← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1507

مع الاثنى عشرية في الأصول والفروع

علي السالوس

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

القسم الأول: التفسير وأصوله عند أهل السنة .

стр. 317

الفصل الأول: علم التفسير التفسير في اللغة: التفسير في اللغة راجع إلى معنى الإظهار والكشف والبيان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (١) فكلمة: " تفسيرا " هنا يراد بها البيان والوضوح. التفسير في الاصطلاح: قال الزركشى في البرهان التفسير في الاصطلاح: هو علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها، والإشارات النازلة فيها. ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها. وزاد فيها قوم فقالوا: علم حلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها (٢). وما ذكره الزركشى يحدد ما يقوم به المفسر لكتاب الله المجيد، فعليه أن يبين كل ما ذكر، ويوضحه ويكشف عنه. التأويل: وقد يطلق على التفسير التأويل؛ فتفسير الطبري سماه " جامع البيان عن تأويل أي القرآن "، وعند تفسير الآيات الكريمة يقول: القول في تأويل كذا، أو اختلف أهل التأويل، أو اتفق أهل التأويل ... إلخ.

стр. 318

وفى لسان العرب: أول الكلام وتأوله: دبره وقدره، وأوله وتأوله: فسره. وممن ذهب إلى عدم التفرقة بين التفسير والتأويل: أبو عبيد، وأبو العباس أحمد ابن يحيى، وابن الأعرابى، وثعلب: غير أنه قال: التفسير والتأويل واحد، أو هو كشف المراد عن المشكل، والتأويل رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر (١) . وأصل التأويل في اللغة من الأول وهو الرجوع لعاقبة الأمر، ومعنى ... قولهم: ما تأويل هذا الكلام؟ أي: إلام تئول العاقبة في المراد به؟ ويقال: آل الأمر إلى كذا: أي صار إليه؛ والمآل: هو العاقبة والمصير. وتقول: أولته فآل: أي صرفته فانصرف، فكأن التأويل صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني. وقيل: أصل التأويل من الإيالة، وهى السياسة، فكأن المؤول للكلام يسوى الكلام ويسوسه، ويضع المعنى فيه موضعه. والمعنى اللغوى للتأويل لا يمنع من إطلاقه على التفسير، ولكن قوماً ذهبوا إلى التفرقة بين التفسير والتأويل: فالماتريدى الذي سمى تفسيره " تأويلات أهل السنة "، مما يرجح أنه لا يفرق بينهما، قال: التفسير: القطع على أن المراد من اللفظ هذا، والشهادة على الله أنه عنى باللفظ هذا. والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة. وقال ابن حبيب النيسابورى والبغوى وغيرهما: التأويل صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وما بعدها، تحتمله الآية، غير مخالف للكتاب والسنة، من طريق الاستنباط. والتفسير هو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها.

стр. 319

وقال ابن الأثير: المراد بالتأويل: نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلى إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ. وقال الراغب الأصفهانى: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل في الكتب الإلهية وغيرها. وقال السيد الشريف على بن محمد الجرجانى: التفسير علم يبحث فيه عن أحوال كلام الله المجيد من حيث دلالته على مراده، وينقسم إلى تفسير: وهو ما لا يدرك إلا بالنقل؛ كأسباب النزول، والقصص، فهو ما يتعلق بالرواية، وإلى تأويل: وهو ما يمكن إدراكه بالقواعد العربية، وهو ما يتعلق بالدراية، فالقول في الأول بلا نقل خطأ، وكذا القول في الثاني بمجرد التشهى وإن أصاب فيهما (١) . وأمام هذا الخلاف ننظر إلى معنى التأويل كما يفهم من الكتاب والسنة. كلمة تأويل في القرآن الكريم: كلمة تأويل ذكرت في القرآن الكريم سبع عشرة مرة، ففى سورة آل عمران (آية ٧) ﴿ ... هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾

стр. 320

والمعنى هنا أن الذين في قلوبهم زيغ، أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل، يصرفون المتشابه عن معناه الذي يوافق المحكم إلى ما يوافق أغراضهم وباطلهم، ولا يعلم تأويله الحق الذي يحمل عليه وتفسيره الصحيح إلا الله، والعلماء الثابتون في علمهم المتمكنون يرجعون المتشابه إلى المحكم، ويقولون: كل من المحكم والمتشابه من عند ربنا، فلا يمكن أن يخالف بعضه بعضا. فكلمة تأويله الأولى تعنى تحريف المعنى، ولهذا يأخذون من القرآن الكريم " المتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم " (١) . وكلمة تأويله الثانية تعنى التأويل الحق الذي يحمل عليه المتشابه، وهو المعنى الصحيح الذي لا يتعارض مع المحكم. وفى سورة النساء آية ٥٩: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أحسن تأويلا: أحسن عاقبة ومآلا. وفى سورة الأعراف آية ٥٣: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ والتأويل هنا معناه: عاقبة أمره، وما يئول إليه ما أخبر به من الوعد والوعيد.

стр. 321

وفى سورة يونس آية ٣٩: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه ُ﴾ أي: مآله وعاقبة أمره، وهو خذلانهم في الدنيا، وخلودهم في النار في الآخرة. وفى سورة يوسف وردت الكلمة في ثمانى آيات، أرقامها: ٦، ٢١، ٣٦، ٣٧، ٤٤، ٤٥، ١٠٠، ١٠١. ومن هذه الآيات الكريمة: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ أي: بيان الرؤيا، وهو تفسيرها وعبارتها. ومنها: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾ والأولى تعني تعبير الرؤيا، والثانية: نبأتكما بتأويله: أي أخبرتكما بأحواله التي سيكون عليها وماهي. فالتأويل هنا بيان ما هيته وكيفيته (١) ، وقال ابن كثير: يخبرهما يوسف ﵇ أنهما مهما رأيا في منامهما من حلم فإنه عارف بتفسيره، ويخبرهما بتأويله قبل وقوعه (٢) . ومن هذه الآيات الكريمة أيضا: ﴿

стр. 322

قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ . ومنها: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ ... ﴾ . وفى سورة الإسراء آية ٣٥: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ... ﴾ أي: مآلا في الآخرة. وفى سورة الكهف آية ٧٨: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ . وفيها أيضاً آية ٨٢: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرً﴾ والتأويل هنا هو ما ذكره الخضر ـ ـ تفسيراً للأحداث التي رآها موسى ـ ـ وأنكرها، وهى: خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار. كلمة تأويل في السنة المطهرة: وننظر بعد هذا في كتب السنة: ١ ـ روى الإمام أحمد والطبرانى عن ابن عباس أن الرسول ﷺ دعا له فقال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ". وعند البزار: " اللهم علمه تأويل القرآن ".

стр. 323

وعند أحمد من وجه آخر عن عكرمة: " اللهم اعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل " (١) . ٢ ـ وروى الشيخان أن الرسول ﷺ قال: " بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون على وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك. وعرض على عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره. قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين " (٢) . ٣ ـ وفى رواية جابر لحجة الرسول ﷺ قال: " نظرت إلى مد بصري من بين يديه، بين راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، ما عمل به من شيء عملنا به...... " (٣) . ٤ ـ وروى الإمام البخاري عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن " (٤) تعنى أنه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ ٥ ـ وفى صحيح البخاري أيضاً: ... فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لا يرث المؤمن الكافر.

стр. 324

قال ابن شهاب: وكانوا يتأولون قول الله تعالى " ٧٢: الأنفال ": ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ ... الآية (١) . قال ابن حجر: قوله " قال ابن شهاب: وكانوا يتأولون إلخ " أي كانوا يفسرون قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ بولاية الميراث، أي يتولى بعضهم بعضا في الميراث وغيره (٢) . ٦ ـ ومن حديث رواه الإمام أحمد أن الرسول قال: " يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله عزوجل " (٣) . ٧ ـ روى الإمام مالك عن كعب الأحبار، أن رجلاً نزع نعليه، فقال: لم خلعت نعليك؟ لعلك تأولت هذه الآية ... ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ... قال: ثم قال كعب للرجل: أتدرى ما كانت نعلا موسى؟ ... إلخ (٤) ٨ ـ عن عائشة ﵂ قالت: الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر. قال الزهرى: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان (٥) .

стр. 325

أراد بتأويل عثمان ﵁ ما روى عنه أنه أتم الصلاة بمكة في الحج، والخلاف حول تأويل عثمان يطول ذكره (١) . بعد هذا العرض لما جاء في القرآن الكريم، وفى كتب السنة النبوية المطهرة، نرى أن إطلاق تأويل القرآن على تفسيره لا يتعارض مع ما جاء من استعمال كلمة تأويل في هذين المصدرين، إضافة إلى ما رأيناه من قبل من المعنى اللغوى، مع عدم إغفال أن التأويل منه ما هو باطل فاسد، ومنه ما هو حق صحيح، وكذلك التفسير. التفرقة بين التفسير والتأويل: والذين رأوا التفرقة بين التفسير والتأويل نرى أن فيما ذهبوا إليه نظراً: ١ ـ فكلام الماتريدى يجعل التفسير قاصراً على قول المعصوم ﷺ ، وعلى ما لا يحتاج إلى تفسير! ولعل هذا هو الذي جعله يسمى تفسيره " تأويلات أهل السنة ". ويتعارض هذا مع ما جاء في السنة من أن الرسول ﷺ يعرف تأويل القرآن الكريم، وأنه يتأول القرآن. ٢ ـ ما ذهب إليه النيسابوري والبغوي وغيرهما من قصر التفسير على الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها غير مسلم، فالتفسير بمعناه المفهوم لا يتم بهذا وحده، وإنما لابد من النظر والاستنباط حتى يتم التوضيح والإظهار والبيان، أي التفسير، فما ذكروه من أنه تأويل هو أيضا تفسير، ومثله ما ذكره ابن الأثير. ٣ ـ كلام الراغب الأصفهاني لا يمنع اطلاق التأويل على التفسير. ٤ ـ كلام الشريف الجرجاني يشير إلى نوعى التفسير المعروفين، وهما: التفسير المأثور أو النقلي، وهو يتعلق بالرواية، والتفسير العقلي، وهو يتعلق

стр. 326

بالدراية، وما ذكره عن كل منهما صحيح، غير أنه سمى أحدهما تفسيراً والآخر تأويلاً، وتفسير القرآن الكريم يجمع الاثنين. وقد بين ابن تيمية سبب الخلاف في فهم المراد بالتأويل فقال: " أصل ذلك أن لفظ التأويل فيه اشتراك بين ما عناه في القرآن، وبين ما كان يطلقه طوائف من السلف، وبين اصطلاح طوائف من المتأخرين فبسبب الاشتراك في لفظ التأويل اعتقد كل من فهم منه معنى بلغته أن ذلك هو المذكور في القرآن" (١) ثم بين أن معاني التأويل ثلاثة، فقال: " التأويل في عرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدثة والمتصوفة ونحوهم: هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف وأما التأويل في لفظ السلف فله معنيان: أحدهما: تفسير الكلام وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أو خالفه، فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربا أو مترادفا، وهذا ـ والله أعلم ـ هو الذي عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله، ومحمد بن جرير الطبري يقول في تفسيره: القول في تأويل قوله كذا وكذا، واختلف أهل التأويل في هذه الآية، ونحو ذلك، ومراده التفسير. والمعنى الثاني في لفظ السلف، وهو الثالث من مسمى التأويل مطلقاً، هو نفس المراد بالكلام، فإن الكلام إن كان طلبا كان تأويله نفس الشئ المخبر به (٢) .

стр. 327

التفسير والتأويل والمعنى: وقد يطلق على التفسير أيضاً المعنى؛ فالفراء ـ مثلاً ـ سمى تفسيره " معاني القرآن "، وسئل أبو العباس أحمد بن يحيى عن التأويل فقال: التأويل والمعنى والتفسير واحد، وقال مثل هذا ابن الأعرابي (١) . وروى عن ابن مسعود أنه قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن (٢) . وعلى هذا يمكن القول: تفسير الآية كذا، أو تأويلها، أو معناها، وكل هذا تعبير صحيح. غير أننا إذا جئنا إلى العلم القائم بذاته، الذي له نشأته وتطوره، وكتبه ورجاله، فإننا لا نكاد نجد إلا اسماً واحداً تعارف عليه الجميع وهو: " علم التفسير ".

стр. 328

الفصل الثاني: تفسير الرسول ﷺ بيان السنة للقرآن: قال : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ... ﴾ (١) . وقال عزوجل: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) وقال جلت قدرته: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣) فالله كما تكفل بحفظ القرآن الكريم، تكفل كذلك ببيانه. والرسول ﷺ قد فهم القرآن الكريم جملة وتفصيلا، فلم يعزب عنه شئ من علمه. ثم كان عليه أن يبين لصحابته الكرام ما يغيب عنهم. وتفسير الرسول ﷺ للقرآن الكريم فيه بيان للمجمل، وقد يقيد المطلق أو يطلق المقيد، وقد يخصص العام أو يعمم الخاص، كل ذلك بوحى من الله وأمره، وتعليمه وتوفيقه جلت عظمته كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ... ﴾ (٤) .

стр. 329

القسم الثاني التفسير وأصوله عند الشيعة الاثني عشرية ثلاثة وجوه: قال الإمام الشافعى ﵁: فلم أعلم من أهل العلم مخالفا في أن سنن النبي ﷺ من ثلاثة وجوه: فأجمعوا منها على وجهين , والوجهان يجتمعان ويتفرقان. أحدهما ما أنزل الله فيه نص كتاب , فبين رسول الله ﷺ مثل ما نص الكتاب. والآخر مثل ما أنزل فيه جملة كتاب , فبين عن الله تعالى معنى ما أراده. وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما. والوجه الثالث: ماسن رسول الله ﷺ فيما ليس فيه نص كتاب. فمنهم من قال: جعل الله سبحانه له بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيقه لرضاه، أن سن فيما ليس له فيه نص كتاب. ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته لتبيين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سن فيه من البيوع وغيرها من الشرائع لأن الله قال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ ، وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحرَّمَ الرِّبَا﴾ وأورد الإمام الشافعى قول الرسول ﷺ : " ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه " (١) . عدم كثرة ما يتصل بالتفسير من السنة: ومن المعلوم أن الرسول ﷺ بين كثيرا من أحكام العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، وغير ذلك مما لم يبين في القرآن الكريم، ولا سبيل إلى معرفته إلا بهذا البيان النبوى، غير أن هذا البيان من الأحاديث المتصلة بالتفسير،

стр. 330

والتى صحت عن رسول الله ﷺ ، ليس كثيراً. وسبب هذا أن الصحابة الكرام كانوا أعلم الناس بالقرآن الكريم؛ فبلغتهم نزل، وهم أفصح العرب، وعاشوا أسباب النزول، فعرفوا ظواهر القرآن الكريم، وتعلموا الأحكام وطبقوها: فعن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن. وعن أبى عبد الرحمن قال: حدثنا الذين كانوا يقرءوننا أنهم كانوا يستقرءون من النبي ﷺ ، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا (١) . قال ابن خلدون: " أما التفسير فاعلم أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه. وكان ينزل جملا جملا، وآيات آيات، لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع. ومنها ما هو في العقائد الإيمانية، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدم ومنها ما يتأخر ويكون ناسخاً لها. وكان النبي ﷺ يبين المجمل، ويميز الناسخ من المنسوخ، ويعرفه أصحابه فعرفوه، وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها " (٢) . جمع أحاديث التفسير: وأورد هنا بعض الأحاديث الصحيحة والحسنة المتصلة بالتفسير التي أمكننى جمعها ما استطعت بحول الله تعالى وقدرته وتوفيقه، وأعتمد هنا أساساً على هذه الكتب:

стр. 331

أولا: صحيح البخاري ـ وشرحه فتح الباري ـ حيث أخرج الكثير من الأحاديث في كتاب التفسير، قال ابن حجر في نهاية هذا الكتاب في فتح الباري: " اشتمل كتاب التفسير على خمسمائة حديث وثمانية وأربعين حديثا من الأحاديث المرفوعه وما في حكمها، الموصول من ذلك أربعمائة حديث وخمسة وستون حديثاً، والبقية معلقة وما في معناه. المكرر من ذلك فيه وفيما مضى أربعمائة وثمانية وأربعون حديثاً، والخالص منها مائة حديث وحديث، وافقه مسلم على تخريج بعضها ولم يخرج أكثرها لكونها ليست ظاهرة في الرفع، والكثير منها من تفاسير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهى ستة وستون حديثا ". وبعد أن ذكر هذه الأحاديث قال: " وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم خمسمائة وثمانون أثراً ". فصحيح البخاري إذن فيه الكثير من الأحاديث المرفوعة وما في حكمها، ومن الآثار كذلك، والأخذ منه يغنينا عن النظر في السند، وإن كنا هنا سنقتصر على الأحاديث المرفوعة فقط. يضاف إلى هذا أن ابن حجر في شرحه يذكر ما يتصل بالموضوع من الأحاديث برواياتها المختلفة، وكذلك الرواة. ثانيا: صحيح مسلم، ومختصره للحافظ المنذرى. وإن كان الإمام مسلم لم يخرج الكثير (١) ، غير أننا نأخذ مما أخرجه لكونه من الصحيح. ثالثا: الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي: قال بعد أن تحدث عن طبقات المفسرين، وأوشك على الانتهاء من كتابه: " وإذ قد انتهى بنا القول فيما أردناه من هذا الكتاب فلنختمه بما ورد عن النبي ﷺ من التفاسير المصرح برفعها إليه ".

стр. 332

وبعد أن ذكر قدراً كبيراً من الأحاديث قال: " فهذا ما حضرنى من التفاسير المرفوعة المصرح برفعها، صحيحها وحسنها، وضعيفها ومرسلها ومعضلها، ولم أعول على الموضوعات والأباطيل". وإذ نستعين بما أورده السيوطي في الإتقان إلا أنا لا نأخذ منه إلا الصحيح والحسن سواء أكان ما ذكره مأخوذاً من كتب السنة أم من كتب التفسير. رابعاً: الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي أيضا: وهذا الكتاب يختلف عن سابقيه، فهو في ستة أجزاء من الحجم الكبير، وفيه من الأحاديث الضعيفة والموضوعة أكثر مما فيه من الأحاديث الصحيحة. فلا نزعم أنا قرأناه كله، ولكننا رجعنا إليه في تفسير بعض الآيات الكريمة لأنه يتوسع كثيرا في ذكر الروايات المختلفة، والإشارة إلى من رواها من رجال الحديث والتفسير. خمسة وثلاثون حديثاً: بعد هذا لنبدأ في ذكر أحاديث الرسول ﷺ ، وعدد ما جمعته بلغ خمسة وثلاثين حديثا. ١ ـ عن أبى سعيد بن المعلى قال: " كنت أصلى في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلى، فقال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم﴾ ؟ ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدى، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثانى والقرآن العظيم الذي أوتيته ". [

стр. 333

البخاري ـ كتاب التفسير ـ باب ما جاء في فاتحة الكتاب. وأخرجه الترمذى بسند آخر في فضائل القرآن: باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب، وقال: حسن صحيح. وأخرجه كذلك ابن خزيمة والحاكم: انظر فتح الباري ٨ / ١٥٧] . ٢ ـ قال ﷺ : " اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال ". [أخرجه الترمذى في أبواب التفسير: سورة فاتحة الكتاب، وأخرجه أحمد وابن حبان: انظر فتح الباري ٨ / ١٥٩. ... وذكر السيوطي أخبارا كثيرة ثم قال: قال ابن أبى حاتم: لا أعلم خلافا بين المفسرين في تفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى ـ انظر الدر المنثور ١ / ١٦] . ٣ ـ قال ﷺ : " الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين ". [البخاري ـ كتاب التفسير ـ سورة البقرة ـ باب: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ وفى رواية " من المن الذي أنزل على بنى إسرائيل " انظر فتح الباري ٨ / ١٦٤] . ٤ ـ قال ﷺ : " قيل لبنى إسرائيل ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ... ﴾ فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة ". [أخرجه الشيخان في كتابي التفسير في صحيحيهما، واللفظ لمسلم، وفى سنن الترمذي دخلوا متزحفين على أوراكهم أي منحرفين. وانظر روايات أخرى في الدر المنثور ١ / ٧١] .

стр. 334

٥ ـ قال ﷺ : " يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيداً فذلك قوله جل ذكره ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً﴾ والوسط: العدل ". [أخرجه البخاري في كتاب التفسير ـ سورة البقرة: باب: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... ﴾ وأخرجه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه، وزيد في رواية: " فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: أخبرنا نبينا أن الرسل قد بلغوا فصدقناه ": انظر فتح الباري ٨ / ١٧٢] . ٦ ـ عن عدى بن حاتم ﵁ قال: " قلت: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين. ثم قال: لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار ". [البخاري: باب: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ... ﴾ وأخرجه الترمذى في تفسير الآية الكريمة بلفظ " إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل " وقال: هذا حديث حسن صحيح] . ٧ ـ عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حرْثَكُمْ إني شِئْتُمْ ... ﴾ يعنى صماماً واحداً. [أخرجه الترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح، ويروى: في صمام واحد] .

стр. 335

وعن ابن عباس قال: " جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: حولت رحلى الليلة. قال: فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئاً، قال: فأنزلت على رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ إني شِئْتُمْ﴾ أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة ". [أخرجه الترمذى وقال: حسن غريب. وقال ابن حجر في الفتح " ... ٨ / ١٩١ ": أخرجه أحمد والترمذى من وجه صحيح. وراجع كثيراً من الأخبار المرفوعة والموقوفة في الدر المنثور ... ١ / ٢٦١ ـ ٢٦٧] . ٨ ـ قال ﷺ يوم الخندق: " حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم ـ أو أجوافهم ـ نارا " " شك يحيى بن سعيد القطان أحد الرواه ". [البخاري ـ سورة البقرة: باب " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطىـ وأخرج مسلم عدة روايات في كتاب الصلاة: باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وفى بعضها " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر "، وعند الترمذى " صلاة الوسطى صلاة العصر " وقال: حسن ... صحيح، ورواه غيرهم: انظر فتح الباري ٨ / ١٩٥، والإتقان ٢ / ١٩٢، والدر المنثور ١ / ٣٠٠ ـ ٣٠٥] . ٩ ـ عن أبى هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة ولا اللقمتان. إنما المسكين الذي يتعفف. اقرءوا إن شئتم ـ يعنى قوله تعالى ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ .

стр. 336

[البخاري ـ سورة البقرة ـ باب ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ وروى أحمد وأبو داود والنسائى وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه مرفوعاً " من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف "، وفى رواية ابن خزيمة " فهو ملحف "، والأوقية أربعون درهما. ولأحمد من حديث عطاء بن يسار عن رجل من بنى أسد رفعه " ومن سأل وله أوقية أوعدلها فقد سأل إلحافاً ". ولأحمد والنسائى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه " من سأل وله أربعون درهما فهو ملحف " انظر فتح الباري ٨ / ٢٠٢ ـ ٢٠٣، والدر المنثور ١ / ٣٥٨ ـ ٣٦٣] . ١٠ ـ قال ﷺ : " من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه: يعنى بشدقيه ـ يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا هذه الآية ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ إلى آخر الآية [البخاري ـ سورة آل عمران: باب: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ، وعند الترمذى: " ما من رجل لا يؤدى زكاة ماله إلا جعل الله يوم القيامة في عنقه شجاعا "، وقال: حسن صحيح. ورواه أيضاً أحمد والنسائى وابن خزيمة. انظر فتح الباري ٨ / ٢٣٠] . ١١ ـ قام أبو بكر ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب. [

стр. 337

أخرجه ابن أبى شيبة وأحمد وعبد بن حميد والحميدى في مسانيدهم وأبو داود والترمذى وصححه والنسائى وابن ماجه وغيرهم ـ انظر الدر المنثور ٢ / ٣٣٩، والإتقان ٢ / ١٩٣] . ١٢ ـ قال ﷺ : مفاتح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ... ﴾ وفى رواية أخرى قال: مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتى المطر أحد إلا الله، ولا تدرى نفس بأى أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله. [انظر البخاري: سورة الأنعام. باب: ﴿وَعِندَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ وسورة الرعد باب: ﴿اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ وسورة لقمان ـ باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ . وروى أحمد والبزار وصححه ابن حبان والحاكم أن الرسول ﷺ قال: خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَة﴾ الآية. انظر فتح الباري ٨ / ٥١٤، والدر المنثور ٣ / ١٥] . ١٣ ـ قال ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل. وفى رواية أخرى قال: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها. ثم قرأ الآية.

стр. 338

[انظر البخاري ـ سورة الأنعام: باب ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ﴾ ، وباب: ﴿لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ . ورواه مسلم وأحمد والترمذى وغيرهم، انظر الإتقان ٢ / ١٩٤، وفى رواية لمسلم: ثلاث إذا خرجن ﴿لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ : طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض. راجع كتاب التفسير من مختصر صحيح مسلم ـ سورة الأنعام باب في قوله تعالى: ﴿لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ واقرأ أخباراً كثيرة في الدر المنثور ٣ / ٥٧ ـ ٦٢] . ١٤ ـ قال ﷺ : ينادى مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبداً، فذلك قوله عزوجل: ﴿وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . [مختصر مسلم ـ سورة الأعراف ـ باب في قوله تعالى ﴿وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ... ﴾ . وأخرجه ابن أبى شيبة وأحمد وعبد بن حميد والدارمى والترمذى والنسائى وآخرون ـ انظر الدر المنثور ٣ / ٨٥] . ١٥ ـ عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بى عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى ﵁، قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر في

стр. 339

المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبى: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا " لمسجد المدينة ". قال: فقلت: أشهد بأنى سمعت أباك هكذا يذكره. [مختصر صحيح مسلم ـ كتاب الصلاة باب في المسجد الذي أسس على التقوى، وكتاب الحج باب بيان المسجد الذي أسس على التقوى، وأخرجه ابن أبى شيبة وأحمد والترمذى والنسائى وغيرهم. وفي إحدى الروايات: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد الرسول ﷺ ، وقال الآخر هو مسجد قباء، فأتيا النبي ﷺ فسألاه، فقال: هو مسجدى هذا. انظر الدر المنثور ٣ / ٢٧٧، والإتقان ٢ / ١٩٥. ومن المعلوم أن الآية الكريمة إنما نزلت في مسجد قباء، ولكن إذا كان هذا المسجد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ أولى ... بتسميته بذلك. راجع ما قاله ابن تيمية وابن كثير في كتابى: آية التطهير بين أمهات المؤمنين وأهل الكساء: ص ٢٦] . ١٦ ـ عن صهيب ﵁، أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ... ﴾ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم تثقل موازيننا، وتبيض وجوهنا، وتدخلنا الجنة، وتزحزحنا عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم.

стр. 340

[أخرجه أحمد ومسلم والترمذى وابن ماجه وغيرهم، وفى رواية: الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الرحمن. انظر الدر المنثور ٣ / ٣٠٥ والإتقان ... ٢ / ١٩٥] . ١٧ ـ عن الرسول ﷺ في قوله تعالى ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ قال: هي في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، وفى الآخرة الجنة. وفى رواية: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، فهى بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة. [أخرجه سعيد بن منصور وابن أبى شيبة وأحمد والترمذى وحسنه وغيرهمـ انظر الدر المنثور ٣ / ٣١١ والإتقان ٢ / ١٩٥ ـ ١٩٦] . ١٨ـ قال ﷺ : يدنى المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه: تعرف ذنب كذا؟ يقول: أعرف، يقول: رب أعرف " مرتين ". فيقول: سترتها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم. ثم تطوى صحيفة حسناته. وأما الآخرون ـ أو الكفار ـ فينادى على رءوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم. [البخاري ـ سورة هود ـ باب ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ . وفى مسلم: يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه عزوجل حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب أعرف. قال: فإنى قد سترتها عليك في الدنيا، وإنى أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رءوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله.

стр. 341

راجع مختصر صحيح مسلم ـ كتاب التوبة وقبولها ـ باب في النجوى وتقرير العبد بذنوبه. وأخرجه ابن المبارك وابن أبى شيبة وابن جرير وغيرهم ـ انظر الدر المنثور ٣ / ٣٢٥] . ١٩ ـ قال ﷺ : إن الله ليملى للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته. ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ . [البخاري ـ سورة هود ـ باب ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ . وفى مسلم: إن الله عزوجل يملى للظالم، فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ ... انظر مختصر صحيح مسلم ـ كتاب الظلم ـ باب في الإملاء للظالم. وأخرج الحديث: الترمذى والنسائى وابن ماجه وغيرهم ـ انظر الدر المنثور ٣ / ٣٤٩] . ٢٠ ـ عن ابن مسعود ﵁ أن رجلاً أصاب من إمرأة قبلة، فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فأنزلت عليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قال الرجل: أَِلىَ هذا؟ قال: لمن عمل بها من أمتى. [البخاري ـ سورة هود ـ باب: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ .

стр. 342

وفى مسلم: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني عالجت أمرأة في أقصى المدينة، وإنى أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا، فاقض في ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله، لو سترت نفسك. قال: فلم يرد النبي ﷺ شيئا، فقام الرجل فانطلق، فأتبعه الرسول ﷺ رجلاً دعاه، وتلا عليه هذه الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ فقال رجل من القوم: يا نبي الله: هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة. سورة هود ـ باب في قوله تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ... ﴾ . وأخرجه أحمد والترمذى والنسائى وغيرهم ـ انظر الدر المنثور ٣ / ٣٥٢] . ٢١ ـ عن ابن عمر ﵄ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أخبرونى بشجرة تشبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا ولا ولا، تؤتى أكلها كل حين، قال ابن عمر: فوقع في نفسى أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم. فلما لم يقولوا شيئاً قال رسول الله ﷺ هي النخلة..... [البخاري ـ سورة إبراهيم ـ باب: ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ... ﴾ . ورواه الترمذى والنسائى والحاكم وابن حبان وأحمد باختلاف يسير عن البخاري ـ انظر الإتقان ٢ / ١٩٧، وراجع كذلك الدر المنثور ٤ / ٧٦ ـ ٧٧

стр. 343

وفى مسلم: أخبرونى بشجرة شبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها، تؤتى أكلها كل حين. مختصر مسلم: كتاب الإيمان ـ باب مثل المؤمن ... ..] . ٢٢ ـ قال ﷺ : المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ... ﴾ . [البخاري ـ سورة إبراهيم باب: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ ... ورواه غير البخاري كثير من الأئمة ـ انظر الإتقان ٢ / ١٩٧ ... والدر المنثور ٤ / ٧٨] . ٢٣ ـ عن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح. يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ . [البخاري ـ سورة الإسراء ـ باب ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ . وأخرجه عبد الرزاق ومسلم وابن جرير وغيرهم. وأخرج أحمد والترمذى وصححه والنسائى وابن ماجه وآخرون عن أبى هريرة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار تجتمع فيها. انظر الدر المنثور ٤ / ١٩٦، والإتقان ٢ / ١٩٨] .

стр. 344

٢٤ ـ قال ﷺ : إن موسى قام خطيباً في بنى إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم. فأخذ حوتاً فجعله في مكتل ثم انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون ... إلخ. [انظر الخبر بتمامه، وأخباراً أخرى للبخارى وغيره في فتح الباري ... ٨ / ٤٠٩ ـ ٤٢٥، وانظر الدر المنثور ٤ / ٢٢٩ ـ ٢٤٠ ومختصر صحيح مسلم ـ كتاب ذكر الأنبياء وفضلهم ـ باب في قصة موسى مع الخضر ﵉] . ٢٥ ـ عن المغيرة بن شعبة قال: بعثنى رسول الله ﷺ إلى أهل نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرءون ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ ؟ وموسى قبل عيسى بكذا أوكذا قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم. [أخرجه ابن أبى شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذى والنسائى وغيرهم ـ انظر الدر المنثور ٤ / ٢٧٠ والإتقان ٢ / ١٩٨] . ٢٦ ـ عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إني قد أحببت فلاناً فأحبه، فينادى في السماء، ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ . [أخرجه الشيخان وغيرهما ـ انظر الدر المنثور ٤ / ٢٨٧، والإتقان ... ٢ / ١٩٩] . ٢٧ ـ

стр. 345

عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً قال: يا نبي الله، يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة. [البخاري ـ سورة الفرقان باب: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا ... ﴾ . قال ابن حجر: وفى حديث أبى هريرة عند البزار " يحشر الناس على ثلاثة أصناف: صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم. فقيل: فكيف يمشون على وجوههم " الحديث. ويؤخذ من مجموع الأحاديث أن المقربين يحشرون ركبانا، ومن دونهم من المسلمين على أقدامهم، وأما الكفار فيحشرون على وجوههم. فتح الباري ... ٨ / ٤٩٢. وروى الحديث مسلم وغيره ـ انظر الإتقان ٢ / ١٩٨. ومختصر مسلم ـ كتاب صفة القيامة ـ باب حشر الكافر على وجهه يوم القيامة] . ٢٨ ـ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ قال رسول الله ﷺ : إنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان لابنه ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ . [البخاري سورة لقمان باب ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

стр. 346

ورواه أحمد ومسلم وغيرهما ـ انظر الإتقان ٢ / ١٩٣، والدر المنثور ... ٣ / ٢٦. ومختصر صحيح مسلم: كتاب التفسير ـ سورة الأنعام ـ باب في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ ] . ٢٩ ـ عن فروه بن مسيك المرادى ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومى بمن أقبل منهم؟ فأذن لي في قتالهم وأمرنى، فلما خرجت من عنده أرسل في أثرى فردنى، فقال: ادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك، قال وأنزل في سبأ ما أنزل. فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ؟ أرض أم امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، وأما الذين تشاءموا: فلخم وجذام وغسام وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار. فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: الذين منهم خثعم وبجيلة. أخرجه أحمد وعبد بن حميد والبخارى في تاريخه والترمذى وحسنه وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والطبرانى وابن أبى حاتم وابن عدى والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن سبأ: أرجل هو أم امرأة أم أرض؟ فقال: بل هو رجل ولد عشرة: فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة. فأما اليمانيون: فمذحِج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير، وأما الشاميون: فلخم وجذام وعاملة وغسان. [الدر المنثور ٥ / ٢٣١، وانظر الإتقان ٢ / ٢٠٠] . ٣٠ ـ عن أبى هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوماً؟ قال: أبيت. ...

стр. 347

قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قال: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. ويبلى كل شئ من الإنسان إلا عجب ذنبه، فيه يركب الخلق. وفى رواية أخرى. ما بين النفختين أربعون. قال: أربعون يوماً؟ قال: أبيت. قال: أربعون شهراً؟ قال: أبيت. قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قال: ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شئ إلا يبلى، إلا عظماً واحداً. وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة. [البخاري ـ سورة الزمر ـ باب ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ وسورة النبأ ـ باب: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ . وقوله: أبيت: أي امتنعت عن القول بتعيين ذلك لأنه ليس عندى في ذلك توقيف. ولابن مردويه عن الأعمش في هذا الحديث فقال " أعييت " من الإعياء وهو التعب، وكأنه أشار إلى كثرة من يسأله عن تبيين ذلك فلا يجيبه. وفى حديث أبى سعيد عند الحاكم وأبى يعلى: قيل: يا رسول الله ما عجب الذنب؟ قال: مثل حبة خردل. والعجب. عظم لطيف في أصل الصلب، وهو رأس العصعص، وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع. وقال العلماء. هذا عام يخص منه الأنبياء، لأن الأرض لا تأكل أجسادهم. (انظر فتح الباري ٨ / ٥٥٢ ـ ٥٥٣. وانظر الحديث في مختصر صحيح مسلم ـ كتاب الفتن ـ باب ما بين النفختين أربعون ويبلى الإنسان إلا عجب الذنب. وأخرج الحديث أحمد والترمذى وابن ماجه وآخرون. انظر الدر المنثور ... ٥ / ٣٣٦) . ٣١ ـ

стр. 348

قال ﷺ : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه. [البخاري ـ سورة المطففين ـ باب ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وقوله: " في رشحه ": بفتحتين أي عرقه لأنه يخرج من البدن شيئا بعد شىء كما يرشح الإناء المتحلل الأجزاء. وفى رواية أخرى: حتى إن العرق يلجم أحدهم إلى أنصاف أذنيه. وفى رواية لمسلم: تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق: فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً. انظر فتح الباري: ٨ / ٦٩٦. ومختصر صحيح مسلم: كتاب صفة القيامةـ باب دنو الشمس من الخلق يوم القيامة. والإتقان: ٢ / ٢٠٣. وأخرجه مالك وعبد بن حميد والترمذى وغيرهم: انظر الدر المنثور ٦ / ٣٢٤] . ٣٢ ـ عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ قالت: قال رسول الله ﷺ : ليس أحد يحاسب إلا هلك. قالت: قلت: يا رسول الله جعلنى الله فداءك، أليس يقول الله عزوجل ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ؟ قال: ذاك العرض يعرضون، ومن نوقش الحساب هلك. [البخاري ـ سورة الانشقاق ـ باب ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ومختصر مسلم ـ كتاب التفسير ـ سورة الانشقاق ـ باب في قولة ... تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ .

стр. 349

وأخرجه أحمد وعبد بن حميد والترمذى وغيرهم: انظر الدر المنثور ... ٦ / ٣٢٩، والإتقان ٢ / ٢٠٣] . ٣٣ ـ عن عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي ﷺ يخطب، وذكر الناقة والذى عقر، فقال رسول الله ﷺ : ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ إنبعث لها رجل عزيز عارم، منيع في رهطه مثل أبى زمعه عم الزبير بن العوام. [البخاري ـ سورة الشمس، وانظر فتح الباري ٨ / ٧٠٥ ـ ٧٠٦. وأخرج الحديث: سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذى والنسائى وآخرون ـ انظر الدر المنثور ٦ / ٣٥٧] . ٣٤ ـ عن على بن أبى طالب ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ ، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد، وما من نفس منفوسة، إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة. قال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ الآية. وفى رواية أخرى قال ﷺ : " اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ... ﴾ الآية. [انظر البخاري ـ سورة الليل ـ من الباب الثالث إلى الباب السابع، وهو الأخير.

стр. 350

والحديث: أخرجه الجماعة وغيرهم ـ انظر الدر المنثور ٦ / ٣٥٩] . ٣٥ ـ عن أنس ﵁ قال: لما عرج بالنبى ﷺ إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر. [البخاري ـ سورة الكوثر ـ الحديث الأول] . وذكر الإمام البخاري حديثين آخرين: أحدهما: عن أبى عبيدة عن عائشة ﵂ قال: سألتها عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قالت: هو نهر أعطيه نبيكم ﷺ ، شاطئاه عليه در مجوف آنيته كعدد النجوم. والحديث الآخر عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. وفى رواية للنسائى لحديث السيدة عائشة: هو نهر أعطيه نبيكم في بطنان الجنة. قلت: ما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها. وقال ابن حجر تعقيباً على الحديث الثالث للبخارى: هذا تأويل من سعيد بن جبير جمع به بين حديثى عائشة وابن عباس. وقد أخرج الترمذى من طريق ابن عمر رفعه: " الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت " الحديث: قال: إنه حسن صحيح. وفى صحيح مسلم: " بينما نحن عند النبي ﷺ إذ غفا إغفاءه، ثم رفع رأسه مبتسماً. فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت على سورة. فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ إلى آخرها، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربى عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتى يوم القيامة " الحديث.

стр. 351

وحاصل ما قاله سعيد بن جبير أن قول ابن عباس أنه الخير الكثير لا يخالف قول غيره أن المراد به نهر في الجنة، لأن النهر فرد من أفراد الخير الكثير، ولعل سعيداً أومأ إلى أن تأويل ابن عباس أولى لعمومه، لكن ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي ﷺ فلا معدل عنه. [انظر فتح الباري ٨ / ٧٣٢، وراجع مجموع الأحاديث المتصلة بالموضوع في الدر المنثور ٦ / ٤٠١ ـ ٤٠٣] . نتائج الجمع: هذه هي الأحاديث الشريفة في التفسير التي أمكن جمعها. وأشرنا من قبل إلى دور السنة بالنسبة للقرآن الكريم، فلا حاجة للإعادة، ولكن نذكر هنا بعض الملاحظات، في ضوء هذه الأحاديث: ١ ـ بين الرسول ﷺ للصحابة الكرام ما لا علم لهم به، ولا طريق إلى معرفته إلا بهذا البيان النبوى، مثل الأمور المتعلقة بالأمم السابقة، وأنبيائهم، أو الأمور الغيبية كبعض ما سيحدث يوم القيامة وأشار إليه القرآن الكريم، واحتاج إلى بيان. ٢ ـ ونلاحظ كذلك أن بعض الصحابة ﵃ فهموا بعض الآيات الكريمة فهما خاطئاً، فصحح لهم الرسول ﷺ ما فهموا، وبين لهم مراد الله تعالى، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ . وقوله عزوجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ . ٣ ـ بين الرسولصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قد يغيب عن الصحابة كلهم أو بعضهم، مثل: تعريف المسكين، والصلاة الوسطى، ومفاتح الغيب..إلخ.

стр. 352

٤ ـ كان الرسول ﷺ يسأل أحيانا صحابته ليتأكد من صحة فهمهم، كما سأل عن الشجرة الطيبة، والصحابة بدورهم كانوا يسألونه ﷺ فيما غاب عنهم، كالسؤال عن " الذين يحشرون على وجوههم "، وعن ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ مع قول الرسول ﷺ : " من نوقش الحساب هلك ". ٥ ـ لعل هذه الأحاديث الشريفة هي أكثر ما صح عن الرسول ﷺ في تفسير آيات من كتاب الله العزيز، إلى جانب بيانه ﷺ لما أجمل في القرآن الكريم من أحكام العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية وغيرها. وهذه الأحاديث قليلة بلا شك، وهى وما يصح مثلها تعتبر وحدها عند جمهور المسلمين الحجة التي لا ترد، لأنها قول المعصوم ﷺ . وهنا يظهر الفرق جلياً بين جمهور المسلمين والشيعة الجعفرية، فالشيعة يعتبرون أئمتهم جميعاً معصومين، فأقوالهم كأقوال الرسول ﷺ ولهم ما للرسول ﷺ من بيان مجمل الكتاب، أو تقييد مطلقه، أو تخصيص عامة، لأن أقوالهم تدخل ضمن مفهوم السنة كمصدر من مصادر التشريع، ولها دورها بالنسبة للقرآن الكريم. ولهذا عندما ندرس كتب التفسير عندهم فإنا سنجد أن بعض التفاسير تعتبر في معظمها حجة عندهم، لأنهم يرون أنها مأخوذة عن الأئمة

стр. 353

الفصل الثالث: تفسير الصحابة ﵃ أعلم الناس بالقرآن: بعد تفسير الرسول ﷺ يأتى تفسير الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فهم ـ كما أشرنا من قبل ـ كانوا أعلم الناس بالقرآن الكريم؛ فبلغتهم نزل، وهم أفصح العرب، وعاشوا أسباب النزول، فعرفوا ظاهر القرآن الكريم، وتعلموا الأحكام وطبقوها. الموقوف والمرفوع: وكثير من التفسير المأثور عن الصحابة ﵃ يعتبر في حكم المرفوع وإن لم يكن مرفوعاً. وسبق من قبل كلام ابن حجر في اشتمال كتاب التفسير من صحيح البخاري على خمسمائة حديث وثمانية وأربعين حديثاً من الأحاديث المرفوعة وما في حكمها، وعلى خمسمائة وثمانين أثراً من آثار الصحابة التي لا تأخذ حكم الرفع. فما ينتهى إلى الصحابة إذن قد يأخذ حكم المرفوع وقد يعتبر موقوفاً عليهم. على أن الإمام مسلماً لم يوافق الإمام البخاري على تخريج أكثر أحاديثه لكونها ليست ظاهرة في الرفع. واتفق الشيخان على أن تفسير الصحابى يأخذ حكم المرفوع إذا كان التفسير يتعلق بسبب نزول آية أو نحوه مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي ﷺ ، ولا مدخل للرأى فيه: ومشى على هذا الحاكم في علوم الحديث، وابن الصلاح وغيرهما (١) . بعض ما صح من تفسيرهم: وكى نأخذ صورة واضحة لتفسير الصحابة ﵃، ننقل هنا بعض ما جاء في كتاب التفسير من صحيح البخاري.

стр. 354

١ ـ " ٤٤٩٥ " - حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه ﵄ أنه قال: قلت لعائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ، وأنا يومئذ حديث السن: أرأيت قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ... ﴾ فما أرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما. فقالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار: كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ... ﴾ (١) . ٢ ـ " ٤٤٩٨ " حدثنا الحميدى، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، قال: سمعت مجاهداً قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: " كان في بنى إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة ﴿كُتِبَ عَليْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد ... ﴿

стр. 355

فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يتبع بالمعروف ويؤدى بإحسان ... ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ ... وَرَحْمَةٌ﴾ مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قتل بعد قبول الدية ". ٣ ـ " ٤٥٠٥ " حدثنى إسحاق، أخبرنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار، عن عطاء، سمع ابن عباس يقرأ: ... ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكيناً. ٤ ـ " ٤٥٠٦ " حدثنا عياش بن الوليد، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه قرأ ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: هي منسوخة. ٥ ـ " ٤٥٠٧ " حدثنا قتيبة، حدثنا بكر بن معز، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله، عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة قال: " لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ... ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدى، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها ". ٦ ـ " ٤٥١٢ " حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتو البيت من ظهره فأنزل الله ... ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ . ٧ ـ " ٤٥٢١ "
следующие страницы →