وحاصل ما قاله سعيد بن جبير أن قول ابن عباس أنه الخير الكثير لا يخالف قول غيره أن المراد به نهر في الجنة، لأن النهر فرد من أفراد الخير الكثير، ولعل سعيداً أومأ إلى أن تأويل ابن عباس أولى لعمومه، لكن ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي ﷺ فلا معدل عنه.
[انظر فتح الباري ٨ / ٧٣٢، وراجع مجموع الأحاديث المتصلة بالموضوع في الدر المنثور ٦ / ٤٠١ ـ ٤٠٣] .
نتائج الجمع:
هذه هي الأحاديث الشريفة في التفسير التي أمكن جمعها. وأشرنا من قبل إلى دور السنة بالنسبة للقرآن الكريم، فلا حاجة للإعادة، ولكن نذكر هنا بعض الملاحظات، في ضوء هذه الأحاديث:
١ ـ بين الرسول ﷺ للصحابة الكرام ما لا علم لهم به، ولا طريق إلى معرفته إلا بهذا البيان النبوى، مثل الأمور المتعلقة بالأمم السابقة، وأنبيائهم، أو الأمور الغيبية كبعض ما سيحدث يوم القيامة وأشار إليه القرآن الكريم، واحتاج إلى بيان.
٢ ـ ونلاحظ كذلك أن بعض الصحابة ﵃ فهموا بعض الآيات الكريمة فهما خاطئاً، فصحح لهم الرسول ﷺ ما فهموا، وبين لهم مراد الله تعالى، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ . وقوله عزوجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ .
٣ ـ بين الرسولصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قد يغيب عن الصحابة كلهم أو بعضهم، مثل: تعريف المسكين، والصلاة الوسطى، ومفاتح الغيب..إلخ.
стр. 352
٤ ـ كان الرسول ﷺ يسأل أحيانا صحابته ليتأكد من صحة فهمهم، كما سأل عن الشجرة الطيبة، والصحابة بدورهم كانوا يسألونه ﷺ فيما غاب عنهم، كالسؤال عن " الذين يحشرون على وجوههم "، وعن ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ مع قول الرسول ﷺ : " من نوقش الحساب هلك ".
٥ ـ لعل هذه الأحاديث الشريفة هي أكثر ما صح عن الرسول ﷺ في تفسير آيات من كتاب الله العزيز، إلى جانب بيانه ﷺ لما أجمل في القرآن الكريم من أحكام العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية وغيرها.
وهذه الأحاديث قليلة بلا شك، وهى وما يصح مثلها تعتبر وحدها عند جمهور المسلمين الحجة التي لا ترد، لأنها قول المعصوم ﷺ . وهنا يظهر الفرق جلياً بين جمهور المسلمين والشيعة الجعفرية، فالشيعة يعتبرون أئمتهم جميعاً معصومين، فأقوالهم كأقوال الرسول ﷺ ولهم ما للرسول ﷺ من بيان مجمل الكتاب، أو تقييد مطلقه، أو تخصيص عامة، لأن أقوالهم تدخل ضمن مفهوم السنة كمصدر من مصادر التشريع، ولها دورها بالنسبة للقرآن الكريم.
ولهذا عندما ندرس كتب التفسير عندهم فإنا سنجد أن بعض التفاسير تعتبر في معظمها حجة عندهم، لأنهم يرون أنها مأخوذة عن الأئمة
стр. 353
الفصل الثالث: تفسير الصحابة ﵃
أعلم الناس بالقرآن:
بعد تفسير الرسول ﷺ يأتى تفسير الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فهم ـ كما أشرنا من قبل ـ كانوا أعلم الناس بالقرآن الكريم؛ فبلغتهم نزل، وهم أفصح العرب، وعاشوا أسباب النزول، فعرفوا ظاهر القرآن الكريم، وتعلموا الأحكام وطبقوها.
الموقوف والمرفوع:
وكثير من التفسير المأثور عن الصحابة ﵃ يعتبر في حكم المرفوع وإن لم يكن مرفوعاً. وسبق من قبل كلام ابن حجر في اشتمال كتاب التفسير من صحيح البخاري على خمسمائة حديث وثمانية وأربعين حديثاً من الأحاديث المرفوعة وما في حكمها، وعلى خمسمائة وثمانين أثراً من آثار الصحابة التي لا تأخذ حكم الرفع. فما ينتهى إلى الصحابة إذن قد يأخذ حكم المرفوع وقد يعتبر موقوفاً عليهم. على أن الإمام مسلماً لم يوافق الإمام البخاري على تخريج أكثر أحاديثه لكونها ليست ظاهرة في الرفع. واتفق الشيخان على أن تفسير الصحابى يأخذ حكم المرفوع إذا كان التفسير يتعلق بسبب نزول آية أو نحوه مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي ﷺ ، ولا مدخل للرأى فيه: ومشى على هذا الحاكم في علوم الحديث، وابن الصلاح وغيرهما (١) .
بعض ما صح من تفسيرهم:
وكى نأخذ صورة واضحة لتفسير الصحابة ﵃، ننقل هنا بعض ما جاء في كتاب التفسير من صحيح البخاري.
стр. 354
١ ـ " ٤٤٩٥ " - حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه ﵄ أنه قال: قلت لعائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ، وأنا يومئذ حديث السن:
أرأيت قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ... ﴾ فما أرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما.
فقالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار: كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ... ﴾ (١) .
٢ ـ " ٤٤٩٨ " حدثنا الحميدى، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، قال: سمعت مجاهداً قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: " كان في بنى إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة
﴿كُتِبَ عَليْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد ... ﴿
стр. 355
فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يتبع بالمعروف ويؤدى بإحسان ... ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ ... وَرَحْمَةٌ﴾ مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قتل بعد قبول الدية ".
٣ ـ " ٤٥٠٥ " حدثنى إسحاق، أخبرنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار، عن عطاء، سمع ابن عباس يقرأ: ... ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكيناً.
٤ ـ " ٤٥٠٦ " حدثنا عياش بن الوليد، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه قرأ ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: هي منسوخة.
٥ ـ " ٤٥٠٧ " حدثنا قتيبة، حدثنا بكر بن معز، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله، عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة قال: " لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ... ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدى، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها ".
٦ ـ " ٤٥١٢ " حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتو البيت من ظهره فأنزل الله ... ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ .
٧ ـ " ٤٥٢١ "
стр. 356
حدثنى محمد بن أبى بكر، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، أخبرنى كريب، عن ابن عباس قال: " يطوف الرجل بالبيت ما كان حلالا حتى يهل بالحج، فإذا ركب إلى عرفة فمن تيسر له هديه من الإبل أو البقر أو الغنم ما تيسر له من ذلك أي ذلك شاء، غير إن لم يتيسر له فعليه ثلاثة أيام في الحج وذلك قبل يوم عرفة، فإن كان آخر يوم من الأيام الثلاثة يوم عرفة فلا جناح عليه، ثم لينطلق حتى يقف بعرفات من صلاة العصر إلى أن يكون الظلام ثم ليدفعوا من عرفات، فإذا أفاضوا منها يبلغوا جمعاً الذي يتبرز فيه، ثم ليذكروا الله كثيراً، أو أكثروا التكبير والتهليل قبل أن تصبحوا، ثم أفيضوا فإن الناس كانوا يفيضون، وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ حتى ترموا الجمرة ".
٨ ـ " ٤٥٢٨ " حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر، سمعت جابراً ﵁، قال: " كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت ﴿نسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ إني شِئْتُمْ﴾ .
٩ ـ " ٤٥٦٨ " حدثنى إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم، عن ابن أبى مليكة، أن علقمة بن وقاص خبره، أن مروان قال لبوا به: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان امرئ فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يعمل معذباً لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه؟ إنما دعا النبي ﷺ يهود فسألهم عن شئ فكتموه إياه، وأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم. ثم قرأ ابن عباس ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ... ﴾ كذلك حتى قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ .
١٠ ـ " ٤٥٧٣ "
стр. 357
حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن ابن جريج قال: أخبرنى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: " أن رجلاً كانت له يتيمة فأنكحها، وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شئ، فنزلت فيه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفى ماله ".
١١ ـ " ٤٥٧٤ " حدثنى عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: " أخبرنى عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ فقالت: يا بن أختى، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله بعد هذه الآية فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾ قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية أخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، قالت: فنهوا أن ينكحوا عن من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال "
١٢ ـ " ٤٥٩٠ " حدثنا آدم بن أبى إياس، حدثنا شعبة، حدثنا مغيرة بن النعمان قال: سمعت سعيد بن جبير قال: " آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت
стр. 358
فيها إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل وما نسخها شئ ".
١٣ ـ " ٤٦٠٠ " حدثنا عبيد بن اسماعيل، حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ قالت عائشة: " هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها فأشركته في ماله حتى في العذق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها فنزلت هذه الآية ".
١٤ ـ " ٤٦٠١ " حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ ... قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأنى في حل، فنزلت هذه الآية في ذلك ".
١٥ ـ " ٤٦١٣ " حدثنا على بن سلمة، حدثنا مالك بن سعير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: " أنزلت هذه الآية ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ ... ﴾ في قول الرجل: لا والله وبلى والله ".
١٦ ـ " ٤٦٨٢" حدثنى إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن ابن جريج، وأخبرنى محمد بن عباد بن جعفر أن ابن عباس قرأ: ﴿أَلا إِنَّهُمْ تَثْنُونىَ
стр. 359
صُدُورَهُمْ﴾ قلت: يا أبا العباس ما تثنونى صدورهم؟ قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحى أو يتخلى فيستحى فنزلت ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ .
] تثنونى: بفوقانية، وسكون المثلثة، وفتح النون، وسكون الواو، وكسر النون بعدها ياء، على وزن تفعو عل، وهو بناء مبالغة كاعشوشب، لكن جعل الفعل للصدور ـ قاله ابن حجر في الفتح [.
١٧ ـ " ٤٦٨٣ " حدثنا الحميدى حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال: " قرأ ابن عباس ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ وقال غيره عن ابن عباس " يستغشون " يغطون رءوسهم " سىء بهم " ساء ظنه بقومه " وضاق بهم " بأضيافه " بقطع من الليل " بسواد " إليه أنيب " أرجع ".
١٨ ـ " ٤٦٩٥ " حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب قال: " أخبرنى عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ قال: قلت: أكذبوا أم كذّبوا؟ قالت عائشة: كذبوا. قلت: فقد استيقنوا بذلك أن قومهم كذبوهم، فما هو بالظن. قالت: أجل لعمرى، لقد استيقنوا بذلك. فقلت لها: وظنوا أنهم قد كذبوا؟ قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك ".
١٩ ـ " ٤٧٠٠ " حدثنا على بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء سمع ابن عباس: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا﴾ قال: " هم كفار أهل مكة ".
٢٠ ـ " ٤٧٠٥ "
стр. 360
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهل الكتا ب جزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه ".
٢١ ـ " ٤٧٠٦ " حدثنى عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبى ظبيان، " عن ابن عباس ﵄: ﴿كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ﴾ قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض، اليهود والنصارى ".
٢٢ ـ " ٤٧١٤ " حدثنى عمرو بن على، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، حدثنى سليمان، عن إبراهيم، عن أبى معمر، عن عبد الله: " إلى ربهم الوسيلة " قال: " كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم " زاد الأشجعى، عن سفيان، عن الأعمش: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم﴾ .
٢٣ ـ " ٤٧١٦ " حدثنا على بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسرى به ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾ قال: شجرة الزقوم.
٢٤ ـ " ٤٧٢٢ " حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى ... ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ ... قال: نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ﴾ أي
стр. 361
بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ﴿وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ .
٢٥ ـ " ٤٧٣٢ " حدثنا الحميدى، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق، قال: سمعت خبابا قال: جئت العاص بن وائل السهمى أتقاضاه حقاً لي عنده، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ﷺ . فقلت: لا، حتى تموت ثم تبعث. قال: وإنى لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم. قال: إن لي هناك مالاً وولداً فأقضيك، فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ . رواه الثورى وشعبة وحفص وأبو معاوية ووكيع عن الأعمش.
٢٦ ـ " ٤٧٥٣ " حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى، عن عمر بن سعيد ابن أبى حسين قال: حدثنى ابن مليكة قال: استأذن ابن عباس ـ قبيل موتها ـ على عائشة وهى مغلوبة، قالت: أخشى أن يثنى على، فقيل: ابن عم رسول الله ﷺ ، ومن وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له. فقال: كيف تجدينك؟ قال: بخير إن اتقيت. قال: فأنت بخير إن شاء الله تعالى، زوجة رسول الله ﷺ ، ولم ينكح بكرا غيرك، ونزل عذرك من السماء.
ودخل ابن الزبير خلافه، فقالت: دخل ابن عباس فأثنى على، وددت إني كنت نسياً منسياً ".
٢٧ ـ " ٤٨٠٦ " حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن العوام قال: سألت مجاهداً عن السجدة في ص فقال: سئل ابن عباس فقال: ... ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ... ﴾ ، وكان ابن عباس يسجد فيها.
стр. 362
٢٨ ـ سورة حم السجدة. قال المنهال، عن سعيد قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف على، قال ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ ، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ ، ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا ـ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ... ﴾ فقد كتموا هذه الآية. وقال: ﴿أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا﴾ إلى قوله ﴿دَحَاهَا﴾ فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال ... ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... ﴾ إلى ﴿طَائِعِينَ﴾ فذكر في هذه خلق الأرض قبل السماء وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ـ عَزِيزًا حَكِيمًا ـ سَمِيعًا بَصِيرًا ... ﴾ فكأنه كان ثم مضى، فقال: ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النفخة الأولى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ﴾ ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ ... ﴾ ثم في النفخة الأخرى ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ وأما قوله ... ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ... ـ ... وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ﴾ فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم. وقال المشركون: تعالوا نقول لم نكن مشركين، فختم على أفواههم فتنطق أيديهم. فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثاً. وعنده ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والآكام وما
стр. 363
بينهما في يومين آخرين فذلك قوله " دحاها " وقوله ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فجعلت الأرض وما فيها من شئ في أربعة أيام وخلقت السماوات في يومين.
﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا﴾ سمى نفسه ذلك، وذلك قوله، أي لم يزل كذلك فإن الله لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد. فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله.
٢٩ ـ " ٤٨١٨ " حدثنى محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت طاوساً عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن قوله ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ... ﴾ فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد ﷺ ، فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بينى وبينكم من القرابة.
٣٠ ـ " ٤٨٢٢ " حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق قال: دخلت على عبد الله فقال: إن من العلم أن تقول لما لا يعلم: الله أعلم. إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ... ﴾ إن قريشاً لما غلبوا النبي ﷺ واستعصوا عليه قال: اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع ﴿قَالوا رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ... ﴾ فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا، فدعا ربه،
стр. 364
فكشف عنهم فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَأْتي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ إلى قوله جل ذكره ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ .
٣١ ـ " ٤٩٣٣ " حدثنا عمرو بن على، حدثنا يحيى، أخبرنا سفيان، حدثنى عبد الرحمن بن عابس: " سمعت ابن عباس ﵄: ... ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ : كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوق ذلك فنرفعه للشتاء فنسميه القصر ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ ... ﴾ حبال السفن، تجمع حتى تكون كأوساط الرجال ".
٣٢ ـ ٤٩٤٠ " حدثنا سعيد بن النضر، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر جعفر بن أياس، عن مجاهد قال: قال ابن عباس: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ ... ﴾ : حالاً بعد حال، قال هذا نبيكم ﷺ .
٣٣ ـ " ٤٩٦٩ " حدثنا عبد الله بن أبى شيبة، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن حبيب بن أبى ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " أن عمر ﵁ سألهم عن قوله تعالى ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ... قالوا: فتح المدائن والقصور، قال: ما تقول يا بن عباس؟ قال: أجل أو مثل ضرب لمحمد ﷺ ، نعيت له نفسه ".
خصائص تفسيرهم:
هذا بعض ما جاءنا من تفسير الصحابة ﵃، ونكتفى بهذا القدر؛ ففيه بيان لمعالم هذا التفسير.
ونلاحظ هنا ما يأتى:
١ ـ
стр. 365
الصحابة الكرام لم يتعرضوا لتفسير القرآن الكريم كله آية آية، وإنما فسروا القليل من الآيات الكريمة التي لم يدرك معناها بعض المسلمين.
٢ ـ وإذا كانوا ﵃ لم يفسروا إلا القليل من الآيات الكريمة، فإنهم فسروا كثيرا من الكلمات، ويبدوا هذا واضحاً جلياً لمن يقرأ كتاب التفسير من صحيح البخاري.
٣ ـ تحدثوا عن أسباب النزول، ونحن ندرك العلاقة بين سبب النزول والمعنى المراد.
وأشرنا إلى أن مثل هذا التفسير يأخذ حكم المرفوع.
٤ ـ تكلموا كذلك عن الناسخ والمنسوخ.
٥ ـ الصحابة ﵃ ليسوا سواء في فهم القرآن الكريم وإدراك معانيه؛ وإنما برز منهم من اشتهر بالتفسير كالخلفاء الراشدين الأربعة، وبن عباس، وابن مسعود، وأبى بن كعب، وزيد بن ثابت، وغيرهم، وهؤلاء كما كان لهم دورهم في بيان بعض ما أنزل الله تعالى، كان لهم كذلك دور آخر في تصحيح ما يظهر من فهم خاطئ لبعض الآيات الكريمة، سواء أكان ذاك الخطأ فردياً أم جماعياً، وإن كانت تلك الأخطاء قليلة. وهؤلاء الكرام البررة كانوا يستجيبون لكل من يطلب علمهم، وكانت تشد إليهم الرحال. وقام بعضهم بدور كبير في عصر التابعين كما سنرى إن شاء الله سبحانه.
٦ ـ قد نجد شيئاً من الاختلاف أو التعارض في بعض ما ثبت من تفسير الصحابة ﵃، غير أن هذا قليل نادر.
التدوين:
من المعلوم أن الصحابة ﵃ لم يدونوا من التفسير إلا ما كان يكتبه بعضهم في مصاحفهم الخاصة، وهو جد قليل، حتى أخطأ بعض المتأخرين فظنوه من وجوه القرآن الكريم التي نزل بها من عند الله .
стр. 366
ويذكر أن ابن عباس ﵄ له كتاب في التفسير (١) ، وقد يكون هذا صحيحا، إلا أن مثل هذا الكتاب لم يصلنا، ولم نسمع عن كتاب آخر لأى أحد من الصحابة الكرام، فكيف إذن وصلنا ما أثر عنهم من تفسير؟
تفسير الصحابة ﵃ جاءنا عن طريق رجال الحديث، وعن طريق أصحاب التفاسير الذين عنوا بالتفسير المأثور؛ فعندما جاء عصر التدوين، الذي يبدأ من القرن الثاني الهجرى، أخذ علماء الحديث يجمعون ما جاء عن النبي ﷺ ، وأخذوا كذلك يدونون ما أثر عن الصحابة الكرام. وفى بحثهم دونوا ما يتصل بأمور العقيدة، وفروع الشريعة، ودونوا كذلك ما يتصل بالتفسير، فقد اعتبروه باباً من أبواب السنة.
وإلى جانب التسليم بأن الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ أفهم الناس بكتاب الله تعالى، فإن رجال الحديث يعتبرون بعض ما يثبت من التفسير عن الصحابة الكرام في حكم المرفوع إلى الرسول ﷺ كما أشرنا في بداية الحديث عن تفسير الصحابة.
أما رجال التفسير فإنهم يعلمون أن ما ثبت عن الرسول ﷺ من التفسير قليل، فغاية ما يطمحون إليه أن يجدوا من الآثار ما يصل إلى الصحابة ﵃.
كتاب تنوير المقباس:
وبين أيدينا كتاب " تنوير المقباس من تفسير ابن عباس " لأبى طاهر محمد ابن يعقوب الفيروز ابادى صاحب القاموس، وهو يحتوى على تفسير القرآن الكريم كله، أفحقاً وصلنا تفسير جميع أي القرآن الكريم عن ابن عباس رضي الله ... عنهما؟
لنقرأ أولاً شيئاً مما جاء في هذا التفسير.
стр. 367
قراءة الكتاب:
في سورة الفاتحة فسر البسملة كما يلى:
" الباء " بهاء الله وبهجته وبلاؤه وبركته، وابتداء اسمه بارئ.
" السين " سناؤه وسموه أي ارتفاعه، وابتداء اسمه سميع.
" الميم " ملكه ومجده ومننه على عباده الذين هداهم الله تعالى للإيمان، وابتداء اسمه مجيد.
" الله " معناه الخلق يألهون ويتألهون إليه أي يتضرعون إليه عند الحوائج ونزول الشدائد.
" الرحمن " العاطف على البر والفاجر بالرزق لهم ودفع الآفات عنهم.
" الرحيم " خاصة على المؤمنين بالمغفرة وإدخالهم الجنة، ومعناه الذي يستر عليهم الذنوب في الدنيا، ويرحمهم في الآخرة فيدخلهم الجنة (١) .
وفى سورة البقرة قال بأنها مدنية ويقال مكية، ثم بدأ تفسيرها بما يأتى:
﴿ألم﴾ يقول: ألف الله، لام جبريل، ميم محمد، ويقال: ألف آلاؤه، لام لطفه، ميم ملكه، ويقال: ألف ابتداء اسمه الله، لام ابتداء اسمه لطيف، ميم ابتداء اسمه مجيد، ويقال: أنا الله أعلم، ويقال: قسم أقسم به.
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ : أي هذا الكتاب الذي يقرأ عليكم محمد ﷺ ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك فيه أنه من عندى، فإن آمنتم به هديتم، وإن لم تؤمنوا به عذبتم. ويقال ذلك الكتاب يعنى اللوح المحفوظ، ويقال: ذلك الكتاب الذي وعدتك يوم الميثاق به أن أوحيه إليك، ويقال: ذلك الكتاب: يعنى التوراة والإنجيل، لا ريب فيه: لا شك فيه أن فيهما صفة محمد ونعته (٢) .
стр. 368
نتيجة القراءة:
هذا بعض ما جاء في هذا التفسير المنسوب لابن عباس، ونلاحظ هنا ما يأتى:
١ ـ بادئ ذى بدء نذكر بأن الثابت عن ابن عباس ﵄ في التفسير لا يكاد يزيد عن مائة حديث كما قال الإ مام الشافعى (١) ، وهذا الكتاب فيه تفسير لكل آيات القرآن الكريم!
٢ ـ في هذا التفسير ـ كما نرى ـ ما لا يصح عن ابن عباس أو غيره من مفسري الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أو أي أحد من الراسخين في العلم، وإنما بعضه أقرب إلى التفسير الباطني والإشاري الذي لا يستند إلى أي أساس علمي صحيح. وبعضه الآخر غير مقبول: كاحتمال أن تكون سورة البقرة مكية، وأن يكون المراد من ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ شيئاً غير القرآن الكريم.
٣ ـ قال الحافظ ابن كثير في فضل ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ : روى الحافظ ابن مردويه من طريقين عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن مسعر، عن عطية، عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " إن عيسى بن مريم ﵇ أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب. فقال: ما أكتب؟ قال: بسم الله. قال له عيسى: وما باسم الله؟ قال المعلم: وما أدرى. قال له عيسى: الباء: بهاء الله، والسين: سناؤه، والميم: مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة ".
وقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن العلاء الملقب بابن زبريق، عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبى مليكة، عمن حدثه عن ابن مسعود، ومسعر، عن عطية، عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ فذكره.
стр. 369
وقال ابن كثير بعد هذا: وهذا غريب جداً، وقد يكون صحيحاً إلى من دون رسول الله ﷺ ، وقد يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات والله أعلم (١) .
وفى سورة البقرة قال ابن كثير في تفسير ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ... ﴾ : قال ابن جريج قال ابن عباس: ذلك الكتاب أي هذا الكتاب، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدى ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم وابن جريج.
ثم قال: وقد ذهب بعض المفسرين فيما حكاه القرطبى وغيره أن " ذلك " إشارة إلى القرآن الذي وعد الرسول ﷺ بإنزاله عليه، أو التوراة أو الإنجيل، أو نحو ذلك في أقوال عشرة، وقد ضعف هذا المذهب كثيرون والله أعلم.
والكتاب القرآن، ومن قال: إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير وغيره فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع، وتكلف ما لا علم له به (٢) .
وفى كتاب " الدر المنثور في التفسير بالمأثور " قال السيوطي: أخرج ابن جرير، وابن عدى في الكامل، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر في تاريخ دمشق، والثعلبى، بسند ضعيف جداً عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ : " إن عيسى بن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه. " وذكر ما نقلناه من قبل (٣) .
стр. 370
وهذا الخبر الذي رفضه ابن كثير والسيوطى يرويه عطية عن أبى سعيد الخدرى: وعطية هذا هو " عطية بن سعد بن جنادة العوفى ".
تحدث عنه الإمام أحمد بن حنبل، وعن روايته عن أبى سعيد، فقال بأنه ضعيف الحديث، وأن الثورى وهشيماً كانا يضعفان حديثه، وقال: بلغنى أن عطية كان يأتى الكلبى فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بأبى سعيد، فيقول: قال أبو سعيد فيوهم أنه الخدرى.
وقال ابن حبان: سمع عطية من أبى سعيد الخدرى أحاديث، فلما مات جعل يجالس الكلبى، فإذا قال الكلبى: قال رسول الله ﷺ كذا، فيحفظه، وكناه أبا سعيد، وروى عنه، فإذا قيل له: من حدثك بهذا؟ فيقول: حدثنى أبو سعيد، فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدرى، وإنما أراد الكلبى.
قال: لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب (١) .
وتفسير تنوير المقباس يرويه الكلبى، مما يؤيد استبعاد أن يكون هذا الخبر لأبى سعيد الخدرى، ويؤكد ما ذكر عن عطية من أنه أخذ التفسير عن الكلبى الذي كناه بأبى سعيد ليوهم أنه الخدرى.
وفى تفسير الطبري. الذي حققه وعلق حواشيه أستاذنا العلامة محمود محمد شاكر، وراجعه وخرج أحاديثه أخوه الأكبر الشيخ أحمد – رحمهما الله -، نجد الخبر المتعلق بالبسملة المذكور آنفاً، وفى الحاشية نجد في التخريج " هذا حديث موضوع، لا أصل له "، ثم تفصيلاً لبيان هذا الوضع، وإشارة وتعليقاً على ما ذكره ابن كثير والسيوطى (٢) .
стр. 371
ونخرج من هذا إلى أن بعض ما جاء في كتاب تنوير المقباس ساقط بالمرة، لا تصح نسبته إلى حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄، وبعضه ينقضه ويرده ما روى عن ابن عباس نفسه في التفسير من طرق مقبولة.
سلسلة الكذب:
الفيروز ابادى روى التفسير بإسناده عن محمد بن مروان، عن الكلبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس: وإذا نظرنا في هذا السند تبين لنا موضع الكذب على الصحابى الجليل عبد الله ابن عباس ﵄. فمحمد بن مروان هو السدى الأصغر، كوفى:
قال عبد السلام بن حازم، عن جرير بن عبد الحميد: كذاب.
وقال الدورى، عن ابن معين: ليس بثقة.
وقال ابن نمير: ليس بشئ.
وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف غير ثقة.
وقال صالح بن محمد: كان ضعيفا، وكان يضع.
وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث، متروك الحديث، لا يكتب حديثه ألبتة.
وقال ابن عدى: الضعف على رواياته بين.
وقال الجوزجانى: ذاهب.
وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا اعتباراً، ولا يحتج به بحال.
وقال أبو جعفر الطبري: لا يحتج بحديثه.
وقال عبد الله بن نمير: كان السدى كذاباً، ذكره ابن شاهين في الضعفاء.
وقال الساجى: لا يكتب حديثه.
стр. 372
هذا بعض ما جاء في ترجمته (١) ، ولا خلاف حول جرحه، ومثل هذا الراوى يكفى لرد ما يروى عن طريقه، فما بالك إذا روى عن الكلبى؟
والكلبى هو محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن عبد الحارث بن عبد العزى، أبو النضر الكوفى.
اتفق ثقات أهل النقل على ذمه وترك الرواية عنه في الأحكام والفروع. قال الإمام أحمد: لا يحل النظر في تفسير الكلبى.
وقال الحاكم أبو عبد الله: روى عن أبى صالح أحاديث موضوعة.
وقال الجوزجانى: كذاب ساقط.
وقال ابن حبان: وضوح الكذب فيه اظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه. روى عن أبى صالح التفسير، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس؛ لا يحل الاحتجاج به.
وقال أبو صالح: إني لم أقرأ على الكلبى من التفسير شيئاً! ويبدو أن الكلبى نفسه في وقت من حياته أحس بفداحة جرمه، ولذلك قال فيما رواه عنه سفيان الثورى:
ما حدثت عن أبى صالح عن ابن عباس فهو كذب، فلا ترووه.
وقال ليث بن أبى سليم: كان بالكوفة كذابان: أحدهما الكلبى (٢) ، والآخر السدى!
стр. 373
فسلسلة الكذب (١) إذن قد اجتمعت في إسناد هذا التفسير الذي طبع مرات وانتشر بين المسلمين!! غير أن الأستاذ الشيخ محمد حسين الذهبى ﵀ قد نبه من قبل، وبين هذا الكذب (٢) .
والكتاب على أي حال لا تصح نسبته إلى ابن عباس، ولا يمثل التفسير في عصر الصحابة ﵃.
موقف الشيعة من تفسير الصحابة:
ويبقى هنا أن نقول بأننا قد عرفنا منزلة التفسير الذي يثبت عن الصحابة الكرام عند جمهور المسلمين، وأن بعض هذا التفسير قد يأخذ حكم المرفوع.
أما موقف الشيعة فلا يتفق مع الجمهور.
فإذا كان الصحابة من أئمتهم الاثنى عشر فتفسيرهم كتفسير الرسول ﷺ دون أدنى فرق، لأن لهم ما للرسول ﷺ من العصمة، وما يثبت عنهم يعتبر داخلاً في مفهوم السنة عند الجعفرية كما ذكرنا في نهاية الحديث عن تفسير الرسول ﷺ .
وينطبق هذا على ثلاثة من الصحابة هم: على بن أبى طالب، وابناه الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم.
ولا خلاف حول هذا الحكم بين الجعفرية، فهم مجمعون عليه، أما الخلاف فواقع بالنسبة لغير الثلاثة:
فبعض المفسرين يذكر آراء الصحابة ويروى عنهم، وهؤلاء قلة نادرة، أما أكثر مفسرى الجعفرية فإنهم يطعنون في الصحابة الكرام، بل يكفرون من رضي
стр. 374
الله عنهم ورضوا عنه كما سيأتى بالتفصيل في تناولنا لكتب التفسير عندهم، وإنما أردنا إشارة سريعة قبل ترك الحديث عن تفسير الصحابة. ولعل هذا الأمر يزداد وضوحاً عندما نتحدث عن الجرح والتعديل عند الجعفرية، فعلى سبيل المثال: إذا نظرنا في كتاب تنقيح المقال في أحوال الرجال، وهو من أشهر كتب الجرح والتعديل عندهم، ولمؤلفه عبد الله المامقانى منزلة وأى منزلة! إذا نظرنا في هذا الكتاب رزئنا بالآتى:
عثمان بن عفان الأموى خليفة العامة ـ أي عامة المسلمين غيرهم ـ ضعيف.
عبد الله بن عمر بن الخطاب: خبيث، ضعيف.
عبد الرحمن بن عوف من أضعف الضعفاء.
المغيرة بن شعبة: في غاية الضعف.
معاوية بن أبى سفيان: زندقته أشهر من كفر إبليس.
نعمان بن بشير الأنصارى: من أضعف الضعفاء.
خالد بن الوليد: صحابى لعين
وهكذا!! (١)
стр. 375
الفصل الرابع: تفسير التابعين
حاجة التابعين إلى التفسير:
التابعون ﵃ جاءوا بعد عصر التنزيل فكانوا أكثر حاجة إلى التفسير ممن شهدوا نزول القرآن الكريم، وفيهم رسول الله ﷺ يبين لهم ما نزل إليهم.
فكان على التابعين أن يتعلموا من الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ ما أخذوه عن رسول الله ﷺ ، وما شاهدوه من أسباب النزول، وما فهموه وعملوا به من أي الذكر الحكيم.
والصحابة الكرام بدورهم ما كانوا ليكتموا علماً تعلموه، أو فهماً فهموه، سواء منهم من استقر في مواطن التنزيل، ومن رحل إلى الأمصار الإسلامية التي فتحت.
جلس التابعون يستفسرون من الصحابة رضوان الله عليهم، حتى أن بعضهم كان يجلس إلى الصحابى ومعه الألواح يستفسر عن كل ما هو في حاجة إليه من فاتحة الكتاب الكريم إلى نهاية آياته البينات (١) . قال مجاهد بن جبر: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية منه، وأسأله عنها فيما نزلت وكيف كانت (٢) .
стр. 376
مدارس التفسير:
واشتهر في ذلك العصر ثلاث مدارس للتفسير، إحداها بمكة المكرمة، والثانية بالمدينة المنورة، والثالثة بالكوفة.
قال ابن تيمية: " أما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبى رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاووس، وأبى الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم. وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم. وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضاً ابنه عبد الرحمن " (١) .
وشهرة هذه المدارس لا يعنى أن باقى الصحابة الكرام لم يجلسوا إلى تابعيهم يعلمونهم، أو أن التابعين لم يلجئوا لباقى الصحابة.
نواة التدوين:
مع أن التفسير ظل يحمل طابع التلقى والرواية، إلا أن نواة التدوين ظهرت في بعض الجهود الفردية، حيث كان بعض التابعين يكتب ما يسمع، وما يفهم نتيجة تمكنه من اللغة، ومعرفته بأساليب القول.
وتفسير التابعين نراه مبثوثاً في كتب التفسير التي جاءت بعد ذلك كتفسير الطبري، وفى بعض كتب السنة. والمشهور أن لكل من سعيد بن جبير، ومجاهد
стр. 377
ابن جبر، تفسيراً مدوناً (١) .
غير أن الأول لم يصلنا تفسيره هذا حتى الآن، أما مجاهد فعثر على مخطوطة لتفسيره، ونسخت في القرن السادس الهجرى، وهيأ الله تعالى لها من يحققها، ويخرجها كتاباً للناس (٢) .
ولعلنا بدراسة هذا التفسير نأخذ صورة عامة لما كان عليه التفسير في عهد التابعين.
تفسير مجاهد:
من دراسة التفسير نلاحظ ما يأتى:
أولا: التفسير، وإن تناول السور الكريمة كلها تقريبا (٣) غير أنه لم يفسر إلا بعض الآيات فقط وهى ليست كثيرة وإن كانت أكثر مما جاء عن الصحابة ﵃، وهذه نتيجة متوقعة، فكلما بعد الناس عن عصر التنزيل كلما احتاجوا إلى المزيد من التفسير والبيان.
стр. 378
ثانيا: معظم ما في التفسير بيان لمعانى كلمات، وهذا يعنى أن التابعين كما كانوا لا يفسرون الآيات التي يظنونها واضحة المعنى، كانوا كذلك يتناولون الآيات التي يرون الحاجة إلى تفسيرها، ويكتفون ببيان معاني الكلمات التي يتوقف عليها فهم المعنى.
على أنا نجد أن بعض الكلمات القرآنية المفسرة أوضح معنى بالنسبة لنا من كلمات التفسير. مثال هذا ما جاء في تفسيره لسورة الذاريات:
عن مجاهد قال: " المحروم ": المحارف.
وعنه: " فجاء بعجل " يقول: حسيل.
ولعل هذا يرجع إلى أن بعض الكلمات تشيع في عصر دون عصر، ... ككلمتى: المحارف وحسيل، شاعتا في عصره وكادتا لا تظهران في عصرنا.
ثالثا: في تفسير بعض الآيات الكريمة وتوضيح معناها نرى الحديث عن أسباب النزول، مثال هذا ما جاء في تفسير سورة الرعد:
عن مجاهد: قال كفار قريش، يا محمد، سير لنا جبالنا فتتسع لنا أرضنا فإنها ضيقة، أو قرب لنا الشام فإنا نتجر إليها، أو أخرج لنا آباءنا من القبور نكلمهم، فأنزل الله عزوجل ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ﴾ إلى آخر الآية.
وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ ... ﴾ قال: قالت قريش حين أنزل ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ ... ﴾ ما نراك يا محمد تملك من شئ، ولقد فرغ من الأمر، فنزلت: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ ... ﴾ تخويفاً ووعيداً لهم، أي إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ويحدث في كل شهر
стр. 379
رمضان فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء: أرزاق الناس، ومصائبهم، وما يقسم لهم.
رابعا: وفى التفسير نرى أحياناً الإشارة الى النسخ: ففي سورة النساء مثلاً:
عن مجاهد في قوله: " فئاذوهما " يعنى سبَّاً، ثم نسختها ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ... ﴾ " ٢: النور ".
خامسا: في بعض الحالات نرى خلافاً بين مجاهد وأستاذه ابن عباس، أو بين مجاهد وغيره من التابعين.
سادسا: يتعرض التفسير أحيانا لبعض الأحكام الفقهية، مثال هذا ما جاء في سورة النساء من الحديث عن صلاة الخوف وهو ما يلى: عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ ... ﴾ وذلك يوم كان النبي ﷺ بعسفان، والعدو بضحنان، فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه الظهر أربع ركعات، ركوعهم وسجودهم وقيامهم وقعودهم جميعاً، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم إذا قاموا للعصر، فأنزل الله عزوجل: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ ... ﴾ إلى آخر الآية. فصف رسول الله ﷺ أصحابه خلفه صفين، ثم كبر بهم وكبروا جميعاً، ثم سجد الأولون بسجود النبي ﷺ ، والآخرون قيام، ثم سجد الآخرون، ثم كبر بهم وكبروا جميعاً، فتقدم الصف الآخر واستأخر الصف الأول، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة، وقصرت صلاة العصر ركعتين.
سابعا: بدت الإسرائيليات واضحة في هذا التفسير! وأكثرها يتصل بنبيين هما: موسى وسليمان ﵉.
стр. 380
هذا ما بدا لي عندما قرأت تفسير مجاهد، ثم أتحفنى زميلى المفضال الدكتور محمد عبد السلام برسالته للدكتوراه " تفسير مجاهد بن جبر " وفى هذه الرسالة جعل الباب الثاني لبيان منهج مجاهد في التفسير.
أشار في بداية الباب أن المفسرين من الصحابة ﵃ لم يفسروا القرآن الكريم كله، وإنما تناولوا قدراً يسيراً من آياته، وأنهم كانوا يقتصرون على توضيح المعنى اللغوى بأوجز لفظ، مع ندرة ما يستنبط من الأحكام الفقهية، وذكر لسبب النزول، وأخذ عن أهل الكتاب في حدود ما سمح به.
ثم قال:
وهذا كان منهج ابن عباس كبير مفسرى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فإذا نحن تتبعنا تفسير تلميذه مجاهد، وجدناه ينهج هذا النهج، ويزيد عليه بما يلى:
١ ـ زيادة القدر المفسر من الأحكام.
٢ ـ كثرة ما استنبط من الأحكام.
٣ ـ بذر نواة المذاهب الفقهية والكلامية، ولذا وجدنا الشافعى يعتمد على مجاهد في فقهه، والمعتزلة أيضاً يعتمدون عليه فيما ذهبوا إليه من القول بعدم رؤية الله .
٤ ـ التوسع في الاتصال بأهل الكتاب وسؤالهم.
قال: والمدقق في تفسير مجاهد يجده قد أفاد كثيراً من أستاذه ابن عباس، واقتفى أثره ووافقه في تفسير العديد من الآيات، كما أنه كان يخالفه أحياناً، وأبرز تلك المخالفة قول مجاهد بالرأى في بعض الآيات فمنهج مجاهد هو:
توضيح المعنى اللغوى بأوجز عبارة، مع ذكر سبب النزول، واستنباط الأحكام، والأخذ عن أهل الكتاب، والقول بالرأى في حدود ما سمح به. ا. هـ.
وإن كان لتفسير التابعين منزلته غير أنه ليس بحجة إلا عند إجماعهم، فإذا اختلفوا فليس قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من جاء بعدهم.
стр. 381
والشيعة الاثنا عشرية يجعلون العصمة لاثنين من التابعين، هما: على بن الحسين زين العابدين، المتوفى سنة ٩٥، وابنه محمد: أبو جعفر الباقر، المتوفى سنة ١١٤، أما غير أئمتهم فلا وزن لتفسيرهم عند الشيعة.
стр. 382
الفصل الخامس: أحسن طرق التفسير
بعد أن انتهينا من الحديث عن تفسير التابعين، وقد ذكر الأخذ عن أهل الكتاب، والتفسير بالرأى، نرى أن نقف هنا وقفة عند أحسن طرق التفسير كما يراه غالب الجمهور.
وفى هذه الوقفة بيان لقيمة التفسير المأثور عن التابعين، وحديث عن الإسرائيليات، والتفسير بالرأى، وهو ما كان يلزمنا أن نبينه بعد الحديث عن تفسير التابعين، فهذه الوقفة إذن تغنينا عن التكرار. ولعل أنسب ما نثبته هنا هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أيضاً" ما قاله الحافظ ابن كثير، وحاول الالتزام به في تفسيره.
قال ابن تيميه رحمه الله تعالى في مقدمة التفسير من فتاواه "ص٣٦٣: ٣٧٥ " وطبعت المقدمة كاملة في كتاب مستقل:
فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟
تفسير القرآن بالقرآن وبالسنة:
فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن؛ فما أجمل ... في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له؛ ... بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعى: كل ما حكم به ... رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
стр. 383
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ، ولهذا قال رسول الله ﷺ : " إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه " يعنى السنة.
والسنة أيضاً تنزل عليه بالوحى كما ينزل القرآن؛ لا أنها تتلى كما يتلى، وقد استدل الإمام الشافعى وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك.
والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة، كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: " بم تحكم؟ قال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيى. قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله "، وهذا الحديث في المسانيد والسنن بإسناد جيد.
أقوال الصحابة:
وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها؛ ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح؛ لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين: " مثل عبد الله ابن مسعود "، قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: حدثنا أبو كريب، قال أنبأنا جابر بن نوح، أنبأنا الأعمش عن أبى الضحى، عن مسروق قال: قال عبد الله ـ يعنى ابن مسعود: والذى لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله منى تناوله المطايا لأتيته. وقال الأعمش أيضاً، عن أبى وائل، عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
стр. 384
ومنهم الحبر البحر " عبد الله بن عباس "، ابن عم رسول الله ﷺ وترجمان القرآن، ببركة دعاء رسول الله ﷺ له حيث قال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ". وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، أنبأنا وكيع، أنبأنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله ـ يعنى ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. ثم رواه عن يحيى بن داود، عن إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح أبى الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود أنه قال: نعم الترجمان للقرآن ابن عباس. ثم رواه عن بندار عن جعفر بن عون عن الأعمش به كذلك، فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة، وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعمر بعده ابن عباس ستاً وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟ وقال الأعمش، عن أبى وائل: استخلف على عبد الله بن عباس على الموسم فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة ـ وفى رواية سورة النورـ ففسرها تفسيراً لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا.
الإسرائيليات:
ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: " بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج، ومن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو؛ ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام:
" أحدها " ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
و" الثاني " ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
و"
стр. 385
الثالث " ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر دينى، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيراً، ويأتى عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾ .
وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغى في مثل هذا. فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته؛ إذ لو كان باطلاً لرده كما ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: ﴿قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم﴾ فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا ... ﴾ أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب.
فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن ينبه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل به عن
стр. 386
الأهم، فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكى الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضاً، فإن صحح غير الصحيح عامداً فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالا متعددة لفظاً ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبى زور، والله الموفق للصواب.
أقوال التابعين:
إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين " كمجاهد بن جبر " فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا إبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمتة، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها، وبه قال الترمذى، قال: حدثنا الحسين بن مهدى البصرى، حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة. قال: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئاً، وبه إليه قال: حدثنا ابن أبى عمر، حدثنا سفيان بن ... عيينة، عن الأعمش، قال: قال مجاهد: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم احتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا طلق بن غنام، عن عثمان المكى، عن ابن أبى مليكة، قال: رأيت مجاهداً سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، قال: فيقول له ابن عباس: اِكتب، حتى سأله عن التفسير كله، ولهذا كان سفيان الثورى يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.
وكسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبى رباح، والحسن البصرى، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبى العاليه، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم، فتذكر أقوالهم في الآية، فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها
стр. 387
من لا علم عنده اختلافاً، فيحكيها أقوالا، وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشىء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على الشىء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي.
وقال شعبه بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعنى أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشىء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك.
التفسير بمجرد الرأى حرام:
فأما " تفسير القرآن بمجرد الرأى فحرام، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ".
حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عبد الأعلى الثعلبى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ". وبه إلى الترمذى قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثنى حسان بن هلال قال: حدثنا سهيل ـ أخو حزم القطعى، قال: حدثنا أبو عمران الجونى، عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : " من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ "، قال الترمذى هذا حديث غريب وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهل بن أبى حزم.
وهكذا روى بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في أن يفسر القرآن بغير علم، وأما الذي روى عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن وفسروه بغير علم،
стр. 388
أو من قبل أنفسهم، وقد روى عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم، فمن قال في القرآن برأيه فقد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت بالأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر؛ لكن يكون أخف جرماً ممن أخطأ، والله أعلم. وهكذا سمى الله تعالى القذفة كاذبين، فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فالقاذف كاذب، ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، وتكلف ما لا علم له به. والله أعلم.
ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة عن سليمان عن عبد الله بن مرة عن أبى معمر، قال: قال أبو بكر الصديق: أي أرض تقلنى وأى سماء تظلنى إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم؟!
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمود بن يزيد، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمى، أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله:
﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلنى، وأى أرض تقلنى، إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ ـ منقطع.
وقال أبو عبيد أيضاً: حدثنا يزيد، عن حميد، عن أنس، أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر.
وقال عبد بن حميد: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن يزيد، عن ثابت، عن أنس قال: كنا عند عمر بن الخطاب، وفى ظهر قميصه أربع
стр. 389
رقاع، فقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: ما الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف، فما عليك أن لا تدريه؟ .
وهذا كله محمول على أنهما ﵄ إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتاً من الأرض ظاهر لا يجهل؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ .
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية عن ... أيوب، عن ابن أبى مليكة، أن ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها فأبى أن يقول فيها. إسناده صحيح. وقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبى مليكه، قال: سأل رجل ابن عباس عن: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فقال له ابن عباس: فما ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ؟ فقال الرجل إنما سألتك لتحدثنى فقال ابن عباس، هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم. وقال ابن درير: حدثنى يعقوب ـ يعنى ابن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن مهدى بن ميمون، عن الوليد بن مسلم، قال: جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله فسأله عن آية من القرآن. فقال أحرج عليك إن كنت مسلماً لما قمت عنى، أو قال: أن تجالسنى، وقال مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال إنا لا نقول في القرآن شيئاً.
وقال الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن. وقال شعبة عن عمرو بن مرة قال: سأل رجل سعيد ابن المسيب عن آية من القرآن، فقال: لا تسألنى عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شىء، يعنى عكرمة. وقال ابن شوذب: حدثنى يزيد بن أبى
стр. 390
يزيد قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع.
وقال ابن جرير: حدثنى أحمد بن عبده الضبى، حدثنا حماد بن زيد حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وأنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع. وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث، عن هشام بن عروة قال: ما سمعت أبى تأول آية من كتاب الله قط. وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائى، عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلمانى عن آية من القرآن، فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل من القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد.
وقال أبو عبيد: حدثنا معاذ، عن ابن عون عن عبيد الله بن مسلم بن يسار، عن أبيه، قال: إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده. حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه. وقال شعبة، عن عبد الله بن أبى السفر، قال: قال الشعبى: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله. وقال أبو عبيد: حدثنا هشيم، أنبأنا عمر بن أبى زائدة، عن الشعبى، عن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله.
التفسير بالرأى عن علم:
فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حرج عليه؛ ولهذا روى عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به فكذلك يجب فيما سئل عنه مما يعلمه؛ لقوله