← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1507

مع الاثنى عشرية في الأصول والفروع

علي السالوس

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قال: لعله للأمير محمد رضا الحسينى منشى الممالك، المعاصر للشيخ الحر، والساكن بأصفهان حين تأليف " الأمل " سنة ١٠٩٧، وصفه فيه بأنه كبير أكثر من ثلاثين مجلداً، عربى وفارسى، جمع فيه الأحاديث وترجمتها، ويظهر من بعض هذه الخصوصيات أنه غير تفسير الأئمة السابق ذكره، وإن شاركه في بعضها. (٢٣) تفسير النعمانى: قال: هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر، تلميذ ثقة الإسلام الكلينى. جعل مقدمة تفسيره روايات رواها بإسناده إلى الإمام الصادق، وهى التي دونت مفردة مع خطبة مختصرة وتسمى بـ " المحكم والمتشابه "، طبعت في إيران، وقد أوردها بتمامها العلامة المجلسى في مجلد القرآن من البحار. قلت: الكلينى، الذي يراه الشيعة ثقة الإسلام، بينت مدى ضلاله وافترائه في الجزء الثالث، وهو تلميذ القمي الذي سبق الحديث عن تفسيره، ويأتى النعمانى ليكمل سلسلة الضلال، وعلامتهم المجلسى تحدثنا عنه في هذه الدراسة من قبل، ويبقى تقديرنا وإجلالنا للعالم العابد المجتهد الإمام الصادق، المبرأ مما نسبه إليه هؤلاء الضالون. (٢٤) تفسير ميرزا هادى: قال: ابن السيد على، من احفاد مير كلان الهروى البجستانى الخراسانى الحائرى المعاصر، وهو تكميل لتفسير على بن إبراهيم القمي بإيراد الأحاديث المروية، من طرق العامة - أي غير فرقته - المطابقة لروايات الأئمة المذكورة في تفسير القمي. قلت: وأى روايات تطابق ما جاء في تفسير هذا الضال ما لم تكن من الروايات الموضوعة؟ (٢٥) تفسير آية ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ " ١٢٤: سورة البقرة ":

стр. 597

قال: للمولى محمد رفيع الكيلانى، المتوفى بها سنة ١١٦١، وتفسيره هذا جزء لطيف في الإمامة، وإثبات عصمة الإمام. قلت: ذكرت أقوالهم في هذه الآية الكريمة، وبينت بطلان ما ذهبوا إليه في الجزء السابق، وبينت أن العصمة التي جعلوها لأئمتهم لم يصل إليها خير البشر وهم رسل الله عليهم الصلاة والسلام. (٢٦) تفسير آية ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ " ٦٩: آل عمران ": لميرزا محمد التنكابنى، قال في قصصه إنه يقرب من ألف بيت. قلت: قد يبدو عجيباً أن نورد هذا الكتاب في هذا الموضع، فما علاقة الإمامة بالحديث عن بيت الله الحرام بمكة المكرمة ـ زاده الله تعظيماً وتشريفاً؟! ولكنى وجدتهم يقولون هنا: " وفيه بيان تأويله بكربلاء "! فذكرنى هذا بقول شاعر هؤلاء القوم الذي ذكره صاحب كتاب الأرض والتربية الحسينية: ومن حديث كربلا والكعبة ... بان لكربلا علو الرتبة ولنا أن نسأل: أفيكون التقريب وداره بالقاهرة لنؤمن بهذا الكفر الصراح؟ أم يجب أن يكون في طهران لتنقية عقيدتهم حتى يكونوا مثلنا؟ (٢٧) تفسير آية التطهير ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ " ٣٣: الأحزاب ": ذكر صاحب الذريعة أربعة كتب بهذا العنوان، أحدها فارسى. وقولهم في هذه الآية الكريمة ناقشته بتوسع في الجزء السابق. (٢٨) تفسير آية ""وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى"":

стр. 598

ذكر صاحب الذريعة كتابين بهذا العنوان. قلت: الذي دفعهم للكتابة هو ما روى أن الآية الكريمة وما بعدها نزلت في أبى بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كما روى البزار عن ابن الزبير، والحاكم عن الزبير، وابن أبى حاتم عن عروة. وخير البشر بعد رسول الله ﷺ كما ثبت بالتواتر عن على نفسه ﵄ يعتبر في نظر هؤلاء القوم مغتصباً للخلافة، ولذلك جعلوه تحت الآيات التي تتحدث عن الكفار والمنافقين، والجبت والطاغوت، وأرادوا أن يبعدوا عنه هذه الآيات الكريمة من سورة الليل. (٢٩) تفسير آية الكرسى: لعطاء الله بن محمود الحسينى. قلت: لا يبدو أي نوع من الربط بين آية الكرسى التي يتحدث فيها رب العزة عن نفسه، وبين الإمامة، غير أننى وجدت في الذريعة القول بأن في هذا التفسير دلالة على تشيع المؤلف، وقوة فهمه، وكثرة علمه، وأنه لا يبعد أن يكون من علماء الدولة الصفوية. ورأينا من قبل أن بعض هؤلاء رفع الأئمة لمرتبة الألوهية، كما أننا نعرف ما أصاب الإسلام على يد الدولة الصفوية الشيعية. (٣٠) تفسير آية ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ " ١١٠: آل عمران ": لحسين بن دلدار على. قلت: مر من قبل تحريفهم لهذه الآية الكريمة، حيث ذكروا أنها نزلت هكذا " كنتم خير أئمة ... "، وجعلوها لأئمتهم. *****

стр. 599

هذه بعض كتب التفسير التي ذكرها صاحب الذريعة في الهمزة تحت كلمة " آيات "، وفى التاء تحت كلمتى " تأويل " و" تفسير ". ونجد غير هذه الكتب في مواضع أخرى، فمثلاً نراه يقول في الجزء الرابع ص ٣١٨: " تفسير نور الأنوار ومصباح الأسرار "، و" نور التوفيق "، و" نور الثقلين "، كلها تأتى - أي تأتى في النون. ويقول في الجزء نفسه " ص ٢٦٨ ": " تفسير تنزيل الآيات الباهرة "، وكذا " التنزيل " متعددا، و" التنزيل في أمير المؤمنين "، و" التنزيل من القرآن "، و" التنزيل والتعبير "، يأتى الجميع بعنوان: " التنزيل ". وقال في الجزء الثالث بعد الحديث عن " تأويل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة ": قد ذكرنا في الجزء الأول آيات الأئمة، وآيات الفضائل، والآيات النازلة في فضائل العترة الطاهرة، وآيات الولاية، وغيرها. ويأتى في حرف الميم ما يقرب من عشرين كتاباً من تأليفات قدماء المحدثين، بعنوان ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين، أو في أهل البيت، أو في الحجة، أو في الخمسة وغيرها، وكل واحد من هذه الكتب يصح أن يعد من كتب الحديث، لأنه دون فيه نوع خاص من الأحاديث، أي خصوص ما روى عنهم ﵈ في بيان الآيات التي نزلت في فضائل أهل البيت ﵈ ومناقبهم، ويصح أن يعد من كتب التفسير: لأنه يذكر فيه تفسير تلك الآيات وتأويلها، وشرحها، وبيان المراد منها، ولا سيما مع ترتيب تلك الآيات في أكثر هذه الكتب على ترتيب سور القرآن من سورة فاتحة الكتاب إلى سورة الناس كما هو الترتيب في كتب التفاسير. والداعى إلى إفراد القدماء والمتأخرين هذا النوع من الأحاديث واستقلالها بالتأليف هو تخصيص النصف أو الثلث أو الربع من الآيات الشريفة التي وردت أخبار كثيرة على اختلافها في التعبير بأنها نزلت في أهل البيت ﵈ وشيعتهم ومواليهم

стр. 600

وأعدائهم، وقد أورد الفيض بعضها بالمقدمة الثالثة في أول الصافى، وذكر وجه عدم التنافى بينها، ودون كل منهم ما وصل إليه من هذا النوع من الحديث ليعرف الناس تفاصيلها. قلت: سبق الحديث عن كتاب الصافى، وبيان ما وصل إليه من ضلال وتضليل. وما يقوله صاحب الذريعة هنا يؤكد ما قلته عن صاحب تفسير الصافى وأمثاله من غلاة الشيعة الاثنى عشرية. ومن يقرأ الذريعة يلحق مؤلفها بهؤلاء الغلاة الضالين، وقوله آنفاً خير شاهد. وبعد كل ما سبق أعتقد أن معالم التفسير الشيعى الاثنى عشرى قد اتضحت إلى حد كبير، فدراستنا لستة عشر كتاباً من القرن الثالث إلى العصر الحديث بينت اتجاهات التفسير خلال هذه القرون. ونظرتنا إلى ثلاثين كتاباً مما جاء في كتاب الذريعة، جعلت الصورة أكثر وضوحاً، وهذه الكتب منها ما كان في النصف الأول من القرن الثاني، وهو تفسير أبى الجارود، ومنها ما هو في العصر الحديث. وتفسير أبى الجارود الذي نقله القمي يشير إلى أن حركة التشكيك والتضليل بدأت مع بداية عصر التدوين، والتفاسير الحديثة الكثيرة تشير إلى استمرار هذه الحركة الضالة، وعدم توقفها. وإلى جانب الثلاثين كتاباً، ذكرت إشارة صاحب الذريعة لعشرين كتاباً في موضع واحد، وتعليقه على ما جاء بها، وهذا يدل على ضخامة هذه الحركة الضالة، وربما يعطى السمة الغالبة للتفسير الشيعى، نسأل الله تعالى الهداية والرشاد.

стр. 601

خاتمة الجزء الثاني الحمد لله الذي أعاننا، وهدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله. وبعد أن تم بتوفيق الله ما أردنا من بيان التفسير وأصوله عند أهل السنة، وعند الشيعة الاثنى عشرية، أقدم هنا موجزاً للبحث، وأشير إلى نتائجه. قسمت هذا البحث قسمين: القسم الأول: تحدثت فيه عن التفسير وأصوله عند أهل السنة. والقسم الثاني: جعلته لبيان التفسير وأصوله عند الشيعة. والقسم الأول يضم ثمانية فصول: في الفصل الأول تحدثت عن علم التفسير، وبينت المراد من التفسير والتأويل. وفى الفصل الثاني تحدثت عن تفسير الرسول ﷺ ، فالسنة المطهرة هي المبينة للقرآن الكريم، وجمعت أحاديث التفسير، الصحيح منها والحسن، دون الضعيف والموضوع، فبلغت خمسة وثلاثين، وذكرت بعض الملاحظات في ضوء ما جمعت، وأشرت إلى أن الشيعة أشركوا مع الرسول ﷺ في العصمة من رأوهم أئمة لهم، فجعلوا أقوالهم كأقوال الرسول ﷺ بلا أدنى فرق. وفى الفصل الثالث تحدثت عن تفسير الصحابة، أعلم الناس بالقرآن، وأشرت إلى ما يأخذ حكم المرفوع من تفسيرهم، ثم جمعت بعض ما صح من تفسيرهم، وبينت خصائصه، ثم تحدثت عن التدوين، وأثبت أن كتاب تنوير المقباس ليس صحيح النسبة لابن عباس، ومن الخطأ شيوعه، وطبعه مرات على أنه تفسير

стр. 602

ترجمان القرآن ابن عباس ﵄، وختمت الفصل بإشارة سريعة لموقف الشيعة من ترجمان القرآن ابن عباس ﵄، وختمت الفصل بإشارة سريعة لموقف الشيعة من تفسير الصحابة الكرام. وجعلت الفصل الرابع لتفسير التابعين، فبينت أنهم أكثر حاجة للتفسير من الصحابة، وأشرت إلى مدارس التفسير في عصرهم، وإلى بدء التدوين، ثم تحدثت عن تفسير مجاهد، وبينت خصائص تفسير التابعين من خلال النظر في تفسيره. ثم رأيت أن يكون الفصل الخامس وقفه لبيان أحسن طرق التفسير عند الجمهور، وفى هذه الوقفة بيان لقيمة التفسير المأثور عن التابعين، وحديث عن الإسرائيليات، والتفسير بالرأى، وهو ما كان يلزمنا أن نبينه بعد الحديث عن تفسير التابعين، فأغنت الوقفة عن التكرار. ورأيت أن أنسب ما أثبته في هذا الفصل هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أيضاً ما قاله الحافظ ابن كثير، وحاول الالتزام به في تفسيره. وفى الفصل السادس: تحدثت عن التفسير في القرن الثاني، وبينت منهجه، وتناولت ثلاثة كتب ظهرت في هذا القرن، وهى: تفسير مقاتل بن سليمان، ولم أقف عنده؛ حيث إن مؤلفه مجروح، وتفسير يحيى بن سلام، الذي يعتبر حلقة الاتصال بين القرنين الأول والثالث، ومعانى القرآن للفراء، الذي يعد نموذجاً للتفسير العقلى. والفصل السابع: جعلته للقرن الثالث، وتفسير الطبري، وقد وقفت طويلاً عند شيخ المفسرين الإمام الطبري، وعند كتابه الذي يعتبر أفضل ما كتب في مجال التفسير.

стр. 603

والفصل الثامن أشرت فيه إلى كتب التفسير بعد الطبري. وبينت إمكان الاستغناء عن الوقوف عندها، لا لأنه يطول جداً فقط، ولكن أيضاً لأن التفسير المأثور - بعد الطبري - الذي هو حجة يستمد أساساً من مصدرين رئيسين، هما: كتب الحديث والآثار، وكتاب تفسير الطبري. وكان هذا الفصل ختاماً للقسم الأول في التفسير وأصوله عند أهل السنة. وانتقلت بعد هذا إلى القسم الثاني الذي جعلته للتفسير وأصوله عند الشيعة الاثنى عشرية، وتحت هذا القسم سبعة فصول، تسبق بكلمة تمهيدية فيها إشارة إلى أننى بمراجعة التفسير عندهم، أصوله وكتبه، رأيت أن عقيدتهم في الإمامة كان لها أكبر الأثر في وضع الأصول، وفى تناولهم لكتاب الله العزيز، وأن بيان هذا الأثر يكفى في مجال التفسير المقارن؛ فحيث لا يوجد أثر لعقيدتهم في الإمامة يصبح تفسيرهم كتفسير غيرهم، وبقدر وجود هذا الأثر بقدر افتراقهم عمن سواهم. والفصل الأول جعلت عنوانه: " القرآن الصامت والقرآن الناطق "، حيث جعلوا القرآن الكريم صامتاً لا ينطق! والإمام هو القرآن الناطق، فلا يؤخذ القرآن إلاَّ عن طريقه! والإمام كالنبى في عصمته وعلمه! وأشرت إلى مذهب الإخباريين الذين يقفون عند الأخبار دون إعمال للعقل، والأصوليين منهم الذين خالفوا الإخباريين، وذكرت قول بعضهم بالنسخ بعد عصر النبوة، وأن الحكم يمكن ألاَّ يبين في وقته من باب التقية، أو من باب التدرج في التشريع، فيمكن - بحسب زعمهم - ألاَّ يبين الرسول ﷺ بعض الأحكام، ويتركها لأئمتهم الاثنى عشر لبيانها في وقتها المناسب!! هكذا زعموا!

стр. 604

والفصل الثاني جعلته للظاهر والباطن، فأشرت إلى الخلاف عندهم حول حجية الظواهر، وإلى اللجوء للتأويل تأييداً للعقيدة، وإلى حقيقة الباطن عندهم، وقرب قولهم من الإسماعيلية الباطنية، وبعده عن قول الجمهور، ثم أشرت إلى قولهم بأن ثلث القرآن، أو ربعه، في الأئمة، وثلثه، أو ربعه، في مخالفيهم! والفصل الثالث أو جزت فيه الحديث عن قول غلاتهم بتحريف القرآن الكريم، فبينت سبب لجوئهم لهذا القول، حيث عز عليهم أن يخلو كتاب الله المجيد من ذكر أئمتهم وعقيدتهم، وتحثدت عن أشهر كتاب عندهم في هذا المجال، وهو " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب "، وذكرت بعض أسماء القائلين بالتحريف، ويدخل فيهم - بكل أسف - أكبر علمائهم الأعلام! كالقمى، صاحب كتاب من أهم كتب التفسير عندهم، يرون صحة كل ما جاء به، وتلميذه الكلينى، صاحب الكافى، كتاب الحديث الأول عندهم كالبخارى عندنا، والعياشى، وغيرهم. وبينت أن من أنفسهم من - الشيعة تصدوا لحركة الغلاة قديماً وحديثاً، غير أن المحدثين منهم وقعوا في تناقض عجيب أشرت إليه. وبدأت بعد هذا في دراسة كتب التفسير الشيعى، فجعلت الفصل الرابع لكتب القرن الثالث، وهى أقدم كتب وصلت إليها، وتغنى عما سبقها: مثال هذا تفسير أبى الجارود الذي يعدونه تفسير الإمام الباقر - وحاشاه، والذى كان في أواخر القرن الأول وأوائل الثاني، هذا التفسير لم أعثر عليه، غير أن القمي في القرن الثالث نقله في تفسيره. وتحدثت في هذا الفصل عن ثلاثة كتب: الكتاب الأول: تفسير الحسن العسكرى، وهو يمثل الغلو والضلال والخرافات، فهو يكفر الصحابة الكرام، وعلى الأخص أبو بكر وعمر، ويتهمها والصحابة بالنفاق والكذب إلى جانب الكفر، ويذكر أن منكر ولاية على كافر،

стр. 605

وأن موسى دعا لهذه الولاية، ويذكر أن علياً له معجزات كثيرة، ويأتى بقصص خرافية لا تصلح إلاَّ للأطفال ليبين ما زعمه من معجزات، ثم يصدر صكوك الغفران لمن آمن بخرافاته وضلاله وسار خلفه في ظلمات هذا الكفر. ولذلك ذكرت تنزيه الإمام العسكرى - فيما أرى - من أن يكون صاحب هذا الكتاب، وأشرت إلى أن هذا الرأى يراه أيضاً بعض الشيعة، ولكن شيعة الأمس واليوم منهم من يرى صحة نسبة الكتاب للإمام! ولو صحت النسبة لقلنا بكفره لا بإمامته. والكتاب الثاني هو تفسير القمي، وقد أطلت الوقوف عند هذا الكتاب، فله ولصاحبه المنزلة العليا عند الشيعة، غلاتهم ومعتدليهم، الإخباريين والأصوليين، في عصرنا وما قبله، وهذا أمر نجد له ما يبرره عند الغلاة الضالين، ولكن لم نجد له تفسيراً عند المعتدلين نسبيا ودعاة التقريب. فالكتاب محشو بتحريف القرآن الكريم نصاً ومعنى، تنزيلاً وتأويلاً، والطعن في الصحابة، وجعل الأئمة هم المراد من كلمات الله البينات، وما يتصل بعقيدة الإمامة كالرجعة، ونزول الوحى على الأئمة وعلمهم للغيب. وفى أسباب النزول يزعم تحالف الصحابة مع إبليس، ويشير إلى البيعة يوم الغدير، ومصير من غصبوا الولاية بزعمه، وأن القائم سيطالب بدم الحسين، ويجعل حادث الإفك اتهاماً لأم المؤمنين لا تبرئة إلهية لها، ونراه يحيل كتاب الله تعالى إلى كتاب في التاريخ للشيعة الاثنى عشرية، فترى أصحاب الجمل والبصرة، وتسمع عن بنى أمية وبنى السباع؛ أي العباس، والاتفاق على قتل علىّ، وكفر أصحاب بيعة الرضوان، وتجد الحديث عن الفرق الأخرى، وعن القائم وجيش السفيانى. ثم تراه يسلك طرقاً مختلفة للتغرير بضعاف العقول، وإضلال خلق الله من جهلة القوم.

стр. 606

وهذا الكتاب الذي جمع كل هذه المصائب والرزايا يعتبر من أهم مصادر التفسير المأثور عند الشيعة الاثنى عشرية، فانظر وتأمل وقارن!! وهو الذي وقع في أيدى المستشرقين فاتخذوه سلاحاً لضرب الإسلام، والطعن في المعجزة الكبرى، ومع هذا فصاحب التفسير ينتسب للإسلام!! والكتاب الثالث هو تفسير العياشى، وهذا الكتاب كسابقه منزلة ومنهجاً وأهدافاً، وقد بينت هذا. وبعد الفصل الرابع جعلت الفصل الخامس لتفسير التبيان للطوسى، وتفاسير الطبرسي. والطوسى والطبرسى يمثلان جانب الاعتدال النسبى والبعد عن الغلو إلى حد ما بينت أصول التفسير عندهما، والفرق بينهما وبين الجمهور، ومع الاعتدال النسبى، ظهر أثر الإمامة في اللجوء للتأويل استدلالاً للعقيدة، وفى ذكرهما للقراءات الموضوعة والشاذة ذات الصلة بالمذهب، وفى روايتهما لأسباب النزول، وفى جعلهما الأئمة هم المراد من كلمات الله تعالى عند تأويل بعض الآيات، ورأيت أن شيخ الطائفة الطوسى أكثر اعتدالاً وأقل غلواً من الطبرسي. والفصل السادس جعلته للحديث عن كتب التفسير بعد الطوسى والطبرسى، تحدثت فيه عن عشرة كتب تمثل الاتجاهات المختلفة للتفسير، فبعد الطوسى والطبرسى وجدنا منهم من يسير في طريق الغلو والضلال، ويستمد التفسير من كتب القرن الثالث الثلاثة، وما شابهها ككتاب الكافى للكلينى، ومنهم من سلك طريق الاعتدال النسبى والبعد عن الغلو والتطرف إلى حد ما ومنهم من اقترب من أحد الطريقين مبتعداً عن الآخر. والكتب العشرة تبين هذه الاتجاهات، وثلاثة منها تبين اتجاه التفسير في العصر الحديث.

стр. 607

وختمت هذا القسم بالفصل السابع الذي خصصته لنظرة عامة لباقى كتب التفسير من خلال كتاب " الذريعة إلى تصانيف الشيعة "، وذلك حتى نستكمل ما أردنا بيانه. وجدت في الذريعة عشرات من كتب التفسير الشيعى يدل العنوان نفسه على غلو المؤلف وضلاله، وكتباً أخرى يظهر فيها هذا الأثر عندما يتحدث عنها صاحب كتاب الذريعة. وهذا القدر الهائل من الكتب الضالة يشير إلى ضخامة حركة الغلاة، ومدى تأثيرها في الوسط الشيعى الاثنى عشرى، بل ربما يعطى السمة الغالبة للتفسير الشيعى، وقد أشرت لهذا في ختام الفصل. بعد هذا كله أعتقد أن الصورة أصبحت واضحة تماماً، ولسنا في حاجة إلى مزيد بيان. ومما أمرنا بتلاوته: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ( " ٨٩: الأعراف "

стр. 608

الجزء الثالث في الحديث وعلومه وكتبه ورجاله . مقدمة الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والحمد لله الذى لا يؤَّدى شكرُ نعمة من نعمه إلا بنعمة منه توجب على مؤدِّى ماضي نعمه بأدائها: نعمة حادثة يجب عليه شكره بها. ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته الذى هو كما وصف نفسه وفوق ما يصفه به خلقه. أحمده حمداً كما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله، وأستعينه استعانة من لاحول له ولا قوة إلا به، وأستهديه بهداه الذى لا يضل من أنعم به عليه، وأستغفره لما أزلفت وأخرت. استغفار من يقر بعبوديته ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو. وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله (١) . وبعد: فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا الذى يبين حقيقة الشيعة الاثنى عشرية، حيث كان الجزء الأول دراسة مقارنة في عقيدة الإمامة والعقائد التابعة، وكان الجزء الثانى في التفسير المقارن وأصوله، وجاء هذا الجزء ليتناول الحديث وعلومه وكتبه، وقسمت هذا الجزء إلى قسمين: القسم الأول: في الحديث وعلومه عند الجمهور القسم الثانى: في الحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة والقسم الأول يضم عشرة فصول: الفصل الأول: وضحت فيه ما جاء في القرآن الكريم بينا لا يحتاج إلى بيان، وما جعل بيانه للرسول ﷺ ، فكان الفصل تحت عنوان " بيان الكتاب والسنة ". والفصل الثانى عنوانه " السنة وحى "، وقد أثبت هذا.

стр. 609

والفصل الثالث لبيان " اعتصام السلف بالسنة "، فذكرت من الأخبار الصحيحة ما يبين هذا الاعتصام. والفصل الرابع عن " تدوين السنة " وبينت فيه أن من السنة المشرفة ما وصلنا مدوناً في عهد الرسول ﷺ ، ومنها ما دون في عهد الصحابة رضى الله تعالى عنهم والتابعين لهم بإحسان إلى أن بدأ التدوين الرسمى بأمر خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ـ– رضى الله تعالى عنه. ثم جاء عصر التدوين في منتصف القرن الثانى الهجرى، ووصلنا من كتب القرن الثانى بعض الكتب، ثم كان القرن الثالث العصر الذهبى لتدوين السنة المطهرة، وكثير مما دون في القرنين الأول والثانى مما لم يصلنا جاءنا عن طريق ما دون في القرن الثالث. وفى الفصل الخامس تحدثت عن " الجرح والتعديل "، فبينت الأسس العلمية التي قام عليها الجرح والتعديل عند جمهور المسلمين، ونقلت آراء الأئمة الأعلام، وما جاء في أول كتب ألفت في هذا الموضوع، وبينت موقف الجمهور من الفرق المختلفة. وفى الفصل السادس نقلت " حوار الإمام الشافعى لفرقة ضلت " حيث أنكرت العمل بالسنة المطهرة، والاكتفاء بالقرآن الكريم، وشككت في حجية السنة، وانتهى الحوار بإبطال شبهات هذه الفرقة، وتسليم من حاوره الإمام الشافعى بصحة ما قاله الإمام. وفى الفصل السابع أشرت إلى ضلال الطاعنين في السنة الذين جاءوا " بعد الإمام الشافعي "، وعلى الأخص في القرنين الثالث والرابع. ولم أرد استقصاء واستيعاب حركات التشكيك والتضليل في كل العصور، فهذا أمر يطول جداً، ويكفى فيه النماذج، ولذلك جعلت الفصل الثامن لما وجد " في عصر السيوطى "، حيث تحدث الإمام السيوطى عن الطاعنين في عصره من

стр. 610

الزنادقة والرافضة، فألف كتابه " مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة " للرد على هؤلاء الضالين المضلين. ثم جعلت الفصل التاسع تحت عنوان " الطاعنون في العصر الحديث " فبينت أصناف هؤلاء الضالين، ومدى خطر كل طائفة. وختمت هذا القسم بالفصل العاشر، أشرت فيه إلى راوية الإسلام، وأحفظ من روى الحديث في دهره، وهو " أبو هريرة ". رضى الله تعالى عنه، حيث وجدنا المستشرقين، وتلامذتهم من العلمانيين، وكذلك الزنادقة والرافضة، كل هؤلاء الذين أرادوا هدم الإسلام من أساسه أخذوا يطعنون في هذا الصحابى الجليل الذى حفظ لنا سنة رسولنا ﷺ وتركت الحديث عنه للبحث الملحق بهذا الجزء، وهو بحث: السنة بيان الله تعالى على لسان رسوله ﷺ . ثم انتقلت إلى القسم الثانى الذى تناول الحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة، ويضم ستة فصول في الفصل الأول تحدثت عن " التدوين عند الشيعة "، فبينت انقسام الشيعة إلى عدة فرق عند موت كل إمام، وكل فرقة كانت تضع من الأحاديث ما تؤيد به عقيدتها، وما كانت أية فرقة تستطيع أن تضع أحاديث في إمام لم يولد بعد، فإنها لا تعلم الغيب مهما زعم الزاعمون من غلاة وزنادقة هذه الفرق. وعند موت الإمام الحسن العسكرى، وهو الحادى عشر، ولم يعرف له ولد، ولم يترك عقبا، وقسمت تركته، انقسم الشيعة عندئذ إلى أكثر من عشر فرق، وكلها وضعت عقيدتها على أساس عدم وجود ولد للحسن العسكرى ما عدا فرقة واحدة مع فرقة الشيعة الاثنى عشرية، حيث زعمتا أن له عقبا، وقالت الاثنا عشرية مقالتها في الإمام الثانى عشر، وهو ما بينته في الجزء الأول من هذا الكتاب.

стр. 611

انتهيت من هذا الفصل إلى أن جميع الأخبار التي تذكر أسماء الأئمة الاثنى عشر كلها وضعت واختلقت بعد موت الإمام العسكرى، ووجدت أن الواقع العملى يؤيد ما انتهيت إليه حتى بالنسبة لما يعرف عندهم بالأصول الأربعمائة، وهى تسبق كتبهم الأربعة التي ألفت في القرنين الرابع والخامس. وانتقلت إلى الفصل الثانى، وعنوانه " الجرح والتعديل عند الشيعة والرافضة "، وأردت من هذا العنوان أن نفرق بين معتدلى الشيعة وغلاة الرافضة. فمن أوائل الكتب كتاب " علوم الحديث " للحاكم المعروف بتشيعه، وبالنظر في الكتاب وجدنا الحاكم يتفق مع جمهور المسلمين، ومثله من الشيعة النسائى صاحب السنن، وابن عبد البر، وغيرهم. أما الرافضة، الذين رفضوا الإمام زيد بن على بن الحسين لثنائه على الشيخين أبى بكر وعمر، واعترافه بإمامتهما، هؤلاء الرافضة تأثروا بعقيدتهم الباطلة في الإمامة فربطوا الجرح والتعديل بموقف الرواة من عقيدتهم، ولذلك جرحوا وفسقوا جمهور الصحابة الكرام، بل وصل الأمر إلى تكفير خير البشر بعد رسول الله ﷺ وهم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق، وتكفير أمة الإسلام التي اعترفت بإمامتهما واقتدت بسنتهما بعد سنة رسول الله ﷺ ، وذكرت من كتب الجرح والتعديل عند هؤلاء الرافضة ما يبين ضلالهم، بل كفرهم وزندقتهم. والفصل الثالث تناول " مفهوم السنة عندهم "، وهو يختلف عما أجمعت عليه الأمة، حيث إنهم أشركوا مع رسول الله ﷺ غيره من أئمتهم، وجعلوا أقوالهم وأفعالهم كالمعصوم ﷺ دون أدنى فرق، فهم يرونهم معصومين كالرسول ﷺ ، سواء أكان من اعتبروه إماماً كبيراً أم صغيراً، أم لا يزال طفلا في الخرق

стр. 612

يلهو ويعبث كما يلهو الأطفال ويعبثون، فلهوه وعبثه سنة تشريعية ملزمة لأمة محمد ﷺ كالقرآن الكريم!! " انظر كيف يفترون على الله الكذب "!! والفصل الرابع تحدثت فيه عن " مراتب الحديث "، وهى عندهم أربعة: الصحيح والحسن والموثق والضعيف، وكلها مبنية على آرائهم الضالة في الجرح والتعديل. والفصل الخامس تحدثت فيه عن " التعارض والترجيح "، وهو يوضح أسباب ابتعاد هذه الفرقة الضالة عن الأمة الإسلامية، حيث يرجحون ما خالف الأمة وإن وافق الكتاب والسنة، ويعتبرون الأخذ بما خالف جمهور المسلمين رشداً، بل من علامات الإيمان! وبينت من قبل مفهوم الإيمان والكفر عند هؤلاء الرافضة أتباع عبد الله بن سبأ لعنه الله تعالى، وسيأتى لهذا مزيد بيان في هذا الجزء والجزء الذى يليه. أما الفصل السادس، وهو الفصل الأخير في هذا القسم فتحدثت فيه عن " الكتب الأربعة "، أى المعتمدة عندهم، وهى: الكافى للكلينى، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، والتهذيب والاستبصار للطوسى. ولما كان الكافى هو الكتاب الأول عندهم أشبه بصحيح البخارى عند المسلمين، وهو يشتمل على الأصول والفروع، ويقع في ثمانية أجزاء، أما الكتب الثلاثة الأخرى فتقتصر على الفروع فقط دون الأصول، فلذلك رأيت أن يكون الحديث أولاً عن الجزء الأول من أصول الكافى، وثانياً عن الجزء الثانى من أصول الكافى، وثالثاً عن روضة الكافى، ثم أخيراً يكون الحديث عن فروع الكافى والكتب الثلاثة الأخرى. وهذه الكتب الأربعة كتبت بعد عصر الأئمة الاثنى عشر في ظلمات عقيدتهم الباطلة، وقد بينت الدراسة ما في هذه الكتب من باطل وزيغ وضلال وعلى الأخص كتابهم الأول حيث سلك الكلينى منهج شيخه على بن إبراهيم القمى في

стр. 613

تحريف القرآن الكريم، وتكفير الصحابة الكرام، وعلىالأخص أبو بكر وعمر خير البشر بعد الرسول ﷺ ، ومن تولاهما ورضى بخلافتهما الراشدة. والقارئ لهذا القسم يعجب أشد العجب لوجود مثل هذا الزيغ والضلال والزندقة لفرقة تنتمى إلى الإسلام، وتبذل أقصى ما تستطيع لنشر هذا الفساد بين المسلمين. وبقراءة هذا الجزء بقسميه يبدو واضحاً جلياً بيناً الفرق بين المنهج العلمي للجمهور في الحديث وعلومه ومنهج غلاة الرافضة وزنادقتهم، ويشترك مع الجمهور معتدلو الشيعة من غير الرافضة. ويبقى بعد هذا أصول الفقه وهو ما نتحدث عنه في الجزء الرابع إن شاء الله تعالى. " سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين ".

стр. 614

القسم الأول الحديث وعلومه عند الجمهور

стр. 615

الفصل الأول: بيان الكتاب والسنة نزل القرآن الكريم مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة، قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾ (١) والرسول ﷺ عندما يقرأ القرآن الكريم على الناس فإنما يقرأ ويبين مراد الله تعالى. وكان منهج الصحابة رضى الله تعالى عنهم كما قال ابن مسعود " كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نعلم ما بهن ونعمل بهن فتعلمنا العلم والعمل جميعاً "، وكانوا يأخذون عن الرسول ﷺ ما يخفى عليهم من هذا العلم. وفى العهد المكى الذى نزلت فيه سورة الإسراء نزل قوله تعالى في الآية التاسعة والثمانين من سورة النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾. وفى الآية الرابعة والأربعين من سورة النحل أيضاً نزل قوله : ﴿أنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فما البيان الذى جاء به القرآن الكريم؟ وما بيان الرسول ﷺ ؟ وما العلاقة بين البيانين؟ أولاً: من القرآن ما جاء البيان نصا لا يحتاج إلى بيان آخر: كقوله ﵎: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢).

стр. 616

فحرف الواو كما يأتى للجمع قد يأتى للإباحة، فيحتمل أن يكون المتمتع مخيراً بين صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فمنع هذا الاحتمال بمزيد من البيان ... " تلك عشرة كاملة " ومثل هذه الآية الكريمة ما يعرف في أصول الفقه: بالمحكم أو المفسر إذا كان التفسير من القرآن الكريم نفسه وهو كثير، وما كان قطعى الدلالة لا يحتمل التأويل وهو أكثر. ثانياً: في الآية الكريمة السابقة الذكر ذكر العمرة والحج، ولكن كيف نؤديهما؟ وفى قوله ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ بيان أن الصلاة مفروضة، وأن الزكاة مفروضة ولكن ما عدد الصلوات المفروضة؟ وكيف تؤدى؟ وما مواقيتها؟ إلى غير ذلك مما يتعلق بالصلاة، وكذلك ما يتعلق بالزكاة. كل هذا بينه الله على لسان نبيه ﷺ ، فأنزل الله – الذكر بإحكام الفرض وترك للرسول ﷺ بيان ما أنزل. وهذا أمر واضح جلى لا يحتاج إلى وقفة فلا يستطيع أحد أن ينكره. ومثل هذا بيان ما كان ظنى الدلالة محتملاً للتأويل: كمطلق يقيد وعام يخصص إلى غير ذلك مما هو معلوم مشهور. ثالثاً: جاءت السنة المطهرة بما ليس فيه نص من كتاب الله ﵎، وبيان الرسول ﷺ إنما هو عن الله تعالى، فقد بين القرآن الكريم وجوب طاعة الرسول ﷺ " فكل من قبل عن الله فرائضه فى كتابه: قبل عن رسول الله سننه بفرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه. ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل لما افترض الله من طاعته. فيجمع القبول لما في كتاب الله ولسنة رسول الله القبول لكل واحد منهما عن الله وإن تفرقت فروع الأسباب التي قبل بها عنهما " (١) .

стр. 617

والآيات الكريمة التي تبين وجوب طاعة الرسول ﷺ ، وأنها من طاعة الله ، وتحذر من مخالفة أمر الرسول ﷺ هذه الآيات كثيرة نكتفى هنا بذكر بعضها. القرآن الكريم يأمر بطاعة الرسول ﷺ ويحذر من معصيته. قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ " الحشر: ٧ " ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ ... تَأْوِيلاً﴾ " النساء: ٥٩ " ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ " الأحزاب: ٣٦ " ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ " النساء: ٨٠ " ﴿إِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ " الفتح: ١٠ " ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ " النساء: ٦٥ "

стр. 618

﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ... " النور: ٦٣ " ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ... " النور: ٥١، ٥٢ " فهذه الآيات الكريمة فرضت طاعة الرسول ﷺ : مقرونة بطاعة الله ، ومذكورة وحدها، وحذرت من يعصى أمر رسول الله وحكمت عليه بالضلال المبين وبعدم الإيمان، فطاعة الرسول الكريم طاعة الله ﵎. إذن بيان السنة من بيان كتاب الله العزيز.

стр. 619

الفصل الثاني: السنة وحي ولا يكون مثل هذا للرسول ﷺ إلا إذا كان معصوماً لا ينطق عن الهوى، وهو ما بينه القرآن الكريم حيث قال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣ - ٤:النجم) . وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ (٥٢ - ٥٣: الشورى) . وفى آيتين كريمتين إحداهما تخاطب الرسول ﷺ والأخرى تخاطب المؤمنين جاء البيان بأن الله أنزل الكتاب والحكمة، وسيأتى في كلام للإمام الشافعى إثبات أن الحكمة هي السنة، والآيتان هما قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (١١٣: النساء) ، وقوله : ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٢٣١: البقرة) . وإذا كان القرآن الكريم وحياً منزلا أمرنا باتباعه والتعبد به وتلاوته فإن السنة المطهرة من الوحى المنزل الذى أمرنا باتباعه دون التعبد والتلاوة. وروى عن الرسول ﷺ ما يبين وجوب طاعته ويحذر من معصيته. فقد روى أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجة والحاكم أن الرسول ﷺ قال: " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدرى ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه " وفى رواية لهم أيضاً " يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثى فيقول:

стр. 620

بينى وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه. وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله " (١) . وفى خطبته الشريفة في حجة الوداع حث على التمسك بالكتاب والسنة حيث قال: " وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً أمرا بينا كتاب الله وسنة نبيه (٢) . وروى أبو داود في مراسيله عن حسان بن عطية قال: " كان جبريل ﵁ ينزل على رسول ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن " (٣) . وروى الدارمى عن محمد بن كثير عن الأوزاعى عن حسان قال: " كان جبريل ينزل على النبى ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن " (٤) .

стр. 621

ورواه الخطيب البغدادى في الكفاية (ص١٢) بسنده عن حسان بن عطية أيضاً.

стр. 622

الفصل الثالث: اعتصام السلف بالسنة كان السلف الصالح متمسكاً بسنة الرسول ﷺ تمسكهم بالقرآن الكريم، فالكل وحى واجب الاتباع. ففى صحيح البخارى نجد كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ومما جاء في هذا الكتاب: " وكانت الأئمة بعد النبى ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبى ﷺ ". ويوضح ما سبق ما رواه الإمام الدارمى في باب التورع عن الجواب فيما ليس في كتاب ولا سنة: من هذه الروايات أن أبا بكر الصديق - رضى الله تعالى عنه - كان إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضى بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى به، فأن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتانى كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله فيه قضاء فيقول أبو بكر: الحمد لله الذى جعل فينا من يحفظ عن نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به. وموقف الصديق من ميراث الجدة معلوم مشهور حيث توقف " لا أجد لك في كتاب الله شيئاً " إلى أن بلغه حكم رسول الله ﷺ فأعطاها السدس.

стр. 623

من روايات سنن الدارمى أيضاً أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كتب إلى شريح: إذا جاءك شئ في كتاب الله فاقض به ولا يلتفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به. ومنها أن ابن عمر لقى جابر بن زيد فقال له: يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت. ومنها أن عبد الله بن مسعود قال: أتى علينا زمان لسنا نقضى ولسنا هناك، وأن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون، فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما في كتاب الله ، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به رسول الله، فإن جاءه ما ليس فى كتاب الله ولم يقض به رسول الله فليقض بما قضى به الصالحون. ومما يبين ما جاء في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيح البخارى ما رواه هو ومسلم وأحمد وغيرهم أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: أذكر الله امرأ سمع من النبى ﷺ في الجنين شيئا؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين جارتين لى –ـ يعنى ضرتين ـ فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول ﷺ بغرة، فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره. وقال غيره: إن كدنا أن نقضى في مثل هذا برأينا. وروى الإمام الشافعى بسنده عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمس عشرة وإلى التي تليها بعشر، وفى الوسطى بعشر، وفى التي تلى الخنصر بتسع، وفى الخنصر بست. ثم قال الشافعى: لما كان معروفاً - والله أعلم - عند عمر أن النبى قضى في اليد بخمسين، وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع، نزلها منازلها، فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، فهذا قياس على الخبر.

стр. 624

فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم، فيه: أن رسول الله قال: " وفى كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل " صاروا إليه. ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم - والله أعلم - حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله. وفى الحديث دلالتان: أحدهما: قبول الخبر، والآخر: أن يقبل الخبر في الوقت الذى يثبت فيه، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبرالذى قبلوا. ودلالة على أنه لو مضى أيضاً عمل من أحد من الأئمة ثم وجد خبر عن النبى ﷺ يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله. ودلالة على أن حديث رسول الله يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده. ولم يقل المسلمون قد عمل فينا عمر بخلاف هذا بين المهاجرين والأنصار، ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه ولا غيركم، بل صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله وترك كل عمل خالفه. ولو بلغ عمر هذا صار إليه، إن شاء الله كما صار إلى غيره فيما بلغه عن رسول الله، بتقواه لله، وتأديتة الواجب عليه، في اتباع أمر رسول الله وعلمه، وبأن ليس لأحد مع رسول الله أمر، وأن طاعة الله فى اتباع رسول الله. ثم أيد الإمام الشافعى قوله السابق فروى بسنده أن عمر بن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا، حتى أخبره الضحاك ابن سفيان أن رسول الله كتب إليه: أن يورث امرأة أشيم الضبابى من ديته، فرجع إليه عمر (١) . ولمكانة السنة عند الصحابة الكرام وجدنا منهم من يرحل لطلب حديث واحد:

стр. 625

روى البخارى في الأدب المفرد بسنده عن ابن عقيل، أن جابر بن عبد الله حدثه أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبى ﷺ ، فابتعت بعيرا، فشددت إليه رحلى شهرا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فبعث إليه أن جابرا بالباب. فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم. فخرج فاعتنقنى. قلت: حديث بلغنى لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت.. إلخ (١) . وروى الحميدى في مسنده (١ / ١٨٩) وبسنده عن عطاء بن أبى رباح: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ ، لم يبق أحد سمعه من رسول ﷺ غيره وغير عقبة. فلما قدم أتى منزل مسلمة بن مخلد الأنصارى وهو أمير مصر، فأخبر به، فعجل وخرج إليه فعانقه، ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيرى وغير عقبة، فابعث من يدلنى على منزله. فقال: فبعث معه من يدله على منزل عقبة، فأخبر عقبة به، فعجل فخرج إليه فعانقه وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال حديث سمعته من رسول الله ﷺ ولم يبق أحد سمعه غيرى وغيرك في ستر المؤمن. فقال عقبة: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من ستر مؤمنا في الدنيا على خزيه ستره الله يوم القيامة ". فقال له أبو أيوب: صدقت، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة فما أدركته جايزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر. هذان مثلان فيهما من الدلالة ما يكفى ويغنى، والرحلة في طلب الحديث معلومة مشهورة.

стр. 626

الفصل الرابع: تدوين السنة من المعلوم أن الرسول ﷺ نهى عن كتابة أحاديثه الشريفة، وأنه كذلك أباح، وأمر بمثل هذه الكتابة، وبالطبع لا يمكن أن يجتمع النهى والإباحة والأمر مع اتحاد الزمان والأحوال. والمتتبع لهذا يجد أن النهى صدر في أول الأمر حتى لا يختلط شىء بكتاب الله تعالى كما يبدو، أو لأية حكمة أخرى. والصحيح في النهى ينحصر في حديث واحد رواه الإمام مسلم في كتاب الزهد من صحيحه، تحت باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، ورواه بسنده، عن أبى سعيد الخدرى، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تكتبوا عنى، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه، وحدثوا عنى ولا حرج، ومن كذب على - قال همام: أحسبه قال متعمداً: فليتبوأ مقعده من النار ". وقال الإمام النووى في شرح الحديث الشريف: قوله ﷺ : " لا تكتبوا عنى غير القرآن ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه " قال القاضى: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم: فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم. ثم أجمع المسلمون على جوازها، وزال ذلك الخلاف. واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهى، فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لايوثق بحفظه، كحديث " اكتبوا لأبى شاه "، وحديث صحيفة على رضى الله عنه، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذى فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة، ونصب الزكاة الذى بعث به أبو بكر رضى الله عنه أنسا رضى الله عنه حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبو هريرة أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب، وغير ذلك من الأحاديث، وقيل: إن حديث النهى منسوخ بهذه الأحاديث، وكان

стр. 627

النهى حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة. وقيل: إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة والله أعلم " (١) . والأحاديث التي أشار إليها الإمام النووى جاءت بعد حديث النهى عن الكتابة، ومن هنا قيل بالنسخ، ولذلك عندما ورد الحديث في مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذرى عقب الشيخ الألبانى بقوله: " هذا منسوخ بأحاديث كثيرة فيها الأمر بكتابة الحديث النبوى " (٢) . والرامهرمزى الذى ولد في النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى، وتوفى سنة ٣٦٠ هـ، تحدث عن التدوين في كتابه المحدث الفاصل بين الراوى والواعى (ص ٣٦٣: ٤٠٢) تحت عنوان " باب الكتاب " وذكر بإسناده ستة أحاديث. أولها عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " إن الله تعالى حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلى، وإنما أحلت لى ساعة من نهار، وأنها لا تحل لأحد كان بعدى، لا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفتدى، وإما أن يقتل فقال العباس: إلا الأذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال: " إلا الأذخر ". فقام أبو شاه - رجل من أهل اليمن - فقال: اكتبه لى يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : " اكتبوا لأبى شاه ". قال المديد: قلت للأوزاعى: ما قوله اكتبوا لأبى شاه؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول ﷺ .

стр. 628

أما باقى الأحاديث فكلها عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضى الله تعالى عنهما، وهى: ١ ـ قلت: يا رسول الله، أقيد العلم؟ قال: " نعم "، قلت: وما تقييده؟ قال: " الكتاب ". ٢ ـ قلت: يا رسول الله، أكتب ما أسمعه منك؟ قال " نعم " قلت: في الغضب والرضا؟ قال: " نعم، فإنى لا أقول إلا حقا " ٣ ـ قلنا: يا رسول الله، إنا نسمع منك أشياء لا نحفظها، أفلا نكتبها؟ قال: " بلى فاكتبوها ". ٤ ـ عن النبى ﷺ قال: " قيدوا العلم بالكتاب ". ٥ ـ قلت: يا رسول الله، إنى أسمع منك الشئ أفأكتبه؟ قال: " نعم فاكتبه " قلت: إنك تغضب وترضى؟ قال: " إنى لا أقول في الرضا والغضب إلا حقا" (١) . والحديث الأول ـ حديث أبى هريرة ـ أخرجه الإمام البخارى في كتاب العلم، باب كتابة العلم، وفيه أخرج ثلاثة أحاديث أخرى، أحدها عن أبى جحفة قال: قلت لعلى: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما فى هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر. وأخرج عن أبى هريرة ـ رضى الله عنه قوله: ما من أصحاب النبى ﷺ أحد أكثر حديثاً عنه منى، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب. والحديث الرابع في الباب جاء عن ابن عباس -رضى الله عنهما - قال: لما اشتد بالنبى ﷺ وجعه قال: " ائتونى أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ".

стр. 629

ومن المعلوم المشهور كتابة عبد الله بن عمرو التي أشار إليها أبو هريرة، وصحيفته " الصادقة " التي أخذها من في رسول الله ﷺ . وفى أحاديث عبد الله بن عمرو من مسند الإمام أحمد نجد أربع روايات صحيحة تثبت هذه الكتابة، منها قوله: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله ﷺ ، أريد حفظه، فنهتنى قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شىء تسمعه من رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ بشر، يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: " اكتب، فوالذى نفسى بيده ما خرج منى إلا حق " (١) وفى رواية: " ما خرج منه إلا حق " (٢) . وفى رواية ثالثة: " فإنه لا ينبغى لى أن أقول في ذلك إلا حقاً " (٣) . وفى الأخيرة من الروايات الصحيحة: ".... فإنى لا أقول فيهما إلا حقا " (٤) وعقب الشيخ أحمد شاكر على الحديث الأول ببيان صحته، وذكر ما يتصل بتخريجه، ثم انتقل للحديث عن الكتابة في عهد الرسول ﷺ ... ، فاكتفى بإثبات ما قاله ابن القيم في تعليقه على اختصار المنذرى لسنن أبى داود، وهو ما يأتى: - " قد صح عن النبى ﷺ النهى عن الكتابة والإذن فيها. والإذن متأخر، فيكون ناسخا لحديث النهى، فإن النبى ﷺ قال في غزاة الفتح: اكتبوا لأبى شاه، يعنى خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها، وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهى، لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته وهى الصحيفة التي

стр. 630

كان يسميها الصادقة. ولو كان النهى عن الكتابة متأخرا لمحاها عبد الله، لأمر النبى ﷺ بمحو ما كتب عنه غير القرآن. فلما لم يمحها وأثبتها دل أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهى عليها، هذا واضح والحمد لله. وقد صح عن النبى ﷺ أنه قال لهم في مرض موته: ائتونى باللوح والدواة والكتف، لأكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا. وهذا إنما يكون كتابة كلامه بأمره، وإذنه. وكتب النبى ﷺ لعمرو بن حزم كتابا عظيما، فيه الديات وفرائض الزكاة وغيرها. وكتبه في الصدقات معروفة مثل كتاب عمر بن الخطاب، وكتاب أبى بكر الصديق الذى دفعه إلى أنس رضى الله عنه. وقيل لعلى: هل خصكم رسول الله ﷺ بشئ؟ فقال: لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا ما في هذه الصحيفة، وكان فيها العقول، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. وإنما نهى النبى ﷺ عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام، لئلا يختلط القرآن بغيره، فلما علم القرآن وتميز، وأفرد بالضبط والحفظ، وأمنت عليه مفسدة الاختلاط، أذن في الكتابة. وقد قال بعضهم: إنما كان النهى عن كتابة مخصوصة، وهى أن يجمع بين كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة، خشية الالتباس. وكان بعض السلف يكره الكتابة مطلقا. وكان بعضهم يرخص فيها حتى يحفظ، فإذا حفظ محاها. وقد وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها. ولولا الكتابة ما كان بأيدينا اليوم من السنة إلا أقل القليل ا. هـ. وفى مقدمة ابن الصلاح (ص ٨٧) جاء عنوان: " في كتاب الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده ". وقال: " اختلف الصدر الأول - رضى الله عنهم - في كتابة الحديث، فمنهم من كره كتابة الحديث والعلم، وأمروا بحفظه، ومنهم من أجاز ذلك. وممن روينا عنه كراهة ذلك: عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى، وأبو سعيد الخدرى في جماعة آخرين من الصحابة والتابعين ".

стр. 631

وذكر حديث أبى سعيد الخدرى، وقال: " وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعله: على، وابنه الحسن، وأنس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص في جمع آخرين من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم أجمعين. ومن صحيح حديث رسول الله ﷺ الدال على جواز ذلك حديث أبى شاه ... إلخ ". ثم قال (ص ٨٨) : " ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة والله أعلم " (١) . وفى الباعث الحثيث (ص ١٣٢) سلك الحافظ ابن كثير منهج ابن الصلاج، وذكر قوله فيما رواه عن الصحابة رضى الله تعالى عنهم، ثم قال: " وقد حكى إجماع العلماء في الأعصار المتأخرة على تسويغ كتابة الحديث وهذا مستفيض شائع ذائع، من غير نكير ". وفى التعليق على ما ذكره الحفاظ بين الشيخ أحمد شاكر أن القول الصحيح هو ما ذهب إليه أكثر الصحابة من جواز الكتابة، وذكر حديث أبى سعيد في النهى، ثم قال: إن النهى منسوخ بأحاديث أخرى دلت على الإباحة، وذكر عددا من هذه الأحاديث، وقال: " وهذه الأحاديث، مع استقرار العمل بين أكثر الصحابة والتابعين، ثم اتفاق الأمة بعد ذلك على جوازها: كل هذا يدل على أن حديث أبى سعيد منسوخ، وأنه كان في أول الأمر حيث خيف اشتغالهم عن القرآن، وحين خيف اختلاط غير

стр. 632

القرآن بالقرآن. وحديث أبى شاه في أواخر حياة النبى ﷺ ، وكذلك إخبار أبى هريرة، وهو متأخر الإسلام، أن عبد الله بن عمرو كان يكتب، وأنه هو لم يكن يكتب يدل على أن عبد الله كان يكتب بعد إسلام أبى هريرة، ولو كان حديث أبى سعيد في النهى متأخراً عن هذه الأحاديث في الإذن والجواز، لعرف ذلك عند الصحابة يقينا صريحاً. ثم جاء إجماع الأمة القطعى يعد قرينة قاطعة على أن الإذن هو الأمر الأخير، وهو إجماع ثابت بالتواتر العملى، عن كل طوائف الأمة بعد الصدر الأول رضى الله عنهم أجمعين ". ا. هـ مما سبق نرى أن تدوين السنة بدأ في حياة الرسول نفسه ﷺ ، ومنها ما كتب بأمره وبين يديه ﷺ . ومن المعلوم أن الاتجاه العام إلى جمع السنة المشرفة وتدوينها في الدولة الإسلامية إنما كان في عهد خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنهم، وكانت مبايعته بالخلافة في صفر سنة تسع وتسعين، ووفاته فى رجب سنة إحدى ومائة، وهذا يعنى أن الجمع كان لكل من المكتوب منها والمحفوظ، مع مراعاة الإسناد الذى شرفت به وانفردت خير أمة أخرجت للناس. فالجمع إذن لم يكن للمحفوظ وحده، كما لم يكن لهذا المحفوظ قيمة علمية بغير الإسناد المتصل المرفوع إلى الرسول ﷺ . قال الجزائرى في توجيه النظر إلى أصول الأثر (ص ٧: ٨) . قال البخارى في صحيحه فى كتاب العلم: " وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإنى خفت دروس العلم، وذهاب العلماء "، وابو بكر هذا كان نائب عمر بن عبد العزيز في الإمرة والقضاء على المدينة. روى عن السائب بن يزيد، وعباد بن تميم، وعمرو بن سليم الزرقى. وروى عن خالته عمرة، وعن خالدة ابنة أنس، ولها صحبة. قال مالك: لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبى بكر ابن حزم.. وكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن يكتب له من العلم ما عند عمرة

стр. 633

والقاسم فكتبه له. وأخذ عنه معمر، والأوزاعى، والليث، ومالك وابن أبى ذئب، وابن إسحق، وغيرهم. وكانت وفاته فيما قاله الواقدى وابن سعد وجماعة سنة عشرين ومائة، وأول من دون الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز محمد بن مسلم ابن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب المدنى، أحد الأئمة الأعلام، وعالم أهل الحجاز والشام. أخذ عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، ومحمود بن الربيع، وسعيد بن المسيب، وأبى أمامة ابن سهل، وطبقتهم من صغار الصحابة وكبار التابعين، وأخذ عنه معمر، والأوزاعى، والليث، ومالك، وابن أبى ذئب وغيرهم. ولد سنة خمسين وتوفى سنة أربع وعشرين ومائة. قال عبد الرزاق: سمعت معمرا يقول: كنا نرى أناقد أكثرنا عن الزهرى حتى قتل الوليد بن يزيد فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه يقول من علم الزهرى، ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلى طبقة الزهرى. ولوقوع ذلك في كثير من البلاد وشيوعه بين الناس اعتبروه الأول فقالوا: كانت الأحاديث في عصر الصحابة وكبار التابعين غير مدونة فلما انتشر العلماء في الأمصار وشاع الابتداع دونت ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين. وأول من جمع ذلك ابن جريج بمكة، وابن إسحق أو مالك بالمدينة: والربيع ابن صبيح أو سعيد بن أبى عروبة أو حماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثورى بالكوفة والأوزاعى بالشام، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالرى، وابن المبارك بخراسان. وكان هؤلاء في عصر واحد، ولا يدرى أيهم سبق. قال الحافظ ابن حجر: " إن ما ذكر إنما هو بالنسبة إلى الجمع في الأبواب، وأما جمع حديث إلى مثله في باب واحد فقد سبق إليه الشعبى، فإنه روى عنه قال: هذا باب من الطلاق جسيم، وساق فيه أحاديث". وتلا المذكورين كثير من أهل عصرهم إلى أن رأى بعض الأئمة إفراد أحاديث النبى ﷺ خاصة وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسى الكوفى مسندا، وصنف مسدد البصرى مسندا، وصنف أسد بن موسى

стр. 634

مسندا، وصنف نعيم بن حماد الخزاعى مسندا، ثم اقتفى الحفاظ آثارهم: فصنف الإمام أحمد مسندا، وكذلك إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبى شيبة، وغيرهم. ولم يزل التأليف في الحديث متتابعا إلى أن ظهر الإمام البخارى وبرع في علم الحديث وصار له فيه المنزلة التي ليس فوقها منزلة، فأراد أن يجرد الصحيح ويجعله في كتاب على حدة ليخلص طالب الحديث من عناء البحث والسؤال، فألف كتابه المشهور وأورد فيه ما تبين له صحته. وكانت الكتب قبله ممزوجا فيها الصحيح بغيره بحيث لا يتبين للناظر فيها درجة الحديث من الصحة إلا بعد البحث عن أحوال رواته وغير ذلك مما هو معروف عند أهل الحديث، فإن لم يكن له وقوف على ذلك اضطر إلى أن يسأل أئمة الحديث عنه. فإن لم يتيسر له ذلك بقى ذلك الحديث مجهول الحال عنده، واقتفى أثر الإمام البخارى في ذلك الإمام مسلم ابن الحجاج. وكان من الآخذين عنه والمستفيدين منه، فألف كتابه المشهور، ولقب هذان الكتابان بالصحيحين، فمعظم انتفاع الناس بهما، ورجعوا عند الاضطراب إليهما، وألفت بعدهما كتب لا تحصى، فمن أراد البحث عنها فليرجع إلى مظان ذكرها. هذا وقد توهم أناس مما ذكر آنفا أنه لم يقيد في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين بالكتابة شىء غير الكتاب العزيز، وليس الأمر كذلك، فقد ذكر بعض الحفاظ أن زيد بن ثابت ألف كتابا في علم الفرائض، وذكر البخارى في صحيحه أن عبد الله بن عمرو كان يكتب الحديث ... إلخ. ا. هـ والتوهم الذى أشار إليه صاحب توجيه النظر أنه ليس له أساس علمى، وكان المنهج العلمي والواقع العملى يستلزمان إزالة هذا التوهم، فلم يقف الأمر عند ثبوت الكتابة عن طريق الأخبار الصحيحة، بل وصل إلينا بعض ما كتب، وطبع وانتشر: مثال هذا صحيفة همام بن منبه التي كتبها سماعا من راوية الإسلام الأول أبى هريرة رضى الله تعالى عنه، نقلا عن رسول الله ﷺ ، فقد نشرها المجمع العلمي العربى بدمشق، وطبعت عدة مرات بتحقيق الدكتور محمد حميد الله،

стр. 635

وأخرجها من قبل الإمام أحمد في مسنده (حـ ٢ ص ٣١٢: ٣١٨) ، وعندما قام الشيخ أحمد شاكر ﵀.. بتحقيق وشرح المسند طبع خمسة عشر جزءا، وتوفى قبل طبع الجزء السادس عشر، وهو الذى يبدأ بصحيفة همام. وفى المسند أيضاً أحاديث كثيرة من صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، كما طبع تفسير مجاهد بن جبر، تلميذ ابن عباس رضى الله عنهم، وصلة التفسير بالسنة واضحة معلومة. بل إن كتب النبى ﷺ وصلنا كثيرمن نصوصها، وعثر على بعض النسخ الأصلية التي كتبت في حياته ﷺ : ففى كتاب الأموال لأبى عبيد - على سبيل المثال - يوجد " باب كتب العهود التي كتبها رسول الله ﷺ وأصحابه لأهل الصلح " (ص ٢٤٤) ، ويروى أبو عبيد بإسناده تحت هذا الباب نصوص سبعة كتب، وفى كتاب الأموال لابن زنجوية يوجد " كتاب العهود التي كتبها رسول الله ... ﷺ وأصحابه لأهل الصلح " (٢ / ٤٤٩) ، وهو قريب مما ذكره أبو عبيد. وجمع الدكتور محمد حميد الله ما استطاع من كتب الرسول ﷺ فأثبت نصوصها، وبين مصادرها، وذكر ما يوجد من أصولها وعرض صوراً لكتبه ﷺ إلى كل من: النجاشى، وهرقل، والمقوقس، وكسرى، وغيرهم (١) . بعد هذا كله كيف يبقى أى توهم، أو أدنى شك في ثبوت الكتابة في عصر الرسول ﷺ والصحابة الكرام من بعده؟!
следующие страницы →