والإسماعيلية جعلوا الإمامة بعد إسماعيل لابنه محمد المكتوم، ومنهم من وقف عليه وقال برجعته بعد غيبته، ومنهم من ساق الإمامة في أئمة " مستورين" منهم، ثم في (ظاهرين قائمين) من بعدهم. وقالوا: لم تخل الأرض قط من إمام حى قائم. إما ظاهر مكشوف، وإما باطن مستور.
فإذا كان الإمام ظاهراً جاز أن يكون حجته مستوراً، وإذا كان الإمام مستوراً فلابد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين.
ومن مذهبهم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وكذلك من مات ولم يكن في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية (١) .
ثامناً: عقيدة الإمامة عند الجعفرية
الجعفرية الاثنا عشرية ـ وهم أكبر الفرق الإسلامية المعاصرة ـ لهم عقيدة خاصة في الإمامة أحب بيانها بشئ من التفصيل، فأقول:
يعتقد الجعفرية أن الإمامة كالنبوة في كل شئ باستثناء الوحي، فالقول فيه مخلتف، ولذلك قالوا (٢) .
стр. 37
إن الإمامة أصل من أصول الدين: -
لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها، فمن لم يذهب مذهبهم في الإمامة فهم يجمعون على أنه غير مؤمن، وإن اختلفوا في تفسير غير المؤمن هذا: فمن قائل بكفره، إلى قائل بالفسق، وأكثرهم اعتدالا أو أقلهم غلواً يذهب إلى أنه ليس مؤمناً بالمعنى الخاص وإنما هو مسلم بالمعنى العام، ما لم يكن مبغضاً للأئمة وشيعتهم فضلاً عن حربهم فهو يعد كافراً عند جميع الجعفرية.
ذكر الحلى ـ الملقب عند الجعفرية بالعلامة ـ بأن إنكار الإمامة شر من إنكار النبوة! حيث قال: " الإمامة لطف عام والنبوة لطف خاص لإمكان خلو الزمان من نبي حى بخلاف الإمام....وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص " (الألفين ١/٣) .
وعقب أحد علمائهم على هذا بأنه " نعم ما قال " وأضاف: وإلى هذا أشار الصادق بقوله عن منكر الإمامة هو شر الثلاثة، فعنه أنه قال: الناصبى شر من اليهودى. قيل: وكيف ذلك يا بن رسول الله؟ فقال: إن اليهودى منع لطف النبوة وهو لطف خاص، والناصبى منع لطف الإمامة وهو عام ... (انظر حاشية ص٤٣ النافع يوم الحشر) .
وفى مصباح الهداية (ص ٦١-٦٢) ذكر المؤلف أن الإمامة مرتبة فوق النبوة!
وقال ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق: " اعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين على بن أبى طالب والأئمة من بعده أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء. واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء وأنكر نبوة نبينا محمد ﷺ (رسالته في الاعتقادات ص ١٠٣) .
وقال المفيد: " اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة، فهو كافر ضال مستحق للخلود في
стр. 38
النار" (بحار الأنوار للمجلسى ٢٣/٣٩٠، والمجلسى ذكر قول المفيد لتأييد رأيه) . والمفيد كان رأس الإمامية، وشيخاً لشيخ طائفتهم أبى جعفر الطوسي.
وإلى جانب ضلال هؤلاء القوم وغلوهم نجد غلوهم في جانب آخر، فهم يرون أن الفاسق منهم يدخل الجنة وإن مات بلا توبة! (انظر أجوبة المسائل الدينية - العدد الثامن-المجلد التاسع ص ٢٢٦وراجع كتابى: فقه الشيعة الإمامية ١/١٥) .
الإمام كالنبي في عصمته وصفاته وعلمه: -
فالإمام يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً، كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان!
ويجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال من شجاعة وكرم وعفة وصدق وعدل ومن تدبير وعقل وحكمة وخلق.
أما علمه فهو يتلقى المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات من طريق النبي أو الإمام من قبله.
وإذا استجد شئ فلابد أن يعلمه من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه، فإن توجه إلى شئ وشاء أن يعلمه على وجهه الحقيقى، لا يخطئ فيه ولايشتبه عليه، ولا يحتاج في كل ذلك إلى البراهين العقلية، ولا إلي تلقينات المعلمين، وإن كان علمه قابلاً للزيادة والاشتداد. وذهب بعضهم إلى أن أحد الملائكة كان يلازم الرسول ﷺ ليسدده ويرشده ويعلمه، فلما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى ظل الملك بعده. ولم يصعد ليؤدى نفس وظيفته مع الأئمة بعد الرسول ﷺ (١) .
стр. 39
لابد أن يكون في كل عصر إمام هاد يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية
стр. 40
العامة على الناس لتدبير شئونهم ومصالحهم وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم، وعلى هذا فإن الإمامة استمرار للنبوة.
الأئمة هم أولو الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، وهم الشهداء على الناس، وأبواب الله والسبل إليه والأدلاء عليه. فأمرهم أمر الله تعالى ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ووليهم وليه وعدوهم عدوه. ولا يجوز الرد عليهم، والراد عليهم كالراد على الرسول، والراد على الرسول كالراد على الله تعالى، فيجب التسليم لهم، والانقياد لأمرهم، والأخذ بقولهم.
ولذا فالجعفرية يعتقدون أن الأحكام الشرعية الإلهية لا تستقى إلا من نمير ماء أئمتهم، ولا يصح أخذها إلا منهم، ولا تفرغ ذمة المكلف بالرجوع إلى، غيرهم، ولايطمئن بينه وبين الله تعالى إلى أنه قد أدى ما عليه من التكاليف المفروضة إلا من طريقهم.
مادامت الإمامة كالنبوة فهى لا تكون إلا بنص من الله تعالى على لسان رسوله ﷺ أو على لسان الإمام المنصوب بالنص إذا أراد أن ينص على الإمام من بعده، وحكمها في ذلك حكم النبوة بلا فرق، فليس للناس أن يتحكموا فيمن يعينه هادياً ومرشداً لعامة البشر، كما ليس لهم حق تعيينه أو ترشيحه أو انتخابه، لأن الشخص الذي له من نفسه القدسية استعداد لتحمل أعباء الإمامة العامة وهداية البشر قاطبة يجب ألا يعرف إلا بتعريف الله تعالى، ولا يعين إلا بتعيينه.
ويعتقدون كذلك أن النبي ﷺ نص على خليفته والإمام في البرية من بعده، فعين ابن عمه على بن أبى طالب أميراً للمؤمنين وأميناً للوحى، وإماماً للخلق في عدة مواطن، ونصبه وأخذ البيعة له بإمرة المؤمنين يوم غدير خم. كما أنه ﷺ بين أن الأئمة من بعده اثنا عشر، نص عليهم جميعاً بأسمائهم، ثم نص المتقدم منهم على من بعده.
стр. 41
٦-الأئمة الاثنا عشرية الذين نص عليهم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَهم: -
١- ابو الحسن على بن أبى طالب (المرتضى) الذي ولد قبل البعثة بعشر سنوات، واستشهد سنة أربعين من الهجرة.
٢- أبو محمد الحسن بن على " الزكى " ... (٣-٥٠)
٣- أبو عبد الله الحسين بن على "سيد الشهداء " ... (٤-٦١)
٤- أبو محمد على بن الحسين " زين العابدين " ... (٣٨-٩٥)
٥-أبو جعفر محمد بن على " الباقر" ... (٥٧-١١٤)
٦- أبو عبد الله جعفر بن محمد " الصادق " ... (٨٣-١٤٨)
٧- أبو إبراهيم موسى بن جعفر " الكاظم " ... (١٢٨-١٨٣)
٨- أبو الحسن على بن موسى " الرضا " ... (١٤٨-٢٠٢ أو ٢٠٣)
٩- ابو جعفر محمد بن على " الجواد " ... (١٩٥-٢٢٠)
١٠-أبو الحسن على بن محمد " الهادى " ... (٢١٢أو ٢١٤-٢٥٠)
١١-أبو محمد الحسن بن على " العسكري" ... (٢٣٢-٢٦٠)
١٢-أبو القاسم محمد بن الحسن "المهدى " وهو الحجة في هذا العصر الغائب ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً. قيل ولد سنة ٢٥٦ هـ، وغاب غيبة صغرى سنة ٢٦٠ هـ، وغيبة كبرى سنة ٣٢٩
стр. 42
تعقيب
بعد بيان عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية كما جاءت في كتبهم هم أنفسهم أذكر بما يأتي: -
جعلهم الإمامة أصلا من أصول الدين فيه طعن في الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فما منهم من أحد يقول بالإمامة التي تقصدها هذه الفرقة، حتى أن الإمام علياً رضى عنه هو نفسه لم يقل بهذا كما بينت وأثبت فيما جاء تحت عنوان " رابعاً: على وبيعة من سبقه "، وأول من قال بالوصى بعد النبي ﷺ هو عبد الله بن سبأ كما نقلت من المراجع الشيعية نفسها في التمهيد.
إجماعهم على تكفير من حارب أمير المؤمنين على بن طالب ﵁ يعنى تكفير آلاف الصحابة الكرام البررة، وتكذيب الرسول ﷺ الذي شهد لهم بالخيرية، وبشر بعضهم بالجنة، بل يصطدم مع كتاب ربنا ، فمنهم من شهد الله بأنه رضى عنهم، ولم يثبت أنه عاد فسخط عليهم فمن أين إذن جاءوا بهذه الفرية الكبرى؟!
ما سبق من قول المفيد ـ شيخ طائفتهم الطوسي، وابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق، وصاحب أحد كتب الحديث الأربعة المعتمدة عندهم، وابن المطهر الحلى الملقب عندهم بالعلامة، وغيرهم يدل على أنهم يرون تكفير الأمة كلها ما عدا الرافضة وأتباع عبد الله بن سبأ، وعلى الأخص خير أمة أخرجت للناس وهم الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه. وهذا ما سنراه عند تناولنا لكتاب الكافى للكلينى، وهو أول وأعلى كتب الحديث المعتمدة عندهم، وكتاب شيخه على بن إبراهيم القمي في التفسير.
стр. 43
وفى كتابى " المراجعات المفتراة على شيخ الأزهر البشرى " أثبت أن عبد الله الحسين شرف الدين يرى هذا الرأي الفاجر الكافر الضال، وهذا يقطع بأن مسألة تكفير الأمة والصحابة الكرام ليس مسألة تاريخية جاءت في كتب التراث عندهم كما يحلو لدعاة التقريب عن جهل أو تضليل أن يبرروا هذا الضلال. بل إن عبد الحسين الذي يرى هذا الرأي ذكر أنه من دعاة التقريب!! وقد جاء هذا في أحد مؤتمرات التقريب في طهران، وعبد الحسين في كتابيه المراجعات والفصول المهمة في تأليف الأمة يعتبر فعلاً من دعاة التقريب ولكن بمفهوم خاص!! فهو يدعو إلى تأليف الأمة كلها وجمعها تحت راية عبد الله بن سبأ، وجعلها جميعها من الرافضة التي رفضت تبرئة الشيخيين خير البشر بعد رسول الله ﷺ واجتمعت على تكفيرهما وتكفير من بايعهما!!
ويحضرنى هنا ما اشتهر عن أبى زرعة الرازى أنه قال:
" إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق: وذلك أن القرآن حق، والرسول ﷺ حق، وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك كله إلا الصحابة. فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة، فيكون الجرح به أليق، والحكم عليه بالزندقة والضلال أقوم وأحق ".
قولهم بوجوب استمرار الإمامة أبداً دون انقطاع أو توقف إلى يوم القيامة بعد الإمام الحسين ﵁ في أحد من نسله، بحيث يكون الابن خلفا للأب، هذا القول جعلهم يضطرون إلى تنصيب طفل صغير في السابعة من عمره، وهو إمامهم محمد الجواد الإمام التاسع، ولذلك وجدنا فرقتين من شيعة أبيه على الرضا لم يعترفوا بإمامته لأنهم استصبوه واستصغروه. وفى كتاب فرق الشيعة (ص ٩٢) للنوبختى والقمى الشيعيين جاء بيان هذا حيث قالا:
стр. 44
" إن أبا الحسن الرضا ﵇ توفى وابنه محمد ابن سبع سنين، فاستصبوه واستصغروه، وقالوا: لا يجوز أن يكون الإمام إلا بالغا، ولو جاز أن يأمر الله بطاعة غير بالغ لجاز أن يكلف الله غير بالغ، فإنه كما لا يعقل أن يحتمل التكليف غير بالغ، فكذلك لا يفهم القضاء بين الناس، دقيقه وجليله، وغامض الأحكام وشرائع الدين، وجميع ما أتى به النبي ﷺ ، وما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة من أمر دينها ودنياها، طفل غير بالغ، ولو جاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجة، لجاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجتين وثلاثا وأربعا راجعا إلى الطفولة، حتى يجوز أن يفهم ذلك طفل في المهد والخرق، وذلك غير معقول ولا مفهوم ولا متعارف " ا. هـ
وكذلك اعتبروا ابنه عليا الهادى إماما وهو في السادسة من عمره، وعلى قول آخر في الثامنة، أي أنه كسابقه في سن الطفولة!
وأعجب من هذا كله قولهم بعد إمامهم الحادي عشر الحسن العسكري: فقد توفى ولم ير له خلف، ولم يعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه، فافترق أصحابه من بعده أكثر من عشر فرق، فاخترع الاثنا عشرية له ابنا طفلا إماما حيا لا يموت إلى يوم القيامة!! وهو غائب يحج كل عام يرانا ولانراه!!
والإمامية الذين ساروا مع ضلال الاثنى عشرية في أحد عشر إماما، جميعهم ـ ما عدا فرقة واحدة ـ قالوا وأكدوا أن الحسن العسكري ليس له ولد.
من يراجع كتب الفرق يجد ظاهرة عامة وهى افتراق الشيعة إلى فرق مختلفة عند موت كل إمام، وكل فرقة من هذه الفرق يمكن أن تفترق هي الأخرى إلى عدة فرق. وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ بيان لشىء من هذا في موضوع تدوين السنة عند الشيعة في الجزء الثالث، ونجد من هذه الفرق من بلغت درجة تأليه بعض البشر، والشرك بالله ، ومن ادعت نبوة
стр. 45
فرد من أفرادها، ومن استباحت اللواط ونكاح المحارم، وقالت: من عرف الإمام فليصنع ما شاء فلا إثم عليه!
والمهم أن كل فرقة من هذه الفرق الضالة تزعم أنها هي الفرقة الناجية، وأنها تمثل مذهب أهل البيت! وأهل البيت الأطهار الأبرار برءاء منهم جميعاً.
وإن تعجب فعجب قول كل فرقة أنها مؤيدة بالكتاب العزيز، والسنة ... المطهرة!!
ويأتى لهذا مزيد بيان في الفصل التالي، وفى التدوين وكتب الحديث عند الاثنى عشرية في الجزء الثالث من هذا الكتاب.
стр. 46
الفصل الثاني
أدلة الإمامة من القرآن العظيم
" بين يدى الفصل "
من المعلوم أن القرآن الكريم ليس فيه نص ظاهر يؤيد المذهب الجعفرى، فلجأ معتنقوه إلى التأويل، والاستدلال بروايات ذكرت في أسباب النزول لآيات كريمة. وأهم ما استدل به الجعفرية هو:
قال تعالى:
" إِنمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ " (١)
هذه الآية الكريمة يسمونها آية الولاية، ويقولون: إنها تدل على أن إمام المسلمين بعد النبي ﷺ بلا فصل هو على بن أبى طالب، لأن لفظة " إنما " تفيد الحصر و" وليكم " تفيد من هو أولى بتدبير الأمور ووجوب طاعته، والآية الكريمة نزلت في على بلا خلاف - كما يقولون - عندما تصدق بخاتمه وهو راكع.
في آية المباهلة
" فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ " (٢)
стр. 47
٣ - قال تعالي:
" وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" (١)
قالوا: إن المراد بأهل البيت هنا على وفاطمة والحسن والحسين، وهذه الآية الكريمة تدل على عصمتهم، والإمامة تدور مع العصمة.
٤- قال : "وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" (٢)
قالوا: إن هذه الآية الكريمة قد أبطلت إمامة كل ظالم، فصارت في الصفوة من ذرية إبراهيم الخليل. ومن عبد غير الله ولو لحظة فهو ظالم، وعلى هو الذي لم يعبد صنماً قط. أما غيره من الخلفاء فهم ظالمون لا يستحقون هذه الخلافة.
ومعنى هذا أن القرآن الكريم - على قولهم - قد أشار في أكثر من موضع أن عليا هو المستحق للإمامة دون غيره، ولذلك فهم يعتقدون أن الله سبحانه أمر نبيه بأن ينص على علىِّ وينصبه علماً للناس من بعده، وكان النبي يعلم أن ذلك سوف يثقل على الناس، وقد يحملونه على المحاباة والمحبة لابن عمه وصهره، ومن المعلوم أن الناس ذلك اليوم، وإلى اليوم ليسوا في مستوى واحد من الإيمان واليقين بنزاهة النبي وعصمته عن الهوى والغرض، ولكن الله سبحانه لم يعذره في ذلك، فأوحى إليه:
"
стр. 48
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" (١)
فلم يجد بداً من الامتثال بعد هذا الإنذار الشديد، فخطب الناس عند منصرفه من حجة الوداع في غدير خم، فنادى وجلهم يسمعون:
" ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: اللهم بلى. فقال: من كنت مولاه فهذا على مولاه، إلى آخر ما قال، ثم أكد ذلك في مواطن آخرى تلويحاً وتصريحاً، وإشارة ونصاً حتى أدى الوظيفة (٢) .
وقبل أن ينصرف الرسول ﷺ من غدير خم وقبل أن يتفرق الجمع نزل قوله تعالى: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا " (٣)
فقال رسول ﷺ : الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتى، والولاية لعلى من بعدى، ثم طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين وفى مقدمتهم الشيخان (٤) . فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري. فأتى رسول الله ﷺ على ناقة له حتى أتى الأبطح فنزل عن ناقته فأناخها، فقال: يا محمد، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلنا، وأمرتنا أن نصلى خمساً فقبلناه منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم
стр. 49
شهراً فقبلنا، وأمرتنا بالحج فقبلنا، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعى ابن عمك ففضلته علينا، وقلت من كنت مولاه فعلى مولاه، فهذا شىء منك أم من الله ؟ فقال: والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله. فولى الحرث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فما وصل إليها حتى رماه الله تعالى بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله، وأنزل الله : "سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ " (١) الآيات (٢)
هذه الآيات الكريمة السبعة السابقة هي أساس ما يستدلون به من القرآن الكريم، فلنعرض رأيهم، ونناقشه بالتفصيل.
أولا: الولاية
ننظر في الآية الكريمة الأولى، آية الولاية كما يسميها الجعفرية والتي يعتبرونها نصاً صريحاً في إمامته، فنجد أنهم يروون أنها نزلت في على بن أبى طالب رضي الله تعالى عنه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فأومى بخنصره اليمنى إليه فأخذ السائل الخاتم من خنصره.
وقالوا في المعنى: إن الله تعالى بين من له الولاية على الخلق، والقيام بأمورهم، وتجب طاعته عليهم فقال:
стр. 50
"إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ" أي الذي يتولى مصالحكم ويدبر أموركم هو الله تعالى ورسوله ﷺ ، " وَالَّذِينَ آمَنُواْ " ثم وصف الذين آمنوا فقال: " الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ " بشرائطها "وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" أي يعطونها في حالة الركوع.
ثم قالوا: هذه الآية من أوضح الدلائل على صحة إمامة على بعد النبي ﷺ بلا فصل، والوجه فيه أنه إذا ثبت أن لفظ وليكم تفيد من هو أولى بتدبير أموركم ويجب طاعته، وثبت أن المراد بالذين آمنوا على، ثبت النص عليه بالإمامة، ووضح. الذي يدل على الأول هو الرجوع إلى اللغة، فمن تأملها علم أن القوم نصوا على ذلك، ولا يجوز حمل لفظة الولى على الموالاة في الدين والمحبة، لأنه لا تخصيص في هذا المعنى لمؤمن دون مؤمن آخر، ولفظة " إنما " تقتضى التخصيص ونفى الحكم عمن عدا المذكور. والذى يدل على أن المراد بالذين آمنوا على الروايات الكثيرة. فهو وحده الذي تصدق في حال الركوع، كما أن الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية، وإلا أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه (١) .
هذا ما ذهب إليه الجعفرية، ولكن أهل التأويل - كما يقول الطبري (٢) .
-اختلفوا في المعنى بقوله تعالى:
"
стр. 51
وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ"، فقال بعضهم: عنى به على بن أبى طالب، وقال بعضهم: عنى به جميع المؤمنين.
وذكر الطبري الروايات التي تؤيد ما ذهب إليه القائلون بأن المعنى به جميع المؤمنين، وفى بعضها تعجب ممن سأل عن المراد بالذين آمنوا، لأنه يسأل عن شيء لا يسأل عن مثله. ثم ذكر روايتين:
الأولى: عن إسماعيل بن إسرائيل قال: حدّثنا أيوب بن سويد قال، حدّثنا عتبة بن أبى حكيم في هذه الآية " إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ " قال: على بن أبى طالب.
الثانية: هي حدثني الحارث قال: حدثني عبد العزيز قال: حدّثنا غالب بن عبيد الله قال، سمعت مجاهداً يقول في قوله: " إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ " قال: نزلت في على ابن أبى طالب، تصدق وهو راكع.
والرواية الأولى في سندها أيوب بن سويد، وعتبة بن أبى الحكيم: فأما أيوب فقد ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما. وقال البخاري في الكبير " يتكلمون فيه " (١) وأما عتبة فقد ضعفه ابن معين، وكان أحمد يوهنه قليلاً، ولكن ذكره ابن حبان في الثقات (٢) .
فهذه الراوية إذن ضعيفة السند. والرواية الثانية في سندها غالب بن عبيد الله وهو منكر الحديث متروك (٣) فراويته لا يؤخذ بها.
والحافظ ابن كثير عند تفسير الآية قال (٤) : "
стр. 52
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ " أي ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين، وقوله:
"الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ " أي المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقامة الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهى له وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين. وأما قوله "وَهمْ رَاكِعُون"َفقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال في قوله: "وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ " أي في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى. وحتى أن بعضهم ذكر في هذا أثراً عن على بن أبى طالب أن هذه الآية نزلت فيه، وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه.
وذكر ابن كثير الروايات التي تشير إلى هذا، ثم بين أنها لا يصح شئ منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. ثم قال: وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت ﵁ حيث تبرأ من حلف اليهود، ورضى بولاية الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: " وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ"
كما قال تعالى: "كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أنا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( ... أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
فكل من رضى بولاية الله ورسله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة. "
стр. 53
وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ"
وبعد هذا كله نذكر بعض الملاحظات:
بدراسة روايات الطبري، ومما ذكره الحافظ ابن كثير، نجد أن رواية التصدق في حالة الركوع لا تصح سنداً، يضاف إلى هذا أن كتب السنة التي رجعت إليها لم أجد فيها ذكراً لمثل هذه الرواية (١) .
الروايات مرفوضة كذلك من ناحية المتن كما أشار ابن كثير وغيره، فالفضيلة في الصلاة كونها خالية عما لا يتعلق بها من الحركات، سواء أكانت كثيرة أو قليلة، غاية الأمر أن الكثيرة مفسدة للصلاة دون القليلة، ولكن تؤثر قصوراً في معنى لإقامة الصلاة ألبتة (٢) .
قال ثعلب: الركوع الخضوع، ركع يركع، ركعاً وركوعاً: طأطأ رأسه. وقال الراغب الأصبهانى: الركوع الانحناء، فتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي وتارة في التواضع والتذلل: إما في العبادة، وإما في غيرها. وكانت العرب في الجاهلية تسمى الحنيف راكعاً إذا لم يعبد الأوثان، ويقولون: ركع إلى الله، قال الزمخشري: أي اطمأن، قال النابغة الذيبانى:
سيبلغ عذراً أو نجاحاً من امرئ ... إلى ربه رب البرية راكع
وتقول: ركع فلان لكذا وكذا إذا خضع له، ومنه قول الشاعر:
стр. 54
بيعت بكسر لئيم واستغاث بها من الهزال أبوها بعد ما ركعا
يعنى بعد ما خضع من شدة الجهد والحاجة.
ومنه كذلك: لا تهين الفقير علك أن ... تركع يوماً والدهر قد رفعه
وقد استعمل بهذا المعنى في القرآن الكريم أيضاً كما قيل في قوله سبحانه: " وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ"، إذ ليس في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع ركوع هو أحد الأركان بالإجماع. وكذا في قوله تعالى " وَخَرَّ رَاكِعًا " إلى غير هذا (١)
فقوله تعالى: - " وَهُمْ رَاكِعُونَ " يعنى به وهم خاضعون لربهم منقادون لأمره، متواضعون متذللون في أدائهم للصلاة وإيتائهم للزكاة، فهو بمعنى الركوع الذي هو في أصل اللغة بمعنى الخضوع.
وأرى تأييد لهذا المعنى مجئ الآية الكريمة بالفعل المضارع، فهو يدل على أن الآية الكريمة لا تشير إلى حادثة حدثت وانتهت، وإنما تدل على الاستمرار والدوام، أي أن صفات المؤمنين وطبيعتهم الصلاة والزكاة وهم راكعون، ولا يستقيم المعنى - بغير تكلف - أن يكون من صفاتهم إخراج الزكاة أثناء الصلاة.
стр. 55
ذكر الشيعة أن التصدق أثناء الركوع لم يقتصر على أمير المؤمنين ولكن اقتدى به باقي أئمتهم جميعاً! وهنا يرد تساؤل: إذا كان هذا العمل من الفضائل التي امتدح بها أبو الأئمة وتبعه جميعهم فكيف لم يحرص على هذه الفضيلة سيد الخلق أجمعين صلوات الله وسلامه عليه؟ وكذلك سائر الأمة؟
٥. قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: " وَهُمْ رَاكِعُونَ" ما يأتي:
" الواو فيه للحال: أي يعملون ذلك في حال الركوع وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله إذ صلوا وإذا زكوا. وقيل هو حال من يؤتون الزكاة بمعنى يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة، وأنها نزلت في على كرم الله وجهه حين سأله سائل وهو راكع فطرح له خاتمه كأنه كان مرجا في خنصره فلم يتكلف لخلعه كثير عمل تفسد بمثله صلاته.
فإن قلت: كيف صح أن يكون لعلى ﵁ واللفظ لفظ جماعة؟ قلت: جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان وتفقد الفقراء، حتى إن لزهم أمر لا يقبل التأخير في الصلاة لم يؤخروه إلى الفرغ منه " (١)
والزمخشرى هنا ذكر أولاً المعنى المفهوم من النص، ثم ما قيل في سبب النزول دون تمحيص، وقد ظهر أن سبب النزول هذا غير صحيح، فلا ضرورة للتأويل الذي ذهب إليه. ثم ما هذا الأمر الذي لا يقبل التأخير وهم في الصلاة؟ ألم يكن الأفضل أن يصلى السائل مع المصلين؟ أو أن ينتظرهم حتى تنتهى الصلاة؟ وكيف يذهب لراكع يسأله الصدقة ويشغله عن الصلاة؟ ولو وجد مثل هذا السائل فكيف نشجعه على ارتكاب خطأ جسيم كهذا؟
٦.
стр. 56
سبق قول الإمامة بأن الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية وإلا أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، وهذا نوع من الجدل العقيم، لأن المراد ولاية بعض المؤمنين بعضاً لا أن يكون كل واحد منهم ولى نفسه. كما أن الخطاب موجه كذلك إلى أولئك الذي تبرءوا من ولاية اليهود فأولياؤهم المؤمنون، وهم أيضاً أولياء لغيرهم من المؤمنين، وفى مثل قوله تعالى: -
" وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ " خطاب للمؤمنين جميعاً أفمعنى هذا أنه نهى لكل مسلم أن يلمز نفسه؟! قال الألوسى: كيف يتوهم من قولك مثلاً: أيها الناس لا تغتابوا الناس أنه نهى لكل واحد من الناس أن يغتاب نفسه؟! (١)
٧. من المعلوم لدى جميع العلماء - شيعة وسنة - أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلوصح ما ذكر في سبب النزول لا نطبق على كل من يتصف بالإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في حال الركوع كما ذكروا، أو الحرص على البر والإحسان وتفقد الفقراء كما أوله الزمخشري.
٨. كلمة الولى تأتى بمعنى المتولى للأمور والمستحق للتصرف فيها، وتأتى بمعنى الناصر والخليل، والسياق يحدد المعنى المراد، والقرآن الكريم عندما يأمر بموالاة المؤمنين، أو ينهاهم عن موالاة غير المؤمنين من الكفار وأهل الكتاب تأتى الموالاة بمعنى النصرة والمحبة كقوله تعالى: - " وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا" (٢)
стр. 57
وقوله : " الذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ " (١)
وقوله سبحانه: " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ " (٢)
ولم يخرج عن هذا المعنى إلا حالات خاصة كولاية الدم وولاية السفيه. ولكن حالة من هذه الحالات لم تأت بمعنى الولاية العامة على المؤمنين (٣) أفآية الولاية شذت عن هذا النسق القرأنى؟
وقبل هذه الآية الكريمة جاء قوله سبحانه: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (٤) . فهذا نهى عن موالاة من تجب معاداتهم. ثم بينت الآية الكريمة - آية الولاية - من تجب موالاتهم، ثم جاء النهى مرة أخرى في قوله : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (٥)
стр. 58
ولا شك أن الذي جاء قبل الآية الكريمة وبعدها ينهى عن المالاة في الدين والمحبة، فإذا جاء الأمر بالموالاة بين نهيين فإنه قطعاً لا يخرج عن هذا المعنى إلا بدليل آخر.
فكلمة " وليكم " ليست دليلاً على أن الإمامة العظمى لأبى الحسن - كرم الله وجهه. وإنما هي في حاجة إلى دليل يظهر أنها خرجت على الاستعمال القرآنى العام، وعلى المفهوم الخاص لتلك الأيات الكريمة المتتابعة في سورة المائدة.
٩. لا خلاف في أن لفظة " إنما " تقتضى التخصيص ونفى الحكم عمن عدا المذكور، ولكن الجعفرية بنوا على هذا عدم جواز حمل لفظة الولى على الموالاة في الدين والمحبة لأنه لا تخصيص في هذا المعنى لمؤمن دون مؤمن آخر.
وهذا الاستدلال أيضاً لا يستقيم، فالموالاة مختصة بالمؤمنين جميعاً دون غيرهم ممن تجب معاداتهم، وليست لمؤمن دون مؤمن، بل إن هذا التخصيص يقتضى عكس ما ذهبوا إليه " لأن الحصر يكون فيما يحتمل اعتقاد الشركة والتردد والنزاع، ولم يكن بالإجماع وقت نزول هذه الآية تردد ونزاع في الإمامة وولاية التصرف، بل كان في النصرة والمحبة (١) .
١٠. أمر الله تعالى للمؤمنين بموالاة أقوام، ونهيه إياهم عن موالاة آخرين، كل هذا صدر في حياة الرسول ﷺ ونفذ في حياته، فكيف يكون إمام المسلمين الأعظم علياً مع وجود الرسول ﷺ ؟
هذه بعض الملاحظات، وأعتقد بعد هذا أن الآية الخامسة والخمسين من سورة المائدة لا تدل بحال على أن إمام المسلمين بعد الرسول ﷺ يجب أن يكون على بن أبى طالب. على أن هذه الآية الكريمة تعد أهم دليل قرآنى يستندون إليه. فلننظر بعد هذا في باقي الأدلة.
стр. 59
ثانياً: المباهلة
في آية المباهلة قالوا: اتفق المفسرون كافة أن الأبناء إشارة إلى الحسن والحسين، والنساء إشارة إلى فاطمة، والأنفس إشارة إلى على رضي الله تعالى عنه. ولا يمكن أن يقال: إن نفسهما واحدة، فلم يبق المراد من ذلك إلا ... المساوى، ولا شك في أن رسول الله ﷺ أفضل الناس فمساويه كذلك أيضاً (١) .
ونلاحظ هنا:
لو سلمنا بكل ماسبق فإن الآية الكريمة لا تنص على إمامة أحد، لأن ولاية أمر المسلمين تحتاج إلى قدرات خاصة تتوافر في صاحبها، حتى يستطيع أن يقود الأمة بسلام، ويرعى مصالحها على الوجه الأكمل، والآية الكريمة لا تشير إلى شىء من هذا ولاتتعرض للخلافة على الإطلاق، وإنما تذكر الأبناء والنساء والأنفس في مجال التضحية لإثبات صحة الدعوى، وهؤلاء المذكورون من أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ ، وبهذا يتحقق للمعاندين صحة دعواه لتقديمه للمباهلة أقرب الناس إليه. وفرق شاسع بين مجال التضحية ومجال الإمامة، ففي التضحية يمكن أن يقدم النساء والصغار ولكنهم لا يقدمون للخلافة.
القول بأن الإمام عليا يساوى الرسول ﷺ غلو لا يقبله الإمام نفسه كرم الله وجهه، ويجب ألا يذهب إليه مسلم، مكانة الرسول المصطفى غير مكانة من اهتدى بهديه واقتبس من نوره.
لو قلنا: أن الآية الكريمة تدل على أفضلية الإمام على ﵁ فإن إمامة المفضول مع وجود الأفضل جائزة حتى عند بعض فرق الشيعة أنفسهم كالزيدية، وهذا لا يمنعه الشرع ولا العقل، لأن المفضول بصفة عامة قد
стр. 60
يكون أفضل بصفة خاصة فيما يتعلق بأمور الخلافة ومصلحة المسلمين، وكان الرسول الكريم يولى الأنفع على من هو أفضل منه (١) .
عقب ابن تيمية على قولهم بأن الله تعالى جعل عليا نفس رسول الله ﷺ بقوله: هذا خطأ، وإنما هذا مثل قوله: "لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُموهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا " (٢)
وقوله تعالى: "فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ " (٣) ، " وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيارِكُمْ " (٤)
فالمراد بالأنفس: الإخوان نسباً أو ديناً (٥) .
стр. 61
قال الزمخشري: " فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه. وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه حتى يقتل. ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ويسمون الذادة عنهم بأرواحهم حماة الحقائق. وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم. وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل لا شىء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء ﵈ (١) .
وبعد: فمهما اختلفت الأقوال فالآية الكريمة تدل على مكانة أولئك الذين قدموا للمباهلة، ولكن هذا لا صلة له بالخلافة كما بينا.
стр. 62
ثالثاً: التطهير
قال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًاوَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا " (١) فخير الرسول ﷺ زوجاته، فاخترن جميعاً الله ورسوله والدار الآخرة، واستحققن بعد هذا الاختيار مخاطبة الله تعالى لهن بقوله: " يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ ((.... " إلى قوله تعالى " لَطِيفًا خَبِيرًا " (٢)
(( (() . فهذه الآيات الخمس في نساء النبي كما يبدو، ولكن جدلاً كثيراً دار حول عجز الآية الثالثة والثلاثين " إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا"
стр. 63
وهذا الجزء يطلق عليه اسم آية التطهير، ويرى الشيعة أنه لا صلة له بما قبله ولا بما بعده، وإنما هو خاص بالنبي ﷺ والسيدة فاطمة الزهراء والإمام على وبنيهما الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم جميعاً، وأنه يدل على عصمتهم، ومن ثم يستدلون به على مذهبهم في الإمامة.
فاستدلالهم ينبنى على ثلاث نقاط هي: تحديد المراد بأهل البيت في الآية الكريمة، ثم دلالة الآية على عصمتهم، وأخيراً التلازم بين العصمة والإمامة.
وقد ذهبوا إلى أن المراد بأهل البيت هم هؤلاء الخمسة فقط مستدلين بشيئين: (١) .
الأول: الخطاب في قوله تعالى " عنكم "، " يطهركم " بالجمع المذكر يدل - كما يقولون (- على أن الآية الشريفة في حق غير زوجات رسول الله ﷺ وإلا فسياق الآيات يقتضى التعبير بخطاب الجمع المؤنث؛ أي " عنكن " و" يطهركن " فالعدول عنهما إلى الخطاب بالجمع المذكر يشهد بأن المراد من أهل البيت غير الزوجات.
الثانى: أخبار تدل على أنها في الخمسة الأطهار.
وبالرجوع إلى كتاب الله تعالى نجد قوله: " قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ" (٢) وهذا خطاب لامرأة إبراهيم ﵇.
стр. 64
وقوله تعالى: " فَلَمَّا قَضَى مُوسَىالْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ" (١) ومعلوم أن موسى سار بزوجته ابنة شعيب.
وقوله تعالى: " وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ " (٢)
وقوله : " إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ" (٣)
وقوله تعالى: " وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ " (٤)
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي تبين أن الاستعمال القرآنى لا يمنع أن يكون المراد بأهل البيت في الآية الكريمة نساء النبي مع الخطاب بالجمع المذكر،
стр. 65
بل إن المذكر هو الذي يتمشى مع هذا الاستعمال، فلم أجد التعبير بالمؤنث مع كلمة الأهل - سواء أأريد بها الزوجات أم غيرهن - في القرآن الكريم كله (١) .
واحتج طائفة من العلماء على أن الآل هم الأزواج والذرية بما جاء عن الرسول ﷺ عندما سئل: كيف نصلى عليك؟ فقال: " قولوا: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ". وهذا الحديث متفق عليه.
وكذلك بما ورى عنه ﷺ أنه قال: " من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك، حميد مجيد " (٢) .
وروى الإمام البخاري بسنده عن أنس ﵁ قال: " بنى على النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعياً.... فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك، فتقرى حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما قال لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة " (٣)
كما أن المعنى اللغوى للأهل لا يخرج الزوجات (٤) .
فالاستعمال القرآنى والنبوي واللغوى لا يخرج الزوجات من آية التطهير، والسياق إن لم يحتم دخولهن فعلى أقل تقدير يعتبر مرجحاً. هذا بالنسبة
стр. 66
لأمهات المؤمنين. ولكن سواء أشملتهن الآية أم لم تشملهن، فإن تخصيص المراد بالخمسة لا يكون إلا إذا بين الرسول ﷺ ذلك. فلننظر إذن في الروايات.
قال الطبري: حدثني محمد بن المثنى، قال ثنا بكر بن يحيى بن زياد العنزى، قال ثنا مندل عن الأعمش عن عطية، عن أبى سعيد الخدري قال:
قال رسول الله ﷺ : " نزلت هذه الآية في خمسة: في وفى على ﵁ وحسن ﵁ وحسين ﵁، وفاطمة ﵂ " (١) .
وذكر الطبري بعد ذلك كثيراً من الروايات التي تبين أن الآية الكريمة تعنى هؤلاء المذكورين أو بعضهم، ثم ذكر أخيراً ما روى عن عكرمة من أنها نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة (٢) .
والروايتان الأولى والأخيرة فيهما نظر، فأما الأولى ففي سندها عطية عن أبى سعيد الخدري، وعطية هذا كان يأتي الكلبى فيأخذ عنه التفسير وكان يكنيه بأبى سعيد فيقول: قال أبو سعيد ليوهم أنه الخدري. وقد ضعفه أحمد والنسائى وغيرهما (٣) .
أما الرواية الأخيرة فذكرت أيضاً عن عكرمة عن ابن عباس، وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في شأن نساء النبي ﷺ (٤) . فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فهذا يتفق مع ما ذهب إليه كثير من المفسرين.
стр. 67
وراوية عطية المذكورة ظهر ضعفها فلا أثر لمعارضتها، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن فهذا معارض بكثير من الروايات، ولذلك فالرواية لا تقٌبل إلا على الوجه الأول.
وروايات الطبري الأخرى منها رواية عن السيدة عائشة قالت: خرج النبي ﷺ ذات غداة، وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، ثم قال: "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" وهذه الرواية تقتصر على الحسن، ولكنها بلا شك لا تمنع كون غيره من أهل البيت، وقد روى الإمام مسلم عنها رواية مماثلة وفيها دخول باقي الخمسة الأطهار.
وروى الطبري عن أنمس أن النبي ﷺ كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر كلما خرج إلى الصلاة، فيقول: الصلاة أهل البيت " إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ". وهذه الرواية كذلك لا تمنع شمول الآية لغير من ذكر.
وروى عدة روايات عن أم سلمة: قالت: كان النبي ﷺ عندي، وعلى فاطمة والحسن والحسين، فجعلت لهم خزيرة (١) ، فأكلوا وناموا، وغطى عليهم عباءة أو قطيفة، ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً "
وفى رواية أخرى أنه ﷺ أجلسهم على كساء، ثم أخذ بأطرافه الأربعة بشماله، فضمه فوق رءوسهم، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه، فقال: هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
стр. 68
وهاتان الروايتان تتفقان مع رواية مسلم عن السيدة عائشة في دخول الخمسة في الآية، ولكن هذا لا يحتم عدم دخول غيرهم.
وذكر الطبري روايتين عن واثلة بن الأسقع تتفقان مع الروايات الثلاثة السابقة وتدخلانه هو مع أهل البيت، ففي إحداهما:
عن أبى عمار قال: إنى لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا علياً ﵁، فشتموه، فلما قاموا، قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموا، إنى عند رسول الله ﷺ إذ جاءه على وفاطمة وحسن وحسين، فألقى عليهم كساء له، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. (قلت: يا رسول الله وأنا؟ قال وأنت. قال: فوالله إنها لأوثق عمل عندي. وفى الأخرى: اللهم هؤلاء أهلي، اللهم أهلي أحق. قال واثلة: فقلت من ناحية البيت: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال: وأنت من أهلي. قال واثلة، إنها لمن أرجى ما أرتجى) .
ولكن باقي روايات الطبري عن أم سلمة فيها زيادات تشير إلى عدم دخولها مع أهل الكساء. وهذه الروايات هي: -
حدثني أبو كريب قال: ثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبى سعيد الخدري، عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية "إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" دعا رسول الله ﷺ علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فجلل عليهم كساء (١) خيبرياً، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، قالت أم سلمة: ألست منهم؟ قال: أنت إلى خير.
стр. 69
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حسن بن عطية، قال: ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية، عن أبى سعيد، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن هذه الآية نزلت في بيتها "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيرًا" قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: أنا يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: إنك إلى خير، أنت من أزواج النبي ﷺ قالت، وفى البيت رسول الله ﷺ وعلى وفاطمة والحسن والحسين ﵃.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخلد، قال: ثنا موسى بن يعقوب، قال: ثنا هاشم بن هاشم بن عقبة بن أبى وقاص عن عبد الله بن وهب بن زمعة، قال: أخبرتني أم سلمة " أن رسول الله ﷺ جمع عليا والحسين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله ثم قال: هؤلاء أهل بيتي. فقالت أم سلمة: يا رسول الله أدخلنى معهم. قال: إنك من أهلي ".
حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: ثنا محمد بن سليمان الأصبهانى، عن يحيى بن عبيد المكى، عن عطاء عن عمر بن أبى سلمة، قال: " نزلت هذه الآية على النبي ﷺ وهو في بيت أم سلمة "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" فدعا حسناً وحسيناً وفاطمة، وأجلسهم بين يديه، ودعا علياً فأجلسه خلفه. فتجلل هو وهم بالكساء ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطيراً. وقالت أم سلمة أنا معهم مكانك، وأنت على خير "
حدثنا ابن حميد، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم ابن سعد قال: " ذكرنا على بن أبى طالب ﵁ عند أم سلمة، ... قالت: فيه نزلت "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" قالت أم سلمة: جاء النبي: ﷺ إلى بيتي، فقال: لاتأذنى لأحد، فجاءت
стр. 70
فاطمة، فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن فلم استطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه، وجاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا حول النبي ﷺ على بساط، فجللهم نبي الله بكساء كان عليه، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا، قالت: فوالله ما أنعم وقال: إنك إلى خير "
وبالنظر في هذه الروايات نجد ما يأتي:
أولاً: في الروايتين الأولى والثانية ينتهى الإسناد إلى عطية عن أبى سعيد عن أم سلمة، وقد بينا ضعف عطية ورواياته عن أبى سعيد.
ثانياً: - في إسناد الرواية الثالثة " خالد بن مخلد ": وهو متكلم فيه: وثقة عثمان بن أبى شيبة وابن حبان والعجلى، وقال ابن معين وابن عدى: لا بأس به، وقال أبو حاتم، يُكتب حديثه، وقال الآجري عن أبى داود: صدوق ولكنه يتشيع، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: له أحاديث مناكير، وقال ابن سعد: كان متشيعا منكر الحديث في التشيع مفرطاً، وكتبوا عنه للضرورة. وقال صالح بن محمد جزرة: ثقة في الحديث إلا أنه كان متهماً بالغلو. وقال الجوزجانى: كان شتاماً معلناً لسوء مذهبه. وقال الأعين: قلت له: عندك أحاديث في مناقب الصحابة؟ قال: قل في المثالب أو المثاقب، يعنى بالمثلثة لا بالنون. وحكى أبوالوليد الباجى في رجال البخاري عن أبى حاتم أنه قال: لخالد بن مخلد أحاديث مناكير و‘يكتب حديثه. وقال الأزدى: في حديثه بعض المناكير وهو عندنا في عداد أهل الصدق. وذكره الساجى والعقيلى في الضعفاء (١) .
стр. 71
من هنا نرى أن ما يرويه خالد عن مخلد متصلاً بمذهبه الشيعي لا يحتج به (١) .
وفى إسناد هذه الرواية كذلك يروى خالد عن موسى بن يعقوب، وهو متكلم فيه أيضاً: وثقه ابن معين وابن حبان وابن القطان، وقال الآجري عن أبى داود: هو صالح، وقال ابن عدى: لابأس به عندي ولا برواياته. وقال على بن المديني: ضعيف الحديث: منكر الحديث.
وقال النسائي: ليس بالقوى - وقال أحمد: لا يعجبني.
ثالثاً: في إسناد الرواية الرابعة عبد الرحمن بن صالح، وهو من شيعة الكوفة ومتكلم فيه: وثقه أبو حاتم وابن حبان وغيرهما. وقال موسى بن هارون: كان ثقة وكان يحدث بمثالب أزواج رسول الله ﷺ . وقال الآجري عن أبى داود: لم أر أن أكتب عنه، وضع كتاب مثالب في أصحاب رسول الله ﷺ . وقال: وذكروه مرة أخرى فقال: كان رجل سوء. وقال ابن عدى: معروف مشهور في الكوفيين لم يُذكر بالضعف في الحديث ولا اتهم فيه إلا أنه محترق فيما كان فيه من التشيع (٢) .
وفى الإسناد أيضاً محمد بن سليمان الأصبهانى: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: لا بأس به. يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدى:
стр. 72
مضطرب الحديث، قليل الحديث، ومقدار ماله قد أخطأ في غير شىء منه. وضعفه النسائي.
رابعاً: في سند الرواية الأخيرة عبد الله بن عبد القدوس، وهو شيعي متكلم فيه:
قال البخاري: هو في الأصل صدوق إلا أنه يروى عن أقوام ضعاف. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أغرب. وقال عبد الله بن أحمد: سألت ابن معين عنه قال: ليس بشىء، رافضى خبيث. وقال محمد بن مهران الحمال: لم يكن بشىء كان يُسخر منه يشبه المجنون يصيح الصبيان في أثره. وقال أبو ... داود: ضعيف الحديث كان يرمى بالرفض، قال وبلغنى عن يحيى أنه قال: ليس ... بشىء. وقال أبو أحمد الحاكم: في حديثه بعض المناكير وضعَّفه النسائي والدار قطنى (١) .
وفى سند الرواية كذلك ضعف آخر، فالأعمش - وهو مدلس - لم يذكر ما يفيد سماعه من حكيم.
بعد النظر في أسانيد هذه الروايات يمكن القول بأنها ليست حجة يرد بها دلالة السياق، والظاهر من الآيات الكريمة، فكيف إذن يحتج بمثل هذه الروايات لإثبات أصل من أصول العقيدة؟ (٢)
وذكر الترمذي رواية عن أم سلمة وفيها: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك وأنت إلى خير. ثم عقب على الحديث بقوله: إنه غريب (٣) .
وفى أبواب العلل يتحدث عن الغريب فيقول: "
стр. 73
أهل الحديث يستغربون الحديث لمعان: رُب حديث يكون غريباً لا يروى إلا من وجه واحد ((.... ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه....، ورب حديث يروى من أوجه كثيرة وإنما يستغرب لحال الإسناد ".
ومعنى الحديث يتفق مع ما ذكره مسلم، فلعل الترمذي استغربه من أجل هذه الزيادة.
والحافظ ابن كثير ذكر الآية الكريمة وقال: (١) إنها نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت ههنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولاً واحداً: إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح.
وذكر روايات الطبري وروايات أخرى، ثم ذكر رواية في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول الله ﷺ يوماً خطيباً بماء يدُعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: " أما بعد: " ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتينى رسول ربى فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله تعالى فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: " وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثاً ". فقال له حصين. ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال ومن هم؟ قال: هم آل على، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، ﵃.
وذكر رواية مسلم الأخرى عن زيد أيضاً بنحو ما تقدم وفيها: فقلت له: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا. وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل ...
стр. 74
العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده (١) .
ثم قال ابن كثير: هكذا وقع في هذه الرواية، والأولى أولى والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه إنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله، وهذا الاحتمال أرجح جمعاً بينها وبين الرواية التي قبلها، وجمعاً أيضاً بين القرآن والأحاديث المتقدمة إن صحت، فإن في بعض أسانيدها نظراً والله أعلم.
ويؤيد هذا الاحتمال الذي ذكره ابن كثير أن السؤال في الحديث الأول فيه من التبعيضية " أليس نساؤه من أهل بيته؟ وفى رواية مماثلة عن زيد أيضاً في المسند: قال حصين: " ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده " (٢) (( (() . فهنا تأكيد أن نساءه من أهل بيته.
وقال ابن كثير بعد ذلك: الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَداخلات في قوله تعالى: "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيرًا" فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: " وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ (( ... ("ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته فقرابته أحق بهذه التسمية كما تقدم في الحديث " وأهل بيتي
стр. 75
أحق "، وهذا يشبه ما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم فقال: " هو مسجدى هذا "، فهذا من هذا القبيل، فإن الآية إنما نزلت في مسجد قباء كما ورد في الأحاديث الأخر، ولكن إذا كان ذلك أسس على التقوى من أول يوم فمسجد رسول الله ﷺ أولى بتسميته بذلك والله أعلم. وبمثل هذا قال ابن تيمية من قبل (١) .
وقال القرطبى (٢) : قوله تعالى: " وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ". هذه الألفاظ تعطى أن أهل البيت نساؤه، وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت، ومن هم؟ فقال عطاء وعكرمة وابن عباس: هم زوجاته خاصة لا رجل معهن، وذهبوا إلى أن البيت أريد به مساكن النبي ﷺ لقوله تعالى: " وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ " وقالت فرقة منهم الكلبى: هم على وفاطمة والحسن والحسين خاصة. وفى هذا أحاديث عن النبي ﵊. واحتجوا بقوله تعالى " لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ " " بالميم " ولو كان للنساء خاصة لكان " عنكن ويطهركن "، إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على لفظ الأهل. كما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ أي امرأتك ونساؤك، فيقول هم بخير، قال تعالى: " قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ"، الذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيره. وإنما قال " ويطهركم " لأن رسول الله ﷺ وعلياً وحسناً وحسيناً كانوا فيهم، وإذا اجتمع