ـ[مع الاثنى عشرية في الأصول والفروع - موسوعة شاملة]ـ
وملحق بها السنة بيان الله تعالى على لسان الرسول ﷺ
المؤلف: ا. د. علي أحمد السالوس
الناشر: دار الفضيلة بالرياض، دار الثقافة بقطر، مكتبة دار القرآن بمصر
الطبعة: السابعة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
تمهيد
إن الحمد كله لله نحمده سبحانه وتعالي ونستهديه، ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونسأله أن يجنبنا الزلل في القول والعمل. ونصلى ونسلم على رسله الكرام، وعلى أولهم خاتم الأنبياء والمرسلين، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فمنذ نحو أربعين سنة بدأت الاطلاع على كتب الشيعة الجعفرية الاثنى عشرية، والاتصال ببعض علمائهم. وشجعني على هذا أستاذي المرحوم الشيخ محمد المدني، أحد دعاة التقريب بين المذاهب الخمسة، حيث اعتبروا المذهب الشيعي هذا مذهباً خامساً، ولذلك كانت رسالتي للماجستير في الفقه المقارن بين الشيعة الإمامية - أي الجعفرية الاثنى عشرية - والمذاهب الأربعة.
غير أنني عندما بدأت الدراسة، ثم قرأت كثيراً من كتبهم، وجدت الأمر على خلاف ما تصوره دعاة التقريب، حيث إن عقيدتهم في الإمامة، وما ينبنى عليها، تمنع التقريب وتحول دونه، فإن هذه العقيدة لا تصح إلا بالطعن في خير أمة أخرجت للناس، حيث يعتبر باقي الصحابة - وحاشاهم - مقرين للمعصية، راضين عنها.
وإذا كانت مسألة الإمامة في ذمة التاريخ، فلا حاجة لإثارتها، وخلاف الأمس لا يمنع تقريب اليوم، ومن هنا كانت رسالتي للدكتوراه عن أثر الإمامة في الفقه الجعفرى وأصوله، وللأسف الشديد أنني وجدت هذه العقيدة الباطلة قد أفسدت الكثير من أصول الفقه. فكيف تكون دعوة التقريب؟
إن قلنا للشيعة: دعوا مسألة الإمامة في مجال العقيدة، ولا تجعلوا لها أثراً في التشريع وأصوله حتى تصبحوا كأي مذهب من مذاهب أهل السنة والجماعة، أفيقبلون؟
стр. 3
وإذا كانوا لا يقبلون، بل لم توجه لهم هذه الدعوة، أفنؤمن نحن بعقيدتهم الباطلة؟
لهذا يجب أن تكون دعوة التقريب على هدى وبصيرة. ولذا رأيت أن أجعل بين أيدي المسلمين، ودعاة التقريب منهم، بعض الكتب التي تبين الفوارق بين السنة والشيعة في مجالات مختلفة، ليفكروا في هذه الفوارق، ولنحدد كيف تكون دعوة التقريب، ومن الذي يجب أن يترك رأيه ويقترب من الآخر.
وكنت جمعت المادة العلمية منذ عدة سنوات، ثم توقفت بضعة أعوام عندما شغلت بالاقتصاد الإسلامي، والمعاملات المعاصرة، وتم بحمد الله تعالي وفضله تأليف بعض الكتب والأبحاث، غير أن البحث في المعاملات المعاصرة أمر متجدد لا ينتهي، فرأيت ألا أجعل الوقت كله له، وأن أعود إلى ما جمعت من مادة للدراسة المقارنة حتى أخرج الكتب التي أريدها، مستعيناً بالله .
وتوطئة لهذه الدراسة صدر كتابى الأول تحت عنوان:
" عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية- دراسة في ضوء الكتاب والسنة - هل كان شيخ الأزهر البشرى شيعياً؟ ! "
وانتهت الدراسة إلي أن عقيدتهم لا تستند إلى كتاب ولا إلى سنة، بل باطلة تصطدم بالكتاب والسنة، وأظهرت الدراسة كثيراً من الأخطاء، وكشفت عن مفتريات وأباطيل، ونزهت الشيخ البشرى مما نسبه إليه المفترى الكذّاب صاحب كتاب المراجعات.
ورأيت أن تكون الدراسة التالية للكتاب السابق تتعلق بكتاب الله العزيز، المصدر الأول للعقيدة والشريعة. فكان الكتاب الثانى في التفسير المقارن وأصوله بين أهل السنة والشيعة الاثنى عشرية، وقسمته قسمين: -
القسم الأول: للحديث عن التفسير وأصوله عند أهل السنة.
القسم الثانى: للتفسير وأصوله عند الشيعة الاثنى عشرية.
стр. 4
ومن يقرأ ما احتواه القسمان يدرك الفوارق البينة الظاهرة بين التفسيرين، وأصول كل منهما. ويتأكد من أن مسألة الإمامة ليست نظرية بحتة تاريخية، بل لها أثرها في كتبهم خلال جميع العصور، ولهذا وجدنا الغالين الضالين من الشيعة يحرفون القرآن نصا ومعنى، ويطعنون في الصحابة الكرام، ويجعلون أئمتهم هم المراد من كلمات الله حتى وصل بعضهم إلى تأليه الأئمة، ووجدنا المعتدلين منهم يقعون في تناقض بين، وهذه نتيجة حتمية، فكيف يجمع بين هذه العقيدة والاعتدال؟! وكيف يجمع بين توثيقهم وإجلالهم لأكبر كبار علمائهم كالقمى والعياشى والكلينى، وهم رءوس الغلو والضلال، وحملة لواء التشكيك والتضليل، وتحريف القرآن المجيد، وتكفير خير أمة أخرجت للناس؟! كيف يجمع بين هذا كله وبين شيء من الاعتدال؟! والمهم أن ما أنسبه إليهم هنا منقول من كتبهم وليس مما كتب عنهم، وبذلك يكون الحكم دقيقاً غير جائر.
وانتهيت من الكتاب الثانى سنة ١٤٠٩ هـ (١٩٨٩م) ، وفى أواخر ذلك العام كانت الطامة حيث صدر البيان المشهور عن دار الإفتاء المصرية الذي أحل بعض المعاملات التي أجمعت المجامع الفقهية كلها وجميع دور الإفتاء على أنها من الربا المحرم، وتبع البيان بعد ذلك تحليل صور أخرى من المعاملات الربوية حتى وصل الأمر إلى القول بأن البنوك في جميع بقاع الأرض تستثمر بالطرق التي أحلها الله تعالي!!
فشغلت بالرد على البيان، وعلى ما صدر بعد ذلك من الفتاوى الباطلة، فكتبت عشرات المقالات، وبضعة كتب وأبحاث، ووقفت عند الكتاب الثانى بين الشيعة والسنة.
ومنذ سنوات طلبت منى إحدى الجهات العلمية البارزة كتابة رد على كتاب المراجعات لعبد الحسين شرف الدين الموسوي، ثم تكرر الطلب حتى استحييت، وكنت كتبت بعض الملاحظات حول الكتاب استعداداً للرد قبل هذا الطلب، فأعدت
стр. 5
النظر فيما كتبت، واستعنت بالله ، وبذلت أقصى ما أستطيع حتى انتهيت بحمد الله وفضله وكرمه - من كتاب " المراجعات المفتراة على شيخ الأزهر البشرى "، حيث أثبت يقينا براءة شيخ الأزهر مما نسب إليه، وأن عبد الحسين هو وحده صاحب هذه المراجعات المفتراة. والقارئ يجد هذا الأمر واضحاً جلياً، وسيعجب كل العجب من جرأة هذا الرافضي لا على الكذب والافتراء فقط، ولكن أيضا على تصوير شيخ الأزهر وشيخ المالكية وقد جاوز الثمانين عاما في صورة جاهل لا يدرى ما في كتب في التفسير والحديث عند أهل السنة أنفسهم، وما يدرس منها لطلاب الأزهر، فبدا كأنه أقل علماً من هؤلاء الطلاب، إلى أن جاء هذا الشاب الرافضي الطريد الذي لجأ إلى مصر ليعلم شيخ الأزهر نفسه ما في هذه الكتب، ويصور الرافضي نفسه في صورة من أخرج شيخ الأزهر من ظلمات الجهل إلى نور العلم، وجعله يسلم بصحة عقيدة الرافضة وشريعتهم وبطلان ما عليه أمة الإسلام منذ الصحابة الكرام البررة إلى عصرنا!!
وقد ناقشت الرافضي مناقشة علمية مستفيضة، نسأل الله تعالى أن يتقبلها منا فهو يعلم السر وأخفى.
وبعد أن انتهيت من كتاب المراجعات رأيت أن أستكمل الموضوع الذي بدأته بالكتابين اللذين أشرت إليهما من قبل، ولكن بدا لي أن أقدم للمسلمين موسوعة شاملة في هذا الموضوع تبين حقيقة الشيعة والرافضة في الماضي والحاضر في ضوء الكتاب والسنة، وكل ما أنسبه إليهم منقول من كتبهم هم أنفسهم، وليس مما كتب عنهم، وبذلك يكون الحكم دقيقا غير جائر. وهذه الموسوعة يضمها كتاب في أربعة أجزاء:
الجزء الأول في العقائد.
الجزء الثانى في التفسير وكتبه ورجاله.
الجزء الثالث في الحديث وعلومه وكتبه ورجاله.
стр. 6
والجزء الرابع في أصول الفقه والفقه.
وكل جزء له مقدمة تخصه وتناسبه.
وكتبت بحثا عنوانه " السنة بيان الله تعالى على لسان رسوله ﷺ "، فرأيت من المناسب أن ألحقه بالجزء الثالث الخاص بالسنة المشرفة.
وقبل أن أنتقل إلى مقدمة الجزء الأول أحب أن أذكر بما يأتي: -
أولا: لماذا كثر ما كتبت عن الشيعة؟
بعد أن تخرجت في كلية دار العلوم سنة ١٣٧٦ هـ (١٩٥٧م) ، والتحقت بالدراسات العليا، كان ممن درس لنا أستاذنا الجليل / محمد المدني - رحمه الله تعالى - وهو من الأعضاء البارزين لدار التقريب بين المذاهب في القاهرة، وكثيراً ما كان يحدّثنا عن الشيعة، وفقههم وأنهم لا يختلفون كثيراً عن المذاهب الأربعة، ويمكن اعتبارهم مذهبا خامسا.
والشيعة يزيدون على سبعين فرقة، لكنه كان يقصد الشيعة الإمامية الجعفرية الاثنى عشرية بالذات، فهى صاحبة دار التقريب فكرة وتنفيذا.
ونتيجة فهمى لما سمعته منه سجلت رسالة الماجستير تحت عنوان ... " فقه الشيعة الإمامية ومواضع الخلاف بينه وبين المذاهب الأربعة " وأردت أن أحدد مواضع الخلاف فقط، أي ما ينفردون به دون أي مذهب من المذاهب الأربعة، ثم أناقش هذه المواضع باعتبارهم مذهبا خامسا من باب التقريب.
غير أننى عندما بدأت البحث، واطلعت على مراجعهم الأصلية وجدت الأمر يختلف عما سمعت تماما. ورأيت أن عقيدة الإمامة عندهم، التي جعلوها
стр. 7
أصلا من أصول الدين، أثرت في مصادر الشريعة، وجميع أبواب الفقه، ولذلك جعلت رسالة الدكتوراه عنوانها " أثر الإمامة في الفقه الجعفرى وأصوله".
فدراستى إذن بدأت بتوجيه من الشيخ المدني من أجل التقريب. ولكن الدراسة العلمية لها طابعها الذي لا يخضع للأهواء والرغبات.
وكان طبيعيا ألا أقف عند الماجستير والدكتوراه، وأن يظهر هذا التخصص في دراسات أخرى، ولهذا قمت بتأليف عدة كتب في سلسلة دراسات في الفرق.
من هذا التوضيح يعرف سبب كثرة ما كتبت في هذا المجال، وما أكتبه ليس من أهدافه الحوار مع الشيعة والرافضة، وإنما أوجه كتابتى لأهل السنة والجماعة وجمهور المسلمين في ضوء المصادر المعتمدة التي تلقتها الأمة بالقبول، والمنهج العلمي الذي اتفق عليه جمهور المسلمين.
ثانيا: الشيعة ليسوا سواء
الشيعة الاثنا عشرية ليسوا سواء، فمنهم الغلاة الذين نرى فيما كتبوا الكفر والزندقة، ومنهم من ينشد الاعتدال، ويتصدى لبعض هؤلاء الغلاة، ومنهم من يجمع بين الغلو والاعتدال. فعلى سبيل المثال.
ظهر في القرن الثالث الهجرى ثلاثة كتب في التفسير هي التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري، وتفسير العياشى، وتفسير القمي. وهذه الثلاثة كلها زيغ وضلال وزندقة: تكفر الصحابة رضي الله تعالي عنهم، وعلى الأخص الخلفاء الراشدين قبل الإمام على، ومن بايعوهم، وتحرف القرآن الكريم نصا ومعنى وتغلو في الأئمة الاثنى عشر إلى درجة الشرك بالله .
стр. 8
وفى القرن الرابع الهجرى يؤلف الكلينى ـ وهو تلميذ القمي ـ كتابه الكافى، الكتاب الأول في الحديث عندهم، وقد ضل ضلالا بعيداً، ونهج منهج التفاسير الثلاثة وزاد عليها كفراً وضلالا.
وفى القرن الخامس يؤلف الطوسي كتابه التبيان في التفسير، وينهج منهجا فيه شيء من الاعتدال، ويتصدى لحركة التشكيك والتضليل التي سبقته، ويحاول جاهدا صيانة كتاب الله العزيز نصا ومعنى، وإن تأثر بعقيدته في بعض معانى الآيات الكريمة.
والإمامية الاثنا عشرية بعد هذا منهم من سار في ظلمات الضالين الغلاة ومنهم من اقترب من شيخ الطائفة الطوسي، ومنهم من أخذ من كل نصيبا. وقد بينت هذا بالتفصيل في كتابى " أثر الإمامة في الفقه الجعفرى وأصوله "، وفى هذا الكتاب بأجزائه الأربعة.
وعبد الحسين في كتابه " المراجعات " الذي أشرت إليه من قبل لم ينقل إلا عن الغلاة الضالين، وأضاف إليهم ما هو أشد كفرا وضلالا، ولم ينقل شيئا عن التبيان للطوسى شيخ طائفتهم وصاحب كتابين من كتب الحديث الأربعة.
ولذلك فهو يعد من أشد الروافض غلوا وزندقة وكفرا.
وأرجو أن يكون واضحا أن ما نراه في كتب الغلاة الرافضة، وما نصمهم به نتيجة ما قدمت أيديهم، لا ينطبق على المعتدلين من الطائفة.
والذى تعجب له هو موقف المعتدلين الغلاة من الشيعة، حيث نرى تناقضا واضحا: -
فهم يثنون على الصحابة الكرام، ويقولون بأن القرآن الكريم الذي بين أيدى المسلمين هو كما أنزله الله ، وأن أي خبر يتعارض مع هذا سواء أكان في الكافى أو غيره، يضرب به عرض الحائط، وكذلك ما يتصل بفرية علم الأئمة للغيب.
стр. 9
والتناقض يأتي في الإشادة بكتب الغلاة كالمراجعات، وهو الذي يتعارض مع كل ما سبق كما يظهر عند عرضه ومناقشته، وبيان ما فيه من البلايا والرزايا.
وكذلك القول بأن كل ما في تفسير على بن إبراهيم القمي صحيح، وهو الذي كفر الصحابة وقال بالتحريف تنزيلاً وتأويلاً، وعلم الأئمة لما كان وما يكون إلى يوم القيامة.
تناقض واضح جلى بلا شك!! ولذلك فهم جمعوا بين الاعتدال والغلو!!
ووجدنا طائفة من معتدلي الشيعة لم تقع في مثل هذا التناقض، وظهرت لهم كتب تفضح وترد على غلاة الشيعة، وذلك مثل كتاب تحطيم الصنم، والمقصود بالصنم كتاب الكافى، وكتاب لله ثم للتاريخ، وفيه تبرئة الأئمة الأطهار مما نسب إليهم من الغلو، وما كتبه أحمد الكاتب، وموسى الموسوي، وغيرهم. ... فالشيعة إذن ليسوا سواء.
ثالثا: منهج الرافضة في محاولة هدم الإسلام
عبد الحسين الذي افترى كتاب المراجعات، أراد أن يبين أن علامة أهل السنة وشيخ أزهرهم، والذى جاوز الثمانين من عمره، جاهل بالكتاب والسنة ... معا، حتى بالكتب التي تدرس لطلاب الأزهر، ويسلم بكل ما يقوله هذا الرافضي الشاب الطريد الذي لجأ إلي مصر، فلا ينتهى الكتاب المفترى حتى ينطق ويشهد شيخ الأزهر- وحاشاه ثم حاشاه - بما ينطق به غلاة الروافض! وإذا كان هذا هو حال الإمام الأكبر فعلى الباقين جميعا أن يسلموا تسليماً، وأن يعود الأزهر شيعيا كما بدأ! هكذا زين الشيطان للرافضى!
стр. 10
وأراد شيطان الرافضة أن يبين أنه صاحب ذلك الكتاب لا ريب فيه، وبه نور الظلم، وأنقذ شيخ الأزهر من ظلمات الجهل ... هكذا دون أدنى خجل أو حياء من الله ، أو من الناس.
وما ذكر في مقدمة كتاب المراجعات عن عبد الحسين فهو من باب ما قاله الإمام الشافعى " أشهد الناس بالزور الرافضة ".
وأحب أن أنبه إلى أمر هام وهو منهج الرافضة في هدم الإسلام من الداخل ونشر عقائدهم الباطلة.
رأيت كتابا لعبد الحسين هذا عنوانه " الفصول المهمة في تأليف الأمة "، ومن الذي لا يريد تأليف أمة الإسلام؟ فلما نظرت في الكتاب وجدته ينتهى إلى أن التأليف إنما يكون باعتناق عقيدة الرافضة وترك ما عليه أهل السنة والجماعة، وهذا هو ما انتهى إليه في كتاب المراجعات، بعد أن بدأه بالتحذير من الفرقة، ووجوب اجتماع الكلمة، أي أننا يجب أن نجتمع، على الكفر والزندقة، لا على سنة الرسول ﷺ ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، التي أمرنا أن نعض عليها بالنواجذ.
فيجب أن نتنبه إلى هذا المنهج الخبيث، وإلى أنهم في سبيل تصدير الثورة التي نادى بها الخمينى، أي عقيدة الرافضة وشريعتهم، يغرون بالمال الوفير، وبالنساء عن طريق زواج المتعة عندهم.
رابعا: عبد الله بن سبأ
صاحب فكرة الوصي بعد النبي ﷺ
عبد الله بن سبأ كان يهودياً ثم أعلن إسلامه، ووالي على بن أبى طالب - رضي الله تعالى عنه - وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بالغلو،
стр. 11
فقال في إسلامه بعد وفاة الرسول ﷺ في أبى الحسن مثل ذلك. وهو صاحب فكرة أن علياً هو وصى النبي ﷺ .
جاء في كتاب فرق الشيعة للحسن بن موسى النوبختي، وسعد بن عبد الله القمي، وهما من علماء الشيعة في القرن الثالث الهجرى:
" عبد الله بن سبأ أول من شهر القول بفرض إمامة على ﵁، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفرهم، فمن هاهنا قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية ". (ص ٣٢:٣٣ وانظر هذا أيضا في ترجمة ابن سبأ في تنقيح المقال للماماقانى ٢/١٨٤، والأنوار النعمانية للسيد نعمة الله الموسوي الجزائري ص ٢٣٤. وكلها مراجع شيعية) .
ونتيجة لدور ابن سبأ في تأسيس عقيدة الرافضة، ولرفع هذه التهمة الثابتة، ألف مرتضى العسكري الشيعي كتابا عن عبد الله بن سبأ، وقال: إنه شخصية خرافية لا وجود لها، وإن قصته وضعها سيف بن عمر، واشتهرت عن طريق تاريخ الطبري.
وما قاله هذا الشيعي غير صحيح، بل جرأة عجيبة على إنكار ما هو ثابت مشتهر، فما أكثر ما جاء عن ابن سبأ من غير طريق سيف بن عمر، وما نقلته من كتاب فرق الشيعة وغيره ليس فيه سيف بن عمر، وليس منقولا عن طريق الطبري، وأضيف إليه بعض المراجع الشيعية الأخرى التي ذكرت ابن سبأ، وليس في سندها سيف بن عمر:
فانظر على سبيل المثال لأصحاب كتب الحديث الأربعة عند الشيعة:
الكافى للكلينى ١/٥٤٥، وللصدوق: فقيه من لا يحضره الفقيه ١/٢١٣، وعلل الشرائع ص ٣٤٤، والخصال ٦٣٨، وللطوسى: تهذيب الأحكام ٢/٣٢٢، واختيار معرفة الرجال ٢/١٠٨، والأمالى ١/٢٣٤.
وراجع أيضا: وسائل الشيعة ١٨/٥٥٤، ورجال الكشّى، وغيرها من مراجع الشيعة أنفسهم، إلى جانب مراجع الجمهور التي يطول ذكرها. ويمكن أن يكون
стр. 12
هذا الموضوع بحثا موسعا نثبت به أخطاء مرتضى العسكري وغيره، ولكن أكتفى بذكر نموذج لأحد الشيعة المشهورين بالاعتدال إلى حد ما وهو السيد أبو القاسم الخوئى، الذي كان المرجع الأعلى للشيعة في العراق. جاء في كتابه معجم رجال الحديث في ترجمة عبد الله بن سبأ ما نصه:
الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلوّ: من أصحاب على ﵁ رجال الشيخ (٧٦) .
وقال الكشّى (٤٨) : " حدثني محمد بن قولويه القمي، قال: حدثني سعد بن عبد الله بن أبى خلف القمي، قال: حدثني محمد بن عثمان العبدى، عن يونس بن عبد الرحمان، عن عبد الله بن سنان، قال: حدثني أبى عن أبى جعفررضي الله عنه: أنّ عبد الله بن سبأ كان يدعى النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين ﵁ هو الله!! تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً فبلغ ذلك أمير المؤمنين ﵁، فدعاه وسأله فأقرّ بذلك، وقال: نعم أنت هو وقد كان ألقى في روعى أنك أنت الله وأنىّ نبي!! فقال له أمير المؤمنين ﵁: ويلك قد سخر منك الشيطان فارجع عن هذا ثكلتك أمك وتب، فأبى فحبسه واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب فأحرقه بالنار". وقال: إنّ الشيطان استهواه فكان يأتيه ويلقى في روعه ذلك.
حدثني محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا يعقوب ابن يزيد ومحمد بن عيسى، عن ابن أبى عمير، عن هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله يقول وهو يحدث أصحابه بحديث عبد الله بن سبأ، وما ادّعى من الربوبية في أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁، فقال: إنه لما ادّعى ذلك فيه استتابه أمير المؤمنين ﵁ فأبى أن يتوب فأحرقه بالنار.
حدثني محمد بن قولويه: قال: حدثني سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد، ومحمد بن عيسى، عن على بن مهزيار، عن فضالة بن أيوب الأرذى عن أبان بن عثمان، قال: سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادّعى الربوبية في أمير المؤمنين ﵁، وكان والله أمير المؤمنين ﵁ عبد الله طائعاً، الويل لمن كذب علينا وإن قوما يقولون فينا ما لانقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم. نبرأ إلى الله منهم.
وبهذا الإسناد عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبى عمير، وأحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه، والحسين بن سعيد، عن ابن أبى عمير، عن هشام بن سالم، عن أبى حمزة الثمالى، قال: قال على بن الحسين صلوات الله عليهما: لعن الله
стр. 13
من كذب علينا إنى ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدى، لقد ادّعى أمراً عظيماً! ما له لعنه الله، كان على ﵁ والله عبداً لله صالحاً، أخا رسول الله، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الله صلى الله عليه وآله الكرامة من الله إلا بطاعته لله.
وبهذا الإسناد: عن محمد بن خالد الطيالسى، عن ابن أبى نجران، عن عبد الله (بن سنان) ، قال: قال أبو عبد الله ﵁: إنّا أهل بيت صديقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوآله أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلّها، وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين ﵁ أصدق من برأ الله بعد رسول الله ﷺ ، وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفترى على الله الكذب عبد الله بن سبأ.
أقول ـ أي الخوئى: وتأتى هذه الرواية الأخيرة في ترجمة محمد بن أبى زينب وفى سندها ابن سنان، بدل عبد الله.
وقال الكشّى: " ذكر بعض أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى عليا ﵁، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصى موسى بالغلو! فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله ﷺ في على ﵁ مثل ذلك، وكان أول من شهر بالقول بفرض إمامة على!! وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه
стр. 14
وأكفرهم، فمن ها هنا قال من خالف الشيعة: أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية!! ".
أقول: بطلان قول من خالف الشيعة واضح ناشئ عن العصبية العمياء، فإن أصل التشيع والرفض مأخوذ من الله حيث قال :
" إنما وليكم لله ورسوله والذين آمنوا ... " والرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله حيث قال في الغدير: " من كنتٌ مولاه فهذا على مولاه، اللهم وال من ... والاه ... " وأما عبد الله بن سبأ فعلى فرض وجوده فهذه الروايات تدل على أنه كفر وادّعى الألوهيّة في على ﵁ لا أنه قائل بفرض إمامته ﵁، مضافاً إلى أن أسطورة عبد الله بن سبأ وقصص مشاغباته الهائلة موضوعة مختلفة اختلقها سيف بن عمر الوضاع الكذّاب، ولا يسعنا المقام الإطالة في ذلك والتدليل عليه، وقد أغنانا العلامة الجليل والباحث المحقق السيد مرتضى العسكري في ما قدم من دراسات عميقة دقيقة في هذه القصص الخرافية وعن سيف وموضوعاته في مجلّدين ضخمين طبعا باسم (عبد الله بن سبأ) وفى كتابه الآخر (خمسون ومائة صحابي مختلق) ﷺ (١١/٢٠٥: ٢٠٧) . انتهت الترجمة.
ونلاحظ هنا أن الخوئى نقل الترجمة من مراجع شيعية فقط، وذكر الأخبار بأسانيدها وليس في أي منها سيف بن عمر، ومع ذلك يقول: أسطورة عبد الله بن سبأ، ويثنى على مرتضى العسكري! وعلى دراساته! أين ذهب عقل الخوئى وهو يكتب هذا؟!
ثم لا يكتفى بالافتراء على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ بالنسبة لأصل التشيع، بل يلحق به الرفض الذي يعنى الطعن في أبى بكر وعمر، خير البشر بعد الرسول ﷺ .
стр. 15
وفى الأمة الإسلامية كلها التي بايعت كلا منهما. والخوئى مشهور بالاعتدال النسبى، فماذا ننتظر من غلاة الرافضة وزنادقتهم؟! (١)
أما من عرف بالاعتدال وعدم الغلو والتطرف من الشيعة فقد وجدنا منهم من يكتب عن عبد الله بن سبأ ويثبت وجوده، ويرد على مرتضى العسكري ومن أيده، ففي كتاب كشف الأسرار وتبرئة الأئمة الأطهار لعالم شيعي من علماء النجف وهو السيد حسين الموسوي نجد سبعة نصوص تؤيد وجود عبد الله بن سبأ، ثم يقول المؤلف بعد ذكر هذه النصوص ما يأتي:
فهذه سبعة نصوص من مصادر معتبرة ومتنوعة، بعضها في الرجال وبعضها في الفقه والفرق، وتركنا النقل عن مصادر كثيرة لئلا نطيل، كلها تثبت وجود شخصية اسمها عبد الله بن سبأ، فلا يمكننا بعد نفي وجودها خصوصاً وأن أمير المؤمنين ﵁ قد أنزل بابن سبأ عقاباً على قوله فيه، بأنه إله، وهذا يعنى أن أمير المؤمنين ﵁ قد التقى عبد الله بن سبأ، وكفى بأمير المؤمنين بحجة، فلا يمكن بعد ذلك إنكار وجوده.
نستفيد من النصوص المتقدمة ما يأتي: -
ـ إثبات وجود شخصية ابن سبأ، ووجود فرقة تناصره وتنادى بقوله، وهذه الفرقة تعرف بالسبئية.
ـ أن ابن سبأ هذا كان يهودياً فأظهر الإسلام، وهو وإن أظهر الإسلام إلا أن الحقيقة أنه بقى على يهوديته وأخذ يبث سمومه من خلال ذلك.
ـ أنه هو الذي أظهر الطعن في أبى بكر وعمر وعثمان والصحابة، وكان أول من قال بذلك، وهو أول من قال بإمامة أمير المؤمنين ﵁، وهو
стр. 16
الذي قال بأنه ﵁ وصى النبي محمد صلى الله عليه وآله، وأنه نقل هذا القول عن اليهودية؟ وأنه ما قال هذا إلا محبة لأهل البيت ودعوة لولايتهم، والتبرؤ من أعدائهم ـ وهم الصحابة ومن والاهم بزعمه.
إذن شخصية عبد الله بن سبأ حقيقة لا يمكن تجاهلها أو إنكارها، ولهذا ورد التنصيص عليها وعلى وجودها في كتبنا ومصادرنا المعتبرة، وللاستزادة في معرفة هذه الشخصية، انظر المصادر التالية:
" الغارات للثقفى، " رجال الطوسي "، " الرجال " للحلي، " قاموس الرجال " للتستري، " دائرة المعارف " المسماة بـ " مقتبس الأثر " للأعلمى الحائري، " الكنى والألقاب " لعباس القمي، " حل الإشكال " لأحمد بن طاووس المتوفى سنة (٦٧٣ هـ) ، " الرجال " لابن داود، " التحرير " للطاوسي، " مجمع الرجال " للقهبانى، " نقد الرجال " للتفرشى، " جامع الرواة " للمقدسى الأردبيلى، " مناقب آل أبى طالب " لابن شهر أشوب، " مرآة الأنوار " لمحمد بن طاهر العاملي.
فهذه على سبيل المثال لا الحصر، أكثر من عشرين مصدراً من مصادرنا تنص كلها على وجود ابن سبأ، فالعجب كل العجب من فقهائنا أمثال المرتضى العسكري، والسيد محمد جواد مغنية، وغيرهما ... في نفى وجود هذه ... الشخصية، ولا شك أن قولهم ليس فيه شيء من الصحة.
انتهى كلام السبد حسين الموسوي، العالم الشيعي النجفي، ومصادره كلها شيعية كما ذكر
стр. 17
الجزء الأول في العقائد:
مقدمة
بعد أن انتهينا من التمهيد للكتاب كله بأجزائه الأربعة ننتقل إلى مقدمة هذا الجزء الأول، فأقول مستعينا بالله :
لا شك أن الإمامة قد حظيت بكثير من الدراسة والبحث، ولا غرو فأعظم خلاف وقع بين المسلمين إنما كان بسببها.
والشيعة الإمامية الجعفرية الاثنا عشرية أكبر الفرق الإسلامية المعاصرة وإليها اتجهت دعوة التقريب، لذا رأيت أن أبين عقيدة الإمامة عندهم كما جاءت في كتبهم هم أنفسهم، دون اعتماد على شيء مما كتب عنهم، فبعض من كتبوا عنهم خلطوا بينهم وبين فرق شيعية أخرى.
والإسلام - عقيدة وشريعة - إنما يستمد أصلاً من الوحي الذي أنزله الله في كتابه المجيد، وما بينه على لسان رسوله ﷺ في السنة المطهرة.
وصحة عقيدة الجعفرية أو بطلانها لا يثبت إذن إلا بالكتاب والسنة. لهذا رأيت أن أحدد أهم أدلتهم التي تستند إلى القرآن الكريم، وأبين وجهة نظرهم، وأناقشهم فيما ذهبوا إليه.
وإذا كان من اليسير أن نحدد أدلتهم التي تستند إلى القرآن الكريم، فمن العسير تعيين أدلتهم التي تستند إلى السنة النبوية الشريفة، لأن السنة مجال واسع رحب، ودور الكذّابين والوضاعين معروف. والجعفرية معنيون كل عناية بالحديث عن الإمامة، ومحاولة إثبات صحة مذهبهم بالأدلة النقلية والعقلية، ولهم في القديم والحديث مئات المؤلفات، بل عشرات المئات، فقلما نجد عالماً من علمائهم لم يدل بدلوه في هذا الميدان. وفى مؤلفاتهم نرى الميل إلى الإكثار الزائد من النقل والجدل، مثال هذا أنهم يستدلون على صحة الإمامة بأحد الأحاديث، فجاء كاتب من كتابهم وألف كتاباً في ستة عشر مجلداً ليثبت به صحة هذا الحديث وشهرته، ومن قبله يقرون كتب غيره كتاب الألفين - أي من الأدلة - في إمامة أمير المؤمنين؟!
стр. 18
وأمام هذا الفيض الزاخر رأيت أن اعتمد أساساً على ثمانية كتب من كتب السنة هي: الموطأ ومسند الإمام أحمد، والصحيحان، وكتب السنن الأربعة، ثم جمعت كل ما جاء فيها متصلاً بالإمامة سواء أأيد رأيهم أم عارضه، وناقشت ما جمعت سنداً ومتناً لنتبين دلالة السنة.
أما كتب السنة عند الجعفرية فلم أعتمد عليها لأننى عندما اطلعت عليها رأيت أنها ما وضعت إلا من أجل عقيدتهم وما يتصل بها. على أن كتب الجعفرية التي ينشرونها في الأوساط المختلفة وتتعرض لعقيدتهم في الإمامة، تذكر أن هذه العقيدة تؤيدها كتب السنة عند جمهور المسلمين، ويذكرون أخباراً كثيرة ينسبونها لهذه الكتب ويحتجون بها. وجمعنا لما جاء في الكتب الثمانية المذكورة آنفاً ومناقشة ما جمع يغنى عن مناقشة ما جاء في كل كتاب من مئات الكتب الجعفرية.
غير أننى لم أكتف بهذا، بل رأيت تخصيص فصل لأدلتهم التي يذكرونها، مع مناقشتها، وهى تعتمد على تحريف القرآن الكريم نصاً ومعنى، وعلى الأحاديث الموضوعة المفتراة.
وهذه الأدلة نرى معظمها في كتابين من كتبهم.
أولهما: كتاب منهاج الكرامة لابن المطهر الحلى، ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بكتابة منهاج السنة النبوية.
والكتاب الثانى هو: المراجعات لعبد الحسين شرف الدين الموسوي، ورددت عليه بكتابي: المراجعات المفتراة على شيخ الأزهر البشرى.
فتناولت في الفصل شيئاً من كتابى ابن المطهر وعبد الحسين، والرد عليهما، وبينت بعض ما جاء فيهما من الباطل والضلال.
стр. 19
وبعد الحديث عن عقيدة الإمامة، والمناقشة ختمت الجزء بفصل عن العقائد التابعة لعقيدة الإمامة وأهمها: عصمة الأئمة، والبداء، والرجعة، والتقية. فهذا الجزء يقع في خمسة فصول: -
الفصل الأول ... : - الإمامة عند الجمهور والفرق المختلفة.
الفصل الثانى ... : - أدلة الإمامة من القرآن العظيم.
الفصل الثالث ... : - الإمامة في ضوء السنة.
الفصل الرابع ... : - الاستدلال بالتحريف والوضع.
الفصل الخامس: - عقائد تابعة.
نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً سواء السبيل، إنه نعم المولي ونعم ... النصير، وهو المستعان.
" رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ"، " سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ علَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"
стр. 20
الفصل الأول
الإمامة عند الجمهور والفرق المختلفة
أولا: الإمامة والخلافة
الإمامة لغة التقدم، نقول: أمّ القوم وبهم: تقدمهم. والإمام: ما ائتم به الناس من رئيس أو غيره: هادياً كان أو ضالاً، ويطلق لفظ الإمام على الخليفة، وهو السلطان الأعظم وإمام الرعية ورئيسهم.
وأممت القوم في الصلاة إمامة، وائتم به أي اقتدى.
ويطلق لفظ الإمام كذلك على القرآن الكريم، فهو إمام المسلمين، وعلى الرسول ﷺ ، فهو إمام الأئمة بأئمتها، وعليهم جميعاً الائتمام بسنته التي نص عليها.
ويطلق على قيم الأمر المصلح له، وعلى قائد الجند، وقد يذكر ويراد به غير هذه المعاني (١) .
ولم يرد لفظ الإمامة في القرآن الكريم، وإنما ورد لفظ إمام وأئمة، قال تعالى: -
" قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " (٢) أي جاعلك قدوة يؤتم به، وقال سبحانه: " وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا " (٣)
стр. 21
وقال "فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ " (١) أي قاتلوا رؤساء الكفر وقادتهم الذين صار ضعفاؤهم تبعاً لهم. وقال تعالى: "وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ " (٢) ، أي من تبعهم فهو في النار يوم ... القيامة.
ومن المفهوم اللغوى لكلمة إمام نستطيع أن ندرك سبب إطلاق هذا الاسم على حاكم المسلمين، كما وجدنا ترادفاً بين الإمامة والخلافة. ويفسر هذا أستاذنا الشيخ أبو زهرة ﵀ فيقول: " سميت خلافة لأن الذي يتولاها ويكون الحاكم الأعظم للمسلمين يخلف النبي ﷺ في إدارة شئون المسلمين، وتسمى الإمامة لأن الخليفة كان يسمى إماماً، ولأن طاعته واجبة، ولأن الناس يسيرون وراءه كما يصلون وراء من يؤمهم للصلاة " (٣) .
وأعظم خلاف بين الأمة - كما يقول الشهر ستانى - خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان (٤)
وبالطبع ما كان الخلاف ليجد مكانا بين المسلمين وفيهم رسول الله ﷺ يحسم الخلاف، ويصلح النفوس ويهدى إلى صراط مستقيم
"فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا" (٥)
стр. 22
ثانيا: التفكير في الإمامة وبيعة الصديق
أكان المسلمون يفكرون فيمن يخلف الرسول الكريم في إمامتهم وعلى وجه الخصوص عندما اشتد مرضه الأخير؟
وردت روايات صحيحة الإسناد تفيد وجود مثل هذا التفكير، منها ما جاء عن ابن عباس أن على بن أبى طالب خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفى فيه، فقال الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئاً، قال ابن عباس: فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال: ألا ترى أنت؟ والله إنى أعرف وجوه بنى عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا عند رسول الله ﷺ فلنسأله فيمن هذا الأمر؟ فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا كلمناه فأوصى بنا، فقال على: والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس أبداً، فوالله لا أسأله أبداً (١) .
وجاء عن على - كرم الله وجهه - قال: " قيل: يا رسول الله، من يؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه أميناً لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا علياً، ولا أراكم فاعلين، تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الطريق المستقيم " (٢)
معنى هذا أن التفكير في الإمامة نبت على عهد رسول الله ﷺ ، ولكن الخلاف لم ينشأ إلا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى حيث كان اجتماع السقيفة المشهور الذي انتهى بالبيعة للخليفة الأول، وتحدث الخليفة الثانى في إحدى خطبه عن ذلك الاجتماع فقال: " بلغنى أن قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت
стр. 23
فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبى بكر فلتة، وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبى بكر. من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ إلا أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بنى ساعدة، وخالف عنا على والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبى بكر، فقلت لأبى بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالى عليه القوم، فقالا: لا عليكم أن تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: ماله؟ قالوا: يوعك، فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت زورت مقالة أعجبتنى أريد أن أقدمها بين يدى أبى بكر، وكنت أدارى منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبوبكر فكان هو أعلم منى وأوقر.
والله ما ترك من كلمة أعجبتنى من تزويرى إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحى من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدى وبيد أبى عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقى، ولا يقربنى ذلك من إثم، أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إلى نفسى عند الموت شيئاً لا أجده الآن. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعته
стр. 24
الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، قال عمر: وإنّا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبى بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا ... رجلاً منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا " (١) .
ثالثاً: الإمامة عند الجمهور
مما ذكره الفاروق نلاحظ ما يأتي: -
أولاً: لا خلاف حول وجوب إقامة خليفة، وإنما كان الخلاف بشأن من يخلف الرسول ﷺ . وإلى هذا انتهى جمهور السنة، فلا يستقيم أمر الأمة بغير حاكم.
ثانياً: أن الخلافة في قريش: " لن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحى من قريش " ولم يأخذ الأنصار بهذا أول الأمر، ولكن ما أسرع أن بايعوا قريشاً ما عدا سعد عبادة فلم يبايع، ويؤيد ما ذكره الصديق أحاديث صحيحة: فالبخارى - في كتاب الأحكام من صحيحه -جعل باباً بعنوان " الأمراء من قريش "، ومما آخرجه هنا
стр. 25
قول الرسول ﷺ : " إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين " وقوله صلوات الله عليه: " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقى منهم اثنان ".
وفى كتاب الإمارة من صحيح مسلم نجد " باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش "، ومما جاء في هذا الباب قول الرسول الكريم " الناس تبع لقريش في هذا الشأن " وقوله ﷺ : " لا يزال هذا الأمر في قريش مابقى من الناس اثنان ".
وأخرج أحمد في مسنده روايات كثيرة صحيحة الإسناد تؤيد هذا، منها قول الرسول ﷺ : " أما بعد، يا معشر قريش، فإنكم أهل هذا الأمر، ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يلحاكم كما يلحى هذا القضيب - لقضيب في يده - ثم لحا قضية، فإذا هو أبيض يصلد " (١)
ثالثاً: لا يكون خليفة إلا بالبيعة " قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم ". " فقلت ابسط يدك ياأبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار ".
فإذا تمت البيعة وجب الوفاء بها، ولهذا قال " خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا فإما بايعناهم على مالا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد " وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" (٢) ٢) وقال أيضا: " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ". (٣)
стр. 26
رابعا: ما دام الواجب الوفاء بالبيعة فلا بيعة إلا بمشورة المسلمين " فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا " والشورى مبدأ معروف في الإسلام فمن المقطوع به أن الحكم في الإسلام ينبنى على مبدأين أساسيين هما العدالة والشورى، قال تعالى: -
" وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ " (١) . وقال جل شأنه: -" وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ " (٢) " وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ"َ (٣)
خامساً: -أن البيعة تمت لأبى بكر بهذه السرعة، بغير تدبير سابق وإنما كانت فلتة نظراً لمكانته. " ليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبى بكر " (...... " كان والله أن أقوم فتضرب عنقى - لا يقربنى ذلك من إثم - أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ".
بعد هذه الملاحظات نقول: إنه في ضوء ما سبق وغيره اشترط ... الجمهور للخلافة الراشدة، خلافة النبوة، أن تكون لقرشى عادل عن طريق البيعة والشورى، على خلاف في بعض الأمور مثل تحديد من تنعقد بهم البيعة (٤) .
ورأي الأنصار في أحقيتهم للخلافة انتهى بالبيعة، ولم يطل على التاريخ من جديد، ولكن أولئك القرشيين الذي امتنعوا عن البيعة أول الأمر، ثم ما لبثوا أن بايعوا كان لهم شأن آخر في تاريخ الأمة الإسلامية. والمشهور أن هؤلاء لم يبايعوا لأنهم يرون أن الإمامة ليست في قريش بصفة عامة، وإنما هي في أهل
стр. 27
بيت النبوة وللإمام على بصفة خاصة. وهؤلاء قلة يذكر لنا التاريخ منهم بعض الصحابة من غير بنى هاشم كالمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسى، وأبى ذر الغفارى رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولكنهم جميعاً لم يتعرضوا للخليفة بتكفير أو تجريح. وعرض أبوسفيان البيعة على الإمام على ولكنه أبى لقوة دينه وفرط ذكائه.
*****
رابعاً: على وبيعة من سبقه
إذا كان المشهور يدل غالباً على واقع الأمر. فإن من الأمور ما يشتهر مخالفاً للحقيقة. فمما اشتهر أن الإمام علياً لم يبايع لأنه كان يرى أحقيته بالإمامة من غيره. ولكن الثابت من أقواله يدل على أنه كان يرى ألا يقضى مثل هذا الأمر دون أن يكون له فيه رأي، مع اعترافه بأفضلية الصديق، وعدم إنكار ... أحقيته لإمامة المسلمين: روى البخاري أن الإمام علياً عندما أراد مبايعة ... الصديق ﵄ أرسل إليه فجاءه، فتشهد على فقال: " إنّا قد ... عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله ﷺ نصيباً، حتى فاضت عينا أبى بكر. فلما تكلم أبو بكر قال: والذى نفسى بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلى أن أصل من قرابتى، وأما الذي شجر بينى وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيها عن الخير، ولم أترك أمراً رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته. فقال على لأبى بكر: موعدك العشية للبيعة. فلما صلى أبو بكر ... الظهر رقى على المنبر فتشهد، وذكر شأن على وتخلفه عن البيعة، وعذره بالذى اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهد على فعظم حق أبى بكر، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبى بكر ولا إنكارا للذى فضله الله به، ولكنا نرى لنا في هذا الأمر نصيباً، فاستبد علينا، فوجدنا في أنفسنا، فسر بذلك المسلمون ...
стр. 28
وقالوا: أصبت. وكان المسلمون إلى على قريباً حين راجع الأمر بالمعروف ... " (كتاب المغازي باب غزوة خيبر) . وروى مسلم أكثر من رواية تفيد ... ما سبق، وفى إحدى رواياته " ثم قام على فعظم من حق ... أبى بكر، وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبى بكر فبايعه، فأقبل الناس إلى على فقالوا: أصبت وأحسنت " (كتاب الجهاد - باب قول النبي ﷺ لا نورث ماتركنا فهو صداقة) .
واستبد بالأمر: إذا انفرد به غير مشارك له فيه، وقول الإمام: ولكنك استبددت علينا بالأمر: أي لم تشاورنا في أمر الخلافة.
ومن المشهور كذلك أن الإمام علياً لم يبايع إلا بعد وفاة السيدة فاطمة ... ﵄، ولكن يوجد ما يدل على أنه لم يتآخر هذه الفترة.
وقبل انتهاء فترة الخلافة الأولى القصيرة - التي بارك الله تعالى فيها أيما بركة - كان الصديق قد استقر رأيه على استخلاف عمر بعد تعرفه على آراء كثير من الصحابة الكرام. على أن بعض هؤلاء قد تخوف من خلافة الفاروق لما
стр. 29
اشتهر به من الشدة، وقالوا لأبى بكر: قد وليت علينا فظاً غليظاً، ... فقال: لو سألنى ربى يوم القيامة لقلت: وليت عليهم خيرهم (١) .
وعندما أخذ رأي المسلمين في البيعة لمن ذكر في كتاب الخليفة الأول قالوا: نسمع ونطيع، غير أن على بن أبى طالب انفرد بقوله: " لا نرضى إلا أن يكون عمر " (٢) .
ولم يتأخر أحد عن بيعة عمر بن الخطاب إلا سعد بن عبادة. ومرت الخلافة العمرية الراشدة، وانتهى الأمر إلى الستة (٣) ليختاروا واحدا منهم، ثم انحصرت الخلافة في ثلاثة، فاثنين هما عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب، ثم كانت البيعة الجماعية لذى النورين، فلماذا انتهت إليه؟
روى البخاري بسنده عن المسور بن مخرمة " أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، قال لهم عبد الرحمن: لست بالذى أنافسكم على هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم، فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى أحداً من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالى، حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان قال المسور: طرقنى عبد الرحمن بعد هجع من الليل فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: أراك نائماً،
стр. 30
فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم، انطلق فادع الزبير وسعداً، فدعوتهما له فشاورهما، ثم دعانى فقال: ادع لي علياً فدعوته، فناجاه حتى ابهار الليل، ثم قام على من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من على شيئاً، ثم ... قال: ادع لي عثمان فدعوته، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح. فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن، ثم قال: أما بعد يا على إنى قد نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً، فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون (١) .
وكانت السنوات الأولى في عهد عثمان خيراً وبركة، ثم بدأت الفتنة التي أدت إلى مقتله. وقد بذل الإمام على كل ما استطاع في سبيل إخمادها ولكن هيهات! وفى هذه الفترة بدأت الأنظار تتعلق بعلى، وتذكر ما له من فضل ومكانة. إذا ما انتقل الخليفة الشهيد إلى حيث بشره الرسول ﷺ تجمع المسلمون حول أبى الحسن علهم يجدون على يديه مخرجاً. وتمت البيعة ولكن لم تنته الفتنة، بل زاد أوراها، وسالت دماء طاهرة على أرض الإسلام بسيوف المسلمين! وعلى قتله عثمان الوزر
стр. 31
الأكبر لكل ما نتج عن هذه الفتنة، ولكن " وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً" (١) .
وكان من نتيجة حادثة " التحكيم " الشهيرة أن انسل جماعة من أتباع الإمام وخرجوا على المتحاربين معاً، على ومعاوية! وهؤلاء هم الذين سموا " الخوارج " أما الذين ظلوا مع الإمام فهم الذين أطلق عليهم لقب " الشيعة ". (٢) ﴾
стр. 32
خامساً: الخوارج ورأيهم في الإمامة
الخوارج لا يزال لهم بقية إلى يومنا هذا (١) وقد انقسموا فرقاً على مر التاريخ " ويجمع الخوارج على اختلاف مذاهبها: إكفار على، وعثمان وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن رضى بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما، ووجوب الخروج على السلطان الجائر " (٢) .
وللخوارج رأي خاص في الإمامة:
فالإمام لا يكون إلا باختيار حر من المسلمين، وإذا اختير فليس يصح أن يتنازل أو يحكم. ويظل رئيساً للمسلمين ما دام قائماً بالعدل مجتنباً للجور، ومن خرج عليه يجب نصب القتال معه، ولكن إذا غير السيرة وعدل عن الحق وجب عزله أو قتله. ولا يشترطون القرشية كما اشترط الجمهور، فللأمة أن تختار من تشاء ولو كان عبداً حبشياً. كما أن فرقة منهم وهى "النجدات" أجمعت على أنه لا حاجة بالناس إلى إمام وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن رأوا أن ذلك لا يتم إلا بإمام يحملهم عليه فأقاموه جاز، فإقامة الإمام في نظرهم ليست
стр. 33
واجبة بإيجاب الشرع بل جائزة، وإذا وجبت فإنما تجب بحكم المصلحة والحاجة. وفرقة أخرى منهم وهى " الشبيبية " أتباع شبيب بن يزيد الشيبانى - " أجازوا إمامة المرأة منهم إذا قامت بأمورهم. وخرجت على مخالفيهم، وزعموا أن غزالة أم شبيب كانت الإمام بعد قتل شبيب إلى أن قتلت " (١)
سادساً: الإمامة عند الزيدية
الشيعة على اختلاف فرقهم يرون وجوب إمام، ولكن رأيهم في الإمامة يخالف ما ذهب إليه جمهور المسلمين.
وأقربهم إلى الجمهور فرقة الزيدية، أتباع زيد بن على بن الحسين بن علىبن أبى طالب ﵃. فبعد استشهاد الإمام الحسين ذهبت فرقة من الشيعة إلى أن الإمامة لا تكون إلا في أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها، ويستوى في هذا أولاد الحسن وأولاد الحسين، ورأوا أن كل فاطمى عالم شجاع سخى خرج بالإمامة فهو إمام واجب الطاعة، وجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال، فلما خرج زيد بن على في عهد هشام بن عبد الملك بايعه هؤلاء.
وكان من مذهب الإمام زيد جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل، فقال: " كان على بن أبى طالب ﵁ أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة فوضت إلى أبى بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها، من تسكين نائرة الفتنة، وتطييب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريباً، وسيف أمير المؤمنين على عن دماء المشركين من قريش وغيرهم لم يجف بعد. والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كل
стр. 34
الميل، ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد، فكانت المصلحة أن يكون القائم بهذا الشأن من عرفوه باللين والتؤدة والتقدم بالسن، والسبق في الإسلام، والقرب من رسول الله ﷺ .... وكذلك يجوز أن يكون المفضول إماماً والأفضل قائم فيرجع إليه في الأحكام، ويحكم بحكمه في القضايا " (١)
ولما سمعت شيعة الكوفه هذه المقالة منه، وعرفوا أنه لا يتبرأ من ... الشيخين، وإنما قال: " إنى لا أقول فيهما إلا خيراً، وما سمعت أبى يقول فيهما إلا خيراً، وإنما خرجت على بنى أمية الذين قاتلوا جدى الحسين " عندما سمعوا ذلك فارقوه، ورفضوا مقالته حتى قال لهم: رفضتمونى، ومن يومئذ سموا رافضه (٢) .
وفرق الزيدية منهم من يتفق مع ما ذهب إليه الإمام زيد ومنهم من خالفه، فالجارودية زعموا أن النبي ﷺ نص على الإمام على بالوصف دون التسمية، وهو الإمام بعده، والناس قصروا حيث لم يتعرفوا الوصف، ولم يطلبوا الموصوف، وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم فكفروا بذلك (٣) .
ولكن باقي فرق الزيدية ذهبوا إلى أن الإمامة شورى فيما بين الخلق، وأنها تصح في المفضول مع وجود الأفضل، وأثبتوا إمامة الشيخين أبى بكر وعمر حقاً باختيار الأمة حقاً اجتهادياً، واختلفوا في عثمان فمنهم من طعن، ومنهم من توقف (٤) .
стр. 35
سابعاً: الإمامة عند الإسماعيلية
أما الشيعة الإمامية فهم يرون أن الإمامة منصب إلهى يختار له الله بسابق علمه بعباده كما يختار النبي، ويأمر النبي بأن يدل الأمة عليه ويأمر باتباعه.
ويقولون: إن الله أمر نبيه بأن ينص على علىّ وينصبه علماً للناس من بعده، وقد بلغ الرسول الكريم ربه، فلما انتقل إلى الرفيق الأعلى لم يتبع المسلمون أمر الله تعالى ولا أمر نبيه ﷺ ، وتركوا ركناً من أركان الإيمان. ويرون أن النص بعد الإمام على لابنه محمد الباقر، فابنه جعفر الصادق. وبعد القول بإمامة أبى عبد الله جعفر الصادق نرى منشأ أكبر فرقتين من فرق الشيعة هما الإسماعيلية والجعفرية الاثنا عشرية.
فالإسماعيلية جعلوا الإمامة بعده لابنه إسماعيل، الابن الأكبر، وافترق هؤلاء فرقتين:
فرقة منتظرة لإسماعيل بن جعفر، مع اتفاق أصحاب التواريخ على موت إسماعيل في حياة أبيه. وفرقة قالت: كان الإمام بعد جعفر سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر حيث إن جعفر نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده، فلما مات إسماعيل في حياة أبيه علمنا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد بن إسماعيل، وإلى هذا القول مالت الإسماعيلية الباطنة (١) .
стр. 36
والإسماعيلية جعلوا الإمامة بعد إسماعيل لابنه محمد المكتوم، ومنهم من وقف عليه وقال برجعته بعد غيبته، ومنهم من ساق الإمامة في أئمة " مستورين" منهم، ثم في (ظاهرين قائمين) من بعدهم. وقالوا: لم تخل الأرض قط من إمام حى قائم. إما ظاهر مكشوف، وإما باطن مستور.
فإذا كان الإمام ظاهراً جاز أن يكون حجته مستوراً، وإذا كان الإمام مستوراً فلابد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين.
ومن مذهبهم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وكذلك من مات ولم يكن في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية (١) .
ثامناً: عقيدة الإمامة عند الجعفرية
الجعفرية الاثنا عشرية ـ وهم أكبر الفرق الإسلامية المعاصرة ـ لهم عقيدة خاصة في الإمامة أحب بيانها بشئ من التفصيل، فأقول:
يعتقد الجعفرية أن الإمامة كالنبوة في كل شئ باستثناء الوحي، فالقول فيه مخلتف، ولذلك قالوا (٢) .
стр. 37
إن الإمامة أصل من أصول الدين: -
لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها، فمن لم يذهب مذهبهم في الإمامة فهم يجمعون على أنه غير مؤمن، وإن اختلفوا في تفسير غير المؤمن هذا: فمن قائل بكفره، إلى قائل بالفسق، وأكثرهم اعتدالا أو أقلهم غلواً يذهب إلى أنه ليس مؤمناً بالمعنى الخاص وإنما هو مسلم بالمعنى العام، ما لم يكن مبغضاً للأئمة وشيعتهم فضلاً عن حربهم فهو يعد كافراً عند جميع الجعفرية.
ذكر الحلى ـ الملقب عند الجعفرية بالعلامة ـ بأن إنكار الإمامة شر من إنكار النبوة! حيث قال: " الإمامة لطف عام والنبوة لطف خاص لإمكان خلو الزمان من نبي حى بخلاف الإمام....وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص " (الألفين ١/٣) .
وعقب أحد علمائهم على هذا بأنه " نعم ما قال " وأضاف: وإلى هذا أشار الصادق بقوله عن منكر الإمامة هو شر الثلاثة، فعنه أنه قال: الناصبى شر من اليهودى. قيل: وكيف ذلك يا بن رسول الله؟ فقال: إن اليهودى منع لطف النبوة وهو لطف خاص، والناصبى منع لطف الإمامة وهو عام ... (انظر حاشية ص٤٣ النافع يوم الحشر) .
وفى مصباح الهداية (ص ٦١-٦٢) ذكر المؤلف أن الإمامة مرتبة فوق النبوة!
وقال ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق: " اعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين على بن أبى طالب والأئمة من بعده أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء. واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء وأنكر نبوة نبينا محمد ﷺ (رسالته في الاعتقادات ص ١٠٣) .
وقال المفيد: " اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة، فهو كافر ضال مستحق للخلود في
стр. 38
النار" (بحار الأنوار للمجلسى ٢٣/٣٩٠، والمجلسى ذكر قول المفيد لتأييد رأيه) . والمفيد كان رأس الإمامية، وشيخاً لشيخ طائفتهم أبى جعفر الطوسي.
وإلى جانب ضلال هؤلاء القوم وغلوهم نجد غلوهم في جانب آخر، فهم يرون أن الفاسق منهم يدخل الجنة وإن مات بلا توبة! (انظر أجوبة المسائل الدينية - العدد الثامن-المجلد التاسع ص ٢٢٦وراجع كتابى: فقه الشيعة الإمامية ١/١٥) .
الإمام كالنبي في عصمته وصفاته وعلمه: -
فالإمام يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً، كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان!
ويجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال من شجاعة وكرم وعفة وصدق وعدل ومن تدبير وعقل وحكمة وخلق.
أما علمه فهو يتلقى المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات من طريق النبي أو الإمام من قبله.
وإذا استجد شئ فلابد أن يعلمه من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه، فإن توجه إلى شئ وشاء أن يعلمه على وجهه الحقيقى، لا يخطئ فيه ولايشتبه عليه، ولا يحتاج في كل ذلك إلى البراهين العقلية، ولا إلي تلقينات المعلمين، وإن كان علمه قابلاً للزيادة والاشتداد. وذهب بعضهم إلى أن أحد الملائكة كان يلازم الرسول ﷺ ليسدده ويرشده ويعلمه، فلما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى ظل الملك بعده. ولم يصعد ليؤدى نفس وظيفته مع الأئمة بعد الرسول ﷺ (١) .
стр. 39
لابد أن يكون في كل عصر إمام هاد يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية
стр. 40
العامة على الناس لتدبير شئونهم ومصالحهم وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم، وعلى هذا فإن الإمامة استمرار للنبوة.
الأئمة هم أولو الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، وهم الشهداء على الناس، وأبواب الله والسبل إليه والأدلاء عليه. فأمرهم أمر الله تعالى ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ووليهم وليه وعدوهم عدوه. ولا يجوز الرد عليهم، والراد عليهم كالراد على الرسول، والراد على الرسول كالراد على الله تعالى، فيجب التسليم لهم، والانقياد لأمرهم، والأخذ بقولهم.
ولذا فالجعفرية يعتقدون أن الأحكام الشرعية الإلهية لا تستقى إلا من نمير ماء أئمتهم، ولا يصح أخذها إلا منهم، ولا تفرغ ذمة المكلف بالرجوع إلى، غيرهم، ولايطمئن بينه وبين الله تعالى إلى أنه قد أدى ما عليه من التكاليف المفروضة إلا من طريقهم.
مادامت الإمامة كالنبوة فهى لا تكون إلا بنص من الله تعالى على لسان رسوله ﷺ أو على لسان الإمام المنصوب بالنص إذا أراد أن ينص على الإمام من بعده، وحكمها في ذلك حكم النبوة بلا فرق، فليس للناس أن يتحكموا فيمن يعينه هادياً ومرشداً لعامة البشر، كما ليس لهم حق تعيينه أو ترشيحه أو انتخابه، لأن الشخص الذي له من نفسه القدسية استعداد لتحمل أعباء الإمامة العامة وهداية البشر قاطبة يجب ألا يعرف إلا بتعريف الله تعالى، ولا يعين إلا بتعيينه.
ويعتقدون كذلك أن النبي ﷺ نص على خليفته والإمام في البرية من بعده، فعين ابن عمه على بن أبى طالب أميراً للمؤمنين وأميناً للوحى، وإماماً للخلق في عدة مواطن، ونصبه وأخذ البيعة له بإمرة المؤمنين يوم غدير خم. كما أنه ﷺ بين أن الأئمة من بعده اثنا عشر، نص عليهم جميعاً بأسمائهم، ثم نص المتقدم منهم على من بعده.