأحداث واقعة في الأيام فلا يصح أن تقوم مقامها أما قولهم عاش أحداث تلك الحرب فهو أبعد من الظرفية، وإنما جاء هذا الاستعمال الفاسد من اقتباس المترجمين معاني الألفاظ الأعجمية واستعمالها في اللغة العربية ظنا منهم أن ما جاز في لغة، يجوز في لغة أخرى وهذا في غاية الفساد فإن المترجم لو ترجم كلاما عجميا بكلام عربي بدون مراعاة، لطبيعة كل من اللغتين وأسلوبهما وقواعدهما بل أبدل كل كلمة أعجمية بكلمة عربية لجاءت عبارته في غاية الركاكة

стр. 127

والقبح وبعضها لا يكاد يفهم، وقد أشرت إلى هذا المعنى فيما سلف فلا حاجة إلى إعادته، فإن قيل فما هو الصواب الذي يجب التعبير به بدلا من قولهم عاش أحداث الحرب وأحداث الأيام، فالجواب أنه ينبغي أن يقال شاهد أحداثها فهو شاهد عيان لها. ٣ - ومن الألفاظ الدخيلة قول بعضهم (بذل فلان كل الجهود لبلورة الشخصية الإفريقية) ، وهو مصدر قولهم بلور المخترع، واخترعوا له أيضاً فعلاً مطاوعا وهو تبلور وهذه الألفاظ لا وجود لها في اللغة العربية التي يعرفها العرب وهي مأخوذة من اللغة الإنكليزية يقينا، وهذا نص ما في المعاجم الإنكليزية to cry Staliti، بلور Tobecry Stalized تبلور، crystaloralass الزجاج، flintglass بلور صخرى، وقال صاحب المنجد: تبلور وتبلر، صار شبيها بالبلور، البلور والبلور نوع من الزجاج جوهر أبيض شفاف، (فارسية) وقد ظهر أن هذه الألفاظ الثلاثة البلورة، وفعلها بلور والتبلور وفعلها تبلور، هذه الألفاظ الأربعة لم تستعملها العرب في ما نعلم من كلامهم، ويمكن أن يقال إن سلمنا لك أن العرب لم تستعملها تكون دخيلة أو مولدة والدخيل والمولد كثير في استعمال المحدثين وإن لم تستعمله العرب فما المانع من استعماله؟ والجواب إن الأشياء التي حدثت بعد زمان العرب من الأعيان والمعاني يجب علينا أن نبحث لها عن ألفاظ تدل عليها وما يناسبها من العربية، أو نقبل أسماءها الأعجمية ونمزجها بالألفاظ العربية كما فعل العرب الأولون حين أدخلوا كثيرا من الألفاظ اليونانية والرومية والفارسية، أما الأشياء التي كانت موجودة في زمان العرب ولها ألفاظ تدل عليها في لغتهم فلا يجوز أن نعدل عنها إلى ألفاظ نترجمها ترجمة حرفية ونشوه بها لغة القرآن حتى تفقد جمالها وبلاغتها، فما المراد بالشخصية

стр. 128

الإفريقية؟ وما المراد ببلورتها؟ هذان لفظان مبهمان لا يمكن فهمهما إلا إذا رجعنا إلى اللغة الأجنبية، التي أخذا منها، وقد رجعنا فعلا إلى اللغة الأجنبية فوجدنا معنى بلورة الشيء، أن يجعل شبيها بالبلور، والبلور من الجواهر، ولكنا تحيرنا في معنى الشخصية الإفريقية مع معرفتنا لأصلها باللغة الأعجمية وهو personality والظاهر أن الكاتب يريد بالشخصية القوة والعظمة والشرف وعلو المنزلة في أعين الدول الأخرى، ويريد بالبلورة الرفعة والترقية والتقوية والسعي في سمو المنزلة وعلو المكانة، والألفاظ التي تدل على هذه المعاني وافرة في اللغة العربية فلا حاجة بنا إلى استعمال ذينك اللفظين المولدين اللذين على ما فيهما من الركاكة معناهما غامض لا يعرف إلا بمراجعة اللغة العجمية. ٤ - (على ما أعتقد) هذه العبارة مأخوذة من اللغة الإنكليزية بترجمة فاسدة فإن لفظة Believe، تدل على الاعتقاد وتارة على الظن، والقرينة هي التي تميز بينهما فذكر هذه الكلمة إذا تجردت عن القرينة لا تدل إلا على الظن الغالب، أو المستوى الطرفين ولا تدل على اليقين، وقد أخذها عامة الكتاب فأساءوا استعمالها. فإن لفظة أعتقد في اللغة العربية، تدل على الجزم فتقول مثلا أنا أعتقد صحة هذا الخبر، وأعتقد أن الإسلام حق وأن الله واحد ومن ذلك سمي ما يؤمن به المرء مما يجب لله تعالى من صفات الكمال وما يجب للرسل عليهم الصلاة والسلام من الصدق والتبليغ والأمانة والتنزيه عن النقائص التي لا تليق بمقامهم العالي، سمي كل ذلك عقيدة وأظن أنها فعيلة بمعنى مفعولة كالذبيحة والنطيحة بمعنى المذبوحة والمنطوحة لأن القلب قد عقدها وأحكم توثيقها فإن قيل عهدناك في مثل هذه المعاني تفْزَع إلى لسان العرب، والقاموس، وتحتج

стр. 129

بنصوصهما فما بالك عدلت عنهما في هذا الحرف؟ فالجواب أنني لم أجد فيهما نصا على ما أريده وهذا من العجب وسأسوق هنا نص اللسان، ثم أحاول ربطه بالمعنى المقصود والعقد نقيض الحل عقده يعقده عقدا وتعاقدا وعقدة ثم قال واعتقده كعقده ثم قال وعقدة النكاح والبيع وجوبهما. قال الفارسي هو من الشد والربط، وانعقد النكاح بين الزوجين، والبيع بين المتبايعين، وعقدة كل شيء إبرامه ثم قال واعتقد الشيء صلب واشتد، وقال البيضاوي ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ذكر العزم مبالغة في النهي عن العقد أي ولا تعزموا عقدة النكاح، وقيل معناه ولا تقطعوا عقدة النكاح فإن أصل العزم القطع وقال القاسمي في تفسيره، قال الرازي أصل العقد الشد وسميت العهود والأنكحة عقودا لأنها تعقد كما يعقد الحبل، وقال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، بما وثقتم الأيمان عليه بالقصد والنية والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم أو بنكث ما عقدتم فحذف للعلم به وقرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم عقدتم بالتخفيف وابن عامر برواية ابن ذكوان عاقدتم وهو من فاعل بمعنى فعل، اهـ. وقال أيضا في تفسير قوله وتعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] ومن شر النفوس أو النساء السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها، والنفث النفخ من ريق. بيان وجه الاحتجاج بما تقدم: حاصله أن العقد هو الشد والربط والإبرام والتوثيق وضده الحل والنكث والنقض. وعقد واعتقد معناهما واحد، ويكون في الحسيات كعقد الخيط والحبل، وفي المعنويات كعقد النكاح والبيع

стр. 130

واليمين والعهد والاعتقاد الذي نحن بصدده من القسم الثاني وهو المعنوي فاعتقاد الإنسان أمرا من الأمور، جزمه به وتصديقه وإيمانه فكأنه عقد الأيمان والتصديق بذلك الأمر بقلبه حين جزم به فلو كفر به لكان كفره حلا لما عقد ونقضا له وذلك يتنافى مع الظن المرجوح والمستوى الطرفين والغالب لأنه متى داخله شك في أمر من الأمور لا يصح أن يقال إنه يعتقده إلا مع البيان كقوله اعتقادا غير جازم، فإن قيل فماذا ينبغي أن يقال بدل ذلك؟ فالصواب ينبغي أن يقال: أظن مما تقدم من قوله تعالى حكاية عن الكفار: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] ولما جاء في الخبر الصحيح مرفوعا إلى النبي ﷺ : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦].

стр. 131

تقويم اللسانين (١٣) كنت قد نشرت مقالات بهذا العنوان في مجلة دعوة الحق التي تصدر في وزارة الأوقاف بالمغرب الأقصى وجمعت ما تيسر لي جمعه من تلك المقالات فبلغ ذلك جزءاً وأهل الغيرة على لغة القرآن الذين يحرصون على بقائها بأسلوبها الجميل وفصاحتها وبلاغتها ويتألمون لكل ما يصيب وجهها الجميل من خدوش تذهب بمحاسنها وأقذاء تكدر صفاء معينها يحرصون كل الحرص على قراءة مثل هذه المقالات التي تنبه على العبارات الدخيلة والأخطاء المفسدة وعسى الله أن ييسر نشر هذا الجزء ليعم نفعه، وعندي من العبارات التي تحتاج إلى الإصلاح شيء كثير لم أنشط للكتابة والتأليف فيه لموانع متعددة، منها صعوبة النشر جعلت هذا مقدمة لإصلاح خطأ فاحش جرى على ألسنة الخاصة والعامة في هذا الزمان نسمعه في الإذاعات والخطب والمحادثات والتدريس، وكلما سمعت شيئا منه أتألم وأتكلم ولكن قلَّ من يستمع وقلَّ من يعين. لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولو نارا نفخت بها أضاءت ولكن لا حياة لمن تنادي ... ولكن أنت تنفخ في رماد والشعوب المعاصرة كالبريطانيين والفرنسيين والجرمانيين والأمريكيين يبذلون جهودا وأموالا عظيمة في المحافظة على سلامة لغاتهم ونشرها في أرجاء الدنيا، أما المتكلمون بالعربية فلا تهمهم

стр. 132

لغتهم ولا يعبأون بحياتها وموتها وصحتها وسقمها فإلى الله المشتكى. وسأقتصر هنا على ذكر الخطأ المشار إليه والدعوة إلى إصلاحه وهذا الخطأ مقصور على التحدث والنطق وهو حذف تاء التأنيث المتحركة، والاختصار على حركة ما قبلها وهي الفتحة فبعضهم يمدها فينشأ عنها ألف وأكثرهم لا يمدها فمن ذلك قولهم المملكة العربية السعودية (المملكا العربيا السعوديا) ومن ذلك قولهم (الأجهزَ الإعلامية) ومن ذلك (الأسمدَ الكيماوية) (الطاق البشرية) (الأمم الداخل في الإسلام) وهذا في نظري فساد عظيم بدأت به العامة الجهال وشاع وذاع وألفته الأسماع فاقتدت بهم الخاصة، ويمكننا أن نخفف اللوم على العامة لجهلهم بقواعد اللغة العربية فإذا قالوا مثلا الأمم الداخلة في الإسلام يلزمهم إعراب (الداخلة) والنطق بها إما مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة حسب ما يقتضيه العامل فيخافون أن يخطئوا في إعرابها فيحذفون التاء ويستريحون فهؤلاء لهم شيء من العذر لجهلهم، أما الخاصة العاملون بالنحو فلا عذر لهم وهم ملومون من وجهين، الأول تعمدهم لإفساد لغة القرآن، الثاني اقتداؤهم بالجهال. والعجب كل العجب أن هذا الفساد نفسه قد سبق إليه العبرانيون والسريانيون منذ آلاف السنين، فإن الرأي الصحيح الذي عليه المحققون من علماء هذا الشأن أن اللغة العربية هي الأصل وسائر اللغات السامية تفرعت عنها كما تفرعت العامية عن الفصحى ومن العجب أن التطور الذي وقع في اللغة العبرانية واللغة السريانية هو بعينه الذي وقع في اللغة العامية فإن العبرانية والسريانية كان فيهما إعراب في الأصل ولا تزال بقاياه في اللغة العبرانية ولما كثر الجهل بالقواعد فيهما أخذ الإعراب يزول شيئا

стр. 133

فشيئا حتى صار معدوما بالمرة، ولنضرب لذلك مثلا، المرأة في اللغة العبرانية اسمها (اشه) وأصلها (اسة) فتقول مثلا (ها اشه طوبه) فمعناه المرأة طيبة، و (ها) هي أداة التعريف بمنزلة الألف واللام في العربية فالأصل (ها اشة طوبة) فلما وقع الفساد وتغيرت اللغة عند أصلها وانحرفت عنه حذفت هاء التأنيث في الكلمتين وأبدلت بألف مد كما يقال في العامية (الغرفا العاليا) وعربيتها في الأصل (الغرفة العالية) والدليل على ذلك أنك إذا أضفت كلمة (اشه) يظهر الأصل فتقول (اشة خاطوبة) معناه امرأتك طيبة، ولذلك اشتد ألمي وعظمت حسرتي لأننا إذا سرنا في هذا الطريق يزول الإعراب كله من لغة القرآن وتبعد عن أصلها كل البعد كما بعدت أختاها، فان قيل أن المتكلمين لا يريدون حذف هاء التأنيث وإنما يقفون على الكلمة ومعلوم أنها عند الوقف تبدل هاء فالجواب: إن للوقف مواضعه ونحن نسمعهم صباح مساء لا ينطقون بالهاء أصلا بل يكتفون بالحركة التي قبلها وهي الفتحة ولو نطقوا بها ما سَلِمُوا من الخطأ لأن الجمع بين الوقف والوصل لا يجوز كما هو مقرر في كتب علم التجويد، فإذا وقف المتكلم على كلمة مختومة بهاء التأنيث لا بد أن ينطق بها ساكنة ولا يقف إلا حين يحسن الوقف. وحد الوقف عند علماء التجويد أن يسكت القارئ بقدر ما يتنفس سواء تنفس أم لم يتنفس. وفي الختام أدعو إخواني المعلمين والطلبة أن يتنبهوا لهذا الخطأ الفاحش وأن ينزهوا قراءتهم وكلامهم منه ولا يتسامحوا مع تلامذتهم إذا فعلوا ذلك وبهذا وأمثاله نحافظ على صحة لغة القرآن وحياتها وجمالها وكمالها، فإن من يعظم القرآن لا بد أن يعظم لغته، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]. ١ - ومن ذلك تسميتهم القوة الناشئة عن النفط أو الكهرباء أو الغاز طاقة ، وأكثر ذلك الطاقة خصوصا في هذه الأيام

стр. 134

التي منع فيها العرب نفطهم عن بعض الدول ونقصوه وأغلوا ثمنه على الدول الأوربية وغيرها. وقد بحثت في معنى الطاقة فوجدت الفيروز أبادي يقول في القاموس: الطوق والطاقة، الوسع وقال بعد ذلك، الإطاقة القدرة على الشيء، وقال ابن منظور في لسان العرب: الطوق والإطاقة القدرة على الشيء، وقال الجمل في حاشية الجلالين عند قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] الطاقة، القدرة على الشيء اهـ. قال محمد تقي الدين: والطاقة اسم مصدر من أطاق يطيق، إطاقة كالعون من الإعانة، الطاعة من الإطاعة ومن ذلك يظهر لك أن تسمية الوقود أو ما ينشأ عنه من قوة (طاقة)، هو استعمال مولد والصواب أن يقال في النفط والغاز ونحوهما وقود لأن كل ما توقد النار به فهو وقود، ويقال للقوة الناشئة عن الوقود قوة فيقال مثلا هذه المركبة تسير بقوة الكهرباء أو بقوة النفط، لكن الطاقة إنما تقال فيمن له قدرة كالإنسان اهـ. ٢ - ويقولون إنهم يبحثون تسوية حول هذا الموضوع ، وهو خطأ، لأن (سوى) يتعدى بنفسه، فذكر (حول) في هذا الموضع جهل. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ قال الجلال: أي قومه بتصوير أعضائه على ما ينبغي اهـ. وقال الجمل في حاشيته، قال أبو السعود، سواه، أي عدله بتكميل أعضائه في الرحم وتصويرها على ما ينبغي اهـ. وقد اختلف المفسرون في مرجع ضمير سواه، فقال بعضهم إلى الإنسان الأول وهو آدم وقال بعضهم يرجع إلى نسله، وقال الجمل في حاشيته عند قوله تعالى في سورة الانفطار: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٦، ٧] قال البيضاوي، التسوية جعل الأعضاء سليمة مسواة مهيأة لمنافعها اهـ.

стр. 135

قال محمد تقي الدين: ولغة الإذاعة والصحف في هذا الزمان تستعمل فيها التسوية للخلاف والنزاع يريدون إزالة الخلاف فإن صح هذا التعبير وجب تأويل التسوية هنا بإصلاح ذات البين، وعل كل حال التسوية متعدية بنفسها كما رأيت. ٣ - ويقولون الألمان جمع ألمانيين والإسبان جمع إسبانيين وهو خطأ فالألماني يجب أن يجمع على ألمانيين وكذلك الإسباني يجب أن يجمع على إسبانيين وكأنهم شبهوه بجمع رومي على روم، قال تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ١ - ٣] وهذا مما لا يقاس عليه بل يقتصر فيه على السماع على أن العرب لم يسموا البلاد التي تسمى اليوم ألمانية بهذا الاسم وإنما سموها (جرمانية) والنسبة إليها جرمانيون وهكذا تسميها الشعوب السامية الأخرى، انظر كتاب البلدان لمحمد بن الفقيه البغدادي المتوفى في أواخر القرن الثالث الهجري اهـ. ٤ - ومن أخطاء إذاعة صوت أمريكا أن المذيعين فيها ، لا يريدون أن يقولوا مثلا (حوالي عشرة آلاف) أي قريبا من عشرة آلاف بفتح اللام وسكون الياء، وهو الصواب ومعناه ما يحيط بالشيء قال النبي ﷺ لما شكا الناس له من كثرة المطر (اللهم حوالينا ولا علينا) يعني ﵊، اللهم اجعل المطر يستمر نزوله حول المدينة، لا فوقها، أما إذاعة صوت أمريكا فتجعله حوالي، بفتح اللام والألف المقصورة. ٥ - ومن ذلك تعبير الإذاعة المتقدم ذكرها بالحياتي والحياتية نسبة إلى الحياة وهذا خطأ لأنه يجب حذف التاء وقلب الألف واوا ثم الإتيان بياء النسب، فيقال الحيوي والحيوية، قال ابن مالك في الألفية: ياء كيا الكرسي زادوا للنسب ... ومثله مما حواه احذف وتا وكل ما تليه كسره وجب ... تأنيث أو مدته لا تثبتا

стр. 136

قال ابن عقيل في شرح البيتين: إذا أريد إضافة شيء إلى بلد أو قبيلة أو نحو ذلك جعل آخره ياء مشددة مكسورا ما قبلها فيقال في النسب إلى دمشق دمشقي وإلى تميم تميمي وإلى أحمد أحمدي، شرح البيت الثاني: يعني أنه إذا كان في آخر الاسم ياء كياء الكرسي في كونها مشددة واقعة بعد ثلاثة أحرف فصاعدا وجب حذفها وجعل ياء النسب موضعها فيقال في النسب إلى الشافعي شافعي. وكذلك إذا كان آخر الاسم تاء التأنيث وجب حذفها للنسب فيقال في النسب إلى مكة مكي اهـ. ٦ - ومن ذلك استعمالهم المبادرة في الدعوة إلى مفاوضة أو عرض أمر وهذه لا تزال طرية لم يمر عليها زمن طويل فإن هذه اللغة الشريفة التي نكبت بأهلها وكانت لهم خير لغة وكانوا لها شر أهل لا تزال اللصوص تهجم عليها وتقتحم معقلها وتسطو على الألفاظ والتراكيب الأصيلة النبيلة فتميتها وتحل محلها ألفاظا دخيلة ذميمة سمجة ثقيلة، وقد قل ناصرها وكثر في أهلها المقلدون الإمعات الذين لا يسمعون كلمة من الإذاعة أو يقرؤون من كلمة في الصحف إلا بادروا إليها، وفرحوا بها وطفقوا يستعملونها دون أن يضعوها في الميزان ليتبين خالصها من الزيف. ونحن قد عاهدنا الله تعالى على أن ندافع عن لغة القرآن، ونصونها ونحافظ على جمالها وكمالها وسحرها الحلال، إلى أن نلقى الله تعالى ولا نبالي بمن بدل وغير، ولو بقينا وحدنا، وسنرى الآن معنى المبادرة في لغة القرآن ليعرف الحق من الباطل، والجالي من العاطل، قال في القاموس وبادره مبادرة وبدارا وابتدره وبدر غيره إليه يبدره عاجله، وقول أبي المثلم: فيبدرها شرائعها فيرمي ... مقاتلها فيسقيها الزؤاما

стр. 137

أراد إلى شرائعها فحذف ووصل وبادره إليه كبدره وبدر في الأمر وبدر إلى عجل إلى واستبق واستبقنا البدري أي مبادرين، اهـ - نستفيد من كلام القاموس واللسان أن ذلك الاستعمال غير صحيح ونستفيد شيئا آخر وهو أن صاحب القاموس يأخذ ألفاظ اللسان بعينها وقد جربت ذلك في مواضع فكأنه يختصر لسان العرب إلا أنه يزيد في بعض المواد أشياء ليست في اللسان ومن ذلك الأعلام فإن صاحب اللسان لا يعتني بها كما يفعل صاحب القاموس. ٧ - ومن ذلك فتحهم خاء الخِدمات جمع خدمة، بكسر الخاء ، ومما يؤسف له أن أكثر المتكلمين بالعربية لا في الإذاعة وحدها بل في المدارس والجامعات أيضا يقعون في هذه الزلة التي هي من الكبائر بالمعنى اللغوي، ودونك الدليل على أن الفِعلة بالكسر إنما تجمع على فِعلات بكسر ففتح، لا على فَعَلات، بفتحتين. هذا إذا لم تجمعها جمع تكسير، فإن جمعتها جمع تكسير قلت خدم بكسر الخاء وفتح الدال فالخاء مكسورة في المفرد والجمعين، قال ابن عقيل في شرح الألفية: ونحو كبرى ولفعلة فعل ... وقد يجيء جمعه على فعل ومن أمثلة جمع الكثرة فعل وهو جمع لاسم على فعلة نحو كسرة وكسر، وحجة وحجج، ومِرية ومِرَى، وقد يجيء جمع فِعلة على فِعل نحو لحية ولِحى وحلية وحِلى، اهـ. قال محمد تقي الدين: استفدنا من هذا النقل أن فِعْلة، بكسر الفاء وسكون العين، تجمع على فِعل (بكسر الفاء وفتح العين) وجاء جمعها قليلا على فعل، بضم الفاء وفتح العين، كحلية وحُلى ولحية ولحى، وأما جمع خدمة جمع تصحيح أي جمع مؤنث سالم ففيه ثلاثة أوجه.

стр. 138

الأول: كسر الدال والخاء فتقول خِدمات، بكسرتين، والثاني: كسر الخاء وفتح الدال للتخفيف فتقول خدمات، بكسر ففتح، والثالث: كسر الخاء وسكون الدال فتقول خِدمات، بكسر فسكون، قال ابن مالك في الألفية: والسالم العين الثلاثي اسما أنل ... إن ساكن العين مؤنثا بدا وسكن التالي غير الفتح أو ... اتباع عين فاه بما شكل مختتما بالتاء أو مجردا ... خففه بالفتح فكلا قد رووا إذا جمع الاسم الثلاثي الصحيح العين الساكنها المؤنث المختوم بالتاء أو المجرد عنها بألف وتاء أتبعت عينه فاءه في الحركة مطلقا فتقول في دعد دعدات وفي جفنة جفنات وفي جمل وبرة جملات وبرات بضم الفاء والعين وفي هند وكسرة هندات وكسرات بكسر الفاء والعين ويجوز في العين بعد الضمة والكسرة التسكين والفتح فتقول جملات وجملات وبسرات وبسرات وهندات وهندات وكسرات وكسرات ولا يجوز ذلك بعد الفتحة بل يجب الإتباع وأما قول الشاعر: وحملت نفرت الضحى فأطقتها ... ومالي بزفرات العشى يدان فضرورة، يعني أن الشاعر سكن الفاء لضرورة الوزن ولولا ذلك لقال زفرات بفتح الزاي والفاء.

стр. 139

تقويم اللسانين (١٤) تقويم اللسانين مستقيم وقد عدلت في تعديلك له عن العدالة (١) ومن أدعية النبي ﷺ هذا الدعاء: (آمنت بالله، واعتصمت بحول الله، وتوكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك من أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أُظلم أو أَجهل أو يُجهل علي). بهذا الدعاء أفتتح الرد على هذا المنتقد الذي حاد عن منهج النقد المستقيم، وتنكر وتنقب، كأنه يعلم أنه مليم، وقبل ذلك أشكر الأستاذ الأديب رئيس تحرير دعوة الحق على الكلمات التي أثنى بها على مقالات تقويم اللسانين. ثم أعيد ذكر ما قدمته في فاتحة هذه المقالات ونصه، وقد بدا لي أن أكتب مقالات في هذا الموضوع، أداء لواجب لغة الضاد، وصونا لجمالها من الفساد راجيا أن ينفع الله بما أكتبه تلامذتي في الشرق والمغرب وفي أوربا، وأنا على يقين أنهم يتلقون ما أكتبه بشوق وارتياح، وكذلك رفقائي الكتّاب المحافظون سيستحسنون ذلك. أما الكتّاب الذي يكرهون التحقيق، ويرخون العنان لأقلامهم بدون تبصر ولا تمييز، بين غث وسمين، وكدر ومَعين، فإنهم سيستثقلون هذا الانتقاد، وقد يعدونه تكلفا وتنطعا، وتقييدا للحرية، بزعمهم، فلهؤلاء أقول: إني لم أكتب لكم فما عليكم إلا

стр. 140

أن تمروا على ما أكتب مرور الكرام وتدعوه لغيركم الذين يقدرونه حق قدره اهـ. فكأن هذا الرجل رأى نفسه من الكتّاب الذين يرخون العنان لأقلامهم ويكرهون التحقيق فأخذه المقيم المقعد، وفقد رشده، فأخذ يلتمس العيوب للبراء. فإن يخلق لي الأعداء عيبا ... فقول العائبين هو المعيب وما أبرئ نفسي من الخطأ، فالكمال لله، والعصمة للأنبياء ولا أكره الانتقاد المستقيم الذي يريد به صاحبه الإصلاح والبناء، ويشهد الله أني ما تصديت لكتابة هذه المقالات إلا أداء للواجب، ونصحا للأمة، وغيرة على لغة القرآن التي هجمت عليها لغات المستعمرين في عقر دارها، فأتت بنيانها من القواعد، وهدمت أركانها، وذهبت ببهائها وجمالها ولم أشك أن دعاة الإصلاح يرحبون بهذا المجهود ويؤازرونه، كما أنني أعلم أن دعاة الهدم والفوضى، أكررها مرة أخرى على رغم أنف المتنطع، سيشرقون بهذا الإصلاح ويغصون به ولكن: إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانا علي لئامها ودونكم أيها القراء الأعزاء ما كتب به إلى الأستاذ المؤلف ذائع الصيت أبو الحسن علي الحسني الندوي من لكناؤ في الهند في الترحيب بهذه المقالات قال حفظه الله، استفدنا كثيرا من مقالكم القيم في العدد الأخير من مجلة دعوة الحق، في موضوع عثرات الأقلام، وغلطات اللسان، في كتابات المعاصرين، وأرجوا أن تتفسحوا في هذا الموضوع، فكلنا في حاجة إلى مثل هذه التوجيهات التي تصدر من ضليع محقق مثلكم، أبقاكم الله طويلا لتلاميذكم الكثيرين في الشرق والغرب.

стр. 141

تلميذكم الصغير أبو الحسن علي بن العلامة السيد عبدالحنى رح الحسني رح - ٢ - ٢ - ١٣٨٧ هـ. أما هنا في المغرب فقد رحب بها غير واحد من القراء مكاتبة ومشافهة، ولا يظنن هذا المنتقد أن الجو خلا لَه، حتى يبيض ويصفر وينقر ما شاء أن ينقر، فإن بين قراء هذه المجلة العالمية فحولا لا يقعقع لهم بالشنان ولا يخدعون بالمغالطات والروغان، يزنون الأقوال بالقسطاس المستقيم، ويميزون بين الصحيح والسقيم، وسيحكمون بيني وبين هذا المعترض الذي نصب نفسه حكما، وتوهم أن حكمه لا ينتقض. وقبل أن أخوض معه غمار المعركة مستعينا عليه بالله الذي يحق الحق ويبطل الباطل، أذكر للقراء الأعزاء بعض ما أعرفه من أخباره، وأترك سائرها إلى أن يحين أوانه، كان هذا الرجل يدرس في فرنسا وكان مبتلي بهذا التنطع من أول أمره، فوجه انتقادا إلى أمير البيان الزعيم العربي الأوحد الذي: حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفر إلا وهو الأمير شكيب أرسلان ﵀، وكنت أنا إذ ذاك أدرس في جرمانية، وأحاضر اللغة العربية بجامعة (بُنْ) فكتب إلى الأمير شكيب المسائل التي انتقدها عليه المعترض والتمس مني الحكم، فنظرت فيها فوجدت الحق في أكثرها مع الأمير شكيب، ووجدت اعتراض المعترض ساقطا إلا في النادر. وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس ولكن الأمير شكيب ﵀، كان عنده من الإنصاف والتواضع ومكارم الأخلاق، ما يندر وجوده في هذا الزمان فلذلك لم يرد أن يجيبه حتى يعلم رأيي فيما انتقده عليه، ثم عرفت

стр. 142

المعترض بعد ذلك معرفة تامة، وكان يجمعنا بيت واحد، نشتغل فيه جميعا، وهو من الكتّاب المشهورين في النثر، وله نظم لا يبلغ حد الجودة، ولكن لا بأس به. وقد طرق هذا الباب الذي طرقته أنا اليوم من قبل في الصحف العراقية وفي الإذاعة ولم ينجح فيه، بل كان عامة القراء يستهزئون به، ولم أتعرض قط، إلى نقده، مع أني وجدت في ما كتبه ثغرات وأخطاء لأني أعلم أنه من الأساتذة القليلين الذين يكتبون إنشاء حسنا ويتكلمون كلاما قليل الخطأ، فغض الطرف عن هفوات هؤلاء عندي هو الصواب، والسعي في هدم ما بنوه من الفساد. وأنا لا أطمع أن يكون له من أصالة الرأي وسداده ما يحمله على أن يعاملني بمثل ما عاملته به، لأن طبعه لا يسمح له بذلك، وحسبي أن يكون انتقاده معتدلا خاليا من الجور وأمارات سوء القصد، ولكن الأمر كما قيل: وكل إناء بالذي فيه يرشح ١ - (بدون) قال المعترض: قال في مقالته (ويرخون العنان لأقلامهم بدون تبصر ولا تمييز، ثم قال: وإنما سميت زائدة، لأن الكلام يتم بدونها) فأنا أقول له، من استعمل كلمة (دون) من فصحاء الأمة العربية هذا الاستعمال؟ ولهذا المعنى؟ إن معنى بدونها، هو بأقل منها. المجيب: يالله للعجب، من جهل هذا المعترض بقواعد النقد! كيف يحتج بكلام المؤلفين من الفقهاء، كأن كلامهم قرآن، أو حديث نبوي، أو شعر امرئ القيس أو النابغة الذبياني، ومن قال لك: إن كلام الفقهاء حجة في اللغة العربية؟ يرجع إليه ويعتمد في الحكم عليه؟ كان يجب عليك قبل أن تتصدى للاعتراض أن

стр. 143

تعلم أن الحجة إنما هي في ما صح عن العرب في جاهليتهم، وفي دولة النبي ﷺ والخلفاء ودولة بني أمية قبل أن يختلط العرب بالأعاجم، وتفسد ألسنتهم، أما كلام المولدين، ولو كانوا من فحول الأدباء والشعراء كابن الرومي والبحتري والمتنبي، بل بشار بن برد أيضا لا يحتج بشعره مع قربه من العصر الأموي، فهذه حجتك التي جئت تصول بها؟ قال الراغب: في غريب القرآن: يقال للقاصر عن الشيء (دون) قال بعضهم هو مقلوب من الدنو والأدون الدنيء، وقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] أي ممن لم يبلغ منزلته منزلتكم في الديانة، وقيل في القرابة، وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨] أي ما كان أقل من ذلك، وقيل ما سوى ذلك، والمعنيان يتلازمان وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] أي غير الله وقيل معناه، إلهين متوصلا بهما إلى الله اهـ. فانظر إلى قول الراغب (وقيل ما سوى ذلك) يعني أن بعض اللغويين فسروا (مادون ذلك) بسوى ذلك، ثم قال والمعنيان متلازمان فبأيهما عبرت يفهم المعنى الآخر، ثم انظر إلى قوله فيما حكى الله تعالى عن عيسى بن مريم في آخر سورة المائدة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي غير الله، فقد استعملت هنا (دون) بمعنى غير، بغير اختلاف، فما هو جواب المعترض؟ وقال صاحب لسان العرب بعد ما ذكر تسعة معان، (الدون) وقال (يعني الفراء) في قوله تعالى: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ دون الغوص، يريد سوى الغوص من البناء، اهـ - سبأ. فهذا من استعمال (دون) بمعنى سوى، فماذا يقول المعترض في تفسير الفراء؟ ، وقال الفيروزابادي في القاموس،

стр. 144

(دون) بالضم، نقيض فوق، ويكون ظرفا بمعنى أمام ووراء وفوق ضد، وبمعنى غير، قيل ومنه ليس فيما دون خمس أواق صدقة، أي في غير خمس أواق، قيل ومنه الحديث، أجاز الخلع دون عقاص رأسها، أي بما سوى عقاص رأسها، أو معناه بكل شيء حتى عقاص رأسها، اهـ. أقول فقد رأيت نقل الفيروز أبادي عن أئمة اللغة أن (دون) تستعمل بمعنى (غير) لكن الاحتجاج على ذلك بالحديثين غير صحيح إذ يحتمل (دون) أن يكون في كل منهما بمعنى أقل، ولذلك حكاه بصيغة التمريض، ومعنى الحديث الأول، أن الزكاة لا تجب في أقل من خمس أواق من الفضة، والأوقية أربعون درهما. فالمقدار الذي تجب فيه الزكاة من الفضة لا يقل عن مائتي درهم، ومعنى الحديث الثاني، أن المرأة الناشز التي طلبت فراق زوجها كراهية له، يجوز أن تفتدي نفسها بكل ما تملك إلا ضفائر رأسها، هذا معنى الحديث، وقد اختلف الأئمة في هذه المسألة، وليس هذا محل ذكر الخلاف. وقال صاحب مجمع مجار الأنوار - وفيه (أي في الحديث) الحاكم يحكم بقتل، على من وجب عليه، دون الإمام، أي عنده أو هو بمعنى غير انتهى. وقال تعالى: في سورة الأنعام (١٤) ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. المعنى قل يا محمد، أغير الله أتخذ وليا، أتوجه إليه في جلب الخير ودفع الضر، والله خالق السموات والأرض، وغيره لا يخلق شيئا، بل هو نفسه مخلوق، والمخلوق لا يستحق أن يتخذ وليا، أي إلها، والله يطعم كل طاعم، ولا يحتاج إلى من

стр. 145

يطعمه، وكل طاعم، أي آكل محتاج إلى الله، والمحتاج لا يكون إلها. قل يا محمد لجميع الناس، إن الله أمرني أن أكون أول من أسلم وجهه إليه، ووحده في ربوبيته وعبادته، ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ خطاب للنبي ﷺ أو لكل من يصلح للخطاب، وقال تعالى في سورة الشورى (٦): ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ، اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. وقال تعالى فيها أيضا: (٩): ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وأمثال هاتين الآيتين كثيرة جدا في القرآن. والمراد بلفظ من (دونه) في آيتي الشورى هو بعينه المراد بغير الله في آية الأنعام فهذا تفسير القرآن بالقرآن، فماذا يقول فيه المعترض؟ وقال تعالى في سورة النجم (٥٧ - ٥٨) ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ والآزفة: القيامة. قال القاسمي في تفسيره: أي ليس لقيامها غير الله مبين لوقته كقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وكاشفة صفة محذوف، أي نفس كاشفة أو حال كاشفة، أو التاء للمبالغة، أو هو مصدر بني على التأنيث، ومن (دون الله) بمعنى غير الله، اهـ. أقول: ينبغي أن أمسك عِنان القلم بعد ما تبين الحق في هذه المسألة، ورجع المعترض، يجر أذيال الهزيمة، نادما على تفوه ما ليس له به علم. قوله (وهو فقيه، ولعله درس في الفقه زواج المرأة بدون مهرها أي بأقل من مهرها الخ)، أرجو أن أكون كما قال فقيها عند الله، وعند عباده المؤمنين، فقد قال النبي ﷺ (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)،
следующие страницы →