وذكر حديث أبى سعيد الخدرى، وقال: " وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعله: على، وابنه الحسن، وأنس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص في جمع آخرين من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم أجمعين. ومن صحيح حديث رسول الله ﷺ الدال على جواز ذلك حديث أبى شاه ... إلخ ".
ثم قال (ص ٨٨) : " ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة والله أعلم " (١) .
وفى الباعث الحثيث (ص ١٣٢) سلك الحافظ ابن كثير منهج ابن الصلاج، وذكر قوله فيما رواه عن الصحابة رضى الله تعالى عنهم، ثم قال: " وقد حكى إجماع العلماء في الأعصار المتأخرة على تسويغ كتابة الحديث وهذا مستفيض شائع ذائع، من غير نكير ".
وفى التعليق على ما ذكره الحفاظ بين الشيخ أحمد شاكر أن القول الصحيح هو ما ذهب إليه أكثر الصحابة من جواز الكتابة، وذكر حديث أبى سعيد في النهى، ثم قال: إن النهى منسوخ بأحاديث أخرى دلت على الإباحة، وذكر عددا من هذه الأحاديث، وقال:
" وهذه الأحاديث، مع استقرار العمل بين أكثر الصحابة والتابعين، ثم اتفاق الأمة بعد ذلك على جوازها: كل هذا يدل على أن حديث أبى سعيد منسوخ، وأنه كان في أول الأمر حيث خيف اشتغالهم عن القرآن، وحين خيف اختلاط غير
стр. 632
القرآن بالقرآن. وحديث أبى شاه في أواخر حياة النبى ﷺ ، وكذلك إخبار أبى هريرة، وهو متأخر الإسلام، أن عبد الله بن عمرو كان يكتب، وأنه هو لم يكن يكتب يدل على أن عبد الله كان يكتب بعد إسلام أبى هريرة، ولو كان حديث أبى سعيد في النهى متأخراً عن هذه الأحاديث في الإذن والجواز، لعرف ذلك عند الصحابة يقينا صريحاً. ثم جاء إجماع الأمة القطعى يعد قرينة قاطعة على أن الإذن هو الأمر الأخير، وهو إجماع ثابت بالتواتر العملى، عن كل طوائف الأمة بعد الصدر الأول رضى الله عنهم أجمعين ". ا. هـ
مما سبق نرى أن تدوين السنة بدأ في حياة الرسول نفسه ﷺ ، ومنها ما كتب بأمره وبين يديه ﷺ .
ومن المعلوم أن الاتجاه العام إلى جمع السنة المشرفة وتدوينها في الدولة الإسلامية إنما كان في عهد خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنهم، وكانت مبايعته بالخلافة في صفر سنة تسع وتسعين، ووفاته فى رجب سنة إحدى ومائة، وهذا يعنى أن الجمع كان لكل من المكتوب منها والمحفوظ، مع مراعاة الإسناد الذى شرفت به وانفردت خير أمة أخرجت للناس. فالجمع إذن لم يكن للمحفوظ وحده، كما لم يكن لهذا المحفوظ قيمة علمية بغير الإسناد المتصل المرفوع إلى الرسول ﷺ .
قال الجزائرى في توجيه النظر إلى أصول الأثر (ص ٧: ٨) .
قال البخارى في صحيحه فى كتاب العلم: " وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإنى خفت دروس العلم، وذهاب العلماء "، وابو بكر هذا كان نائب عمر بن عبد العزيز في الإمرة والقضاء على المدينة. روى عن السائب بن يزيد، وعباد بن تميم، وعمرو بن سليم الزرقى. وروى عن خالته عمرة، وعن خالدة ابنة أنس، ولها صحبة. قال مالك: لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبى بكر ابن حزم.. وكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن يكتب له من العلم ما عند عمرة
стр. 633
والقاسم فكتبه له. وأخذ عنه معمر، والأوزاعى، والليث، ومالك وابن أبى ذئب، وابن إسحق، وغيرهم. وكانت وفاته فيما قاله الواقدى وابن سعد وجماعة سنة عشرين ومائة، وأول من دون الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز محمد بن مسلم ابن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب المدنى، أحد الأئمة الأعلام، وعالم أهل الحجاز والشام. أخذ عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، ومحمود بن الربيع، وسعيد بن المسيب، وأبى أمامة ابن سهل، وطبقتهم من صغار الصحابة وكبار التابعين، وأخذ عنه معمر، والأوزاعى، والليث، ومالك، وابن أبى ذئب وغيرهم. ولد سنة خمسين وتوفى سنة أربع وعشرين ومائة. قال عبد الرزاق: سمعت معمرا يقول: كنا نرى أناقد أكثرنا عن الزهرى حتى قتل الوليد بن يزيد فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه يقول من علم الزهرى، ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلى طبقة الزهرى. ولوقوع ذلك في كثير من البلاد وشيوعه بين الناس اعتبروه الأول فقالوا: كانت الأحاديث في عصر الصحابة وكبار التابعين غير مدونة فلما انتشر العلماء في الأمصار وشاع الابتداع دونت ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين.
وأول من جمع ذلك ابن جريج بمكة، وابن إسحق أو مالك بالمدينة: والربيع ابن صبيح أو سعيد بن أبى عروبة أو حماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثورى بالكوفة والأوزاعى بالشام، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالرى، وابن المبارك بخراسان. وكان هؤلاء في عصر واحد، ولا يدرى أيهم سبق. قال الحافظ ابن حجر: " إن ما ذكر إنما هو بالنسبة إلى الجمع في الأبواب، وأما جمع حديث إلى مثله في باب واحد فقد سبق إليه الشعبى، فإنه روى عنه قال: هذا باب من الطلاق جسيم، وساق فيه أحاديث".
وتلا المذكورين كثير من أهل عصرهم إلى أن رأى بعض الأئمة إفراد أحاديث النبى ﷺ خاصة وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسى الكوفى مسندا، وصنف مسدد البصرى مسندا، وصنف أسد بن موسى
стр. 634
مسندا، وصنف نعيم بن حماد الخزاعى مسندا، ثم اقتفى الحفاظ آثارهم: فصنف الإمام أحمد مسندا، وكذلك إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبى شيبة، وغيرهم. ولم يزل التأليف في الحديث متتابعا إلى أن ظهر الإمام البخارى وبرع في علم الحديث وصار له فيه المنزلة التي ليس فوقها منزلة، فأراد أن يجرد الصحيح ويجعله في كتاب على حدة ليخلص طالب الحديث من عناء البحث والسؤال، فألف كتابه المشهور وأورد فيه ما تبين له صحته. وكانت الكتب قبله ممزوجا فيها الصحيح بغيره بحيث لا يتبين للناظر فيها درجة الحديث من الصحة إلا بعد البحث عن أحوال رواته وغير ذلك مما هو معروف عند أهل الحديث، فإن لم يكن له وقوف على ذلك اضطر إلى أن يسأل أئمة الحديث عنه. فإن لم يتيسر له ذلك بقى ذلك الحديث مجهول الحال عنده، واقتفى أثر الإمام البخارى في ذلك الإمام مسلم ابن الحجاج. وكان من الآخذين عنه والمستفيدين منه، فألف كتابه المشهور، ولقب هذان الكتابان بالصحيحين، فمعظم انتفاع الناس بهما، ورجعوا عند الاضطراب إليهما، وألفت بعدهما كتب لا تحصى، فمن أراد البحث عنها فليرجع إلى مظان ذكرها.
هذا وقد توهم أناس مما ذكر آنفا أنه لم يقيد في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين بالكتابة شىء غير الكتاب العزيز، وليس الأمر كذلك، فقد ذكر بعض الحفاظ أن زيد بن ثابت ألف كتابا في علم الفرائض، وذكر البخارى في صحيحه أن عبد الله بن عمرو كان يكتب الحديث ... إلخ. ا. هـ
والتوهم الذى أشار إليه صاحب توجيه النظر أنه ليس له أساس علمى، وكان المنهج العلمي والواقع العملى يستلزمان إزالة هذا التوهم، فلم يقف الأمر عند ثبوت الكتابة عن طريق الأخبار الصحيحة، بل وصل إلينا بعض ما كتب، وطبع وانتشر: مثال هذا صحيفة همام بن منبه التي كتبها سماعا من راوية الإسلام الأول أبى هريرة رضى الله تعالى عنه، نقلا عن رسول الله ﷺ ، فقد نشرها المجمع العلمي العربى بدمشق، وطبعت عدة مرات بتحقيق الدكتور محمد حميد الله،
стр. 635
وأخرجها من قبل الإمام أحمد في مسنده (حـ ٢ ص ٣١٢: ٣١٨) ، وعندما قام الشيخ أحمد شاكر ﵀.. بتحقيق وشرح المسند طبع خمسة عشر جزءا، وتوفى قبل طبع الجزء السادس عشر، وهو الذى يبدأ بصحيفة همام.
وفى المسند أيضاً أحاديث كثيرة من صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، كما طبع تفسير مجاهد بن جبر، تلميذ ابن عباس رضى الله عنهم، وصلة التفسير بالسنة واضحة معلومة.
بل إن كتب النبى ﷺ وصلنا كثيرمن نصوصها، وعثر على بعض النسخ الأصلية التي كتبت في حياته ﷺ : ففى كتاب الأموال لأبى عبيد - على سبيل المثال - يوجد " باب كتب العهود التي كتبها رسول الله ﷺ وأصحابه لأهل الصلح " (ص ٢٤٤) ، ويروى أبو عبيد بإسناده تحت هذا الباب نصوص سبعة كتب، وفى كتاب الأموال لابن زنجوية يوجد " كتاب العهود التي كتبها رسول الله ... ﷺ وأصحابه لأهل الصلح " (٢ / ٤٤٩) ، وهو قريب مما ذكره أبو عبيد.
وجمع الدكتور محمد حميد الله ما استطاع من كتب الرسول ﷺ فأثبت نصوصها، وبين مصادرها، وذكر ما يوجد من أصولها وعرض صوراً لكتبه ﷺ إلى كل من: النجاشى، وهرقل، والمقوقس، وكسرى، وغيرهم (١) .
بعد هذا كله كيف يبقى أى توهم، أو أدنى شك في ثبوت الكتابة في عصر الرسول ﷺ والصحابة الكرام من بعده؟!
стр. 636
كان الواجب إذن أن يزال هذا التوهم، ولا يبقى أى شك أو لبس، ولكن العجيب الغريب أن الأمر زاد واستشرى، طعنا في السنة المشرفة، وتشكيكا في صحتها، والذين تولوا كبره المستشرقون وتلامذتهم الذين اتخذوهم أربابا من دون الله، والجهلة بمكانة السنة المطهرة وحجيتها وعلومها. وقد صنفت كتب عديدة في الرد على هؤلاء الطاعنين. وحتى لا يطول بنا الحديث عن التدوين أكتفى بالإشارة إلى كتاب واحد وبعض ما جاء فيه، وذلك هو " دراسات في الحديث النبوى وتاريخ تدوينه " للدكتور محمد مصطفى الأعظمى، جعل المؤلف الباب الثالث حول كتابة الأحاديث النبوية (ص ٧١: ٨٣) ، وانتهى منه إلى نتيجة وهى أن المسلمين كانت قد أصبحت لديهم إمكانيات واسعة تمكنهم من كتابة الأحاديث النبوية، ولم يكن ثمة عائق خارجى يقف في وجه تقييد العلم.
وجعل عنوان الباب الرابع " تقييد الحديث من عصر النبى ﷺ إلى منتصف القرن الثانى الهجرى على وجه التقريب "، وهذا الباب يقع في مائتين واثنتين وأربعين صفحة (٨٤: ٣٢٥) ، وقسمه إلى أربعة فصول:
الفصل الأول لكتابة الصحابة والكتابة عنهم:
ذكر فيه اثنين وخمسين من الصحابة الذين كتبوا أو كتب عنهم الأحاديث النبوية، ورد على الشبه التي تشكك فيما انتهى إليه، وعلى سبيل المثال ذكر أسماء عشرة كتاب كتبوا عن أبى هريرة، ومنهم همام بن منبه صاحب الصحيفة التي وصلتنا كاملة، وأشرت إليها من قبل، وأربعة عشر كتبوا عن جابر بن عبد الله، وهو نفسه من المؤلفين الأوائل، وتسعة كتبوا عن ابن عباس، أما هو فكانت كتبه حمل بعير، وهكذا.
والفصل الثانى عنوانه: " تابعيو القرن الأول وكتاباتهم والكتابة عنهم "، وأثبت من هؤلاء ثلاثة وخمسين.
والفصل الثالث جعله المؤلف لكتابة صغار التابعين والكتابة عنهم، وذكر من هؤلاء التابعين تسعة وتسعين.
стр. 637
أما الفصل الأخير من هذا الباب فكان لكتابة بعض صغار التابعين وأتباع التابعين والكتابة عنهم، وبلغ عدد من ذكرهم هنا اثنين وخمسين ومائتين.
وبهذا يتضح بدء الكتابة في عصر النبوة، واتصالها واتساعها دون توقف حتى ما جاء ما عرف بعصر التدوين في القرن الثانى الهجرى.
وقبل هذا الباب قال المؤلف (ص ٧٦) : " في ضوء دراستنا هذه نستطيع أن نقول أن كل من نقل عنه كراهية كتابة العلم فقد نقل عنه عكس ذلك أيضاً، ما عدا شخصاً أو شخصين، وقد ثبت كتابتهم أو الكتابة عنهم، كما يتضح ذلك بمراجعة الباب الرابع من هذا الكتاب "
وممن نقل عنهم كراهية كتابة العلم، وتحدث المؤلف عنهم في هذا الباب، ليثبت كتابتهم أو الكتابة عنهم:
١ ـ أبو سعيد الخدرى (١) .
٢ ـ أبو موسى الأشعرى (٢) .
٣ ـ زيد بن ثابت (٣) .
٤ ـ عبد الله بن مسعود (٤) .
٥ ـ عمر بن الخطاب: وقد أفاض في الحديث عنه، وذكر سبع قضايا نقلت عن عمر وأسىء فهمهما، واستدل بها على عدم أخذه بالسنة النبوية، ورد المؤلف على هذا كله، وذكر من الأدلة ما هو كاف شاف، ثم تحدث عن جهود عمر لنشر السنة، وعن كتابته للسنة (٥) .
стр. 638
الفصل الخامس: الجرح والتعديل
تكفلت كتب علوم الحديث ببيان ما يتصل بالجرح والتعديل، ولعل أول كتاب ألف في علوم الحديث هو المحدث الفاصل بين الراوى والواعى للرامهرمزى، المتوفى سنة ٣٦٠ هـ. ولكن قبل هذا بكثير كان لبعض الأئمة الأعلام ما يتصل بالجرح والتعديل من أحكام عامة، وبيان لمن تقبل روايتهم ومن ترد وذكر لأسماء كثير من هؤلاء الرواة. وتوسع بعضهم في ذكر هذه الأسماء فيما يعرف بكتب الرجال، ومن أقدمها وأنفعها ما كتبه الإمام البخارى في تاريخه الكبير، وفى الضعفاء، وكان أثره واضحاً، وكتاب الجرح والتعديل لابن أبى حاتم المتوفى سنة ٣٢٧ هـ.
وكتب علوم الحديث حفظت لنا آراء الأئمة من الجرح والتعديل، ولكن قبل أن ننظر في هذه الكتب أريد أن أثبت هنا بعض ما جاء في غيرها سابقا لها، وأكتفى ببعض ما كتبه ثلاثة من الأئمة:
أولهم الإمام الشافعى، صاحب كتاب الرسالة، الذى يعد أول ما صنف في أصول الفقه، وفى هذا الكتاب، تحدث الإمام عن خبر الواحد فقال:
ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا منها: أن يكون من حدث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عاقلا لما يحدث به، عالما بما يحيل معانى الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدى الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى، لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث، حافظا إن حدث به من حفظه، حافظا لكتابه إن حدث من كتابه. إذ شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم، بريا من أن يكون مدلسا: يحدث عن من لقى ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبى ما يحدث الثقات خلافه عن
стр. 639
النبي. ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبى أو إلى من انتهى به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغنى في كل واحد منهم عما وصفت. (ص ٣٧٠: ٣٧٢) .
ثم قال بعد هذا: ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته. وليست تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق، فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق. فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثاً حنى يقول فيه " حدثنى " أو " سمعت " (ص ٣٧٩: ٣٨٠) .
وقال أيضاً: ومن كثر غلطه من المحدثين، ولم يكن له أصل كتاب صحيح، لم نقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم نقبل شهادته.
وأهل الحديث متباينون:
فمنهم المعروف بعلم الحديث، بطلبه وسماعه من الأب والعم وذوى الرحم والصديق، وطول مجالسة أهل التنازع فيه. ومن كان هكذا كان مقدما في الحفظ، إن خالفه من يقصر عنه، كان أولى أن يقبل حديثه ممن خالفه من أهل التقصير عنه.
ويعتبر أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ، وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له.
وإذا اختلفت الرواية استدللنا عن المحفوظ منها والغلط بهذا، ووجوه سواه، تدل على الصدق والحفظ والغلط. (الرسالة: ص ٣٨٢: ٣٨٣) .
ونأتى بعد الإمام الشافعى إلى الإمام مسلم، حيث تحدث في مقدمة صحيحه عن حال بعض الرواة وبين طبقاتهم. وبعد أن بين من تقبل أحاديثهم قال (ص ٤٥) : " فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم ". وسمى بعضهم وقال: " وأشباههم
стр. 640
ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار، وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، أمسكنا أيضا عن حديثهم.
وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها. فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا نستعمله " (ص: ٤٦) .
ويأتى بعد هذا باب النهى عن الرواية عن الضعفاء، والاحتياط في تحملها، ثم باب بيان أن الإسناد من الدين، وبين فيه وجوب عدم الأخذ إلا عن الثقة الثبت، ونبه إلى أمر هام حيث روى عن أبى الزناد قوله: " أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله " (١) .
وعن يحيى بن سعيد القطان قال: " لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث "، وفسر الإمام مسلم هذا بقوله: يجرى الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب.
وقال النووى في شرحه: معناه ما قاله مسلم أنه يجرى الكذب على ألسنتهم ولا يتعمدون ذلك، لكونهم لا يعانون صناعة أهل الحديث، فيقع الخطأ في رواياتهم ولا يعرفونه، ويروون الكذب ولا يعلمون أنه كذب. وقد قدمنا أن مذهب أهل الحق أن الكذب هو الإخبار عن الشئ بخلاف ما هو: عمدا كان أو سهوا أو غلطا (٢) .
وفى الكشف عن معايب رواة الحديث أورد مسلم بعض الأخبار التي تذكر أسماء بعض الكذابين والوضاعين، ومن هؤلاء جابر بن يزيد الجعفى، وروى عن غير واحد أن جابرا كان يؤمن بالرجعة، وفسرها النووى بقوله: معنى
стр. 641
إيمانه بالرجعة هو ما تقوله الرافضة وتعتقده بزعمها الباطل أن عليا ـ كرم الله وجهه ـ في السحاب، فلا نخرج - يعنى مع من يخرج من ولده حتى ينادى من السماء: أن اخرجوا معه، وهذا نوع من أباطيلهم، وعظيم من جهالاتهم اللائقة بأذهانهم السخيفة وعقولهم الواهية (ص: ٨٥) .
ومما رواه مسلم أيضاً أن جابرا قال: إن عندى لخمسين ألف حديث، ما حدثت منها بشئ. ثم حدث يوما بحديث فقال: هذا من الخمسين ألفا، وفى خبر زاد أنها عن النبى ﷺ .
وفى خبر أيضاً قال جابر: عندى سبعون ألف حديث عن أبى جعفر عن النبى ﷺ كلها.
وروى عن الإمام سفيان بن عيينه أنه قال: سمعت رجلا سأل جابرا عن قوله :
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (١) ، فقال جابر: لم يجئ تأويل هذه الآية. قال سفيان: وكذب. فقلنا لسفيان: وما أراد بهذا؟ فقال: لإن الرافضة تقول أن عليا في السحاب، فلا نخرج مع من خرج من ولده حتى ينادى مناد من السماء، يريد عليا أنه ينادى: اخرجوا مع فلان. يقول جابر: فذا تأويل هذه الآية، وكذب، كانت في إخوة يوسف ﷺ .
وروى عن سفيان أيضاً قال: سمعت جابرا يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث، ما أستحل أن أذكر منها شيئا وأن لى كذا وكذا (٢) .
стр. 642
ثم ذكر الإمام مسلم عدداً غير قليل ممن لا تقبل روايتهم (١)
، ثم قال: " وأشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في متهمى رواة الحديث، وأخبارهم عن معايبهم، كثير يطول الكتاب بذكره على استقصائه، وفيما ذكرنا غاية لمن تفهم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا. وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن
стр. 643
معايب رواة الحديث وناقلى الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا، لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتى بتحليل أو تحريم ... إلخ. (١)
وللإمام مسلم في بيان علل الحديث كتاب التمييز:
بين فيه الدواعى إلى الجرح والتعديل، ثم أورد باب ما جاء في الترقى في حمل الحديث وأدائه والتحفظ من الزيادة فيه والنقصان (ص ١٢٧) . وبعد هذا أخذ يبين علل بعض الأخبار والروايات كالخطأ أو الوهم في الإسناد أو المتن، أو فيهما معا، وأشار إلى شىء من التصحيف، وما يدفعه الأخبار الصحاح، ثم قال بعد هذا كله (ص ١٧١) :
" واعلم رحمك الله، أن صناعة الحديث، ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة، لأنهم الحفاظ لروايات الناس، العارفين بها دون غيرهم، إذ الأصل الذى يعتمدون لأديانهم السنن والآثار المنقولة، من عصر إلى عصر من لدن النبى ﷺ إلى عصرنا هذا، فلا سبيل لمن نابذهم من الناس، وخالفهم في المذهب، إلى معرفة الحديث ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار، من نقال الأخبار وحمال الآثار.
وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح. وإنما اقتصصنا هذا الكلام لكى ننبه من جهل مذهب أهل الحديث ممن يريد التعلم والتنبه على تثبيت الرجال وتضعيفهم فيعرف ما الشواهد عندهم، والدلائل التي بها ثبتوا الناقل للخبر من نقله، أو سقطوا من أسقطوا منهم. والكلام في تفسير ذلك يكثر، وقد شرحناه في مواضع غير هذا، وبالله التوفيق، في كل ما نؤم ونقصد ".
وبعد الإمامين الشافعى ومسلم نأتى إلى الثالث وهو ابن أبى حاتم في كتابه الجرح والتعديل الذى أشرت إليه من قبل، حيث جعل لكتابه مقدمة بدأها ببيان
стр. 644
مرتبة النبى ﷺ ، ثم بمعرفة السنة وأئمتها، ثم تحدث عن التمييز بين الرواة وبيان طبقاتهم، فقال (ص ٥: ٧)
التمييز بين الرواة: قال أبو محمد: فلما لم نجد سبيلاً إلى معرفة شئ من معانى كتاب الله ولا من سنن رسوله ﷺ إلا من جهة النقل والرواية، وجب أن نميز بين عدول الناقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة.
ولما كان الدين هو الذى جاءنا عن الله وعن رسوله ﷺ بنقل الرواة حق علينا معرفتهم، ووجب الفحص عن الناقلة والبحث عن أحوالهم، وإثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة والثبت في الرواية مما يقتضيه حكم العدالة في نقل الحديث وروايته، بأن يكونوا أمناء في أنفسهم، علماء بدينهم، أهل ورع وتقوى وحفظ للحديث وإتقان به وتثبت فيه، وأن يكونوا أهل تمييز وتحصيل لا يشوبهم كثير من الغفلات، ولا تغلب عليهم الأوهام فيما قد حفظوه ووعوه، ولا يشبه عليهم بالأغلوطات.
وأن يعزل عنهم الذين جرحهم أهل العدالة وكشفوا لنا عن عوراتهم في كذبهم وما كان يعتريهم من غالب الغفلة وسوء الحفظ وكثرة الغلط والسهو والاشتباه، ليعرف به أدلة هذا الدين وأمناء الله في أرضه على كتابه وسنة رسوله ﷺ وهم هؤلاء أهل العدالة، فيتمسك بالذى رووه، ويعتمد عليه، ويحكم به، وأهل الغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ، فيكشف عن حالهم وينبأ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها، إن كذب فكذب، وإن وهم فوهم، وإن غلط فغلط، وهؤلاء هم أهل الجرح فيسقط حديث من وجب منهم أن يسقط حديثه ولا يعبأ به ولا يعمل عليه، ويكتب حديث من وجب كتب حديثه منهم على معنى الاعتبار، ومن حديث بعضهم الآداب الجميلة والمواعظ الحسنة والرقائق والترغيب والترهيب هذا أو نحوه.
стр. 645
طبقات الرواة: ثم احتيج إلى تبيين طبقاتهم ومقادير حالاتهم وتباين درجاتهم ليعرف من كان منهم في منزلة الانتقاد والجهبذة والتنقيب والبحث عن الرجال والمعرفة بهم - وهؤلاء هم أهل التزكية والتعديل والجرح.
ويعرف من كان منهم عدلا في نفسه من أهل الثبت في الحديث والحفظ له والإتقان فيه - فهؤلاء هم أهل العدالة. ومنهم الصدوق فى روايته الورع فى دينه الثبت الذى يهم أحياناً وقد قبله الجهابذة النقاد ـ فهذا يحتج بحديثه أيضاً.
ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والسهو والغلط – فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام.
ومنهم من قد ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ـ ممن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال منهم الكذب، فهذا يترك حديثه ويطرح روايته ويسقط ولا يشتغل به.
وبعد هذا تحدث ابن أبى حاتم عن الصحابة الكرام فقال (ص ٧: ٨)
الصحابة: فأما أصحاب رسول الله فهم الذين شهدوا الوحى والتنزيل وعرفوا التفسير والتأويل. وهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونصرته وإقامة دينه وإظهار حقه، فرضيهم له صحابة وجعلهم لنا أعلاما وقدوة، فحفظوا عنه ﷺ ما بلغهم عن الله وما سن وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدب، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدين وعلموا أمر الله ونهيه ومراده - بمعاينة رسول الله ﷺ ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله بما من عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز، وسماهم عدول الأمة فقال عز ذكره في محكم كتابه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء
стр. 646
عَلَى النَّاسِ﴾ ففسر النبى ﷺ عن الله عز ذكره قوله " وسطا " قال: عدلا. فكانوا عدول الأمة، وأئمة الهدى وحجج الدين ونقلة الكتاب والسنة.
وندب الله إلى التمسك بهديهم والجرى على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم فقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية (١) .
ووجدنا النبى ﷺ قد حض على التبليغ عنه في أخبار كثيرة، ووجدناه يخاطب أصحابه فيها، منها أن دعا لهم فقال: نضر الله امرأ سمع مقالتى فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره. وقال ﷺ في خطبته: فليبلغ الشاهد منكم الغائب. وقال: بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عنى ولا حرج.
ثم تفرقت الصحابة رضى الله عنهم في النواحى والأمصار والثغور وفي فتوح البلدان والمغازى والإمارة والقضاء والأحكام، فبث كل واحد منهم في ناحيته وبالبلد الذى هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله ﷺ ، وحكموا بحكم الله ، وأمضوا الأمور على ما سن رسول الله ﷺ ، وأفتوا فيما سئلوا عنه مما حضرهم من جواب رسول الله ﷺ عن نظائرها من المسائل، وجردوا أنفسهم مع تقدمة حسن النية والقربة إلى الله تقدس اسمه لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام حتى قبضهم الله رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين.
وبعد الصحابة قال عن التابعين (ص ٨: ٩) .
التابعون: فخلف بعدهم التابعون الذين اختارهم الله لإقامة دينه وخصهم بحفظ فرائضه وحدوده وأمره ونهيه وأحكامه وسنن رسوله ﷺ وآثاره،
стр. 647
فحفظوا عن صحابة رسول الله ﷺ ما نشروه وبثوه من الأحكام والسنن والآثار وسائر ما وصفنا الصحابة به رضى الله عنهم، فأتقنوه وعلموه وفقهوا فيه فكانوا من الإسلام والدين ومراعاة أمر الله ونهيه بحيث وضعهم الله ، ونصبهم له إذ يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ " الآية "
حدثنا عبد الرحمن محمد بن يحيى، أنا العباس بن الوليد الترسى، نايزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة قوله : ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ التابعين.
فصاروا برضوان الله لهم وجميل ما أثنى عليهم بالمنزلة التي نزههم الله بها عن أن يلحقهم مغمز، أو تدركهم وصمة، لتيقظهم وتحرزهم وتثبتهم، ولأنهم البررة الأتقياء الذين ندبهم الله لإثبات دينه وإقامة سنته وسبله، فلم يكن لاشتغالنا بالتمييز بينهم معنى، إذ كنا لا نجد منهم إلا إماما مبرزا مقدما في الفضل والعلم ووعى السنن وإثباتها ولزوم الطريقة واحتبائها، رحمة الله ومغفرته عليهم أجمعين - إلا ما كان ممن ألحق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس يلحقهم، ولا هو في مثل حالهم: لا في فقه ولا علم ولا حفظ ولا إتقان، ولا ثبت ممن ذكرنا حالهم وأوصافهم ومعانيهم في مواضع من كتابنا هذا، فاكتفينا بها وبشرحها في الأبواب مستغنية عن إعادة ذكرها مجملة أو مفسرة في هذا المكان.
وفى ص ٩، ١٠ جاء الحديث عن أتباع التابعين ومراتبهم:
أتباع التابعين: ثم خلفهم تابعو التابعين وهم خلف الأخيار وأعلام الأمصار في دين الله ، ونقل سنن رسول الله ﷺ وحفظه وإتقانه، والعلماء بالحلال والحرام، والفقهاء في أحكام الله وفروضه وأمره ونهيه، فكانوا على مراتب أربع.
стр. 648
مراتب الرواة: فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث - فهذا الذى لا يختلف فيه ويعتمد على جرحه وتعديله، ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال.
ومنهم العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه المتقن فيه، فذلك العدل الذى يحتج بحديثه، ويوثق في نفسه.
ومنهم الصدوق الورع الثبت الذى يهم أحيانا وقد قبله الجهابذة النقاد - فهذا يحتج بحديثه.
ومنهم الصدوق الورع المغفل، الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو - فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام.
وخامس قد ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب -– فهذا يترك حديثه ويطرح روايته. انتهى المنقول من كلام ابن أبى حاتم.
وننتقل بعد هذا إلى كتب علوم الحديث:
وأولها المحدث الفاصل للرامهرمزى المتوفى سنة ٣٦٠هـ. ومما جاء في موضوعنا ما أثبته تحت عنوان: " القول فيمن يستحق الأخذ عنه " بدأه بما يبين رأى الإمام مالك حيث قال:
القول فيمن يستحق الأخذ عنه:
حدثنا عبد الله بن الصقر السكرى، ثنا إبراهيم بن المنذر الجزامى، ثنا ... معن - وقال مرة محمد بن صدقة الفدكى أحدهما أو كلاهما - قال: سمعت مالك بن أنس يقول: لا يؤخذ العلم عن أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك: لا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من سفيه معلن بالسفه وإن كان من أروى الناس، ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على
стр. 649
رسول الله ﷺ ، ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث. قال الحزامىّ: فذكرت ذلك لمطرف بن عبد الله فقال: ما أدرى ما تقول، غير أنى أشهد لسمعت مالكا يقول: أدركت ببلدنا هذا - يعنى المدينة - مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، فما كتبت عن أحد منهم حديثا قط. قلت: لم يا عبد الله؟
قال: لأنهم لم يكونوا يعرفون ما يحدثون. قال: وقال مالك: كنا نزدحم على باب ابن شهاب (ص ٤٠٣: ٤٠٤) .
وانتقل المؤلف بعد هذا إلى الإمام الشافعى، حيث نقل عنه ما ذكرته من قبل، ثم قال:
قال الشافعى: وكان ابن سيرين والنخعى وغير واحد من التابعين يذهبون إلى ألا يقبلوا الحديث إلا عن من عرف.
قال الشافعى: وما لقيت أحدا من أهل العلم يخالف هذا المذهب (ص ٤٠٥) .
وجاء بعد هذا بآراء آخرين غير مالك والشافعى.
وبعد الرامهرمزى يأتى كتاب علوم الحديث للحاكم المعروف بتشيعه، ولكنه لم يكن رافضيا، ولذلك أترك النقل منه هنا وأبقيه عند الحديث عن الجرح والتعديل عند الشيعة الاثنى عشرية ليتضح الفرق بين الشيعة والرافضة.
ومن الكتب المتقدمة فى علوم الحديث الكفاية في علم الرواية، لأبى بكر أحمد بن على بن ثابت، المعروف بالخطيب البغدادى، والمتوفى سنة ٤٦٣ هـ.
وتحدث عن الرواية عن أهل الأهواء والبدع فقال (ص ١٢٥) :
والذى يعتمد عليه في تجويز الاحتجاج بأخبارهم اشتهر من قبول الصحابة أخبار الخوارج وشهاداتهم ومن جرى مجراهم من الفساق بالتأويل، ثم استمرار عمل التابعين والخالفين بعدهم على ذلك لما رأوا من تحريهم الصدق وتعظيمهم
стр. 650
الكذب، وحفظهم أنفسهم عن المحظورات من الأفعال، وإنكارهم على أهل الريب والطرائق المذمومة، ورواياتهم الأحاديث التي تخالف آراءهم ويتعلق بها مخالفوهم في الاحتجاج عليهم، فاحتجوا برواية عمران بن حطان وهو من الخوارج، وعمرو بن دينار، وكان ممن يذهب إلى القدر والتشيع وكان عكرمة إباضياً، وابن أبى نجيح وكان معتزليا، وعبد الوارث بن سعيد وشبل بن عياد، وسيف بن سليمان، وهشام الدستوائى، وسعيد بن أبى عروبة وسلام بن مسكين، وكانوا قدرية وعلقمة بن مرثد، وعمرو بن مرة، ومسعر بن كدام، وكانوا مرجئة، وعبيد الله بن موسى وخالد بن مخلد، وعبد الرزاق بن همام وكانوا يذهبون إلى التشيع، في خلق كثير يتسع ذكرهم، دوّن أهل العلم قديما وحديثاً رواياتهم واحتجوا بأخبارهم فصار ذلك كالإجماع منهم، وهو أكبر الحجج في هذا الباب وبه يقوى الظن في مقاربة الصواب.
باب ذكر بعض المنقول
عن أئمة أصحاب الحديث في جواز الرواية عن أهل الأهواء والبدع قد اسلفنا الحكاية عن أبى عبد الله الشافعى في جواز قبول شهادة أهل الأهواء غير صنف من الرافضة خاصة، ويحكى نحو ذلك عن أبى حنيفة إمام أصحاب الرأى وأبى يوسف القاضى.
وبعد هذا ذكر عدة روايات منها:
بسنده عن حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعى يقول: لم أر أحدا من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة (ص: ١٢٦) .
وعن أبى يوسف قال: أجيز شهادة أهل الأهواء أهل الصدق منهم إلا الخطابية والقدرية الذين يقولون أن الله لا يعلم الشئ حتى يكون.
وعن ابن المبارك قال: سأل أبو عصمة أبا حنيفة: ممن تأمرنى أن أسمع الآثار؟ قال: من كل عدل في هواه إلا الشيعة، فإن أصل عقيدتهم تضليل أصحاب محمد ﷺ ، ومن أتى السلطان طائعا، أما إنى لا أقول إنهم يكذبونهم أو
стр. 651
يأمرونهم بما لا ينبغى ولكن وطأوا لهم حتى انقادت العامة بهم. فهذان لا ينبغى أن يكونا من أئمة المسلمين (ص: ١٢٦) .
وعن عبد الرحمن بن مهدى قال: من رأى رأيا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيا ودعا إليه فقد استحق الترك (ص: ١٢٧) .
وقيل لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله سمعت من أبى قطن القدرى؟
قال: لم أره داعية، ولو كان داعية لم اسمع منه.
قلت ـ أى الخطيب البغدادى: إنما منعوا أن يكتب عن الدعاة خوفا أن تحملهم الدعوة إلى البدعة والترغيب فيها على وضع ما يحسنها كما حكينا في الباب الذى قبل هذا عن الخارجى التائب قوله: كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا (ص: ١٢٨) .
وعن أبى داود قال: ليس في أصحاب الأهواء أصح حديثا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج (ص: ١٣٠) .
стр. 652
الفصل السادس: حوار الإمام الشافعي لفرقة ضلت
إذا كان السلف الصالح متمسكاً بسنة رسول الله ﷺ تمسكهم بكتاب الله العزيز، فإن فرقة شذت في عصر الإمام الشافعى فردت سنة رسول ﷺ ، ورأت أنها لا تقوم على الكتاب الذى أنزله الله تبياناً لكل شئ. وأشار الإمام الشافعى إلى هذه الفرقة، وذكر حواره مع واحد منها في كتاب جماع العلم في الجزء السابع من كتابة الأم.
وقد بدأ الإمام كتاب جماع العلم بقوله:
لم أسمع أحداً نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم يخالف في أن فرض الله اتباع أمر رسول الله ﷺ ، والتسليم لحكمه، بأن الله لم يجعل لمن بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، وأن سواهما تبع لهما، وأن فرض الله تعالى علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله ﷺ واحد، لا يختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله ﷺ ، إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى.
ثم قال ﵀ وجزاه خيراً:
باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها
قال الشافعى رحمه الله تعالى:
قال لى قائل يُنسب إلى العلم بمذهب أصحابه ... ..
وذكر الشافعى قوله بأن القرآن نزل تبياناً لكل شىء، بلسان عربى مبين، وأن الأحاديث تعتمد على من يجوز عليهم الكذب، والخطأ، والنسيان، والغلط.
فبين الإمام أن السنة وحى، لا يمكن الاستغناء عنها؛ فلا يستقيم أمر الدين بغيرها، ولا نعرف أحكام العبادات والمعاملات وغيرها إلا بها. وأنه يحتاط فى قبولها أكثر مما يحتاط فى قبول الأقوال التى تستباح بها الدماء والأموال
стр. 653
والأعراض. واستمر الإمام فى حواره الممتع المقنع حتى اهتدى ذاك الضال. وهذا الحوار نقلته تاماً فى بحث " السنة بيان الله على لسان رسوله " وهو ملحق بهذا الجزء، ولذلك أكتفى به، وأحيل عليه.
стр. 654
الفصل السابع: بعد الإمام الشافعى
هذا هو حوار الإمام الشافعى الذى هدى من حاوره بعد ضلال، ولكن هداية هذا الرجل لا تعنى عدم ضلال الطائفة. ويأتى القرن الثالث، الذى توفى الإمام الشافعى في العام الرابع من بدايته، ليكون العصر الذهبى لجمع السنة وتنقيتها وتدوينها، حيث دون مسند الإمام أحمد، والصحيحان، وكتب السنن الأربعة، وغيرها من الكتب الآخرى: كسنن سعيد بن منصور، والدارمى، ومسانيد إسحاق بن راهويه، وبقى بن مخلد، والبزار، وأبى يعلى.
غير أن ذاك القرن ضم أيضاً من حاول هدم السنة المطهرة.
ننظر مثلا إلى كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ. فنراه جعل كتابه في الرد على أعداء أهل الحديث، والجمع بين الأخبار التي ادعوا عليها التناقض والاختلاف، والجواب عما أوردوه من الشبه على بعض الأخبار المتشابهة أو المشكلة بادئ الرأى. ولا يكتفى ابن قتيبة بالرد على الشبه، وبيان سوء فهم من أثاروا تلك الشبه، وإنما يتحدث عن الأشخاص أنفسهم الذين أثاروها حتى يعرف القارئ سبب عدائهم لأهل الحديث.
فيذكر منهم النظام ويقول: وجدنا النظام شاطرا من الشطار، يغدو على سكر، ويروح على سكر، ويبيت على جرائرها، ويدخل في الأدناس، ويرتكب الفواحش والشائنات ... إلخ
وذكر أن النظام خرج على إجماع الأمة، وطعن في أبى بكر وعمر وعلى وابن مسعود وأبى هريرة، ثم عقب ابن قتيبة بعد هذا بقوله: هذا هو قوله- أى ... النظام - في جلة أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضى عنهم، كأنه لم يسمع بقول الله
стр. 655
عز وجل في كتابه الكريم " محمد رسول الله والذين معه " إلى آخر السورة، ولم يسمع بقول الله في كتابه الكريم " محمد رسول الله والذين معه " إلى آخر السورة، ولم يسمع بقوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ [ (١) .
وبعد حديثه عن النظام، ورده عليه يقول: ثم نصير إلى قول أبى هذيل العلاف فنجده كذابا أفاكا ... إلخ وهكذا استمر ابن قتيبة في كتابه.
وكان أسوأ وأشد خطرا من هؤلاء الذين تحدث عنهم الرافضة الذين اتخذوا لأنفسهم سنة خاصة تختلف عن مفهوم السنة عند الأمة، فأشركوا مع الرسول ﷺ في العصمة ووجوب الاتباع أشخاصاً اعتبروهم أئمة طائفتهم، ووضعوا الأخبار في ظلمات هذا المفهوم، وفى ظلماته أيضاً كتبوا في الجرح والتعديل.
شهد القرن الثالث ثلاثة من كتب التفسيرهي تفاسير العسكرى والقمى والعياشى التي تحدثنا عنها من قبل في الجزء الثانى، وبالرجوع إليها وجدنا أنها تطعن في خير الناس: صحابة رسول الله ﷺ ، رضى الله عنهم ورضوا عنه، وتذكر أن القرآن الكريم حرف نصا ومعنى، وجاء الطعن والقول بالتحريف في روايات مفتريات اعتبروها صحيحة بمقياسهم.
وألف كتاب رابع وهو الكافى للكلينى تلميذ القمى، واعتبر هذا الكتاب الكتاب الأول في الحديث عندهم، وعندما قرأته وجدت صاحبه قد ضل ضلالاً بعيداً، ووضع من المفتريات ما لايستطيع أن يتصوره أى مسلم، وسيأتى الحديث عنه بالتفصيل.
وعندما رجعت لكتب الجرح والتعديل عندهم وجدت آثار هذه الظلمات: فصاحب الكتاب الرابع ثقة الإسلام! وشيخه ليس ثقة فحسب، بل كل من وثقهم
стр. 656
وروى عنهم فهم ثقات، ولا يعتبر الحديث صحيحا إلا إذا كان الرواة كلهم جميعا من طائفتهم، والجرح عندهم سيئ للغاية، وسيتضح هذا جليا في الفصول التالية.
*****
стр. 657
الفصل الثامن: في عصر السيوطي
وفى هذه العجالة التي لاتهدف إلى الحصر والاستقصاء، ننتقل من القرن الثالث إلى القرن التاسع، فنرى الإمام السيوطى يؤلف كتابا تحت عنوان " مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة "، وبين سبب تأليف كتابه فقال: اعلموا - يرحمكم الله - أن من العلم كهيئة الدواء، ومن الأراء كهيئة الخلاء، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة، وإن مما فاح ريحه في هذا الزمان وكان دارساً - بحمد الله تعالى - منذ أزمان، وهو أن قائلا رافضيا زنديقا أكثر في كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية - زادها الله علواً وشرفاً - لا يحتج بها، وأن الحجة في القرآن خاصة، وأورد على ذلك حديث " وما جاءكم عنى من حديث فاعرضوه على القرآن، فإن وجدتم له أصلاً فخذوا به وإلا فردوه " (١)
стр. 658
هكذا سمعت الكلام بجملته منه، وسمعه منه خلائق غيرى، فمنهم من لايلقى لذلك بالاً، ومنهم من لايعرف أصل هذا الكلام، ولا من أين جاء، فأردت أن أوضح للناس أصل ذلك، وأبين بطلانه، وأنه من أعظم المهالك.
فاعلموا - رحمكم الله - أن من أنكر حديث النبى ﷺ قولا كان أو فعلاً بشرطه المعروف في الأصول - حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من يشاء الله من فرق الكفرة.
روى الإمام الشافعى - رضى الله عنه - يوما حديثا، وقال أنه صحيح، فقال له قائل: أتقول به يا أبا عبد الله؟ فاضطرب وقال: يا هذا! أرأيتنى خارجا من كنيسة؟ أرأيت في وسطى زنارا؟ أروى حديثا عن رسول الله ﷺ ... ولا أقول به؟
стр. 659
وأصل هذا الرأى الفاسد أن الزنادقة وطائفة من الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن، وهم في ذلك مختلفو المقاصد، فمنهم من كان يعتقد أن النبوة لعلى، وأن جبريل ﵁ أخطأ في نزوله إلى سيد المرسلين ﷺ ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً، ومنهم من أقر للنبى ﷺ بالنبوة، ولكن قال: إن الخلافة كانت حقا لعلى ... إلخ.
ثم قال السيوطى بعد ذلك: وهذه آراء ما كنت استحل حكايتها، لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد الذى كان الناس في راحة منه من أعصار.
وقد كان أهل هذا الرأى موجودين بكثرة في زمن الأئمة الأربعة فمن بعدهم، وتصدى الأئمة الأربعة وأصحابهم في دروسهم ومناظراتهم للرد عليهم، وسأسوق إن شاء الله جملة من ذلك والله الموفق (١) .
والكتاب طبع في ستين ومائة صفحة، فارجع إليه.
تعقيب
قد يقال: كيف ذكر السيوطى أن الرافضة تنكر الاحتجاج بالسنة وعندها أربعة كتب معتمدة في السنة؟
والجواب أن الرافضة أرادوا هدم السنة المشرفة التي بين أيدى المسلمين حتى لا يبقى إلا كتبهم التي يتداولونها فيما بينهم والتي وضعت لتأييد عقيدتهم الباطلة كما سيتضح من دراستها، والله تعالى أعلم.
стр. 660
الفصل التاسع: الطاعنون في العصر الحديث
وننتقل بعد هذا إلى عصرنا الحديث، حيث زات الطامة، وكثر الطاعنون، وهم أصناف:
فمنهم بقايا الفرق، وأشرت إلى بعض آنفًا، وهم لا يكتفون بما فى كتب من ضلال، ولكنهم من وقت لآخر يثيرون ما يريدون به هدم السنة: كالطعن في صحابى جليل راوية، أو راو أجمعت الأمة على توثيقه، أو كتاب صحيح تلقته الأمة بالقبول ... إلخ.
والرافضة أكثرها طعنًا، وجرأة على الله تعالى، وعلى رسوله ﷺ .
فمنهم من يطعن لجهله ما يتصل بالسنة، فيتشكك ويشكك فى ثبوتها، وهو لا يدرى أن البشرية كلها فى تاريخها الطويل لم تعرف علما نقل من جيل إلى جيل بالدقة التي نقل بها حديث رسول الله ﷺ ، ولو رجع إلى كتب مصطلح الحديث، وعلم الرجال، وشروح السنة، لاستراح وأراح.
ومنهم من دفعه هذا الجهل إلى القول بأن القرآن الكريم وحده يكفى، مستدلاًّ بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ .
وهذا جهل بالكتاب والسنة معًا، ووقوع فيما حذر منه الله ، ورسوله ﷺ ، وردة إلى قول الطائفة التي ذكرها الإمام الشافعى. ولو أن هؤلاء قرءوا حوار الشافعى، وتدبروا ما ذكرنا من آيات كريمة، وأحاديث شريفة، لأدركوا مدى ضلالهم وبعدهم عن سواء السبيل، والعجيب أن هؤلاء أسموا أنفسهم بالقرآنيين، والقرآن نفسه يشهد على بطلان دعواهم.
стр. 661
ومنهم من جعل عقله حكما لرفض أحاديث صحت سندا ومتنا، بل في أرقى مراتب الصحاح، كالأحاديث الثابتة المتعلقة بالغيبيات مثل الجنة والنار، وعلامات الساعة، والملائكة والجن. ومن المعلوم أن النقل الصحيح لا يتعارض مع العقل السليم، ولكن كيف نقيس الغائب على الشاهد، وكيف نحكم العقل في أمور لا نعرف شيئا عنها إلا بالنقل الصحيح؟ فمتى ثبت النقل لزم التسليم. أحيانا ترى جاهلا مغروراً يقف أمام حديث متفق عليه ويقول: هذا مرفوض عقلا! وكان عليه أن يسأل نفسه: أكان البخارى ومسلم وأحمد وغيرهم بلا عقول؟ بل أعاشت الأمة أربعة عشر قرناً بغير عقل حتى جاء بعقله ليستدرك عليها؟
ومن أسوأ الطاعنين في عصرنا المستشرقون، وأشد منهم خطراً تلامذتهم المقلدون التابعون لهم: والمستشرقون طعنوا في القرآن الكريم نفسه كما أشرت من قبل، أما السنة فقد أنكروا وجود سنة يتصل سندها إلى الرسول ﷺ ، وقالوا بأن أقصى اتصال الأسانيد ينقطع ويتوقف عند نهاية القرن الأول.
ومعنى ذلك أن السنة بحسب زعمهم تعتبر اختراعاً من اختراعات المسلمين المتأخرين، أرادوا أن يثبتوا أحكاما فنسبوها للرسول ﷺ . ثم لم ينسوا أن يطعنوا فيمن كان لهم دور كبير في السنة، فمثلا طعنوا في أبى هريرة الصحابى الجليل رضى الله عنه، الذى روى عنه أكثر من ثمانمائة من الصحابة والتابعين، وهو كما قال الشافعى " أثبت من روى الحديث فى دهره ". وطعنوا في ابن شهاب الزهرى، الإمام الحجة الثبت، أول من استجاب لعمر بن عبد العزيز في جمع السنة ... وهكذا.
ثم ظهر اتجاه آخر عندهم، اعتبره بعضهم هدما للفكر الاستشراقى، ولذلك ثاروا على القائلين به، مع أنه في النهاية يصل إلى البهتان نفسه.
ويقوم هذا الاتجاه الخبيث على الاعتراف أولا بأن السنة لها أصل، وذلك حتى يضلل جهلة المسلمين بالتظاهر بأنه لا ينكر وجود أصل للسنة، ولكن بعد هذا الاعتراف تأتى محاولة الهدم، فيقولون: إن المدارس الإسلامية الأولى لم تستطع
стр. 662
أن تحدد ما يعتبر من أقوال محمد وما لا يعتبر من أقواله، لأن السند لم يكن معروفا عندهم، فكانت كلمة سنة تعنى الرأى المقبول لدى جمهور علماء المدرسة، ثم نسبوا هذه الأقوال المقبولة لدى المدرسة إلى الصحابة حتى تكون أكثر قبولا، ثم نسبوها بعد ذلك إلى الرسول ﷺ (١) .
ومعنى هذا أنهم يريدون أن يصلوا في النهاية إلى التشكيك في السنة كلها.
هؤلاء القوم لا يعرفون الإسناد، فكتبهم المقدسة ذاتها بغير إسناد، ولذلك فهى محرفة مزورة، ولكن لا شك أنهم قرءوا عن جمع السنة وتنقيتها، وشروط رجال الحديث، وعرفوا أن الأمة الإسلامية فاقت الخلق جميعا بهذا الإسناد، ولكن ماذا تنتظر من مستشرق يهودى أو صليبى حاقد على الإسلام وأهله، مريد هدمه ما استطاع إلى ذلك سبيلاّ؟
فلا تنتظر من أعداء الإسلام إلا مثل هذه المحاولات. وإن كنا مطمئنين تماما إلى أنهم لن يصلوا إلى ما يريدون، فالله لم يترك حفظ القرآن الكريم كما ترك غيره للأحبار والرهبان فضيعوه، وإنما تعهد بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، كما تعهد ببيانه ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ، ومن تمام حفظ القرآن الكريم حفظ السنة المطهرة، وهى المبينة له.
стр. 663
الفصل العاشر: أبو هريرة رضى الله تعالي عنه
في عصرنا وجدنا المستشرقين من الصليبيين والصهيونيين، ومعهم العلمانيون والرافضة، يجترءون على راوية الإسلام الأول سيدنا أبى هريرة - رضى الله تعالى عنه وأرضاه.
وهؤلاء جميعا ليس بينهم وبين الصحابى الجليل عداء خاص، وإنما العداء للسنة المشرفة التى كان الصحابى الجليل أحفظ من رواها في دهره كما قال الإمام الشافعى، والعداء للإسلام نفسه، فلا يقوم بغير السنة المطهرة
وفى المؤتمر الثانى لجمعية إحياء التراث الإسلامى الذى عقد بالكويت في شوال سنة ١٤٠٥، وخصص للسنة المطهرة، ألقيت محاضرة عن منزلة السنة وشبهات حول الحديث، وبعد المحاضرة ظهر أثر حملات التشكيك في أسئلة الحاضرين، وظهرت الحيرة فيما يتصل بهذا الصحابى الجليل.
ولا أستطيع هنا أن أقدم ترجمة له، فسيرته العطرة أفردها أكثر من عالم في كتاب أو أكثر، ويكفى ذكر بعض الحقائق من باب الذكرى، فإنها تنفع المؤمنين، حتى يعرف القارئ الكريم من قال فيهم الإمام ابن خزيمة " إنما يتكلم في أبى هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معانى الأخبار ".
وما أريد أن أثبته هنا كتبته في بحث " السنة بيان الله تعالى على لسان رسوله ﷺ ". وهذا البحث نشر في مجلة مركز السيرة والسنة بجامعة قطر، ثم رأيت أن ألحقه بهذا الجزء الثالث، وبذلك يمكن الرجوع إليه، ولا حاجة للتكرار.
стр. 664
القسم الثاني:
الحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة
стр. 665
الفصل الأول: التدوين عند الشيعة
تحدثنا من قبل عن تدوين السنة المطهرة، وأثبتنا أن التدوين بدأ في حياة الرسول ﷺ ، ثم تتابع التدوين بعد ذلك وظل متصلا دون توقف حتى جاء ما عرف بعصر التدوين في القرن الثانى الهجرى.
وكتب السنة التي بين أيدينا يرجع بعضها إلى القرن الأول الهجرى، ووصلنا الكثير مما دون في القرن الثانى، أما القرن الثالث فيعتبر العصر الذهبى لتدوين السنة المشرفة.
والفرق التي ظهرت في تاريخ الإسلام، ولها عقائد خاصة بها، لم تظهر كتبها إلا بعد استقرار عقائدها، ووضوحها لدى معتنقيها. وهذا أمر بدِهى، أن الكتب إنما توضع لتأييد هذه العقائد، والدعوة لها، فلابد أن تسبق العقائد هذه الكتب.
بل إن هناك مرحلة تلى العقائد وتسبق الكتب، وهى وضع الأخبار وتناقلها والاحتجاج بها قبل أن تجمع في كتاب، وقبل أن يوضع كتاب مرة واحدة.
فبالنسبة للشيعة مثلا وجدنا بعد موت كل إمام حدوث تفرق جديد، فكانت كل فرقة تحتج بأخبار تؤيد ما انتهت إليه في تلك المرحلة، إلى أن تصل إلى الإمام الأخير الذى تستقر عنده آراؤها، وما كانت أى فرقة لتضع أخباراً في إمام إلا بعد ولادته، لأنها لا تعلم الغيب في واقع الأمر، وإن زعم منها من زعم أنه يعلم مثل هذا العلم.
وللبيان أثبت بعض ما جاء في كتاب من كتب الشيعة أنفسهم، وهو كتاب فرق الشيعة للحسن بن موسى النوبختى، وسعد بن عبد الله القمى، والاثنان عاشا في القرن الثالث، وأدركا بداية القرن الرابع.
стр. 666
يبين الكتاب تفرق الشيعة بعد موت الإمام جعفر الصادق، ومما جاء فيه: لما توفى أبو عبد الله بن محمد، افترقت بعده شيعته ست فرق وكانت وفاته بالمدينة في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة، وهو ابن خمس وستين سنة، وكان مولده في سنة ثلاث وثمانين، ودفن في القبر الذى دفن فيه أبوه وجده في البقيع، وكانت إمامته أربعا وثلاثين سنة إلا شهرين، وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر بن قحافة.
ففرقة منها قالت: إن جعفر بن محمد حى لم يمت، ولا يموت حتى يظهر ويلى أمر الناس، وهو القائم المهدى، وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال: إن رأيتم رأسى قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوا فإننى أنا صاحبكم، وأنه قال لهم: إن جاءكم من يخبركم عنى أنه مرضنى وغسلنى وكفننى ودفننى فلا تصدقوه، فإنى صاحبكم، صاحب السيف، وهذه الفرقة تسمى الناووسية، وسميت بذلك لرئيس لهم من أهل البصرة يقال له فلان بن فلان الناووس.
وفرقة زعمت: أن الإمام بعد جعفر ابنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه على الناس، لأنه خاف فغيبه عنهم، وزعموا: أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض، ويقوم بأمور الناس، وأنه هو القائم لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده، وقلدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبهم والإمام لا يقول إلا الحق، فلما أظهر موته علمنا أنه قد صدق، وأنه القائم لم يمت. وهذه الفرقة هي الإسماعيلية الخالصة. وأم إسماعيل وعبد الله ابنى جعفر بن محمد هي فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن على بن أبى طالب. وأمها أسماء بنت عقيل بن أبى طالب.
وفرقة ثالثة زعمت: أن الإمام بعد جعفر هو ابنه محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأمه أم ولد، وقالوا إن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه، فلما توفى قبل أبيه جعل جعفر بن محمد الأمر لمحمد بن إسماعيل، وكان الحق له، ولا يجوز غير ذلك لأن الإمامة لا تنتقل من أخ إلى أخ بعد الحسن والحسين، ولا تكون إلا
стр. 667
في الأعقاب، ولم يكن لأخوى إسماعيل عبد الله وموسى في الإمامة حق، كما لم يكن لمحمد بن الحنفية فيها حق مع على بن الحسين. وأصحاب هذه المقالة يسمون المباركية، برئيس لهم كان يسمى المبارك مولى إسماعيل بن جعفر.
فأما الإسماعيلية الخالصة فهم الخطابية أصحاب أبى الخطاب محمد بن أبى زينب الأسدى الأجدع. وقد دخلت منهم فرقة في فرقة محمد بن إسماعيل، وأقروا بموت إسماعيل بن جعفر في حياة أبيه، وهم الذين خرجوا في حياة أبى عبد الله جعفر بن محمد فحاربوا عيسى بن موسى بن محمد بن عبد الله بن العباس، وكان عاملا على الكوفة، فبلغه عنهم أنهم أظهروا الإباحات، ودعوا إلى نبوة " أبى الخطاب "، وأنهم مجتمعون في مسجد الكوفة قد لزموا الأساطين يرون الناس أنهم لزموها للعبادة، فبعث إليهم رجلا من أصحابه في خيل ورجال ليأخذهم ويأتيه بهم، فامتنعوا عليه وحاربوه، وكانوا سبعين رجلاً، فقتلهم جميعاً فلم يفلت منهم إلا رجل واحد أصابته جراحات فسقط بين القتلى فعد فيهم، فلما جن الليل خرج من بينهم فتخلص، وهو أبو سلمة سالم بن مكرم الجمال الملقب بأبى خديجة. وذكر بعد ذلك أنه قد تاب ورجع، وكان ممن يروى الحديث، فحارب عيسى محاربة شديدة بالحجارة والقصب والسكاكين التي كانت مع أتباعه، وجعلوا القصب مكان الرماح، وقد كان أبو الخطاب قال لهم: قاتلوهم فإن قصبكم يعمل فيهم عمل الرماح والسيوف، ورماحهم وسيوفهم وسلاحهم لايضركم ولا يعمل فيكم، ولا يحتك في أبدانكم، فجعل يقدمهم عشرة عشرة للمحاربة، فلما قتل منهم نحو ثلاثين رجلا، قالوا له ياسيدنا، ما ترى ما يحل بنا من القوم؟ وما ترى قصبنا لا يعمل فيهم ولا يؤثر، وقد يكسر كله، وقد عمل سلاحهم فينا وقتل من ترى منا؟ فذكر رواة العامة أنه قال لهم إن كان قد بدا لله فيكم فما ذنبى؟
وقال رواة الشيعة أنه قال لهم: يا قوم قد بليتم وامتحنتم، وأذن في قتلكم وشهادتكم، فقاتلوا على دينكم واحسابكم، ولا تعطوا بلدتكم فتذلوا مع أنكم لا تتخلصون من القتل، فموتوا كراما أعزاء واصبروا فقد وعد الله الصابرين أجراً
стр. 668
عظيما، وأنتم الصابرون. فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، وأسر أبو الخطاب، فأتى به عيسى بن موسى، فأمر بقتله فضربت عنقه في دار الرزق على شاطئ الفرات وأمر بصلبه وصلب أصحابه فصلبوا، ثم أمر بعد مدة بإحراقهم فأحرقوا، وبعث برءوسهم إلى المنصور، فأمر بها فصلبت على باب مدينة بغداد ثلاثة أيام، ثم أحرقت.
فلما فعل ذلك قال بعض أصحابه: إن أبا الخطاب لم يقتل، ولا قتل أحد من أصحابه، وإنما لبس على القوم وشبه عليهم، وإنما حاربوا بأمر أبى عبد الله جعفر ابن محمد، وخرجوا متفرقين من أبواب المسجد ولم يرهم أحد، ولم يجرح منهم أحد، وأقبل القوم يقتل بعضهم بعضا على أنهم يقتلون أصحاب أبى الخطاب، وإنما يقتلون أنفسهم، حتى جن عليهم الليل، فلما أصبحوا نظروا في القتلى فوجدوهم كلهم منهم، ولم يجدوا من أصحاب أبى طالب قتيلا ولا جريحا، ولا وجدوا منهم أحدا. وهذه الفرقة هي التي قالت: إن أبا الخطاب كان نبياً مرسلاً، أرسله جعفر بن محمد، ثم إنه صيره بعد ذلك حين حدث هذا الأمر من الملائكة - لعن الله من يقول هذا. ثم خرج بعد ذلك من قال بمقالته من أهل الكوفة وغيرهم إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر بعد قتل أبى الخطاب، فقالوا بإمامته وأقاموا عليها.
وصنوف الغالية افترقوا بعده على مقالات كثيرة، واختلفوا في رئاسات أصحابهم ومذاهبهم، حتى تراقى بعضهم إلى القول بربوبيته، وأن الروح التي صارت في آدم ومن بعده من أولى العزم من الرسل صارت فيه.
وقالت فرقة منهم: إن روح جعفر بن محمد تحولت عن جعفر في أبى الخطاب، ثم تحولت بعد غيبة أبى الخطاب في محمد بن إسماعيل بن جعفر، ثم ساقوا الإمامة على هذه الصفة في ولد محمد بن إسماعيل.
وتشعبت منهم فرقة من المباركية ممن قال بهذه المقالة، تسمى القرامطة، وإنما سميت بهذا برئيس لهم من أهل السواد من الأنباط كان يلقب بقرمطويه،
стр. 669
وكانوا في الأصل على مقالة المباركية ثم خالفوهم وقالوا لا يكون بعد محمد ﷺ وآله إلا سبعة أئمة: على بن أبى طالب وهو إمام رسول، والحسن والحسين، وعلى بن الحسين، ومحمد بن على، وجعفر بن محمد، ومحمد بن إسماعيل بن جعفر وهو الإمام القائم المهدى، وهو رسول. وزعموا أن النبى ﷺ وآله انقطعت عنه الرسالة في حياته في اليوم الذى أمر فيه بنصب على بن أبى طالب ﵁ للناس بغدير خم، فصارت الرسالة في ذلك اليوم إلى أمير المؤمنين وفيه، واعتلوا في ذلك بخبر تأولوه، وهو قول رسول الله ﷺ وآله: من كنت مولاه فعلى مولاه، وأن هذا القول منه خروج من الرسالة والنبوة، وتسليم منه ذلك لعلى بن أبى طالب بأمر الله ، وأن النبى ﷺ وآله بعد ذلك صار مأموما لعلى بن أبى طالب، محجوجا به، فلما مضى على ﵁ صارت الإمامة في الحسن، ثم صارت من الحسن في الحسين، ثم صارت في على بن الحسين، ثم في محمد بن على، ثم كانت في جعفر بن محمد، ثم انقطعت عن جعفر في حياته فصارت في إسماعيل بن جعفر كما انقطعت الرسالة عن محمد صلى الله عليه وآله في حياته.
ثم إن الله بدا له في إمامة جعفر وإسماعيل فصيرها في محمد بن إسماعيل، واعتلوا في ذلك بخبر رووه عن جعفر بن محمد أنه قال: ما رأيت مثل بداء لله في إسماعيل، وزعموا أن محمد بن إسماعيل حى ... لم يمت وأنه غائب مستتر في بلاد الروم، وأنه القائم المهدى، ومعنى القائم عندهم أنه عندهم أنه يبعث بالرسالة، وبشريعة جديدة ينسخ بها شريعة محمد صلى الله عليه وآله، وأن محمد بن إسماعيل من أولى العزم، وأولو العزم عندهم سبعة: " نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم، وعلى ﵁، ومحمد بن إسماعيل " على معنى أن السموات سبع، وأن الأرضين سبع، وأن الإنسان بدنه سبع: يداه ورجلاه، وظهره، وبطنه، وقلبه، وأن رأسه سبع: عيناه وأذناه، ومنخراه، وفمه وفيه لسانه وفمه بمنزلة ...
стр. 670
صدره الذى فيه قلبه، والأئمة سبع كذلك وقلبهم محمد بن إسماعيل، واعتلوا في نسخ شريعة محمد ﷺ وآله وتبديلها، بأخبار رووها عن أبى عبد الله جعفر بن محمد أنه قال: لو قام قائمنا علمتم القرآن جديداً " وأنه قال: إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء "، ونحو ذلك من أخبار القائم، وزعموا أن الله ﵎ جعل لمحمد بن إسماعيل جنة آدم، ومعناها عندهم الإباحة للمحارم وجميع ما خلق في الدنيا، وهو قول الله ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (البقرة: ٣٥) يعنى محمد بن إسماعيل وأباه إسماعيل، ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (البقرة: ٣٥) أى موسى بن جعفر بن محمد، وولده من بعده، ومن ادعى منهم الإمامة، وزعموا أن محمد بن إسماعيل هو خاتم النبيين الذى حكاه الله في كتابه، وأن الدنيا اثنتا عشرة جزيرة في كل جزيرة حجة، وأن الحجج اثنا عشر، ولكل حجة داعية، ولكل داعية يد، يعنون بذلك أن اليد رجل له دلائل وبراهين يقيمها كدلائل الرسل،
ويسمون الحجة الأب، والداعية الأم، واليد الابن يضاهئون قول النصارى في ثالث ثلاثة، أن الله الأب والمسيح الابن، وأمه مريم، فالحجة الأكبر هو الرب، وهو الأب، والداعية هي الأم، واليد هو ... الابن –- كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيداً، وخسروا خسرانا مبينا. وزعموا أن جميع الأشياء التي فرضها الله تعالى على عباده، وسنها نبيه ﷺ وآله، وأمر بها ظاهر وباطن، وأن جميع ما استعبد الله به العباد في الظاهر من الكتاب والسنة، أمثال مضروبة، وتحتها معان هي بطونها، وعليها العمل، وفيها النجاة، وأن ما ظهر منها هي التي نهى عنها، وفى استعمالها الهلاك والشقاء وهى جزء من العقاب الأدنى، عذب الله بهم قوما، وأخذهم به ليشقوا بذلك، إذ لم يعرفوا الحق، ولم يقوموا به ولم يؤمنوا.