← Язык

Язык · id 150601

تقويم اللسانين

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (183 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الحاضر وإذا أردت تزداد أن علمًا بذلك فعليك بمطالعة كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة، فإنك ترى أولئك الأطباء الذين ترجم لهم متبحرين متفننين في علوم كثيرة، إذا رأيت اطلاعهم في كل علم منها تقول: إنهم لا يحسنون غيره، وهذه مزية خاصة بعلماء الإسلام. أما المثقفون في هذا العصر، فأغلبهم لا يحسن من العلوم إلا ما اختص به، ومن عجائب ما رأيت في ذلك أني كنت أتحدث في مستشفى العيون التابع لجامعة بُون بألمانيا مع رئيس المستشفى، وهو أحد العلماء العشرة الذين يتألف منهم مجلس الجامعة الأعلى، وهو الدكتور البروفيسور (شميت schmit) وكان ذلك سنة ١٩٥٤ م فوجدته يعتقد وجود الدولة العثمانية واستمرار سلاطينها، مع أنه بلغ الغاية في علم الطب، حتى أنه يدعى من الولايات المتحدة ليسافر إلى هناك لإجراء الأعمال الجراحية وإلقاء المحاضرات، وقد بلغ جهله بالتاريخ إلى ما رأيت. وهذا الحديث أيضا يدل على أن العشق لا يكون إلا لمن تمكن مباشرته. ثم راجعت الجامع الصغير فوجدته ذكر حديثين في هذا الباب، أحدهما عن عائشة، ونصه: (من عشق فعف، ثم مات، مات شهيدا). رواه الخطيب، وأشار إليه السيوطي بعلامة الضعف. والثاني: عن ابن عباس: (من عشق فكتم وعف فمات، فهو شهيد). رواه الخطيب، وأشار إليه السيوطي بعلامة الضعف أيضا. وإن صدق الأنطاكي في نقله صحة الحديث عن الإمام الحافظ علاء الدين مغلطاي، فإنه حجة في علم الحديث. ويؤيد ما ذكرناه أن حب الله، ذكر في القرآن، في مواضع عديدة، ولم يعبر عنه بالعشق. وحب الرسول ﷺ جاء

стр. 72

في الحديث. أخرج البخاري من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين). والأحاديث التي جاء فيها حب الله ورسوله، وحب المؤمنين بعضهم بعضا كثيرة، ولم يرد في شيء منها التعبير بالعشق.

стр. 73

تقويم اللسانين (٧) ١ - قال عنه: من البدع المحدثات في الكلام العربي التي شاعت وذاعت في زمان الاستعمار، وكثرة ما يترجم من اللغات الأعجمية حين ضعفت الشعوب العربية، ولم يبق لها قول إلا ما تنقله من كلام المستعمرين المتغلبين قولهم (قال عنه) أنه كذا وكذا مدحًا أو ذما، وهذا خطأ، والصواب أن يقال (قال فيه). والأدلة على هذا أكثر من أن تحصى أقتصر على قليل منها. قال ابن منظور في مادة (ق ول) وفي حديث سعيد بن المسيب حين قيل له: ما تقول في عثمان وعلي؟ فقال: أقول فيهما ما قولني الله تعالى (٥٩ - ١٠) ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. وفي حديث علي، ﵇: سمع امرأة تندب عمر فقال: أما والله ما قالته، ولكن قولته، أي لقنته وعُلِّمته وألقي على لسانها، يعني من جانب الإلهام، أي أنه حقيق بما قالت فيه اهـ. الشاهد هنا في ثلاثة مواضع في قول سعيد بن المسيب: أولهما قوله (أقول فيهما ما قولني الله تعالى) والثاني في سؤال من سأله (ما تقول في عثمان وعلي؟ ) والثالث في خبر علي مع المرأة، وقد فسر صاحب اللسان بقوله (إنه حقيق بما قالت فيه)

стр. 74

ومعنى حقيق هنا: جدير بما قالت فيه تلك المرأة من المدح والثناء. ومراد سعيد بن المسيب بتلاوة الآية أنه يقول فيهما خيرًا. وبيان ذلك أن الله تعالى أثنى على المهاجرين في سورة الحشر بقوله (٨) ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. وأثنى على الأنصار بقوله (٩) ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأثنى على التابعين لهم بإحسان بقوله (١٠) ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ذِكْرُ تفسير الحافظ ابن كثير لهذه الآيات باختصار: قال ابن كثير: يقول تعالى مبينا حال الفقراء المستحقين لمال الفيء إنهم الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلا من الله ورضوانا، أي خرجوا من ديارهم، وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله ورضوانه يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أي هؤلاء الذين صدَّقوا قولهم بفعلهم، وهم سادات المهاجرين. والفيء كل مال أخذه المسلمون من أعدائهم بدون قتال، كأموال بني النضير، وهي المعنية بهذه الآية. ثم قال تعالى مادحا للأنصار، ومبينا لهم فضلهم وشرفهم وكرمهم، وعدم حسدهم، وإيثارهم مع الحاجة فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي سكنوا دار الهجرة من المهاجرين، وآمنوا قبل كثير منهم. قال عمر (يعني في وصيته عند موته): وأوصي الخليفة بعدي

стр. 75

بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم كرامتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم. رواه البخاري. ثم روى عن أحمد بسنده إلى أنس قال: قال المهاجرون: يارسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا في كثير، لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في الهناء (الهنأ ما أتاك من الرزق بلا مشقة) حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله قال: لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم اهـ. ومعناه أن النبي ﷺ لما آخى بين المهاجرين والأنصار صار الأخ الأنصاري يقوم بالعمل كله في أرضه ويقاسم أخاه المهاجر الغلة والثمرة. فخاف المهاجرون أن كل ما عملوه من عمل مقبول عند الله يكون أجره لإخوانهم الأنصار الذين كفوهم مؤونة العمل، وأشركوهم في الغلة والثمرة، فأخبرهم النبي ﷺ أن أجرهم ثابت لهم، إن كافؤوا إخوانهم الأنصار بالثناء والشكر ودعوا الله لهم. روى أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: من لم يشكر الناس، لم يشكر الله. وروى البخاري بسنده إلى يحيى بن سعيد، سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال دعا النبي ﷺ الأنصار أن يقطع لهم البحرين، قالوا: لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال أما لا فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم أثرة اهـ. قال في مجمع البحار: وفي الحديث ستلقون بعدي أثرة - بفتحتين - اسم من آثر يوثر إيثارا، أي أعطى، أراد أنه يستأثر عليكم، فيفضل غيركم في نصيبه من الفيء. والاستئثار: الانفراد بالشيء اهـ.

стр. 76

ثم قال ابن كثير: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أي ولا يجدون في أنفسهم حسدا للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف، والتقديم في الذكر والرتبة. قال الحسن البصري ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ يعني الحسد مِمَّا أُوتُوا قال قتادة: يعني فيما أعطى إخوانهم، وكذا قال ابن زيد: ومما يستدل به على هذا المعنى ما رواه أحمد بسنده إلى أنس قال: كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ فقال: (يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته (أي تقطر) من وضوئه، قد علق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله ﷺ مثل مقالته أيضا، فطلع ذلك الرجل على مثله حاله الأولى. فلما قام رسول الله ﷺ تبعه عبدالله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي (أي خاصمته) فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم، قال أنس: فكان عبدالله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي، فلم يره يقوم من الليل شيئا، غير أنه إذا تعار (أي استيقظ) تقلب على فراشه، ذكر الله وكبر، حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبدالله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث الليالي، وكدت أن أحتقر عمله، قلت يا عبدالله، لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله ﷺ ، يقول لك ثلاث مرات: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت الثلاث المرات، فأردت أن آوي إليك، لأنظر ما عملك، فأقتدي به، فلم أرك تعمل

стр. 77

كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ؟ قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت، دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لم أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه، قال عبدالله: فهذه التي بلغت بك، وهي التي لا تطاق اهـ. استفدنا من الآية والحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو عن الرجل الأنصاري، أن العمل القليل مع سلامة الصدر من الحسد والغل والغش خير من العمل الكثير الذي ليس معه تلك السلامة، ولكن عندنا هنا إشكالا في ادعاء عبدالله بن عمرو أنه خاصم أباه فغضب عليه، واتخذ ذلك وسلة إلى أن يكون ضيفا عند الأنصاري ليراقب عمله بالليل من صلاة، وقراءة قرآن ودعاء، فهل كان ذلك جائزا أن يتذرع المرء بالكذب البحت، ليتوصل إلى خير، وهو ما يسمونه في لغة أهل هذا الزمان المأخوذة من اللغات الأجنبية: الغاية تسوغ الواسطة. والذي نفهمه من أدلة الكتاب والسنة أن الكذب في مثل هذا لا يجوز، فهي هفوة ارتكبها هذا الصحابي الناشئ، حرصًا منه على الخير، واكتشاف الأسرار، ليعرف ما يقوم به ذلك الأنصاري من العبادة بالليل، حتى شهد له النبي ﷺ أنه من أهل الجنة ثلاث مرات في ثلاثة أيام متوالية. ثم قال ابن كثير: وقوله تعالى: وَ ﴿يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ يعنى حاجة، أي يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدأون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ ، أنه قال: (أفضل الصدقة جهد المقل)، وهذا المقال أعلى من حال الذين وصف الله بقوله تعالى: (س ٨: ٧٦) ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى

стр. 78

حُبِّهِ﴾ وقوله: (٢: ١٧٧) ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه. ومن هذا المقام تصدق الصديق ﵁ بجميع ماله، فقال له رسول الله ﷺ ، ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله). وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكل منهم أمر بدفعه إلى صاحبه، وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم، ولم يشربه أحد منهم ﵃ وأرضاهم. وقال البخاري بسنده إلى أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله، ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا، فقال النبي ﷺ : ألا رجل يضيف هذا الليلة، ﵀، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله ﷺ ، لا تدخريه شيئا، فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فاطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ ، فقال: لقد عجب الله ، أو ضحك من فلان وفلانة، وأنزل الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ وفي رواية لمسلم تسمية هذا الأنصاري بأبي طلحة. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

стр. 79

أي من سلم من الشح، فقد أفلح وأنجح. روى أحمد ومسلم بالسند إلى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ ، قال: (إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء، وهم المهاجرون ثم الأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان، كما قال في سورة التوبة (١٠٠) ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة، وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ أي قائلين رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ أي بغضا وحسدا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وما أحسن ما استنبط الإمام مالك، ﵀، من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقال ابن أبي حاتم بسنده إلى عائشة إنها قالت: أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم، ثم قرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ

стр. 80

جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآية. وروى البَغَوي بسنده إلى عائشة أيضا قالت، أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد، ﷺ ، فسببتموهم، سمعت نبيكم، ﷺ ، يقول: لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها اهـ. قال محمد تقي الدين: وهذا ما قصده الإمامان سعيد بن المسيب ومالك، إذ فهما من الآيات الثلاث أن الله قسم المسلمين ثلاثة أقسام: المهاجرين والأنصار، والذين جاءوا من بعدهم إذا كانوا يحبونهم، ويستغفرون لهم ولا يسبونهم، فمن سبهم فلا حق له في الفيء، لأنه خارج عن الأصناف الثلاثة التي استوعبت المسلمين. فالمتبعون لهم بإحسان، كما في سورة التوبة لا يقولون فيهم إلا خيرا، ولا يتشيعون لبعضهم، ويسبون غيرهم ويبغضونهم. قال الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي في كتابه (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) أبان بن جبلة الكوفي أبو عبدالرحمن، ضعّفه الدار قُطْنِي وغيره. قال البخاري: مُنْكَر الحديث. ونقل ابن القطان أن البخاري قال: كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه. ثم قال: اعلم أن كل من أقول فيه: مجهول، ولا أسنده إلى قائل، فإن ذلك قول أبى حاتم فيه. اهـ فقوله (أقول فيه مجهول) وقوله (فإن ذلك قول أبي حاتم فيه) مطابقان للاستعمال العربي السليم. والشواهد في هذا الكتاب وفي غيره من كتب الجرْح والتعديل، كتهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر، ولسان الميزان، له أكثر من أن تحصى، ولم يرد في شيء منها قال عنه أو

стр. 81

قالوا عنه. وإذا سأل سائل ماذا يقول النصارى في عيسى بن مريم يكون الجواب: يقولون فيه: إنه ابن الله، وإنه ثالث ثلاثة، وأنه الأقنوم الثاني، تعالى الله عن ذلك: وقال البوصيري في الهمزية في وصف امرأة أبي لهب وعداوتها للنبي ﷺ يوم جاءت غضبى تقول ... أفي مثل من أحمد يقال الهجاء تعني أفي يقال الهجاء الصادر من أحمد ﷺ تعني بالهجاء سورة: تبت يدا أبي لهب فقال (في مثلي، ولم يقل عن مثلي) والقول يعدى بـ (في) في المسائل كذلك يقال: ما تقول في مسألة كذا وكذا. وقال عبدالله بن مسعود في مسألة سئل عنها: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان. وقد أكثر من ذلك ابن برى في منظومته كقوله: القول في التعوذ المختار ... وحكمه في الجهر والإسرار كيف تستعمل قال عنه؟ فإن قلت: قد فهمنا من كلامك أن تعبير عامة الكتاب يقال عنه في موضع قال فيه خطأ، فأين تستعمل قال عنه؟ فالجواب: يستعملها المحدثون في الرواية، وقد أكثر من ذلك البخاري ﵀. فمن ذلك قوله في كتاب العلم من صحيحه: وقال شقيق عن عبدالله سمعت النبي ﷺ : وقال أبو العالية عن ابن عباس عن النبي ﷺ : وقال أنس عن النبي ﷺ . وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ اهـ. فمعنى قال هنا: روى وحدث، فهذا هو الفرق بين قال فيه وقال عنه، يجب علينا أن نميز بينهما، وأن نستعمل كلًا منهما

стр. 82

فيما يناسبه، والله الموفق. ٢ - الخلط والخبط في استعمال الغداء (بالمهلمة) واستعمال الغذاء (بالمعجمة): إذا استمعت إلى الإذاعات، أو قرأت الصحف تجد أكثر المتكلمين والكتاب لا يميزون بين الغداء والغذاء، ودونك معناهما وضبطهما. فالغداء - بفتح الغين المعجمة ودال مهملة ممدودا، هو طعام الغدوة، وهي أول النهار قال الله تعالى في سورة الكهف في قصة موسى مع الخضر: (٦٢) ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. قال البيضاوي: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ مجمع البحرين ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ ما نتغدى به ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قيل لم ينصب حتى جاز الموعد، فلما جاوزه وسار الليلة والغد إلى الظهر ألقى عليه الجوع والنصب اهـ. وقال الراغب في غريب القرآن: (غدا) الغدوة والغداة من أول النهار، والغداء طعام يتناول في ذلك الوقت اهـ. وقال صاحب اللسان: والغداء: الطعام بعينه، وهو خلاف العشاء. ابن سيدة: الغداء طعام الغدوة، والجمع أغدية، عن ابن الأعرابي. أبو حنيفة: الغداء رعي الإبل في أول النهار، وقد تغدت وتغدى الرجل وغديته. ورجل غديان وامرأة غديا، على فعلى، وأصلها الواو، ولكنها قلبت استحسانا، لا عن قوة علة، وغديته فتغدى اهـ. إذا فهمت هذا علمت أن تسمية الناس اليوم للطعام الذي يؤكل بعد الظهر غداء مخالف لاستعمال العرب، لأن العرب لم يكونوا يأكلون في وقت الظهر، وليس لغتهم اسم لطعام يؤكل

стр. 83

وقت الظهر، ولم يكونوا يأكلون بالليل، ولذلك لا يوجد في لغتهم اسم لطعام يؤكل بالليل، وإنما كان عندهم غداء وعشاء، فالغداء تقدم بيانه، والعشاء طعام العشي. قال صاحب القاموس: والعشي بالكسر، والعشاء كسماء طعام العشي، الجمع أعشية، وعشى وتعشى أكله، وهو عشيان ومتعش، وعشاه عشوًا أطعمه إياه كعشاه وأعشاه اهـ. وفيما سوى هذين الطعامين لا يتقيد الأكل بوقت معتاد متى جاع الإنسان أكل. ومن أمثال العرب: خير النهار بواكره، وخير العشاء سوافره، والبواكر هي ساعات الإبكار، الساعات الأولى من الصبح. والسوافر ساعات العشي التي لا يزال فيها ضوء النهار موجودا قبل أن يجيء الظلام ومرادهم بذلك التبكير للأشغال والأعمال، وتعجيل العشاء قبل أن يأتي الظلام. ولا يزال كثير من العرب عاملين بذلك إلى يومنا هذا، فإني كنت أسكن بقرية الزبير بقرب البصرة، وسكانها من أهل نجد، وهم محافظون على العادات العربية، فكنت إذا خرجت إلى المسجد لصلاة المغرب، ووقفت في الصف أشم رائحة الدسم تنبعث عن يميني وشمالي، وذلك دليل على أنهم تعشوا قبل غروب الشمس، ولكنهم لم يحافظوا على الغداء في وقته الذي كانت عليه العرب، فإنهم يفطرون في الصبح بما تيسر، ويؤخرون الغداء إلى أن يصلوا الظهر. ولما كنت ساكنًا بمدينة الرسول ﷺ سنة ألف وثلاثمائة وست وأربعين وسبع وأربعين رأيت سكان المدينة كلهم يتغدون في الضحى ويتعشون بين العصر والمغرب كما كان العرب الأولون يفعلون. أما في هذه السنة فقد أقمت في المدينة ستة عشر يومًا ودعاني كثير من الإخوان إلى الطعام فرأيت

стр. 84

تلك العادة قد تبدلت، وصار سكان المدينة يأخذون بعادة أهل المدن وهي ثلاث أكلات في النهار حين يصبحون وحين يظهرون، وحين يمسون. وقد تجنبت ذكر الوجبة التي اعتاد الكتاب التعبير بها عن كل واحدة من الأكلات الثلاث المعتادة، لأنهم يستعملونها خطأ. قال صاحب اللسان: الوجبة: الأكلة في اليوم والليلة قال ثعلب: الوجبة: أكلة في اليوم إلى مثلها من الغد اهـ. والأوربيون أيضا يعملون بشطر المثل العربي، وهو خير العشاء سوافره، فإنهم يأكلون عادة أعشيتهم بين الساعة السادسة والسابعة، وتكون الشمس في الصيف لا تزال مرتفعة. ويقول علماء الصحة: إن ذلك خير من تأخير الطعام إلى أن يكون قبيل النوم، فإن النوم على امتلاء المعدة تنشأ عنه أمراض، ولا يكون النوم معه هنيئا. أما إذا تعشى الإنسان مبكرا، فانه يتحرك بعد العشاء، فلا يأتي وقت النوم حتى يتم الهضم الأول للطعام.

стр. 85

تقويم اللسانين (٨) ١ - من الأخطاء الشائعة في هذا الزمان قولهم يستهدف كذا أو يهدف إلى كذا يريدون أنه يقصده ويتخذه هدفًا ولم تستعمله العرب بهذا المعنى، قال صاحب اللسان: الأزهري روى شمر بإسناد له أن الزبير وعمرو بن العاص، اجتمعا في الحجر فقال الزبير: أما والله لقد كنت أهدفت لي يوم بدر، ولكني أستبقيتك لمثل هذا اليوم فقال عمرو: أنت والله لقد كنت أهدفت لي وما يسرني أن لي مثلك بضرتي منك، قال شمر: قوله أهدفت لي، الإهداف الدنو منك، والاستقبال لك والانتصاب يقال أهدف لي الشيء فهو مُهْدِف وأهدف لك السحاب والشيء إذا انتصب، ثم قال: وفي حديث أبي بكر قال له ابنه عبد الرحمن لقد أهدفت لي يوم بدر، فضفت عنك، فقال أبوبكر لكنك لو أهدفت لي لم أضف عنك، أي لو لجأت إلي، لم أعدل عنك، وكان عبد الرحمن وعمرو، يوم بدر، مع المشركين وضفت عنك أي عدلت انتهى. ومن ذلك تعلم أن استعمال العرب للإهداف والاستهداف في واد واستعمال المعاصرين لهما في واد آخر، فالعرب تقول أهدف الشيء واستهدف بمعنى قرب وانتصب وصار أمامك كالهدف الذي تتمكن من رميه إذا كان قريبًا ومنتصبًا أمامك، أما استعمال المعاصرين فإنه يريدون به القصد إلى الشيء ومما يزيد ذلك وضوحا، قول العلماء من ألف فقد استهدف أي نصب

стр. 86

نفسه هدفا للمنتقدين يَرْمُونه بسهام نقدهم، وكان قبل ذلك مستورًا، وقول أبي بكر ﵁ لابنه عبد الرحمن: لكنك لو أهدفت لي لم أضف عنك أي لو تمكنت من قتلك ما أبقيت عليك، دليل على قوة إيمانه وتحقيقه لقوله تعالى في سورة التوبة الآية (٢٤) ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فهذه المحبوبات الثمانية، إذا لم يكن معها حب الله ورسوله تلقي صاحبها في الهلكة وإذا كان معها حب الله ورسوله، وقع التنازع بين الحبين، الصديقون والصالحون لا يبالون بهذه المحبوبات وهي المذكورة في الآية وهي: الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والتجارة والمساكن الطيبة، إذا تنافت مع حب الله ورسوله، فيقدمون حب الله ورسوله عليها، ولذلك قال الصديق لابنه عبدالرحمن (لكنك لو أهدفت لي لم أضف عنك) ولا شك أن الصديق كان يحب ابنه عبد الرحمن لأن حب الولد من طبيعة البشر وغير البشر، ولكن لما التقيا في الحرب: أبوبكر ينصر الله ورسوله، وابنه عبد الرحمن كان ينصر الشرك، ويوالي أعداء الله كان أبو بكر عازمًا أن يقتله، لو عرض له، وتمكن من قتله، ترجيحا لحب الله تعالى، على حب غيره، وهذه المحبوبات الثمانية، هي عقبات في سبيل الإيمان الكامل الذي يفوز صاحبه برضوان الله تعالى، ويسعد السعادة الأبدية. وكم فتنت هذه المحبوبات من الناس إذا تغلب حبها عندهم على حب الله ورسوله، والجهاد في سبيله، فخسروا، وضلوا ضلالا بعيدا. ٢ - ومن الأخطاء التي جاءتنا بها الترجمة الفاسدة وهي من استعمار اللغات الأجنبية لغتنا العربية قولهم، فلان يؤدي

стр. 87

واجبه نحو الله وواجبه نحو وطنه وواجبه نحو أبنائه وما أشبه ذلك، والصواب أن يقال فلان يؤدي حقوق الله الواجبة عليه وحقوق المواطنين، وحقوق الأبناء. وهكذا يقال في الكلام الفصيح عندما يقول من أحسنت إليه، لك علي فضل، هذا من حقك عليّ، هذا واجب لك عليّ، والكلمة التي أوقعتهم ترجمتها في هذا الخطأ في اللغة الإنجليزية مثلا Toward وفي كل من اللغة الألمانية والفرنسية كلمة تؤدي معناها، وأساليب هذه اللغات ونثرها ونظمها متقارب في الغالب، كما أن نظم العربية وأخواتها كالعبرانية والسريانية متقارب. وسبب وقوع مثل هذه الأخطاء، أن المترجم يكون متمكنا من اللغة الأجنبية، ضعيفا في اللغة العربية، يترجم كلمة بكلمة والمترجم الكامل يقرأ الجملة من اللغة التي يترجمها، ويستوعب معناها في ذهنه، ثم يصوغ لها جملة فصيحة في اللغة التي يترجم بها حتى إذا قرأ القارئ العربي كتابا مترجما، لا يشعر أنه مترجم حتى يُخْبَرَ بذلك، كما نرى في ترجمة ابن المقفع لكتاب كليلة ودمنة وترجمة البنداري للشاهنامة. ٣ - ومن الأخطاء الشائعة استعمالهم كلمة بالرغم أو على الرغم في غير موضعها فيقولون مثلا: حضر فلان الاحتفال بالرغم من كونه مريضا، أو بالرغم من كثرة أشغاله. والآن ندرس ما قاله الأئمة في استعمال الكلمة: قال صاحب اللسان: الرغم مثلثة الراء: الكره والمرغمة مثله، قال النبي ﷺ : (بُعِثْتُ مَرْغَمَةً للمشركين) المرغمة: الرغم أي: بعثت هوانا وذلا للمشركين. ثم قال ابن الأعرابي: الرغم: التراب، والرغم: الذل، والرغم: القسر. وفي الحديث: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُه أي، ذل. وفي حديث معقل بن يسار: رغم أنفي لأمر الله، أي: ذل وانقاد، وتقول فعلت ذلك على الرغم من أنفه انتهى، وهذا الاستعمال الصحيح لهذا اللفظ إذا

стр. 88

فعلت شيئا وهناك من يكرهه تقول فعلت ذلك على رغم أنفه فإما أن يراد بذلك بقصد أن أذله، وعبر بالأنف لأن المستكبر يشمخ بأنفه، أي يرفعه عزا وتكبرا، انتهى. فخفض الأنف وإلصاقه بالتراب، وإذلاله ضد شموخه وهو رفعه، فلذلك يعبر برغم الأنف عن الذلة والإهانة والقسر والإكراه وبشموخ الأنف عن الرفعة والتكبر. أما قوله: حضر الاحتفال برغم كثرة أشغاله. مثلا، فهو استعمال فاسد، مأخوذ من الترجمة الفاسدة لكلمة Onsefite وفي كل من الفرنسية والألمانية كلمة تشبه هذه الكلمة في المعنى، والاستعمال العربي الصحيح أن يقال فلان حضر الاحتفال مع كثرة أشغاله، أو مع كونه مريضا، وتستعمل على، في موضع مع، قال تعالى في سورة البقرة الآية (١٧٧) ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾. الآية، أي أعطى المال مع حبه له، ولا يقال بالرغم من حبه له، كما يقوله من يأخذ إنشاءه من الصحف والإذاعات، وقال تعالى في سورة الرعد الآية (٦) ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾. وقد استشهد ابن هشام في المغنى بآية البقرة وآية الرعد على أن (عَلَى) فيهما للمصاحبة بمعنى مع، ولا يقال ولو في خارج القرآن وإن ربك لذو مغفرة للناس بالرغم من ظلمهم، وقد تبين معنى على، وبقي علينا أن نذكر تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾. فقد يتوهم متوهم أن المعنى: أن الله يغفر للناس مع استمرارهم على الظلم، ظلم بعضهم لبعض، وذلك باطل، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره، وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، أي أنه تعالى ذو صفح وستر للناس مع أنهم يظلمون، ويخطئون بالليل والنهار. ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب، ليعتدل الرجاء والخوف كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا

стр. 89

يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ انتهى. ومثل آية البقرة، قوله تعالى في سورة الإنسان، رقم (٨) ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ أي مع حبهم له ولا يقال في خارج القرآن فلان يطعم الطعام المساكين بالرغم من حبه له أو بالرغم من قلة ما عنده منه. ٤ - ومن الأخطاء الشائعة في هذا الزمان في الصحف والإذاعات وعلى ألسنة الناس قولهم القطاع الزراعي والقطاع الصناعي ويضيفون إلى ذلك خطأ آخر فيجمعونه على قطاعات والمصدر الأول لهذه الكلمات، هي إذاعة لندن، ومنها سمعت ما يلي: والملونون في بريطانية يشكلون قطاعا كبيرا من عمال النقل فالقطاع عندهم يطلق على جماعة من الناس، يجمعهم عمل واحد ولم تستعمل العرب القطاع بهذا المعنى البتة، وسنرى ما يقوله أئمة اللغة، فقد وجدنا القطاع بكسر القاف يجيء مفردا، ويجيء جمعا فأما المفرد فقال فيه ابن منظور: والقِطاع والقَطاع، أي بكسر القاف وفتحها صرام النخل مثل الصرام والصِّرام والصَّرام بكسر الصاد وفتحها انتهى. قال محمد تقي الدين: وهو مأخوذ من القطع لأن الصارم يقطع العثاكيل، وهي في النخل بمنزلة العناقيد في الكرم، وهو شجر العنب، وأما الجمع، فقال فيه إنه جمع قِطْع بكسر القاف وسكون الطاء وهو السهم وما تقطع من الشجر، وقطع الليل طائفة منه والبساط والطنفسة تكون تحت الراكب، وضرب من الثياب الموشاة وقطيع الغنم أيضا يجمع على قطاع إلى غير ذلك من المفردات التي تجمع على هذا المعنى والقطع والقطعة والقطيع والقطع والقطاع طائفة من الليل تكون من أوله إلى ثلثه. وقيل للفزاري: ما القطع من الليل، فقال حزمة تهورها أي قطعة تحزرها ولا ندري كم هي والقطع ظلمة آخر الليل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ قال الأخفش بسواد من الليل، والصواب

стр. 90

أن يقال بدل القطاع الزراعي، والقطاع الصناعي، القسم الزراعي والقسم الصناعي، وأن يقال بدل قولهم: الملونون في بريطانيا يشكلون قطاعا كبيرا من عمال النقل. والملونون في بريطانيا يؤلفون جماعة كبيرة من عمال النقل. والعرب تعبر بالجماعة والطائفة والفريق والجمع، ولا تعبر بالقطاع وكذلك تعبر بالأمة، قال تعالى في سورة الأحزاب رقم (١٣) ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ والطائفة هنا جماعة من المنافقين وقال تعالى في سورة الصف رقم (١٤) «﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾» وقال تعالى في سورة آل عمران رقم (١١٣) ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ وقال تعالى في سورة الأعراف رقم (٣٠) ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾. ٥ - ومن التراكيب الركيكة الفاسدة لفظا ومعنى ، وهي استعمارية بلا ريب مأخوذة ترجمة حرفية من اللغات الأجنبية قولهم منحتهم السماء كذا وكذا فإسناد المنح إلى السماء فاسد عقلًا ونقلًا ولغةً، أما عقلًا فإن السماء لا تعطي ولا تمنع، وليست سببا في الإعطاء حتى يقال إن الإسناد إليها مجاز عقلي كما في قولهم أنبت الربيع البقل، وبنى الأمير المدينة، لأن السببية في هذين المثالين ظاهرة، أما قولهم منحتهم السماء فليس كذلك، والأوربيون ينسبون الأشياء إلى السماء في لغاتهم، ويدعونها ويستغيثون بها كما يفعلون مع الله تعالى، ومع المسيح وأمه، ومن العجائب التي تستنكرها عقول الموحدين وأذواقهم، أنهم إذا أصابهم فزع يهتفون قائلين: يا أم الله، ومقصودهم بذلك مريم الصديقة. فإذا قلنا لهم: إن الله لا أم له ولا أب، يشمئزون ويغضبون ولا يصلح أن يكون قولهم منحتهم مجازا عقليًا بالنسبة إلى المسلم لأن المسلم يعتقد أن السماء لا تمنح شيئًا وليست سببًا للمنح كما في

стр. 91

بنى الأمير المدينة فإن السبب في بنائها هو الأمير لأنه أمر العملة ببنائها. والحقيقة العقلية هي إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما هو له في اعتقاد المتكلم كقول المؤمن: أنبت الله البقل، وأنزل الله المطر. وكقول الكافر: أنبت الربيع البقل، وأنزلت السماء المطر. فقول النصارى في عيسى وأمه، إنهما يعطيان ويمنعان! كقول الكافر: شفى الطبيب المريض! ، فهو إسناد حقيقي، لأن الكافر يعتقد أن الطبيب هو الفاعل الحقيقي، والنصارى يعتقدون عيسى وأمه إلهين. والمجاز العقلي كقول المؤمن أنبت الربيع البقل، وشفى الدواء المريض لأنه يعتقد أن الله هو الذي أنبت البقل، والربيع سبب، وأن الله هو الذي شفى المريض، والدواء سبب، ومن المجاز العقلي قول الشاعر - وهو أبو النجم: قد أصبحت أم الخيار تدعى ... من أن رأت رأسي كرأس الأصلع على ذنبا كله لم أصنع ... ميز عنه قنزعا عن قنزع جذب الليالي أبطيء أو أسرعي ... والدليل على أنه مجاز قوله بعد ذلك: أفناه قيل الله للشمس اطلعي ... حتى إذا واراك أفق فارجعي هذا الشعر من مشطور الرجز وهو لأبي النجم العجلى وأم الخيار زوجته، وكانت تعيب عليه صلع رأسه لكبر سنه وكانت ابنة عمه بدليل قوله في موضع آخر من القصيدة: يا ابنة عما لا تلومي واهجعي ... يمشي كمشي الأهدأ المكتع لا تسمعيني منك ما لم أسمع ... ألم يكن يبيض لو لم يصلع فهي تعيب عليه شيخوخته وما يلازمها من الإحناء والإكباب فإن الأهدا هو الذي يمشي منحنيا مكبا كأنه راكع، والمكتع المتقبض: يقول يا ابنة عمي لا تلوميني على كبر سني وضعفي

стр. 92

وصلع رأسي فإنه لو لم يصلع وبقى فيه شعره لصار أبيض بالشيب، وأنت تكرهين رؤية الشيب، كما تكرهين الصلع. فالشاهد في قوله ميز عنه قنزعا عن قنزع، جذب الليالي أي فرق شعر الرأس حتى صار قنازع مجموعة شعيرات هنا، أخرى هناك، جذب الليالي: اختلافها ذهابا ومجيئا، يعني أن سبب الصلع كثرة الليالي التي مرت عليه، حتى طعن في السن فإسناد ميز إلى جذب الليالي من المجاز العقلي، لأن الشاعر لا يعتقد أن شيخوخته هي التي جعلته أصلع وإنما هي سبب الصلع، والفاعل الحقيقي هو الله سبحانه بدليل قوله فيما بعد: - أفناه قيل الله للشمس اطلعي يعني أفني شعر رأسه قول الله للشمس اطلعي كل يوم - وقوله حتى إذا واراك أفق فارجعي، دليل قطعي على أن العرب من قديم الزمان وإن لم يشتهروا بتعاطي العلوم بل كانوا أمة أمية أكثرهم لا يكتبون ولا يقرؤون، كانوا يعرفون أن الأرض كرة وأن الشمس حين تغيب عن قوم تكون مشرقة عند قوم آخرين لأنها لم تنعدم، وإنما سترها أفق، أي جانب من الأرض، وأن الله هو الذي أمرها بذلك، كما كانوا يعلمون أن المطر ينشأ سحابا من البحر حتى إذا علا السحاب في الجو وبرد، ساقته الرياح إلى الأرض التي يريد الله أن ينزل فيها المطر فينزل المطر، بقدرة الله يدلك على ذلك قول شاعرهم: شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متن لجج خضر لهن نئيج قال الخضري في حاشيته على شرح الألفية لابن عقيل ما نصه: قوله شرب الخ ... ضمنه معنى روين فعداه بالباء أو هي بمعنى مِن التبعيضية، واللجج من لجة بالضم، وهي معظم الماء، ونئيج: بنون فهمزة فياء فجيم، كصهيل أي صوت عال، وجملة لهن نئيج: حال من نون شربن العائد للسحاب، لزعم العرب والحكماء أنها تدنو من البحر الملح في أماكن مخصوصة منها خراطيم عظيمة

стр. 93

كخراطيم الإبل، فتشرب من مائه بصوت مزعج ثم تصعد في الجو فيلطف ذلك الماء ويعذب بإذن الله تعالى في زمن صعودها في الهواء ثم تمطره حيث شاء الله تعالى اهـ. حكاية الخراطيم التي ذكر للسحاب وأنها تدنو من البحر في أماكن مخصوصة فتشرب بصوت عال تدل على أن الخضري لم يفهم قول الحكماء، والذي قاله الحكماء: هو أن ماء البحار يتبخر بحرارة الشمس فيصعد في الجو بخارا فإذا بلغ أعالي الجو برد ثم نزل مطرا كما تقدم، وقول الخضري يلطف ويعذب يريد أنه يصفى من الأملاح، فيصير ماء عذبا صالحًا للشرب ولسقي الأشجار والنباتات، وقد أخبرني بعض الإخوان في الكويت أن الماء الذي يصفى في معامل التصفية، يصير عذبا كماء المطر ولكنه لا يصلح لسقي الزرع والأشجار إلا إذا مزج بماء الآبار وهذا، إن صح، يدلنا على أن السر الكامن في تصفية الله تعالى والفرق بينها وبين تصفية الإنسان بالآلة والصنعة أما العذوبة أما العذوبة فهي كماء المطر ولا فرق وقد شربت الماء المصفى بالآلات في مطار الظهران بالمملكة العربية السعودية فوجدته كما ذكرت، ولله في خلقه شؤون.

стр. 94

تقويم اللسانين (٩) ١ - تأشيرة السفر - ومن الأخطاء الشائعة الفاضحة التعبير بالتأشيرة في جواز السفر بمعنى الإذن الذي تعطيه سفارة دولة من يريد السفر إلى بلادها، فهذا اللفظ بهذا المعنى لا أصل له في اللغة العربية، وسبب استعماله، أن بعض البلدان العربية يستعملون في لغتهم العامية أَشَّر، بفتح الهمزة وتشديد الشين مفتوحة، بمعنى أشار فيقولون يؤشر له بيده أي يشير له فاستعمل بعض جهلة الكتاب التأشيرة، بمعنى الإشارة، يريد بذلك سِمَة الدخول إلى بلاد دولة من الدول، وتبعه أمثاله في ذلك، وانتشرت هذه الكلمة عند العامة، واستعملتها الخاصة تبعًا بدون مبالاة والذين لا يعرفون اللغات الأجنبية منهم يظنون أنها مقتبسة منها وأنها شيء محتم لا بد منه، ولا غنى عنه، فيذعنون له كما يذعنون إلى غيره من الألفاظ الدخيلة والمولَّدة، وبذلك يخدش وجه اللغة العربية، وتزول محاسنها، ويقضى عليها، حتى إذا قابل العالم بها إنشاء أهل هذا الزمان بإنشاء أسلافهم يصيبه من الحيرة والدهشة مثل ما يصيبه إذا قابل هَمْعَهُم بهمعهم وأعمالهم بأعمالهم فينشد قول الشاعر: ذهب الرجال المقتدى بفِعالهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب وقول الآخر: ذهب الرجال المقتدى بفِعالهم ... والمنكرون لكل أمر مُنْكَر

стр. 95

وبقيت في خلَف يزكي بعضهم ... بعضًا ليسكت معور عن معور والمعور الذي بفيه خلل. والتأشير في كلام العرب غير مهمل ولكن له معنى، غير ذلك. قال صاحب اللسان تأشير الأسنان تحزيزها وتحديد أطرافها وقد أشرت المرأة أسنانها تأشرها أشرًا وأشّرتها (بتشديد الشين) حززتها: ثم مضى، إلى أن قال والتأشيرة ما تعض به الجرادة، والتأشير شوك ساقيها اهـ. المراد منه والصواب أن يقال بدل التأشيرة (السِمَة) بكسر السين وفتح الميم مخففة. وهذا اللفظ مستعمل فعلًا في العراق يقال فلان منح سمة الدخول إلى البلاد العراقية أو المرور بها، وهو استعمال صحيح. ٢ - سلام حار وشكر حار ، هذا مما أخذه المستعمَرون بفتح الميم، مِنَ المستعمِرين بكسرها، والسلام عند لا يوصف بالحرارة بل بالكثرة والطيب والزكاة. فيقال أزكى السلام وأطيبه ويشبه السلام عند العرب بالنسيم الذي يهب على الروض فيحمل أطيب روائحه إلى المحبوب قال بعضهم: سلام على الأحباب في القرب والبعد ... سلام كما هب النسيم على الورد لا يقال هذا اقتباس حسن، يقتبسه الكاتب العربي من الكاتب الأوربي، لأنا نقول إن الإنشاء العربي قد بلغ أوج الكمال فلا حاجة إلى أن يقتبس من الآداب الأوربية شيئا سبقهم إليه وعلمهم إياه المسلمون، وليس هذا من المخترعات، ولا من المكتشفات التي كانت مجهولة حتى يقتبسها العرب من مخترعيها ومكتشفيها. ٣ - الليلة الماضية أو ليلة أمس ومن الجهل باللغة العربية

стр. 96

تعبيرهم بالليلة الماضية أو ليلة أمس، كما تعبر بها الإذاعات ويقتدي بها المتكلمون والكتاب، والصواب أن يقال البارحة. قال صاحب اللسان: والبارحة أقرب ليلة مضت، تقول لقيته البارحة ولقيته البارحة الأولى، وقال ثعلب تقول مذ غذوت إلى أن تزول الشمس رأيت الليلة في منامي فإذا زالت، قلت رأيت البارحة من أمثال العرب ما أشبه الليلة بالبارحة! أي ما أشبه الليلة التي نحن فيها بالليلة الأولى التي قد برحت وزالت ومضت، اهـ كلام صاحب اللسان، وقد ضمن بعضهم هذا المثل فقال في ذم أصدقائه: كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحة كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحة يقول أن أصدقاءه يشبه بعضهم بعضا في الخيانة والغدر ويدعو عليهم بأن لا يترك الله لأحدهم واضحة أي سنا. أقول البارحة الأولى من الليلة التي قبل البارحة وهذه العبارة لا تزال مستعملة عندنا في سجلماسة (تفلالت) وقد غير لفظها إلى أن صار هكذا (البارحة الأولى). ٤ - أما عن كذا وكذا ، وهذا من التعابير المأخوذة من لغات المستعمرين، ولا تزال طرية يعرفها كل من يعرف اللغات الأجنبية واستعمارها للعربية، وطغيانها عليها، ومسخها لجمالها والصواب أن يقال أما ويأتي بالكلمة المقصورة مرفوعة، إن كانت عارية عن العوامل التي توجب نسبها نحو: ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل و(أما) إن كانت في متناول عامل ينصبها فيؤتى بها منصوبة كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ وأما إن كانت الكلمة جارّا ومجرورا فيؤتى بها بعد أما نحو ﴿وَأَمَّا

стр. 97

بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وأما هؤلاء الكتاب المخطئون فإنهم جعلوا كل كلمة تأتي بعد مجرورة بِعَن، مثلا أما عن فلان فقد فعل كذا وكذا فيقحمون (عن) بدون معنى لموافقة جهلة المترجمين، ولو سألت أحدهم لماذا عبرت بهذه العبارة، لقال لك سمعت كتابا مترجمين، وخطباء ومذيعين يعبرون بها، فهل يجوز أن يكون هؤلاء كلهم مخطئين؟ ولو سألت أولئك الكتاب والخطباء لما كان جوابهم أضل من جواب مقلدهم. وهذا مضرب المثل (تمسك غريق بغريق) أي أعمى يقود أعمى. وما المانع أن يكونوا مخطئين فهل هم معصومون؟ فالمعصوم من الخطأ عند علماء هذا الشأن هو القرآن وما صح من كلام العرب الخلص إلى آخر عهد بني أمية قبل أن يفشو اللحن والخطأ، وتختل اللغة، ويرجع كذلك إلى قواعد اللغة ومن نظر في كتاب الله وكلام العرب، يتبين له لأول وهلة جهل هؤلاء المركب، فإنهم يجهلون ويجهلون أنهم جاهلون وما أكثر هذا الجهل المركب في البلدان المتأخرة التي اختلط حابلها بنابلها والتبس حقها بباطلها. ٥ - لم ترضخ للاستعمار: - من الأفعال الشائعة الاستعمال في الصحف والمجلات والخطب وكلام الناس والإذاعات استعمال رضخ له بمعنى خضع وهو استعمال مخترع مكذوب لا أصل له فإن الرضخ إذا تعدى بنفسه فمعناه الكسر وإذا تعدى باللام فمعناه العطاء القليل، يقال رضخ رأس الحية أي كسره ورضخ له من ماله أي أعطاه شيئا قليلا، ورضخت المرأة النوى بالمرضخة أي كسرته لتجعله خلصا للمواشي، ومن لا يزن كلامه بقسطاس مستقيم بل يأخذ إنشاءه من كلام كل من هب ودب فإنه يقع في أخطاء لا تعد ولا تحصى، ولا نتعجب من العامة إذا فعلوا ذلك وإنما نتعجب من الخاصة الذين يرجى منهم أن يسهروا على تحقيق اللغة وإصلاح الخطأ، فإذا بهم يرتكبون الأخطاء

стр. 98

ولا يبالون وربما يغضبون إذا نبهوا ويتعصبون، وهذا مضرب المثل (بالملح يصلح ما فسد، فكيف إذا الملح فسد) فلسان حال اللغة العربية ينشدهم: إذا رمتم قتلي وأنتم أحبتي إذن فالأعادي واحد والحبائب ٦ - ومن استعمار بل استعباد اللغات الأوربية للغة القرآن تسميتهم الرجل العظيم شخصية ، والرجال العظماء شخصيات (واللفظ الإنكليزي لهذه الكلمة الدخيلة personality للمفرد personalities للجمع، والسبب في ذلك أن جهلة المترجمين ترجموا اللفظين خطأ بذلك، فتبعتهم العامة، ثم استسلمت الخاصة للعامة، وتبعتهم بسبب الخلط والخبط والارتباك الواقع في الإنشاء العربي، بل في سائر شؤون العرب في الأزمنة المتأخرة التي اختل فيها النظام، وبقى الناس فوضى، وقد راجعت كتب اللغة على سبيل الاحتياط فلم أزدد إلا يقينًا بفساد هذا الاستعمال، والصواب أن يقال بدل الشخصية رجل عظيم أو نبيل أو سري والشخصية لفظ مؤنث ففيه طعن وذم لمن وصف به فكيف يكون تعظيما وفي لسان العرب ما نصه. والشخيص العظيم الشخص والأنثى شخصية والاسم الشخاصة. قال ابن سيدة ولم أسمع له بفعل فأقول إن الشخاصة مصدر، أبو زيد رجل شخيص إذا كان سيدا، وقيل شخيص إذا كان ذا شخص وخلق عظيم بيِّن الشخاصة وشخُص الرجل بالضم فهو شخيص أي جسيم اهـ. قال محمد تقي الدين: يرحم الله ابن سيدة ما أشد حرصه على سلامة اللغة العربية، والمحافظة عليها من الاختلال، فحيا الله ذلك الزمان الذي كان فيه للغة العربية حماتها وأنصارها يذودون عن حماها ويصونونها من العابثين والجاهلين. فإنه ﵀، لم

стр. 99

يستطع أن يقيس فيوجد لهذه الصفة فعلا لأنه لم يسمعه مرويا عن العرب مع أنه قياس وجيه فإن فعيلا يأتي في الغالب من فَعُل بالضم كعَظُم فهو عظيم، وجمل فهو جميل، وكرم فهو كريم. وقد ذكر بعد ذلك صاحب اللسان الفعل فإن لم يسمعه ابن سيدة فقد سمعه غيره وأثبته وتبين مما نقلته من كلام اللسان أنه يمكن أن يقال رجل شخيص بمعنى رجل نبيل فيكون بديلا عن اللفظ الأعجمي الأصل وهو الشخصية فيقال شخيص وشخصاء بدل شخصية وشخصيات وشخيص أجمل لفظا مع كونه مرويا وليس فيه تأنيث فيصح أن يكون ترجمة لذلك اللفظ الإنكليزي إذا احتيج إليه وأقبح من ذلك لفظ تحيرت في معناه الألباب، اخترعه شخص جاهل فنشرته مجلة دعوة الحق الغراء بدون تعليق مع أنه تكرر في مقالات هرف بها ذلك الشخص ولا نقول إنه شخيص وقد تعجب أحد كبار العلماء المصريين وهو صاحب الفضيلة الشيخ عبدالرحمن الوكيل من هذا اللفظ حين كتب إليه ذلك الشخص كتابًا خاصًا واستعمل فيه ذلك اللفظ المخترع المكذوب على اللغة العربية ألا هو (الشخصانية) ثم ولد لفظا آخر وهو (التشخصن) فصار ابنا للشخصانية ومثل هذا يزري بمجلة دعوة الحق وهي مجلة لها مقام سام في النوادي الأدبية في أنحاء العالم فعسى أن يتنبه سيادة رئيس التحرير لذلك وما نقلته من تعجب الأستاذ الوكيل وتحيره في ذلك اللفظ في (مجلة الهدى النبوي) التي كان يصدرها في القاهرة إلى أن توقفت بعد حرب يونيو ١٩٦٧. ٧ - ومن التعابير التي شاعت في هذا الزمان قولهم ساعدته الظروف أو لم تساعده الظروف أو حالت الظروف بينه وبين ما يريد وهو كثير في كلام الخاصة والعامة وهو استعمال غير عربي، ولنبدأ بمعرفة معنى الظرف والظروف لننظر هل

стр. 100

يصح إسناد الفعل إليها على سبيل المجاز العقلي كما يسند إلى الزمن والدهر والليل والنهار أو لا يصح؟ - أما إسناد الفعل إلى الدهر على سبيل المجاز العقلي شائع في كلام العرب فمن ذلك قول وزير عزله ملكه من الصباح إلى الزوال ثم رضي عنه ورده إلى مكانته من مخلع البسيط. عاداني الدهر نصف يوم ... فانكشف الناس لي وبانوا يا أيها المعرضون عني ... عودوا فقد عاد لي الزمان وذلك أنه حين عزل تنكر الناس له وتغيروا فقال لهم ارجعوا إلى ما كنتم عليه من التملق والتعظيم فإن الزمان الذي عاداني وأعرض عني فاقتديتم به قد عاد إلي وأقبل علي فعودوا أنتم أيضا فأسند العداوة إلى الدهر والعَوْدُ إلى الزمان على سبيل المجاز، والزمن لم يعاده في الحقيقة ولم يُقْبِل عليه: ومثل ذلك قول آخر: رأيت الدهر في خفض الأعالي ... وفي رفع الأسافلة اللئام فقيها صح في فتواه قول ... بتفضيل السجود على القيام والدهر لم يرفع أحدا ولم يخفضه بل الخافض الرافع هو الله تعالى وإنما ذلك مجاز أسند الفعل فيه إلى ملابسه، وهو زمانه الذي وقع فيه، فقوله عاداني الدهر أي عاداني الناس والسلطان في الدهر، وعاداني الزمان أي عاداني الحظ في الزمان، ومثل ذلك إسناد الفعل إلى الدنيا والعرب تفعل ذلك كثيرا قال ابن الوردي في لاميته: اترك الدنيا فمن عادتها ... تخفض العالي وتعلي ومن سفل وقال غيره:

стр. 101

سألت عن الدنيا الدنية قيل لي ... هي الدار فيها الدائرات تدور إذا أقبلت ولت وإن أحسنت أمس ... ت وإن عدلت يوما فسوف تجور وإسناد الفعل إلى الدنيا كإسناده إلى الزمان لأن الدنيا في الأصل صفة الحياة، وبذلك جاء القرآن في غير موضع، والمراد بالدنيا: القربى فُعْلى: من الدنو وتقابلها الحياة الأخرى وإسناد الأفعال إلى الظروف يقصد به ما قصد بإسنادها إلى الزمان والدهر فالظاهر أنهم أخذوا ذلك من تعبير النحاة بظرف الزمان، فإن قيل فهمنا من كلامك أنك لا تنكر إسناد الفعل إلى الزمان على سبيل المجاز، وقد اعترفت بأن مراد المعبرين بالظروف الأزمنة والأوقات فلماذا حملت عليهم هذه الحملة الشديدة؟ فالجواب أن هناك فرقا كبيرا بين إسناد الفعل إلى الزمان وإسناده إلى الظرف مفردا أو مجموعا لأن تعبير النحاة اصطلاح وليس بحقيقة لغوية فإن العرب لم تسم الزمان ظرفا ولا الأوقات ظروفا قال صاحب اللسان: وظرف الشيء وعاؤه، ومنه ظروف الأزمنة والأمكنة الليث، الظرف وعاء كل شيء، حتى إن الإبريق ظرف لما فيه والصفات في الكلام التي تكون مواضع لغيرها تسمى ظروفا من نحو أمام وقدام وأشبه ذلك. تقول خلفك زيد إنما انتصب، لأنه ظرف لما فيه وهو موضع لغيره، وقال غيره: الخليل يسميها ظروفا، والكسائي يسميها الحال، والفراء يسميها الصفات والمعنى واحد، اهـ. فالظرف كما قلنا اصطلاح لبعض النحاة يشمل الزمان والمكان ولا يجوز أن يعبر في اللغة عن الزمان بالظرف فلا يقال أقمت في المدينة الفلانية ظرفا طويلا أو قصيرًا وإنما يقال أقمت زمانا، أما قول الشاعر: رأيت الدهر في خفض الأعالي فإنه يشير إلى خلاف جار بين الفقهاء فيما هو أفضل أطول القيام في صلاة النوافل، أم كثرة السجود؟ أي السجدات، فقال

стр. 102

قوم: كثرة السجود أفضل، واحتجوا بما رواه مسلم عن ربيعة ابن مالك الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : (سل فقلت أسألك مرافقتك في الجنة فقال أو غير ذلك قلت هو ذاك قال فأعني على نفسك بكثرة السجود) وقال آخرون طول القيام أفضل من كثرة السجود، واستدلوا بحديث ورد في ذلك. ٨ - ثلاثينات أو الثلاثينيات: - ومن التقليد القردي ما يعبر به المذيعون في إذاعة لندن وغيرها إذا أرادوا أن يؤرخوا حادثة من الحوادث أنهم يقولون: وقع ذلك في الثلاثينات أو الثلاثينيات أو الأربعينات أو الأربعينيات من القرن التاسع عشر مثلا وهذه العبارة ترجمة لفظية للتعبير الإنكليزي وهي في غاية الفساد لأن القرن الواحد لا تتعدد فيه الأربعون ولا ثلاثون ولا خمسون، فلا حاجة إلى جمعها ولا معنى له. ٩ - بيانات وخلافات وقرارات وما أشبه ذلك: ومن الأخطاء التي شاعت وذاعت في الزمان جمع كثير من الأسماء المذكرة من مصادر وغيرها بالألف والتاء فيقولون في جمع البيان بيانات، وفي جمع قرار قرارات، وفي جمع خلاف خلافات، وفي جمع جواز السفر جوازات. وهذا من أبين الخطأ لأن المفردات التي تجمع هذا الجمع معروفة، ولا تجوز الزيادة عليها إلا ما سمع من العرب وقد جمعها بعضهم بقوله: وقسه في ذي التا ونحو ذكرى ... ودرهم مصغرا وصحرا وزينب ووصف غير العاقل ... وغير ذا مسلم للناقل فالأول ذو التاء يعني تاء التأنيث كغرفة وغرفات وصلاة وصلوات وكاتبة وكاتبات وفاطمة وفاطمات ولو كان مذكرا كطلحة وطلحات، والثاني، ما كان آخر ألف التأنيث المقصورة نحو ذكرى وذكريات وبشرى وبشريات وحبلى وحبليات،

стр. 103

والثالث الاسم إذا صغر وكان لمذكر مما لا يعقل، كدريهم ودريهمات وغزيل وغزيلات، والرابع: ألف التأنيث المدودة، كحمراء وحمراوات وصفراء وصفراوات، الخامس: كل اسم علم مؤنث وإن لم تكن فيه التاء كزينب وزينبات وهند وهندات، السادس: وصف غير العاقل كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ فإن معلومات جمع معلوم، ومعدودات جمع معدود، هذه ستة يقاس فيها الجمع بالألف والتاء، وقد سمع من العرب جمع الحمام على حمامات وجمع السرادق على سرادقات، قال صاحب اللسان: السرادق ما أحاط بالبناء والجمع سرادقات، قال سيبويه جمعوه بالتاء وإن كان مذكرا حين لم يكسر، وفي التنزيل: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ في صفة النار أعاذنا الله منها، وسورة الكهف رقم (٢٩) وقال ابن كثير في تفسيره: قال ابن جريج: قال ابن عباس أحاط بهم سرادقها، قال حائط من نار اهـ. فإن قلت فكيف نجمع هذه الألفاظ أقول، أما القرار فيستغنى بجمع المقرر عن جمعه فيقال المقررات وهو داخل في القسم السادس مما تقدم، وأما البيان فيجمع على أبينة لأن فعالا يجمع على أفعلة، وأما الخلاف فهو مصدر لا حاجة إلى جمعه فإذا أردنا كثرته نقول خلاف كثير، أم جواز السفر فيجمع على أجوزة، وكل اسم يراد جمعه ينظر في قواعد جموع التكسير ويجرى عليها.

стр. 104

تقويم اللسانين (١٠) ١ - فلان يريد مقابلة الرئيس: من العبارات التي شاعت وذاعت في هذا الزمان وهي من الكلمات المولدة التي لم تستعملها العرب قولهم فلان يريد مقابلة الرئيس على صيغة المصدر. ويستعملونه أيضا فعلا: كقابلته وأقابله، أو أن الرئيس لا يقابل أحدا في هذا اليوم. وكل ذلك استعمال فاسد ولا حاجة إليه والصواب أن يقال فلان يريد لقاء الرئيس أو الاجتماع به وما أشبه ذلك قال صاحب اللسان واستقبل الشيء وقابله حاذاه بوجهه، وقال في موضع آخر ويقال فلان جلس قبالته، أي تجاهه ثم قال: ومقابلة الكتاب بالكتاب وقباله به معارضته، وتقابل القوم استقبل بعضهم بعضا، وقوله تعالى في وصف أهل الجنة: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ جاء في التفسير إنه لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض، ثم قال المقابلة المواجهة والتقابل: مثله. قال محمد تقي الدين: - نفهم من كل ما تقدم أن المقابلة المواجهة بين إنسانين أو شيئين وغيرهما. والتقابل التواجه وهو أن يستقبل الواحد الآخر وجها إلى وجه سواء أكان قريبا أم بعيدا وهذا المعنى وإن كان يمكن تأويله باللقاء والاجتماع، فإنه لم تجر به عادة العرب الفصحاء في تخاطبهم، وإنما هي عامية مصرية أدخلها الكتاب المصريون فيما يكتبونه من الفصيح، فتبعهم غيرهم

стр. 105

من الكتاب كما تقدم في النقد العاشر من هذه المجموعة من قول المصريين (نسيت أنا الآخر) أو (غاب هو الآخر) فهي عامية مصرية أيضا. والمصريون لهم فضل وتقدم في الأدب العربي وغيره من العلوم فلا ينبغي لأحد أن يستنكف من الاقتداء بهم في صوابهم ولكنهم، مع ذلك كغيرهم، غير معصومين من الخطأ فلا يجوز تقليدهم تقليد الأعمى بل يجب على الكاتب أن يكون بصيرا بما يكتب، وبما يتكلم به، ويقرأه ويجعل الحكم للدليل. ٢ - ويقولون مثلا في منتصف شوال أو مارس القادم يريدون الشهر الآتي والشهر لا يوصف بالقدوم إلا على سبيل التشبيه بالمسافر والتشبيه لا يحسن في كل موضع وقد صار ديدن الكتاب ألا يقولوا في الغالب إلا العام القادم وذلك تعبير يشين وجه اللغة العربية وأظنهم أخذوه من اللغة الإنكليزية لأنها لضيقها، ليس لها ألفاظ بإزاء كل معنى من المعاني فليس لها إلا لفظ واحد تستعمله لكل آت والقراء الذين يعرفون الإنكليزية يفهمون هذا حق الفهم، وليس عندي الآن من يكتبه بالإنكليزية إذا أمليته عليه فلذلك تركته واكتفيت بالإشارة (وكل لبيب بالإشارة يفهم) الدليل على ما قلته قال الفيروز أبادي في القاموس المحيط ما نصه: وقدم من سفره: كعلم، قدوما وقدماناً بالكسر: آب فهو قادم، ومنه نعلم أن القدوم لا يستحسن استعماله للعام والسنة والشهر، بل يقال الشهر الآتي والسنة القابلة والعام القابل، ولو استغنيت بالوصف فقلت مثلا لم أستطع أن أزورك في هذا العام وسأزورك في القابل إن شاء الله، لجاز ذلك وكان فصيحا أما الشهر فيقال فيه الآتي وأما قوله في سورة هود رقم (٩٨) حكاية عن فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ فهو من قدم (بفتح الدال) في الماضي وضمها في المضارع بمعنى يتقدمهم يسير أمامهم إلى جهنم حتى

стр. 106

يوردهم النار أي يدخلهم إياها وشبهت النار بالمورد وهو الماء الذي يقصد للشرب، والاستقاء أي أخذ الماء والتزود منه فعبر الكتاب العزيز بأورد، وأما قدم المسافر فهر بكسر الدال في الماضي وفتحها في المضارع، كما أشار إليه صاحب القاموس بقوله كعلِم. ٣ - ومن ذلك قولهم جلسة الأمس: يعنون بذلك الجلسة التي وقعت في نهار اليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه. وهذا خطأ سببه الجهل باللغة وعدم التفريق بين معنى الأمس بالألف واللام وأمس بدونهما وبين اللفظين بَوْن بعيد تضل فيه القطى، فإنه إذا جاء بالألف واللام معناه الزمان الذي قبل زمانك دون تعيين يوم قريب أو بعيد وأما أمس بدون الألف واللام فمعناه نهار اليوم الذي قبل يومك. وأما الليلة التي قبل يومك فتسمى البارحة وأكثر الكتاب لا يميزون بين أمس والبارحة فيظنوهما سواء قال سليمان بن عمر الملقب بالجمل في حاشيته على تفسير الجلالين عند قوله تعالى رقم (٢٤) من سورة يونس: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾. ما نصه: قوله بالأمس المراد به الزمن الماضي لا خصوص اليوم الذي قبل يومك، وأما أمس الذي هو اسم لنهار اليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه، ففيه لغتان للعرب: لغة الحجاز ولغة تميم، أما أهل الحجاز فهو مبني عندهم على الكسر في حال الرفع والنصب والجر تقول مضى أمسِ، بكسر السين، فهو فاعل مبني على الكسر في محل رفع. وتقول في النصب فعلت ذلك أمس، فأمس ظرف مبني على الكسر في محل نصب وتقول ما رأيته مذ أمس فمذ حرف جر، وأمس مبني على الكسر في محل جر، وفي كل هذه الأحوال تكسر السين من أمس بدون تنوين

стр. 107

أما لغة تميم فإنهم يجرونه على إعراب ما لا ينصرف تقول على لغتهم مضى أمسُ بالرفع بدون تنوين، فأمسُ فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة في آخره وتقول في النصب فعلت ذلك أمسَ بدون تنوين فأمس ظرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره، وتقول في حال الجر ما رأيته مذ أمْسَ فمذ حرف جر وأمس مجرور وعلامة جره الفتحة النائبة عن الكسرة لأنه اسم لا ينصرف وعلى هذه قول الشاعر: لقد رأيت عجبا مذ أمسا ... يأكلن ما في رحلهن همسا عجائزا مثل السعالى خمسا ... لا ترك الله لهن ضرسا فقوله (مذ أمسَ) الألف زائدة لإطلاق القافية وأمس مجرور وعلامة جره الفتحة النائبة عن الكسرة لأنه اسم لا ينصرف، والسعالى جمع سعلاة، قال صاحب القاموس السِّعلاة والسعلاء بكسر السين فيهما الغول أو ساحرة الجن وتشبه المرأة العجوز عند إرادة ذمها بالسعلاة، قال الشاعر: يا قبح الله بني السعلاة ... زيد بن عمرو من شرار النات قاله يهجو بني زيد بن عمرو، وشبه أمهم العجوز بالسعلاة وقوله في آخر البيت من شرار النات يعني من شرار الناس بإبدال السين تاء. وقال أبو حيان في تفسيره المسمى بالبحر المجلد الخامس ص ١٤٤ في تفسير الآية المتقدمة ما نصه وقوله كأن لم تغن بالأمس مبالغة في التلف والهلاك حتى كأنها لم توجد قبل ولم يقم بالأرض بهجة خضرة نضرة تسر أهلها وهو من غنى بكذا، أقام به. قال الزمخشري والأمس مثل في الوقت كأنه قيل كأن لم تغن آنفا اهـ - وليس الأمس عبارة عن مطلق الوقت ولا هو مرادف لقوله آنفا لأن آنفا معناه الساعة. والمعنى كأن لم يكن لها وجود فيما مضى من الزمان، انتهى كلام أبي

стр. 108

حيان وهو واضح في أن الأمس تدل على الزمان الماضي قبل النطق بها من غير تعيين ليوم بعينه وقد خطأ أبو حيان الزمخشري في التعبير عن ذلك الوقت الماضي بقوله آنفا لأن معنى، آنفا: وقت قريب جدا من وقت النطق فلذلك عبروا عنه بالساعة أي في هذه الساعة. وهذا اللفظ بمعناه الذي أشار إليه أبو حيان موجود في سورة محمد رقم (١٦) قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ معناه: من المنافقين من يستمع إليك يا محمد، وأنت تحدث الناس، حتى إذا خرجوا من عندك قال المنافقون للمؤمنين الذين آتاهم الله العلم بكتابه وسنة رسوله، ماذا قال محمد آنفا أي في هذه الساعة حين كنا عنده، ولقد صدق أبو حيان في تخطئة الزمخشري فإن الأمس تدل على وقت من الزمان الماضي غير معين، وقال الإمام بن جرير الطبري في تفسيره الجزء الحادي عشر صفحة ٧٢ ما نصه قوله أتاها أمرنا ليلا أو نهارا يقول جاء الأرض أمرنا: يعني قضاءنا بهلاك ما عليها من النبات إما ليلا أو نهارا فجعلناها: يقول فجعلنا ما عليها حصيدا يعني مقطوعة مقلوعة من أصولها وإنما هي محصودة صرفت إلى حصيد كأن لم تغن بالأمس يقول كأن لم تكن تلك الزروع والنبات على ظهر الأرض نابتة قائمة على الأرض قبل ذلك بالأمس وأصله من غني (بكسر النون) فلان بمكان كذا، يغنى (بفتح النون) به إذا أقام به كما قال النابغة الذبياني: غنيت بذلك إذ هم لي جيرة ... منها بعطف رسالة وتودد يقول فكذلك يأتي الغناء على ما يتباهون به من دنياهم وزخارفها فيغنيها ويهلكها كما أهلك أمرنا وقضاؤنا نبات هذه الأرض بعد حسنها وبهجتها حتى صارت كأن لم تَغْنَ بالأمس كأن لم يكن قبل ذلك نبات على ظهرها انتهى كلام ابن جرير

стр. 109

وعبارة البغوي والخازن موافقة لما نقلنا عن الإمام ابن جرير، ثم تأملت كلام النسفي في تفسيره فوجدته قد اقتدى بالزمخشري فأخذ كلامه بلفظه وقد رأيت ما رد به أبو حيان عليه، وقال صاحب المصباح في (أمس) اسم علَم على اليوم الذي قبل يومك ويستعمل فيما قبله مجازا وهو مبني على الكسر وبنو تميم تعربه إعراب مالا ينصرف فتقول ذهب أمس بما فيه بالرفع، قال الشاعر: لقد رأيت عجبا مذ أمسا ... عجائزا مثل السعالى خمسا انتهى كلام المصباح - وقال ابن هشام في القطر، ص ٢٠ وأما أمس إذا أردت به اليوم الذي قبل يومك فأهل الحجاز يبنونه على الكسر فيقولون مضى أمس واعتكفت أمس، وما رأيته مذ أمس بالكسر في الأحوال الثلاثة، قال الشاعر: منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها حمراء صافية اليوم أعلم ما يجيء به ... وطلوعها من حيث لا تمسي وغروبها صفراء كالورس ... ومضى بفصل قضائه أمس انتهى كلام ابن هشام، ثم ذكر بعد ما نقلت عنه ما تقدم في كلام المصباح أن بني تميم يعربونها إعراب مالا ينصرف إلا أنه ذكر تفصيلا في ذلك لم أر نقله فراجعوه إن شئتم، وقد يدخل الألف واللام على أمس الذي يراد به نهار اليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه لضرورة الشعر قال: زهير بن أبي سلمى في معلقته: وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم ومن استعمال الأمس بمعنى الزمان الماضي قول بعض المحدثين:

стр. 110

إن الوجوه التي قد ... كنت تعرفها بالأمس كانوا هنا ... واليوم قد رحلوا يعني الأحبة كانوا هناك فيما مضى من الزمان واليوم لا يوجدون. وخير ما يحتج به في هذا المقام قول الله تعالى المتقدم ذكره في سورة يونس: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ ولا يصح بوجه أن يراد به كأن لم تكن قبل يوم واحد كما رأيت نصوص الأئمة في ذلك إذا تقرر هذا فاعلم أن صاحب لسان العرب وصاحب القاموس ذكرا كلاما مفصلا في أحكام (أمس) اللفظية ولم يحققا معناه إذا كان بالألف واللام وإذا كان بدونها وإذا أريد بأمس يوم من الأيام الماضية فإنه يعرب وينون تقول لم يقع ذلك في أي أمس من الأموس أي لم يقع هذا الأمر في أي يوم من الأيام الماضية ومن ذلك تعلم أن أمس إذا كان نكرة يجمع على أموس في جمع الكثرة وأمُس، بضم الميم، كفلس وأفلس في جمع القلة ويظهر لي أن أداة التعريف تدخل على أمس النكرة ولا تدخل على أمس إذا كان معرفة إلا لضرورة الشعر كما تقدم مثاله. ٤ - ومن ذلك قولهم في الشيء الذي هو في غاية الكمال أو الجمال (ممتاز) وهو مأخوذ من اللغات الأجنبية لأن العرب لا تقول في الاستحسان والتفوق ممتاز بل تقول حسن، جميل جدا، فائق، بلغ الغاية في الكمال، ونحو ذلك. أما الممتاز فهو الذي يتميز عن غيره، قال تعالى في سورة يس رقم (٥٩) ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ جاء في تفسير الجلالين في هذه الآية ما نصه: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ سلامٌ مبتدأ (قولا) أي بالقول خبره ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ بهم، أي يقول لهم سلام عليكم (و) يقول ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي انفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم، اهـ.
следующие страницы →