← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 150639

مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود

الجلال السيوطي

Полный текст (1 318 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مِرْقَاةُ الصُّعُود إلى سُنَن أبي داود لِلإِمَامِ الحَافِظِ أَبِي الفَضلِ جَلَالِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحمن السّيُوطِيّ ٨٤٩ - ٩١١ هـ بِعِنَايَةِ محمَّد شايب شريف المُجلَّد الأوَّل دار ابن حزم

стр. 2

حُقُوقُ الطَّبعِ مَحفُوظة الطّبْعَة الأولى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م ISBN ٩٧٨ - ٦١٤ - ٤١٦ - ٢٣٧ - ٨ الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها دار ابن حزم بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤ هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١) البريد الإلكتروني: ibnhazim@cybria.net.lb الموقع الإلكتروني: www.daribnhazim.com

стр. 3

مِرْقَاةُ الصُّعُود إلى سُنَن أبي داود (١)

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

تقديم الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فقد كتب الحافظ جلال الدّين السيوطي - الغنيّ عن التعريف -، تعليقات على الكتب الستّة: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، طبع من هذه التعليقات إلى غاية كتابة هذه السطور - فيما أعلم - ثلاثة، وهي: - تعليقه على صحيح البخاري المسمّى: التوشيح شرح الجامع الصحيح (١). - وتعليقه على صحيح مسلم المسمّى: الدّيباج على صحيح مسلم بن الحجّاج (٢). - وتعليقه على سنن النسائي المسمّى زهر الرّبى على كتاب المُجتبى (٣). وبقي منها لم يطبع: - تعليقه على سنن أبي داود المسمّى: مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود.

стр. 6

- وتعليقه على سنن الترمذي المسمّى: قوت المغتذي على جامع الترمذي. - وتعليقه على سنن ابن ماجه المسمّى: مصباح الزّجاجه على سنن ابن ماجه. وها أنا اليوم أنفض الغُبار عن أحد هذه التعليقات المتبقّية، وهو مِرْقاة الصّعود على سنن أبي داود، وذلك بخدمته والاعتناء به، بعد أن كان في رفوف الخزائن مخطوطًا، ليخرج في هذه الحلّة القشيبة التي تراها، فينضاف إلى ما طُبع من تراث هذا الإمام الشهير، وعسى أن يكون عملنا هذا حافزًا لغيرنا من الباحثين في هذا المجال إلى إخراج ما تبقّى من تعليقاته فتكتمل المجموعة، ونكون بذلك قدّمنا خدمة لإحدى دواوين السنَّة النبوّية الشريفة. وفّق الله الجميع لإعلاء كلمته وخدمة سنّة نبيه، آمين. كتبه محمد شايب شريف بالجزائر من سنة ١٤٣١ هـ/ ٢٠١٠ م *****

стр. 7

نبذة عن الكتاب مرقاة الصّعود إلى سنن أبي داود هو الكتاب الثّالث للسيوطي ضمن مجموعة تعليقاته على الكتب الستّة، حيث قال في مقدّمته: "هذا الكتاب الثالث ممّا وعدت بوضعه على الكتب الستّة ... ". بعد خطبة الكتاب ذكر السيوطي نبذة عامّة عن محتواه فقال: "لخّصت فيه معالم السنن للإمام أبي سليمان الخّطابي، وضممت إليه الفوائد الزّوائد والفرائد الشّوارد". بعد ديباجة الكتاب، استهلّ المصنّف تعليقه هذا، بذكر رسالة أبي داود لأهل مكّة في وصف سننه، ثّم ضمّ إلى ذلك بعض الفوائد كالكلام على روايات سنن أبي داود المختلفة، والكلام على الشروح التي ألّفت على السنن. ثّم شرع المؤلّف في التعليق على الأحاديث، وطريقته في ذلك أن يذكر اسم الكتاب ثمّ يورد اللّفظة أو الجملة المعلّق عليها، دون ذكر الحديث كاملًا، ودون ذكره للباب أيضًا إلَّا نادرًا، كما أنه لم يعلّق على كلّ الأحاديث ولم يتطرق لكلّ أبواب الكتاب، وإنّما انتقى من ذلك ما رآه - في نظره - أولى بالعناية. ولم يقتصر السيوطي في تعليقه هذا على ضبط الألفاظ وتفسير الغريب وتوضيح المبهم، كما فعله في تعليقاته السّابقة، بل تعدّاها إلى ذكر كثير من الأحكام الفقهيّة والمسائل العقديّة والفوائد اللّغويّة والتاريخيّة والحديثيّة

стр. 8

والأصوليّة وغير ذلك، ممّا ستراه مبثوثًا في صفحات الكتاب، حتى أنّه توسّع في بعض المواضع فبلغ ما كتيه على بعض الأحاديث الصفحات العديدة. أمّا عن موارد السيوطي في كتابه هذا، فبالإضافة إلى ما ذكره هو من اعتماده على معالم السنن للخطابي، فقد أضاف إلى ذلك الكثير من النقول من كتب أخرى خصوصًا النهاية في غريب الحديث لابن الأثير الذي اعتمد عليه أساسًا بعد معالم السنن، والجدير بالذكر هو استفادته أيضًا من كتب غير موجودة الآن أو على الأقلّ ما تزال مخطوطة، كشرح العراقي على سنن أبي داود، وشرحه على سنن الترمذي، وأمالي العزّ ابن عبدالسلام، وأمالي الحافظ العراقي، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح، والقطعة التي كتبها النووي على سنن أبي داود، هذه الأخيرة طبعت مؤخرًا، غير أنّه بالمقارنة بينها وبين ما نقله السيوطي منها، نجد عند السيوطي زيادات ليست في المطبوعة، مما يدلّ أن السيوطي اطّلع على نسخة أكمل من التي اعتمدها المحقّق في إخراج القطعة المشار إليها. ******

стр. 9

وصف النسخ المعتمدة في التحقيق اعتمدت في تحقيق كتاب مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود، على ثلاث نسخ: الأولى: من محفوظات وزارة الأوقاف الكويتية، أمدّني بمصوّرة منها، أخونا البحّاثة، إبراهيم الميلي الجزائري، وهي تقع في ١٩١ لوحة، نسخت سنة ١٠٦٧ هـ وليس فيها اسم الناسخ، معدّل عدد الأسطر في كلّ صفحة ٢٥ سطرًا، ومعدّل عدد الكلمات في السطر الواحد ١١، وإلى هذه النسخة أرمز بالحرف: "أ". الثانية: من محفوظات الزاوية العثمانية بطولقة بالجنوب الجزائري قام بتصويرها لي أخونا الفاضل لحسن بلعلجية، وهي تقع في ١٣٨ لوحة نسخت سنة ٩٨٤ هـ وليس فيها اسم الناسخ. معدل عدد الأسطر في كلّ صفحة ٣٥ سطرًا، ومعدّل عدد الكلمات في السطر الواحد ١١، وإلى هذه النسخة أرمز بالحرف: "ب". الثالثة: من محفوظات مكتبة كوبريلي بتركيا، تقع في ١١٣ لوحة، ليس فيها تاريخ نسخ ولا اسم الناسخ. معدل عدد الأسطر في كلّ صفحة ٣٣، ومعدّل عدد الكلمات في السطر الواحد ١٥، وإلى هذه النسخة أرمز بالحرف: "ج". ***********

стр. 10

المنهج المتّبع في التّحقيق قمت بنسخ الكتاب على الرّسم المتعارف، معتمدًا على النّسخ الثلاث الّتي تمّ وصفها، وقد سرتُ في ذلك على طريقة النصّ المختار، فأثبتّ ما اتفّقت عليه النّسخ الثلاث، وعند الاختلاف أثبت ما اتفقت عليه نسختان وخلاف النسخة الأخرى أثبته في الهامش، وقد أرجّح بين النسخ بالرّجوع إلى موارد السيوطي المطبوعة كمعالم السنن والنهاية في غريب الحديث وفتح الباري وسنن البيهقي، وغيرها كثير، وقد كان هدفي من ذلك كلّه محاولة تقديم نصّ سليم على قدر الإمكان كما أراده مؤلّفه، إذ هذا هو الغاية من التحقيق. ولمّا كان السيوطي في كتابه هذا، لا يذكر الحديث بتمامه، وإنّما يقتصر على اللّفظ المعلّق عليه، ودون ذكره للباب أيضًا إلَّا نادرًا، رأيت من المفيد - تسهيلًا على القارئ - أن أثبت الحديث بتمامه في أوّل كلّ تعليق مع ذكر الباب. ولهذا الغرض اعتمدت على سنن أبي داود المطبوع، وقد كانت بحوزتي ثلاث طبعات: - الطبعة التي قام بتحقيقها الشيخ محيي الدّين عبدالحميد. - الطبعة التي قام بتحقيقها عزّت عبيد الدعّاس وعادل السيّد. - طبعة دار السلام بالرياض والتي أشرف عليها صالح آل الشّيخ. وأثناء عملي رأيت بعض الفروق بين سنن أبي داود المطبوع، وما وقع التعليق عليه عند السيوطي، وتمثّلت هذه الفروق في:

стр. 11

- ترتيب بعض الأحاديث يختلف عند السيوطي عمّا هو موجود في سنن أبي داود المطبوع. - بعض الألفاظ المعلّق عليها تختلف عمّا هو موجود في سنن أبي داود المطبوع. وهذا راجع إلى اختلاف النسخ أو الرّوايات لسنن أبي داود. وقد أشرت إلى هذه الفروق في الهامش، كما ستراه في موضعه. - قمت بترقيم الأحاديث المعلّق عليها، وسيجد القارئ أمام كلّ حديث رقمين، الأوّل يمثّل الترتيب التسّلسلي للأحاديث المعلّق عليها، والثاني رقم الحديث في سنن أبي داود. **********

стр. 12

نماذج من صور المخطوطات

стр. 13

النسخة أ

стр. 14

النسخة أ

стр. 15

النسخة ب

стр. 16

النسخة ب

стр. 17

النسخة ج

стр. 18

النّصّ المحقّق

стр. 19

[افتتاحية الكتاب] الحمد لله على آلائه (١) الجَمّة، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له شهادة تزيح كلّ كرب وغمّة. وأشهد أنّ سيّدنا محمدًا عبده ووسوله، الذي أنار بشريعته البيضاء حَلك اللّيالي المدلهمة، ﷺ وعلى آله (وصحبه) (٢) المخصوصين بعلوّ الهمّة. هذا الكتاب الثّالث ممّا وعدت بوضعه على الكتب الستّة، وهو تعليق على سنن أبي داود على نَسق (٣) ما علّقته على الصّحيحين، لخّصت فيه معالم السُّنن للإمام أبي سليمان الخطّابي، وضممت إليه الفوائد الزوائد، والفرائد الشواود، وسمّيته: "مرقاة الصُّعود إلى سنن أبي داود". جعله الله مقرونًا بالإخلاص، مشمولًا بالقبول، نافعًا يبلغ من خيري الدّنيا والآخرة أعظم مأمول. *************

стр. 20

مُقدّمة قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكّة: "سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلَّا هو، وأسأله أن يصلّي على محمّد عبده ورسوله ﷺ كلما ذُكِر، أمّا بعد: عافانا الله وإيّاكم عافية لا مكروه معها، ولا عقاب بعدها، فإنّكم سألتموني أن أذكر (١) لكم الأحاديث التي في كتاب السُّنن أهي أصحّ ما عرفت (في الباب) (٢)، ووقفتُ على جميع ما ذكرتم، فاعلموا (٣) أنّه كذلك كلّه، إلَّا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين وأحدهما أقوى إسنادًا والآخر صاحبه أقدم في الحفظ، فربّما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث. ولم أكتب في الباب إلَّا حديثًا أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإنّه يكثر، وإنمّا أردت قُرْب منفعته. وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين وثلاثة فإنّما هو من زيادة كلام فيه، وربّما فيه كلمة زائدة على الأحاديث، وربمّا اختصرت الحديث الطويل لأنّي لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك.

стр. 21

وأمّا المراسيل فقد كان يحتجّ لها العلماء فيما مَضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلّم فيه وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره، فإذا لم يكن المسند ضدّ المراسيل، ولم يوجد المسند فالمرسل يحتجّ به (١)، (وليس هو مثل المتّصل في القوّة) (٢). وليس في كتاب السّنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث منكر بينّت أنّه منكر وليس على نحوه في الباب غيره. وهذه الأحاديث ليس منها (٣) في كتاب ابن المبارك ولا كتاب وكيع إلَّا الشيء اليسير، وعامّة ما في كتاب هؤلاء مراسيل، وفي كتاب السنن من موطأ مالك بن أنس شيء صالح، وكذلك في مصنّفات حمّاد بن سلمة وعبد الرزاق. وليس ثُلُث هذه الكتب مما أحسبه في كتب جميعهم، أعني مصنّفات مالك وحمّاد بن سلمة وعبد الرزاق. وقد ألّفته نَسقًا على ما وقع عندي، فإنّ ذكر لك عن النبي ﷺ سنَّة ليس فيما خرّجته (٤)، فاعلم أنّه حديث واهٍ إلَّا أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإنّي لم أخرّج الطُّرق لأنّه يكثر على المتعلّم. ولا أعرف أحدًا جمع على الاستقصاء غيري، وكان الحسن بن علي الخلّال قد جمع منه قدر تسعمائة حديث، [وذكر أنّ ابن المبارك قال: السنن عن النبيّ ﷺ نحو تسعمائة حديث] (٥)، فقيل له: إنّ أبا يوسف قال: هي ألف ومائة حديث، قال ابن المبارك: أبو يوسف يأخذ بتلك الهنّات من ههنا وههنا نحو الأحاديث الضعيفة.

стр. 22

وما كان في كتابي من حديث فيه وَهن شديد فقد بيّنته، ومنه ما لا يصحّ سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح وبعضها أصحّ من بعض، وهذا لو وضعه غيري قلتُ أنا فيه أكثر. وهو كتاب لا يرد عليك سنّة عن النّبيّ ﷺ بإسناد صالح إلَّا وهو فيه، إلَّا أن يكون كلام استُخْرِج من الحديث، ولا يكاد يكون هذا. ولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلّموا من هذا الكتاب، ولا يضرّ رجلًا أن لا يكتب من العلم بعد ما يكتب (هذه الكتب) (١) شيئًا، وإذا نظر فيه وتدبّره وتفهَّمه حينئذٍ يعلم مقداره. وأمّا هذه المسائل مسائل الثوري ومالك والشافعي، فهذه الأحاديث أصولها. ويعجبني أن يكتب الرّجل مع هذه الكتب مِنْ رأي أصحاب النبي ﷺ ، ويكتب أيضًا مثل جامع سفيان الثوري فإنّه أحسن ما وضع النّاس من الجوامع. (والأحاديث التي) (٢) وضعتُها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الحديث، إلَّا أنّ تمييزها لا يقدر عليه كلّ النّاس، والفخر بها أنهّا مشاهير، فإنّه لا يحتجّ بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثّقات من أئمّة العلم. ولو احتجّ رجل بحديث غريب وجدتَ من يطعن فيه، ولا يحتجّ بالحديث الذي قد احتجّ به إذا كان الحديث غريبًا شاذًّا، فأمّا الحديث المشهور المتّصل الصّحيح فليس يقدر أن يردّه عليك أحد. قال إبراهيم النّخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث، وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فانْشُدْه كما تُنْشد الضّالة فإن عُرف وإلاّ فدَعْه.

стр. 23

وإنّ من الأحاديث في كتاب السنن ما ليس بمتّصل وهو مرسل و (مدلس) (١) إذا لم توجد الصّحاح عند عامًة أهل الحديث على معنى أنّه متّصل، وهو مثل الحَسَن عن جابر، والحسن عن أبي هريرة، والحَكَم عن مِقْسم عن ابن عباس وليس بمتّصل، وسماع الحَكم عن مقسم أربعة أحاديث، وأمّا أبو إسحق عن الحارث عن علي فلم يسمع أبو إسحق من الحارث إلَّا أربعة أحاديث ليس فيها مسند واحد. وما في كتاب السنن من هذا النحو فقليل، ولعلّ ليس في كتاب السنن للحارث الأعور إلَّا حديث واحد وإنّما كتبته بأَخرَة. وربّما كان في الحديث ثبت صحّة الحديث منه إذا كان يخفى ذلك عليّ، فربّما تركت الحديث إذا لم أفقهه وربّما كتبته وبينّته، (أو لم أقف عليه) (٢)، وربّما توقّفت عن مثل هذا لأنّه ضرر على العامة أن يكشف لهم كلّ ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث، لأنّ علم العامة يَقْصُر عن مثل هذا. وعدد كتب هذه السنن ثمانية عشر جزءًا مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل، وما روي عن النّبي ﷺ من المراسيل منها ما لا يصحّ ومنها ما هو بسند عند غيره وهو متّصل صحيح. ولعلّ عدد الأحاديث التي في كتبي من الأحاديث قدر أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ونحو ستمائة حديث من المراسيل. فمن أحبّ أن يميّز هذه الأحاديث مع الألفاظ فربما يجيء (٣) الحديث من طريق وهو عند العامة من حديث الأئمة الذين هم مشهورون، غير أنّه ربّما طلب اللّفظة التي يكون لها معان كثيرة.

стр. 24

(و) (١) ممّن عرفت وقد نقل من جميع هذه الكتب فربّما يجيء الإسناد فيُعْلم من حديث غيره أنّه متّصل، ولا يتبيّنه السامع إلَّا بأن يعلم الأحاديثَ فيكون (٢) له فيه معرفة فيقف عليه، مثل ما يُروى عن ابن جريج قال: أخْبِرت عن الزّهري، ويرويه البُرْساني عن ابن جريج عن الزهري. فالذي يسمع يظنّ أنّه متّصل ولا يصحّ بينهم، (فإنما تركناه لذلك لأنّ) (٣) أصل الحديث غير متّصل ولا يصحّ، وهو حديث معلول. ومثل هذا كثير، والذي لا يعلم يقول قد تَرَكَ حديثًا صحيحًا من هذا أو جاء بحديث معلول. وإنمّا لم أصنّف (في كتاب السّنن) (٤) إلَّا الأحكام، ولم أصنّف كتب الزّهد وفضائل الأَعْمال وغيرها، فهذه (أربعة) (٥) آلاف والثمانمائة كلّها في الأحكام، فأمّا أحاديث كثيرة صحاح من الزهد والفضائل وغيرها في غير هذا لم أخرّجها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته". انتهت الرسالة. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان (٦) أبو داود قد سكن البصرة وقدم بغداد غير مرّة، وروى كتابه السُّنن بها ونقله عنه أهلها. ويُقال: إنّه صنّفه قديمًا وعرضه على أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه. وقال الخطّابي: كتاب السّنن لأبي داود كتاب شريف لم يصنّف في علم الدّين كتاب مثله، وقد رزق القبول من كافّة الناس وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وعليه معوّل أهل العراق ومصر وبلاد المغرب وكثير

стр. 25

من مدن أقطار الأرض. وكان تصنيف علماء الحديث قبل أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوها فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأمّا السنن المحضة فلم يقصد أحد جمعها واستيفائها على حسب ما اتّفق لأبي داود. ولذلك حلّ (١) هذا الكتاب عند أئمّة الحديث وعلماء الأثر محلّ العجب، فضربت فيه أكباد الإبل ودامت إليه الرّحل. وقال ابن الأعرابي: لو أنّ رجلًا لم يكن عنده من العلم إلَّا المصحف ثمّ كتاب أبي داود لم يحتج معهما شيء من العلم. قال الخطّابي: وهذا كما قال لا شكّ فيه، فقد جمع في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمّهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدّما سبقه إليه ولا متأخرًا لحقه فيه". وقال النّووي في القطعة التي كتبها من شرح أبي داود: "ينبغي للمشتغل بالفقه وغيره الاعتناء بسنن أبي داود وبمعرفته التامّة، فإنّ معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه، مع سهولة متناوله وتلخيص أحاديثه، وبَراعة مصنفه واعتنائه بتهذيبه". وقال أبو العلاء الواذاري: "رأيت النبي ﷺ في المنام فقال: من أراد أن يستمسك بالسّنن فليقرأ سنن أبي داود". وحكى أبو عبد (٢) الله محمد بن إسحاق بن منده الحافظ أنّ شرط أبي داود والنّسائي إخراج أحاديث أقوام لم يجتمع على تركهم إذا صحّ الحديث باتّصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال. وقال الخطّابي: كتاب أبي داود جامع لنوعي الصّحيح والحسن، وأمّا السقيم فعلى طبقات شرّها الموضوع ثمّ المقلوب ثمّ المجهول، وكتاب أبي داود خَليّ منها بريء من جملة وجوهها. وحُكي لنا عنه أنّه قال: ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه.

стр. 26

° فائدة: كَتَب الناس على الصّحيحين شروحًا كثيرة مطوّلة ومتوسطة ومختصرة، ولم يعتنوا بالكتابة على سنن أبي داود كاعتنائهم بالصّحيحين. وأشهر كتاب عليه معالم السنن للخطابي وهو مختصر، وشرع الشيخ محيي الدّين النّووي في شرح عليه فكتب منه قطعة. وللحافظ زكي الدّين المنذري عليه حاشية، ولابن القيم عليه مجلد لطيف جمع فيه بين الخطابي والمنذري. وللحافظ مغلطاي عليه شرح سمّاه: "السنن " لا أدري هل أكمله أم لا، وشرع الشيخ وليّ الدّين العراقي في شرح عليه مبسوط جدًّا كتب منه من أوّله إلى سجود السهو في سبع مجلدات، وكتب مجلّدًا فيه الصيام والحج والجهاد، ولو كمل لجاء في أكثر من أربعين مجلدًا، وذكر أنّ الشّهاب ابن رسلان شرحه شرحًا كاملًا ولم أقف عليه. ° فائدة: قال الحافظ أبو جعفر بن الزّبير في برنامجه (١): "روى هذا الكتاب عن أبي داود ممّن اتصلت أسانيدنا به أربعة رجال، أبو بكر محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق التمّار البصري المعروف بابن داسه بفتح السّين المهملة وتخفيفها، نصّ عليه القاضي (٢) أبو محمد بن حوط الله، وألفيته (٣) في أصل القاضي أبي الفضل عياض من كتاب الغنية مشدّدًا، وكذا وجدته في بعض ما قيّدته عن شيخنا أبي الحسن الغافقي شكلًا من غير تنصيص. وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر المعروف بابن الأعرابي، وأبو علي محمد بن أحمد بن عمرو (٤) اللّؤلؤي البصري، وأبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرّملي وَرّاق أبي داود. ولم تتشعب طرقه كما اتّفق في

стр. 27

الصّحيحين، إلَّا أنّ رواية ابن الأعرابي يسقط منها كتاب الفتن والملاحم، والحروف والخاتم، ونحو النّصف من كتاب اللّباس، وفاته أيضًا من كتاب الوضوء والصّلاة والنّكاح أوراق كثيرة. ورواية ابن داسه أكمل الرّوايات، ورواية الرّملي تقاربها، ورواية اللّؤلؤي من أصحّ الرّوايات لأنّها من آخر ما أَمْلَى أبو داود وعليها مات. انتهى. *********

стр. 28

كِتاب الطَّهارة [باب التَّخلّي عند قضاء الحاجة] (حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمة) بفتح الميم. (بن قَعْنَب) القعنَبي بفتح القاف وإسكان العين المهملة وفتح النّون بعدها باء موحّدة. (حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد) هو الدَّراوردي، ذكر ابن سعد وأبو حاتم وغيرهما أنّ أصله من دراورد قرية بخراسان، وقال البخاري: نِسْبة إلى درا بْجِرْد بفارس. (عن محمد يعني ابن عمرو) هو ابن علقمة بن وقّاص اللّيثي. (عن أبي سلمة) هو ابن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، قيل: اسمه عبد الله وقيل: إسماعيل وقيل: اسمه كنيته. قال مالك بن أنس: كان عندنا رجال من أهل العلم اسم أحدهم كنيته منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو أحد الفقهاء السّبعة على قول. (عن المغيرة بن شعبة) بضمّ الميم وكسرها والضمّ أَشْهر، قال الدارقطني في العلل: "اختلف في هذا الحديث على محمد بن عمرو، فرواه

стр. 29

إسماعيل بن جعفر وأسباط بن محمد وأبو بدر (١) شجاع بن الوليد عنه هكذا، وخالفهم عبدة بن سليمان فقال: محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، والصّحيح حديث المغيرة". انتهى. (أنّ النّبي ﷺ كان إذا ذهب المذهَب أَبْعَد) قال في النّهاية: "هو الموضع الذي يتغوّط فيه، مَفعل من الذهاب". وقال الشيخ ولي الدّين العراقي: هو بفتح الميم وإسكان الذّال المعجمة وفتح الهاء، مفعل من الذهاب. ويُطلق على معنيين [أحدهما: المكان الذي يذهب إليه (٢)، والثاني: المصدر، يقال: ذهب ذهابًا ومذهبًا، فيحتمل أن يراد المكان فيكون التقدير إذا ذهب في المذهب لأنّ شأن الظروف تقديرها بفي، ويحتمل أن يراد المصدر أي إذا ذهب مذهبًا فعرَّف المصدر لأنّ المراد ذهاب خاصّ] (٣). قال: والاحتمال الأوّل هو المنقول عن أهل الغريب قاله أبو عبيد وغيره. وجزم به في النّهاية تبعًا للهروي، ويوافق الاحتمال الثاني قوله في رواية الترمذي: "أتى حاجته فأبعد في المذهب" فإنّه يتعيّن فيها أن يُراد بالمذهب المصدر. وزعم ابن منده (٤) أنّ رواية المصنّف وهم وأنّ الصّواب رواية الصّحيحين من طريق مسروق عن المغيرة قال: "كنت مع النّبيّ ﷺ في سفر فقال: يا مغيرة، خذ الإداوة فأخذتها، فانطلق حتى توارى عنّي فقضى حاجته". قال الشيخ ولي الدّين: وليس كما ذكر، فكلا الرّوايتين صحيح ولا منافاة بينهما فإحداهما شاهدة للأخرى. وقال النووي في شرحه: إن قيل: كيف حكمتم بصحّة هذا الحديث

стр. 30

وفي إسناده محمد بن عمرو بن علقمة؟ فالجواب: أنّه لم يثبت في ابن علقمة قادح مفسَّر. (كان إذا أراد البَراز) قال الخطّابي: هو بالباء المفتوحة اسم للفضاء الواسع من الأرض، كَنّوا به عن حاجة الإنسان كما كنّوا عنها بالخلاء، يقال: تبزز الرّجل إذا تغوّط دإذا خرج إلى البراز، كما يقال: تخلّى إذا صار إلى الخلاء. قال: وأكثر الروّاة يقولونه بكسر الباء وهو غلط، إنمّا ذاك مصدر بارزت الرّجل في الحرب. وقال النّووي في شرحه بعد حكايته: وقلّد الخطّابي في ذلك جماعة، وليس الكسر غلطًا كما قال، بل هو صحيح أو أصحّ، فقد ذكر الجوهري وغيره أن البراز بالكسر اسم للغائط الخارج من الإنسان فيظهر الكسر حينئذٍ لا سيما والرّواية بالكسر. وذكر في تهذيب الأسماء واللّغات أن ضبطها بالكسر هو الظّاهر أو الصّواب. (انطلق حتّى لا يراه أحد) اقتصر على هذا القدر والحديث مطوّل، أخرجه ابن عدي والبيهقي وزاد: "فنزلنا منزلًا بفلاة من الأرض ليس فيها عَلَم ولا شَجر فقال لي: "يا جابرُ، خُذ الإداوة وانطلق بنا"، فملأت الإداوة ماءً وانطلقنا، فمشينا حتى لا نكاد نُرى فإذا شجرتان بينهما أذرع فقال رسول الله ﷺ : يا جابر، انطلق فقل لهذه الشجرة: يقول لكِ رسول الله ﷺ : أَلْحِقي بصاحبتك حتّى أجلس خلفكما". ففعلتُ، فزَحَفتْ حتى لحقت بصاحبتها، فجلس خلفهما حتّى قضى حاجته". ***

стр. 31

[باب الرجل يتبوّأ لبوله] (حدّثنا موسى بن إسماعيل) هو التّبوذكي. (حدّثنا حمّاد) هو ابن سَلَمة، لأنّ موسى إذا أطلق حماد فإنما يريده، وهو قليل الرّواية عن حماد بن يزيد حتى قيل إنّه لم يرو عنه إلَّا حديثًا واحدًا. (أنا أبو التيّاح) بفتح المثنّاة من فوق وتشديد المثنّاة من تحت وآخره حاء مهملة، اسمه يزيد بن حميد الضبعي. (لمّا قدم ابن عباس البصرة) بتثليث الباء والفتح أشهر. (فكان يحدَّث عن أبي موسى) ببناء يحدّث للمفعول لأن في رواية البيهقي "سمع أهل البصرة يحدّثون عن أبي موسى عن النّبي ﷺ أحاديث"، واسم "كان" ضمير الشأن، وجملة يحدّث الخبر، وعن أبي موسى في محل رفع مفعول ما لم يسم فاعله. (كنت مع رسول الله ﷺ يوم) أي: يومًا، ولفظ ذات مقحم (١) (٢). (فأتى دَمَثا) بفتح الدّال المهملة وميم مفتوحة ومكسورة، وهو أشهر،

стр. 32

ومُثلّثة، الأرض السّهلة الرّخوة، ورجل دَمث ليّن الخلق في سهولة. (في أصل جدار) أي: أسفله، والمراد ما قاربه فإنّه لا يمكن البول في أسفله حقيقة مع بقائه. (فبال) قال الخطاّبي: يشبه أن يكون ذلك الجدار عاديًا غير مملوك لأحد، فإنّ البول يضرّ بأصل البناء ويُوهي أساسه، وهو ﷺ لا يفعل ذلك في ملك أحد إلَّا بإذنه، [أو يكون قعوده متراخيًا عنه بحيث لا يصيبه البول. زاد النووي] (١): "أو يكون علم برِضى صاحب الجِدار بذلك". (ثمّ قال: إذا أراد أحدكم أن يبول) فيه حذف ثبت عند البيهقي ولفظه: فقال: إنّ بني إسرائيل كان إذا بال أحدهم فأصاب جسده البول قَرضه بالمقاريض فإذا أراد أحدكم أن يبول (فليرتَد لبوله) قال في النّهاية: "أي: يطلب مكانًا ليّنًا لئلّا يرجع عليه رَشاش بوله، يُقال: رادَ وارْتاد واسْترادَ"، ومنه الرائد الذي يبعثه القوم يطلب لهم الماء والكلأ. وقال الشّيخ وليّ الدّين: المراد فليرتد لبوله مكانًا ليّنًا مثل ما فعلتُ، فحذف المفعول للعلم به. *** [باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء] (عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء) لابن

стр. 33

حبّان والبيهقي "إذا أراد أن يدخل"، والخلاء بالفتح والمدّ يطلق على المكان الذي ليس به أحد، وعلى المكان المعدّ لقضاء الحاجة. (قال: أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث) قال الخطّابي: "الخبث بضمّ الباء جمع الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، يريد ذكران الشّياطين وإناثهم، وعامّة أصحاب الحديث يقولون: الخبث ساكنة الباء وهو غلط، والضواب الخبُث مضمومة الباء"، زاد في كتابه إصلاح غلط روّاة الحديث، فقال بعد أن ذكر أنّ أصحاب الحديث يروونه بإسكان الباء: "وكذلك رواه أبو عبيد في كتابه وفسّره فقال: أمّا الخبث فإنّه بمعنى (١) الشرّ والخبائث الشّياطين". انتهى. واتّفق من بعد الخطابي على تغليطه في إنكار الإسكان، قال النّووي في شرح مسلم: هذا الذي غلَّطهم فيه ليس بغلط، ولا يصحّ إنكاره جواز الإسكان، فإن الإسكان جائز على سبيل التّخفيف (٢) كما يقال كتْب ورسْل وعتْق وأذْن ونظائره، فكل هذا وما أشبهه جائز تسكينه بلا خلاف عند أهل العربية وهو باب معروف من أبواب التصريف لا يمكن إنكاره. ولعلّ الخطّابي أراد الإنكار على من يقول أصله الإسكان، فإن أراد هذا فعبارته موهمة. انتهى. ونقل القاضي عياض عن بعضهم أنّه حمل الخبث على الشياطين والخبائث على البول والغائط، فقال إنّه استعاذ أوّلًا من الشياطين لتضاحكها من عورة الإنسان عند انكشافها، فلمّا استعاذ منها ولّت هاربة، فاستعاذ من الخبائث وهي البول والغائط لئلّا يناله مكروه منهما.

стр. 34

(أنا شعبة عن قتادة عن النّضر بن أنس عن زيد بن أرقم) قال البيهقي في سننه: وهكذا رواه معمر عن قتادة وابن عُلية وأبو الجماهر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، ورواه يزيد بن زريع وجماعة عن سعيد بن أبي عروبة (عن قتادة) (١) عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن أرقم. قال أبو عيسى: قلت لمحمد يعني البخاري: أيّ الرّوايات عندكم أصحّ؟ فقال: لعل قتادة سمع منهما جميعًا عن زيد بن أرقم، ولم يقض (في هذا) (٢) بشيء. وقال البيهقي: وقيل عن معمر عن قتادة عن أبي النضر بن أنس عن أنس، وهو وهم. وقال الترمذي في جامعه: حديث أنس أصحّ شيء في هذا الباب وأحسن، وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب. (إنّ هذه الحُشوش) بضمّ الحاء المهملة وشينين معجمتين، هي الكُنُف (٣) واحدها حشّ مثلث الحاء، وأصله جماعة النّخل الكثيفة، كانوا يقضون حوائجهم إليها قبل أن تتّخذ الكنف في البيوت. (مُحْتَضَرَة) أي: تحضرها الشياطين وتنتابها. *** [باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة]

стр. 35

(قيل له: علّمكم (١) نبيّكم كلّ شيء) قال النووي: الذي قال ذلك لسلمان رجل من اليهود. (حتّى الخِراءة) بكسر الخاء والمدّ، التّخلّي والقعود للحاجة، قال الخطّابي: وأكثر الروّاة يفتحون الخاء من غير مدّ. وقال الجوهري: هي بالفتح والمدّ، يقال: خرئ خراءة مثل كره كراهة. قال في النهاية: ويحتمل أن يكون بالفتح المصدر وبالكسر الاسم. وهو منصوب عطفًا بحتّى على ما قبله. (أجل) بسكون اللّام، حرف جواب بمعنى نعم. (نهانا أن نستقبل القبلة بغائط) قال الشّيخ وليّ الدّين: ضبطناه في سنن أبي داود بالباء الموحّدة، وفي مسلم: "لغائط " باللّام. (وأن لا نستنجي) لا زائدة وقد سقطت من بعض النسخ. (برجيع) هو العذرة والرَّوْث، سمّي رجيعًا لأنّه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو عَلفًا. (إنّما أنا لكم بمنزلة الوالد) قال الخطّابي: هو كلام بسط وتأنيس

стр. 36

للمخاطبين لئلّا يحتشموه ولا يستحيوا (منه) (١) فيما يعرض لهم من أمر دينهم. (ولا يستطيب (٢) بيمينه) قال النووي في شرحه: "هكذا هو في عامّة النسخ ولا يستطيب بالياء وهو صحيح، وهو نهي بلفظ الخبر، كقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾ وكقوله ﷺ : "لا يبيع أحدكم على بيع أخيه" ونظائره، وهذا أبلغ في النّهي لأنّ خبر الشارع لا يتصوّر خلافه وأمره قد يُخالف، فكأنَّه قيل: عاملوا النهي معاملة الخبر الذي لا يقع خلافه. وقال الشيخ وليّ الدّين: الذي في أصلنا "ولا يستطبْ" بدون ياء على لفظ النّهي. قلت: ولفظ البيهقي "وإذا استطاب فلا يستطب". قال الخطّابي: "أي: لا يستنجي، وسمّي الاستنجاء استطابة لما فيه من إزالة النَّجاسة وتطييب موضعها". (وينهى عن الرّوث) بفتح الرَّاء وسكون الواو ومثلثة، رجيع ذوات الحافر قاله صاحبا المحكم والنّهاية وغيرهما، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: رجيع غير بني آدم. قال صاحب المحكم: والجمع أرواث. وفي الصّحاحّ: الرّوثة واحدة الرّوث والأرواث. (والرِّمَّة) بكسر الرّاء وتشديد الميم، العَظم البالي، قال الخطّابي: إنّما سمّي رمّة لأنّ الإبل ترمّه أي تأكله. وفي الصّحاح أنّه يجمع على رمم ورمام، وفي النّهاية يجوز أن تكون الرمّة جمع رَميم.

стр. 37

(ثنا سفين) هو ابن عيينة. (عن الزّهري عن عطاء بن يزيد (١) عن أبي أيّوب) قال الذّهبي: أجمعت الأمّة على الاحتجاج بابن عيينة وكان يدلّس، لكن المعروف أنّه لا يدلّس إلَّا عن ثقة. وصرّح أبو بكر البزّار وابن حبّان وأبو الفتح الأزدي وغيرهم بدعوى الاتّفاق على قبول الأسانيد التي عَنْعَن (٢) فيها وإن كان يدلّس، لأنّه لا يدلّس إلَّا عن ثقة، وقالوا: هذا شيء لا يعرف في الدّنيا إلَّا لسفيان بن عيينة. وقال الشّيخ وليّ الدّين العراقي في شرحه: روى الزّهري عن ثلاثة كلّ منهم يسمّى عطاء، عطاء بن يزيد اللّيثي هذا، وروايته عنه في الكتب الستّة، وعطاء بن أبي رباح وروايته عنه في الصّحيحين وسنن أبي داود والنسائي، وعطاء بن يعقوب مولى ابن سباع وروايته عنه في صحيح مسلم ولا يعرف أحد اسمه عطاء روى عن أبي أيّوب وروى عنه الزهري إلَّا عطاء بن يزيد. (رواية) هي من صيغ الرّفع، وهي على المصدر بفعل مقدَّر أي رواه. (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط) قال الشيخ ولّي الدّين: المراد بالغائط الأوّل المعنى الحقيقي وهو المكان المنخفض الواسع، وبالثاني المعنى المجازي وهو الخارج المعروف. (ولكن شرّقوا أو غرّبوا) قال الشيخ وليّ الدّين: ضبطناه في سنن أبي داود "وغرّبوا" بغير ألف وفي بقيّة الكتب الستّة "أو غربوا" بإثباتها. ونقله النّووي في شرحه عن بعض نسخ أبي داود، وكذا رأيته في مختصر السّنن للمنذري بإثبات الألف ولعلّه من النّاسخ وكلاهما صحيح، والمعنى استقبلوا

стр. 38

جهة المشرق والمغرب. قال الخطّابي: هذا خطاب لأهل المدينة ولمن كانت قبلته على ذلك السَّمت، فأمّا من كانت قبلته إلى جهة المغرب أو المشرق فإنّه لا يغرّب ولا يشرّق. (فوجدنا مراحيض) بفتح الميم وراء وحاء مهملتين وضاد معجمة، جمع مِرْحاض بكسر الميم وهو المغتسل ويكنى به عن موضع التّخلّي. (ونستغفر) (١) قال الشيخ ولي الدّين: كذا وقع في رواية أبي داود بحذف لفظ الجلالة، وفي بقية الكتب الستّة بإثباتها، ونقله النّووي في شرحه عن رواية أبي داود. (عن عمرو بن يحيى عن أبي زيد) سمّاه أبو داود في رواية ابن العبد: الوليد، وذكره ابن عبد البرّ في الصّحابة فيمن لم يعرف له اسم سوى كنيته، وذكر ابن منده أنّه مولى شيخه معقل، ولم يرو عنه غير عمرو بن يحيى بن عمارة. (عن معقل بن أبي معقل) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف فيهما، وهو معقل بن الهيثم، كذا ذكره الحافظ جمال الدّين المزّي تَبَعًا لابن حبّان، وقيل ابن أبي الهيثم وصحّحه الدّارقطني، قال ابن عبد البرّ: معقل بن أبي الهيثم يقال له: معقل بن أبي معقل ومعقل ابن أمّ معقل، وكلّه واحد، وأبوه وأمّه لهما صحبة أيضًا. (و) (٢) له عن النّبيّ ﷺ حديثان، هذا، والآخر حديث: "عمرة في رمضان تعدل حجّة" رواه النّسائي.

стр. 39

(الأسدي) بفتح السّين، حليف لبني أسد بن خزيمة، كذا ذكره ابن منده والمزّي وغيرهما، لكن في مصنّف ابن أبي شيبة ومعجم الطّبراني "الأزدي" بالزّاي، وهو يدل على أنّه بسكون السّين فإنّه يقال: الأزد والأسد والأصد، ثلاث لغات. (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين) قال الخطّابي: أراد الكعبة وبيت المقدس، فيحتمل أن يكون على معنى الاحترام لبيت المقدس إذ كان مدّة قِبلة لنا، ويحتمل أن يكون ذلك من أجل استدبار الكعبة لأنّ من استقبل بيت المقدس بالمدينة فقد استدبر الكعبة. وقال النّووي: هو نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم بالإجماع. وقال أحمد بن حنبل: هو منسوخ بحديث ابن عمر، وقال أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة إنّما نهى عن استقباله حين كان قبلة، ثمّ نهى عن استقبال الكعبة حين صارت قبلة، فجمعهما الرّاوي ظنًّا منه على أن النّهي مستمرّ. ونقل الماوردي عن بعض المتقدّمين أنّ المراد بالنّهي أهل المدينة فقط لأنّهم إذا استقبلوا بيت المقدس استدبروا الكعبة فكان نهيهم لأجل استدبار الكعبة، لا لأجل حرمة استقبال بيت المقدس. (حدّثنا محمد بن يحيى بن فارس) هو الذّهلي أحد الحفّاظ الأعلام، وهو ابن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس. (عن مروان الأصفر) يقال: إنّ اسم أبيه خاقان وكنيته أبو خلف. (إنّما نُهي عن ذلك في الفضاء) بالمدّ، وهو الأرض الواسعة.

стр. 40

(فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس) قال في المحكم: البأس الحرب ثمّ كثر حتّى قيل: لا بأس عليك ولا بأس، أي: لا خوف. قال الشّيخ ولي الدّين: فقوله: "فلا بأس"، أي: فلا خوف من ارتكاب ذلك فإنّه جائز. قال الخطّابي: هذا أولى ما يذهب إليه، لأنّ فيه جمعًا للأخبار المختلفة واستعمالها على وجوهها كلّها، وفي قول أبي أيّوب تعطيل لبعض الأخبار وإسقاط (له) (١). قال: والمعنى في ذلك أنّ الفضاء من الأرض موضع للصّلاة ومتعبَّد للملائكة والإنس والجنّ، والقاعد فيه مستقبلًا ومستدبرًا هدف للأَبْصار، وهذا المعنى مأمون في الأبنية. قلت: وقد رويَ هذا المعنى عن الشعبي، فأخرج البيهقي عن عيسى الحنّاط قال: قلت للشعبي: أنا أعجب من اختلاف أبي هريرة وابن عمر، قال نافع عن ابن عمر: دخلت بيت حفصة فحانت التفاتة فرأيت كنيف رسول الله ﷺ مستقبل القبلة. وقال أبو هريرة: إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها. قال الشعبي: صَدَقا جميعًا، أمّا قول أبي هريرة فهو في الصّحراء، إنّ لله عبادًا ملائكة وجنًّا يصلّون فلا يستقبلهم أحد ببول ولا غائط ولا يستدبرهم، وأمّا كنفهم هذه فإنّما هو بيت يبنى لا قبلة فيه. *** [باب الرّخصة في ذلك]
следующие страницы →